تجمدت بمكانها فور أن فتحت الباب ورأت نوح الجنزوري يقف أمام باب شقتها بهيبته وجسده الصلب. أخذت ترفرف بعينيها عدة مرات معتقدة أنها تتخيل وجوده، لكنها شهقت بذعر عندما رأته بالفعل أمامها يدلف إلى داخل الشقة بخطوات بطيئة متمهلة قائلًا بسخرية لاذعة: = أهلًا بالحرامية! تنحنحت مليكة قبل أن تتمتم بحدة بعد أن فاقت من صدمة وجوده أمامها: = أنت... أنت بتعمل إيه هنا؟! أجابها نوح وهو يتقدم للداخل ببطء: = جيت أطَّم...
لكنه قاطع جملته فور أن وقعت عيناه على قصاصات الورق التي لم تكن إلا صورًا منتشرة فوق الأرض والطاولة.
شعرت مليكة بالدماء تغادر جسدها فور إدراكها أنه قد رأى الصور التي تغرق المكان. وضعت يدها المحملة بالصور تخفيها خلف ظهرها بارتباك، شاعرة بكامل جسدها يرتجف بحدة. لا تدري فيما سوف يفكر بها. أخذت تراقب بعينين متسعتين بالذعر نوح وهو يتجه ببطء نحو تلك الصور. انحنى ملتقطًا إحدى القصاصات، مشيرًا بها بيده وهو يتمتم بحدة وعينيه تلمعان بقسوة بثت الرعب بداخلها: = الصور دي بتعمل إيه عندك؟!
اندفعت نحوه مليكة دون أن تجيبه، تختطف الصورة التي بيده تخفيها خلف ظهرها مع البقية، متمتمة بارتباك وقد التمع العرق البارد فوق جبينها: = أنت... أنت إيه جابك هنا؟ مش المفروض إنك هتـ...
لكنها ابتلعت باقي جملتها بذعر عندما رأته يقترب منها بخطوات بطيئة متمهلة، مما جعلها تتراجع إلى الخلف بخوف وهي لازالت تخفي تلك الصور خلف ظهرها. شعرت برجفة من الخوف تمر بجسدها فور أن ضرب ظهرها الحائط من الخلف، مما جعلها محاصرة بينه وبين جسد نوح الصلب الذي أصبح أمامها مباشرة. انحنى نحوها ممررًا يده برقة فوق وجهها، يرسم ملامحه بإصبعه ببطء: = ما جاوبتيش على سؤالي! ليكمل وهو ينحني نحوها مقربًا شفتيه من أذنها
يهمس لها بصوت أجش مثير: = صوري بتعمل إيه معاكي؟ شعرت مليكة برجفة حادة تسري بسائر جسدها عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تمر فوق وجهها. وقفت تتطلع إليه بعينين متسعتين بينما أخذ صدرها يعلو وينخفض بشدة وهي تكافح لالتقاط أنفاسها. همست بصوت منخفض مرتجف بعد أن ابتلعت الغصة الحادة التي تشكلت بحلقها: = أنت... أنت فاهم غلط. قاطعها بهدوء محيطًا وجهها بيديه، ممررًا إبهامه فوق وجنتيها ببطء مثير هامسًا بصوت منخفض: = فاهم غلط؟!
طيب وإيه بقى الصح؟ إنك بتجمعي الصور دي علشان واقعة في غرامي مثلًا؟ شعرت مليكة بالبرودة تتسلل إلى جسدها فور سماعها كلماته تلك، ظنًا منها أنه قد اكتشف أمرها. أخذت دقات قلبها تزداد بعنف حتى ظنت بأن قلبها سوف يقفز من صدرها في أي لحظة. همست بصوت مرتجف يكاد يكون مسموعًا: = أنا... أنا... لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما رأته يرجع رأسه للخلف ويطلق ضحكة ساخرة عميقة، والتي كانت بمثابة دلو من الماء المثلج الذي انسكب فوق رأسها:
= تحبيني؟! ليكمل بقسوة يقرب وجهه منها ينظر إليها بعينين تلمعان بوحشية، قابضًا على ذراعها يلويه خلف ظهرها بقسوة، متجاهلًا صرخة الألم التي اندلعت منها: = بقى واحدة حقيرة... زبالة زيك تعرف يعني إيه تحب؟ هتفت مليكة بغضب تنتفض بحدة مقاومة إياه، محاولة الإفلات من بين قبضته التي تحاصرها. لكن ما أصابها من ذلك إلا أنه قد شدد من قبضته فوق ذراعها الذي يثنيه خلف ظهرها، مما جعل موجة من الألم تضربها بقوة: = أنت... أنت إنسان مريض!
ليه كنت اتهبلت علشان أحب واحد زيك أناني... مغرور فاكر مفيش غيره في الدنيا؟ أفلت ذراعها محيطًا خصرها بذراعيه، جاذبًا إياها إليه لترتطم بصدره الصلب بقسوة. أخذت مليكة تنتفض بين ذراعيه محاولة الابتعاد عنه، لكنه شدد من ذراعيه حول خصرها وهو يتمتم بصوت منخفض ساخر: = طبعًا عمرك ما تحبي واحد زي... لأنك واحدة جشعة... حرامية واللي من نوعك ما يعرفش يعني إيه يحب حد غير نفسه.
شعرت مليكة بكلماته تلك كخنجر حاد ينغرز في قلبها يدميه بقسوة، خاصة عندما رأت احتقاره لها يلمع في عينيه بوضوح. دفعته بكامل قوتها بيديها فوق صدره مبعدة إياه عنها، مما جعله يتراجع بعيدًا عنها عدة خطوات. استغلت مليكة ذلك واندفعت من أسفل ذراعه هاربة حتى وقفت بأقصى الغرفة وصدرها يعلو وينخفض بقوة بينما تكافح لالتقاط أنفاسها المتسارعة. وقف نوح يتأملها بعينين تلمعان بالغضب والازدراء.
هتفت بحدة وهي تمرر يدها المرتجفة فوق شعرها الذي تبعثر، محاولة جعل صوتها هادئًا قدر الإمكان: = الصور دي... أنا جمعتها لما جيت أشتغل في شركتك علشان... علشان... قاطعها نوح بحدة ووجه محتقن بالغضب: = علشان تحضري لعملية نصب جديدة وتقعيني فيها؟ فاكرة إنك هتيجي وتشتغلي في شركتي وهتقدري تنصبي عليا للمرة التانية بسهولة مش كده؟ قاطعته مليكة هاتفة بعصبية: = لا مش كده! لتكمل وهي تقترب منه ببطء وتردد:
= ممكن نقعد نتكلم براحة وأنا هفهمك على كل حاجة بس اديني فرصة. ظل واقفًا بمكانه مترددًا عدة لحظات، لكنه زفر باستسلام قبل أن يجلس أخيرًا فوق إحدى المقاعد يضع قدمًا فوق الأخرى بغطرسة قائلًا بحنق: = أبهريني! جلست مليكة فوق الأريكة التي بجانب مقعده بتردد، مشبكة يديها ببعضها البعض، عالمة بأنها يجب عليها إخباره بالحقيقة حتى تستطيع الخروج من هذا المأزق الذي ورطتها به شقيقتها: = اللي نصب على راقية هانم مرات باباك مش أنا...
لتكمل سريعًا عندما رأت علامات السخرية ترتسم فوق وجهه وهم بمقاطعتها: = ملاك أختي التوأم... أكملت سريعًا بصوت مرتجف محاولة إقناعه عندما رأت علامات عدم التصديق ترتسم فوق وجهه: = أنا... أنا ممكن أكلمها لو مش مصدقني وأنت هتسمع كل حاجة بنفسك! مرر يده ببطء فوق ذقنه غير الحليق قائلًا بتفكير: = أختك التوأم... ليكمل ضاغطًا على كل حرف بقسوة: = طبعًا مش عايشة في مصر... وعايشة برا مش كده؟
أسرعت مليكة تجيبه بينما تهز رأسها بحماس ظنًا منها أنه قد بدأ بتصديقها: = أيوة هي... هي فعلًا عايشة في أمريكا وحتى... لكنها ابتلعت باقي جملتها بذعر عندما انحنى في مقعده للأمام نحوها حتى أصبح لا يفصل بينهم سوى بوصات قليلة. قبض فوق معصمها جاذبًا إياها نحوه أكثر مزمجرًا بقسوة: = شايفني قدامك واحد أهبل من الهبل اللي أنتِ بتنصبي عليهم؟ أختك وتوأم لا وعايشة برا مصر كمان... علشان طبعًا تبرري إنك تجيبيها قدامي؟ همست
مليكة بشفتين مرتجفتين: = أنا... أنا ممكن أخليك تكلمها علشان تصدق. لوى نوح شفتيه بسخرية: = طبعًا هتكوني متفقة مع أي واحدة تمثل التمثيلية الخايبة دي معاكي وتقول كلمتين على التليفون وأنا المفروض أصدق زي الأهبل... ليكمل ممررًا إبهامه فوق معصمها الذي لا يزال بين يده ببطء مثير. حاولت مليكة جذب يدها بعيدًا، لكنه شدد قبضته عليها أكثر غير سامح لها بالابتعاد: = قدامك طريقتين علشان تخليني أصدق القصة الخايبة بتاعتك دي.
هزت مليكة رأسها بحماس وقد التمع الأمل بداخلها بأنه قد يصدقها بالفعل، محاولة تجاهل الرعشة التي أرسلتها لمسته البطيئة فوق معصمها: = تجيبي لي دلوقتِ صورة ليكي مع أختك أو شهادة ميلادها، بس خذي بالك الصورة أو شهادة الميلاد اللي هتجيبيها دول أنا هوديهم لناس مختصة تفحصهم، بس لو طلعوا مزورين هتبقى كتبتي نهايتك وقتها...
شعرت مليكة بأن الضغط الذي قبض على صدرها يهدد بسحق قلبها، فهي تعلم الآن بأنه لا يوجد أمل ولا مخرج لها من مأزقها هذا. همست بصوت منخفض مرتجف وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الخوف: = أنا... أنا... أنا وملاك ما كناش قريبين من بعض علشان نتصور سوا، خصوصًا إنها طول حياتها كانت عايشة مع ماما برا وما نزلتش مصر إلا مرة واحدة وفي المرة دي نصبت فيها عليكوا... لتكمل وقد بدأ جبينها يتصبب بالعرق من شدة الخوف والتوتر: = ومم...
ما لهاش أي ورق رسمي في مصر، هي ماما سجلتها في أمريكا وخدت الجنسية هناك... قاطعها نوح بخشونة بينما عينيه تلمعان بشراسة: = يعني أختك مسافرة... ومفيش صورة واحدة تجمع ما بينكوا وكمان مفيش أي ورق يثبت إنها موجودة من الأساس وعايزاني أصدق لعبتك الوسخة دي؟ ليكمل بقسوة وهو ينتفض واقفًا مرمقًا إياها بنظرات نافرة حادة:
= حضري نفسك للي هيحصلك لأن من بكرة هتقضي نص عمرك في السجن وهخليكي تندمي على اليوم اللي فكرتي فيه تلعبي على عيلة الجنزوري. انتفضت مليكة واقفة تقبض على يده بين يديها المرتجفة تهمس بتضرع ورجاء وهي تنتحب: = بلاش السجن وأغلى حاجة عندك، كله إلا السجن... وقف نوح يتطلع إليها بصمت عدة لحظات، شاعرًا بضعف غريب يستولي عليه عندما وقفت تنظر إليه بعينيها تلك المغرورقتين بالدموع. تركت مليكة يده فجأة متجهة نحو إحدى الغرف وهي
تهتف بصوت مرتجف غير مفهوم: = ثث... ثانية... ثانية واحدة.
ظل نوح واقفًا بثبات في مكانه مراقبًا خطواتها حتى اختفت بداخل إحدى الغرف. زفر بضيق ممررًا يده في شعره وقد بدأ يشعر بالضيق والملل من هذا الموضوع بأكمله، فهو لا يهمه المال الذي أخذته من زوجة والده فهذا يعد مبلغًا تافهًا بالنسبة إلى المليارات التي يملكها، لكن الأمر يتعلق بشرف عائلته وسمعته، فقد قامت بخداع فرد من عائلتها أي كأنها قامت بخداعه هو وأصبح هذا كوصمة عار تلاحقه.
فعالم أعماله ملئ بالحيتان ينتظرون له خطأ أو ثغرة حتى يستغلوها ضده. وقد كان خداعها لزوجة والده واتهامها من قبل المؤسسة الخيرية بإهدارها لأموال الجمعية، هو ما كانوا ينتظرونه لكي يهزوا مكانته التي بذل الكثير من الجهد منذ أن كان بالعشرين من عمره لكي يصل إلى ما وصل إليه الآن. أفاق نوح من أفكاره تلك عندما رآها تخرج من الغرفة وبين يديها ورقة مطوية، فتحتها وواضعة إياها بين يديه. "ده...
ده عقد البيع بتاع الأرض اللي بابا عملهولي أول ما هكمل الـ 25 سنة هتبقى ملكي وأقدر أتصرف فيها براحتي، يعني بعد 7 شهور هرجعلك الأرض وبكده يبقى مفيش نصب وأكيد مش هيبقى فيه سجن مش كده... أخذ نوح يفحص الورقة التي بين يديه بشك، فقد تكون قامت بتزويرها كما زورت الأوراق الأخرى التي نصبت بها على زوجة والده. أخرج هاتفه ملتقطًا صورة للعقد ثم قام بإرساله إلى محاميه آمرًا إياه بفحصه جيدًا والتأكد من صحته.
وصله رده على الفور بأن العقد من ظاهره صحيحًا، لكن لزيادة التأكد سوف يرسله إلى إحدى معارفه بالشهر العقاري ليتأكد من صحته وسوف يجيبه في الغد باكرًا. أخفض نوح هاتفه ملتفًا إلى مليكة التي كانت واقفة تنظر إليه بأعين تلمع بالترقب والخوف. "بكره الصبح تبقى قدامي في مكتبي... همست مليكة بارتباك وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها بحماية. "ليه... أجابها بهدوء وهو يضع العقد بجيب سترة بدلته.
"من بكره هتشتغلي كسكرتيرة لمكتبي لحد ما تكملي الـ 25 سنة بتوعك واستلم الأرض... ليكمل بقسوة بثت الرعب بداخلها. "طول الـ 7 شهور دول مش هتغيبي عن عيني ولا لحظة واحدة." هتفت مليكة سريعًا. "بس... بس أنا مبفهمش أي حاجة في شغل السكرتارية... قاطعها نوح ببرود وهو يرمقها باشمئزاز. "نصيحة حطيها في عقلك كويس، طول ما أنتي معايا تبطلي لعبك الوسخ والكدب اللي بيجري في دمك ده." هتفت مليكة بحدة شاعرة بالإهانة من كلماته القاسية تلك.
"أنا مبكدبش، أنا فعلًا مبعرفش حاجة في شغل السك... قاطعها نوح بنبرة باردة كالصواعق أرسلت رجفة بداخلها. "والله مكتوب في الـ CV بتاعك إنك اشتغلتي سكرتيرة لمدة سنتين في شركة مقاولات كبيرة." همت مليكة تخبره بأن هذا غير صحيح، وأن صديقتها رضوى هي من قامت بوضع هذا بالـ CV الخاص بها حتى تساعدها في كسب الوظيفة، لكنها خافت أن يتهمها بالتزوير مرة أخرى، وقد يكشف أمر رضوى هي الأخرى ويتسبب في طردها من وظيفتها.
أكمل نوح بهدوء بينما ينقر أصابعه بثبات فوق ذراع المقعد. "مفيش قدامك غير لأما توافقي وتبقى تحت عيني خلال الـ 7 شهور دول لحد ما أستلم الأرض، لأما أسلمك للبوليس وساعتها... قاطعته مليكة سريعًا بلهفة. "موافقة... موافقة طبعًا إني أشتغل سكرتيرتك... أومأ لها نوح برأسه قبل أن يتجه نحو باب المنزل يستعد للمغادرة. "الساعة 8 تكوني في المكتب."
أومأت برأسها بصمت بينما تراقبه وهو يغادر المنزل، وما أن أغلق الباب خلفه حتى انهارت فوق الأريكة تدفن رأسها بين يديها بيأس وخوف مما هي مقبلة عليه. *** في اليوم التالي. كانت مليكة جالسة بإحدى المقاعد المتواجدة بغرفة الاستقبال المتصلة بالمكتب الخاص بنوح الجنزوري، فمن الواضح أنها تابعة لسكرتيرته.
أخذت تتفحص بإعجاب المكتب الأنيق الذي سوف يكون لها، لكنها تنهدت بإحباط عندما تذكرت المأزق الذي وقعت به، فهي لا تعلم كيف سوف تعمل كسكرتيرته الخاصة، فهي لا تفقه شيئًا حرفيًا بهذا المجال. انتفضت واقفة عندما رأت نوح يدلف إلى الغرفة بوجه مقتضب حاد، ألقى عليها نظرة عابرة باردة قبل أن يشير بيده لها بغطرسة بأن تتبعه.
تبعته بصمت لداخل غرفة مكتبه بخطوات بطيئة مترددة، انطلقت منها شهقة منخفضة عندما رأت فخامة مكتبه الذي لم ترَ في حياتها مثله من قبل. أفاقت من تأملها هذا على صوت نوح الحاد وهو يهتف بحدة جعلتها تنتفض فازعة بمكانها. "إيه هنسيب شغلنا ونقعد نتأمل في المكتب... همهمت مليكة بوجنتين متخضبتين بالخجل. "مم... مع حضرتك." تنهد نوح بضيق قبل أن يتمتم بهدوء وهو يجلس فوق مقعده. "فحصت عقد الأرض وطلع سليم...
علشان كده زي ما اتفقنا طول الـ 7 شهور هتفضلي شغالة معايا هنا تحت عيني... أومأت له مليكة رأسها بصمت، فهي تعلم بأنها ليست بموقف يسمح لها أن تجادله، فهي تحمد الله أنها استطاعت أن تجد مخرج من هذا المأزق حتى وإن كلفها الأرض التي ورثتها عن والدها. أكمل نوح وهو يلقي نحوها دفتر. "كل مواعيدي طول الأسبوع متسجلة هنا، حاولي تركزي وقبل كل ميعاد لازم تعرفيني." همست مليكة بصوت هادئ وهي تتقدم نحو مكتبه لتلتقط الدفتر الذي ألقاه لها.
"حاضر... أشار بيده نحو الباب يصرفها بعجرفة وهو يتمتم بضيق. "اتصلي لي بناصر أمين وسامح الحفناوي ووصليهم بيا... عندك الأرقام كلها متسجلة عندك على مكتبك." شعرت مليكة بجسدها يرتجف من شدة الارتباك، فهي لا تعلم كيفية إنشاء هذه المحادثات الصوتية. همت أن تخبره بهذا، لكنها انتفضت بذعر عندما صاح بها بغضب. "إيه هتفضلي متنحة كده كتير... اتفضلي يلا على مكتبك...
التفت مليكة مغادرة مكتبه متمتمة بسخط وغضب شاعرة بعقلها سينفجر من كثرة التفكير، فهي لا تعلم كيف يمكنها عمل هذه المكالمة الجماعية. جلست تنظر إلى الهاتف برعب، فهذا لم يكن كالهاتف العادي، فقد كان ملئ بأزرار عديدة لا تعلم استخدام أي منها.
تناولت دفتر الأسامي تبحث عن رقم ناصر أمين حتى وجدته، اتصلت به ثم أخبرته أن نوح الجنزوري يريد التحدث إليه ثم وصلته به. تنهدت براحة فقد أتمت نصف المهمة، باقي الجزء الثاني. بحثت عن رقم سامح الحفناوي حتى وجدته، اتصلت به وأخبرته بأنها سوف تصله بنوح الجنزوري وناصر أمين، لكنها تفاجأت عندما صدح رنين الهاتف الآخر الموجود فوق مكتبها.
أجابت عليه لتكتشف بأنه ناصر أمين يخبرها بأنه تم قطع الاتصال مع رئيسها عندما كان يتحدث معه. تمتمت مليكة سريعًا بارتباك معتذرة منه على خطأها هذا. "أنا آسفة... أنا آسفة لحضرتك جدًا، خطأ مش مقصود، هوصلك بيه حالًا." ضربت مليكة يدها فوق خدها تلطمها بقوة وهي تتمتم بصوت منخفض. "نهار أسود عليا... نهار أسود مش عارف أنيل إيه...
أخذت تضرب فوق الأزرار وهي لا تعلم ما يجب عليها فعله، عندما انفتح بحدة الباب الذي يصل مكتبها بمكتب نوح الذي كان يقف أمام الباب بوجه قاتم حاد وعينيه تلمع بشرار الغضب، هتف بشراسة من بين أسنانه وهو يشير نحو الهاتف الذي بين يديها. "انتي بتهببي إيه؟ كل ما أكلم حد مفيش دقيقة والخط يقطع." وقفت مليكة تمرر يدها المرتجفة بين خصلات شعرها وهي تهتف بحدة رافضة الاعتراف بخطأها. "إيه بتهببي دي...
ياريت تتكلم معايا بأسلوب كويس بعدين... لتكمل بارتباك وهي تتجنب النظر إليه فقد اشتد وجهه بقسوة وغضب. "بعدين التليفون... التليفون هو اللي بايظ ومش عارفة أظب...
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما رأته يتقدم نحوها بخطوات غاضبة مشتعلة، أخذت تتراجع إلى الخلف حتى اصطدمت ساقيها بمقعدها لترتمي جالسة فوقه، تنحني بجسدها إلى الخلف بخوف عندما رأته يستدير حول مكتبها، همست بذعر وهي تراقب برعب يده التي امتدت نحوها ظنًا منه بأنه سوف يقوم بلمسها. "لا بص... بص... أنا ممكن أصوت وألم علـ... لكنها قاطعت جملتها تتنحنح بإحراج عندما رأته يختطف الهاتف الذي كان بجانب ذراعها فوق مكتبها.
وقف نوح يحاول كبت الابتسامة التي ارتسمت فوق وجهه عندما أدرك أنها ظنته سوف يقوم بلمسها، هز رأسه بعدم تصديق ففي حياته بأكملها لم يقابل فتاة مثلها تتحدث دائمًا باندفاع هكذا. نفض تلك الأفكار بعيدًا محاولًا تركيز انتباهه على الهاتف الذي أمامه، قام بالاتصال أولًا بسامح ثم ناصر ثم ربطهم معًا بمحادثة واحدة.
التفت يتطلع إلى مليكة التي كانت تراقب بتركيز واهتمام ما يفعله بالهاتف حتى تتعلم منه، تمتم بسخرية قبل أن يلتف حول مكتبها مبتعدًا. "يعني التليفون مش بايظ زي ما بتقولي... تنحنحت مليكة تتمتم بصوت مرتبك وهي تتصنع الانشغال بترتيب الأدوات التي فوق مكتبها شاعرة بالإحراج بسبب جهلها. "مش مش... مش عارفة إيه حصله... فجأة كده." قاطعها نوح هاتفًا باسمها مما جعلها ترفع رأسها إليه وهي تهمهم مجيبة إياه.
هتف نوح بسخرية قبل أن يغلق باب مكتبه بحدة. "ركزي... ركزي في شغلك شوية." جلست مليكة بمكانها تتطلع نحو الباب الذي أغلقه خلفه قبل أن تهز رأسها بغيظ من غطرسته تلك تتمتم محاولة تقليده. "مليكة... ركزي في شغلك... كورت يديها في قبضة قبل أن تهتف بغيظ. "مستفز، أنا عارفة حبيتك على إيه... لطمت بيدها فوق فمها فور أن خرجت تلك الكلمات من فمها تتلفت بخوف من حولها تطمئن من أنه لا يوجد أحد قد سمعها.
زفرت براحة عندما أدركت بأنها بمفردها في الغرفة، تناولت المسودة المدون بها مواعيده محاولة حفظها حتى لا ترتكب حماقة أخرى. ***
كانت مليكة جالسة خلف مكتبها تصب كامل اهتمامها على لوحة مفاتيح الكمبيوتر، حيث قام نوح بإعطائها بعض الأوراق وأمرها بكتابتها على جهاز الكمبيوتر. زفرت بحنق وهي تحاول التركيز على اللوحة التي أمامها محاولة الكتابة أسرع فقد كانت بطيئة للغاية، فهي لم تستعمل الكمبيوتر إلا في مرات قليلة للغاية فقد كانت تعتمد على هاتفها كليًا. أخذت تتمتم بغضب عندما صدح صوت رنين الهاتف الداخلي، رفعت السماعة ببطء وهي تدير عينيها بملل.
"أفندم يا نوح بيه... وصل إليها صوته الأجش الصارم. "اعملي لي فنجان قهوة وهاتيه على مكتبي." أجابته مليكة سريعًا. "قهوة... قهوة إيه أنا... لكنه أغلق الخط قبل أن تكمل جملتها، ألقت سماعة الهاتف بغضب وهي تهتف بحدة. "قهوة إيه اللي أعملها له، أنا عمري ما عملتها في حياتي." تناولت هاتفها سريعًا تبحث عن رقم صديقتها رضوى حتى وجدته. "رضوى الحقيني، طالب مني قهوة وأنتي عارفة إني... قاطعتها رضوى بهدوء.
"إنك فاشلة ومبتعرفيش تعمليها أيوه عارف، اهدي يا مليكة اهدي." هتفت مليكة بغضب. "أهدي إيه! هو هيشغلني سكرتيرة ولا بتاعة قهوة وشاي لحضرته." أجابتها رضوى بهدوء: "اللي أعرفه إن ساندي السكرتيرة اللي قبلك كانت بتعمله القهوة برضه بنفسها، كانت قالت لي مرة إنه بيجيب بن مخصص له من البرازيل وإنه... قاطعتها مليكة بارتباك: "رضوى مش وقته دلوقتي، أنتي هتحكي لي قصة حياته؟ لتكمل هاتفة بعجز: "أعمل القهوة دي إزاي؟
بدأت رضوى تشرح لها كيفية عمله، وهي تتبع تعليماتها بهدوء. تمتمت مليكة بهدوء وهي تطل بفخر نحو فنجان القهوة الذي صنعته: "الله عليكي يا بت مليكة، أستاذة حتة فنجان والله خسارة فيه... وصل إليها صوت ضحكة رضوى الصاخبة التي كانت لا تزال معها على الهاتف: "ليه مش ده نوح الجنزوري حبيب القلب واللي كنت مجنونة بيه؟ قاطعتها مليكة بحدة: "اديكي قولتيها، كنت... قاطعتها رضوى بسخرية: "متأكدة؟
يعني قلبك مش بيتنط في مكانه كده أول ما بتشوفيه؟ زمجرت مليكة باستياء وحدة محاولة الهرب من الإجابة: "اقفلي يا رضوى اقفلي بدل ما تلاقيني دلوقتي قدامك وبجيبك من شعرك قدام كل اللي في مكتبك." هتفت رضوى من بين ضحكها الصاخب: "لا وعلى إيه روحي، روحي وديله القهوة بدل ما يطربق عيشتك."
أسرعت مليكة نحو باب مكتبه تطرقه بخفة قبل أن تدلف إلى الداخل. وقفت عدة ثوان تتأمله بعينين تلتمع بالشغف، حيث كان جالسًا خلف مكتبه يتفحص إحدى الملفات التي أمامه، عاقدًا حاجبيه بتركيز زاد من وسامته أضعافًا مضاعفة. انفلتت منها تنهيدة حالمة، لكنها أسرعت بهز رأسها بحدة معنفة ذاتها على غبائها وحبه الذي لا يزال ينبض في قلبها برغم ما تعرضت له على يده. اتجهت نحوه بصمت واضعة فنجان القهوة على مكتبه بحدة.
رفع نوح رأسه من فوق الملف الذي كان يدرسه متمتمًا بسخرية قبل أن يتناول فنجان القهوة يرتشف منه: "ساعة علشان تعملي فنجان قه... لكنه قاطع جملته يصيح بحدة وهو يضع الفنجان بحدة من يده: "إيه القرف ده؟ إيه اللي أنتي مهبباه ده؟ استقامت مليكة في وقفتها قبل أن تتمتم بحدة وهي تراقب وجهه المتغضن باشمئزاز: "مالها في إيه؟ أشار نوح نحو فنجان القهوة متمتمًا بقسوة: "دوقي وأنتي تعرفي مالها." رفعت مليكة رأسها لأعلى قبل أن تتمتم بعجرفة:
"بتقرف أشرب من ورا حد." لكنها انتفضت فازعة بمكانها عندما ضرب بيده سطح المكتب بغضب مزمجرًا بقسوة من بين أسنانه: "قلت لك دوقي."
تناولت مليكة فنجان القهوة سريعًا منفذة كلماته ترتشف منه جرعة كبيرة، لكنها شعرت بالصدمة فور أن وصل السائل الحار إلى داخل فمها. بصقت ما بفمها على الفور وهي تسعل بحدة، لكنها شهقت بفزع فور أن أصابت القهوة التي خرجت من فمها ملابس نوح. رفعت عينيها بخوف إليه تتفحص الفوضى التي صنعتها، فقد أصابت القهوة قميصه ورابطة عنقه مدمرة إياهم تمامًا. ابتلعت لعابها بصعوبة وهي تراقب بأعين متسعة بالذعر وجهه المحتقن بالغضب ويده التي كورها فوق المكتب يضغط عليها بقسوة حتى ابيضت مفاصلها.
همست بصوت مرتجف وهي تتنحنح بارتباك واضعة إصبعها فوق جسر أنفها كعادتها عندما تتوتر تستعد لرفع نظاراتها، لكنها أسرعت بتنزيل يدها مرة أخرى فور تذكرها أنها لم تعد ترتدي النظارة بعد الآن: "ش... شش... شكلي حطيت ملح بدل السكر." وضعت يدها فوق خدها المشتعل بالخجل عندما لم يجيبها، راغبة بأن تنشق الأرض وتبتلعها، فكل تصرفاتها حمقاء فلم تكتف بوضع الملح بقهوته بل قامت ببصقها على بذلته باهظة الثمن أيضًا. همست بصوت مرتجف محاولة
الاعتذار عن حماقتها تلك: "أنا... أنا... آس... هتف بغضب مقاطعًا إياها: "اطلعي بره... قبل ما تخليني أعمل حاجة أندم عليها." هتفت مليكة بحدة وهي تتصنع الغضب محاولة استجماع شجاعتها أمامه: "على فكرة بقى دي مش غلطتي." زمجر نوح بغضب مما جعلها تكمل سريعًا وهي تتخذ عدة خطوات للخلف بخوف: "وأنا... كنت أعرف منين إن ده ملح؟ بعدين هو في حد يحط ملح في كورنر القهوة؟ هتف نوح بشراسة وهو ينتفض واقفًا مما جعل مقعده يسقط فوق الأرض محدثًا
ضجة عالية: "بره... سمعتيني بره! تمتمت مليكة وهي تتجه سريعًا نحو باب الغرفة: "بره... بره... يعني بتطردني من الجنة؟ ظل نوح واقفًا بمكانه يتابع خروجها بعينين تشتعل بالغضب، أخذ يتنفس بعمق محاولًا السيطرة على غضبه حتى لا يندفع وراءها ويخنقها بيديه. بعد مرور شهر...
كانت مليكة جالسة خلف مكتبها تكتب الملف الذي طلب منها نوح تحضيره، فخلال الشهر الماضي كانت تتعامل معه كما لو كانت تتعامل مع قنبلة سوف تنفجر بوجهها في أي لحظة، فقد فشلت في إنهاء العديد من المهام التي طلبها منها مما عرضها لتوبيخه الحاد، ولكن رغم ذلك مع الوقت تعلمت الكثير من هذه المهام ما عدا الكتابة على الكمبيوتر فلا تزال بطيئة بها للغاية.
تنفست بعمق وهي تلتفت نحو جهاز الكمبيوتر محاولة أن مواصلة عملها، صبت كامل تركيزها على العمل الذي بين يديها فيجب عليها إنهاءه دون أن يخرب هو الآخر. لكنها انتفضت في مكانها تصرخ بفزع عندما شعرت بيد تقبض فوق ذراعها بقسوة: "آهااا يا حرامية يا نصابة." التفتت مليكة إلى صاحبة هذا الصوت لتجدها امرأة في العقد الخامس من عمرها تصرخ بحدة وهي تجذبها من فوق مقعدها. هتفت مليكة بحدة: "أنتي مين يا ست أنتي؟ سيبيني أوعى."
لتكمل بحدة محاولة جذب ذراعها من قبضة تلك المرأة: "بقولك سيبيني أوعى." زمجرت المرأة بغضب وقد احمر وجهها من شدة الانفعال: "أسيبك؟ ده ما صدقت لقيتك. بعدين هتستعبطي وتعملي نفسك مش عارفة أنا مين؟ لتكمل بحدة مشددة من قبضتها حول ذراع مليكة بقسوة: "أنا راقية الكحلاوي اللي نصبتي عليها في الأرض يا حرامية يا نصابة." تجمدت مليكة بمكانها فور أن فهمت الأمر، فهذه المرأة هي زوجة والد نوح الجنزوري التي نصبت عليها شقيقتها ملاك.
هتفت مليكة بحدة جاذبة ذراعها بقوة لتنجح هذه المرة في تحريره من قبضتها: "احترمي نفسك... أنا مش حرامية ولا أنا نصابة." ثم حاولت الالتفاف حول المكتب والابتعاد عن تلك المرأة الثائرة، لكن لحقتها راقية تقبض فوق ذراعها مرة أخرى وهي تهتف بحدة: "مش هسيبك يا نصابة فكرك هتهربي مني." ثم أخذت تصرخ بهيستيرية بينما تنتفض مليكة محاولة الإفلات من قبضتها: "نووح... يا نوووح... فتح باب المكتب فجأة ليظهر نوح بمدخله مزمجرًا بحدة وغضب:
"إيه الدوشة دي؟ في إيه؟ لكنه تجمد بمكانه فور أن وقعت عينيه فوق زوجة والده المحاصرة لمليكة التي كانت تحاول الابتعاد عنها وهي تصيح بغضب: "ابعدي إيدك دي، أنتي شكلك مجنونة وغ... "مليكة." صاح نوح بحدة عابرًا الغرفة مثل سكين حاد يشق طريقه. فاستدارت مليكة بصدمة تراقبه وهو يتقدم نحوهم وجسده يوحي بالغضب الذي يثور بداخله بينما عيناه باردتان كالجليد تسببت برجفة من الخوف في جسدها. وقف أمامهم مباشرة ونظراته تركزت عليها.
اقتربت منه راقية تشير نحو مليكة وهي تلهث بصعوبة: "نوح... نوح... دي النصابة اللي نصبت عليا في أرض الشروق." قاطعها نوح بهدوء: "عارف." همست راقية بصوت مندهش: "عارف؟ ولما أنت عارف بتعمل إيه هنا في مكتبك؟ أجابها نوح وهو يضغط على فكيه بقوة بينما عينيه مسلطة فوق مليكة التي كانت عينيها متسعة برعب داخل وجهها الشاحب مما أرسل ضيقًا بداخله لا يعلم سببه: "سيبها... وتعالي معايا هفهمك على كل حاجة في مكتبي." هتفت راقية بغضب:
"تفهمني إيه إنك مشغ... قاطعها نوح بصوت حازم جعلها تغلق فمها على الفور وتمتثل لأمره: "سيبها يا راقية هانم قلت لك." أفلتت راقية ذراع مليكة على مضض، رامقة إياها بنظرة حادة لاذعة قبل أن تدلف إلى داخل غرفة المكتب بخطوات غاضبة مشتعلة.
ظل نوح واقفًا بمكانه عدة لحظات يتفحص تلك الواقفة بجسد مرتجف قبل أن يقترب منها بهدوء، لكن تجمدت خطواته على الفور عندما رآها تتراجع إلى الخلف بخوف. زمجر من بين أسنانه بغضب من نفسه أكثر منها، فهو لا يجب عليه أن يتأثر بنظرة الخوف المرتسمة بعينيها المخادعة تلك: "لسانك ده لو طولتيه تاني على راقية هانم أنا هقطعهولك وهرميه لكلاب السكك، أنتي فاهمة؟ هتفت مليكة بحدة برغم الخوف الذي تشعر به:
"لما تتعلموا تحترموا الناس أنا كمان هحترمكوا." رمقها نوح بسخرية قائلًا بنبرة حادة لاذعة: "نحترم مين؟ نحترمك أنتي؟ ليكمل بصوت قاسٍ حاد بينما يرمقها بنظرة ممتلئة بالازدراء: "نحترم واحدة نصابة حرامية سرقت فلوس أرض عارفة إنه هيتبني عليها دار للأيتام؟ اهتز جسدها بعنف كمن ضربته الصاعقة فور سماعها كلماته تلك، فهي لم تكن تعلم بأن زوجة والده أرادت الأرض لبناء دار للأيتام. همست بصوت مرتجف ضعيف: "دار أيتام؟ قاطعها
نوح بقسوة وهو يرمقها بغضب: "إيه هتعملي نفسك مكنتيش تعرفي؟ أنا في حياتي كلها مشوفتش في قذارتك."
شعرت كما لو أن أحدهم طعنها بسكين حاد بقلبها عندما رأت الاحتقار الواضح في عينيه قبل أن يلتف ويتبع زوجة والده داخل مكتبه. انهارت مليكه فوق مقعدها تحيط جسدها المرتجف بذراعيها محاولة تهدئة ذعرها، فما مرت به منذ أن التقت بنوح الجنزوري لم تتعرض له من قبل. أخذت كلمات زوجة والده تصدح بداخلها كسكين حاد يمزق قلبها فقد نعتها بالسارقة. تجمعت دموع غبية كثيفة في عينيها، حاولت الضغط على شفتيها ورفرفت رموشها المبللة محاولة كبت دموعها تلك حتى لا تنهار وتتسبب في مشهد يمكن أن يذلها أكثر مما هي تشعر بالذل والمهانة.
*** في مكتب نوح... هتفت راقية وقد التمعت عينيها بفرح: "يعني بعد الـ ٧ شهور دول الأرض هترجعلي؟ أومأ نوح رأسه بهدوء. لتتابع راقية وقد التمعت عينيها بالدموع: "ربنا يخليك ليا يا نوح، أنت مش عارف أنا اتعرضت لكمية تريقة وسخرية إزاي من أعضاء الجمعية ولا صاحباتي اللي في النادي زي ما يكونوا كانوا صدقوا...
نهض نوح وهو يبتسم بهدوء مقتربًا مربتًا بحنان فوق ذراعها، فهو يكن لها كل الحب والاهتمام فبرغم أنها زوجة والده إلا أنها دائمًا كانت تعامله كابن لها. "أنتِ زعلانة ليه دلوقتي؟ لو على الجمعية جبنالهم أرض أكبر وأحسن من الأرض التانية." قاطعته راقية وهي تضغط فوق يده: "برضه لما أرجع الأرض هرجع مكانتي وهيبتي وسطهم. مينفعش رئيسة مجلس إدارة أكبر جمعية خيرية في البلد يتنصب عليها ومن حتة عيلة." لتكمل وهي تعقد حاجبيها:
"بس قولي يا نوح، البنت دي بتعمل إيه هنا؟ ابتعد عنها ملتفًا حول مكتبه عائدًا إلى مقعده وهو يجيبها بهدوء: "مليكه تبقى السكرتيرة بتاعتي." هتفت راقية بحدة: "يعني إيه يا نوح؟ بعد كل ده وشغلتها معاك؟ هتأمن لها إزاي دي حرامية؟ قاطعها نوح رافعًا يده كإشارة لعدم إكمالها كلامها: "متقلقيش، النفس مش هتقدر تاخده من غير ما أعرفه." أجابته راقية وهي تعتدل في جلستها:
"المهم تاخد بالك منها، البنت دي أنا اللي اتعاملت معها وعارفة قد إيه إنها مش سهلة." لتكمل وهي تبتسم بحنان: "إيه رأيك تروحي معايا ونتغدى سوا النهاردة؟ بقالنا كتير متجمعناش، دائمًا الشغل سارق كل وقتك." أومأ لها نوح بهدوء وهو يبتسم متناولًا هاتفه الذي يصله بالمكتب الداخلي فيجب عليه أن يجعل مليكه تغادر قبل أن يخرج مع زوجة والده حتى لا يتسببوا بحدوث مشكلة أخرى بينهم. "أيوه يا مليكه تقدري تروحي."
ثم أغلق الهاتف دون أن ينتظر حتى أن يستمع إلى ردها. ثم نهض ببطء لكي يجهز أشيائه حتى يغادر مع زوجة والده إلى المنزل. *** وقفت مليكه ببهو الشركة تتلملم في وقفتها بضيق: "أيوه يا رضوى أنا خلصت شغل، قدامك قد إيه؟ لتكمل بهدوء: "١٠ دقايق تمام، خلاص هستناكي برا مش هينفع أستناكي هنا." لتكمل بضيق شاعرة بالاختناق يجتاحها: "هبقى أقولك يا رضوى بس لما تخلصي وتنزلي... سلام."
خرجت مليكه إلى خارج الشركة تتنفس بعمق محاولة تهدئة النيران التي تشتعل بداخل صدرها. التفتت بحدة عندما سمعت شخصًا يهتف باسمها. "مليكه." شعرت مليكه بالارتباك عندما رأت عصام شقيق رضوى يقترب منها وعلى وجهه ترتسم ابتسامة مشرقة. "أخيرًا خرجتي! ده أنا مستنيكي بقالي ساعتين." قاطعته مليكه تهز رأسها بعدم فهم: "مستنيني... أجابها عصام بارتباك: "قصدي... قصدي يعني مستنيكي أنتِ ورضوى." ليكمل وهو يتفحصها بعينين تلتمع بالشغف:
"أنتِ غيرتي لبسك وقلعتي النظارة، شكلك بقى حلو أوي يا مليكه." تنحنح قائلًا بينما يتلفت بعينيه حوله: "أومال فين رضوى؟ أجابته مليكه بهدوء: "لسه قدامها شوية." قاطعها بينما يلتف عائدًا إلى موقف السيارات الخاص بالشركة: "طيب تعالى نقعد في العربية لحد ما تخلص." اتبعته مليكه على مضض فهي لا تريد التواجد معه بمفردهم. هتفت بارتباك فور أن رأته يقف أمام سيارته يفتح لها بابها.
"لا يا عصام معلش مش هينفع أركب معاك العربية لوحدنا لما... لما رضوى تنزل." ثم أخذت تتلفت حولها تدعو إلى الله أن تأتي رضوى في أقرب وقت وتنقذها من هذا المأزق. تجمد جسدها بصدمة عندما رأته يقترب منها يقبض على يدها بين يديه قائلًا بأنفاس لاهثة: "ليه غاوية تعذبيني؟ مليكه أنا بحبك بقالي أكتر من ١٠ سنين، من وأنتِ في الثانوي بحاول أقنعك وأنتِ مفيش فايدة فيكي." *** في ذات الوقت...
كان نوح يتجه نحو سيارته مع زوجة والده لكن تجمد في مكانه يهتز جسده بغضب عندما رأى مليكه تقف مع أحد الرجال بموضع حميمي، فقد كان هذا الشاب يمسك بيدها بين يديه. تسلطت نظراته المظلمة فوق يد هذا الشاب التي كانت تلتمع بها خاتم خطوبة. شعور من الضيق سيطر عليه وفكرة تضرب برأسه كالصاعقة، أهي مخطوبة لهذا الشخص؟ أفاق من أفكاره تلك على صوت زوجة والده التي هتفت بقلق عندما رأته لا يزال واقفًا بمكانه ووجهه مكفهر:
"نوح مالك يا حبيبي في حاجة؟ أجابها بهدوء بينما يصعد إلى السيارة بجانبها: "لا أبدًا مفيش حاجة." ثم أشار للسائق لكي ينطلق بالسيارة. انتزعت مليكه يدها من يد عصام هاتفة بقسوة: "عصام يا ريت متنساش حدودك في تعاملك معايا. بعدين احترم الدبلة اللي أنت لابسها في إيدك وعيب الكلام اللي أنت بتقوله ده." قاطعها عصام هاتفًا بإلحاح:
"مبحبهاش ولو خطبتها فخطبتها علشان أحاول أنساكي ومش عارف بكلمة منك دلوقتي هتخليني أسيبها وأسيب الدنيا دي كلها علشانك." همست مليكه بصوت مرتجف ضعيف وهي تبتعد عنه: "إحنا أخوات يا عصام مش أكتر. يا ريت تقول لسما إني خدت تاكسي وروحت." ثم التفتت مبتعدة عنه سريعًا كمن تلاحقها الشياطين متجاهلة نداءه الذي ظل يلاحقها به. *** في اليوم التالي...
كانت مليكه جالسة خلف مكتبها تقطع بغل إحدى الأوراق، فهذه هي المرة الرابعة التي تحاول فيها كتابة هذه الورقة وتفشل بسبب عقلها الشارد. "طبعًا الورقة الغلبانة اللي بتتقطع دي مكان راس نوح الجنزوري مش كده؟ رفعت رأسها بحدة عندما سمعت هذا الصوت الساخر لتجد رجلًا في عقده الثالث يستند بإهمال إلى باب الغرفة وفوق شفتيه ترتسم ابتسامة لعوبة، مد يده إليها عندما رآها تنظر إليه بارتباك. "منتصر أمين... تقدري تقولي الدراع اليمين لنوح."
ليكمل وهو يغمز لها بعينه: "وابن خالته، واسطة يعني." انفجرت مليكه بالضحك وهي تمد يدها تسلم عليه: "أهلًا بحضرتك وأنا... قاطعها بهدوء: "مليكه المحمدي." تلاشت الابتسامة التي فوق وجهها ببطء فبالتأكيد إذا كان الذراع الأيمن لنوح فبالطبع يعلم عنها. أفاقت من أفكارها تلك على صوت منتصر: "سرحتي في إيه كده؟ ليكمل وهو ينحني نحوها لكنها تراجعت للخلف مبتعدة عن يده التي قام بمدها نحوها: "متخافيش."
ليكمل وهو ينتزع إحدى الأوراق التي علقت بشعرها الأشقر الحريري ليسلمها الورقة بيده قائلًا بمداعبة: "أنتِ بتقطعي الورق وبتحفظيه في شعرك؟ انفجرت مليكه ضاحكة غافلة عن نوح الذي كان واقفًا بمدخل مكتبه يراقب ذلك المشهد وجسده ينتفض، صاح بحدة لاذعة: "منتصر! التفت إليه منتصر وهو يهتف: "إيه ده أنت جيت أخيرًا؟ بقالي ساعة مستنيك يا راجل."
وقفت مليكه تراقب بدهشة وجه نوح المتصلب بغضب بينما يتجه نحو مكتبه بينما يتبعه منتصر للداخل مغلقًا الباب خلفهم. هزت كتفيها بلامبالاة فلا يهمها ما الذي أغضبه طالما أن غضبه هذا لن يطالها. *** في وقت لاحق...
كان نوح جالسًا خلف مكتبه ينقر أصابعه بغضب فوق سطح المكتب وذهنه شارد بما أخبره به المحقق الذي كلفه بالأمس بالبحث حول مليكه حتى يعلم إن كانت مخطوبة أم لا، فقد كانت غير مخطوبة، إذًا من هذا الشخص الذي كان يقف معها بالأمس يمسك بيديها كالعاشق الولهان؟ ثم أتى اليوم ليراها واقفة تتغزل بمنتصر وتضحك معه كالعاهرة، ضرب سطح مكتبه بغضب فهو لا يعلم لما يهمه هذا. أو لماذا يغضبه.
سمع طرقًا فوق الباب لتدلف بعدها مليكه إلى الغرفة. أخذ يتأمل فستانها الأسود الذي يلتصق بجسدها مظهرًا منحنياتها التي تخطف أنفاسه. =ده الملف اللي حضرتك طلبت مني امبارح أكتبه على الكمبيوتر.... لكنها ابتلعت باقي جملتها متخذة عدة خطوات إلى الخلف عندما وجدته ينهض من فوق مقعده يقترب منها بخطوات متكاسلة بطيئة، بينما عينيه تلمع بشيء بث الرعب بداخلها.
أخذت تتراجع إلى الخلف لكنها تجمدت بمكانها عندما شعرت بالحائط يضرب ظهرها من الخلف، مما جعلها محاصرة بينه وبين جسد نوح الصلب الذي أصبح يقف أمامها مباشرة، واضعًا ذراعيه فوق الحائط بجانب وجهها محاصرًا إياها. انحنى نحوها ممررًا يده برقة فوق وجهها يرسم ملامحه بإصبعه ببطء. مقربًا شفتيه من أذنها هامسًا بصوت أجش مثير: =إيه رأيك لو نلعب لعبة جميلة مع بعض.... همست مليكه بصوت مرتجف وهي تحاول إرجاع رأسها للخلف بعيدًا عن يده:
=لـ... لعبة... إيه... أبعد إيدك دي.... همس بأذنها مما جعل أنفاسه الحارة تمر فوق عنقها: =هـنلعب عريس وعروسة.. أخذت مليكه تقاومه بقوة محاولة الإفلات من بين قبضته، لكن ما أصابها من ذلك إلا أنه قد شدد من قبضته حولها. همست بصوت مرتعش ضعيف، شاعرة بكامل جسدها ينتفض من شدة الذعر: =أبعد... أبعد عني أنت شكلك اتجننت... لوى فمه بسخرية هامسًا وهو يمرر عينيه فوق جسدها بنظرة موحية: =متقلقيش هتاخدي تمن وقتك مش ببلاش يعني...
وضعت يديها فوق صدره تدفعه بقوة بعيدًا عنها هاتفة بشراسة: =أنت... أنت إنسان مريض أبعد عني بقولك.... أحاط خصرها بأصابعه يعتصره بقسوة حتى تأوهت متألمة بصوت منخفض لم يثر به الشفقة، ليزيد من اعتصاره له أكثر وهو يتمتم بصوت قاسٍ حاد: =إيه هو لازم أكون خاطب أو متجوز زي منتصر واللي كنت معاه امبارح علشان توافقي... شعرت مليكه بالارتباك من كلماته تلك لتعلم بأنه قد شاهدها بالأمس مع عصام. همست بشفتين مرتجفتين: =أنت...
أنت فاهم غلط. أحنى رأسه نحوها متمتمًا بسخرية لاذعة: =طيب ما تفهميني أنتي الصح... أخذت مليكه تراقب شفتيه وهي تقترب من شفتيها لتفهم على الفور أنه على وشك تقبيلها. دفعته في صدره بكامل قوتها التي لا تعلم من أين أتتها. مما جعله يتراجع إلى الخلف عدة خطوات. لم تشعر بنفسها إلا وهي تلطمه بقوة فوق خده بصفعة مدوية. وقفت بجسد مرتجف تراقب بأعين تلمع بالذعر خده الذي احمر بشدة، بينما علامات أصابعها قد ظهرت به.
ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها عندما رأت وجهه قد اسود من شدة الغضب بينما يقترب منها مرة أخرى وعلامات الشر ترتسم فوق وجهه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!