تحميل رواية «ثلاث صرخات وحدها لا تكفي» PDF
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد ما والدتي ماتت وقبل ما العزاء يخلص، والدي دخل عليّ بعروسته الجديدة. بنت يدوبك أكبر مني بسنة. مقدرش يديني فرصة حتى أحزن عليها. وبسرعة المشاكل بدأت بيني وبينها. مكنتش طايقة نفسي ولا الشقة ولا حتى أبص في وش أبويا. ولما أول عريس خبط على بابنا، وافقت من غير تردد. كنت عايزة أخرج من الوضع ده، يبقى لي شقة لوحدي. مكنش فارق معايا شكل العريس ولا شغله ولا حتى مؤهله. مراية أبويا كانت عايزة تخلص مني كمان. يدوبك ما صدقت الراجل وصل عندنا واقنعت والدي يوافق من غير مهر ولا دهب ولا أي حاجة. واتجوزت بسرعة في شق...
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسي
بعد ما والدتي ماتت وقبل ما العزاء يخلص، والدي دخل عليّ بعروسته الجديدة. بنت يدوبك أكبر مني بسنة. مقدرش يديني فرصة حتى أحزن عليها.
وبسرعة المشاكل بدأت بيني وبينها. مكنتش طايقة نفسي ولا الشقة ولا حتى أبص في وش أبويا. ولما أول عريس خبط على بابنا، وافقت من غير تردد. كنت عايزة أخرج من الوضع ده، يبقى لي شقة لوحدي. مكنش فارق معايا شكل العريس ولا شغله ولا حتى مؤهله.
مراية أبويا كانت عايزة تخلص مني كمان. يدوبك ما صدقت الراجل وصل عندنا واقنعت والدي يوافق من غير مهر ولا دهب ولا أي حاجة.
واتجوزت بسرعة في شقة أوضة وصالة وحمام ومطبخ. كل اللي أعرفه إن جوزي شغال على عربية فلافل في الشارع. بيخرج مع الفجر ويرجع قبل المغرب مهدود من الشغل. يدوبك يتعشى وينام.
مفيش تلت شهور وبطني اتنفخت بطفلي الأول. عدت شهور الحمل عليا صعبة جدا. كنت لازم أقوم بشغل البيت لأن مفيش حد بيساعدني. وولدت طفلي في الشقة بمساعدة ست عجوزة كانت عايشة جنبنا.
ابني كان بيتعب زي كل الأطفال وكنت بعالجه في البيت. لكن في مرة حرارته ارتفعت جدا ومكنش فيه فلوس في البيت. اضطريت أشيل ابني في حضني وأروح لجوزي مكان شغله.
كان واقف على عربية طعمية جنب قهوة. وقفت على الناحية التانية أشاور له، مخدش باله. كان فيه واحد قاعد على القهوة شافني وقرب مني. سألني: "إنتِ عايزة مين؟"
قولت له: "متشكرة، جوزي هناك." ومشيت ناحية جوزي. بعدت عنه لأن شكله ونظراته معجبتنيش.
قولت لجوزي، اللي كان مستغرب من حضوري: "الواد سخن ولازم أوديه المستشفى."
جوزي حط إيده في جيبه، مكنش معاه فلوس. وسط لخبطته، الشخص ده قرب مننا وسأل جوزي: "فيه حاجة؟"
جوزي قاله: "يا أستاذ شريف، ابني تعبان وأنا محتاج سلفة."
شريف ده قاله: "من عينيا، ده إنت زي أخويا. خليك إنت في شغلك وأنا هاخد المدام في العربية على المستشفى. هدفع كل حاجة ونبقى نتحاسب."
أنا قولت هروح لوحدي، لكن شريف أصر يوصلني الشقة. قال: "صابر جوزك مش هيسامحني لو سبتك وسط الشارع كده."
وصلني لحد باب العمارة ومشي.
ابني بقى كويس الحمد لله. لكن لاحظت إن شريف ده بدأ يجي عندنا الشقة ويسهر مع جوزي. استحملت السهر لحد الصبح.
حاولت أتكلم مع جوزي، فهمته إني مش برتاح لما بيكون فيه شخص غريب في البيت لحد الصبح. جوزي اقتنع وقال: "خلاص، مش هيحصل كده تاني."
وفعلاً مر أسبوع، شريف ده مجاش البيت عندنا. وفي يوم جوزي رجع من الشغل متكدر وقال إنه هيدور على شغل في مكان تاني بعيد عن شريف ده لأنه مش مستريح معاه. أنا قولت له: "ربنا مش هينسانا." وحاولت أهون عليه.
جوزي صحي من الفجر ونزل يدور على شغل. ودي كانت آخر مرة أشوفه فيها.
الليل جه وعدى نصه وصابر جوزي مظهرش. فضلت صاحية لحد الصبح. أول ما الشمس طلعت، خدت ابني وطلعت على مكان شريف. سألته عن جوزي، قال إنه مشفوش من امبارح، ميعرفش عنه حاجة. واصر إنه يدور معايا عن جوزي.
بلغنا الشرطة ولفينا من مستشفى لمستشفى. ملقناش أي أثر لجوزي. شريف ده مسبنيش ولا لحظة، كان دايماً واقف معايا.
بعد تلت أيام، اضطريت أرجع شقة والدي. مكنش ينفع أقعد في شقتي لوحدي من غير راجل. شريف كان بيجي عندنا البيت وكان بيجيب هدايا لابني. لحد ما جه اليوم المشؤوم اللي شريف دخل علينا وقال: "الشرطة لقيت جوزك وطالبينك تتعرفي على جثته."
صرخت، انهرت، فقدت وعي. جوزي لقوه جثته متعفنة في المصرف. كان مخنوق بحبل وفيه آثار مقاومة وخدش ضوافر.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسي
بعد أربع شهور من وفاة زوجي، كنت في المطبخ بحضر أكل لطفلي.
سمعت مرات أبويا بتقولي:
"في عريس متقدم لشروق."
أنا كنت عارفة إنها عايزة تتخلص مني، وإن وجودي في الشقة مضايقها.
أبويا سألها:
"عريس مين ده اللي هيقبل بواحدة معاها طفل؟"
مرات أبويا قالت:
"العريس موجود، وكمان هيدفع مهر كويس. ولا انت عايز بنتك كاتمة فوق نفسنا كده؟ ياراجل عايزة أعرف أدلعك!!"
سمع والدي الكلمة وبلع ريقه، كان للكلمة أثر عجيب على ذاته.
"وشروق رأيها إيه؟"
قالت مرات أبويا:
"دي تحمد ربنا وتبوس إيديها وش وضهر إن فيه راجل هيلمها! هو مجوز ومراته مش بتخلف، ومراته موافقة على الجواز يعني مفيش مشكلة."
كنت متأكدة إنهم عايزين يخلصوا مني، وإن وفاة جوزي مش هتمثل أي حاجة بالنسبة لهم.
خرجت من المطبخ وأنا شايلة ابني، قولتلهم:
"أنا موافقة، مين العريس؟"
ابتسمت مرات أبويا وقالت:
"إنتي تعرفيه كويس."
وغمزت بعينها.
"شريف؟"
بلعت ريقي بصعوبة.
"اشمعنى شريف؟ وليه أنا؟"
قبل ما أفتح فمي، الباب خبط ودخل شريف. مفيش ربع ساعة وكان مخلص الكلام مع والدي.
أميرة، مرات أبويا، كانت ممهدة لكل حاجة.
خدني شريف بعد ما العدة انتهت بشنطة هدومي، وطلعنا على شقته في المرج.
شقة في الدور التالت، تلت غرف وصالة وحمام ومطبخ.
فيه سرير واحد في أوضة النوم، والهدوم كلها متكدسة في غرفة تانية.
الصالة فيها كنبة قديمة.
أول ما دخلنا، كوثر، مرات شريف، رحبت بيا. ست خمسينية ملامحها مرعبة، خلتني أخاف منها من أول لحظة.
شالت ابني وقعدت تلعب معاه شوية.
بعدها غمزت لشريف بعينها.
شريف قالي:
"استني هنا شوية يا شروق."
دخلو أوضة النوم. ربع ساعة بعدها خرج شريف، عينيه مبرقة وشكله متغير.
شدني من إيدي على أوضة النوم وقالي:
"سيبي ابنك لكوثر."
بعد ما خلص معايا، سبني مرمية على السرير وخرج من الغرفة.
"كوثر، إيه حصل؟"
"حصل، متقلقيش."
"يعني الجرعة جابت نتيجة؟"
"مفيش شهرين وهتلاقي بطنها اتنفخت."
"قلت كده المرة اللي فاتت والبت طلعت مش بتحمل، بيت مخروب!"
"لكن دي معاها طفل، النتيجة مضمونة."
شريف ساب البيت ونزل.
كوثر دخلت الأوضة عليا.
"يلا يا حلوة، خدي بعضك ونامي بره في الصالة. الغرفة دي بتاعتي أنا وشريف ومش هتدخليها تاني غير لما آمرك."
العنوان باين من أوله. طلعت، استحميت، كنت جعانة. بحثت عن أكل. كوثر شافتني.
قالت:
"إنتي عروسة وهتاكلي من إيدي."
دخلت المطبخ، خلطت حاجات كتير مع بعضها، وحطت فيها برشام مهروس وعملت شوربة.
"الشوربة دي هتخليكي زي الفل."
كنت جعانة، خلصت الشوربة كلها. حسيت دماغي تقيلة ونمت في الصالة.
فضلت أكتر من شهر آكل من إيد كوثر. الشوربة اللي كانت بتعملها عملت معايا إدمان. لو تأخرت كنت بطلبها.
وكنت بقضي يومي تايهة، مش عارفة حاجة. جسمي خامل مكسر، ولو الشوربة اتأخرت جسمي يولع نار.
تهت، مبقتش عارفة أنا بعمل إيه ولا عايشة إزاي، مغيبة زي ما أكون فاقدة الوعي بس بتحرك.
وفي يوم، دخل عليا الصالة، كنت نايمة. نزل فيا ضرب عنيف، ضرب في كل حتة في جسمي.
"يا بنت الكلب، سبتي ابنك لحد ما مات؟"
الكلمة دبحتني. قعدت أصرخ زي المجنونة.
"ابني، ابني!"
كوثر دخلت علينا. صرخت:
"مش عايزين فضايح! لو حد عرف أو الشرطة عرفت، شروق هتدخل السجن."
"عايزة أشوفه والنبي، عايزة أشوفه."
بوست رجل كوثر لحد ما سمحت ليا أشوف ابني.
كان ملفوف في ملاية من غير حركة، بس مخلونيش المسّه.
شاله هو وكوثر ونزلوا بيه. قالوا:
"إحنا هندفنه من غير ما حد يعرف، وإنتي متحركيش من هنا."
الشعور بالذنب والحزن خلاني أهمل في نفسي. لا بدور على أكل ولا بستحمى ولا بتحرك من مكاني غير لو كوثر أمرتني.
وأنجبت طفل جميل زي القمر.
كوثر حضنت الطفل وقالت:
"خليه معايا."
أنا صرخت:
"عايزة ابني في حضني!"
كوثر حذرتني:
"إنتي مش في وعيك وبتنامي من غير ما تشعري، ممكن تأذي الطفل؟"
رفضت، خدت ابني في حضني، لكن النوم أخدني غصب عني ونمت.
كأنه حلم بيتكرر. شريف نازل فيا ضرب وشتيمة.
"قتلتِ ابنك، قتلتِ ابنك!"
بصيت ملقتش ابني جنبي. قتلته إزاي؟ دا كان في حضني.
كوثر برقت عنيها.
"خنقْتيه يا هانم، بدراعك من غير ما تشعري. إنتي هتودينا في داهية. إحنا لازم هندفنه بسرعة، يلا يا شريف!"
اترميت على الأرض أبكي وأصرخ وأندب.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسي
كفايه يا شريف هتموتها
خلينا نفكر فى المصيبه دى
اطلع بره لو سمحت
طلع شريف من الغرفه
كوثر قعدت تبكي
قولتلك خلي الواد معايا مرضتيش
كنت عارفه انك مش واعية لنفسك وادي اللي خفته منه حصل
خنقتيه وانتي نايمة
مكنتش قادرة أتكلم من الحزن واليأس
كوثر جابتلي الشربة
خدي دي وانتي هتستريحي
احنا لازم ندفن الواد من غير ما حد يحس
شربت شروق الشربة المخدرة المخلوطة بالهيروين
حست بخدر في جسمها
نسيت حزنها وهمومها ونامت
شريف كان بيعاملها معاملة وحشة جدا
كل شوية يذكرها انها قتلت ابنها بإيده
لل هروب من الإحساس بالذنب كانت شروق بتطلب الحساء من كوثر
وكوثر كانت بتديه ليها بسعادة
وحملت شروق مرة تانية
بطنها اتنفخت
برافو عليك يا شريف والله
احنا عايزين أطفال كتير
متقلقيش يا كوثر هخليها تحمل زي الأرانب
ومرت الشهور بسرعة
شروق ربنا رزقها بطفلة جميلة
المرة دي كان مقرر إنه عينها مش هتغفل عنها أبدا
هتلعب معاها وتستمتع بضحكتها
هتشوفها بتمشي قدامها وتجري وراها في الشقة
كوثر سابت الطفلة مع والدتها
شريف انجزي يا كوثر الجماعة مستعجلين
كوثر اصبر شوية
البت واخده بالها قوي المرة دي
والشربة راحت فين؟
متنسيش انها مدمنة
ضحكت كوثر
أنا معطيتهاش
مانعة عنها الحساء لحد ما تفور
تخيل جسم شروق
بدأت تطلب الحساء
كانت هتبوس على رجل كوثر
أول ما خلصت الحساء نامت
كوثر خدت الطفلة ومشيت
وزي كل مرة
شروق بتفتح عينيها على ضرب شريف اللي بيكسر عضمها
نمتي وسبتي بنتك لحد ما ماتت
صرخت شروق
ماتت إزاي
أنا كنت واخداها في حضني
وبعد كده إيه اللي حصل؟
معرفتش ترد
مش فاكرة حاجة
مش فاكرة يا شريف مش فاكرة
خنقتيها زي ما خنقتي ابنك
انتي مش أم انتي قاتلة
اترمت شروق على الأرض تبكي وتندب وفقدت وعيها
خرجت كوثر وشريف ورجعوا آخر الليل
كوثر شفت أنا عملت إيه
شفت الاتفاقات إزاي
طلبت ضعف المبلغ وخدته
لصراحة يا كوثر انتي فظيعة مجرمة
ماله إيه يا واد دا أنا كوثر والأجر على الله
باب غرفة شروق كان مفتوح
كوثر دخلت الأوضة ملقيتش شروق
راحت فين بنت الكلب دي؟
بتبص لقيت شروق مرمية في المطبخ نايمة
ضربتها برجليها
شروق قامت
بتعملي إيه هنا يا زفت؟
شروق كنت عايزة الشربة
دماغي هتنفجر
كوثر اديتها الحساء
شروق شربته ونامت
شريف لكوثر تفتكري البنت دي سمعت حاجة؟
كوثر لا مسمعتش
هي عارفة نفسها فين أصلا؟
وريني همتك بقا عايزين واحد تاني
شريف متقلقيش هخليها تحمل في تؤام
في اللحظات اللي شروق كانت بتستعيد فيها وعيها كانت بتسأل نفسها هما كانوا بيتكلموا على إيه؟
في مرة سألت كوثر
انت شفتك يا كوثر واخده بنتي وخارجة من الغرفة
كوثر وهي بتتصعب
تهيأوت يا بنتي تهيأوت
ربنا يشفيكي
لكن شروق كان عندها شكوك أقرب للحقيقة
حملت شروق مرة تالتة وقضت شهور الحمل نايمة مش حاسة بأي حاجة
في يوم كوثر نسيت تديها الحساء وكانت قاعدة مع شريف في الصالة
البنت قربت تولد اتفقت مع الناس؟
شريف أيوه اتفقت كل حاجة تمام
بعد ما شروق ما تولد عايزين نخلص منها
البنت أسألتها كترت واحنا مش ناقصين مشاكل
سمعت شروق كلمة نخلص منها وجسمها كله ارتعش
دول بياخدوا عيالي
حضنت معدتها
مش هسمح لأي شخص يلمسك يا حبيبي زي أخواتك متخافشي
طلبت شروق من كوثر أنها تصنع الحساء بنفسها
كوثر وافقت
تسمع كلامها بالحرف تطيعها
لكن مكنتش بتشرب الحساء
في الأول حست إن جسمها بيتقطع
صداع
عرق
حست إنها هتموت
كل ما كانت تضعف كانت تفتكر صورة أطفالها وهما بيتاخدوا منها
لحد ما بدأت تتعافى وكانت بتحاول تتذكر الأيام المنسية
الممسوحة من ذاكرتها
كانت عايزة تعرف إيه اللي حصل
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسي
مضت الأيام مسرعة وبدأت آلام الولادة تهاجمها. لم تفارقها كوثر ولا لحظة، وعندما حان وقت الولادة كانت هي نفسها من تساعدها.
طلبت منها أن تشرب الحساء. لم تصر، كانت تعلم أن شروق تفعل ذلك بنفسها.
نصف ساعة من الصراخ والدفع، وسمعت صرخة طفلها. لم يغيب عقلها.
"اسمحي لي أن احتضنه،" توسلت كوثر.
تركت لها طفلها ونظفت المكان. هاتفت شريف ليضرب لها موعدًا مع ذلك الرجل. ستقود هي المفاوضات.
"الطفل معك؟" سألها شريف.
"مع والدته شروق. سنبرم الاتفاق. قبل عودتنا ستكون غائبة عن الحياة. سأحرص على ذلك. تلك الفتاة يجب أن تختفي مثل سابقتها، لا يمكننا الاحتفاظ بها أكثر."
وضعت جرعة قاتلة في الحساء وتركته بجوار شروق، وطالبتها بشربه، ولم تتركها إلا بعد أن تذوقته.
"سأخرج بعض الوقت وأعود،" وضحت لها كوثر.
عندما سمعت الباب يُغلق، تقيأت ما احتفظت به في فمها. ربع ساعة راقبتها من النافذة حتى اختفت. حملت طفلها وهي تترنح ومشت تجاه الباب. حاولت فتحه لكنه كان مغلقًا من الخارج.
حاولت شروق تهشيم الباب، لكن حالتها الجسدية كانت منهكة للأبعد حد. جعلت تركب الباب وتصرخ.
خلف الباب جلست تبكي لنصف ساعة. ثم بمحاولة يائسة أخرى جعلت تطلب النجدة من النافذة، لكن لم يسمعها أحد. عادت مرة أخرى تجاه الباب. أحضرت سكينًا وجعلت تحاول ثقب الباب.
بالشقة التي تدنوها كان هناك طفل يلعب أمام شقته. سمع الصراخ والضربات، فأخبر والدته، والتي قامت بمساعدة ابنها الكبير بتهشيم الباب. وجدت شروق خلف الباب تحتضن طفلها. عندما رأتهم، حملت طفلها وركضت هاربة مرتعبة نحو المطبخ. لكن السيدة حاورتها بلطف. اختبرتها أنها لم تكن تعلم أن هناك شخصًا آخر يقطن الشقة غير كوثر وشريف.
ألقت شروق برأسها على قدم السيدة وراحت تقبلها.
"امنحيني بعض النقود،"
رأفت السيدة بحالها ومنحتها بعض النقود وأعارتها عباءة بدل ملابسها الممزقة.
من سيارة لسيارة تنقلت شروق بحضنها رضيع وهي لا تكاد تشعر بنصفها التحتاني. بقايا خليط يرسم خيطًا خلفها.
كان لديها رغبة واحدة. الرغبة للوصول لأقصى مكان في العالم.
على مدى يومين تابعت تنقلاتها حتى طلبت من السائق الذي يقود على نغمات "روح يا نسيم لحبيبي وقوله"، أن يتوقف ببقعة خالية تحتلها المقابر. بينما على الناحية الأخرى، حيث نهاية طريق فرعي قصير، تنهض فيلا مطلية باللون الأبيض. يحيط بها سياج مرتفع يحبس حديقة بانت أفرع أشجارها الطويلة. عبرت مقبرتين قبل أن تجلس متكئة بظهرها على شاهد قبر يحمل اسمًا ممحو بعناية.
تركت طفلها يلعق صدرها. ولما خارت قواها لم تدري بنفسها. انحنت رأسها لأسفل بنوم مميت، تاركة طفلها يبحث عن سبل الحياة من خلال صدرها.
راودتها أحلام بشعة أن طفليها لم يموتوا. أنها لم تقتل طفلتها، وأن كوثر التهمتهم. رأت أسنانها وهي تقضم لحمهم واللعاب يسيل على ذقنها. كانت تفعل ذلك وهي تنظر إلى طفلها الآخر الذي تحتضنه بعيون مشتعلة.
فتحت عينيها بهلع وهي تحتضن طفلها الصارخ بقوة إلى صدرها حتى تكاد تخنقه. بصقت ثلاث على يسارها واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم.
كانت المقابر خالية ولم تجد ما تأكله. فكرت أن تقصد تلك الفيلا المنزلة، لكنها تراجعت مدفوعة بنوبة كرهه لكل ما هو بشري يتنفس. كانت قد انتهت. أن البشر لا يرحمون. حتى العائلة نفسها كانت أكثر قسوة من غيرها. وماذا بإمكان الإنسان أن يفعله بعالم مملوء بالقبح.
توقف الرجل على بعد خطوات. رمق الرضيع بحضنها قبل أن يسألها "ماذا تفعلين هنا؟"
"ليس لدي مكان آخر لأقصده،" أجابت وهي تضم طفلها لصدرها.
لمح الهلع بعينيها. الرعشة التي زلزلت جسدها. أنفاسها المرتفعة. جسدها النحيل وقلة حيلتها.
"منذ متى لم تتناولي طعامًا؟"
"لا أعلم!"
أخرج من جراب يحمله رغيف خبز وقطعة جبن قديمة، ومدها لها.
"أنا حارس المقابر ولا يمكنني أن أسمح لك بالبقاء هنا،" كان يحدثها وهي تلتهم الخبز. "يجب أن ترحلي!"
كانت تائهة بعينيها نظرة لا معنى لها.
سأل نفسه: كيف لإنسان أن يتحمل جريمة بمثل تلك القباحة؟ أن تدفع كلماته، أفعاله، شخصًا آخر لمثل هذا المصير؟
جعل يتأملها قبل أن يرحل. عاد بعد مدة يحمل مفرشًا وبطانية قديمة. طلب منها أن تقف. مد المفرش، جلس وجلست بجواره. لم يعد يعنيه سبب وجودها ولا ما فعلته. حتى لو كانت خاطئة؟ فإنها تستحق معاملة أفضل.
لم يجبرها أن تتحدث. داعب رضيعها وهو يقرأ القرآن قبل أن يرحل.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسي
منذ ذلك اليوم أصبحت المقابر منزلها، تختفي بالنهار الفاضح حتى لا يراها احد، تتلصص الشارع الخالي الذي لا تقطعه الا سيارات تحمل البضائع لتلك الفيلا القريبة.
كانت عندما تسمع صراخ جنازة تحمل طفلها وتركض لآخر المقابر، تكمن أسفل دغل من الأشجار حتى تخفت الجلبة.
أصبحت تدرك ان أقرباء الميت يكونون اول الراحلين بعد دفنه، ما جدوى الانتظار والبكاء الا تقليب المواجع؟
ما عاد القلب يحتمل احزان أخرى، ان الحياه لا تنتهي بموت احبائنا وكل ذلك الهراء البشري، المبررات التي تدفعنا للاستمرار بحياة تكرهنا حتى نفقد شخص آخر تدور الدائرة حتى نكون نحن أنفسنا ذلك الشخص.
لكن تلك المرة كانت مختلفة، بعد أن رحل الجميع ظلت تسمع صوت ينتحب، عويل مرير استمر واستمر اليوم بطوله، تخلت عن حذرها لأول مره، تركت مكانها وتسللت خلف المقابر حتى لمحت رجل خمسيني يجلس محملق بشاهد قبر محتضن وجهه بكفين ناعمتين.
قالت: سيرحل الان، عما قريب سيهبط الليل ويتبخر النور.
لكن بعد أن علت النجوم بالسماء واصبحت بقع مضيئة ظل ذلك الرجل ثابت بمكانه.
"لا يشعر بألامك الا شخص عانى مثلك او اكثر منك ومن تراه تعذب بتلك الحياه اكثر منها؟"
مات طفليها، هاربه، مشرده بالثالث!
اقتربت منه وهو لا يكاد يشعر بها اولا يرغب الشعور بها، كان قد فقد كل شعور بالحياة ولم تعد تمثل له اثاره.
وضعت يدها فوق كتفه، "البقاء لله."
فك يديه ورمقها بأتعس نظرة ممكنه قبل أن يعاود نحيبه مره أخرى.
لا يبكي الرجل الا اذا انتهى كل أمل له بالحياة.
أحضرت المفرش الذي كانت تخفيه في الزراعات وفردته بجواره، طلبت منه أن يجلس فوقه.
اتكاء بأعياء، ظهره على مقبره تحمل شاهد قبر حديث برخامه تحمل اسم أحمد صبري عبد الحميد وحرمه.
اهات مستعرة خرجت منه تلهب تسيل السماء المتجمدة، لم يكن يتنهد، كان يطلق دفعات من جمر احمر تكوى روحه.
وتسأل وهو ينتحب: "ان الحياه التي تجعل الاب الذي انحني ظهره يدفن ابنه ليست رحيمه ابدآ."
دقائق ظل على تلك الحالة يكافح ليجد نفسه، تلك الأوقات التي تترنح خلالها ثوابتنا ومبادئنا الآبديه أمام عواصف الحياه ومصائبها.
وجد الطفل يرنو تجاهه بنظرات متقلقلة وهو يعبث بساقيه بسعادة.
اعتدل ليجدها ترقبه فتاه على مشارف الثلاثين، ناحفة كسنبلة قمح، بانت عظام وجهها، غارت عينيها في مخابئها، بقع تحت جفونها، ويديها الزابلتين التي تحتضن بها طفلها.
شعر بالخزي، لأول مره في حياته ينكسر أمام صدمه، كان لا يعرف كيف يسقط الرجل مكتمل العافية أمام الألم حتى شعر به يخترقه ويدمره ويسخر منه.
مسح دموعه بكم قميصه.
"ما اسمه؟" سألها.
سكتت، هرشت رأسها، لم تفكر في ذلك من قبل.
"ما اسمه؟" سألت نفسها؟
"لم تختاري اسم حتى الآن؟"
"لم تأتيني الفكرة، ليس مهم." وأعرضت بوجهها بعيد عنه.
وضح لها أن ذلك غير ممكن وأن نشأة طفلها وترعرعه دون أسم وشهادة ميلاد غير ممكن الأن.
بدت غير مهتمة بتلك المصطلحات الرنانة، المهم ان طفلها بحضنها.
اخرج صبري لفافة تبغ واشعلها تحت مراقبة عيون الموتى المستنكرة.
سحب سحبه مديده من لفافة التبغ وهو ينظر للأفق الممتد أمامه.
بدي يفكر ما الجدوى من حديثه قبل ان ينطق اخيرا: "لقد فقدت ابني الوحيد وزوجته اليوم، مات بحادثه دون أن يودعني، أربعين سنه نعيش مع بعضنا، نأكل وننام بنفس المكان ولا يجد دقيقتين ليقول انا راحل ويودعني، انها مأساة حقيقيه لا أعتقد انها ستعبرني دون خسائر."
"لقد فقدت طفلي أيضا ولم تنتهي الحياه؟"
سكتت وادارت وجهه يمنه ويسره.
قالوا ان الطفل الأول مات وإنني قمت بقتل طفلتي وانا نائمه، لا يمكنني ان أصدق ذلك، لا يمكن لأم ان تقتل طفلها حتى لو كانت نائمه، اولاد الزا..
رمقها صبري بطرف عينه وهو ينفس الدخان، "لا تبدو مجنونة؟"
كانت متوجعه مثله وترغب ان تنفي الحزن بداخلها.
ان الحديث عن الأحزان يجر بعضه مثل جرعات الهيروين.
حكت له ما تتذكره من قصتها وعندما انتهت كان قد انهي علبتي تبغ وأطلق نصف عبوة سباب.
اولاد الزا يحيطون بنا في كل مكان.
راح الصبح ينبلج ويشتت ثوب الليل وقرر صبري ان يرحل.
كان قد تذكر للتو انه ترك طفل صغير في عناية الجيران.
الجميل في الأطفال انهم لا يتذكرون القسوة ويغفرون دوما لمن يحبونهم.
منحها ورقه نقديه تكفيها شهر وطلب منها ان تقرأ القرآن على روح ابنه وانه سيكون ممتن اذا أطلقت اسم ابنه علي صغيرها.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسي
أصبح كل خدم الفيلا يعرفون جارتهم شروق التي تقطن المقابر وطفلها أحمد الذي يركض طوال اليوم عاريا حافيا يطارد قطط المقابر وكلابها والارواح الهائمة الملتجئة بقدسية المقابر.
كانوا يلقون عليها التحية ويختلقون معها بعض الكلام إذا كانت سيدتهم لا تراقبهم من شرفتها اللعينة.
كبر أحمد وبدأ يتجول بالحقول المجاورة، كان يقترب من الفيلا احيانا، المنطقة المحرمة التي حذرته منها والدته، يلتصق بالسياج متلصصا على غفلة من الحارس النائم، نظرات من الباب الحديدي نحو الطفلين الذين يلعبون بالداخل.
أصبحت تلك عادته اليومية ان يتابع الفتاه الصغيرة الجميلة التي تلعب مع أخيها المزعج.
من عل، حيث شرفتها المغطاة بمثلث مخروطي من القرميد ألأحمر كانت السيدة نرجس ترمق الحقول الخضراء ذات المحاصيل المتنوعة قبل أن تمر عينها على شروق وطفلها القابعين في المقابر.
ارتأت في الفترة الأخيرة بعد موت كلبها نجرسكو وعزوف كلبها الأخر، البيج، وانسداد نفسه، ان ترسل إليها بقايا الأطعمة والعبوات منتهية الصلاحية بدل القائها بالمصرف القريب لأن رائحتها قذرة ولا تطاق وتحفز الناموس المزعج على مهاجمتها ليلا.
بعد عدت أعوام من الجيرة لم تركض شروق نحوها طلبا لمساعدتها او تسول اللقمة.
لطالما ازعجها ذلك الاعتداد بالنفس الذي لا يليق بـ"حثالة" من عامة الشعب ومتشردة.
ان تلك الخصلة التي تنمو بصدور الطبقة الغوغائية مع الولادة اذا أصبحت مشهورة ستكون مصيبة وحينها ستكون مهزلة ولن ينحني شخص لأخر وربما قبل نهاية العالم لا يقبل يده.
دوما كانت تضجرها تلك الهواجس، لكنها تملك كل شيء ولا ينقصها الا ان تعطى اوامرها فتصبح خادمة عندها.
تابعت طفليها مصطفى وكارمه يلعبان بالحديقة، يقترب عمرهما من عمر طفلها.
دبرت الفكرة في رأسها قبل أن ترسل في طلبها، قالت إذا تم تنظيفها وتلميعها وفق رؤيتها.!!.
يمكنها ان تمنحهم بعض الحنان الذي حرمت منه، فمشاعر الأمومة لا تباع ولا تشترى ولا تستأجر.
على باب غرفة الخدم، طلبت منها خادمة نوبية ان تخلع شبشبها، وان تنزع ملابسها وكل شيء يمت للحياة الخارجية اللعينة بأي صلة.
مشت الخادمة أمامها بردفين يهتزان كهودج جمل نحو الحمام، قالت يا شروق نظفي نفسك، اقشطي اوساخك بالليفة حتى يلمع جلدك.
نجح الماء الساخن والصابون بإزالة اكوام الوسخ الملتصقة بجسد شروق.
بدلت ملابسها بأخرى نظيفة، وجلست على، مقربة من باب يؤدي لرواق برح تنتظر مقابلة الهانم.
كانت شروق طلبت من أحمد أن ينتظرها بالمقابر ولا يتبعها.
من الباب الضيق سرحت في الطفلين اللذان يلعبان في الحديقة، ملابسهم النظيفة، كلماتهم المنضبطة، احذيتهم اللامعة التي لم تعلق بها أوساخ الحديقة.
لم تفكر ان كان ابنها يستحق حياة مثل تلك؟
فهناك محدودية مرتبطة بأحلام الفقراء، وسقف طموح واطئ مثل معيشتهم.
سمحت لها الخادمة بالدخول على مدام نرجس والتي كان جسدها الممشوق غاطس في أريكة زهرية اللون، كانت ترتدي تيشرت وردي وشورت قصير من الحرير الأبيض.
انتصبت شروق في وقفتها محاولة بشتى الطرق ان ترفع كتفيها وتنصب ظهرها الذي أكلته الرطوبة لتبدو لائقة مزاجيا للهانم!
عاينتها نرجس للحظات، ليس بها شيء ملفت، سكتت قبل أن ترفع يديها حدود صدرها وتقول سأعينك خادمة بالفيلا، نظير الأكل والإقامة، ثم بنبرة مستعلية أردفت ألم تكتفي من نومة المقابر وافتراش الأرض؟
أنا أفعل ذلك من أجل الله لأنقذك من تشردك ودفنك لنفسك حية بين بقايا الأموات، أنا لا أبحث عن عرفانك او امتنانك.
وتخلل وجهها سنة من التأثر بل من أجله، لأن تلك الأمور إذا لم نقم بها نحن فلن تجد من يفعلها، ومسحت كفيها كأنها تختم دعاء بساقيها العاريتين.
بتلعثم أجابت شروق، لك، لكن لدي طفل!!
أنا أعرف طفلك، أنا أعرف كل شيء، كل شيء!!
كلمة جعلت رأس شروق تلف وجسدها يرتعش ويترنح، لكن وجهها الذي بصفرة الموت لم يمنع نرجس ان تردف، يمكنه الإقامة معك، لكن بشرط ألا يتعدى غرفة الخدم او يوسخ الأرضيات بأقدامه القذرة او يختلط بأطفالي.
ممتنة احنت شروق رأسها مدمدمة ربنا يبارك لك يا هانم وقبلت يد نرجس التي مدتها أمامها بلا اهتمام.
قبل أن تبتعد عن الفيلا سمعته يصرخ خلف قطة بائسة، صرخت أحمد! تعالي سنعيش داخل الفيلا.
سحبته من يده خلفها وهي توصيه، لا تلعب مع أطفالها، لا تلوث البلاط، ولا تسير بين الغرف عاريا!
أحمد، لا تحاول أبدا اختراق الفيلا.
وربتت على كتفه بحنان، يا ولدي.
وسكتت، لقد أرسل لنا الله تلك السيدة الفاضلة بعد أن نخرنا البرد لتشملنا بعطفها بين جدران تحمينا.
لماذا لم يرسل الله والدي ليعتني بي يا اماه؟
هزت شروق جسده النحيل، قلت لك.
وسكتت، والدك ميت.
فتح الحارس باب الفيلا، باب الجنة كما فكر أحمد كثيرا، حيث لا يمكن أن تكون أجمل.
نظر أحمد إلى السماء الغائمة واغمض عينيه ساحبا نفسا عميقا واحتفظ به داخله حتى انتفخ وجهه.
غسلته والدته، إزالة الجلخ من فوق كوعيه وكعبي قدميه والقشف من على وجهه حتى بدا نظيفا ومقبولا.
احتواها الخدم بحميمية مفرطة وأوكلوا لها الأعمال الخفيفة منحيين جانبا نوبات الفزع التي تنتابها ليلا، واعصابها التالفة التي تخونها وتسقط الأطباق على الأرض.
لم يعتبروها ابدا منافسة، كانت شبح امرأة محطمة، عجوز رغم سنونها الأربعة والثلاثين.
بمضي الأيام أتقنت شروق عملها كخادمة نظامية وتحسن مظهرها لكن ليس بالقدر الكافي لإخفاء ما حفرته الأيام الصعبة بقلم حديد على قسمات وجهها، لمحات بائسة، كتبت على جبهتها هنالك تقبع امرأة معذبة وبقايا روح هاربة.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسي
راحت علاقتها بأطفال سيدتها تقوى، كانت تحمل مشاعر جارفة نحوهم، لا تعاملهم كخادمة، بل كأم.
لاحظت نرجس ذلك، فأوكلت لها الأطفال ومنحتها لقب مربية الأطفال، بينما كان الأطفال ينادونها دادا.
كانت شروق توقظهم من النوم، تنظفهم، تبدل ملابسهم، تطعمهم بيدها، تراقبهم وهم يلعبون وتحل نزاعاتهم.
ذلك الاهتمام الذي غذى الحقد والكره بصدر ابنها أحمد.
منذ اللحظة الأولى تعلم أنه ليس مثلهم.
وكانت العلقة الساخنة التي تلقاها بعد أسبوع من إقامته بالفيلا لتجرؤه للعب معهم جرس إنذار يدق كلما راودته نفسه أو حاولت قدماه أن تقترب منهم.
كان يتابعهم من بعيد وهو يقضم أظافره، ويسأل نفسه؟
ما الشيء المميز الذي حباهم به الله دونه لينالوا كل تلك الرفاهية؟
ولم يفلح أبداً بالوصول لإجابة.
كان يحتاج لدهر ليدرك أن هناك فرق بين ابن الغفير أو حارس البوابة وابن الضابط أو الوزير.
بينه وبين ابن القاضي والباشا والهانم.
أنه مجرد ورقة بشارع، رصيف أسفلت، مداس أقدام.
من بعيد كان يسمع دروسهم، وأتقن حروف الهجاء قبلهم.
يوم استطاع كتابة كلمة "ماما" ركض بوجه ضاحك تجاه والدته الجالسة بالصالة تراقب مصطفى وكارمه.
كان يرغب بالصراخ من الفرحة، أن يقبلها ويضمها لصدره ويخبرها أنه استطاع القراءة مثلهم دون معلم.
نادى عليها: "ماما؟"
كانت منشغلة ولم ترد.
"ماما؟"
التفتت نحوه، زجرته بعينيها وهي تربت على كتف مصطفى.
عاد منكسراً، مزق الورقة ودهسها وغرق في البكاء.
حتى بعد أن عادت والدته وبررت له موقفه بأن السيدة نرجس كانت ستغضب إذا لمحته هناك.
حاولت أن تقبله وتحتضنه، لكن هناك بعض الجراح، ولا تشفيها الكلمات إذا أتت متأخرة.
ترك محاولة القراءة والكتابة وجعل يساعد البستاني بالحديقة.
ولمست نرجس نشاطه، فخصصته ببعض الأعمال الخفيفة التي تناسب عمره وكافأته بملابس ابنها مصطفى التي ما عاد يرتديها.
كان يوم أغبر، بدأ بصراخ نرجس المهتاجة.
سبابها ولعناتها التي صبتها على الخدم بعد أن تلقت مهاتفة بدلت مزاجها الذي ضبطته الأمس بزجاجة شمبانيا فاخرة.
كانت تشعر بصداع مبرح أججته مكالمة ملعونة.
طلبت من شروق أن تصحب الأطفال للطابق العلوي وأن لا تسمح لهم بالخروج من غرفتهم مهما حدث.
أغلقت شروق الغرفة على الطفلين وجلست تراقبهم متكئة بظهرها على الشرفة.
حينما انفتح باب الفيلا ودخلت منه امرأة ترتدي ملابس سوداء.
سمعت الحارس يقول بصوت مرتفع: "تفضلي يا هانم."
إن الإكراميات التي يتلقاها أثناء خروجهم علمته أن التبجيل يجعل اليد أطول.
دفعها الفضول أن تلقي نظرة إليها قبل أن تتوارى تحت وقع الصدمة التي صعقتها.
فركت عينيها مرات لتتأكد أن تلك المرأة هي كوثر نفسها.
التصقت بالجدار كقملة وطلبت من الأطفال الذين باتوا ينادونها "ماما الكبيرة" سراً بعيداً عن مسامع نرجس، الصمت.
تلوت كل الحياة الضخمة داخل صدرها، الذكرى التي حاولت بكل قوة محوها من عقلها، دفنها.
ظهرت على غير المتوقع لترعب مفاصلها الرخوة.
فكرت! هل يا تراها علمت مكان وجودها؟
وحضرت لتكمل جريمتها بقتل طفلها الأخير.
طفلها؟
رنت الكلمة داخل الغرفة الصامتة كخلخال غانية.
ركضت شروق تجاه النافذة تبحث بعيون ملتاعة عن أحمد الذي كان واقفاً جوار البستاني يحمل مقصاً ووقف.
على طرف السرير جلست تلاحقها صور قاتمة.
فوجود كوثر بنفس المكان لا يمكن أن يكون بمحض الصدفة!
فكرت أن تقفز درجات السلم تجذب أحمد بيدها وتهرب.
لكن كيف تصل لهناك دون أن تراها كوثر؟
نرجس؟
الخدم؟
دفنت رأسها بين يديها الزابلتين وضغطت على فصي دماغها المراوغين تثبتهما.
تنتظر بين لحظة وأخرى أن ينفتح الباب عن شريف زوجها يجرجرها من شعرها بيد ويمسك بالأخرى ابنها أحمد.
بعد مدة ليست طويلة رحلت كوثر.
تابعتها شروق تغادر الفيلا.
أقلتها سيارة واعتقدت شروق أن السائق شريف زوجها.
ظلت تنتظر القرعات المدوية على الباب التي لم تأتي.
خفت رعبها، وأرت الباب وسرقت نظرة.
كانت نرجس بالصالة تجري مكالمة، كانت غاضبة، تصرخ.
تلك السيدة أصابها الجنون، لقد حذرتها إذا رأيتها هنا مرة أخرى لن ترى الشمس.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسي
بلي، بلي، اخذت كل النقود المتفق عليها، تصرف أنت.
أنهت نرجس المكالمة وصرخت: شروق!
يا زفت؟
هرولت شروق تجاه نرجس، خلفها يتقافز الطفلان بسعادة. ضمت طفليها لحضنها، داعبت شعرهم بيدها وهي تحملق بوجوههم.
العبا بالحديقة يا قرة عيني.
ودفعتهم بيدها برفق.
طلبت من شروق أن تعد لها فنجان قهوة، وكان الغضب لم يفارقها بعد. أشعلت لفافة تبغ وهي واقفة على باب الفيلا تتابع الطفلين، قبل أن تقع عينها على أحمد المنتصب بجوار البستاني بصمت.
نادت عليه.
حضر الولد بسرعة. شجعته بمجموعة كلمات جعلته يبتسم بتحمس، قبل أن تضع بيده ورقة نقدية. كان ذلك حينما دلفت، دخلت شروق تحمل فنجان القهوة.
إذا استمر بذلك النشاط سأجد له عمل هنا.
تركت نرجس القهوة دون أن تمسها. بلا شك، شعور رائع أن تجد من يصنع لك القهوة ولا تشربها.
اقتربت شروق من ابنها يلعب برأسها فتيل المؤامرة. حدقت به بنظرة طويلة، طول كل الأشياء العزيزة التي لا نتخيل أن نفقدها أو نعيش دونها.
من الحديقة تسللت لغرفة الخدم. بلطافة سألت عن نرجس، الفيلا، كيف حضرت هنا، وكل الأشياء المهمة التي لم تفكر فيها من قبل. معظم الخدم يعرفون تاريخ تشييد الفيلا لأنهم من أهل المنطقة، لكن ولا واحد منهم كان يعرف حقيقة نرجس لأنها كانت تغير الخدم باستمرار.
هل رآها أحدكم حامل؟ منتفخ بطنها؟ هل هي متزوجة؟
الكثير من الأسئلة البريئة والغبيه التي دفعت الخدم للريبة.
إذا لم تضعي لسانك داخل فمك ستجدين نفسك مرة أخرى داخل المقابر. لماذا تحشرين أنفك في ما لا يعينك؟
غمرتها النصائح المشوبة بالتحذيرات. انسحبت بهدوء، تحبس غضب وضيق وثورة من الشك.
خلال الليالي اللاحقة ولمدة لا متناهية من الزمن، هاجمتها الأحلام المزعجة ونغصت عليها حياتها، تلك الأحلام التي لم تفارقها حتى بالصحو. كانت تشرد لبعيد، ساهمة، صامتة، قبل أن تفيق مضطربة، مرعبة على صورة أحد الأشخاص الذين تكرههم متشكلة على سياج الحديقة، جذع شجرة، نافورة، تمثال.
اللقطة التي تحولت لفيلم قصير: كوثر تأكل طفليها، أو أن أحد طفليها يركض هارباً تلاحقه كوثر تحمل منشار أو سكين. انهارت حالتها الصحية تحت وقع تلك التصورات اللانهائية من البشاعة. هاجمتها الأمراض وطرق بابها، السكر كان أول الزائرين ليجهز المكان لباقي الشلة.
مضت الأيام على وتيرة الأحداث المملة. لم ترى كوثر مرة أخرى بالفيلا. كان قد مضى أربعة أشهر من التساؤلات التي تنخرها كسوس من الداخل. وكانت قد لاحظت هدوء سيدتها واعتدال مزاجيتها في الأيام الأخيرة، اهتمامها بأحمد ابنها واغراقه بالهدايا. فـتجرأت وسألتها بتلميح خافت عن تلك السيدة.
تغيرت ملامح وجه نرجس.
صرخت بغضب كأن ألف عفريت ركبها.
هل تعرفينها؟ رأيتها قبل ذلك؟ سألقي بك في الشارع! سأعذبك!
سا، سا، سا.
انهارت شروق تحت وقع التهديدات لتصرخ باكية.
قلتي لي خذي الأطفال للغرفة العلوية ولا تسمحي لهم بالخروج أبداً. بعدها لمحت تلك المرأة تدخل الفيلا. قلت ربما ستأكلهم؟
تأكلهم؟
أجل! تأكلهم، لقد رأيت أسنانها.
كانت نبرة شروق جادة مما دفع نرجس للضحك.
وأنا أحبهم مثل طفلي.
تأملتها نرجس للحظة، ملامحها التي باتت صادمة.
راقبي الأطفال يا شروق ولا تتدخلي في ما لا يعنيكي.
تخلت نرجس عن كل تهديداتها دفعة واحدة. تابعت شروق تتهادى خلف طفليها تحاول اللحاق بهم بعد أن هاجمتها الأمراض وربع فكرة تطوف بعقلها أن شروق ربما جنّت.
رغم ذلك، إلا أن ذكرى لقاء كوثر المزعج ألم بها. لمحة خفيفة من دهاليز لعبة الموت والحياة تخلصت منها بكأس نبيذ تشيفاز ريغال وتابعتها بأخرى حتى اختفت الصور.
بالحديقة الكبيرة، وحيث كان يعمل أحمد بجد كل يوم، متحفزاً بكلمات سيدته المشجعة، والتي يحاول كسب رضاها بعد أن تحولت إلى بطلته الكبيرة وسقوط والدته من حساباته التي تفضل الطفلين عليه، كان يتمنى أن تكون نرجس والدته الفعلية. حاول أن يكون خادمها المطيع رغم صغر سنه، كانت أول حروف الهجاء التي ستمكنه من قراءة العالم.
كان يتابع الأخوين يلعبون بالحديقة تحت أعين والدته، وكان بتلك المرحلة يتبادلان كلمات متفرقة، لكن غير مسموح له باللعب معهم. خلال عمله طوال النهار، كان يحاول أن لا يفوت حركة واحدة من التي تقوم بها كارمة. كان يوليها كل اهتمامه دون أن يخفى رغبته الجامحة بضرب مصطفى أخيها إذا قام بإزعاجها. كان يتمنى أن تسنح له الفرصة أن يلعب معها مرة واحدة، أن يركض أسرع من أخيها ويبهرها.
مع الأيام، تعلم أن هناك الكثير من الأحلام التي لا تتحقق.
نرجس التي كانت لاحظت قوته وشدته والتي تفوق عمره بدأت تقربه منها، تؤثره بالأموال، المهام الصعبة، بعض الجلسات اللطيفة الناعمة. كان قد حاذ إعجابها لدرجة كبيرة.
راحت الأمراض تتكالب على شروق وكانت تنتابها مشاعر غريبة تجاه الطفلين، مصطفى وكارمه. مشاعر كانت تتعدى وظيفتها كخادمة متواضعة. كان قلبها ينخلع من مكانه إذا مرض أحدهم أو جرح نفسه أثناء اللعب.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسي
تتألم لألمهم وتفرح لفرحهم.
بداخلها كان هناك شيء يربطها بالطفلين، شعور مبهم يتضخم كلما رأتهم يكبرون.
كان قد مر عام على زيارة كوثر المشؤمة، الزيارة التي بهتت معالمها وتفاصيلها ولم يتبقى منها الا ذرات من التعب، وقد كان ان استقبلت احد الخادمات زياره غير متوقعه من زميله من نفس المهنة سبقتها بالخدمة عند نرجس لمدة عامين قبل أن تجد فرصه افضل.
ظلت تتحدث عن ذكرياتها بالفيلا وقت كانت خاليه الا منها ومن سيدتها والحارس، عن الايام التي قضتها لا تسمع فيها الا صياح الديكة ونباح الكلاب، قبل أن يحضر الطفلين وتدي الحياه في المنزل الكبير.
"منذ وصولهم تغيرت حياتنا تماما" أكدت الخادمة.
"يعني ليسوا أولادها؟" سألتها الخادمة.
"الست هانم عاقر لا تنجب" ردت الخادمة وهي ترتشف اخر قطرات عصير المانجو المثلج.
تذكرت الخادمة انها سمعت شروق تسأل عن ذلك الأمر وقالت إنها عندما تقابلها ستحكي لها القصة لكنها نسيت وابتعد الموضوع عن ذاكرتها.
مضت الأعوام وأصبح الخادم مخدوم، وهنت صحة شروق كانت آثار المخدرات والخلطات الغير مدرجه قد اتلفت اعضائها الحيوية، لزمت سريرها وضعف بصرها الا ان السيدة نرجس لم تصرفها، كانت تدرك انها أصبحت قذارة بشريه لكن هناك تعلق ابنيها بها وهناك احمد الذي شج على طاعتها ويلبى رغباتها المكبوتة.
كان أحمد يقود السيارة الجديدة التي ابتاعتها نرجس خصيصا من أجله، بعد مضى أعوام من الولاء والثقة كان من غير المعقول ان يتجول خادمها بسيارة من طراز عتيق لجلب ما تحتاج له من أغراض.
قاد السيارة تجاه القاهرة حيث وجد الدكان الذي كان يقصده موصد، النافذة السرية الوحيدة التي تبيع نبيذ مستورد.
ركن السيارة وتجول على قدميه بالشارع، يعاين لوحات المحلات الجديدة، ماركات الملابس، الأطعمة، حتى قادته قدماه الي المكتبة العامة.
لم يفكر في حياته بدخول مكتبه ولا حتى قراءة كتاب بعد المحاولة العاثرة التي حاول خلالها ان يجاري ابني سيدته، لكنه ظل قادر على القراءة وكتابة اسمه.
كان على وشك الرحيل فقد بدا له ذلك الكيان الماثل امامه مبهم وغير مهم حتى لمح المودمازيل الجالسة على مقعد خلف مكتب من خشب الزان المدهون باللبني، ترص بعض الكتب فوق بعضها على طرف المكتب وهي تجرد من ورقه.
كان شعرها مسدل منحها حيوية وبدت جميله بعيونه لدرجه بعيده وغير ممكنه، سرعان ما شعر بوخزه في صدره إذا أدرك انها بلا شك فتاه مثقفه، فإيما فتاه تقصد المكتبات لابد أن تكون مثقفه.
مع انه حاول المغادرة الا انه كان هناك شيء يجذبه بها دفعه ان يقف مكانه يراقبها وهي تعمل، كان ينظر إليها ببهاء وابهه كالناظر لدميه بفترينه عرض، بوقار وقدسيه كل الأشياء التي نتمنى أن تكون لنا ونحن ندرك انها لن تكون ابدا.
لكن احمد كان جريء جدا، علمته الحياه وما قاساه من أهوال انه عندما يرغب بفعل شيء ان يحاول على الأقل ان يفعله.
وضع قدمه على باب المكتبة، مسح القاعة بعينه قبل أن يتمشى خلالها دون هدى، كان لا يبحث عن كتاب معين وبدت له عناوين الكتب الغريبة وحوش بأفواه كبيره ستبتلعه.
وقف بكده طويله أمام قصص الأطفال المصورة يتذكر ماضي حذف من ذاكرته.
"هل تحتاج مساعده؟"
أتاه صوت الفتاه من بعيد مما دفعه للتقدم نحوها.
"هي المدام شغالة هنا؟"
"انسه لو سمحت" ردت بنبره رقيقة.
"هل ترغب في مساعدة؟" قالت وهي تمد يدها لتناول كتاب من بين الأرفف، اللحظة الراهنة لغيوم ميسيو.
بدوت مندهشا وانا احملق بغلاف الكتاب وصورة المنارة المرسومة عليه.
"كاتب فرنسي شاب مبدع، ستغرم به."
"لكنى لا اقرأ الفرنسية؟"
"انها رواية مترجمة" وفتحت الكتاب على الصفحة الأولى، حاولت أن أقرأ كل كلمه مكتوبه وبانت على ملامحي السعادة وانا انطقها.
"في الحقيقة انا لا اقرأ ولا اكتب، اكتب اسمي بالكاد وتحتاج مني قراءة كلمة لمجهود جبار."
صدمتها صراحتي، براءة كلماتي.
"لماذا دخلت المكتبة إذآ؟"
"لأنك أعجبتني" وقبل ان تندفع معترضة اردفت، "كنت اتسكع بالجوار، اعبر لافتات المحلات دون اهتمام حتى لمحتك، حينها توقفت قدماي ولم أقوى على الحركة، دهستني عيناك كقطار مسرع."
احنقتها جرأته، لكن الطريقة التى كان يتحدث بها توحي انه لا يكذب.
اولته ظهرها واستعدت للرحيل.
استوقفها سائلا: "هل هذا الكتاب جميل؟"
"جميل جدا" كانت تجد متعه خاصه بالحديث عن الكتب التي قرأتها.
"هل يمكنك أن تعلميني القراءة والكتابة؟"
"لست مدرسه !!" قالت وهي تعاين ردة فعله.
"من فضلك!؟"
صمتت لدقيقه ماسحه المكتبة الخالية بعينها، قبل أن تقول: "بالنسبة لوضعك فأنك تحتاج مجهود قليل لتعلم القراءة؟!"
"ستقرائي لي" سألها بعيون خاشعة.
"لحظه لماذا انت مهتم بالقراءة؟"
"أنا مهتم بك انت!"
اضطربت وتورد خدها، اجتاحها احساس غير مفهوم، مزيج من الاعجاب والامتعاض من تلك الجرأة الزائدة.
"حسنا اذا سنح لي الوقت سأقرأ لك حتى تتعلم القراءة والكتابة."
"والان بأذنك؟"
جلست خلف مكتبها متصنعة اللامبالاة حتى رحل دون أن تلاحظه.
كانت تسأل نفسها لماذا انقادت لتلك المحادثة وهي التي لا تطيق الرجال ولا رؤيتهم؟
شردت للحظه مبتسمه اغتصبتها خلالها عيونه الواسعة التي تنطق لوحدها، فطرته ، بلا لف ولا مراوغة قال ما يشعر به ورحل، يا الهي لماذا لا تكون الحياه بمثل تلك البساطة؟
اما احمد فكان يعلم انه رأي أجمل امرأه في حياته، أجمل من كارمه، أجمل من سيدته نرجس نفسها، كان هناك بريق حب بدأ ينمو داخل كل واحد منهم، الدق الخافت بجوف القلب، دك، دك، دك، الذى ينبهك للتفكير في محبوبك ومتى تراه.
ابتاع النبيذ المعتق، وضعه بصندوق السيارة وقاد تجاه الفيلا، عندما عبر البوابة والسياج بدا كل شيء له مختلف، كانت عيونه ترى كل تلك الأشياء لأول مره، أصبحت الأشجار واغصانها واوراقها اكثر جمالا واطربته شقشقة العصافير التى كانت من قبل عاديه واحس ان العشب يغازله.
كانت نرجس تنتظر بشرفتها تدخن لفافات التبغ، لما لمحته ابتسمت، توقعت ان يركض إليها مثل كل مره ليندس بجوارها ويحكي لها ما حدث.
وضعت ساق على ساق، حشرت تنورتها فوق الركبة مفسحة عن سمانه عاجبه متحرقة لنظرة شبق من عينيه تشعرها انها لازالت انثي مرغوب فيها.
لكنه هذه المرة لم يأتي ووجدت نفسها تحرق لفافات التبغ واحده تلو الأخرى وهي تنتظره.
تركت مقعدها واطلت من الشرفة، كان أحمد قد أتم نقل النبيذ لغرفتها وسمح لنفسه بتدخين لفافة تبغ، راقبته نرجس وهو شارد، صامت لا يتحرك، كان هناك شيء فيه قد تغير.
لوحت له بيدها، انتبه، دفن عقب لفافة تبغه بين غصني شجره وصعد إليها.
سألته لماذا تأخرت؟
"كان المحل مغلق واضطررت للانتظار."
"كله تمام" وغمزت بعينها.
همس لها احمد: "شيفاز، لادبول زجاجتين فقط."
كانت تتابع احمد ولم تجد النظرة التى كانت تبحث عنها كل مره نظرة الشهوة المختلطة بالخجل والتي تجعل وجه احمد الأبيض يتورد مثل الرومان كل مره.
"هل هناك ما يزعجك؟ امر ترغب بأخبار به؟"
"لا" أجاب احمد بوجه ساهم.
"يبدو أنك متعب، اذهب لنيل بعض الراحة."
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسي
تركها أحمد ونزل درجات السلم ومن خلفه نرجس ترمق بعتب وضيق.
مر على غرفة والدته التي تئن من المرض بعد أن أصبحت له غرفته الخاصة.
طرق الباب وقبل يديها وسألها عن حالها.
"أنا بخير يا ولدي، لكن هل أنت بخير؟"
كان صوتها قادمًا من عمق العصور القديمة البائدة.
"أنا لا أدري والله."
"يمكنك أن تتحدث إلي وقتما ترغب يا أحمد، أنا والدتك!"
قبل أحمد والدته على جبهتها وتمنى لها ليلة سعيدة.
كانت صحتها قد تداعت في الآونة الأخيرة، حتى أنها لم تكد ترى، تتحدث بصعوبة بعض الأحيان وتصمت لفترات طويلة كأنها خرساء.
كان على وشك دخول غرفته قبل أن يتراجع بآخر لحظة ويطرق باب غرفة كارما.
فتحت الباب وكانوا قد باتوا يعدون له واحدًا من الأسرة.
طلب منها كتابًا ليقرأه على أن يكون كتابًا بسيط اللغة.
تساءلت كارما عن سبب ذلك الاهتمام وهي تفتش بين كتبها ورواياتها، بينما كانت نرجس أعلى السلم ترمق ما يحدث بحذر.
"قال: أنوي تعلم القراءة."
ابتسمت كارما.
"أنت تحتاج لكتيبات تعلم الأبجدية وليست كتبًا للكبار."
"لكني أرغب بقراءة رواية، هذا ما أرغب به!"
"ليس قبل أن تتعلم القراءة يا أحمد."
ثم رفعت كارما حاجبيها وضيّقتهما.
"أي رواية ترغب بقراءتها؟"
"رواية ذلك الكاتب الفرنسي الشاب، لا أتذكر اسمه، اسمها اللحظة الفارقة!"
"آها، اللحظة الراهنة."
وضحت كارما وهي تضحك.
"غيوم ميسيو."
"كيف تعرفه؟"
"صديق رشحه لي!"
"الأصدقاء لا يرشحون روايات غيوم، الصديقات فقط يفعلن ذلك يا أحمد."
"الصديقات."
رنت الكلمة في ذهن نرجس المراقبة كخلخال غانية أيام الإنجليز.
ابتسم أحمد ولم يرد.
"بالغد سأبتاع لك كتب تعلم القراءة بطريق عودتي من الجامعة."
مع ذلك منحته كتابًا.
قضى أحمد ليلته يحاول أن يقرأ عنوانه قبل أن يضيق به وينحيه جانبًا.
نام أحمد على السرير وعيناه معلقة بسقف الغرفة، ولفافة تبغ تحترق بين أصابعه.
كان ينفس دفقات من الدخان الأزرق عميقة ومكتومة.
يحاول متفكرًا أن يقنع نفسه أن عدم قدرته على الاحتفاظ بصورة واضحة لملامح تلك الفتاة لا يعود لغبائه، إنما لأن جمالها أكبر من أن تحفظ ذاكرة تفاصيله بجلسة واحدة، بل عدت جلسات.
جعل يقلب جسده من جنب لآخر والقلب في جوفه مهتاج ضائع.
لا يمكن أن تغمض له عين طالما يفكر في شخص آخر حتى لو انقلبت السماء على الأرض.
عندما خرج كان الجو بالحديقة منعشًا، نسيم عليل يداعب أوراق الأشجار بخجل.
مشى على العشب النائم المتوجس في سره.
جلس في بقعة معشوشبة واتكأ بظهره على جذع شجرة.
رأى مرات من قبل طفلًا يركض عاريًا بين الزهور.
أشعل لفافة تبغ أخرى وألقاها بفمه.
لتقع عينه على شرفة غرفة نرجس.
كانت الغرفة مضاءة.
راح ينظر نحوها بشرود وعينه مثبتة عليها.
وانفتح باب الشرفة فجأة وخرجت منه نرجس بقميص نوم قصير وفي فمها لفافة تبغ تدخنها.
كان يستحيل عليها أن تراه من مكانها فقد كان غاطسًا في الظلام.
إلا أن نباح الكلاب الحراسة وصوت الخفافيش الهاربة دفعها لأن تنظر نحوه قبل أن تنادي باسمه.
كان أحمد يجلس دائمًا في ذلك المكان وكانت تعرف ذلك.
ترك أحمد مكانه ومشى حتى أصبح تحت الشرفة.
"لماذا أنت مستيقظ؟"
"ما الذي يشغل بالك؟"
أطلق أحمد ابتسامة وهو يفكر.
"لماذا علي أن لا أكون مستيقظًا حتى الآن؟"
"من أجل أي سبب لعين يحشر الآخرين أنوفهم بأذهاننا الغارقة في الوحل."
"أنا بخير."
"لماذا أنت مستيقظ؟"
"أدخن لفافة تبغ، هذا ما أفعله، أدخن."
"تعالي."
وأشارت بيدها لفوق.
"شاركني كأس!"
"تعلمين أنني لا أشرب، علي أن أفتح عيني مبكرًا بالغد."
"سهرة سعيدة سيدة نرجس!"
"سهرة سعيدة!"
تصعبت نرجس في نفسها.
"الكأس لا يحييها إلا كأس آخر."
ودخلت غرفتها.
مرة أخرى على السرير استجدي أحمد النوم.
"بطولك؟ بعرضك؟ أروي عيوني!؟"
لكن النوم مثل كل الأشياء الجميلة في حياتنا لا يأتي عندما نطلبها.
قبل أن تدق الساعة الثالثة فجرًا، إن كان أحمد شرد عشر مرات يفكر في تلك الفتاة فأنها قليلة.
أخيرًا وجد النوم طريقه إلى أحمد قبل أذان الفجر وكان وقتها لا يرغب في النوم أصلًا.
عندما تفكر في شيء بعمق قبل نومك، عادة يكون له نصيب من أحلامك.
الساعة الثامنة صباحًا فتح أحمد عينيه ممتعضًا.
"يا إلهي! لماذا لا يملك كل شخص حق اختيار الوقت اللعين الذي يرغب في الاستيقاظ به؟"
"ويصدعونك بعد ذلك أولاد الـ... عن الحرية، هل توجد عبودية أكبر من تلك؟"
أدخل ساقيه في بنطال جينز أزرق شده على وسطه حزام أسود ماركة Lacoste.
وأشعل لفافة تبغ وهو يمشي تجاه الحديقة.
أصبح البستاني الآن بعد وفاة الجنايني السابق.
عبر بين الزهور الندية متقيًا الشمس بكف يده.
"إن أكبر متعة على الإطلاق تكمن في التعامل مع الزهور رغم هشاشتها عند قطفها لا تتذمر أبدًا بل تبدو أكثر جمالًا وحلاوة."
فتح صنوبر الماء ليروي جزءًا من الحديقة بينما واصل سيره بين الأشجار.
"صباح الخير أحمد!؟"
لوحت له كارما وهي تعبر بوابة الفيلا بسيارتها الكسا البيضاء.
لوح لها أحمد هو الآخر.
"لا تنسى ما اتفقنا عليه؟"
"لن أنسى!!"
جعل يعمل بشرود وصورة جميلة تتشكل أمام عينيه.
فتلك الزهرة خدها، والأخرى عيونها، وهذه شعرها، وتلك التي تطل بخجل جيدها.
"اللعنة، سأجن!؟ أحتاج لعلاج، ترياق ضد اللهفة."
أغمض عينيه وتنهد ثم فتحهما على اتساعهما وقصد غرفة نرجس.
كان يعلم أنها نائمة، لكنه يدرك أيضًا أن نرجس عندما تكون نائمة لا ترفض له طلبًا.
"صباح الخير سيدتي!!"
قال وهو يدلف للداخل.
"صباح الخير أحمد."
أغلق الباب بسرعة.
"كم الساعة؟"
"التاسعة صباحًا!!"
"أوووف، ماذا تريد؟"
سألته ولم تعدل رقدتها بعد.
"أرغب بالذهاب للمدينة، وعدني صاحب المحل بدفعة جديدة من النبيذ."
"اليوم؟"
سألته.
"لماذا لم تخبرني بالأمس؟"
قالت وهي تعدل جسدها نحوه ليظهر منعطف أثر بين برتقالتي صدرها البارزتين.
كان صدرها شبه عارٍ وكانت لا مبالية كأنها لا أحد ينظر إليها.
"نسيت!!"
"نسيت؟ إنه نفس السبب الذي جعلك ساهيًا طوال الليل غير قادر على النوم؟"
"تعالي، اجلس هنا!"
جلس أحمد على طرف السرير مولّيًا إياها ظهره.
تناول لفافة تبغ من علبة سجائر ميزت أحمر كانت على الطاولة، أشعلها وقربها من فمها.
كان وجهها نحوه تسند رأسها بيدها اليمنى وهي لا تزال راقده على جنبها.
سحبت سحبة مديدة من لفافة التبغ وأطلقتها قبل أن تسأله:
"لماذا تحاول تعلم القراءة؟"
"كارما؟"
قال في نفسه وهو يجمع أفكاره.
"هل يمكنني أن أسألك كيف عرفتي؟"
"أنا أعرف كل شيء يا أحمد، الأشجار توشوش لي بالأسرار."
"أريد أن أقرأ، أعني ليس للحد الذي يجعلني مثقفًا وكل ذلك الهراء، أن أستمتع بالقراءة، فأقرأ وأكتب."
"واتتك الفكرة فجأة؟"
قالت.
"في القاهرة أم هنا؟"
"لا أتذكر، كيف لي أن أتذكر المكان اللعين الذي واتتني فيه فكرة حمقاء مثل هذه؟"
"أنت غاضب، لماذا؟"
سألته نرجس وصدرها كان يضغط على قصبة ظهره.
"أنا..."
وكان أحمد قد بدأ يشعر بالارتباك.
"لست غاضبًا، أنا حانق أو شيء من هذا القبيل!"
"ينقصك شيء؟"
"لا ينقصني شيء، ولا أشعر أنه ينقصني أي شيء، أرغب بتعلم القراءة فقط."
"سوف أحضر لك مدرسًا."
وقالت نرجس، وقد رقدت على ظهرها مرة أخرى يدها تحت رأسها تحملق بالسقف.
"أشكرك."
قال، لكن هناك شخصًا آخر سيفعل ذلك!!
"كارما لا تصلح لتلك المهمة، صدقني، أنا أعرف ابنتي."
قالت، وهي لا تزال تحملق بسقف الغرفة.
"ليست كارما!!"
"من؟"
قالت، وقد أولته وجهها مرة أخرى.
"شخص قابلته بالأمس وأنا أحضر النبيذ."
"يمكنك أن تحضره هنا بأي وقت."
قالت، وهي تعاود التمدد على ظهرها مرة أخرى.
"لا أعتقد أنه سيوافق."
عقب أحمد بنبرة غير مفهومة قبل أن يقف بمكانه.
"سأذهب الآن، هل ترغبين بابتياع أي شيء آخر؟"
"لا!"
قالت نرجس وهي مغمضة العينين.
بعد رحيله، جلست نرجس على طرف السرير وضعت كفيها على ركبتيها العاريتين منحنية وغطى شعرها وجهها ووصل بلاط الغرفة.
حافية خرجت الشرفة وجلست على المقعد وأشعلت لفافة تبغ!!
عندما غادر أحمد بالسيارة، أجرت نرجس مكالمة قصيرة.
أعطت خلالها بعض الأوامر لشخص ما.
ماكنت أقود نفس السيارة، وأسير في نفس الطريق الذي أقطعه كل مرة، لكن مشاعري كانت مختلفة، اللهفة كانت تقتلني.
عندما وصلت لهناك ولا أعلم كيف حدث ذلك، لأنني كنت شاردًا قصدت المكتبة فورًا.
خلف مكتبها كانت جالسة تمنح أحدهم كتابًا ما.
عبرت الرواق وجلست على أحد المقاعد دون أن أتناول أي كتاب.
كانت لم تنظر إلي حتى تلك اللحظة.
وعندما لمحتني لم تلوح لي ولم تعرني أدنى اهتمام.
"هاي."
قلت، ولوحت بيدي.
"ألا تتذكريني؟"
"وكيف من المفترض بي أن أتذكرك؟"