كانت الشمس قد غربت ولم يحضر صاحب الشرطة بعد. لماذا تأخر ذلك الملعون؟ الانتظار له طعم أمر من الموت. أرخى الليل ستاره وتسللت خيوطه الرمادية لتحيل السهب والتلال لظلام محدق. كانت لورا بجواري تنوح وتندب، لم تفارق مكانها ولو للحظة. "اذهبي للنوم لورا، سيحضر الجنود الآن ولا أرغب أن يصيبك أذى." "أنا طفلة يا عوني، لا أحد يؤذي الأطفال." سمعت همهمة خلفي ووقفت لورا حينها. حاولت الالتفاف لكن القيود منعتني. "ماذا يحدث؟ " سألت لورا.
"حضر الحراس ليقبضوا عليك يا عوني." أجابت بصوت ناحب. "إذًا حان وقت موتي؟ سأقابله مرفوع الرأس. افعلوها يا أولاد الزانية! شعرت بقيدي ينقطع. "اتبع الدرب الترابي." سمعت صوته واختفى في الظلام. رحت أقلب يدي غير مصدق. "اتبع الدرب، ماذا يعني ذلك يا عوني؟ " سألتني لورا. "وما يعنيني أنا بذلك، المهم أني حر." جذبت لورا من يدها. "لن أتركك لتعيشي هنا بمفردك، ستحضرين معي."
ركضت وركضت لورا خلفي، مع أن لا أحد يتبعنا، لكن للخوف طرق أخرى. وصلنا الحاجز الضبابي وهناك جذبتني لورا للخلف. "إلى أين سنذهب؟ "سنختفي بالضباب ونبيت ليلتنا هناك." جذبتني مرة أخرى معارضة قراري. "كل من دخل الحاجز مات! "وأنا، انظري إلي، لقد حضرت هنا أكثر من مرة ولم يصبني شيء، صدقيني." كشخص لا يملك اختيارًا آخر، تبعتني لورا باستسلام. اختفينا خلال الضباب ولم أتوقف عن السير إلا بعد مضي ساعة من السير.
"سنقضي ليلتنا هنا." وجلست على الأرض. رقدت لورا المنهكة على ظهرها. "عوني، أنت لن تتركني لأتعفن هنا؟ " سألتني لورا وهي تمسك بيدي، وما لبثت أن نامت. "كيف ستنتهي تلك المهزلة يا عوني؟ ستقضي حياتك هاربًا مثل الصعاليك بالحاجز الضبابي بين الجثث والعظام." رحت أفكر، ألف وأدور حول نفسي، شابكًا يدي خلف ظهري، ثم دون أن أشعر وجدتني بذلك الدرب القديم الذي تعثرت عليه قبل ذلك. حملقت بالدرب ثم بلورا النائمة وتبعت بقدمي أثر الدرب.
"سأعود قبل أن تستيقظ، لن يحدث لها مكروه." بصعوبة تبعت الدرب المدكوك بالأقدام. كلما تعمقت أكثر داخل الضباب، زادت أعداد الجثث المتعفنة بجوار الطريق، منها جثث حديثة تعفنت للتو. إنهم المجرمون الهاربون من عدالة الساعة، لكن كيف يهرب الإنسان من العدالة ليتعفن في التيه، إلا إذا كانت عدالة مجحفة تفقده كل حقوقه. انشغل تفكيري بتمارا وراحت عيني تدمع، ولم أشعر كم من الوقت قضيته سيرًا وأنا شارد.
وصلت لنفس النقطة التي يرفضني فيها الحاجز كل مرة. شيء يدفعك للخلف رغماً عنك، قوة مجهولة تسيطر عليك. مئات الجثث ملقاة بخط طولي بمحاذاة تلك البقعة، ثم فجأة سمعت صوتًا. شهقت وانحنت عنقي وسحبتني يد للخارج. استيقظت لورا بعد أن تعبت من النوم. لا تدرك كم ساعة قضتها نائمة، لكنه وقت كاف لطلوع الشمس مرتين. تلفتت من حولها تبحث عن عوني وهي تفرك العماص من عينيها. "عوني؟ لكن صوتها تحول بعد ذلك لصراخ مدوٍ.
لكن لورا يمكنها أن تصرخ وتصرخ، ولن تسمع إلا صدى صوتها المرعب. العديد من الأشخاص يصرخون داخل الحاجز الضبابي، لكن لا تراهم أبدًا بذلك الفضاء الضبابي اللامتناهي. سارت بغير هدى، لا تعلم أين تقودها خطواتها المرتعبة. تعثرت بهيكل عظمي جعل جسدها يرتعش من الفزع. "سأموت هنا! تركني عوني مثلما ترك تمارا تموت! كل شخص يدير له شخص آخر ظهره راحلاً مرة واحدة على الأقل في الحياة. ليتني أحضرت قطتي معي!
سمعت صوت خطوات تقترب منها، ظنتها أشباح فركضت هاربة. "توقفي عندك." كان صوت بشري هادئ جعلها تنتصب بمكانها. ثم بدأت ملامحه تظهر، رجل أربعيني ملثم الوجه. أمسك يدها وأمرها أن تتبعه، قال إنه سيخرجها من الضباب. "وعوني؟ "إنه يبحث عن طريقه الروحي الخاص به! "سيعود؟ "ربما يعود، ربما لا." "من أنت؟ "أنا إنسان، ألا يكفي ذلك؟ حدقت لورا بالضباب من حولها قبل أن تقول، "كافٍ جدًا."
تم اقتياد أحمد عبد الهادي ورفقائه من شباب التارسنيين خارج السور الغربي لمدينة أبناء الساعة، في بقعة كثيفة الأتل والأجمة والشجر. تم تنفيذ حكم الإعدام شنقًا بهم دون العرض على قضاة ورهبان مدينة الساعة. عند عودة والدها كانت أورا تتميظ من الغيظ. "بحق الله أخبرني يا أبي، كيف يستطيع ذلك السافل أن يهرب منكم كل مرة؟ "قبضنا على معاونيه." همس صاحب الشرطة. "وقمنا بشنقهم! "أنا أريده هو! " صرخت لورا كطفل صغير.
"سيعود من أجل تمارا، أعدك بذلك! "لكنه لا يعرف إن كانت حية؟ "سيعلم، أرسلنا له الخبر بطريقة ما! وشمت فريدة بصك العبودية وأصبحت خادمة أورا الخاصة. تضربها، تعنفها، تعلقها من أقدامها. وعندما تتذكر عوني تنكل بها مفجرة فيها كل انتقامها. تمارا التي أصبحت كهلة قيدت بسلاسل خارج شرفة أورا. تبصق عليها كل صباح، تتلقى ركلات الخدم وصفعاتهم ليل نهار راقده في بركة وحل عفن. انتهت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!