كانت زينه تغمر وجهها بكلتا يديها وتبكي بحرارة، فلم تكن تتوقع ما فعله فارس معها. فما أن ذهب فارس حتى اقتحم والدها غرفتها وأمسكها من خصلاتها بقوة كادت أن تقتلعها بين أنامله، وهو يوبخها ويوجه إليها الكثير من الصفعات القوية لتشعر بوجنتيها تتشقق من قوة صفعاته. فلقد كان غاضبا بشدة لا يعرف ماذا يفعل بها لينفس عن غضبه، أراد قتلها فموقفه صعب، كانت دماءه تفور وهو يستمع لحديث الشاب، ولكنه تبجح وأخطأ فيه ليداري موقفه وكبريائه
الذي قد صار بالأرض بسبب ابنته التي دعست عليه بقدميها، ولم يعنيها كرامة والدها ولا هيبته أمام الناس والمجتمع لتطلب من شاب الزواج منها بل تهدده، وكأنها فتاة ناقصة فارغة العين لم تري في حياتها تربية. بعدما انتهى منها أخذ منها الهاتف والحاسوب وأخرج أي شيء من الغرفة قد يساعدها على التواصل مع أي أحد خارج حدود تلك الغرفة، ثم أغلق الباب بالمفتاح ووضعه في جيبه، ووقف يهدد زوجته ويوبخها على ما وصلت إليه ابنته، وأين كانت هي أمها
والرقيب عليها. فأخبرها وهو يغادر البيت إن اقتربت من باب الغرفة أو حاولت أن تفتحه لها سترى منه ما لم تراه يوما، ولن تسمى له زوجة بعدها. وصل فارس للحي فوقف واتجه ناحية منزله، ولكنه وقف فجأة والتفت ينظر
ناحية منزل عائلتها وهمس: (( لقد حان الوقت المناسب لبداية حياتي واقتناص الفرص التي يمن علي بها الله لعله يتحسن قدري وأحظى ببعض من السعادة والراحة. ) ) تحرك عدة خطوات ناحية منزل عائلتها ووقف يطرق على الباب، ليفتح له والد ليال وهو يرحب به ويدعوه للدخول. دخل فارس للمنزل وجلس يحاول أن يبدو مرتاحا، فهو يمر بضغط عصبي ونفسي تلك الفترة لما عاشه من مواقف سيئة، فقال بتلعثم مبررا:
(( عمي لقد أتيت لأخذ ليال، فلقد كان هناك سوء تفاهم بيننا وتم حله، ذلك طبعا بعد موافقتك. ) ) تحدث والدها برزانة وهدوء قائلا: (( لن أسألك عن ما حدث بينكما، فما بينكما أريده أن يظل بينكما ولا يعلم أحد بشأن مشاكلكم معا، ولكني أريد منك أن تعدني بأنك لن تحزنها وتتركها تآتي إلينا مجددا على تلك الهيئة التي رأيتها عليها. ) أغمض عينيه وقال بإنهاك: (( أعتذر عن مجيئها إليك بتلك الهيئة، وأعدك بأنها لن تتكرر مجددا. )
) تجولت أنظاره في المكان يبحث عنها ليجدها تقترب منهم، ليخبرها والدها أن تحضر نفسها وتذهب مع زوجها لمنزلهم. أومأت له بطاعة ووقفت من مكانها لتبدل ثيابها وتذهب معه. أخذها فارس وعاد لمنزلهم، فما أن دخل للمنزل طلب منها أن تدخل لغرفتهم وهو يخبرها بأنه سيذهب ويرى والدته أولا، وافقته واتجهت نحو الغرفة بينما هو ذهب ناحية غرفة والدته، ووقف يطرق على الباب ثم دخل وجلس بجوارها يطمئنها ويسرد لها ما حدث معه اليوم، وأنه ذهب لمنزل
زينه وكيف كان تصرف والدها، ثم أنهى حديثه وهو يخبرها بأنه أحضر ليال معه للمنزل وأنها الآن في غرفتهم. فرحت والدته وطلبت منه أن يذهب لغرفته وينعم بالراحة بعد يوم شيق ومتعب، فوقف فارس وهو يتمنى لها ليلة سعيدة وخرج مغادرا لغرفة والدته متجها ناحية غرفته. وقفت في غرفتها واتجهت لخزانة الملابس فأخرجت منها قميصا قصيرا لترتديه، أنهت تجهيز نفسها لتشعر بالتوتر يجتاحها، فبدأت تدور في الغرفة بدون هدف وهي تفرك يديها بتوتر بانتظاره،
تضرجت حمرة الخجل في وجنتيها. ما أن فتح الباب ودخل ثم أغلق الباب خلفه جيدا وأدار المفتاح به عدة دورات، ثم التفت ينظر إليها وأخذ يقترب منها بخطوات بطيئة، فما أن وقف أمامها مال ليغمر شفتيها بقبلة شغوفة، فرفعت ذراعيها وتعلقت بعنقه وهي تحاول أن تجاريه في قبلته. ابتعد عنها قليلا وترك
شفتيها وقال بثبات وكبرياء: (( هل اشتقتي لي؟ ) خجلت ليال وتململت بين ذراعيه تحاول الابتعاد عنه، ولكنه لم يسمح لها بذلك، يشعر برغبة ملحة في الاقتراب منها فهو يشتاق إليها، فعاد يقبلها من جديد. رفعت كفيها تضعهما على صدره لتدفعه عنها برفق وهي تسأله: (( ما الذي حدث مع تلك الفتاة جعلك تأتي وتأخذني اليوم؟ فبالأمس أخبرتني أن أبقى بمنزل عائلتي لعدة أيام، هل انتهى الأمر أم ماذا؟ ) ازدرع ريقه قبل أن يقول بحنو وعاطفة:
(( لقد انتهى الأمر، فلا تشغلي بالك به وكوني مطمئنة، فأنا لن أسمح لأي امرأة أن تقترب مني ولا أن تستحوذ على عقلي وقلبي غيرك. ) ) أردفت ليال وهي تنظر بداخل عينيه قائلة بإصرار وعناد: (( هل ذلك اعتراف منك بحبك لي؟ ) صمت فارس مطولا فهو لا يريد البوح بما في قلبه لربما كان مخطئا، فقالت ليال بغضب حارق:
(( لا أصدق بأنني فتاة بلهاء تخيلت للحظة بأنك ربما تكون تغيرت وشعرت بأي شيء تجاهي، لم يكن علي أن أشعر بالأمان العاطفي معك أبدا. ) ) كانت تهم بالابتعاد عنه فأمسك بيدها يجتذبها لصدره معانقا إياها بقوة رغم تعنتها ورفضها في البداية، فدفنت ليال وجهها في صدره تبكي وتشتكي له منه، خفتت شهقاتها إلا من نشيج خافت لتستمع إليه وهو يهمس بخفوت قائلا:
(( أعيش معكِ أحاسيس لم أتعرف عليها قبلًا، أشتاق إليكِ عندما تكونين بعيدة عني فلا أستطيع النوم، أريدك بداخل أحضاني، تستحوذين على عقلي وتتحكمين في تفكيري، أريد قضاء حياتي معك، أنتِ ولا أريد زوجة غيرك، أشعر بجوارك بأنني أملك كنزًا ثمينًا، فإن كنتِ تسمين هذا حبًا فنعم أنا أحبك. )
) كانت تستمع إليه بعينين جاحظتين كادت أن تخرج من محجريهما وهي لا تصدق اعترافه، لتجد نفسها تستسلم إليه كليا جراء ما تفوه به، وبادرت هي بتقبيله لتحجب عنها خجلها وتنعم بدفء أحضانه. عاد والدها بعد ساعتين من مغادرته للمنزل فدب أرضية المنزل بعنف متجها ناحية غرفتها، وأخرج مفتاح الغرفة ووضعه في الباب وأداره ففتح الباب، ووقف يطالعها وهي متسطحة على الفراش متكورة على نفسها ومازالت آثار دموعها تملأ وجنتيها. رماها بنظرة غاضبة تحمل في طياتها الكثير من الازدراء والحقد، ثم صدح
صوته عاليا يقول بتأكيد: (( غدا عقد عقرانك على محسن ابن عمتك. ) ) انهارت ملامحها وهي تستقيم واقفة وصمتت للحظات تستوعب ما نطق به والدها، وهي تفكر لماذا بنت عمتها الذي لا يفكر بشيء إلا بشهوته الهائجة التي لا يمكن كبحها، فهو لا يرى فيها إلا جسدا جميلا يريدها فقط من أجل ذلك، فأقتربت من والدها وتحدثت برجاء من بين دموعها:
(( أرجوك لا تفعلها، سأفعل أي شيء قد يكفر عن خطئي ولكن لا تعاقبني بتلك الطريقة، لا ترميني لابن أختك فأنت تعلمه أكثر مني فأنا لست موافقة. ) ) اختلجت شفتاه ووجد الكلمات تنساب منه بحنق قائلا:
(( ربما هو من يمكنه فعل ما لم أستطع فعله ويعيد تربيتك من جديد، فأنا اعترف بأنني فشلت في تربيتك يا حسرتي عليكِ، لقد أوشكتِ على جلب العار لي، لقد سألت على الشاب وعرفت بأنه شاب محترم معروف عنه في شارعه أنه شهم وصاحب نخوة، لقد استشعرت الصدق في حديثه ونظرة عينيه، لقد بدا محرجا مني، لم فعلتيه أنتِ؟
لقد كسرتِ ظهري، طالما كنتِ شوكة في ظهري، كم تمنيت أن يكون لدي صبي بدلا منكِ ولكنني حمدت الله وشكرته لأنه لم يحرمني ورضاني بكِ فأسميتك زينة لتكوني زينة لحياتي وتنوري أيامي، وياليتني لم أفعل ولم أعطيكِ الحرية الكافية، لقد جعلتني أندم على كل لحظة تركتكِ تتصرفين فيها على راحتك. )
) استدار ليغادر فأسرعت إليه وأمسكت بكفه وركعت أمامه تعتذر منه وتحاول أن تثنيه عن قراره، ولكنه قرر وأخبر بنت أخته بموافقته، فلطالما طلب منه أن يزوجه زينة فكان رده دائما بالرفض القاطع رغبة وإرضاء لها، فتحدث يقول باستياء وهو ينزع كفه منها: (( لست هنا لأخذ رأيك بل لأخبرك فقط من باب المعرفة ليس إلا، وحتى يتم ذلك الزواج ستظلين حبيسة في غرفتك. )
) ثم التفت مغادرا وأغلق الباب خلفه بالمفتاح ثم دسه في جيبه، قاطعت زوجته طريقه إلى غرفته واردت الاعتراض على حديثه مع ابنته فلقد استمعت إليه كليا، ولكنه لم يسمح لها وهو يدفعها بعيدا عن طريقه ويقول من بين أسنانه: (( لا أريد أن أستمع لصوتك، فما لديكِ احتفظي به لنفسك. )
) استمعوا لصوت بكائها وتهشيم مرآتها، بكت والدتها حزنا على ما يحدث مع ابنتها، ولكن والدها لم يتأثر ببكاء ابنته أو ما قد تفعله لتؤثر عليه وتثنيه عن قراره. في الصباح استيقظ فارس على صوت الجلبة في الخارج، فنظر بجواره ليجد مكانها فارغا منها، حل ببصره في الغرفة فلم يجدها، فاستقام واقفا واتجه للمرحاض ليغتسل ويبدل ثيابه. بعدما انتهى خرج من الغرفة ليجد كل ما في المنزل مقلوبا رأسها على عقب، ووالدته جالسة تستريح على مقعد تجفف حبات العرق النابضة على جبينها، وباقي أخواته كل منهم منشغل في تنظيف شيء. فأخذ يخطو ناحية والدته ومال يطبع قبلة على رأسها وهو يلقي عليها التحية، ثم نظر حوله
وسألها وهو يجثي أمامها: (( لما كل هذا؟ ) أخذت والدته نفسا مطولا ثم قالت بخفوت: (( ننظف المنزل من أجل الغد، أنسيت بأن الغد هو عقد قران ملاك؟ أردف بسرعة قائلا: (( لا بالطبع لم أنسَ. ) ) ثم صمت وهو يحول في المنزل يبحث عنها فلم يجدها فقال متسائلا: (( أين ليال؟ فأنا لا أراها. ) أجابته والدته بهدوء قائلة: (( في المطبخ تعد الإفطار. )
) أومأ لها ثم وقف من مكانه متجها للمطبخ، وقف ينظر إليها وهي تعد الطعام فاقترب منها بخفة حتى لا تشعر به، ولف ذراعيه حولها يحتضنها. فزعت ليال وانتفض جسدها فأطلقت صرخة، فرفع كفه ووضعها على فمها وهو يهمس لها: (( لم أتخيل بأنك قد تفزعين لتلك الدرجة. )
) ثم أدارها إليه ونظر بداخل عينيها ومال يخطف منها قبلة سريعة، وهو يخبرها بأنه سيذهب للعمل وربما يتأخر في العودة. أومأت له ورفعت بصرها عنه لتجد ملاك تدخل المطبخ مسرعة لتقف في مكانها محرجة وهي تقول بتلعثم: (( أعتذر، لم أعرف بأنك هنا. )
) ابتعد فارس عن ليال والتفت معطيا لها ظهره وعلى وجهه ابتسامة واسعة، وأخذ يخطو لخارج المطبخ لتبادله الابتسامة، فتجاوزها وهو يغمز لها بإحدى عينيه. كان مالك يحاول انتقاء حلية له ليرتديها في عقد قرانه، فليس لديه وقت للذهاب والاقتناء بنفسه، فطلب من والده أن يساعده ويذهب ليتسوق من أجله ويجلب إليه حليته، فوافق والده من أجله وجلب إليه حليتين ليختار من بينهما. نظرت إليه والدته بحنق وهي ترى سعادته وهو يحاول الاختيار بينهما، فقلبت عينيها وزفرت
أنفاسها بضيق ثم قالت: (( لما تلك الحيرة؟ الاثنين أجمل من بعضهما، فاختار أية واحدة منهما، فأنت ذاهب لحي شعبي لا لفندق سبعة نجوم. )
) لم يعقب على كلامها وأمرها بهدوء فقط أن تساعده في الاختيار، فنظرت إليه بجفاء دون أي تعبير على وجهها ثم وقفت مغادرة وكأنها لم تستمع لحديثه، فربط والده على ركبته وهو يبتسم إليه، فزفر مالك أنفاسه بإرتباك وهو يغمغم بينه وبين نفسه بأن والدته لن ترضى مطلقا عن زواجه من ملاك وستفعل أي شيء لتفرق بينهما. فما أن دخلت والدته لغرفتها جلست وأمسكت هاتفها وأخذت تجري بعض المكالمات، وهي تقسم بأنها لن تترك هؤلاء الناس يأخذون ابنها
منها وتحظى تلك الفتاة رد السجون بالنعيم، بعد أن عاشت حياتها كلها في تقشف فعلي ابنها أن يفقد شيئًا لتنقذه، وقد قررت وما بقي غير أن تنفذ فقط. وقفت تنظر للمنزل من حولها تتذكر حديثه لها الذي ما زال يتردد في عقلها، فما أن انتهى المأذون وانصرف الجميع بعد كتب الكتاب مباشرة اقترب منها وأخبرها بأنه لا يريد رؤيتها ولو صدفة، فلتبتعد عنه قدر الإمكان، فما فعله فعله فقط من أجل إنقاذها من شر نفسها أولا ثم هيئته وهيبته أمام الجميع،
فهي لم تعد تعنيه فشيء. طوال الطريق حافظت زينه على الصمت وهي تشاهد الطريق من زجاج نافذة السيارة، وآثار دموعها ما زالت على وجنتيها مختلطة بزينة عينيها لتشكل هالة من السواد أسفل جفنيها، شعرت بتعرق جسدها رغم برودة الجو وتسرب لها الخوف والقلق مما هو آتي. التفتت برأسها تنظر جانب وجهه وهي تتذكر حديث والدها، فلقد كان قاسي القلب معها، أخبرها بأنه لا يريد رؤيتها مجددا ولو صدفة وأنه زواجها وأنقذها من شر نفسها، وأن محسن هو من
سيستطيع إعادة تربيتها من جديد، فلقد خذلته وكسرته أمام نفسه. تذكرت كيف بكت واستنجدت به ولكنه لم يتأثر أو يهتم لبكائها، فلقد قسي قلبه عليها، ثم تحرك ناحية محسن من صار زوجها وأمره أن يأخذها ويذهب، لينظرها محسن بابتسامة واسعة وهو يتحرك باتجاهه وكأنه يخبرها بأنها قد صارت ملكه وأنه من انتصر في النهاية، فأمسكها من ذراعها وأخذها وغادر لتنهار أكثر وتتساقط دموعها بغزارة على وجنتيها. لم يكلف نفسه عناء سؤالها عن ما يبكيها أو
يطيب بخاطرها ويحاول أن يريحها ولو ببضعة كلمات، ظنا منها أنها قد تكون حزينة على فراق عائلتها، ولكنه لم يفعل فهي تعرف محسن جيدا وتعرف ما ينتظرها معه. عندما وجدته يضيق عينيه وهو ينظر إليها بنظرة لم تفهمها التفتت تنظر من النافذة مجددا، وهي تفكر هل يعرف شيئا مما اقترفته.
هل أخبره والدها؟ لا، بالطبع والدها لن يفعلها ويفشي سرها لأي أحد حتى ولو كان ابن أخته الذي صار زوجاً لابنته. نفضت تلك الأسئلة عنها وهي تتخيل فارس وتتجسد أمامها صورته فسقطت دمعات عديدة شوشت الرؤية أمامها. تضع اللوم عليه فيما يحدث معها منذ أن أخبر والدها، ولكنها لا تستطيع أن تكرهه، أرادته من داخل قلبها. فلما لم يستجيب لها، أين ذهب حبه لها؟ هل تبخر بسهولة هكذا ونسي من أمطرها يوماً بكلمات العشق؟
انتبهت لمن يدفعها في كتفها بقوة وهو يخبرها بأنهم وصلوا لعش الزوجية. كانت تطالعه كالبلهاء وهي تستوعب أخيراً بأنه أوقف السيارة. فزفز أنفاسه بغضب ورفع كفه يفتح أول زرارين من قميصه ثم ترجل من السيارة وهو ينتظر منها أن تفعل المثل. ولكنها ظلت مكانها تنظر إليه بذعر. تجهمت ملامحه وأردف متسائلاً: ((هل ستظلين في السيارة كثيراً؟ انزلي فلقد وصلنا.)
) انتظرت منه أن يعينها على الخروج من السيارة والوقوف، ولكنه لم يفعل. فتحاملت على نفسها وترجلت مغادرة للسيارة. شعرت بأن قدميها لا تستطيع حملها وأنها ستقع في الأرض في أية لحظة، ولكنه لم يعطيها الفرصة لتفكير في أي شيء آخر. عندما أمسكها من ذراعها بقوة ضاغطاً عليه يتحرك للأمام وهو يسحبها معه ناحية المبنى. دفعها بداخل المصعد حتى ارتطم جسدها بجانب المصعد وضغط على رقم الطابق. بعد عدة ثواني مرت عليها وكأنها سنوات، أعلن المصعد
عن وصوله فأمسكها مرة أخرى وخرج من المصعد. فأخرج مفتاحاً من جيبه وأخذ يفتح باب الشقة ثم دفعها بكل قوته للداخل ليختل توازنها وتقع جاثية على الأرض فتثني قدميها أسفلها. شعرت بأن حاد في قدمها ولكنها تحاملت على نفسها واستندت بكفها على الأرض لتقف. بينما وقف هو يطالعها باحتقار. ثم أخذ نفساً مطولاً وتحدث قائلاً:
((انزعي ملابسك.) ) نظرت إليه وهي مأخوذة الأنفاس بتردد، فتحت شفتيها تريد الاعتراض والرد عليه ولكنها لم تنبس ببنت كلمة وظلت واقفة مكانها تستند على الحائط فآلام قدمها تزداد سوءاً. تيقظ بأنها لم تستجيب له فابتسم وهو يقول لها بعتاب: ((خيبتِ ظني، ظننتك ستفعلين ما أطلبه منكِ دون تردد، فعلي الزوجة طاعة زوجها.)
) رفعت زينه كفيها لتدلك رأسها عسي أن تخفف من صداع التوتر وقد تجلى عليها ضيق أشد وهي تطالع نظراته إليها. طال يبادلها النظر دون تعبير واضح فتراجع رأسها للخلف مسترسلة: ((محسن، هل يمكننا الجلوس والتحدث معاً بهدوء؟ ) ظلت عيناه تمتلئ بتفاصيلها وشعر بخوفها وقلقها فرد عليها بانتشاء: ((لا، أنتِ هنا لتفعلي ما أطلبه منكِ فقط ولا يسمح لكِ بالتحدث دون رغبة مني.) فغرت شفتيها وقالت غاضبة: ((ماذا؟ لما أحتاج لإذن منك لا تحدث.)
((لأنكِ لا تستحقين غير ذلك، من تحاول إغواء الرجال واستمالتهم ليس لها الحق في التنفس، ولكن والدك ترافع بحالك وأراد أن يتخلص من عارك فلم يجد أمامه غير أن يزوجكِ مني وأنا لم أخذله ووافقت بعد أن ضغطت عليه وجعلته يخبرني بكل شيء وها أنا قد تزوجت بكِ، ولكن لدي شك بداخلي من أن تكوني عذراء وأريد أن أبرهن ذلك لنفسي.)
) أنهى حديثه وهو يخُو ناحيتها بخطوات واسعة وانقض عليها يحتبسها بداخل ذراعيه ويقتنص من شفتيها. حاولت زينه إبعاده ولكنها لم تستطيع تحريكه قيد أنملة فتقبضت يداها بغضب ودموعها تتساقط من جديد وقد شعرت بالاختناق. ابتعد عنها لحاجتها للهواء ثم رفع كفه عالياً وأنزله بصفعة قوية على وجنتها وتهدج صوته هادراً: ((سأحاسبك على كل ما فعلتِه، ستتمنين الموت في كل لحظة ولكن لن أطولنَه.) قالت بصوت مضطرب حزين:
((لا يحق لكِ محاسبتي على الماضي فأنا لم أحاسبك على ماضيك.) هتف محسن بغضب واحتدام: ((بلِ يحق لي فماضيكِ هو سبب زواجنا، لقد رفضتوني من قبل أكثر من مرة وعندما أخطأتِ أتى والدك إليه مسرعاً وطلب مني أن أتزوجك وأستر عليكِ.) صرخت زينة عليه عالياً بجنون وهي تشعر بالظلم قائلة: ((لما تتستر علي أنا لم أخطأ ولم يحدث شيء بيننا فأنا كما خلقت ما زلت عذراء.) ظل يحدق بها بنفس النظرة ثم أمسكها يجرها خلفه ودفعها لتسقط على الفراش
وهو يقول بجدية اكتنفته: ((سيكون عليّ التأكد بنفسي.) جردها محسن من ملابسها بطريقة قاسية وأخذ يعاملها بأسلوب غير إنساني ينتهك جسدها وكأنه يغتصبها فأغمضت زينة عينيها بحسرة ودموعها البائسة تنساب على وجنتيها الباردتين حتى تمنّت أن تفقد وعيها لتتخلص من هذا الجحيم الذي تعيشه الآن على يدي أبغض الناس لها فلا يبدو له نهاية.
بدأت شمس الربيع الصباحية تنتشر في الغرفة لتدغدغ صفحة وجهه بإحساس دافئ فرمش بعينيه عدة مرات قبل أن يفتح عينيه وهو يشعر بالنشاط والسعادة. رمق بعينيه ساعة يده التي تجاوزت التاسعة صباحاً فأنزل قدميه عن الفراش واستقام واقفاً ذهب ناحية المرحاض فاغتسل وبدّل ثيابه وتحرّك للأسفل حيث والديه ووجدهما يجلسان حول مائدة الطعام يتناولان فطورهما فألقى عليهما تحية الصباح وجلس هو الأخر يتناول فطوره.
أمسكت والدته هاتفها تتصفحه فعقّبت بصوت مرتجف وهي تشاهد تلك الأخبار التي تتحدث عنه وعن تلك الفتاة التي يريد الزواج منها: ((كنت أشعر بأنك لن تتراجع عن قرارك بسهولة تري ما كتب على مواقع التواصل الاجتماعي وكلها أخبار مؤثّرة من صحف مشهورة.) انتشل الهاتف منها ينظر إليه ليجد صورته هو وملاك ومكتوب تحتها مقالة بعنوان "فتاة رد سجون توقع مأمور السجن في شباكها ليخرجها من السجن ويتزوجها".
صدم مالك مما يقرأه وكيف لأخبار مثل هذه أن تتسرب بسهولة هكذا ومن قد يفعلها ويساعد في إشهار معلومات خاصة وضع هاتف والدته أمامه ووقف مسرعاً متجهاً ناحية الجرائد الموضوعة على مائدة صغيرة في صالة المنزل وأخذ يتصفحها بأنامل مرتجفة من كثرة غضبه ليجد خبر زواجه يملأ الصحف كيف وصلوا لصورتهما كيف تجرأوا ولقّبوها بفتاة رد السجون كيف؟؟
رفع كفه المرتجف مثل ارتجاف قلبه على صدره يحاول بعفوية السيطرة على نوبة الخفقان الشديدة التي تنتابه وقد تشوّش عقله عن استيعاب سبب نشر أخبار مثل هذه فشل في الحفاظ على رباطة جأشه لبعض من الوقت ولكنه في النهاية استطاع أن يتحكم في نفسه ويهدأ من خفقان قلبه ولكنه لم يستطع أن يتحكم في غضبه فلقد تطاير الشرر من عينيه ثم أمسك هاتفه وتحدث مع صديق له يريد منه أن يجلب له رقم رئيس الجريدة ثم أنهى المكالمة بينما لحق به والداه فجلس والده ينتظر مالك أن يستوعب ما يحدث ليستطيع أن يتحدث معه ويتواصلا لحل معاً تلك الأخبار التي انتشرت عن الفتاة.
احتلت الصدمة والدته وتمتمت بذهول: ((كيف حدث ذلك وانكشف كل شيء فالصحافة لا تتحدث عن شيء غير زواجك من تلك الفتاة لقد فضحنا.) اندفع مالك بهتاف حانق: ((موقف ومرت به ملاك وقد ظهرت برائتها فلما قد نفضح أمي أرجوكِ لا أريد أن أستمع لحديثك هذا.) قالت والدته بحزم مغيظ: ((موقف مثل هذا يجعلك تفكر في مظهرك أمام أصدقائك وتعيد النظر في فكرة زواجك من تلك الفتاة رد السجون.) وجه نظرة إليها يطالعها بغيظ وصرخ فيها: ((أمي يكفي.)
استدارت والدته ترمق زوجها الذي ما زال جالساً على مقعده يفكر في حل لما حدث بعينين مترقّرقتين بالدموع تريده أن يقف في صفها ويعاتب مالك لتطاوله عليها ولكنه لم يتحدث فهرولت للخارج ولمع بريق الانتصار في عينيها. كان المنزل عند ملاك يشتعل بالنيران فوالدتها كانت تبكي على بكاء ابنتها وتهمس وهي تربط على خصلات ملاك: ((حسبي الله ونعم الوكيل فمن يريد كسر فرحتك يا ابنتي.)
اقترب فارس من والدته يدب الأرض بخطواته الغاضبة ووضع يده على كتفها فرفعت رأسها تنظر إليه من بين دموعها مدّ أنامله وأخذ يمحو دموعها ثم أمسك ملاك من كتفيها يوقفها أمامه وهو يقول بعجز ووهن: ((يكفي بكاء فالجميع يعلم من أنتِ ويعلم أن تلك الأخبار ليست صحيحة.) ازداد بكاؤها وهي تهز رأسها بالنفي قائلة: ((ولكن الجميع قد رأى تلك الأخبار وسيصدّقونها فأنا لست من مستواه هو من طبقة غنية وأنا رد...
لم تستطع أن تكمل كلامها واختنق صوتها بسبب بكائها الشديد فاحتضنها فارس بقوة يريد أن يدخلها بداخل ضلوعه فلا يستطيع أن يؤلمها شيء ولا تجرحها كلمة. استمع لصوت هاتفه يصدح من جيب بنطاله فأبعدها عنه قليلاً وأخرج الهاتف ونظّر شاشته ليجد مالك المتصل أجاب فارس وسرعان ما مدّ لها يده بالهاتف وهو يقول ببشاشة: ((خذي هذا مالك يريد التحدث معك.)
أمسكت ملاك بالهاتف بتردّد وهي تنظر إلى أخيها ليؤمّن لها بالإيجاب فوضعته على أذنها وابتعدت عنه قليلاً فحاولت الكلام ولكن جفّ حلقها شهقت متوجّعة من ألم قلبها عندما استمعت لصوته لتتساقط دموعها على وجنتيها المحترقة وشعرت بنغزة في قلبها.
حاول مالك أن يخفّف عنها ويتحدث معها بضع دقائق فهو يعرف ملاك جيداً يتخيّل كيف سيكون وضعها لذلك قرّر التحدث معها فعندما وجدها لم تجب على هاتفها قرّر الاتصال بفارس وطلب منه إعطاء الهاتف لملاك فما أن استمع مالك لصوت شهقاتها قال برفق: ((ملاك حبيبتي أرجوكِ لا تبكي ولا تفكري في أي شيء مما يذاع فأنا أعرف كيف سأجلب لكِ حقّك من كل من ساعد في نشر تلك الأخبار أريد منك الآن أن تجهّزي وتكوني في انتظاري ليتم عقد قراننا.)
أغمضت ملاك عينيها تصغي لنبرات صوته الرخيمة التي نجحت في فك حزنها وتضفي سحراً على روحها بينما تركها فارس وتحرّك ناحية غرفته فاغتسل وحلق ذقنه ثم فتح خزانته ينتقي قميصاً له شعر بمن تقف خلفه وبنظراتها الموجهة إليه فاستدار لها واقترب منها فوضع جبينه فوق جبينها هاتفاً بتذمّر رقيق: ((لما تناظرينني بتلك الطريقة ولم تحاولي مساعدتي باختيار شيء لأرتديه.) ارتفعت ملاك على مشط قدميها لتقبّل ثغره قبلة سطحية رقيقة قبل أن تتهرّب
منه وهي تقول بعاطفة: ((اعتذر منك فلم أكن أعرف أنك بحاجة للمساعدة.) حام فارس بنظراته على وجهها فهي امرأة دافئة تجعله يفقد صوابه بجوارها فلثَمَها بقبلة شغوفة محبّة وما أن ابتعد عنها طلب منها أن تذهب وتساعد ملاك وأن تكون بجوارها الليلة فربما تحتاج لشيء.
أمسكت مي بهاتفها تطالعه لتجد الكثير من المكالمات الفائتة التي لم تجب عليها وكلها من سليم فزفرت أنفاسها بغضب فهي على مدار ثلاثة أيام لم تذهب للعمل وسليم يحاول الاتصال بها وهي لا تجيب عليه فلا تعرف بما تجيبه وباي شيء ستخبره في تقصيرها بالذهاب للعمل فمنذ أن أخبرته بأنها ستتحدث مع عائلتها وتأخذ له موعداً معهم لم ترد عليه وتخبره بما حدث معها وتركته دون أن تطمئنّه عليها.
شردت للحظات تفكر فيه لربما كان يعتقد بأنها تتعمّد عدم الذهاب للعمل وعدم الرد على مكالمته بينما كان هو يزرع غرفة مكتبه ذهاباً وإياباً بخطوات غاضبة نارية تنهّد ثم وقف مكانه وكتف ذراعيه مردّفاً بما يجيش في عقله: ((أتمنّى لو استطيع خطفها والزواج بها في أسرع وقت فلا تستطيع أن تتجاهلني بعدها وتكون ملكاً لي وتحت طوعي فأنا لا أستطيع الانتظار أكثر.)
في المساء كان مالك يجلس بجوار المأذون ومن الجانب الآخر يجلس فارس وبدأ المأذون في قول كلماته ويردّد وراه كلا من مالك وفارس لينهي حديثه بكلمات مقتضبة "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير". صدح صوت الزغاريد عالياً وقف مالك يحتضن فارس ويربط على ظهره بحب ونظره مثبتاً على من تتلقّى التهاني من أخواتها وابتسامة سعيدة مرتسمة على ثغرها تزيّن وجهها.
ما أن تقابلت أعينهما في نظرة واحدة شعر برجفة تسير بكامل جسدها وشعرت بالخجل من نظراته فلاول مرة تراه يناظرها بتلك الطريقة فنظراته لها أشعرتها بالخجل لتتورد وجنتيها. ما أن استأذن المأذون وذهب تحدّثت والدته بتعالٍ توجه حديثها لمالك قائلة: ((أشعر بأنني لست على ما يرام فهلا أوصلتني للمنزل لأستريح فوالدك لا يستطيع القيادة في الليل.) ضغط مالك على أسنانه بقوة كادت أن تحطّمهم ولكنه تماسك وتحدّث بهدوء يقول:
((الآن ولكن ما زال الوقت مبكّراً للذهاب للمنزل.) أردفت والدته بغضب: ((أخبرتك بأنني لست بخير وقد أكون مريضة.) أومأ لها بالإيجاب ووقف عن مقعده وهو يعتذر من الجميع ويخبرهم بأنه سيذهب من أجل والدته وسيعود في وقت لاحق.
أوصلهما فارس وملاك حتى باب المنزل وما أن غادرت أغلق فارس الباب واحتضن كتف ملاك وهو يبارك لها ويتمنّى لها السعادة بينما كان مالك تفور دماؤه بداخل عروقه من كثرة غضبه من والدته وإحراجها له أمامهم فأوقف السيارة على جانب الطريق وتحدّث بغضب قائلاً:
((كيف تتصرّفين بتلك الطريقة وتتسبّبي في إحراجي هل ترينني طفلاً أمامك لأصدّقك حديثك هذا وأنك مريضة لما تفعلين هذا تستكْثِرين عليّ أن أفرح من قلبي وأجلس مع عروسِي لبضع دقائق فتحجّجتِ بأنك مريضة وتريدين الذهاب للمنزل حقاً لا أعرف ماذا أقول غير أنك تتسبّبين في تعاستي وتؤلمي قلبي.)
قلبت عيناها بغير اهتمام وكأنها لا تستمع إليه استدارت برأسها تنظر من نافذة السيارة الزجاجية زفر مالك أنفاسه المشتعلة وكوّر قبضة يده بقوة حتى صار لونها أبيض فربط والده على ذراعه ويحاول تهدئتَه فأكمل قيادة السيارة دون التفات بحرف آخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!