فارس عبدالله شاب طيب، جاد وصارم بعض الشيء، حنون جدًا على أخواته ويكرس حياته من أجلهن. يتميز بعينين عسليتين وشعر أسود، وبشرة قمحية، ولحية خفيفة تزيد من وسامته، وجسد رياضي طويل القامة. كان يجلس في غرفته يذاكر دروسه، فسمع صوت شجار مرتفع بالخارج. ترك مقعده وهو يهمس لنفسه: "لا، ليس مجددًا. ألا يمر يوم علينا في سلام دون شجار؟ الجيران تشتكي من أصواتنا."
فتح باب غرفته ووقف يستمع لما يحدث، لعله يفهم سبب ذلك. وجد أخاه الأكبر جالسًا بكل أريحية على الأريكة، وكأن شيئًا لم يحدث. نظر إليه يرجوه أن يتدخل، ولكن الآخر أشاح ببصره بعيدًا عنه. تحرك من مكانه بضعة خطوات ووقف يسحبها من معصمها، وهي تأبى وترفض أن تتحرك معه. فتحدثت الأخرى قائلة: "انظري إلي واعرفي مع من تتحدثين أيتها العانس، فأنا سيدتك وتاج رأسك."
استدار ونظر إليها بغضب، يتمنى لو يطلق العنان لنفسه ليُشبعها ضربًا، فلا يستطيع أن يخلصها أحد من بين يديه. نظر باتجاه أخيه الجالس على الأريكة ممسكًا بهاتفه يلعب لعبة ما عليه، ولم يعر الأمر اهتمامًا، كأنه لم يستمع لزوجته وهي تؤنب أخته وتعيرها بأنها عانس. لا يعرف لما تغير أخوه بتلك الطريقة منذ أن تزوج، فلم يرَ غير زوجته ولم يستمع لأحد غيرها.
سحب أخته من معصمها وأدخلها لغرفته، ثم أغلق الباب خلفه واستدار إليها. رأى دموع عينيها المتساقطة بغزارة على وجنتيها. فرفع كف يده وأخذ يمسح دموعها، ولكنها لم تتوقف عن البكاء. فاحتضن رأسها بين كفيه، وقد امتلأت عيناه بالدموع على حال أخته وحبيبة قلبه. فحاول أن يتماسك أكثر وتحدث قائلًا: "لا تبكي، يجب عليكِ أن تكوني أقوى من ذلك، وكوني على يقين بأنكِ أجمل فتاة رأتها عيني، وأن الله سيعوضكِ بشيء جميل يبكيكِ فرحًا. فلا تعيري كلامها أي اهتمام."
تحدثت من بين أسنانها ودموعها تمحو الرؤية من أمامها: "ولكني لم أفعل لها شيئًا، صدقني، بل هي من تريد أن تتشاجر معي دائمًا لتسمعني تلك الكلمات التي تمزقني من داخلي. ألم تعلم بأن الزواج نصيب ومنحة من الله يمنحها لمن يريد، فلم يأتِ النصيب بعد؟
تحدث بغصة في حلقه قائلًا: "أعلم حبيبتي، أعلم بأنها هي من تفتعل الشجار، فهي تريد ذلك وما يشجعها صمت معتز الدائم على كل أفعالها. ولكني سأتحدث معه ليبعد زوجته ويضع لها حدًا، فأنا لا أريد أن أرى ملاكي حزينًا." ابتسمت له من بين دموعها. فما أجمل أن يكون لديك شخص يحبك ويخاف عليك، يحسسك باهتمامه وأنه موجود لأجلك، حتى ولو كان ذلك الشخص ليس الحبيب الذي تنتظره، بل هي سمة أعظم من ذلك، فهو أخوها وحبيبها.
تركها وخرج من غرفته ليتحدث مع معتز ليوقف زوجته ويضع لها حدًا، لتبتعد عن أخواته البنات وتكف عن الشجار معهم. فلما هو صامت دائمًا ويكتفي بأن يكون في موضع المتفرج؟
لو كانت تلك زوجته هو، لاوقفها عند حدها لتعرف كيف تتحدث مع أخواته. واليوم كان يتوجب عليه أن يُلقنها درسًا ويصفعها عدة صفعات على ما تفوهت به في حق أخته. فيجب عليه أن يعززهم ويرفع من شأنهم، لا أن يدوس عليهم وعلى كرامتهم ويتركهم لزوجته توبخهم وتعيرهم بما ليس فيهما. وقف أمام أخيه الذي لم يبرح مكانه، فما زال جالسًا على تلك الأريكة ممسكًا بهاتفه. فتحدث فارس قائلًا: "معتز، أريد التحدث معك قليلًا. هل تركت الهاتف لنتحدث؟
لم ينظر إليه، فلم يعره أي انتباه، وكأنه لم يتحدث من الأساس. فضغط على أسنانه بغضب وتحدث من بينها قائلًا: "معتز." تحدث معتز بصوت مرتفع قائلًا: "ما الأمر؟ فل تتحدث، قل ما لديك أو انصرف واتركني."
وقف يفكر، يريد الانصراف فالحديث معه لا يجدي نفعًا، ولكن قد قرر أن يواجهه، يتحدث معه، فلن يصمت بعد اليوم على أفعال تلك الزوجة. فتحدث قائلًا: "معتز، كرامة أخواتي من كرامتي، فلا يجب على زوجتك التحدث بتلك الطريقة معهما ومعايرتهما بما ليس بهما. فأبناء الشيخ عبدالله، رحمه الله عليه، لديهم عزة نفس لا تُكسر ولا تُقهر. ولكن زوجتك تتعمد أن تكسر أخواتي وتطلق عليهن ألقابًا مثل العانس التي لقبت بها أختك، وأنت جالس في محلك ولم تعر الأمر اهتمامًا، وكأن من تُؤنب ليست أختك ولا يعنيك أمرها ولا بما تشعر به من حديث زوجتك."
وضع هاتفه بجواره واستدار ينظر إليه بغضب، ثم وقف وتحدث بصوت مرتفع خرج على صداه من بالمنزل جميعًا ليستمعوا إليه، فقال: "أتُحاسبني؟ تكلم، أتحاسب أخيك الأكبر؟ وعلى ماذا؟ على كلمة قالتها زوجتي؟ وما هي إلا حقيقة. هل أخطأت بنعتها بالعانس؟ أليست كذلك؟ لقد أكملت التاسعة والعشرين ولم تتزوج، بل لم تخطب حتى الآن. وتريد مني أن أتشاجر مع زوجتي من كلمة حق قالتها؟
إذا كنت تريد محاسبتي، فحاسبني على ما أجنيه ولم أنتفع به، فأنا أنفق كل أموالي عليكم وعلى تعليمكم. إذا كانت أختك قد تزوجت من ابن خالتك لكنت ارتحت من عبئها ولكان خف الحمل عني قليلًا. فلتسمعني جيدًا، أنا لا أريد التحدث في ذلك الأمر مجددًا، فمن يريد التحدث معي يعمل أولًا ويجني قوت يومه، ثم يأتي ليحدثني ويقف أمامي يحاسبني." تحدث فارس أيضًا بصوت مرتفع، فكم أغضبه حديثه بتلك الطريقة عن أخواته،
فقال: "أكنت تريدها أن تتزوج من ابن خالتك وتكون زوجة ثانية ليخف الحمل عنك؟ تريد رميها لأي كان ليخف العبء عليكي، يا حسرة على أخي الأكبر. لقد تغير وأعماه حبه للمال ليغلق عينيه عن واجباته تجاه أخواته، ويقف يعايرهم بما يفعله من أجلهم، بل ويطالبهم بجني قوت يومهم. شكرًا لك يا أخي على ما تقدمه من أجلي ومن أجل أخواتك."
تحدث معتز قائلًا: "اصمت، فأنا لا أريد فلسفة فارغة. اترك تعليمك وتكفل بأخواتك، فأنا لم يعد بإستطاعتي تحمل كل شيء بمفردي. سأسافر بعد شهرين أنا وزوجتي، فقد وجدت فرصة عمل أفضل في دولة أخرى وسأسافر وأحظى بها. لم أكن أريد أن أخبرك بتلك الطريقة، ولكنك من أصررت على التحدث، فلتتحمل عبء أخواتك بعد مرور تلك المدة. فسأكون كريمًا معكم وأنفق عليكم حتى سفري."
أنهى حديثه، ينظر إليه بنظرة مستهزئة وابتسامة مستفزة ترتسم على محياه. ثم ربّت على كتفه وتحدث قائلًا: "أرني همتك يا بطل." تحرك من مكانه مغادرًا ليذهب لغرفته، تاركًا فارس خلفه ضائعًا وتائهًا. فلم يتخيل بأن أخاه قد يفعل ذلك. هل تلك المعاملة قد تخرج من أبناء الشيوخ؟ فقد ربّاه والده وعلمه على كتاب الله وسنة رسوله، فكيف ينسى ذلك؟ كيف ينسى ما نشأ عليه وزرعه والده بداخله.
وجد والدته واقفة تنظر إليه، فلا تعرف بما تتحدث في تلك اللحظة. أعلى عليها أن تواسيه وتسيء لمعتز وما قاله في حق أخواته؟ فحبه لزوجته ولنفسه قد أعماه. فرفع بكف يده على وجهه يمسح عليه وهو يهمس قائلًا: "يا الله، تلطف بحالي وساعدني لأحافظ على أخواتي البنات."
تحرك من مكانه ليذهب لوالدته ويتحدث معها، فكم يشعر بالحزن والشفقة عليها مما سمعته من ابنها الأكبر. وقف أمامها واحتضنها ليتحدث قائلًا: "لا تقلقي يا أمي، سيكون كل شيء على خير." تحدثت والدته بحدقتين مترقرتين بالدموع: "كيف سيكون كل شيء على خير، وابني يريد السفر بزوجته ورمي مسؤوليته تجاه أخواته عرض الحائط؟ فكيف يمكنك الاهتمام بأربع فتيات ووالدتهم وأنت مازلت تدرس؟ لا، ابتعد عن طريقي، سأذهب وأتحدث معه، لعله ينسى ذلك القرار."
تحدث فارس بهدوء قائلًا: "أمي، اتركيه، لن يسمع لكِ وسيحرجك. اتركيه يفعل ما يراه صائبًا من وجهة نظره، سيأتي عليه وقت ويعترف بخطئه. ولحين وقت سفره، سأكون قد انتهيت من امتحاناتي وسأعمل، فلا تقلقي." أجابته والدته قائلة: "ومن سيسمح لشاب ما زال متخرجًا جديدًا أن يعمل لديه؟ لن تجد عملًا جيدًا وستتعب يا ولدي."
مال على كف يدها يلثمها بقبلة، وقد هربت دمعة وحيدة من جانب عينيه فمحاها سريعًا قبل أن تسقط وتراها والدته. فتحدث قائلًا: "لا تقلقي، فذلك هو قدري." كانت مستلقية على الفراش تبكي وتبكي حتى تورمت عيناها. لا تتخيل بأن أخيها وسندها في الحياة هو من يعايرها ويلقبها بالعانس، بل يريد التخلص منها. أين ذهب رابط الأخوة؟ أين ذهب حنان الأخ على أخته؟ أليس هو في مكانة الأب؟
فتح باب الغرفة فدخلت أختها وشريكتها في الغرفة. فنظرت لأختها بحزن وغضب على حالها. فلما تستمع لهما وتبقى صامتة؟ لما تسمح لهما بالتدخل في شؤونها ونعتها بتلك الكلمة؟ فهي هادئة ومتنازلة عن أبسط حقوقها وهو الدفاع عن نفسها. فجلست بجوارها وتحدثت قائلة: "أفيقي يا فتاة وكفي بكاءً، فليس معتز من يجعلك تبكين، فجميعنا نعلم بأنه شخص أناني لا يحب أحدًا. ملاك، أفيقي حبيبتي ولا تتنازلي عن حقك في الدفاع عن نفسك."
تحدثت من بين دموعها قائلة: "ولكنه سيسافر ويلقي بكل شيء خلف ظهره، وفارس ما زال صغيرًا على تحمل ذلك." تحدثت مي قائلة: "أليس فارس أخي ومعتز كذلك؟ ولكني أقول لكِ بأن فارس سيتحمل ويصمد أمام كل ما سيمر به، فلا تقلقي عليه، فنحن معه ونسانده."
تركت ملاك متسطحة على الفراش كما هي، واستدارت ممسكة بهاتفها وحدثت صديقتها تخبرها بما حدث بين معتز وفارس وأنها تريد مساعدتها لتجد عملاً لها. أملت عليها صديقتها سارة عنوانًا وأخبرتها أن تذهب إليه. شكرتها مي وأغلقت معها المكالمة، واستدارت لتجد ملاك جالسة على الفراش تنظر إليها بصدمة، وكأنها ارتكبت فعلاً شنيعًا. فتحدثت ملاك بوجه مكفهر: "أجننتِ؟ تريدين العمل وترك دراستك؟ لن يوافق فارس وأنا لن أوافقكِ في جنونك هذا."
تحدثت مي بنبرة واثقة: "من قال بأنني سأترك دراستي؟ سأعمل وأدرس في ذات الوقت." تحدثت ملاك بغضب وقد خرج صوتها عاليًا بعض الشيء: "ولكنك ستهملين دراستك ولن تستطيعي التوفيق بينهما." أجابتها مي بهدوء: "لا تقلقي من تلك الناحية، ولكن فكري معي، كيف سنقنع فارس ونجعله يوافق؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!