تجلس وحيدة متألمة من فراق والدها الذي تركها لتعيش حياة قاسية. تناجي الله وتدعوه أن يلهمها الصبر على فراقه. فزعت عندما وجدت من يفتح الباب دون استئذان. دخلت زوجة أخيها كأنها عاصفة حلت على المكان. وقفت متخصرة تناظرها وتتحداها أن تعترض على طريقة دخولها. تنهدت ملاك وأشاحت ببصرها بعيدًا عنها، ثم تحدثت: "ألا تعرفين كيف تطرقين على الباب قبل الدخول؟ أليس لديك أدنى احترام لخصوصية غيرك؟ تحدثت غادة بنبرة مستهزئة:
"المنزل منزلي، فلماذا قد أستأذن قبل الدخول؟ فأنتم تعيشون وتأكلون من خير زوجي." ابتلعت ملاك طعامًا مرًا بحلقها. كم أرادت أن ترد عليها، ولكنها لا تريد أن تفتعل مشكلة فيغضب منها أخوها. فتحدثت ملاك قائلة: "لماذا أتيتِ؟ فأنتِ لم تأتي لتذكريني بأن أخي، وضع خط تحت كلمة أخي، هو من يتكفل بنا ويطعمنا. فأنتِ تذكريني دائمًا بتلك الكلمات، فلا أستطيع أن أنساها للحظة." تحدثت غادة بحقد قائلة:
"أذكركِ لأنه لا يتوجب عليكِ نسيان ذلك. فلا يجب أن تنسي معروف أخيكِ تجاهكِ وتجاه هؤلاء. فقد أتيت لأخبركِ بأنني سيدة البيت لا خادمة. فإذا أردتِ تناول الطعام أنتِ وأخواتكِ، فعليكي بتجهيزه." استدارت وتحركت مغادرة ذاهبة باتجاه غرفتها لتبقى بداخلها تهتم ببشرتها وتضع أقنعة التجميل التي اعتادت على وضعها، ولكنها لا تعي بأن الجمال الداخلي أعظم وأجمل بكثير من تلك المظاهر الخداعة.
ما أن غادرت تلك الحية، وقفت لتذهب باتجاه المطبخ وتبدأ بتجهيز الغداء. فما أن انتهت من عملها بالمطبخ، ذهبت لتري والدتها المريضة وتطمئن عليها. طرقت على باب غرفة والدتها وفتحت الباب ودخلت. فوجدت والدتها جالسة على الفراش كعادتها. اقتربت منها وجلست بجوارها وتحدثت قائلة: "كيف حالك اليوم يا أمي؟ تحدثت والدتها وهي ممسكة بكف يدها بين كفيها: "أنا بخير حبيبتي. هل تشاجرت غادة معكِ مجددًا؟ أشاحت ملاك ببصرها بعيدًا
عن والدتها وتحدثت قائلة: "لا، لم نتصاوغ. كنا نتحدث فقط، ولكنكِ تعرفين كم صوتها مرتفع. فهي لا تريد أن يكون هناك صوت أعلى من صوتها. فليهدها الله." تحدثت والدتها بنبرة حزينة قائلة: "ادعوا لها كثيرًا من أجل معتز، فهو مغلوب على أمره." صرت ملاك أسنانها بغضب وتحدثت قائلة: "قلتِ مغلوب على أمره يا أمي؟ أرجوكي لا أريد التحدث في ذلك الأمر حتى لا تغضبي مني ككل مرة نتحدث فيها عن معتز وزوجته."
ربتت والدتها على كفها وقد ظهر الحزن على ملامحها، فتحدثت قائلة: "حبيبتي، لا أريدكِ أن تغضبي من أخيكِ، فهو سيظل أخيكِ مهما حدث بينكما. فليس هناك رابط أقوى من رابط الأخوة." تحدثت ملاك وقد ترقرقتا عيناها بالدموع: "أنا أعرف، ولكنه لا يعرف ذلك ولا يقدر ذلك الرابط بيننا. فأبنكِ يا أمي لا يرى غير زوجته، يعيش من أجل إسعادها فقط. كم تصعب علي نفسي وأنا أراه يدافع عن زوجته ويقف في وجهي أو وجه إحدى أخواته من أجلها."
تحدثت زينب وهي تدافع عن معتز وتلقي باللوم كله على زوجته قائلة: "تلك الفتاة خبيثة. فمنذ أن تزوجت من معتز، وقد قلبت حاله. فمعتز لم يكن ذلك الشخص الذي أصبح عليه أبدًا. فهو ولدي وفلذة كبدي، ويؤلمني قلبي عليه من تلك الحية. لا أعرف إلى أين سينتهي به الأمر. أدعو الله أن يكتشف نواياها الخبيثة في أسرع وقت قبل أن يتأذى أحد من سمها." نظرت ملاك لوالدتها وتحدثت قائلة: "أتمنى ذلك."
رفعت كف والدتها لتلثم قبلة عليه، فوجدت من يطرق على الباب. فدخل ليلقي عليهما التحية وجلس بجوارهما. وقد قرأ الانزعاج على ملامحهما، فتحدث قائلاً: "ما الأمر؟ هل حدث شيء؟ تحدثت والدته قائلة: "لا، لم يحدث شيء. كنا نتحدث في أمور عادية." نظر فارس لوالدته بشك، يشعر بأن هناك شيئًا تحاول إخفاءه. فبالطبع سبب المشكلة تلك الفتاة، فمنذ أن دخلت لبيتهم وهم لم ينعموا بيوم واحد في سلام. فتحدثت والدته لتنتشله من شروده قائلة:
"اذهب وغير ملابسك، وستكون ملاك جهزت لك الطعام." أومأ لها وتحرك ليخرج من الغرفة. فذهب ليغتسل ويبدل ملابسه.
بعد قليل، كان جالسًا على طاولة الطعام يتناول طعامه بمفرده. فاليوم قد أتى مبكرًا. جلس بمفرده ينظر لمقاعد الطاولة الفارغة وقد سدت شهيته، فلم يستطع تناول الطعام بمفرده. تخيل بأن ملاك ووالدته سيتناولان الطعام معه، ولكن والدته أخبرته بأنها ليس لديها شهية، وملاك تعلت بأنها ستنتظر أخواتها. فمي في جامعتها ما زالت لديها محاضرات ولم تأتِ، ونور ونوران لم يأتيا بعد من مدرستهما الثانوية، ومعتز بعمله فهو يأتي بوقت متأخر.
وجد من تجلس أمامه تتفرسه بنظراتها. فلم يعرها أي اهتمام وأبعد بصره بعيدًا عنها. فتحدثت وهي تذرف الدموع قائلة: "فارس، لمَ تعاملني بتلك الطريقة؟ فما لَكَ لا تأخذني كأخت لك؟ صدقني، إذا كنت أتشاجر مع أخواتك، فذلك ليس خطئي بمفردي، فهم أيضًا يخطئون بحقي. وإذا كان معتز يساندني أو يقف بصفي، فذلك ليس خطئي أيضًا، بل هو خطأ أخيك، فأنا لم أطلب منه ذلك."
نظر إليها يرمقها بغضب. وقد اشتعلت عيناها، فهي تجلس أمامه بكل راحة وتدافع عن نفسها وتلقي باللوم على زوجها لأنه يقف في صفها. استقام واقفًا من مقعده وتحدث قائلاً: "صدقتكِ. أنا هكذا أمحو تلك الدموع. فأنا لست معتز لأصدقكِ ما أن أرى دموع التماسيح تلك. ولآخر مرة سأطلب منكِ أن تبتعدي عن أخواتي وأن تتركي ملاك وشأنها."
نزلت دموع عيناها بكثرة أمامه لتستعطفه، ولكنه تجاهلها وتحرك ليذهب. فما أن استدار ليذهب، رفعت يدها لتمحو دموع التماسيح تلك، وابتسامة خبيثة تعلو شفتيها. في مكان آخر، قبل عدة ساعات، في شركة سليم قاسم. دخل للشركة بهيبته المعهودة، فتسلطت أنظار الجميع عليه. فهناك من ينظر إليه بعشق خالص، وهناك أيضًا من ينظر إليه بحقد واضح. فهو يمتلك تلك المجموعة بمفرده دون شريك، مما يولد له الأعداء.
وصل لمكتبه، فاستقبلته سكرتيرته بإبتسامة لعوبة وهي تلقي عليه التحية. فابتسم سليم ورد عليها تحيتها، فهو يعلم ما تريده تلك الفتاة، فنواياها ظاهرة وواضحة. يعلم بأنها تعشق المال وتريد التقرب منه من أجل ثروته، وهو لا يمانع ذلك. فإذا كانت تريد المال، فلتأخذه وليستمتع قليلًا.
طلب منها أن تحضر قهوته ودخل إلى غرفة مكتبه وجلس على مقعده. فرجع برأسه على المقعد يرمقها بنظراته المستمتعة وهي تقترب منه تتمايل في مشيتها تحمل قهوته، فتميل لتضعها على المكتب أمامه. فاقترب منها مبتسمًا بخبث، فتبادله تلك الابتسامة، فكل منهم يفهم نوايا الآخر. في الجامعة، كانت مي جالسة تتحدث مع صديقتها وتخبرها بأنها لم تستطع الذهاب لتلك الرحلة. ولكن صديقتها أصرت عليها وبقيت تحاول معها لتجعلها توافق وتقنعها بالسفر معها.
فتحدثت مي قائلة: "أفهميني يا فتاة، لا أستطيع أن أطلب من معتز شيئًا، وليس لدي الجرأة لأخبره بأنني أريد الترفيه والذهاب لرحلة. سيغضب ويفقد أعصابه، وستنتهز زوجته تلك الفرصة لتعصيه أكثر، وأنا لا أريد ذلك. اتركيني أعيش في سلام وأكمل تعليمي بدل أن يحقق تهديده ويمنعني من إكمال دراستي. فأنتِ لا تعرفين ما ألقاه منه ومن زوجته لأكمل تعليمي فقط." ربتت صديقتها على كتفها قائلة:
"أعلم حبيبتي. فليكن الله في عونك وينصرك على زوجة أخيكِ تلك. فإذا كنتِ لن تذهبي، فلن أذهب أنا أيضًا، سأبقى معكِ هنا." تقربت منها صديقتها فتعلقت بمرفقها تحتضنه وهي تنظر إليها بنظرات محبة. فما أجمل أن تجد صديقًا وفيًا يقف بجوارك في وقتك السوء.
أومأت لها وجلست تنظر للجميع من حولها، ترى مظاهر الغنى ظاهرة عليهم. فكم تكره هؤلاء الأثرياء المدللين، فهم لا يخشون شيئًا وكل طلباتهم أوامر، فلم يعانوا يومًا ولم يتحكم بهم أحد، فهم ولدوا وفي أفواههم ملعقة من ذهب. قطع شرودها صديقتها وهي تخبرها بأنهم تأخروا وعليهم بالمغادرة. فوقفت هي وصديقتها ليغادر كل منهم لبيته، فقد انتهت محاضراتهما.
كان في غرفته يتحدث معها على الهاتف، فلم تأتِ اليوم للجامعة، فهي زميلته وحبيبته، فمنذ أن دخل للجامعة ورآها وقد وقع في حبها. فتحدث بصوت جامد قائلاً: "لمَ لم تأتي اليوم؟ أجابته زينة وهي تستمتع بالحديث معه قائلة: "هل افتقدتني؟ ضحك فارس واضعًا أصابعه في شعره وتحدث قائلاً: "أبدًا. وأنتِ؟ ابتسمت قائلة: "لم تخطر ببالي حتى."
رفع حاجبًا واحدًا مستمتعًا بالحديث معها، ثم انفجر في الضحك عليها. فأين ذهب كلام العشاق. ظل يتحدث معها كثيرًا ولم ينتبه للوقت. فنظر لساعته بالصدفة فرأى بأن الوقت قد مر معها وكأنها دقائق معدودة. فأنهى المكالمة سريعًا، فعليه أن يخرج ليقابل صديقًا قديمًا له وقد تأخر عليه.
في البيت المجاور لبيت الشيخ عبد الله، كانت فتاة تقف في شرفة المنزل تترقب أن تراه صدفة لتملأ عينيها من رؤيته. فهو حب حياتها، تنام وتصحو تحلم بفارس. فترسم أحلام اليقظة معه، فتتخيل نفسها زوجته تعيش في بيته. لمحته يخرج من البيت ويمشي بخطوات مسرعة. فنادت عليه بصوت هادئ يكاد يسمع. فنظر من حوله فلم يجد أحدًا. فتحدثت قائلة: "انظر هنا، أنا بالشرفة."
رفع رأسه ونظر إليها لتتسمر مكانها تبادله النظرات. فكم حلمت بتلك اللحظة التي سيقف فيها بتلك الطريقة، يتمنى أن يراها. وما أن تظهر يغازلها ويغني لها، فيتسلق تلك الشرفة ليتعرف بحبه على طريقة روميو وجولييت. خرجت من شرودها فوجدته يحدثها بجمود قائلاً: "ما الأمر؟ هل تريدين شيئًا يا ليال؟ ارتبكت ليال فلا تجد شيئًا تقوله. أتقول بأنها نادت عليه لتراه فقط ويقف يحدثها قليلًا؟ حاولت أن تبدو طبيعية، فقالت أول شيء خطر على بالها:
"أريد منك خدمة، إذا كنت لا تمانع." تحدث قائلاً: "قولي ما تريدينه، فبالطبع إذا كنت أستطيع أن ألبيها لكِ، فلن أتأخر." قالت ليال بنبرة شبه متوسلة: "أريدك أن تساعدني في دراستي، فأنا لا أستوعب شيئًا مما أدرسه. ووالدي يرفض أن أذهب وأطلب المساعدة من أي أحد، فهل ساعدتني؟ أجابها قائلاً: "ولماذا سيوافق والدي على أن أساعدكِ إذا كان يرفض ذلك من قبل؟ فلماذا سيوافق الآن؟ تحدثت بثقة:
"سيوافق عندما يعرف بأنك أنت من ستساعدني في دراستي، فأنت تعلم كم يحبك ويقدرك." تحدث وهو على عجلة من أمره قائلاً: "حسنًا، أخبري والدكِ، وإذا وافق ليس لدي مانع بمساعدتك. سأذهب الآن، ولكن لا تكرريها مجددًا وتنادي على أحد وتقفي تتحدثي معه. لقد نبهتكِ، في المرة القادمة سأغضب منكِ حقًا ولن أحدثكِ مجددًا." أخبرها بموافقته وتركها ليرحل سريعًا، بينما ظلت هي تنظر في أسره حتى اختفى طيفه من أمامها.
كان هناك من يقف ويشاهد ذلك، وقد التقط لهما عدة صور وهما يتحدثان ويبتسمان لبعضهما البعض، فإذا رأى أحد تلك الصور صدق بأنهم عاشقان. أمسك الهاتف بين كفيه يضغط عليه بغل وحقد واضح، وهو يتوعد فارس بأن لكل شيء وقته المناسب، ووقت تلك الصور لم يحن بعد.
عاد للمنزل في وقت متأخر من الليل، كان الوقت قد تعدى الواحدة ليلًا عندما دخل البيت. كانت الأضواء مغلقة والظلام شديد، فيبدو أن الجميع نيام. نزع سترته بإرهاق واتجه فاتحًا الضوء، فوجد من يجلس على الأريكة ينظر إليه. فتحدث بهدوء جعله يظن بأن معتز قلق عليه قائلاً: "أين كنت حتى الآن؟ ولما لم تخبرني بأنك ستتأخر؟ أجابه بنبرة غير مبالية: "ولماذا قد أخبرك؟ هل قلقت عليّ؟ أشك في ذلك، فأنا لم أعد طفلًا لأخذ منك إذنًا."
استدار ليتركه ويرحل، فأوقفه كف معتز وهو
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!