تحميل رواية «ثلاث صرخات وحدها لا تكفي» PDF
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد ما والدتي ماتت وقبل ما العزاء يخلص، والدي دخل عليّ بعروسته الجديدة. بنت يدوبك أكبر مني بسنة. مقدرش يديني فرصة حتى أحزن عليها. وبسرعة المشاكل بدأت بيني وبينها. مكنتش طايقة نفسي ولا الشقة ولا حتى أبص في وش أبويا. ولما أول عريس خبط على بابنا، وافقت من غير تردد. كنت عايزة أخرج من الوضع ده، يبقى لي شقة لوحدي. مكنش فارق معايا شكل العريس ولا شغله ولا حتى مؤهله. مراية أبويا كانت عايزة تخلص مني كمان. يدوبك ما صدقت الراجل وصل عندنا واقنعت والدي يوافق من غير مهر ولا دهب ولا أي حاجة. واتجوزت بسرعة في شق...
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسي
ضيقت حاجبيها، زمت شفتيها، رفعت يديها حدود صدرها فأنقبض قلبي، كنت مجرد عابر لا أكثر؟
في محاوله اخره بادرتها، قلتي انك ستعلمينني القراءة والكتابة وقلتي أيضا لا بأس بك؟
اللعنة هل قلت ذلك فعلا؟
اقسم انك قلتي، بحق السماء هل فقدتي ذاكرتك؟
مستغرقة في تأملي وقد صغرت أمام نفسي قالت تذكرتك، وقتها لم تكن لدي رغبه في الحديث ولا حتى البقاء.
حسنا سأعلمك ورفعت يديها بطريقه استعراضية.
قلت شكرا لك،. لكنى سأرحل الأن.
رويدك ايها الحانق، كنت امزح؟
رحلت كل شكوكي ومخاوفي وغضبي دفعه واحده، تتذكريني فعلا؟
من اول كلمة قالت.
لماذا، كاد قلبي ان ينقلع من مكانه.
عجيبة، قالت، شخص بمثل جراتك قلبه رقيق لذلك الحد؟
تقلصت ملامحي ودارت بي القاعة.
اجلستني بجوار مكتبها وحدقت بوجهي بتركيز، عليك أن تدرك ان الأمر ليس سهل، قالت، انها ليست لعبه لعينه هل تفهم؟
سأبهرك، قلت.
ماذا؟
سأبهرك، هلا بدأنا؟
وقربت المقعد من المكتب.
هل تعرف ذلك الشخص؟
واشارت بيدها لرجل يقف في الجهة المقابلة للمكتبة، قلت لا أعرفه.
حسنا، لا تشغل بالك والان، سأكتب لك حروف الهجاء لتحفظها.
احفظ معظمها يا سيدتي!
اذا كان ذلك حقيقي، مهمتنا ستكون سهله؟
ذكرت لها ما احفظه ولم انسى سوي حرفين فقط، مسرور بنفسي، قلت لك اني استطيع القراءة بصعوبة، لست طفل احمق؟
وأطلقت عليها ابتسامه.
دعنا نرى؟
فتحت كتاب وقرأت منه عدد من الجمل، والأن دورك؟
مدت الكتاب نحوي، وامسكته بيد مرتجفة ورحت اقرء لم تكن كلمات صعبه لكنى اخطأت في بعضها.
حسنا ستقرأ تلك الصفحة عشرة مرات، وهذا واجبك لليوم، كانت تحدثني وعينيها معلقه بذلك الشخص الواقف بالجهة الأخرى.
انتهينا سألتها؟
نعم، قالت، سأرحل الأن.
متى موعد الحصه القادمة سألتها بنبرة حاده!
متى عدت ستجدني هنا، والان ساعدني برص تلك الكتب في مكانها، ناولتني مجموعه من الكتب وسارت خلفي تلقى التعليمات، هذا هنا، وهذا هناك، وهؤلاء هنا، نعم ضعهم هنا، برويه؟
حاضر، حاضر.
لم يترك ذلك الرجل مكانه الا عندما تركنا المكتبة، عرضت عليها ان اقلها لمنزلها لكنها رفضت، استقلت سيارة أجره وتابعتها وهي ترحل.
تأملت ذلك الرجل الذي لا أعرفه والذى بدا مهتما بمراقبتي، اخرج هاتفه وأجرى مكالمه وهو يرمقني قبل أن يرحل ، لم يساورني شك، قلت ربما ينتظر شخص ما.
ابتعت النبيذ وعدت مره أخرى نحو الفيلا كانت نرجس واقفه بشرفتها عندما وصلت، اعدت السيارة لمكانها، نقلت النبيذ ومشيت نحو غرفة كارما، لم تخدعني تلك القصيرة، أحضرت الكتب التي وعدتني بها.
احتضنت الكتب وهممت بالرحيل، لكزتني في كتفي، انت، أين النقود؟
اي نقود سألتها؟
ثمن الكتب، انهم لا يوزعونها بالمجان على فكره!
لم ارد كشرت في وجهها ورحلت.
وضعت الكتب على الطاولة وجلست على المقعد، حملقت بالكتب وبدرت مني ابتسامه، لم اتخيل ابدآ ان اضع نفسي في ذلك الموقف، فتحت اول صفحه وقبل ان اقرأ اول كلمه سمعت طرقات على باب غرفتي كانت أحدا الخادمات، قالت!
احمد؟
السيدة تريدك!!
طويت الكتاب وصعدت نحو غرفتها، كانت جالسه بالشرفة تدخن لفافة تبغ.
عدت؟
نعم، عدت!
لماذا لم تقصد غرفتي؟
كنت سأفعل، قلت ابدل ملابسي أولا.
ماذا فعلت؟
ابتعت النبيذ، نبيذ فاخر!
النبيذ فقط؟
أجل، النبيذ!!
أعني ألم تفعل اي شيء اخر؟
لا لم أفعل، ابتعت النبيذ وعدت!?
يمكنك أن تنصرف اذا كنت ترغب واولتني ظهرها.
كانت ملامحها متغيره، لطخات من الغضب حفرت بوجهها، اعرف نرجس عندما تغضب، واعرفها أيضا عندما تخطط لأمر ما، أنا احفظها لكنها لا تعلم ذلك.
عدت لغرفتي مره أخرى وانكببت على الكتب اقرائها ولم ارفع رأسي عن الكتاب الا عندما طلبوني لتناول طعام العشاء.
عرفت انك ترغب بتعلم القراءة والكتابة؟
قال مصطفى وهو يحدق بي، يمكنني ان اساعدك.
كان مصطفى يتحدث بنبره جادة ولم أشك للحظه في نواياه.
قلت اعلم ذلك، شكرا لك هناك شخص اخذ على عاتقه مهمة تعليمي.
رجل، ام امرأه؟
قالت نرجس دون أن ترفع عينها عن طبقها!
قلت صديق قديم قرر مساعدتي، كنت اكذب وكنت اعلم ان نرجس تعلم ذلك.
تركت نرجس المائدة وذهبت لغرفتها، راحت كارمه ومصطفى يغدقا على بالتعليمات حتى تركت المائدة وعدت مره أخرى لغرفتي!
سأبهرك!!
كلما اصابني الممل او شعرت باليأس تذكرت موعدنا القادم، عندما أقرأ في حضرتها دون تلعثم.
كيف حالك يا شروق؟
قفزت شروق من رقدتها فور سماعها الصوت كان عقرب لسعها، نحن لا نخطئ الأصوات المميزة، ولا الشريرة أيضا!
من؟
سألت شروق متمنيه ان يكون حلم!
انا وأطلقت بدريه ضحكه ملتهبة جعلت أسنان شروق تصطك، نحن لا ننسي الألم الذي تعرضنا له ولا المواقف اللعينة التي نكدت علينا حياتنا لكننا نتناسى لتمضي الايام.
جئت لاصطحابك في جوله يا شروق، أخبروني ان صحتك متدهورة وان الرطوبة أكلت عظم ساقك!
أرجوك لا تؤذي ابني، اقبل قدميك، احمد لا يستحق أن يتألم مثل إخوته!
ومن الأحمق الذي أخبرك ان إخوته يتألمون؟
كل ذلك الوقت ولم تشعري بشيء؟
شعرت لكني كنت اكذب نفسي قالت شروق بنبره مغلوبة!
لململمي ملابسك سنرحل فورا بهدوء، انا لا اري ولا أستطيع جمع ملابسي!
وانا لست خادمة امك، صرخت بدريه بنبره محذره وهي تلكمها في معدتها!
انت الوحيدة يا ابنة الكلب التي لففتني القاهرة منطقه، منطقه، عشرين عام وانا احلم بتلك اللحظة التي انتقم فيها منك؟
لماذا تفعلين ذلك؟
ها، من أجل المتعة وقهقهت كوثر
جذبت كوثر شروق من يدها خلفها فمشت تتعثر بالمقاعد الجدران، الأشجار!
بالسيارة وقبل ان تجلس حقتها حازم بمخدر فخارت فورا!
أين والدتي كان أحمد يسأل الخدم بنبره مرتعشة ونفس متلجلجه، كان قد تغيب عن المنزل لأسبوع في مهمه كلفته بها نرجس.
اسأل الهانم نحن لا نعرف شيء اجابه الخدم.
أين والدتي؟
تدهورت صحتها وحضرت وقررت ان تذهب عند عمتك قالت إن الجو هنا لا يناسبها!
عمتي؟
انا مقطوع من شجره!
اه والدتك لم تخبرك طبعا، عندما تراها يمكنك أن تسألها عن السبب!
اين تقيم؟
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسي
كتبت له عنوان كوثر وسمحت له أن يأخذ سيارتها الخاصة.
انطلق أحمد نحو العنوان ووصل قبل أن يفرش الليل ثوبه.
كانت بناية متداعية، الدرجات مكسرة، الجو يتضوع برائحة العفونة.
استقبلته بدرية على باب الشقة.
"احتضنته وقبلته. لقد كبرت يا أحمد. منها لله والدتك قطعت رحمنا، لكننا تجمعنا أخيراً."
"أين والدتي؟" سألها أحمد وهو يدفعها من طريقه.
"بغرفتها، للتو تناولت طعامها."
دلف أحمد للغرفة، قبل يدي والدته وسألها عن حالها.
لكن والدته لم ترد.
"لماذا لا ترد يا عمتي؟"
"ابتلعت لسانها يا والدي. لم تتحمل الألم بعد الأزمة القلبية التي آلمت بها. كانت ترغب بالموت حتى لا تحملك فوق طاقتك."
حملق أحمد بفم والدته، لسانها المقطوع.
"لماذا فعلت ذلك بي يا أماه؟ تعلمين أنني كنت سأحملك فوق رأسي طوال العمر."
وغرق في البكاء.
انتحبت والدته هي الأخرى.
فسعلت كوثر بصوت عالٍ.
"انكمشت شروق على نفسها وارتعش جسدها كطائر أغرقته ندف الثلج."
"لا تثقل عليها، والدتك تحتاج للراحة."
"سآخذها لأشهر مشفى في البلد، سأعالجها حتى لو بعت كل ملابسي."
"كانت وصية والدتك قبل أن تفقد النطق أن تظل هنا حتى الموت. سأعمل على رعايتها الاعتناء بها، الظفر لا يخرج من اللحم."
"لا، سآخذها للمشفى!"
"يا ولدي، والدتك بأيامها الأخيرة، على الأقل احترم وصيتها. ثم إن منزلي مفتوح بأي وقت يمكنك زيارتها."
قالت بدرية بنبرة مستجدية.
"لقد اشتقت لها كثيراً، فلا تحرمني من تلك الفرصة."
كلما نطقت كوثر كلمة، ارتعش جسد شروق والتصقت بحضن ابنها أكثر.
"سأظل معها هنا." قال أحمد وهو يجلس على الأرض.
طوال الساعات التي قضاها أحمد في غرفة والدته، لم تبارح كوثر الصالة. عيناها تحملقان بأحمد وتراقبان والدته.
عندما حضر حازم زوجها، وكان بنفس عمر والدته. شاب أربعيني نحيف بعيون غائرة وبشرة باهتة، قصير القامة، ورغم نحافته إلا أن كرش صغير دفع قميصه للخارج.
طلبت منه كوثر أن يجلس مع أحمد وهي تغمز بعينيها.
ثم أجرت اتصالاً من هاتفها بالشرفة.
عادت بعدها لتجلس بالصالة مرة أخرى.
لحظات ودق هاتف أحمد.
كانت نرجس تطلب منه العودة للمنزل، حيث أن لديها مهمة طارئة تنتظره ولا تحتمل التأخير.
حاول أحمد أن يتملص منها، لكنها صدته.
ودع أحمد والدته التي كانت ملتصقة به ولا ترغب بتركه، وانطلق بطريق العودة للفيلا.
"اصرخي يا لبوه." قالت كوثر بنبرة موبخة وهي تلسع شروق بالنار في معدتها.
"أمرتك أن تلزمي الصمت ولا تقومي بأي حركة. لقد كنتِ ميتة قبل حضور ابنك، وإذا بقدرة قادر تتلوين كالحية على السرير؟"
"قلت لك اقتليها ونبيع أعضائها." حشرج حازم بنبرة مسترخية.
"اسكت أنت." طالبته كوثر.
"أنا ألملم خراك الذي لم تنظفه منذ عشرين عاماً. أعضاؤها تالفة وميتة، إن وظيفتي تتمثل في الحفاظ على بقائها حية أطول فترة ممكنة!"
"وإذ أخبرت نرجس أحمد في لحظة ضعف عنا؟"
"نرجس رقبتها بين يدي، ولا ترغب في خسارة ابنيها. وإذ تجرأت سنقضي عليها. ليست أول مرة، سامبو والأكحل رهن إشارتي."
كان قلب أحمد يتمزق كلما اقترب من الفيلا. دموع والدته لازالت عالقة بقميصه، رعشتها في حضنه، كل ذلك جعل الدنيا أمامه ضباب.
كاد أن يدهس امرأة عبرت الشارع، فتوقف على جانب الطريق وراح ينتحب كطفل صغير.
قضيت أسبوعاً بالإسكندرية وجمر الوجع يكوي عروقي.
كنت أهاتف العمة كوثر وأطمئن على والدتي.
كانت دوماً تقول: "انتبه لحالك، والدتك بخير."
لا تمضي الأيام المحملة بالألم بسرعة أبداً.
أول شيء فعلته عندما عدت، قمت بزيارة والدتي.
كان جسدها نقص للنصف، حتى أن عظام خدها بانت.
كانت مقلة في الحركة، وإذا حاولت توجعت من الألم ودمعت عيناها.
احتضنتها بقوة لدقائق فانتحبت في حضني وجسدها يرتعش.
كانت تحرك إصبعها بإشارة أعرفها من أيام الطفولة، وهي تعني الخطر.
تلفت من حولي، أنا لا أرى أي خطر هنا. كوثر تعتني بها أكثر من أي شخص.
لكن إصبع والدتي ظل على حاله.
كانت كوثر كعادتها تحملق بنا على مقربة من أجل راحة والدتي.
بالصالة كان حازم يجلس مع رجلين جلفين لديهم تقاسيم جافة وعيون تصيبك بالزعر.
أسفل ملابسهم أسلحة نارية.
يتهامسون وهم ينظرون نحوي.
كنت متعباً لذا قلت: "سأرحل الآن وأعود اليوم التالي."
بطريقي نحو الباب وأنا أتخلص من قبضة والدتي المرتعشة، انحشر طرف جلبابها عن ساقها للحظة.
كان أثر كي النار بكل بقعة فيها.
جلست بسرعة وغطيت قدم والدتي دون أن تلحظنا كوثر.
أمسكت بإصبع والدتي وهمست في أذنها: "تذكرت الأيام القديمة يا والدتي عندما كنت ألعب بجوار الغيطان وتحذريني بإصبعك أن أدلف داخلها."
خارت والدتي واستكانت.
قلت: "سأرحل الآن وأعدك أن أعود لزيارتك بسرعة."
هبطت درجات السلم، دمي يغلي.
تخبطت في الطرقات، أبحث عن أي سلاح.
كنت أعرف أن نرجس لديها معارف من الممكن أن يساعدوني، لذلك هاتفتها.
طلبت منها المساعدة وأخبرتها بشكوكي.
لم تتأخر نرجس.
منحتني عنوان أحد أعوانها وقالت: "سيمنحك سلاحاً."
ركضت خلال الشوارع نحو العنوان القريب.
منحني الرجل مسدساً أخفيته بين ملابسي ورفض المال الذي قدمته له.
أسرع من الريح قطعت الطريق نحو منزل كوثر.
قبل أن أصل المنزل بخطوات، غادرت سيارة بسرعة خارقة جعلت الأتربة تشكل غيمة فوق مدخل البناية.
صعدت درجات السلم ركضاً.
كانت الشقة خالية وباب غرفة والدتي مغلق والدماء تسيل من تحته.
بكل قوة دفعت الباب.
كانت والدتي مذبوحة على السرير تلفظ أنفاسها الأخيرة.
احتضنتها وأطلقت صرخة هزت غيوم السماء.
حملت والدتي ونزلت درجات السلم.
وضعتها في المقعد الخلفي وقدت نحو المشفى.
في منتصف الطريق لفظت أنفاسها الأخيرة.
قضيت ساعة على جانب الطريق أبكي وألعن نفسي.
عندما تمالكت نفسي قدت السيارة نحو الفيلا.
عندما وصلت، كان المقعد الخلفي للسيارة ملطخاً بالدماء.
عندما رأيت مقعد السائق من الجهة الخلفية ملطخاً بالدماء، استعرت بي النيران.
كانت والدتي ترغب بقول شيء لكني كنت مشغولاً بالقيادة.
حملوا والدتي لداخل الفيلا.
تبعت مصطفى ونرجس للداخل، بينما تأخرت كارمه لدقائق تحملق بالدماء التي لطخت السيارة، ثم طلبت قماشة وأزالت الدماء التي على مقعد السائق بنفسها قبل أن تتبعنا للداخل.
قمنا بدفن والدتي في المقابر المجاورة للفيلا، حيث قضت معظم عمرها وحيث ترعرعت بين أحضان الموتى ووسط أرواحهم الهائمة.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسي
لزمت غرفتي، لا أبارحها ولم أسمح لأحد بالدلوف إليها، تائه تحيطني الذكريات وملابس والدتي القديمة.
كنت لا أبارح غرفتي إلا ليلاً عندما ينام الخدم وتختفي الأضواء من غرف الفيلا، أعبر البوابة نحو المقابر القديمة، أجلس بجوار قبر والدتي وأدخن لفافات التبغ منتهكاً سكينة الموتى، كل ليلة كانت تمر أصعب من الأخرى.
كنت أتحدث إلى والدتي طويلاً، وإذا طال الليل أحدق بالسماء وأناجي نجومها، تغمرني الحزن العميق وأبحر بين أمواج الذكريات فتذكرت أيام الطفولة، ممازحات والدتي، ضربها لي، صراخها في وتحذيرها لي من الاقتراب من سياج الفيلا!
اتكأت على جدار المقبرة وكانت الليلة بدر، بالجهة المقابلة لي كان هناك شاهد قبر يحمل اسم أحمد صبري عبد الفتاح. حدقت بالرخامة وخطر بذهني ذكرى قديمة لرجل عجوز وأنيق كان يحضر لزيارة والدتي، كنت أراه يبكي بالساعات فوق هذا القبر وكان يحضر معه طفل يكبرني ببضع سنوات. كنت ألعب معه أحياناً.
لا أعرف لماذا تسمرت صورة الطفل والعجوز بذهني، كنت أراه يمنح والدتي نقوداً، كانت تقول عنه رجل محترم! كم مضى على آخر مرة رأيته فيها هنا؟
مرة أخرى صعدت فكرة لذهني، ماذا لو كان هذا الرجل يعرف معلومات عن كوثر أو عن أقرباء والدتي؟
وضعت رأسي بين يدي وأغمضت عيني وسحبت سحبة مديدة من لفافة التبغ. نحن نسكن بجوار كوبري ضخم اسمه كوبري القبة تعبر من فوقه ألف سيارة كل يوم. أسفل شقتنا صيدلية كبيرة أشتري منها العلاج لجدي والمثلجات من دكان العم فهمي!
تذكرت كلمات ذلك الطفل الذي كان يلعب، قلت في نفسي بالصباح سأذهب للبحث عنه، حتى لو كان خيطاً طفيفاً إلا أن فكرة الانتقام من كوثر كانت تغتصب كل ذرة بداخلي!
أشعلت لفافة تبغ أخرى وارتفعت فوق رأسي غيمة من الدخان الأزرق. لو كان من بين الموتى شخص مدخن سيدعو لي، قلت وأنا أحرك يدي في الهواء قبل أن أستغفر ربي! ما هذا الهراء؟ زجرت نفسي، سحقاً، حان وقت المغادرة. ودعت والدتي وقصدت غرفتي، كنت ميتًا من النوم. دقائق وبدأت رحلة الأحلام.
فتحت عيني على طرقات تكسر باب غرفتي، لم أفتح الباب. كانت كارمة قالت إنها تحتاجني لأمر هام جداً! بالنسبة لي كان كل فكرة لا تخص موت والدتي والانتقام لها غير هامة أو مفيدة!
سحبت صينية الطعام التي يتركها الخدم خلف الباب باستمرار، تناولت لقمة، بدلت ملابسي وقدت السيارة نحو القاهرة!
عرجت على المكتبة، عندما رأتني تلك الفتاة قالت، ياه، افتكرتك مت؟ قلت لها كيف حالك؟ قالت أين اختفيت؟ كل ذلك تحفظ سطرين؟ يا رجل، كنت أظنك أذكى من ذلك؟ قلت لها توفيت والدتي! واسَتني وتأسفت من أجلي، كانت حزينة فعلاً، شعرت بذلك من نبرة صوتها اللعينة!
هل نبدأ؟ قالت لتخرجني من حالة البؤس الطافحة فوق وجهي! حضرت من أجل أمر آخر، أخبرتها بخطتي بالبحث عن الرجل العجوز! أطلقت كيان، كان ذلك اسمها، ابتسامة. قالت والدتك تحبك! لماذا؟ سألتها. أن أقيم بنفس المنطقة إذا انتظرت حتى وقت رحيلي يمكنني أن أساعدك!
جلست على مقعد بالمكتبة أراقبها وهي تعمل، كانت تعامل الكتب بطريقة جميلة جداً، ليس كجماد بل كأشخاص يشعرون ويفهمون! كانت كيان جميلة جداً وكنت بحالة بائسة لعينة لم تمكني إلا التحديق بها وإطلاق النظرات الخبيثة المحتشمة، الخاطفة والعميقة؟!
انتهيت، لوحت لي وأنا شارد، لننطلق!؟
قدت السيارة وكانت كيان توضح لي الطريق بنبرة بسيطة ورقيقة. سنترك السيارة هنا ونترجل. طاوعتها باستسلام وسرت خلفها. صيدلية كبيرة، فكرت؟ أعرف أربع صيدليات، لنبدأ من هنا!
كانت صيدلية كبيرة تنهض فوقها بناية ضخمة، سألت الحارس عن رجل عجوز يعيش صحبة حفيده. القبطان؟ استفسر الحارس!؟ قالت لا نعرف بعد! القبطان لم يبارح شقته منذ رحيل الباشمهندس عوني!
همست بأذني كيان لنجرب. كانت شقة برحه، استقبلنا فيها رجل خمسيني أنيق المحيا تكلل وجهه لحية صفراء، شعر رأسه ناعم، كامل رغم الحنق الباسق من قسماته، كان يرتدي حلة صفراء ماركة أرمانو، ساعة ماركة رادو!
جلست وجلست كيان بجواري. حملقت بالرجل، لم تتغير قسماته. قلت له قبل أن يطوف الشك بصدره، سألته أنت لا تتذكرني؟ وكيف بربك تطلب مني ذلك؟ أي ذاكرة لعينة يمتلكها عجوز مثلي قد تسعفه لتذكر أكثر من يومين!! سحقاً على الأيام لا تذكر شيئاً على حاله!
قلت المقابر القديمة، سيدة عجوز كنت تساعدها، القبر الذي كنت تزوره ويحمل اسم أحمد صبري عبد المنعم! تهلل وجه الرجل قبل أن يتكدر فجأة ويطلق دمعة مسحها بكم قميصه. أنت ابنها؟ سألني! أجل! ما اسمك؟ أحمد! راح الرجل ينتحب مرة أخرى حتى أشفق عليه. انتصبت كيان وربتت على كتفه برفق. قالت كيان يا والدي لا تبكي، إن الموت لن يترك أحداً حتى الأنبياء فلا تقسُ على نفسك؟
شهق الرجل وهو ينتحب. مات صغير، والآن يأتي ابنه اللعين عوني يتركني لأموت وحيداً كما قضيت حياتي البائسة وحيداً، نربي الأبناء، نفرح بهم، نعتقد أنهم سيعتنون بنا ثم يكبرون ويمارسون هوايتهم في التنصل منا! قال لي عوني إنه لن يتركني لأتعفن بمفردي لكني أدرك أن رحلته باتجاه واحد ولن يعود مرة أخرى!
اقترب مني وأشار الرجل لي! جلست بجواره. ما حال والدتك؟ سألني؟ قلت والدتي ماتت، قتلت؟ شهقت كيان التي لم تكن تعلم ما حدث بعد. أخبرته بما حدث معي كل ما أعرفه تقريباً ورحت أبكي أنا الآخر! لم تكن تستحق ذلك، كانت سيدة طيبة. ثم فتح عينيه على اتساعهما وقال الحياة لا ترحم الطيبين!
حاولت أن أخرجه من حالته فسألته أين رحل حفيدك؟ قال تتذكره؟ قلت أتذكر الطفل الذي كنت ألعب معه وليس الباشمهندس الذي تتحدث عنه!
صمت الرجل دقيقة يزن كلماته ويفكر إن كان من الصائب أن يخبرنا عن سره ثم قال!! وجد مخطوطة لعينة تتحدث عن مدينة غريبة، عجائبية اسمها مدينة أبناء الساعة. كان عمه رشدي رجل إليها ولم يعد. قال عوني إنه سيذهب ولن يعود إلا بصحبة عمه. أنا أعلم أن كل ذلك هراء ولا أعلم لماذا طاوعته!
سألته كيان بلهفة وكان لديها شيء تخفيه، حدثني عن تلك المخطوطة؟ راح الرجل يقص عليها ما يعرفه حتى انتهى، ثم ألقى علي نظرة طويلة مستجدية وقال، أنا لا أعرف غيرك يا أحمد، طلبت من والدتك أن تسميك على اسم ابني وقد فعلت. لماذا لا تذهب خلفه يا ولدي وتحضره إلي؟ امنعه بالقوة إذا تطلب الأمر، قل له جدك يموت ويرغب برؤيتك!
كنت على وشك الرفض حتى قالت كيان سنذهب خلفه ولن نعود إلا معه!!؟
تخبطت أفكاري وطارت الكلمات التي أعددتها من على طرف لساني! رحلة طويلة برفقة كيان، ما يمكنني أن أتخيل أفضل من ذلك! قلت له امنحني بعض الوقت، أنهي مسألة والدتي وأعدك أن أذهب خلفه!
نحن لا نمتلك الوقت، قال الرجل، لكن لو تمكنت من الذهاب خلفه قبل نهاية الأسبوع ستصل إليه!
تركنا الرجل واختفى داخل غرفة مغلقة وعاد بعد دقيقة يحمل كيساً به ورق مكرمش ووضعه بين يدي. هذه أمانة، قال الرجل، بقية المخطوطة اللعينة التي وجدها عوني، كنت قد أخفيتها على أمل أن يفشل عوني ويعود إلي لكن مضى أسبوع ولم يرجع واحشني أن أكون تسببت في هلاكه!
ودعنا الرجل بترحاب. بالشارع لزمت أنا وكيان الصمت، كان كل منا خائفاً أن يفشي ما يجول بخاطره. قلت لها، ستذهبين حقاً؟ قالت كيان بنبرة مصرة أجل! وعائلتك، ستوافق؟ ابتسمت كيان، ليس لدي عائلة قالت! أنا عائلتك، قلت في سري وابتلعت كلماتي، ظهر لي أمل جديد يجعل حياتي أفضل.
تركت كيان على ناصية الشارع. قلت لها بالغد وكل يوم سأحضر للمكتبة إذا كان ذلك لا يضايقك؟ على الرحب والسعة قالت وهي تتهادى كبرتقالة أفغانية نحو مدخل البناية المظلم. تابعتها وهي تختفي، رأسها، وسطها، كلها!
على هاتفي كان هناك عشرون مكالمة فائتة من كارمة، ذلك آخر ما ينقصني تمتمت في نفسي، كل تلك المصائب التي سقطت فوق رأسي ولا يستطيعون الاعتناء بأنفسهم! الو؟ الو!
كانت كارمة تنتظرني بالحديقة عندما وصلت، كانت ترتدي بلوزة بيضاء، تحتها جيبة سوداء وحذاء أبيض بكعب عالٍ، ساعة سواتش بيدها اليمنى بدت من خلالها عاملة منضبطة بائسة. نرجس تجلس بالشرفة تحرق لفافات التبغ وشعرها يرفرف فوق عنقها الطويل. لوحت لها قلت لحظة واحدة وأعود!
تركت السيارة وكنت أشعر ببعض الانشراح فمشيت بسرعة عائداً تجاه الأريكة التي تجلس عليها كارمة، همست ليس الآن، لا تنطقي بكلمة واحدة وقرصتني في يدي! حملقت بنرجس وألقيت عليها التحية فأومأت برأسها وجلست بجوار كارمة. سأغادر الآن، اتبعني بعد دقيقة نحو غرفتي.
بدأت أشعر بالقلق والارتباك. تصرفات كارمة غير المعتادة، السرية التي تتبعها، هناك مصيبة قلت! بغرفتها بعد أن أوصدت الباب أخرجت كارمة ورقة من تحت سريرها، حملقت بوجهي دون أن يرف لها جفن. تفضل، قالت رسالة من والدتك! لكن على حد علمي والدتي لم تعرف القراءة والكتابة!؟ لأنك لا تعرفها حق المعرفة يا أحمد، والدتك تعلمت الكتابة منذ فترة بعيدة عندما كانت تراقبنا ونحن نتلقى دروسنا على يد معلم اللغة العربية!
الرسالة كانت مكتوبة بالدم على مقعد السائق، كتبتها عندما كنت تقود السيارة قبل موتها، نقلت الرسالة ثم مسحت الدم! رسالة بالدم؟
فتحت الرسالة ورغم أنني لا أقرأ جيداً إلا أنني قرأت، مصطفى، كارمة، إخوتك يا أحمد لا تتخل عنهم، لم الشمل واجعلني أستريح في قبري!
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسي
ماذا يعني ذلك؟ سألتها.
وكيف لي أن أعلم؟ ردت كارما.
والدتي كانت تعتبركم أبنائها، ربما لذلك كتبت "إخوتك". قلت محاولاً أن أجد تبريراً.
فكر، قالت كارما وهي تضع إصبعها على رأسها. شخص يلفظ أنفاسه الأخيرة، لماذا قد يكتب رسالة بلا فائدة؟ إننا نتذكر ونكتب أهم الأشياء بحياتنا عندما نشعر بالاقتراب من الموت.
تذكرت والدتي، لحظاتها الأخيرة عندما كنت أسمع يدها تلطخ ظهر مقعدي.
سحقاً، لا أفهم، قلت وأنا أحدق بالرسالة. كيف أنتم إخوتي؟
دق باب الغرفة ودلف منه مصطفى وأغلق الباب خلفه. حملقت بكارما استفهم.
قالت: مصطفى يعلم كل شيء.
جلسنا على السرير ثلاثتنا بصمت نفكر. قلت: ربما مجرد نصيحة، والدتي كانت تحبكم.
لا أظن ذلك، قال مصطفى. هناك سر علينا أن نفتش عنه. الشخص الوحيد القادر على توضيح الأمور والدتي نرجس.
وهل تتخيل أنها ستقول ببساطة: أجل، أنتم لستم أبنائي، أنا امرأة كاذبة.
لن يتم الأمر هكذا، قالت كارما. والدتي لن تعترف إلا إذا كانت بخانة الـ "يك". أنا أعرفها.
ثم وجهت كلامها لمصطفى: إذا بكت والدتنا، انتحبت، من فضلك لا تتدخل.
قلت: لدي خطة.
نظرت كارما ومصطفى نحوي.
هيا قل! طالبت.
إذا توصلنا لكوثر ستخبرنا بالحقيقة.
وكيف سيحدث ذلك إن شاء الله؟ سألتني كارما.
لدي شكوك بخصوص نرجس. هي الوحيدة التي كانت تعرف نيتي بقتل كوثر، وأعتقد أنها شخصياً من قامت بتبليغ كوثر عن خطتي، لذلك رحلوا قبل أن أصل إليهم.
ماذا تقصد؟ قالت نرجس بنبرة اندفاعية وهي تدلف من الباب.
أنت السبب في مقتل والدتي، قلت بنبرة صارمة.
كيف تتجرأ وتقول ذلك؟ أنت نسيت نفسك؟
قلت: يا روح ما بعدك روح، وأخرجت المسدس المحشو بالرصاص من تحت ملابسي.
إذا لم تقولي الحقيقة سأقتل هذين. ولوحت بالمسدس في وجه مصطفى وكارما.
أنت مجنون؟ سأبلغ الشرطة! صرخت نرجس.
سأقتلك أنت أيضاً. أغلقت الباب ووضعته خلف ظهري والمسدس بيدي.
هذا جزائي بعد ما فعلته معك من خير؟ قلت لك إذا لم تخبريني الحقيقة سأقتل ها. وصوبت المسدس على صدر كارما الصامتة وغمزت لها، فراحت ترتعش وتنتحب.
ابتعد عنها، صرخ مصطفى مدافعاً عن أخته.
اصمت. وضربته بعظم المسدس، شججت رأسه. سقط مصطفى على الأرض يتلوى من الوجع.
هذه آخرة من يطعم كلباً مؤكد أنه سيقضمه، زعقت نرجس بهلع.
تركت كارما وغرست المسدس في فروة رأس نرجس. قولي الحقيقة، صرخت.
حملقت نرجس بابنها الغارق في دمائه، ابنتها المنتحبة، عيوني التي تشع شرر.
كنت مرغمة، قالت. لم يكن هناك حل آخر.
اتفقت مع كوثر على قتل والدتي؟
لم أفعل والله، كنت أدافع عن ابنائي. لم أتوقع أنها ستقتل والدتك.
أنت السبب. ولوحت بمسدسي بغضب. سأقتلك.
اقتلني لكن اتركهم، ليس لهم ذنب.
سأقتل الجميع، صرخت وصوبت تجاه كارما وأطلقت رصاصة بالجدار جعلت كل من في الغرفة يجفل.
الرصاصة القادمة في صدرها.
ستقتل أخواتك يا أحمد. إنهم أخواتك. انهرت على الأرض وتركت المسدس. كانت صادقة. أنتم أخواتي، قلت وأنا أضع رأسي بين يدي.
توقفت كارما عن النحيب. مصطفى الذي كان يتلوى على الأرض انتصب بمكانه. اقترب مني واحتضنني بقوة وتبعته كارما. تركت نفسي بين أحضانهم وغرقت في انتحاب طويل ومقيت.
أنا آسفة، قالت نرجس وهي ترتعش. أقسم أنني لم أكن أقصد ذلك. كوثر هددتني أنها ستقتل مصطفى وكارما إذا لم أسلمها شروق. لم أتخيل أنها ستقتلها.
قالت كارما وهي تنتحب: كانت والدتنا الحقيقية. كنت تعلمين ذلك وتركتيها تقوم بدور الخادمة. طوال كل هذا العمر حرمتينا من والدتنا. أنا أكرهك، أكرهك.
أقسم أنني لم أكن أعلم أي شيء إلا قبل عام واحد ولم يكن بمقدوري أن أغير شيء. ربما أنتم لستم من صلبي لكني أحبكم مثل أبنائي. أنتم أطفالي. طفلي. وراحت نرجس تبكي بحرقة وهي تشد شعرها.
خشيت أن تتركوني وأعود لوحدتي مرة أخرى. شروق كانت تعلم أنكم أبنائها، كانت تشعر بذلك. ربما لم تصرح بذلك ولم تقله، لكن كلانا أنا وهي كنا نعلم الحقيقة.
كل ما يهمني الآن أن أصل لكوثر.
أقسم بربي أن أقتلها، بعدها يمكنك أن تتمتعي بأبنائك يا نرجس.
أنا معك، قال مصطفى.
لن يأخذ ثأر والدتي إلا أنا. أوضحت له وأنا أحدق بنرجس.
ستنفذين ما أطلبه منك بالحرف الواحد يا نرجس. ستقومين بمهاتفة كوثر. ستخبرينها أني توصلت للحقيقة. ستطلبين منهم قتلي والتخلص مني. ستعديهم بمبلغ كبير وحتى لا ينتابهم الشك ستقولين أن هذا آخر تعامل بينك وبينها.
قال مصطفى بنبرة جادة: أنه لن يتركني مهما حدث، وأنه إذا كان لم يرتوِ بحضن والدتنا وهي حية، فعلى الأقل يريحها في تربتها.
أنت دكتور تدرس في كلية الطب وكارما بنفس الجامعة. أما أنا فلا عمل لي. سأقوم أنا بتلك المهمة نيابة عنكم.
اعترضت كارما: مستحيل. صرخت بأعلى صوت. يكفي ما تعرضت له من عذاب وآلم. إذا كنا لا نستطيع أن نغير الماضي، فأننا شركاء في المستقبل.
أقسمت عليهم بروح والدتي وألححت عليهم حتى وافقوا.
إذا مت، قلت لهم، هناك فتاة اسمها كيان. أخبروها أني أحبها ولم أتمنى بحياتي شيئاً أكثر منها.
في خرابة قديمة كنت مقيداً من يدي بسقف الغرفة كما وعدتهم نرجس عندما وصلوا. كانوا أربعة. كوثر، زوجها، ونفس الرجلين الجلفين الذين رأيتهم بمنزل كوثر. كان الرجل الأسمر الضخم واسمه سامبو يحمل بندقية ألمانية الصنع. الآخر واسمه الأكحل بيده طبنجة حلواني.
دلفَت كوثر يتبعها الرجلين وزوجها. وقفت أحلق بها وكانت الشمس قد غربت.
سامبو امسح المكان. نرجس هذه لبوه. ولأعهد لها. أُمرته كوثر فركض خلف الخرابة وأمامها. عاد بعد دقيقة. المكان نظيف، قال وهو يضحك.
أنا سأقتله، قال الأكحل بنبرة أقرب لصوت الموت.
غبي، صرخت كوثر. جثة مثل جثته سننال من خلفها مبلغاً محترماً.
حازم، خاطبته كوثر، فانتصب إلى جوارها. أخرج العدة، وأنتم امسكوه.
دا مربوط يا معلمة، هيروح فين؟ قال سامبو بنبرة ساخرة.
زوجها الذي لم ينتظر، أخرج حقنة مخدر. بيد مرتعشة قربها من عروقي. لحظة وسوف يكون في خبر كان، قال حازم.
في لحظة سللت يدي من بين القيود غير المحكمة ولويت عنق زوجها أمامي. وضعت المسدس على جمجمته وصرخت: انزلوا السلاح يا أولاد الكلب.
تراجعت كوثر خطوات حتى التصقت بسامبو والأكحل. كان زوجها يتلوى من الألم ويصرخ بطلب النجدة.
وحازم، سألها الأكحل؟
اقتلوه الأول، إنه بلا فائدة.
أطلق سامبو طلقة عشوائية اخترقت صدر حازم وكشطت ساعدي. ارتميت أسفله على الأرض وصوبت تجاه الأكحل. أصبت قدمه. صرخ: يا ابن الكلب.
قبل أن أطلق الرصاصة التالية انهمر الرصاص عليهم. اخترقت رصاصة عنق سامبو وأخرى ظهر كوثر، فارتمت أرضاً.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسي
حاول الأكحل أن يعرج على قدمه ويهرب، لكن طلقة أخرى من بعيد صرعته أرضًا.
توقف الرصاص. بعد دقيقة، وقفت بحذر أترقب. لا شيء. كوثر على الأرض تئن، تسب وتلعن.
"الرحمة!" صرخت.
"أطلقت رصاصة على رأسها وهربت. أنا الآخر!"
هاتفت مصطفى، وجعلت أصرخ به:
"طلبت منك أن لا تتدخل. لماذا اخترت أن تلطخ يديك بالدم؟"
أقسم أنه لم يفعل، وأنه لم يبارح الفيلا، لا هو ولا كارما. تأكدت بعد أن كلمتني نرجس.
"قلت لهم كوثر ماتت. زوجها وكل رجالها قتلهم شخص آخر!"
"عد الآن،" ترجتني كارما.
"قلت الشرطة ستبحث عني. لقد انتهت رحلتي هنا. لدي رحلة أخرى، ربما أعود منها، ربما لا. الوداع."
أنهيت المكالمة.
أخرجت المخطوطة التي منحني إياها السيد صبري. هاتفت كيان:
"أنا جاهز للرحلة."
سألتني: "ماذا حدث؟"
قلت لها: "من الأفضل أن لا تعرفي!"
"حقيبتي جاهزة. أين سنلتقي؟"
"آخر شارع مظهر قرب النفق. أنا لا أملك الوقت، انسه كيان، فلا تتأخري!"
"كيان، فقط لو سمحت."
صححت كيان وهي تنهي المكالمة.
انتصبت تحت شرفة أحد المنازل، أدخن لفافات التبغ وأراقب الطريق والمارة. الوجوه العادية التي ربما لن تسنح لي الفرصة برؤيتها مرة أخرى.
من بعيد لمحتها، كومضة النسيم، ترتدي سترة صوفية قشدية اللون فوق قميص أحمر لامع اللون، تنورة لبنية ضيقة، وتنتعل حذاء أبيض بكعب عالٍ وجوربين أرجوانيين. تحمل فوق ظهرها حقيبة ماركة اكتيف، ونظارة سوداء ماركة ريال تغطي عينيها.
"وصلت،" قالت كيان بنبرة متعبة وهي تنزع الحقيبة من فوق كتفيها.
لم أكن بحاجة للشرح. حملت الحقيبة وأنا ألقي عليها نظرة مطولة.
"كيان، نحن لسنا خارجين في نزهة،" وأشرت لحذائها.
"تحرص الأنثى على أناقتها مهما كانت الظروف والوقائع والمصائب! هذا ما حدث،" رفعت كيان يدها بتذمر.
"تعالي،" قلت وأنا أجذبها من يدها.
دلفنا محل بيع أحذية. ابتعت لها حذاء رياضي تبني اللون وطلبت منها أن تنتعله. حملت حذاءها الآخر بيدي ومنحته لأول فتاة تبيع المناديل وجدتها بطريقنا.
سرنا بسرعة.
"أول مرة أذهب لتلك المنطقة،" قلت لها.
"وأنا أيضًا!" قالت.
استوقفنا سيارة أجرة. أخبرت السائق المندهش بوجهتنا وجلسنا بصمت حتى وصل. منحته الأجرة ووقفنا دقيقة نعاين المكان.
"لا تبتعدي عني،" حذرتها.
"ليس لدي مكان آخر لأقصده،" مازحتني كيان.
مشينا ساعة لم نقابل خلالها بشرًا حتى وصلنا حدود الغابة المحترقة. قابلتنا وجوه كالحة وضائعة مبعثرة هنا وهناك. كانت المنطقة أشبه ببؤرة مشبوهة. أسرعت خطوتي وكانت كيان تحاول اللحاق بي بخطواتها الصغيرة.
"سنلحق بهم؟"
"أتمنى ذلك يا كيان. عوني يمتلك المخطوطة الأصلية ويعرف الطريق."
"علينا أن نعرج للساحل،" أوضحت كيان.
"ليس الآن،" قلت لها. "سنقطع الطريق أسرع من هنا على أمل أن نلحق بهم."
"تستطيعين الركض؟"
"يعني، لكن ليس لمسافة طويلة،" ردت كيان بنبرة مختنقة.
"اركضي إذا،" قلت قبل أن أمنحها وقتًا للتفكير.
ركضنا مسافة طويلة قبل أن تغرب الشمس وينشر الليل كلمته.
"أحتاج للراحة يا أحمد!"
"أعلم أنك منهكة ومتعبة، لكن علينا السير بالليل أيضًا. إذا كان ما أفكر به صحيح فإن عوني لن يواصل السير في الليل، لذا سنلحق به بحلول اليوم الثالث!"
"أنت مجنون!"
"سأبحث عن جوادين!"
"مخطوطة؟ مدينة قديمة وكل ذلك الهراء تصدقينه؟ لماذا ترفضين تلك الفكرة بالذات؟"
"حاضر، أنت القائد. تصرف!"
"كنت أنا من رآهم في البداية. كان عندي شكل. كانوا ثلاثة أشخاص وليس شخص واحد، لكن ذلك الطريق بالذات مع كل ذلك العمق لا يقطعه إلا أشخاص مثلنا!"
"قلت هناك يا كيان،" وأشرت بيدي إليهم.
"متأكد؟" سألتني.
"لا أعلم. ما أدركه أنا علينا التريث ريثما نتأكد أنه عوني!"
"سنتبعهم من بعيد،" قررت.
"حسنًا،" قالت كيان.
"سنخيم هنا،" قلت عندما لاحظت توقفهم.
"هذه فكرة رائعة،" أوضحت كيان وهي تلقي بنفسها على الأرض. وضعت حقيبتها تحت رأسها، أكلت قطعة كيك ونامت وهي تلتهمها.
جعلت أراقبها في نومها وأنا أدخن لفافات التبغ حتى نمت أنا الآخر.
أيقظتنا الشمس بأسنان أشعتها الحارة.
"رحلوا،" قالت كيان وهي تشير للبقعة التي خيموا بها.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسي
حملت الحقيبة وسرت تتبعني كيان. كانت الخطوات تشير تجاه البحر عرضياً، فتبعناها. نزلنا بين صخور وعرة جرحت ساق كيان نحو الساحل. استوى الطريق أمامنا، فسرنا بمحاذاة البحر ونحن لا نلمح أي أثر لعوني.
التفت إلى كيان بخوف قائلاً: "لابد أن نلحق بعوني ونخبره بالجزء الناقص من المخطوطة قبل أن يبتلعه الظلام للأبد."
**الجزء الخامس**
**الرحلة نحو مدينة أبناء الساعة**
**(أبطال الرحلة: صبري حفيد الجد عوني، وأخته فريدة)**
مالت الشمس غرباً وتوارت خلف التلال الخضراء مخلفة شفقاً أحمر قانياً.
"سنخيم هنا"، قالت فريدة، فور بلوغنا بقعة مسطحة غاطسة أسفل قعر التلة.
"لماذا؟" سألتها.
"نحن لا نعرف تلك الأرض، وليس من المأمون أن نواصل سيرنا ليلاً."
"أنا..." ورفعت فردت يدها بطريقة ساحرة شريرة، "لا أرغب بفقد كلاكما دفعة واحدة وأضطر لخوض تلك الرحلة اللعينة وحدي بتلك المدينة غير الموجودة!"
"لا تعتقدين فعلاً بوجود تلك المدينة؟"
"ما أعتقده أو لا أعتقده ليس له معنى يا عوني، فأنا أفضل التمرغ بوحل الحقيقة على أن أعيش وهماً زائفاً!"
أشعلنا النار بالحطب والتففنا حولها. أخرجت فريدة بعض المعلبات لتناولها وزعتها علينا.
ما أثار حيرتي صمت أحمد عبد الهادي وشروده، حتى أنتابني شك أنه قبل تلك الرحلة فقط للتخلص من ثرثرة أخته فريدة!
"هل يمكنني أن أرى المخطوطة؟" سألتني فريدة.
"لكن الجو ظلام"، اعترضت، "لن تستطيعي قراءة أي كلمة."
"بالغد"، وأردفت بنبرة وغدية، "ربما أسمح لك بلمسها!"
وضعت حقيبتي تحت رأسي ببقعة بعيدة عن أحمد عبد الهادي وفريدة، وحاولت النوم. رغم بعدي بمسافة كافية، إلا أن صوت فريدة كان يخنقني!
لم أكد يغمض لي جفن حتى سمعت صوت خطوات تقترب مني. كنت راقداً على جانبي الأيمن في مواجهة البحر، دون أن ألتفت قلت: "أحمد عبد الهادي؟"
"كنت أدرك أنك لن تقدر على النوم بجوار تلك الرعناء، الوغدة، الثرثارة. أرجو أن تغفر لي وقاحتي، لكنها لا تطاق يا أخي!"
أردفت وأنا أعدل جسدي: "ارقد هنا بجواري!"
لم أتم كلمتي، أحمد عبد الهادي لا يمتلك ذلك الشعر المسدل، العيون الواسعة الخضر، وذلك القوام النادي!
رغم حماقتها، إلا أن فريدة كانت جميلة بصورة ما.
"أكمل، لن أقضمك. أحب أن أسمع رأي الذكور بي!"
"لماذا، إن شاء الله؟" قلت بنبرة مستنفرة.
"حتى يتضح لي قدر الحرائق التي أحدثها بصدورهم!"
"سحقاً، لقد أفسدت كل شيء"، قلت في نفسي، وكنت أشعر بالخزي وأرغب في القيام بأي شيء للتكفير عن ما رشقتها به من لعنات!
جلست بجواري، وكان موج البحر يداعب الشاطئ الرملي ويقبل قدميها البيض. السماء صافية ولا أثر لغيمة واحدة فيها.
حدقت فريدة بالنجوم، ونسمة فجائية تراقص شلال الشعر الأسود المنسدل على كتفيها.
"أتعلم!" قالت فريدة بعد طول صمت، "أنا أمجد الوحدة وأقدس العزلة يا عوني."
رغم الظلام، إلا أنني وجدتني أرمقها بنظرة اندهاش لا تخلو من سخرية.
"تقدسين العزلة؟ يا فريدة، أنت لم تتوقفي عن الكلام لحظة واحدة منذ بدأنا تلك الرحلة!"
تنهدت فريدة بعمق مفسحة المجال للحظة من الصمت أن تفصل بيننا.
"منذ وفاة والدتي وأنا لا أتحدث لأحد مطلقاً. أحمد أخي يغادر المنزل لأوقات طويلة حيث يسمح له وضعه كشاب أن يتسكع مع شبان مثلك. أما أنا فقد حكم علي العيش بين أربعة جدران، أتخبط بين أطلال الذكريات الحزينة. منذ ثلاثة أعوام يا عوني، وحياتي تمضي بين المنزل والجامعة والمطبخ. صدقني، أنا لا أعلم أني ثرثارة، رعناء، وقحة كما تعتقد. كل ما أعرفه أن تلك الرحلة سمحت لشيء ما بداخلي أن يتحرك. شيء انطلق مع صوت أمواج البحر وتحليق النوارس والفضاء الأزرق اللامتناهي. هل تعتقد أنني لا أستحق ذلك؟"
غمرتني التعاسة وأشفقت عليها حتى كدت أبكي. كنت على وشك مواساتها.
"ليلة سعيدة"، قالتها فريدة وهي تخطو مبتعدة.
منذ تلك اللحظة قررت أن لا أشاكس فريدة ولا أحبطها. الآن بدا لي جلياً، لماذا لاذ أحمد عبد الهادي كل تلك المدة. إنه يشعر بأخته، ما يؤلمها، ما ينغص عليها، وكيف انطلقت فجأة.
لكزتني فريدة في كتفي وكانت الشمس لا تزال نائمة.
"استيقظ يا عوني، إذا كانت لديك نية للوصول لمدينتك خلال مدة العشرة أيام التي حددتها!"
نهضت بمكاني أرمق أحمد عبد الهادي الذي يفرك عينيه بامتعاض. تناولت قطعة بسكويت، التهمت نصفها وألقيت بالجزء المتبقي لفريدة. بادرة حسن نية. تلقفتها فريدة ولوحت لي.
"شكراً!"
عندما تبتسم فريدة، هناك شيء غريب يحدث بوجهها. إنها لا تبتسم من خلال شفتيها فقط، عيونها تبتسم، خدودها تبتسم، جسدها يبتسم!
حملت حقيبتي وسرت خلف أحمد عبد الهادي وتولت فريدة الطليعة.
"لماذا أنت شارد يا صديقي؟ مذ الأمس وأنت لا تعجبني!؟"
حدق بي أحمد بعينين تائهتين وأشار لفريدة التي تتقافز فوق بعض الصخور ببنطالها الأزرق الضيق.
"فريدة يا عوني!" لم يطاوعني قلبي لتركها بالمنزل، وعندما بدأت رحلتنا شعرت بقدر الحماقة التي ارتكبتها في حقها. أنا وأنت يا عوني رجلان، أما هي فتاة. ماذا سيحدث إذا صادفتنا متاعب؟ أشكاليات." كان أحمد عبد الهادي يتحدث بنبرة صادقة منكسرة.
"لن يحدث لها أي مكروه يا أحمد!"
توقف أحمد عبد الهادي بمكانه وأمسك بيدي بين كفيه.
"عاهدني يا عوني إذا أصابني مكروه أن تعتني بها ولا تسمح لأذى أن يصيبها!"
"أعاهدك يا صديقي، أعاهدك، لكن لا تقلق، لن يحدث أي مكروه إن شاء الله."
كانت فريدة لاحظت تخلفنا عنها فتوقفت.
"تحتاجون لاستراحة؟" سألتنا.
"شكراً يا قائدة"، أجبت وأنا ألوح لها.
مضت الشمس فوقنا ورحلت. كان علينا أن نبحث عن مكان ملائم لنقضي به ليلتنا. واصلنا السير بالظلام حتى وجدنا بقعة صلدة تسمح لنا بالنوم. التقت أجسادنا بالأرض ورحت في نوم عميق غير مبالٍ بتمتمات فريدة ولا ردود أحمد عبد الهادي المقتضبة عليها!
كان الليل انتصف عندما شعرت بشيء يحتك بقدمي، يتباعد ثم يقترب مرة أخرى ليصطدم بها. حاولت أن أتمالك نفسي، كنت ميت من النوم، ولا رغبة لدي لفتح عيني! لكن ذلك الشيء واصل احتكاكه بقدمي وغمرت المياه قدمي. انتصبت بمكاني بفزع!
كيف تدحرجت كل تلك المسافة حتى وصلت حدود الماء؟ قدمي مبتلة تماماً. هناك بالظلام قرب مكاني لمحت جثة طافية تتقاذفها الأمواج قرب الشاطئ.
لم أتمالك نفسي، صرخت وأنا أهرول تجاه فريدة وأحمد عبد الهادي.
"استيقظوا، استيقظوا هناك جثة على الشاطئ!"
"ألا تملك عقلاً؟" زعقت فريدة، "يا عوني، أيقظ صراخك حوريات البحر."
رغم الصدمة، كانت فريدة هادئة ورزينة.
جذب أحمد عبد الهادي الجثة من ذراعها، انخلع في يده، ألقى بالذراع بلا مبالاة على الرمل وهو يتمتم بسباب.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسي
علينا أن نحمل الجثة!
شمرنا أقدام بناطلينا وغصنا في الماء حتي وصلنا. حملنا الجثة بين أيدينا نحو بقعه بعيدة عن الماء، أنزلناها على الأرض باحترام. وأنا أضع يدي على أنفي من رائحة العفونة.
من أين أتت تلك الجثة؟ سألت دون أن أوجه كلامي لأحد.
مما لا شك فيه، سفينة غارقة وحملت الأمواج تلك الجثة تجاه الشاطئ.
يجب أن ندفنه. قالت فريدة.
الآن؟ أجبت باستنكار.
إكرام الميت دفنه يا عوني. بقايا ذلك الشاب تستحق دفنًا لائقًا يليق بتلك النهاية المأساوية!
لكن، لا نمتلك فأسًا، معولًا؟
يمكننا أن نحفر بأيدينا خلال الرمال المبتلة. وضحت فريدة وهي تزأر.
قلت، لكن المياه ستتلفها؟
بكل حال، وطبقًا للظروف المعتادة، حتى لو حفرنا القبر بين الصخور الوعرة فإن الدود سيلتهم الجثة. شرح أحمد عبد الهادي بحكمة.
شرعنا نحفر القبر بأظافرنا وشفرات الحجارة. وضعنا الجثة وكلنا عليها التراب. بعدها لم تكن لدينا رغبة بالنوم. أشعلنا الحطب وجلسنا حول النار صامتين.
بالصباح عندما ارتفعت الشمس رأينا بقايا حطام السفينة. الأخشاب التي وصلت الشاطئ، بعض الملابس، وساري السفينة المربوط به علم أحمر.
كيف تحطمت برأيكم؟ سألت.
اصطدمت بحاجز بحري. الصخور المتوارية أسفل مياه البحر.
أبناء الشيطان. ردت فريدة.
أبناء الشيطان؟ استفهمت.
البحارة يطلقون على تلك الصخور التي لا يستطيعون رؤيتها وتخرق سفنهم "أبناء الشيطان" يا عوني. قرأت ذلك في "عمال البحر" لهوجو.
حملنا أمتعتنا والقلق بادي على ملامح أحمد عبد الهادي. ذلك اليوم سرت أنا بالمقدمة. كان الشك واللوم قد ضرب عقلي. أنا من تسبب في كل ذلك. كان يمكنني أن أخوض مغامرتي بمفردي دون أن أورط فريدة وأحمد عبد الهادي معي.
بعد مسيرة نصف يوم اتضح أن الاستمرار بمسارنا الحالي حدود شاطئ البحر مستحيل. تكاثرت الصخور وتكالبت لتسد طريقنا وتحتضن البحر. الأمواج ترتطم بها بلا هوادة ورزازها يحلق عاليًا ليصفع وجوهنا.
علينا أن نغير طريقنا. قلت.
لكن المخطوطة لم تذكر ذلك يا عوني؟
من قال إن الكتب تذكر كل شيء؟ تمنحنا رؤس الفكر وعلينا أن نكمل الباقي. بهدوئها المعتاد رمتني فريدة بنظرة إعجاب استقرت بصدري.
سنلتف حول التلة ونسير بمحاذاة البحر بحيث تفصل بيننا الصخور وعندما نجد بقعة ممهدة نعود لطريقنا مرة أخرى.
قطعنا دربًا ممهدًا طرقته الأقدام قبلنا. اصطدمنا بالصحراء الجرداء. بيداء لا أول لها ولا آخر. نسير بمحاذاة التلال ولن نضل طريقنا. قلت ذلك وأنا أتقدمهم.
لكن حتى بعد مضي ثلاثة أيام متواصلة من السير بالنهار والتخييم بالليل لم نجد أرضًا سهلة تصلنا بالساحل.
اليوم السادس عندما انطلقنا كان كل منا يفكر كما تقول المخطوطة. تبقى يوم واحد حتى نصل الميناء حيث تنقلنا سفينة لتلك المدينة الغامضة، مدينة أبناء الساعة.
لكن كما هو واضح أن التلال تزداد ارتفاعًا كلما تقدمنا بالسير ولا أي شخص عاقل يتصور أنه من الممكن أن يتسلق تلك الصخور الوعرة المسننة. إنها محاولة فاشلة ستؤدي للموت دون شك.
كان اليوم السادس أوشك على نهايته عندما لاحظنا ضبابًا خفيفًا يسبح حولنا. وكلما تقدمنا كان الضباب يزداد كثافة لكن لا يحجب الرؤية.
إنه ضباب البحر يا أحمد، لا تقلق.
ولماذا لم يظهر ذلك الضباب إلا الآن فقط؟ سألت فريدة.
ليخفف عنا لسعات الشمس. قلت بنبرة مبتسمة.
أنا متشائم. قال أحمد عبد الهادي وهو يحك حاجبه. وكانت أول كلماته منذ مدة طويلة.
قلت بنبرة ودية، منذ متى وأنت غير متشائم يا أحمد؟
إنه مجرد ضباب لن يلبس أن يزول فور شروق الشمس. أقسم بحلول الغد سيتبدد الضباب وتلسع الشمس مؤخرتك السخينة ويتعرق إبطك وتصبح رائحتك كريهة لا تطاق.
بدرت ابتسامة قلقة من أحمد عبد الهادي بينما لاذت فريدة بالصمت. ليس من عادة فريدة أن تصمت.
صمتها، شرودها ينبئني بمصيبة وشيكة. لكن شكوكي سرعان ما تبخرت مثل بخار مياه الصيف.
ألم يلاحظ أحدكم أي شيء غريب؟ سألت فريدة.
هناك. وأشارت بيدها للضباب.
حدقت أنا وأحمد خلال الضباب بنظرات ملئها رعب وتوجس. كان الظلام محدقًا ولم نرى أي شيء.
أنا لا أرى أي شيء. زعق أحمد عبد الهادي وهو يرفع كتفيه بغضب.
ولا أنا. وضربت ساقي بيدي.
ماذا رأيت؟ سأل أحمد عبد الهادي أخته بنبرة جادة لكن مرتعشة.
لا شيء. هيئ لي أني رأيت ما يشبه علامة وإشارة طريق. على كل حال سنخيم هنا الليلة وعندما يحل الصباح سنستكشف تلك العلامة.
تناولنا طعامنا ورقدنا بجوار الحطب الذي يطقطق ويخرج من أطرافه عصارة رمادية.
غفونا جوار النار. قبل الفجر غمرنا الضباب والصقيع واختفينا خلاله.
استيقظت وأطرافي متجمدة من البرد. ورغم قرب المسافة إلا أنني استطعت رؤية فريدة وأحمد عبد الهادي بالكاد.
زحفت نحوهم برعب. لكزت أحمد في كتفه. أفيق، استيقظ نحن في ورطة.
بغبش وهو يفرك عينيه. نهض أحمد عبد الهادي. مسح الأرجاء بعينه قبل أن تتلاقى عيوننا مرة أخرى.
أرجوك أخبرني أن تلك المخطوطة حقيقية وليست من اختراع عقلك اللعين. خاطبني أحمد عبد الهادي بنبرة متوسلة.
أقسم لك يا صديقي أني أخبرتك الحقيقة كاملة، كل حرف، كل كلمة. فكر أحمد عبد الهادي وهو يحك ذقنه بإبهامه.
لماذا لم يأخذ عمك المخطوطة معه؟ كيف عرف الطريق وحده؟
ذلك أمر سهل يا أخي ربما نسخها. أجبت بتوتر.
ما الذي يحدث هنا؟ زعقت فريدة وهي ترتعش. كانت أول مرة ألمح الخوف في عينيها.
كنت ظننت أن تلك الفتاة صخرة لكن لكل فتاة قدرة على التحمل تعادل كرهها للرجال.
كما ترين يا عزيزتي، نحن غارقون في الضباب. وضرب أحمد عبد الهادي رأسه.
متى حدث ذلك؟
ونحن نيام طبعًا.
قبل أن تفكر أو تسأل قلت، المخطوطة اللعينة لم تذكر أي شيء حول ذلك.
ربما علينا العودة. بادرنا أحمد عبد الهادي فجأة وكأنه أمر مقرر.
لماذا تكبدنا كل تلك المشقة يا أخي؟
عوني؟
أختك ليست هي الحاضرة معنا. توشك أن تفقدها.
من فضلك الزم الصمت ودعنا نناقش تلك المسألة العائلية بيننا.
لم تعجبني نبرة أحمد عبد الهادي. فأنا لم أجبره على تلك الرحلة. ثم إن روعي وقلقي على فريدة لا يقل عنه. أنا أعتبرها مثل أختي.
سنظل هنا لمدة يوم آخر. ربما حينها ينقشع ذلك الضباب ابن الزانية وتتضح الرؤية.
لم أعلق على كلام أحمد عبد الهادي. كنت أحمل بصدري غضبًا لا متناهيًا من طريقة كلامه الهجومية.
حتى لا نضيع من بعضنا وقد اقشعرّت أبداننا من البرد جلسنا متجاورين والشك يجلس معنا، يسير، يلف ويدور.
عوني؟
نعم!
أرجوك لا تغضب من أحمد. إنه لم يقصد ذلك. ارتفع الأدرينالين فجأة في ذهنه واندفعت الكلمات دون تفكير.
ثم أسرت لي بأذني. أنا لا أشك أنه تبول ببنطاله. أردفت بنبرة ممازحة.
بدرت مني ابتسامة مغتصبة ولذت بالصمت.
أظلمت الدنيا وأصبحت الرؤية مغبشة. عسس ليل، أشباح، أطياف.
وضعت الحقيبة أسفل رأسي وغططت في النوم. سمعت شخير أحمد عبد الهادي يشبه نقنقة الضفادع. وكانت فريدة راقدة إلى جواره ملتصقة به. سحبت ورقة وقلم. حاولت أن أتخيل أنني أكتب وأنا مغمض العينين. كتبت الرسالة مثلما تمكن لي. دسستها في جيب أحمد عبد الهادي. حملت حقيبتي فوق ظهري ورحلت.
التصقت بصخور التلة حتى لا أتيه وتقدمت للأمام وأنا أتعثر كل فترة.
من حقه أن يخشى على أخته من الخطر. لو كنت مكانه لفعلت ذلك. الآن يمكنه العودة. مسيرة نصف يوم بطريق الرجوع، تعود الرؤية ويعودون للمدينة مرة أخرى.
سرت ملتصقًا بالصخور وكل ما أرغب به أن أبتعد ميلين على الأقل حتى لا أسمع ندائهم ويغمرني الحنين. إنها رحلتي منذ البداية وأنا وحدي فقط من عليه أن يتحمل تبعاتها كيفما كانت.
بعد مسيرة لا بأس بها جلست أنتظر أن تشرق الشمس وتبدد تلك الظلمة. اتكأت على صخرة وغفوت. ولم أشعر إلا وقد مزقت قدمي. أفق يا وغد!
وغد؟ أنا أعرف هذا الصوت.
فريدة؟
ومن سواها سيهب لنجدتك؟
اسمعي يا فريدة ليس لدي مزاج للمزاح. ثم أين أحمد؟
تركته هناك حيث كنا نخيم.
ماذا!؟ تركته هكذا؟
بدرت منها قهقه رتيبة. أحمد خلفي يحاول اللحاق بي. هل ظننت حقًا أنني من الممكن أن أكمل الرحلة مع شخص أحمق لا يطاق مثلك بمفردنا؟
لحظات وسمعت سعال أحمد عبد الهادي.
لماذا لم ترحلوا كما طلبت منكم بالرسالة؟
خطك سيء ولم نتمكن من قراءته بالظلام. أجابت فريدة.
سحقًا، يهيئ لي أن فريدة، تلك الفتاة، لا تفوت فرصة إلا وتنتهزها للتنكيد علي.
لم أكن أعلم أن لديك قدمين حديدين وقلب أسد، كيف تتركنا هكذا يا عوني؟
ألسنا أصدقاء؟
صداقتنا هي التي دفعتني لذلك يا أحمد صدقني.
لن نبدأ التعارف الآن. صرخت فريدة بنبرة حماسية.
أمامنا طريق ونحتاج لخطه.
قلت بخجل. كنت أفكر أن نسير بمحاذاة الصخور حتى نصل للميناء أو نسمع حتى صوت بشري يدلنا على الطريق.
ذلك الضباب لم ينبلج من العدم. حدثي يؤنبني أن قصتنا بدأت للتو.
ماذا تقصدين يا فريدة؟
لا وجود للميناء ولا السفن ولا جزيرة. إذا كان هناك وجود لمدينة فأنها تقبع هناك خلف الضباب.
تناولنا طعامنا بمكاننا ورغم أن الشمس أشرقت إلا أن ما كنا نأمله أصبح سراب.
تبدد جزء من الضباب لكنه كافٍ فقط لرؤية بعضنا وخطوتين أمامنا.
يجب أن نتحرك. قالت فريدة.
حملنا حقائبنا وسرنا بخط واحد للأمام. الضباب يزداد كثافة ولا وجود لأي علامة تذكر.
مضى اليوم الأول ونحن نسير ونتعثر وعندما أهلكنا السير نمنا بمكاننا متجاورين.
في الصباح ابتكرت فريدة حيلة جديدة تمكنا من السير خلال الليل. ربطنا حبلًا يصلنا ببعضنا وهكذا لا نخشى أن يضيع أحدنا.
بغض النظر عما فكرنا به فإنه لم يعد مهم. بحلول منتصف اليوم التالي أرعبتنا العظام البشرية التي تعثرنا بها، جثث متعفنة أيضًا.
الجثث التي قابلتنا كانت ملقاة وجوهها عكس طريقنا وهذا يعني شيء واحد، أولئك الأشخاص كانوا فارين من تلك المدينة وليس نحوها.
بيني وبين نفسي لعنة العم شكري والمخطوطة وتلك المدينة المسماة مدينة الساعة. خلال ما تبقى من اليوم لم أنطق ولا كلمة واحدة. الضباب يزداد كثافة ومعه راحت الجثث تتكاثر.
مصيبة. قالت فريدة. لو كنا بحرب حقيقية لما عثرنا بكل تلك الجثث. هل تقودنا لمدينة أشباح يا عوني؟
لا أعلم. قلت بفتور.
بعد أن أهلكنا السير اضطررنا للنوم وكانت تلك الليلة هي الأصعب. كان علينا أن ننام بين الهياكل العظمية والجثث المتعفنة.
التصقنا ببعضنا. رقد أحمد الهادي بالمنتصف بيني وبين فريدة. راحت الرياح تزمجر وازداد الظلام ومع كل حركة انقلعت قلوبنا من الرعب.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسي
لن أتحمل أكثر من ذلك، قالت فريدة. أنا مرعبة، سأنام في المنتصف.
زحزح أحمد عبد الهادي جسده، رقدت فريدة بيننا. أوليتها ظهري، وكانت لدي رغبة بالتحرك من مكاني، لكنني كنت مرعوبًا، فلزمت مكاني.
راحت الرياح تقذف بالأشياء، تحركها وتصدر صريرًا مؤذيًا للنفس، وغمرتنا الرمال. التصقنا ببعضنا رغما عنا لنشعر بالأمان، ودون أن أدري أخذني النوم.
عندما أُفقت بالصباح، كنت مغمورًا بالرمال. بحثت عن حقيبتي ولم أجدها، كل حقائبنا طوحتها الرياح العاتية.
نفضنا الرمال عن وجوهنا، كان الأمر يبدو كأننا خرجنا من مقبرة للتو. شعرنا بالعطش بعد أن فقدنا المياه. إنها المتلازمة السافلة، لا تشعر بقيمة الشيء إلا إذا فقدته.
"إذا كنا لا نرغب أن نتعفن هنا وسط الصحراء، علينا الوصول لتلك المدينة بأقرب وقت"، قالت فريدة وهي تنفض شعرها الذي تحول إلى اللون الرمادي.
حتى قبل أن تلقي فريدة بوجهنا تلك الحقيقة العارية، كنت أنا وأحمد ندرك ذلك. انطلقنا بخط واحد ونحن ندعو الله أن نرى أي معالم بشرية. مضى نصف يوم ولم نقابل إلا الهياكل والجثث والضباب اللعين.
"طفل، طفل"، صرخت فريدة. سمعت صرختها وكنت بالخط الخلفي، فركضت للأمام.
"لا"، قالت، "أقصد جثة طفل متعفنة"، أردفت وهي تكاد تبكي.
"إنها رسالة باقتراب موتنا"، قلت.
"اصمت يا عوني! هل ندفنه؟ فريدة، نحن نوشك على الموت عطشًا، يجب أن نصل للمدينة؟"
"لكن قلبي لا يطاوعني على تركه هكذا!"
"أعدك يا عزيزتي، إذا نجونا من تلك الورطة، أن نعود مرة أخرى وندفنه، أليس كذلك يا عوني؟"
"أجل، أجل يا أحمد". ثم همس أحمد عبد الهادي بأذني: "النساء قليلات عقل، ستقتنع الآن".
واصلنا سيرنا، وقبل حلول الظلام لاحظنا أن كثافة الضباب بدأت تخبو. رغم العطش والجوع، تشجعنا.
"ربما ميل آخر ونصل"، قال أحمد عبد الهادي. لكن الميل تبعه ميل وميلين! ما أكثر حلم الإنسان واستباقه النتائج!
قبل منتصف الليل، ولأول مرة، لمحنا نورًا من بعيد.
"صرخت، هناك انظروا!" بتلك اللحظة فريدة فقدت وعيها.
"سأحملها"، قال أحمد عبد الهادي بوجه ميت. بعد أن حملها، أصبح سيرنا أبطأ، والعطش لم يرحمنا. قبل أن نتخطى الحاجز بأمتار، سقط أحمد عبد الهادي هو الآخر.
"لن أتركهم يتعفنون هنا"، بكل ما تبقى لدي من قوة، ركضت واجتزت الحاجز. وجدت نفسي فوق تلة ودرب ترابي يصل لسهل شاسع، إضاءة خافتة تنبعث من بعيد.
نزلت الدرب وركضت بين شجيرات قصيرة كثيفة واحراش نحو الإضاءة. وصلت بعد نصف ساعة تقريبًا، كنت أتوقع أن أجد منازل، مستشفيات، مدارس، دكاكين. لكن كل ما وجدته أكواخ من البوص والحشائش والحجارة.
طرقت أول كوخ وجدته، وأفزعت العجوز العاري الراقد بداخله، والذي هب مذعورًا كأن حية لسعته وهو يصرخ: "الشرطة؟"
"لست شرطيًا"، قلت، "أرغب بشربة ماء".
"لا يوجد ماء عندي"، رد وهو يرفع غطائه فوقه مرة أخرى. رغم ذلك، دلفت داخل الكوخ أبحث عن ماء. تركني الرجل أبحث واستغرق في النوم. لم أجد ماء ولا طعام.
"قتلتني الدهشة، كيف لا يوجد طعام ولا ماء؟ من فضلك؟ أرجوك، أحتاج بعض الماء، رفقائي يموتون!"
"أين أجد الماء؟" صرخت.
"بالحانة"، رد قبل أن يغط في النوم.
كان عقلي يرفض كل ذلك، لقد اقتحمت منزل شخص للتو مثل لص عصابة، مع ذلك لم يصرخ ولم يطلب النجدة.
دلفت لداخل كوخ آخر، وقالت لي امرأة نصف عارية ترضع طفلًا: "لا يوجد ماء هنا".
ركضت وأنا ألهث بين الأكواخ النائمة والمتفرقة، حتى سمعت صوتًا صادرًا من داخل كوخ يقبع في زاوية متطرفة.
طرقت الباب. "ادخل"، سمعت الصوت. كان هناك خمسة أطفال راقدين على الأرض يغطون في النوم. سيدة بدينة راح جسدها يتأرجح، وأن أحدث زوجها.
"أريد شربة ماء من فضلك".
"انظر لحالنا"، قال بتذمر، "هل مظهرنا يوحي لك أننا سادة مرفهون؟"
"هل تفهمني؟" سألته، "أنا أطلب ماء لا نقود!"
"نقود؟ ماذا تعني تلك الكلمة؟ يعني أنا لست لص خزائن لعينة، أنا أرغب بشربة ماء، أكاد أهلك من العطش!"
"خزائن؟ نقود؟ أنت غريب؟"
"نعم، حضرت من بين الضباب للتو".
"ضباب، ضباب"، رددت زوجته خلفه، واستيقظ الأطفال فزعين، يصرخون برعب.
"ارحل من هنا قبل أن تحضر الشرطة!"
"إنه ماء، فقط ماء! ليس مخدرات أو هروين؟"
"ارحل من هنا"، صرخ الرجل بوجهي، "أنت مجنون!"
هرولت بين الأكواخ وأنا أكاد أهلك، وهناك لمحتها من بعيد تشبه طيفًا ملائكيًا حط على الأرض. نحوها توجهت، وكانت عائدة لكوخها.
"من فضلك، من فضلك، أريد مساعدتك". توقفت، ركنت للصمت برهة. باعدت بين ذراعيها كتعبير عن العجز.
"يجب أن تدفع نظير الماء".
"لقد فقدنا حقائبنا بالصحراء ولا نملك فلسًا واحدًا".
"أنت غريب؟"
"أجل، غريب"، أجبت.
"يمكنك أن تأخذ ما تشاء من الماء نظير جزء من عمرك".
شبكت أصابعي المتشنجة بانفعال. "ستقتلونني نظير شربة ماء؟"
انفجرت كلماتها مثيرة للفضول، غير متوقعة، يشوبها الصدق. "لن نقتلك، ستبتاع الماء بدقائق من عمرك!"
"أنا لا أمانع، يجب أن أنقذ أصدقائي قبل أن يموتوا بالضباب".
"الضباب؟" ردت بتلعثم، "لا تذكر تلك الكلمة مرة أخرى، هل تفهم؟"
"أفهم، أفهم، لكن أريد ماء".
سحبت كوز ماء، قادتني خلفها نحو كوخ منعزل. مدت الكوز للرجل الخمسيني الجالس على الأرض. "املأه ماء".
"دفعت الثمن من عمري"، ردت.
"الثمن، عمري! هل أنا بحلم لعينة؟ وماذا كنت تنتظر؟ ألم تكن تعلم كل ذلك قبل وصولك هنا!؟"
"قرأت عنه فقط، لكن ما أشاهده بعيني ضرب من الخيال".
"يجب أن أرحل، أنا أشكرك، أعدك أن أزورك مرة أخرى لتسديد ديني".
"أين أجدك؟" خاطبتها وأنا أركض، وهل لدي مكان غير هذا!؟
تناولت شربة ماء وأنا أقطع طريق العودة ركضًا. رغم أنني أعلم أين تركتهم، إلا أنني احتجت بعض الوقت للعثور عليهم، فكل الأماكن داخل الضباب متشابه.
فتحت فم فريدة وبللته بالماء وأنا أرفع رأسها بيدي. استقبلت شفتيها الجافة كأرض بور قطرات الماء فروتها، وشعرت بحركتها. راحت يدها ترتعش قبل أن تفتح عينيها. منحتها شربة ماء أخرى وتركتها، قصدت أحمد.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسي
بللت شفتيه المتشققة بالماء، ثم منحته شربة صغيرة.
كانت فريده استعادت وعيها وطلبت مزيد من الماء.
تنقلت بين فريده واخيها حتى استعادوا وعيهم.
ركنت للصمت دقيقة وأنا أتابع تفتح الحياة بداخلهما.
"مرحباً." لوحت بيدي وقلت، "لو أخبرتكم كيف أحضرت الماء لاتهتموني بالجنون!"
لم يبدِ أي منهم أدنى اهتمام بي.
كنت كحثالة يتسلى بإلقاء أحجار صغيرة فوق مياه البحر.
"وصلنا مدينة أبناء الساعة." قلت لأخرجهم من صمتهم.
خيم الصمت واستمر زهاء دقيقة.
فتحت فريده فمها كتعبير عن عدم الفهم وهي تمسح المكان بعينيها.
"هناك." وأشرت أسفل التلة.
لكن فريده كانت بحالة لا تسمح لها برؤية أي شخص غيري.
كان أحمد عبد الهادي قد نهض بمكانه وانتصبت أذناه كفأر وكلها شوق لسماع أخبار مفرحة.
"هيا بنا، الحاجز ينتهي بعد عشرة أمتار ثم يوجد درب ترابي يهبط لوادي شاسع. مائتي متر ونصل أطراف مدينة أبناء الساعة."
"كيف وجدتها؟" سألتني فريده.
"جميلة." أجبت. وكل ما بعقلي تلك الفتاة اليافعة التي التقيتها.
"أقصد، كل ما وجدته مجموعة أكواخ قديمة تضاء بالكيروسين."
شبك أحمد عبد الهادي أصابعه المتشنجة بهدوء قبل أن يقول:
"تريد أن تخبرني أن مدينة أبناء الساعة هي مجموعة أكواخ قذرة، متعفنة؟"
"لا أدري." أجبت وأنا أقدم أظافري.
"لكن كيف عرفت أنها مدينة أبناء الساعة؟"
"لأن الفتاة التي التقيتها ابتاعت لكم الماء بدقائق من عمرها!"
"فتاة؟ رائع!"
رن الصوتين بأذني دفعة واحدة كصرير جرس مدرسة عشوائية.
"أجل، فتاة." قلت وأنا أخاطب فريده.
"طالما العملة هناك الوقت، فنحن بالمكان الصحيح يا عوني." قال أحمد عبد الهادي بنبرة منشرحة.
قالت فريده وهي تحك رأسها:
"نحن بالمكان الصحيح، لكن مدينة أبناء الساعة بعيدة عن هنا. المكان الذي وصل إليه عوني يشبه ضواحي المدن بعالمنا الذي قدمنا منه."
ثم أردفت بثقة:
"عندما تشرق الشمس سنرى أسوارها."
ارتأيت أنهما استعادا وعيهما.
"هل نذهب؟" سألتهم.
ردت فريده بنبرة لم أفلح في الإحاطة بها:
"ليس الآن، غداً. أنا منهكة جداً ولن أستطيع أن أبارح مكاني!"
"القرية على بعد عشرة أمتار!" زعقت باستنكار.
وضع أحمد عبد الهادي يده على كتفي وضغط عليه بإشارة أن لا أجادلها.
أدبرتهم ظهري وألقيت بنفسي على الرمال.
دون أن ينتصب طوله، زحف أحمد عبد الهادي بجوار فريده.
تركتهم يتهامسون وكان الضيق قد تملكني.
ثم سرحت بتقسيم تلك الفتاة البيضاء.
إنها بنفس عمري تقريباً أو تصغرني بعام.
عيونها لوزية، شفتيها ملتفة للخارج.
يميل جسدها للنحافة.
لديها شامة أعلى شفتها العلوية من الناحية اليمنى.
وجهها برونزي اللون.
لها شعر طويل يعدي الخصر.
وكلماتها تخرج من فمها مستوية مثل الفاكهة الطازجة.
أرادت تنورة زرقاء لامعة ضيقة وقصيرة، قميص أحمر قصير الكمين.
تهت بداخل الحلم وتقابلت جفوني.
إذا كان للنوم مزية واحدة، فأنه يأتي حين لا نطلبه.
لم أدري بنفسي إلا شقشقة عصافير الصباح وصوت سباب فتى أحمق لأخته.
رأيت شعاع الشمس خارج الحاجز الضبابي.
ركلة أحمد عبد الهادي في خصيتيه بعنف.
استيقظ.
أشرقت الشمس من تلقاء نفسها.
استيقظت فريدة على صراخ أحمد أخيها.
وبدأ وجهها كبائعة ورد عندما رأت أشعة الشمس.
قطعنا تلك العشرة أمتار قبل أن نتوقف خارج الحاجز الضبابي.
لوحت فريدة بيدها كزعيمة فريق كشافة وهي تقول:
"هناك."
كالمغناطيس تحركت عيوننا تلقائياً تجاه يدها.
كانت أسوار عملاقة مرتفعة وممتدة إلى ما لا نهاية.
"تلك هي مدينتنا." وضحت فريدة.
كانت تبعد ميلين ونصف تقريباً عن تلك القرية.
مسيرة نصف ساعة سيراً على الأقدام.
"تلك الأكواخ هي جيوب المدينة الخارجي."
كنت قد مللت توضيحاتها غير المنتهية.
لذلك نزلت الدرب الترابي لأسفل ولم أتوقف إلا بالوادي الشاسع.
لوحت لهم وصرخت:
"هيا انطلقوا!"
تدافعوا خلف بعضهم نحوي.
"غرباء، غرباء!" صرخ طفل يلعب على العشب وابتسم لنا.
خلال سيرنا خلال الوادي سمعنا كثيراً كلمة غرباء.
"كيف يعلم أولئك الأوغاد أننا غرباء؟"
حدقت فريده طويلاً بملابسي ولازت بالصمت.
لم أتلقى رداً وسررت بذلك.
دلفنا بين الأكواخ وسرت همهمة ما لبثت أن اختفت.
كنت أحاول تذكر مكان كوخ الفتاة عندما سمعت:
"ترغبون بطعام؟" سألني رجل وهو يجذب كم قميصي.
سمعت فريدة الكلمة وأرخت عنقها نحوي.
"نعم نرغب." أجبته.
طلب منا أن نتبعه فدلفنا خلفه كوخ كبير.
أشار إلى مصطبة من الطين وهو يقول:
"اجلسوا من فضلكم."
لفت انتباهي فتاة صغيرة لم تبلغ التاسعة من عمرها تئن وهي تتلوى على حصير من القش.
إلى جوارها ثلاثة أطفال يلعبون باستمتاع ويلطخون وجوه بعضهم بالوحل.
"طعام فقط؟ أم طعام وماء؟"
"ماذا تقصد هنا بالضبط؟" سأل أحمد عبد الهادي بنبرة قتالية.
دون أن أرفع عيني عن الفتاة الصغيرة التي تصرخ من الوجع، أشرت بيدي لأحمد أن يصمت.
قلت:
"كلاهما، من فضلك."
"نحن لا نملك نقود؟" اندهشت فريده.
"قلت لكم العملة هنا الوقت." وحدقت لفريده أن تصمت.
كنت مسروراً بدوري القيادي ومنبهراً بكيفية أدائي.
"ساعة واحدة من عمرك." حدد الرجل.
"وكيف أمنحها لك إن شاء الله؟" سأل أحمد عبد الهادي بنبرة أقرب للسخرية.
"وافق فقط وتحدث الصفقة." أجاب الرجل بخبث.
قال أحمد:
"وافقت ياعم."
بعدها اهتز رأسه لحظة ورمشت جفونه وعاد لطبيعته.
"تفضلوا الماء والطعام." بادرنا الرجل وهو يمد تجاهنا صنية نحاسية.
مدت فريده يدها وكان قد سبقها أحمد عبد الهادي.
وضعت أنا قطعة خبز بفمي وأنا أسألهم:
"ما تعاني تلك الفتاة؟"
قال الرجل:
"ليست ابنتي، لقد كسبتها!"
صعقتني كلماته، كيف تقول كسبتها؟ هي نحلة كيس شيبسي؟
تنهد الرجل بعمق، قال:
"كان لي دين عند والدها ولم يستطع الإيفاء به فمنحني عمرها."
"ماذا فعلت بها؟" سألت فريده وقد فقدت شهيتها للطعام.
"أخذته طبعاً، لديها ساعات معدودة وتموت."
لمح الرجل الشفقة واللهفة في عيوني فسألني:
"هل تريد إنقاذها؟"
"نعم." قلت وأومأت برأسي عدة مرات.
"ادفع الدين إذا." قال وهو يحدق بعيني مباشرة.
"كم؟" سألته؟
"عام كامل من عمرك بعدها ستجري وتركض مثل أي طفل آخر."
نقلت نظراتي بين الرجل والطفلة قبل أن أرد:
"سوف أدفع!"
بدرت ضحكة من الرجل ومعه اهتزت رأسي مثل عطسة فجائية ورمشت عيوني.
"تمت الصفقة." أجاب وهو يبتسم.
سرت تجاه الطفلة التي استطاعت الوقوف واستعادة حيويتها.
شابكت يدها بيدي وقالت:
"شكراً لك، كنت على وشك الموت."
قدتها نحو المصطبة لنجلس ونتناول الطعام.
فور رؤيتي هبت فريده مذعورة وقفزت فوق المصطبة وتراقص أحمد عبد الهادي مرتعباً.
"أنت عوني؟" سألني أحمد عبد الهادي.
"هذا ليس وقت المزاح يا أحمد، قل مرحباً للطفلة!"
"لقد كبرت أنا لم أكد أعرفك، انظر للحيتك؟ شعرك خلف عنقك؟"
"إنها أول مرة." وقهقه الرجل.
وضعت يدي على لحيتي، كانت تشبه الأسلاك الشائكة.
مررت أصابعي على شعر رأسي الأشعث وأنا أحدق بالرجل.
"كبرت عام للتو دفعة واحدة، ماذا كنت تنتظر!"
"وهل يحدث ذلك دوماً مع كل عمر نفقده؟" سألته؟
"ليس دوماً، رغم ذلك فإنها تحدث مع أناس معينين، أنت مميز!"
فريده وأحمد عبد الهادي كانوا لا يزالون مرتعين غير قادرين على تصديق ما تراه أعينهم.
"فقدت عام بلحظة!" استنكرت فريده.
"وأنا أربت على كتف الفتاة قلت أنقذت تلك الفتاة الجميلة التي كانت تلوي من الألم هناك للتو؟" سألني أحمد عبد الهادي وهو يشير للحصيرة القشية.
هززت رأسي وأجبته:
"أجل."
بلعت فريده اللقمة التي تيبست بفمها.
"ما اسمك؟" سألت الطفلة التي كانت تمسك يدي؟
"لورا." أجابت الفتاة بابتسامة بريئة.
"أحمد؟ علينا أن نرحل فوراً." قال أحمد عبد الهادي.
"إذا لم تكن لديك نية لفقد عمرك كله!"
قلت للورا:
"هي اذهبي للعب مع الأطفال."
حدقتني لورا بنبرة مندهشة:
"أنا لن أذهب لأي مكان، مكاني معك، لقد أنقذت حياتي أنت بمثابة والدي الآن."
قبلتها بحنو، قلت:
"صغيرتي، نحن غرباء وليس لدينا مكان لنقيم به؟"
كأنها فهمت ما أعني قالت:
"لديك هذا." وأشارت لجسدي.
"لديك عمر كاف لابتياع كوخ وطعام وشراب، لا أحد يملك شيئاً هنا، الساعة تملكنا كلنا."
كان ذلك الرجل يتابع حديثنا باهتمام.
"يمكنني أن أترك لكم الكوخ لتعيشوا فيه، سأرحل أنا وأسرتي لمكان آخر."
"طبعاً ترغب بمزيد من العمر؟" سألته فريده.
"بمدينة الساعة، قال الرجل، لا يوجد شيء بالمجان."
"ادفع تدفع لك الساعة."
جذبتني لورا فقوست ظهري وانحنيت نحوها.
همست:
"هذا الرجل مستغل، شرير، إنه عفونة متحركة. سأدلك على كوخ أقل سعراً أو يمكنك بناء كوخك الخاص، لا أحد يملك شيئاً هنا."
قلت:
"أشكرك سيدي لكننا لن نقيم هنا."
خرجنا من الكوخ.
"لورا." ناديت عليها وكانت قد سبقتنا بالسير.
"هل يوجد حلاق شعر هنا؟"
"نعم يوجد يا عوني." أجابت دون أن تستدير نحونا.
"عوني؟" رددت فريده الكلمة وهي تضحك.
ثم أردفت:
"مبروك يا عوني أصبحت أباً."
لم أعر فريدة أدنى اهتمام واصلت حديثي مع لورا.
"دلينا عليه يا عزيزتي."
تناولت لورا يدي وقادتنا تجاه كوخ يقبع في أخر القرية قريب من الغابة.
انتصب شاب ثلاثيني نحيل وعابس من على مقعد خشبي فقد أحد قوائمه.
"أريد أن أشذب لحيتي وأحلق شعري، كم الكلفة؟"
بعد أن رمق الشاب شعري ولحيتي قال:
"ليس أقل من عشرين دقيقة."
"موافق." أجبت.
راح الحلاق يؤدي مهمته.
"فريدة تقول أنت تتعلم بسرعة يا عوني، من ينظر إليك يعتقد أنك من سكان المدينة."
وأنا شارد في تلك الفتاة التي على وشك مقابلتها.
شعرت بيد الحلاق تنحرف عن مسارها.
"ماذا تفعل؟" سألته؟
"أؤدي عملي!"
قلت:
"اضغط على الجانبين واترك المقدمة أكبر!"
"نوع جديد من الحلاقة؟" سألني!
"فقط افعل ما أطلبه منك فقد أخذت الوقت!"
قال أحمد عبد الهادي بعد أن انتهيت:
"ماذا سنفعل الآن؟"
"علينا أن نبتاع كوخ أو نقوم بصناعته، أعرف شخص يمكنه مساعدتنا!"
"الفتاة التي التقيتها؟" استفسرت فريدة.
"أجل!"
ضيقت حاجبيها وعضت شفتها ولاذت بالصمت دقيقة ثم أردفت:
"علينا أن نجد طريقة لدخول المدينة، لم نأت لهنا للعب، نبحث عن عمل أيضاً!"
"مدينة الساعة تفتح أبوابها لكل من يرغب بها، لا مشكلة إطلاقاً في الدخول."
كان واضحاً تماماً ويعني ما يقصد.
كلما تعمقنا بالقرية نحو الغابة ازدادت كثافة الأكواخ وبدت أكثر عشوائية.
تولت لورا قيادتنا حتى مررنا بطرقة ضيقة تحدها أكواخ مرتبة بعناية من كلا الجانبين.
"منطقة البغايا." قالت لورا شارحة عندما لاحظت اندهاشنا.
"هنا شباب ورجال يجلسون مع الفتيات."
تورّدت خدود فريدة وشعرت بخجلها فقلت بسرعة لأخرجها من ذلك الموقف:
"اسمعي يا لورا، بالأمس قابلتني فتاة شابة تمتلك كوخ لكني نسيت مكانه، هل يمكنك أن تدليني على الكوخ؟"
"صفها لي." ردت لورا.
"بيضاء، لوزية العينين، جميلة ولها شعر طويل."
حملقت بي فريده ويديها ترتعشان وبدا أن شيئاً بداخلها يؤرقها.
"القرية كبيرة يا عوني، أنا لا أعرف تلك الفتاة." أجابتني لورا بتبرم.
رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسي
سألتني فريدة، لماذا أنت مصر كل هذا الإصرار على العثور على تلك الفتاة يا عوني؟
لأنها ساعدتني دون أن تطلب مقابل. أنا مدين لها بخمس دقائق على الأقل. لولاها لكنت أنت وهذا، وأشرت لأحمد، ميتين الآن. ثم أردفت بلا مبالاة: كما أنها جميلة جداً أيضاً.
جمدت كلماتي قسمات فريدة وكل ملامحها الجميلة. زمّت شفتيها بضيق قبل أن تقول: أريد أن أراها إذاً؟
وأنا أكثر منك، قلت وأنا أمسح الأكواخ بعيني.
سنسير هكذا بلا خطة، بلا هدى، قال أحمد عبد الهادي وكأنه استعاد وعيه للتو. إذا كانت العملة هنا الوقت، يمكننا أن نبتاع كوخين ثم نقصد المدينة لنبحث عن عمل وربما البحث عن عمك إذا كان لا يزال حي.
لم أكن أستمع له ولا أدرك ما يقول. فهناك من بعيد جداً لمحتها تجلس أمام كوخها.
سرت نحوها وعندما لمحتني، بدرت منها ابتسامة. صباح الخير، قلت.
صباح الخير، تفضلوا.
لكني لا أمتلك دقائق مجانية، قلت وأنا أبتسم وعيني تحدق بعينيها الرائعتين.
جذبتني لورا للداخل. قالت: لا تخف، إنها فتاة جيدة، أنا أعرفها.
تعرفينها الآن؟ صرخت باستنكار. أنا منذ الصباح أترجاك أن تدليني لمكان إقامتها.
اف! وكيف لي أن أعلم أنها تمارا.
خلفي كانت فريدة تعاين الفتاة، تحدق بها بطريقة غريبة وعلى شفتيها ضحكة ساخرة. نحن لا نملك الوقت يا عوني، لدينا الكثير لنفكر به.
تمارا ستساعدنا، قلت دون أن ألتفت نحوها.
سبقتنا لورا للداخل. كانت تمارا تقف بجواري. فريدة وأخيها خلفنا. أرى أنك استنفذت الكثير من عمرك منذ حضرت هنا، يمكنني أن ألحظ ذلك، قالت تمارا وهي تتفحصني.
كيف عرفت؟ سألتها.
نحن شعب الساعة، تلك عملتنا. وحدنا نعلم ذلك دون جهد.
جلسنا على حصيرة من القش وقدمت لنا تمارا طعام وشراب. كانت جلستها بجواري وفريدة بالجهة المقابلة وكانت لا تزال تحدق بها.
ما اسمك؟ سألتني تمارا.
عوني، قلت وأنا ألتهم قطعة خبز كبيرة.
أين ستقيمون؟
تعلمين أننا حضرنا للتو وكنا نتطلع لمساعدتك.
يمكنكم الإقامة هنا معي، قالت تمارا وهي تقبلني بطرف عينها.
لا! سنبتاع كوخين، زعقت فريدة بنبرة منفعلة. أخبرينا فقط كيف نفعل ذلك.
هل يمكنني الإقامة معك هنا حتى أتمكن من بناء كوخي الخاص؟
بكل تأكيد، ردت تمارا.
هكذا؟ بكل بساطة؟ سخرت فريدة، ثم حدجتني بنظرة ملؤها غل وحنق.
رفعت تمارا يديها. لا يوجد بقوانين مدينة أبناء الساعة ما يمنع ذلك.
تبسمت بداخلي. نسيت التعب، الإنهاك، التشتت والرعب. نسيت نفسي والحاجز الضبابي، الجثث المتعفنة التي مررت بينها. رغبت أن أقضي كل صباحاتي مع تلك تمارا الجميلة.
يبدو أنك نسيت لماذا قدمنا إلى هنا يا عوني.
لا يا فريدة لم أنسي. أنا أعيش معها كحثالة متشرد. سأدفع أجري، عوضاً عن كوخين سنبتاع كوخ واحد ونوفر النفقات.
فكرة جيدة، وأومأ أحمد عبد الهادي برأسه.
أصرت فريدة على ابتياع كوخ ملاصق لكوخنا ودفعت من أجله ضعف عدد الدقائق المطلوبة. مع أن تمارا نصحتها بكوخ أقل سعراً إلا أنها كانت مصرة ودفعت ثمنه من عمرها.
حل الليل. كان الجو عتمة. اختفت المصابيح الزيتية، لم يتبق إلا أضواء مدينة أبناء الساعة الزاهية تتلألأ كنجوم مهيبة.
كان جسدي يؤلمني من العمر الذي فقدته فجأة لكن عقلي كان منشغلاً بلا سبب. مجرد رؤية تلك الأضواء كان يزعجني. كان أحمد عبد الهادي يتلوى بأردافه بجواري حيث قضينا ليلتنا خارج الأكواخ. أشفقت عليه وأنا أرى حالته المزرية وطيب خاطري فكرة أنه يمكننا أن نعيش هنا بسعادة، نتمتع بحياتنا ونعود لمدينتنا بكل بساطة.
فكرت بتمارا، عيونها، جمالها، نبرتها. تمنيت أن تمضي الدقائق والساعات بسرعة حتى تنتهي الليلة وأقيم عندها.
لورا قررت التخلي عني أخيراً ووجدت بتمارا الأم والأخت التي كانت تفتقدها. فتحت عيني مبكراً دون أن يشعر أحمد عبد الهادي. كانت لدي رغبة مستعرة بالحديث مع تمارا وكان علي أن أجد الكلمات التي تليق بحديث يجمعني بها. دلفت للداخل وجدتها نائمة ضامة لورا لحضنها. وقفت أراقبها وهي نائمة.
لتتأمل الوجه الحقيقي لأي امرأة عليك مباغتتها وهي مستيقظة للتو.
جلست على مصطبة بقربهم دون أن أنبس بكلمة. صالبت قدماي على هذا الحال لكم من الوقت؟ لا أدري.
ارتفعت الشمس بكبد السماء وتخللت خصائص القش بأشعتها الذهبية لتواقع وجه تمارا وتنجب منه حفر فضية.
تنحنحت تمارا عندما لسعت الشمس وجهها وانقلبت للجانب الآخر متحاشية أشعة الشمس التي كانت قد بدأت تؤذي عينها مولية إياي ظهرها. ضمت ركبتيها لصدرها فتكورت مؤخرتها الطرية.
عوني ماذا تفعل هنا؟
خاطبتني فريدة بنبرة متسائلة لا تخلو من الريبة. التفت نحوها بفزع، كالذي مسك بجرم.
أنا، أنا لا أفعل شيئاً. استيقظت من مدة وحضرت لأرى لورا.
كانت تمارا استيقظت على حديثنا وبدت مرتبكة كأنها ترى رجلاً لأول مرة في كوخها.
عوني أنا جوعانة، يمكننا أن نبحث معاً عن طعام.
يا فريدة لماذا نبحث عن طعام؟ تمارا هنا تعرف كل شيء.
لوت فريدة وجهها بغضب. قالت وهي تجز على أسنانها: سأنتظر بكوخي إذا.
وأنا أتطلع إليها وهي تغسل وجهها. تمنيت أن أكون أحد القطرات الساقطة من على وجهها على الأرض.
أنا جاهزة، هي بنا.
سرت بجوارها خطوات قبل أن ترتطم بي لورا من الخلف وهي تركض.
سأذهب معكم.
شرحت لي تمارا حدود القرية الواسعة، أماكن الخدمات التي سيكون علي استعمالها، أقسام القرية أيضاً: تغول الساعة، المنطقة الحمراء، العامة، السنتر يون.
علمت أننا لسنا أول الوافدين نحو مدينة الساعة. الكل يدخل يا عوني لكن لم يشاهد ولا شخص واحد يخرج منها.
عليكم أن تبحثوا عن عمل يا عوني. لا يمكن أن تستمر حياتكم هكذا. كل شيء هنا من العمر، بالنهاية لن تجدوا ما تنفقونه وينتهي بكم الأمر جثث متعفنة داخل الحاجز الضبابي.
ألا تساعدينني؟
سأفعل على قدر استطاعتي. أنا أعمل عند أسرة غنية داخل المدينة.
ابتسمت تمارا قبل أن ترد. يعني لديهم الكثير من العمر، مئات السنين اكتسبوها من التجارة أو بطرق غير مشروعة.
حتى هنا طرق غير مشروعة؟
هنا يوجد كل شيء يا عوني. قطاع طرق، لصوص يسرقون العمر، يجبرونك على التخلي عن عمرك بالقوة.
والشرطة؟ سألتها.
أنا لم ألحظ وجود للشرطة هنا.
الشرطة لا تعير أمثالنا أدنى اهتمام. هناك قرى كثيرة أخرى غيرنا تحيط بمدينة الساعة.
أسعار المنازل باهظة داخل المدينة لذلك يلجأ الفقراء والمعوزون مثلنا إلى خارج المدينة هرباً من تلك التكاليف المرتفعة. مع ذلك عندما تقبض الشرطة على أحد أولئك المجرمين فإن القضاة والرهبان يحكمون عليه بفقد العمر. يحدث ذلك كل ثلاثة أشهر بعرس أبناء الساعة.
عرس الساعة؟ قلت وأنا أحدق بها بنظرة رخوة.
أجل يا عوني. عن طريق التوافق العمري. الساعة هي من تختار الأشخاص بالترتيب الزمني.
خاوصت عيني لأؤكد لها أنني لم أفهم شيئاً. بدرت منها ابتسامة رائعة. قلت: يارب سلم.
الكل هنا يتبع قوانين الساعة يا عوني. لسنا نحن طبعاً، فنحن نغول وعامة. أقصد كل المقيمين داخل أسوار مدينة أبناء الساعة.
يجتمع الفتيان والفتيات الذين تعدت أعمارهم العشرين عام. يقفون صفين متوازيين في ساحة العرس وعندما يدق عقرب مدينة الساعة الضخم ويشير لمنتصف الليل يعرف كل شاب وفتاة رفيقه الروحي. القضاة والرهبان يعلمون أيضاً. يسير كل شاب تجاه فتاته وتسير كل امرأة نحو بعلها بكامل إرادتها.