صرخت كل من مليكة وسوما بذعر عندما سمعتا طرقاً حاداً فوق باب الشقة. تشبثت سوما بمليكة وهي تهتف بخوف: «دول هيكسروا باب الشقة علينا... تناولت مليكة هاتفها على الفور تنوي الاتصال بنوح، لتستنجد به، لكنها تراجعت في آخر لحظة عن ذلك، خائفة من أن يقوم بإحراجها أو صدها، فهذه ليست مشكلته. بدأ جسدها بالارتجاف بخوف، فقد أصبحت ضرباتهم فوق الباب أشد حدة، مما جعلها تتوقع سقوط الباب بأي لحظة واقتحامهم للمكان.
أفاقت مليكة على صوت سوما وهي تتجه نحو النافذة تفتحها، متسلقة إياها. «معلش بقى يا أبلة مليكة... أنتي بتخافي من الأماكن العالية، لكن أنا لأ، ويا روح ما بعدك روح.» هتفت مليكة بها بذعر: «سومااا! أنتي بتعملي إيه... أجابتها وهي تستعد للقفز من النافذة: «هـهرب طبعاً. اقفلي الباب عليكي كويس، وهما آخر ما يزهقوا هيمشوا... صرخت مليكة بها محاولة إيقافها، فهي لا ترغب بأن تبقى بمفردها هنا معهم. «سومااا...
لكن الأخرى لم تستمع إليها وقفزت على الفور. ركضت مليكة نحو النافذة التي قفزت منها تتطلع نحو الأسفل، لتجد سوما تنهض من فوق الأرض التي سقطت عليها ببطء، بينما تعرج بقدميها. هتفت وهي تلوح لمليكة بيدها: «هقف على أول الشارع، أول ما يمشوا هعرفك... هتفت مليكة بها بغيظ وغضب: «ندلة! أقسم بالله يا سومااا... أنتي ندلة... سوماااا! أشارت لها سوما بيدها بعدم اهتمام، ثم ركضت بقدمها المصابة حتى اختفت عن نظر مليكة تماماً.
وقفت مليكة تنظر إلى المسافة ما بين النافذة والأرض، محاولة تشجيع نفسها، لكنها لم تستطع فعلها، فلديها فوبيا من المرتفعات. ابتعدت عن النافذة تتجه نحو باب قاعة الدروس، تتأكد من إغلاقه جيداً عليها، بينما تستمع صوت حسان الغاضب من الخارج. ظلت بمكانها هذا حتى الصمت بالمكان. شعرت مليكة بالارتباك من هذا الصمت المفاجئ. انهارت جالسة فوق الأرض بتعب، تستند برأسها فوق الباب تنتظر.
انتفضت بذعر عندما عادت الطرقات الحادة فوق الباب مرة أخرى. نهضت مسرعة تبحث حولها عن شيء تستطيع حماية نفسها به، فلم تجد إلا مقعدها الخاص. حملته بين يديها المرتجفتين، تضعه أمام وجهها بحماية. لكنها ألقته من يديها فور أن وصل إليها صوت نوح القوي من خلف الباب، يهتف بهدوء: «مليييكه افتحي... ركضت نحو الباب تضع يدها فوق مقبضه تهم بفتحه، لكنها ترددت وتركته مرة أخرى. «مليكه افتحي متخفيش...
تنفست بعمق نفساً مرتجفاً، محاولة السيطرة على خوفها، قبل أن تقوم بفتح قفل الباب، مخرجة رأسها من الشقة الذي فتحته قليلاً، لتجد نوح واقفاً أمامها. همست بصوت منخفض، بينما تمرر عينيها بالمكان بحثاً عن حسان ورجاله: «مشيوا... ابتسم نوح على حركتها تلك، قائلاً بمرح: «اها مشيوا... اخرجى يا مليكه... فتحت الباب على مصراعيه، خارجة منه تتنحنح بحرج، بينما تعدل من ملابسها، هاتفة بصوت جعلته ثابتاً قدر الإمكان: «مشيوا... ليه؟ أنا...
أنا كنت هطلع وأتكلم مع مستر حسان وأفهمه بس... بس... لتكمل بارتباك، محاولة تغيير الحديث: «بعدين هو... أنت إيه اللي جابك هنا؟ وعرفت منين المكان..؟! أجابها نوح بهدوء، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة خفيفة، بينما يراقب باستمتاع ارتباكها ووجهها الذي تحول إلى كتلة مشتعلة من الخجل: «الأسطي حسن بلغني أول ما شافهم جايين على هنا، وسمع طبعاً الزعيق وهو بيهددك بأنه يضربك...
مررت مليكة يدها فوق رأسها، تعدل من كعكتها، واضعة إصبعها بفمها تقضمه بارتباك، بينما تشعر بالدماء تجف في عروقها من شدة الحرج الذي تعرضت له أمامه. جذبها نحوه فور رؤيته لحالتها تلك، عقد ذراعيه حول خصرها، بينما يقرب جسدها منه حتى أصبحت ملاصقة به. هامساً بصوت منخفض، بينما يتفحص عينيها بقلق: «خوفتي... أجابته مليكة بارتباك وحدة، بينما تتخبط بين ذراعيه محاولة التحرر من قبضته التي تحيطها والابتعاد عنه: «لا لا... طبعاً...
هخاف من إيه... رفعت رأسها نحوه محاولة دفعه بصدره، لكن فور أن رأت النظرة القلقة المرتسمة بعينيه والحنان الذي ينبعث منه، استكانت بين يديه هادئة، بينما ينهار سدها الذي كانت تختبئ خلفه متصنعة القوة والبرود، لتنفجر في البكاء، بينما تهز رأسها بالإيجاب على سؤاله السابق. ضمها إليه بحنان، ممرراً يده فوق ظهرها محاولاً تهدئتها، مقبلاً أعلى رأسها. دفنت وجهها في صدره تنتحب بصمت، بينما تعقد ذراعيها من حوله، مبادلة إياه عناقه هذا.
همست بصوت مرتجف ضعيف، بينما تدس وجهها أكثر في صدره بحثاً عن الراحة: «كان عايز... عايز يضربني، فاكر إن سرقت التلاميذ من عنده... قاطعها نوح بصوت حاد حازم، بينما يرفع وجهها إليه: «طيب كان يعملها وأنا كنت أدفهنه مكانه حي... بعدين ده راجل أهبل وكان بيحاول يخوفك بس.» همست بصوت مرتجف تهز رأسها برفض، بينما دموعها تغرق وجهها: «ده مجنون... مجنون يا نوح، أنت متعرفوش، كان ممكن يعملها بجد.»
زمجر نوح معترضاً بحدة، بينما يلثم وجهها برقة، مزيلاً دموعها بيده، محاولاً بث الاطمئنان بجسدها المرتجف: «محدش يقدر يلمس شعرة منك طول ما أنا عايش على وش الدنيا... همست مليكة بحزن: «بس هو عنده حق... التلاميذ بيجولي علشان مبقدرش عليهم، وأهاليهم علشان بيقدروا يضحكوا عليا في تمن الدروس، غير كده محدش كان جالي، أنا عارفة إني مدرسة فاشلة وشرحي مش كويس... قاطعها بحزم، بينما لا يزال يلثم وجهها بقبلات رقيقة حنونة:
«متقوليش كده، أنتي شاطرة وشرحك جميل ومبسط، سهل إن الأولاد الصغيره يفهموه بسهولة و... لكنه ابتلع باقي جملته فور إدراكه أنه قد أفصح أكثر من اللازم، فهي لا تعلم بأنه خلال فترة الأسبوعين المنصرمين التي كانت تعمل بهم بالدروس، كان يحضر إلى هنا يومياً لمراقبتها أثناء ذلك، ولقد حرص على عدم علمها بذلك من خلال إعطاء مبلغ من المال لسوما سكرتيرتها الخاص بكل مرة يأتي بها. غمغمت مليكة بصوت منخفض، بينما تعقد حاجبيها بدهشة:
«و أنت عرفت منين إن شرحي كويس؟! وقف ينظر إليها بارتباك عدة لحظات، لا يدري ما الذي يجيب به عليها دون أن يكشف أمره، فلم يجد أمامه سوى أن يخفض رأسه، متناولاً شفتيه في قبلة لكي يشتت تفكيرها. فقد كان الشعور بها بين يديه كالشعور بالنعيم. ترك شفتيها، ملثماً عينيها ووجنتيها بحنان، أسند أخيراً جبهته فوق جبهتها، متشرباً أنفاسها الحارة بعشق وشغف. أحاطت مليكة وجهه بيديها، ممررة إياها فوق وجنتيه بحنان، غارقة في عالمهما الخاص.
لكن انتفض الاثنان خارجين من نعيمهما الخاص هذا، فور سماعهما صوت الشهقة العالية التي صدرت من سوما، التي كانت تقف بمدخل باب الشقة. «إيه اللي بتعمليه ده يا ميس مليكة..؟! شعر نوح، الذي كان يوليها ظهره، بالارتباك فور تعرفه على صوتها. اقتربت منهم، هاتفة بلوم: «بقى أنتي عايشة هنا حياتك... وسيباني قلقانة عليكي تحت... بس مكنتش أعرف إنك خلبوصة كده...... هتفت مليكة سريعاً، بينما تحاول فك حصار ذراعي نوح من حولها بارتباك:
«خلبوصة..؟! خلبوصة إيه لا، على فكرة... نوح... نوح يبقى جوزي... صاحت سوما بانفعال وفرح، بينما تقترب منهم: «جوزك... أنتي اتجوزتي؟ طيب ليه معزمتنيش؟ لا أنا زعلانة منك يا م... لكنها ابتلعت باقي جملتها فور أن وقعت عينيها على وجه نوح: «إييه ده؟ هو أنت... ولما أنت جوزها كنت بتكدب عليا ليه؟ غمغمت مليكة بارتباك، بينما تمرر نظراتها المرتبكة بينهم: «انتوا تعرفوا بعض... أجابها نوح سريعاً، بينما يمسك ذراعيها: «لا... قاطعته سوما،
هاتفة بإصرار: «لا إيه... أيوه أعرفه، كان بييجي هنا كل يوم يشوفك وأنتي بتشرحي، وكان مفهوممني إنه بيعمل كده علشان عنده أولاد وعايزك تديهم درس.» شهقت سوما قائلة بانفعال: «أنت كنت بقى بتراقبها علشان مش واثق فيها؟ ليه كده يا أستاذ نوح، ده الميس مليكة محترمة و... قاطعه نوح بحدة، فور رؤيته للألم الذي ارتسم فوق وجه مليكة، الذي شحب بشدة فور سماعها لتلك الكلمات: «اتكتمي! الله يخربيتك!
أكملت سوما غير واعية للكارثة التي ارتكبتها، مربتة فوق ذراعه مليكة، التي كانت شاحبة كشحوب الأموات: «متزعليش... يا ميس مليكة، هما الرجالة كلهم كدا، تلاقي بس علشان في أول جوازكم وميعرف... قاطعها نوح، الذي احتقن وجهه من شدة الغضب، صائحاً بشراسة: «اطلعي براااا... برااااا! همهمت سوما بالاعتراض، لكنها أغلقت فمها بخوف فور رؤيتها للنيران المشتعلة بعينيه.
التفت هاربة من أمامه على الفور، مغادرة المكان بخطوات مسرعة، بينما تجر قدمها المصابة. اقترب نوح من مليكة على الفور، محيطاً وجهها بيديه، هامساً: «مليكه اللي قالته ده مش حقيقي... أزاحت يديه من فوق وجهها بحدة، هاتفة بصوت مرتجف: «كنت بتراقبني علشان خايف أنصب على حد تاني، مش كده؟ طيب كملت ليه مراقبتك ليا لما عرفت إني بدي دروس مش بنصب على حد.» لتكمل بسخرية، لكن جاء صوتها الضعيف المرتجف مظهراً مدى الألم الذي تشعر به:
«لتكون افتكرت إني ممكن آخد الأطفال اللي عندي وأبيع أعضاءهم.» هتف نوح مقاطعاً إياها بحدة: «مليكه! متخرفيش... هزت رأسها بيأس، بينما تبتعد عنه بحدة: «أنا بالنسبالك واحدة نصابة وبتتسلى بيها... هبلة، كل ما بتقرب منها بتبقى زي العجينة في إيدك، بس أنا اللي أستاهل، أنا اللي رخصت نفسي معاك.» أنهت كلماتها تلك، هاربة من أمامه كالصاعقة، مغادرة المكان، تاركة إياه واقفاً يتطلع بيأس إلى أثرها.
قبض على شعره، جاذباً خصلات، شاعراً بألم غريب يضرب قلبه. أطاح بقدمه المقاعد المتراصة أمامه، صائحاً بشراسة وغضب. *** بقصر الجنزوري... كانت مليكة مستلقية بالفراش، دافنة وجهها بالوسادة، تنتحب بشدة. ضغطت بيدها فوق قلبها للتخفيف من الألم الذي كان يضرب بداخلها، ممزقاً قلبها، فقد أصبح لا يطاق ولا يحتمل. دخل نوح الغرفة بهدوء، باحثاً بعينيه عنه. شعر بضعف غريب يستولي عليه فور أن وقعت عيناه عليها ووجدها على حالتها تلك.
اقترب منها بهدوء، مستلقياً فوق الفراش بجانبها. شعر بها تنتفض بذعر فور أن أحاط خصرها بذراعه بحنان، جاذباً إياها نحوه، ليستند ظهرها بصدره الصلب. احتضنها بين ذراعيه بحنان، لكنها أخذت تقاومه، دافعة إياه بقسوة، محاولة إبعاده عنها، لكنه شدد من احتضانه لها أكثر، هامساً بأذنها بكلمات لطيفة محاولاً تهدئتها. ثم أدارها نحوه، حيث أصبحت تواجهه. زفر بضيق، بينما يرفع وجهها إليه بقوة عندما قاومته في بادئ الأمر، رافضة رفعه إليه.
شعر بقبضة حادة تعتصر قلبه فور أن رأى وجهها المنتفخ وعينيها المحمرتين من كثرة البكاء. لعن نفسه وتلك الحمقاء التي سممت عقلها بأفكار بعيدة كل البعد عن الحقيقة. مرر يده بحنان فوق وجهها، يزيح بعيداً خصلات شعرها المبتلة عن عينيها، هامساً بضعف وهو ينحني مقبلاً جبينها بحنان: «مليكه... علشان خاطري اهدى، الموضوع مش زي ما أنتي فاهمه.» هتفت بصوت مرتجف، بينما تنفض يديه عن وجهها مبتعدة عنه: «لا أنا فاهمة كل حاجة كويس.......
قاطعها بحزم، جاذباً إياها نحوه مرة أخرى، مشدداً ذراعيه من حولها: «لا مش فاهمة حاجة، أنا لو كنت بجيلك السنتر، فده علشان كنت بحب أشوفك وأنتي بتشرحي... وأنتي بتتعاملي مع الشياطين الصغيرة اللي كانوا بيطلعوا عينك.» توقف انتحابها فور سماعها كلماته تلك، شاعرة بدقات قلبها تزداد بعنف، بينما الأمل ينبض بداخلها. همست بصوت أجش ضعيف من أثر بكائها: «بجد...... قبل جبينها بحنان، هامساً بصوت دافئ: «بجد......
هزت رأسها قائلة باستفهام، محاولة قتل الشك الذي لا يزال ينبش بداخلها: «طيب ليه كنت بتيجي من غير ما أعرف... وكدبتي على سوما..؟! مرر يده بحنان فوق وجنتيها، يزيل الدموع العالقة بها، قائلاً: «بصراحة... مكنتش عايزك تعرفي علشان تبقي على راحتك وأنتي بتشرحي.» ليكمل بحزم، بينما يتصنع التقطيب: «بعدين لو كنت عرفتي كنتي هتطرديني، ومكنتيش هترضي تخليني أدخل المكان تاني، تنكري؟! هزت رأسها بالنفي، وقد ارتسمت ابتسامة خجولة فوق وجهها:
«لا منكرش..... كنت فعلاً هطردك.» أطلق نوح ضحكة عميقة عند إجابتها، هاتفة بمرح: «صريحة أوي... نهض من فوق الفراش بهدوء، فور سماعه الطرقات فوق الباب، اتجه نحوه فاتحاً إياه. وقف عدة لحظات يتحدث مع شخص ما بكلمات هادئة منخفضة، ثم عاد إلى داخل الغرفة، يحمل بين يديه صينية ممتلئة بالطعام، قد أمر الخدم في طريقه إلى هنا بإحضارها، فقد كان يعلم أنها لم تتناول شيئاً منذ الصباح. وضع صينية الطعام فوق قدميها، بينما
يعود إلى مكانه فوق الفراش: «يلا علشان نتعشى سوا.... أومأت رأسها بصمت، بينما تعتدل جالسة بجانبه فوق الفراش، أخذت تتطلع إلى الطعام بجوع، فقد كانت تتضور من الجوع، فلم تتناول شيئاً منذ عشاء ليلة أمس. ملأ نوح صحنها بتل من الطعام، تناولت أول ملعقة منه، مصدرة تنهيدة بطيئة، ثم بدأت تلتهم كل ما يضعه أمامها. كان نوح يتناول طعامه، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة حانية، بينما يراقبها تتناول طعامها بهذا الحماس.
تخضب وجه مليكة بالحمرة، فور أن رفعت رأسها عن الطعام، ورأت نظراته المسلطة عليها. ابتلعت ما بفمها بصعوبة، هامسة بحرج: «أصل كنت جعانة.... أحاط خدها بكف يده، ممرراً إبهامه بحنان فوقه، متلمساً نعومة جلدها الحريري: «بالهنا والشفا.... ليكمل غافلاً عن أنفاسها التي تسارعت أثر لمسته فوق وجهها: «عايزك تهتمي بأكلك شوية، بعد كده هخلي نوال تحضـرلك أكل تاخديه معاكي وأنتي راحة الشغل.»
تغضن وجهها فور سماعها كلماته تلك، تراجعت إلى الخلف، مستندة إلى ظهر الفراش، مغمغمة بحزن: «شغل إيه بقى... مستر حسان مش هيسبني في حالي.... لتكمل بصوت ضعيف، بينما بدأت عينيها تمتلئ بالدموع: «مش هيسبني في حالي مادام حطني في دماغه... أزاح نوح صينية الطعام من فوق ساقيها، واضعاً إياها بالطاولة التي بجانب الفراش، ثم استلقى فوق الفراش جاذباً إياها، حتى أصبحت مستلقية بجانبه، يحتضنها بحنان، بينما دفنت هي وجهها بعنقه، تنتحب بصمت.
قبل رأسها بحنان، هامساً بين خصلات شعرها الحريري: «مش قولتلك متخفيش، محدش يقدر يقرب منك طول ما أنا عايش على وش الدنيا.... ليكمل، بينما يرفع وجهها إليه: «مستر حسان ده مش هيقدر يقرب من السنتر بتاعك تاني، بعد اللي عملته فيه... همست مليكة، بينما تهز رأسها باستفهام: «عملت فيه إيه ؟! مرر إصبعه بلطف فوق أنفها، راسماً ملامح وجهها، مغمغماً: «مخلتش فيه لا هو ولا رجـالته عضمة واحدة سليمة...
وكان عايز يدخل يبوس إيدك علشان تسامحيه.» ليكمل بمرح، محاولاً التخفيف عنها، بينما يمرر إصبعه فوق تقطيبة حاجبيها: «لو تشوفيه وهو طالع يجري زي الفار ورجالته وراه.» انفجرت مليكة ضاحكة فور تخيلها مظهره بجسده الضخم العملاق وهو يركض خائفاً من نوح ورجاله. أخذت ضربات قلبه تزداد بعنف فور سماعه لصوت ضحكتها الخلابة تلك، فلأول مرة يراها تضحك بسعادة هكذا. مرر إصبعه بين خصلات شعرها، ودفء غريب يستولي عليه.
سحبها نحوه أكثر، دافناً وجهه بعنقها، ملثماً إياه بقبلات دافئة. تغلبت مليكة على المشاعر التي عصفت بها، مبتعدة عنه قليلاً، وقد بدأت تستوعب أنها لازالت مستلقية بين ذراعيه. تركها نوح تبتعد هذه المرة، حتى لا يفقد سيطرته ويفعل شيئاً قد يندم عليه لاحقاً. ظلوا مستلقيين عدة دقائق صامتين، حتى غمغمت مليكة، بينما تضع يدها أسفل رأسها: «عارف أنا برضه مش هرجع أدي دروس تاني.... لتكمل، تهز رأسها بتصميم، مغمضة عينيها وقد تغضن وجهها:
«محدش فيهم بيحترمني، بيتعاملوا معايا كأني عجلة صغيرة، مش مدرستهم، مش هينفع أرجع تاني....... ابتلعت باقي جملتها عندما شعرت بشفتي نوح تلثم جبينها بحنان، وأنفاسه الدافئة فوق وجهها، بينما يهمس بلطف في أذنها: «نامي يا مليكه.... نامي وارتاحي، وبكرة نبقى نشوف الموضوع ده تمام.» أومأت برأسها بصمت، مغلقة عينيها بقوة، رافضة الاستجابة لرغبتها بفتح عينيها وإلقاء نظرة عليه. ظلت على وضعها هذا حتى استغرقت بنوم سريع. بعد عدة ساعات...
فتح نوح عينيه ببطء، شاعراً براحة ودفء غريب يحيطان به. أدرك السبب وراء هذا الدفء، عندما شعر بمليكة التي كانت تلتف من حوله كشرنقة، حيث كانت تحيط خصره بذراعها وساقها تتشابك بشكل محبب بساقيه، دافنة وجهها بعنقه. اعتدل في نومه قليلاً ببطء، حتى لا يتسبب في إيقاظها ويحرم نفسه من دفئها وهذا الشعور الرائع. عقد ذراعه حول جسدها، مقرباً إياه من جسده أكثر، حتى أصبحا بأحضان.
دفن وجهه بشعرها الحريري، مستنشقاً بعمق رائحته التي كانت مزيج رائحة الزهور الرائعة. أغلق عينيه، مستغرقاً بالنوم مرة أخرى، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة حالمة. في الصباح... استيقظت مليكة على صوت نوح الأجش، الذي كان يهمس باسمها بصوت دافئ: «مليكه... زمجرت، مغمغمة بكلمات رافضة، لكنها فتحت عينيها سريعاً بذعر، عندما شعرت بالجلد الدافئ أسفل رأسها. صدمت عندما أدركت أنها تدفن وجهها بعنق نوح، مستلقية بين ذراعيه.
تخضب وجهها بحمرة الخجل، غير قادرة على رفع رأسها إليه، ظلت متصلبة بمكانها، لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله. مرر يده فوق شعرها، بينما يهمس بالقرب من أذنها: «اصحي يلا يا كسولة، اتاخرتي على شغلك.» رفعت رأسها إليه بحدة، فور سماعها كلماته تلك، متناسية خجلها: «قولتلك مش هدي دروس تاني.»
أجابها بهدوء، بينما يتأمل بعينين تلتمعان بالشغف وجهها الخالي من مستحضرات التجميل، مما جعلها تبدو بريئة وجميلة للغاية، خاصة وشعرها الأشقر الذهبي يحيط وجهها بعشوائية مغرية: «هتروحي وتكملي الدروس، فاضل أقل من شهر على الامتحانات.» همست بصوت مرتجف: «هيبهدلوني يا نوح، أنت شوفت بيعملوا معايا إيه.» مرر إبهامه فوق وجنتيها، بينما يجيبها بتأكيد: «مليكه، أنتي مدرستهم، تقدري تسيطري عليهم.» ليكمل بمرح، مغيظاً إياها:
«بقي مليكه اللي مطلعة عيني أنا شخصياً مش هتقدر على شوية أطفال في طول ركبتها.» ابتسمت على مزحته تلك، لتبدأ بالتفكير، شاعرة بالارتباك والتردد. غرزت أسنانها في شفتيها، بينما تفكر في كلماته تلك. لم يشعر نوح بنفسه، إلا وهو يخفض رأسه نحوها، خاطفاً شفتيها في قبلة عميقة. قبلها نوح كما لم يقبل امرأة من قبل، غرز أصابعه في شعرها الحريري، بينما يعمق قبلته.
ابتعد عنها أخيراً ببطء، بينما يلهث بقوة، تأمل وجهها الذي أصبح لونه أحمر قانٍ. غمغم بصوت أجش من أثر العاطفة التي لا تزال تسيطر عليه: «هتروحي الشغل.... أومأت رأسها بالإيجاب بصمت، وهي لا تزال مغمضة العينين. ابتعد عنها قائلاً بحزم: «طيب اجهزي، علشان حسن هيوصلك.» ثم انتفض سريعاً، ناهضاً من فوق الفراش، يتجه نحو الحمام، هارباً قبل أن يستسلم ويعود إليها مرة أخرى. ***
كانت مليكة واقفة بمنتصف الغرفة الممتلئة بتلاميذها، الذين كانوا يركضون خلف بعضهم البعض، بينما يصرخون غير عابئين بها. أخذت تدير عينيها من طفل إلى آخر، شاعرة برأسها يكاد أن ينفجر إلى نصفين، فقد مر أكثر من نصف ساعة تحاول إسكاتهم، لكنهم تجاهلوها كعادتهم. صرخت بهستيرية، وقد أصبحت غير قادرة على تحملهم أكثر من ذلك: «بسسسس كفايه.... كفايه اقعدوا مكانكوا! لكنهم استمروا في لعبهم وركضهم، غير مبالين بها.
اقتربت من زياد، الذي كان يجلس فوق الطاولة يدق فوقها، ومن حوله أصدقاؤه يغنون بصوت صاخب: «أنت يا زفت يا زياد.... اقعد مكانك... قلبتلي الفصل كباريه! التف إليها قائلاً بغضب: «بقولك إيه يا ميس، روحي اقعدي في مكانك متصدعناش.» ليكمل، بينما يلتف إلى أصدقائه: «محدش يقعد مكانه، كله يرقص يالا أنت وهو.» ليزيد من ضرباته فوق الطاولة بقوة أكبر.
ابتعدت عنه مليكة، تتجه نحو حقيبتها، تنوي المغادرة، فقد كان من الخطأ العودة إلى هنا مرة أخرى. لكنها انتفضت فازعة، فور سماعها صوت صراخ زياد. التفت نحوه على الفور، لتجده معلقاً بالهواء بواسطة نوح، الذي لا تعلم من أين ظهر فجأة. كان يمسك زياد بيد واحدة، رافعاً إياه بالهواء، مكتف يديه بحزم. صاح زياد بخوف: «نزلني... أنت بتعمل إيه؟ نززززلني!
لكن نوح لم يستمع إليه، واتجه به نحو الحائط، معلقاً إياه من ملابسه بأحد المسامير المتواجدة بالحائط. صاااااح زياد صارخاً بفزع، بينما يرفس بقدميه في الهواء: «نزلني... نزلني! ليكمل، ملتفتاً إلى مليكة، التي كانت واقفة تتابع المشهد بفم فاغر منصدمة: «يا ميس مليكه، قولي له بالله عليكي ينزلني.» اقتربت مليكة من نوح، قائلة بصدمة: «نوح... إيه اللي أنت بتعمله ده؟ أجابها نوح بحدة، بينما يشير برأسه نحو زياد المعلق بالحائط:
«ده عيل قليل الأدب ولازم يتربى.» اقتربت من نوح، الذي كان واقفاً مكتف الذراعين، يتابع زياد المعلق، وعلى وجهها تعبير حاد صارم. تمسكت بذراعه، قائلة برجاء: «علشان خاطري نزله... مينفعش كده.» تجاهلها نوح، مقترباً من زياد، الذي بدأ بالانتحاب: «عارف لو عرفت بعد كده إنك قليت أدبك على ميس مليكه أو أي حد أكبر منك تاني، هعمل فيك إيه.» أجابه زياد سريعاً بانتحاب، وهو يهز رأسه بقوة: «مش هعمل كده تاني والله.» غمغم نوح بحدة،
بينما يضيق عينيه عليه: «وهتذاكر... أجابه زياد وهو يومئ برأسه بتأكيد: «هذاكر... هذاكر والله.» التفت نوح إلى باقي التلاميذ، الذين كانوا جالسين بصمت بمقاعدهم، يتابعون المشهد بعينين متسعتين بالرعب: «الكلام ده مش لزياد لوحده، الكلام ليكوا كلكوا، فاهمين؟ أومأ الجميع برأسهم سريعاً بصمت. اتجه نحو زياد، منزلاً إياه على الأرض. مرر يده بشعره، مشعثاً إياه، بينما ينحني على عقبيه أمامه، قائلاً: «الراجل...
هو اللي يحترم اللي أكبر منه، مش العكس.» هز زياد رأسه بصمت. «يلا روح اتأسف لميس مليكه وصالحها.» اتجه زياد نحو مليكة بخطوات بطيئة، قائلاً بصوت منخفض: «أنا آسف يا ميس.» ابتسمت له مليكة بحنان، مربتة فوق ذراعه بلطف، قبل أن توجهه إلى مقعده. ثم بدأت بالشرح، وقد بدأ التلاميذ، ولأول مرة، يتفاعلون معها. كانت تحاول عدم النظر نحو نوح، الذي كان يقف مستنداً إلى الحائط، وعيناه مركزة عليها، مراقباً أدق تحركاتها.
وفور انتهاء الحصة ومغادرة التلاميذ، توجهت إليه مليكة بخطوات بطيئة مرتبكة. اعتدل في وقفته فور أن أصبحت أمامه. همست بصوت منخفض: «شكراً.» تناول يديها، مشبكاً إياهما بيده، ثم أرجع يديها خلف ظهرها، مقرباً إياها منه: «العفو يا ميس مليكه.» خفض رأسه نحوها، ينوي تقبيلها، لكنها هتفت بذعر: «نوح... سوما برا... زمجر من بين أسنانه بغضب: «البني آدم دي مستفزة، مش عارفه مستحملها إزاي.»
أطلقت مليكة ضحكة مرحة، بينما تراقب وجهه الغاضب بعينين تلتمعان بشغف، بينما دقات قلبها تزداد بعنف. *** بعد مرور أسبوعين... كان نوح جالساً بمكتبه، يستند إلى ظهر مقعده باسترخاء، وفوق وجهه ترتسم ابتسامة مشرقة، بينما يتحدث إلى مليكة كعادته كل يوم، حتى يطمئن على سير عملها. «هتخلصي إمتى؟ أجابته مليكة بصوت دافئ: «قدامي نص ساعة وأخلص آخر حصة.»
زفر نوح بإحباط، فقد كان يرغب بأن يمر إليها ويأخذها معه كعادتهم، لكن تراكمت عليه العمل عليه هذه الفترة. «تمام، خلصي وحسن... هيوصلك البيت.» هتفت مليكة بحزن: «ليه؟ هو أنت مش هاتيجي السنتر النهارده؟ تنحنحت، قبل أن تتمتم بإحراج: «أقصد... أقصد يعني... ابتسم نوح فور سماعه للإحباط الذي تخلل صوتها، شاعراً بالراحة لافتقادها إياه مثله. «مش هقدر أجيلك النهارده، عندي اجتماع مهم ومش هقدر أخلصه بدري.» همست مليكة بصوت منخفض: «تمام.»
«مليكه...... همهمت مجيبة إياه بصوت منخفض: «أوعى تتعشي من غيري، استنيني علشان نتعشى سوا.» أشرق وجهها بابتسامة سعيدة فور سماعها كلماته تلك، هاتفة بحماس جعله يبتسم هو الآخر: «تمام... هستناكا.» أغلق معها نوح، والابتسامة لا تزال تملئ وجهه. تناول إحدى الأوراق، يتفحصها بصمت، لكن عقله لا يزال منشغلاً بتلك التي أغلق معها منذ قليل. سمع طرقاً فوق باب مكتبه، ليأذن للطارق بالدخول. دَلفت ميار، سكرتيرته الجديدة التي حلت محل مليكة،
قائلة: «نوح بيه... في واحدة برا عايزة تقابلك.» لتكمل سريعاً عندما رأته يهم برفض مقابلتها: «بتقول إنها قريبة مليكه هانم مرات حضرتك.» قطب حاجبيه فور سماعه ذلك، مندهشاً مما سوف ترغب قريبة مليكة برؤيته. «خليها تدخل.» أومأت ميار برأسها بصمت، قبل أن تتجه نحو الباب مرة أخرى. اتكأ نوح إلى الخلف، منتظراً قدوم قريبة مليكة تلك، شاعراً بالفضول فيما تريده منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!