الفصل 22 | من 29 فصل

رواية ذلك هو قدري الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم موني عادل

المشاهدات
19
كلمة
5,410
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

ما إن وصل مالك للمنزل ترك والديه واتجه لغرفته ولكنه لم يستطع البقاء فيها للحظة أخرى دون أن يتحدث مع والدته، لعله يستمالها ويستطيع أن يحببها في ملاك. فلن يسمح بتكرار ما حدث منذ قليل، وأن تقلل والدته من شأنه وتعامله وكأنه ما زال طفلاً. ولكن عليه أن يفعل ذلك بهدوء، فهي تظل والدته، لربما تشعر بالغيرة من ملاك فتعتقد بأنها امتلكته وستنسيه والديه بسبب حبه لها. يعلم شعور والدته ويقدره، فهو ابنها الوحيد، ولذلك ترفض تعلقه بأي أحد غيرها. ولكنه أيضًا يرفض الاستخفاف بما حدث في منزل ملاك.

فتح باب غرفته وأخذ يخطو خطوات واسعة ناحية غرفة والدته. فما إن رفع كفه يريد الطرق على الباب، استمع لصوت والدته من داخل الغرفة تتحدث مع أحد وتوبخه بصوت مرتفع وقد فقدت أعصابها، قائلة: "هل أنت مغفل؟ لقد طلبت منك تشويه صورة الفتاة وليس تشويه سمعة ابني. لقد كانت الأخبار مسيئة لابني أكثر مما كانت مسيئة لتلك الفتاة." صمتت تستمع للطرف الآخر على الهاتف، ثم قالت بغضب جلي:

"نعم، إذا تطلب منك الأمر نشر أخبار كاذبة، فلتفعل دون التفوه بحرف. لقد حولت لك كل ما طلبته من أموال، فلما لم تنجز عملك كما يتطلب منك؟ كان مالك ما زال واقفًا خلف الباب يستمع لحديثها والشرار يتطاير من عينيه. ففتح الباب مرة واحدة دون الاستئذان. جفلت والدته ما إن رأته وأنزلت الهاتف عن أذنها تنظر إليه بفزع، وارتدت خطواتها للخلف ما إن وقعت عيناها في عينيه ورأت غضبه المرتسم بداخل حدقتيه. فتعثرت بتلعثم: "مالك، ما الأمر؟

هل تريد شيئًا؟ ضيّق مالك عينيه متسائلاً وهو يقترب منها: "هل كنتِ أنتِ خلف نشر تلك الأخبار؟ عندما وجدها تلتزم الصمت ولم تجبه بكلمة واحدة، فأكمل صارخًا: "لما يا أمي؟ ألا تعلمين بأنه بنشر أخبار مثل هذه قد تضرني وتتسببين في نقلي من مكان عملي؟ لهذه الدرجة تكرهين ملاك؟ ترقرقت ملامح والدته، ولكنها تماسكت واكتنفت الجدية ملامحها، وقالت بذهول: "كيف تتجرأ وتتهمني بمثل هذه التهمة؟ فأنت قطعة مني، هل تظن بأنني قد أستطيع أذيتك؟

قد أموت قبل أن أفكر في شيء يضرك. فمن ملأ عقلك بتلك الخرافات عني؟ أليست تلك الفتاة هي من أخبرتك بكل هذه الأكاذيب؟ تغضن جبين مالك بالضيق والغضب، ولكنه عقب: "أتيت لأراضيكِ وأتحدث معكِ وأخبركِ بأنني سأظل أحبكِ طوال حياتي، مهما تزوجت أو أحببت، ستظلين أنتِ حبي الأول ومن تحتلين قلبي، لأن حبي لكِ مختلف كليًا عن حبي لملاك، فليس هناك وجه مقارنة بينكما. فكما قلتِ أنتِ، أنا قطعة منكِ، فكيف أستطيع الابتعاد عنكِ."

ابتسم بحزن بالرغم من غضبه الداخلي، ثم أكمل بنبرة قوية: "ولكن ما إن أتيت لأخبركِ بكل هذا، استمعت لحديثكِ على الهاتف كاملاً وعرفت بأنكِ من فعلت هذا. أرجو منكِ ألا تفعلي شيئًا آخر، فيكفي ما حدث حتى الآن." انتهى من حديثه واستدار يدب أرضية المنزل وهو يكظم غيظه بصعوبة. بينما والدته ارتمت على طرف الفراش جالسة وقد تساقطت دموعها بحزن. لأغضبت ابنها وجعلته يبدو حزيناً،

فهمست مغتصبه: "يجب أن أتحملها ويتسع صدري من أجل إسعاد ابني وليس من أجلها." كانت ملاك بغرفتها تجلس نصف جلسة على فراشها تضع كفها أسفل ذقنها تستند عليه وهي تفكر فيما حدث ولما تعاملها والدة مالك بهذه الطريقة وهي ما زالت لا تعرفها ولا تعرف شيئًا عن طباعها. كانت مستغرقة في تفكيرها، فأقتربت منها مي وما إن جلست بجوارها قالت مباشرة: "هل تضايقتي من تصرف والدة مالك؟

فالمرأة لم تبارك لكِ حتى، وتعللت بالمرض لتذهب. فكم هي قليلة الذوق." شبح ابتسامة مصطنعة مر فوق ثغر ملاك وهي تقول: "لا، لم أتضايق منها، فأنا أعلم بأن ما تفعله بدافع الحب والغيرة على مالك. فهو ابنها الوحيد وهي تشعر بالخوف من فقدانه، فأنا أفهمها جيدًا. هي تشعر بالخوف مني وتريد إبعادي عنه لأنها تعلم كم يحبني ويريدني بحياته، وذلك لا يشعرها بالأمان." صمتت مي بعد أن انتهت ملاك من حديثها لدقيقة ثقيلة قبل أن تقول متشككة:

"كيف ستستطيعين العيش معها في نفس المنزل وتحمل أسلوبها الفظ معك؟ شاب صوت ملاك الشقاوة المريرة وهي تقول: "سأحاول أن أتحملها من أجل مالك."

تراجع رأس ملاك للخلف وقد خيم صمت مطبق بينهما، وكلا منهم تفكر فيما يشغل عقلها وقلبها. تلاشت أنفاس ملاك وهي تطالع هاتفها الذي صدح صوته في الغرفة معلنًا عن مكالمة واردة من مالك. فعافرت لنقل الهواء لرئتيها الضامرة وقد هدأت من ضربات قلبها، فأمسكت بالهاتف تجيبه. فأنسحبت مي تعطيها مجالًا كافيًا بالتحدث مع زوجها على راحتها.

في غرفة نوم منير، سارع يغلق الهاتف ويلقيه على فراشه بقوة والحقد يتوحش في أعماقه تجاه سليم. فها هو سليم يضربه ضربة قاضية كادت أن تفلس شركته. كور قبضته بغضب وهو يضغط على أسنانه بقوة وجذوة الغيرة بداخله تشتعل لتحرقه وتكوي أوردته بلهيبها لتضحي نيرانًا محرقة تسري مسرى الدم في شرايينه، لمجرد مرور خاطر في عقله بأن سليم قد ينتصر عليه في نهاية المطاف ويحظى بها. فالغيرة تتأكله كلما خطر على عقله بأن مي قد تكون لسليم. نظر لجدران الغرفة وقد ترقرقّت ملامحه وهو يطالع صورها المعلقة على الحائط أمامه بنظرة تشع حبًا. يتأمل ملامحها مستغرقًا بشوقه وحسرته وهو يتذكر بأنه لم يستطع أن يراها منذ عدة أيام. فأندلعت النيران المشتعلة في حدقتيه ليصدح صوته متشبعًا

بالغضب: "كيف استطعتِ أن تتوارى عني وتختفي بتلك الطريقة؟ هل تستمتعين بإذلالي ورؤيتي متشوقًا لرؤيتك؟ انتظري قليلًا بعد وسترين بعدها ما سأفعله."

بعدما خرجت من الغرفة لتترك لملاك مساحة كافية لتتحدث مع مالك بإريحية أكثر، فهي تعلم بأن ملاك قد تشعر بالخجل من وجودها معها في نفس الغرفة وقد لا تستطيع التحدث معه أمامها. استمعت لصوت جلبة تأتي من غرفة معتز. شعرت بالفزع وهي تتخيل بأنه ربما أصاب معتز مكروه. ألفت الصوت ليلفت انتباههم، فأسرعت تركض نحو غرفته وأمسكت بمقبض الباب تفتح على عجلة من أمرها وعلامات الفزع والخوف مرتسمة على وجهها. فما إن فتحت الباب تسمرت في مكانها وهي تطالعه واقفًا في زاوية الغرفة مستندًا بذراعه على الجدار بجانبه. أخذت تطالعه بأنفاس مأخوذة. فنظرت لقدميه وهي تغمض عينيها وتفتحهما أكثر من مرة لعلها تتخيل ما تراه. شهقت بعدم تصديق عندما استمعت لصوته يتحدث بتلعثم وثقل لسانه قائلًا:

"أغلقي الباب وتقدمي وسأشرح لكِ كل شيء." جاء ردها اللهف: "ولكن كيف؟ قالت له مي وهي تتقدم منه: "لما تخفي الأمر وتجعله سرًا؟ لما لا تخبرنا بأنك بدأت تستجيب للعلاج وتستطيع أن تخطو ولو عدة خطوات بمفردك؟ هل تتخيل سعادة والدتك عندما تراك واقفًا على قدميك أمامها؟ ما زلت أنانيًا كما كنت دائمًا." أجابها معتز بصوته الحاني ولمعة مميزة ظهرت في مقلتيه:

"لم أتحسن كليًا وأردت أن أفاجئكم عندما أكون مستعدًا لذلك. صدقيني ليست أنانية مني، ولكن كل ما في الأمر أنني أخشى من تلك اللحظة." همهمت مي للحظات ثم قالت بهدوء: "أعتذر منك، لم أقصد أن أنعتك بالأناني، ولكني... صمتت تبتلع ريقها ثم قالت ببشاشة: "لا تقلق، فسأعتبر بأنني لم أرَ شيئًا وأترك الأمر لك لتخبرهم وقتما تشاء." أفرج معتز عن ابتسامة جانبية ثم قال بجدية:

"مي، أريد منكِ أن تجلبي لي عكازات، فأنا أستند على الحائط كلما أردت المشي أو التحرك، فهلا جلبتيها لي؟ أومأت له ثم سرعان ما نهرته، فعليه أن يأمرها وما عليها إلا أن تنفذ. فظلت تتأمله، كم اشتاقت لرؤيته يتحدث ويتحرك أمامها. جلست معه مطولًا في غرفته تتحدث معه في أمور شتى، وكم نسيت الوقت في وجوده. فلأول مرة تشعر بأنها قريبة من معتز إلى ذلك الحد. كم تغير وصار شخصًا آخر.

بعد مرور عدة أيام، كان جميع من في المنزل يستعدون ويجهزون لحفل الزفاف على ساق وقدم. فالكل منشغل بذلك الزفاف الذي سيقام في أكبر وأفخم القاعات. بينما كانت ملاك تشعر بالسعادة والفرح، ولكن ما إن رأت والدتها وعينيها المترقرتين بالدموع انفجرت باكية لتحتضنها والدتها وهي تتمنى لها السعادة المطلقة وتوبخها لأنها لطخت زينتها من أثر دموعها. استمعوا لصوت بوق السيارة بالنار يعلن عن قدوم من ارتجف القلب من أجله. ارتبكت ملاك وهي تنظر

ناحية فارس الذي يقف على عتبة باب غرفتها متسمرًا في مكانه يطالعها وقد لمعت عيناه بدموع حبيسة. قبل أن يهز رأسه يمينًا ويسارًا يحافظ على رباطة جأشه. ثم تنفس الصعداء وهو يقترب منها ومَال ليطبع قبلة أعلى جبينها. ثم وقف بجوارها ووضع ذراعها في ذراعه وخرجا سوياً معًا ليسلمها لزوجها وتستقل سيارة العرس.

بعد عدة دقائق معدودة، كانت القاعة تعج بالشخصيات المهمة والسياسيين ورجال الصحافة الذين يغطون هذا، فلقد دعاهم ليرد لها اعتبارها. بدأ صوت الأغاني والموسيقى يصدح في أرجاء القاعة والكل يشارك العروسين فرحتهما، فهي ليلة العمر. كان الكل يوجه أنظاره ناحية العروسين ليتفاجأوا بمعتز يستند على عكازين ويقترب من ملاك بخطوات بطيئة متعثرة بعض الشيء. انتاب عائلته صدمة جليّة على ملامحهم ووقفوا عن مقاعدهم مسرعين ناحيته ليلتفوا حوله غير

مصدقين ما يرونه أمامهم. فمعتز قد بدأ يتعافى ويستطيع المشي بمفرده. بكت والدتها وهي تحتضنه وتقبل كل شبر من وجهه. ثم تحركوا ناحية ملاك التي كانت تراقص زوجها، فما إن رأت معتز أمامها واقفًا يستند على عكازات، ارتمت عليه تحتضنه وقد تساقطت دموعها، فلم تستطع التحكم فيها في ذلك الموقف. وقفوا جميعًا بجوار بعضهم البعض يحظون بصورة تذكارية في فرح أول فتاة من أبناء عبدالله.

انتهى حفل الزفاف على خير ووصل مالك لمنزله، فما إن ترجل من السيارة وساعد ملاك لتترجل هي الأخرى، مد ذراعه أسفل ساقيها وأخرى حول جزعها. حملها مالك وكأنها لا تزن شيئًا يسير بها نحو جناحه. كانت تشعر بالتوتر والارتباك، بينما هو أخفض نظراته يحدق بوجه زوجته. وسرعان ما شابّت نظراته العبث والشقاوة. انتبهت ملاك على نظراته، أبتلعت ريقها وكلها يرتعش تأثرًا بحرارته التي تلفحها وذقنه الخشن الذي يدغدغها. فهمس لها مالك مصارحًا

وعيناه تنطقان لكلماته: "أخيرًا صرتِ زوجتي، فكم تبدين جميلة وأنتِ ترتدين فستان العرس." ازداد ارتباكها والخجل الذي يلفها وشعرت بقلبها ينبض في كل جسدها. وهي تنظر حولها تجد بأنه وصل لجناحه وأغلق الباب خلفه بقدمه. أجلسها مالك على الفراش وانحنى قليلاً عليها يحاول فتح سحاب فستانها. تذمرت ملاك وحاولت إبعاد ذراعه عنها وهي تقول بتردد: "ابتعد، لابدل ثيابي."

صوّب مالك نظراته الحارة إلى قميصها الكاشف الذي كانت ترتديه أسفل فستان زفافها. تضرّجت وجنتا ملاك بالحمرة الفانية، فاغمضت عينيها تستسلم لطوفان مشاعره.

كانت عائلة ملاك ما زالوا أمام القاعة يبحثون عن مي، فلقد اختفت ولم يجدوا ما قد يدلهم على طريقها. أخبرتهم ليال بأنها تركتها واتجهت ناحية المرحاض لتعدل زينتها، ولكنهم لم يجدوها هناك. شعر فارس بأن الأرض تميد به وهو يحاول الاتصال بها ولا يستطيع الوصول إليها، فهاتفها مغلق. تحدثت والدته تحاول طمأنة نفسها قبل أن تطمئنه: "ربما تكون عادت للمنزل، فنحن انشغلنا مع ملاك وهي كانت تشعر بالتعب، فلذلك عادت لتستريح." أنتابه

الذهول للحظة ولكنه اعترض: "لا، فكيف تكون قد عادت وهي لم تخبر أحدًا منا بأنها ستذهب." أعلن هاتف نورين عن وصول رسالة نصية، ففتحت الهاتف وأخذت تقرأها، فارتجفت شفتيها لا تصدق ما تقرأه وإدراك صاعق اكتنف حدقتيها مما جعلهما يدمعان. أنتشل فارس الهاتف من يديها وتجهمت ملامحه وقد شحب وجهه وهو يقرأ كل حرف من محتوى تلك الرسالة.

دبّت القشعريرة في أطرافه وعقد فارس حاجبيه بحنق غير مصدق ما ورد بداخل الرسالة. فمي لا يمكنها فعل ذلك، ولكن الرسالة التي أرسلت لنورين من هاتفها تخبرها بأنها هربت مع من تحب لتتزوج به. فمشاكل العائلة لا تنتهي وهي تريد أن تجتمع مع حبيبها، وإذا ظلت معهم وانتظرت أن يعطفوا عليها ويقابلوا الشخص الذي تريده سيضيع شبابها في الانتظار. كان وقوع كل كلمة بالرسالة على قلب فارس كالرصاص المغلي يكوي صدره ويمزقه، فكيف استطاعت أن تضعه في ذلك الموقف. تطلعت والدته إليه باستغراب

من حالته وقالت بذعر: "ما الأمر؟ هل حدث شيء؟ هل تلك الرسالة التي وصلت لها علاقة باختفاء مي؟ اقترب منها فارس ليقف أمامها مباشرة وأخبرها بتثاقل بمحتوى الرسالة. اختض جسد والدته بعنف، فأحتضنها فارس وأخذ يشدد من احتضانها وهو يمرر يده على ظهرها ويقبل أعلى رأسها. لتهمس والدته بتوهان:

"لا، ابنتي لا يمكنها فعل ذلك. لقد كانت سعيدة من أجل ملاك وبكت من شدة سعادتها بعودة شملنا من جديد وأن السعادة والفرح أخيرًا قد عرفوا طريقًا لقلبنا وحياتنا. لا أصدق بأن ما تخبرني به قد يخرج من مي."

بينما وقف فارس يفكر بشكل جدي في اخبار الشرطة أو مالك ليساعده في العثور عليها، إلا أنه لا يستطيع التواصل مع مالك الآن، وكسر فرحة ملاك في يوم تتمناه أي فتاة. لا يريدها أن تعلم وتقلق وتنشغل باختفاء مي، لذلك سيتجه للمنزل أولاً ويوصل عائلته ثم يذهب لقسم الشرطة ويقدم بلاغًا بالاختطاف لتتحرك الشرطة سريعًا ولن يخبرهم عن الرسالة التي أرسلت له من هاتف مي حتى يتم البحث عنها والعثور عليها.

كانت واقفة في وسط غرفته تبكي بانهيار وترجوه ليتركها، ولكنه احتضنها عنوة عنها وظل يربت على ظهرها بيد حانية بموازرة. حاولت إبعاده وفك ذراعيه من حولها، ولكنها لم تستطع، فقوته تعادل قوتها بأضعاف. ظلت تنتحب إلى أن أنهكها النحيب والحزن وتراخت عيناها وسكنت بين أحضانه للحظة. شك بأنها قد فقدت وعيها، ولكن شهقات صغيرة ما زالت تتدافع من فمها في غمرة سكونها هو ما جعله يطمئن. فعندما ثقل جسدها عليه وتراخى كاملاً مؤكدًا نومها التام،

رفعها بتروٍ بين ذراعيه ومددها على الفراش ببطء ثم دثرها جيدًا بالغطاء وأغلق الإنارة وأضاء الأباجورة الموضوعة على طاولة بجوار الفراش. ثم جلس بجوارها على طرف الفراش يمرر ظاهر كفه برقة شديدة فوق وجهها الرقيق يرسم نعومته وهو يشعر بدغدغة تسري في وجدانه. مشاعر غريبة عليه، ولكنها محببة. ظل هكذا لدقائق ثم غفى بجوارها.

ما إن أوصل فارس عائلته للمنزل، ذهب مسرعًا لقسم الشرطة ليقدم بلاغًا باختفاء أخته، فكان واقفًا أمام الضابط في القسم بتوتر وهو يخبره بما حدث وكيف اكتشف اختفاءها. طالعه الضابط بنظرات متفحصة ثم أخرج سيجارته كي يشعلها وبدأ يمج منها قبل أن يهتف به بتعالي: "لا يمكنني أخذ كلامك على محمل الجد، فهي فتاة راشدة، ربما هربت مع حبيبها، فأكثر الفتيات تفعل ذلك الشيء ويأتي عائلتها في النهاية يقدمون بلاغًا باختطافهم." قال فارس باستياء:

"لست هنا لأأسألك عن رأيك، لقد أتيت لأقدم بلاغًا، فهذا أبسط حقوقي." مج من سيجارته وهو يحدق بفارس عبر الدخان الذي ينفثه في وجهه وقال بعنجهية: "اذهب من هنا قبل أن أفقد صوابي وأحتجزك لأنك تعديت على ضابط أثناء تأدية واجبه. اذهب وابحث مع من هربت أختك، فنحن لا نستطيع أخذ أية إجراءات قانونية قبل مرور أربعة وعشرين ساعة." لم يتجاوب فارس مع حديثه ليقول بنبرة مهمومة وملامح معتمة ووجع عميق يكتسح بداخله:

"كيف تطلب مني أن أنتظر أربعة وعشرين ساعة وأنا لا أعرف أين تكون أختي أو مع من وماذا سيفعل بها ذلك الشخص؟ هل سيؤذيها أم لا؟

على أثر ما قاله للضابط، طافت تلك الخواطر التي يحاول جاهدًا منذ أن اكتشف اختفاءها ألا يفكر بها حتى لا يفقد صوابه، ولكنه لا يجد حلاً للأمر. فالضابط يطلب منه الانتظار ليمر أربعة وعشرون ساعة ليبدأوا بالبحث عنها. شعر بأنه على وشك السقوط في حفرة عميقة ولا يجد حافة النجاة ليتعلق بها. أغمض فارس عينيه على وخز جسده، لعله ينفض شيئًا من الألم الذي يكتسحه، ثم استدار مغادرًا بعدما أشار له الضابط بكفه أن يذهب. فلم يجد أمامه حلاً غير ذلك. فما إن خرج من القسم أطلق تنهيدة عميقة وهو يخرج هاتفه قائلًا:

"لم يتبق أمامي خيار آخر." أمسك الهاتف وضغط على رقم مالك ثم وضعه على أذنه منتظرًا أن يجيبه. فازدرد ريقه وهو يشعر بأنه في هذه اللحظة في حالة انهيار، ممزقًا من داخله، يعاني نزاعًا مؤلمًا بين الحياة والموت، ممزقًا بين إنقاذ حياة مي وبين كسرة قلب ملاك وأحزانها في ليلة زفافها. كان مالك قد حظي بحمام دافئ وبعد مدة وجيزة وقف يجفف شعره وشعر بها تقترب منه وقد تورّدت وجنتاها في حياء وتلعثمت تنطق بأحرف مبعثرة

قبل أن تبتعد عنه بارتباك: "سأذهب وأستحم."

فما إن التفتت وأخذت تخطو ناحية المرحاض، استمعت لصوت هاتفه يصدح في الغرفة. استغربت ولكنها لم تعر الأمر اهتمام والتفتت مجددًا لتتحرك، بينما مالك أمسك بالهاتف ونظر إليه بملامح غير مقروءة مستغربًا، ولكنه أجابه وهو يتوقع بأن والدة ملاك قد تكون قلقة على ابنتها وتريد الاطمئنان عليها. فما إن ضغط على زر الإيجاب ووصله صوت فارس ونبرة صوته الحزينة علم بأن هناك أمرًا سيئًا يحدث معه. رفع وجهه تجاهها عاقد الحاجبين وهو يقول:

"فارس، اهدأ أرجوك واشرح لي ما الأمر، فأنا لم أفهم منك شيئًا." أسرعت ملاك باتجاه مالك ووقفت بجواره تنظر إليه بانتباه، ثم قالت بشيء من التردد: "ما به فارس؟ هل هو بخير؟ طالعها مالك دون التفوه بكلمة واحدة وهو يصغي لما يخبره به فارس. فأعتراها الخوف والارتباك وهي تستمع لزوجها يقول لفارس بتأكيد: "لا تقلق، دع الأمر لي وأنا سأتصرف. اذهب الآن لمنزلك وكن بجوار عائلتك وأنا سأطلعك على كل جديد."

ثم أنهى المكالمة مع فارس لتسارع بسؤاله عما يحدث مع أخيها، ليخبرها بما حدث لمي، لتهز رأسها نفيًا وقد ارتفع حاجباها بدهشة غير مصدقة ما يقوله، لتبدأ دموعها بالتساقط. ليجذبها لصدره وهو يرفع إبهامه يمحو دموعها ويخفف عنها ما استمعت إليه بشأن أختها في ليلة زفافها. فأجرى عدة اتصالات يطلب من زملائه أن يساعدوه ويبدأوا في تدوين محضر ويأخذوا كافة الإجراءات للبحث عنها، فهي أخت زوجته ولن يستطيع الانتظار لمرور أربعة وعشرين ساعة ليفعلوا ذلك كخدمة له ويبدأوا بالبحث عنها.

ما إن وصل فارس للمنزل، وقف أمام الباب وأخذ نفسًا طويلاً عميقًا ليزفر أنفاسًا أخرى مترسبة في داخله ويربت على قلبه. ثم همس بألم وحرقة: "متى يا قلبي تستريح من العناء؟ فأنا أشعر بآهاتك وصراخك على روح تائهة في سراديب الحياة. فكم هو موجع أن تتصنع القوة من أجل من حولك وبداخلك تتألم بصمت."

كتم فارس تأوهًا متألمًا ورفع كفه يمحو دمعة خانته وتساقطت من طرف عينه. ثم أخرج مفتاح المنزل ووصله بالباب وفتحه ودخل ليتفاجأ بالجميع في انتظاره يبكون ويرجونه بأعينهم أن يطلعهم على أية أخبار عنها. ولكن كل ما قاله وهو ينظر بداخل أعين والدته: "لم أستطع أن أعرف أي شيء عنها وغدًا ستخبرنا الشرطة إذا ما توصلت لشيء."

ثم انسحب مسرعًا دون أن يضيف شيئًا آخر إلى غرفته صافقًا بابها بقوة خلفه ليزداد نحيب والدته وأخواته. بينما معتز يحاول أن يفكر، لربما يتوصل لحل، ولكن الضغط العصبي الموضوع فيه لا يسعفه ليصل لأي شيء. يتذكر حديثه مع مي على مدار الأيام القليلة الماضية وكيف كانت سعيدة بزواج ملاك وبشفائه، فلا يمكنها أن تحزن عائلتها وتهرب هكذا دون سبب وجيه. ففارس لم يرفض زواجها لتهرب مع من تحب، كل ما في الأمر أنه أجل الأمر حتى يمر زفاف ملاك. وقد مرت فترة على حديثها هذا مع فارس، فلما الآن قد تقرر الهرب؟

في الصباح، فتحت جفنيها بتثاقل تأخذ نفسًا عميقًا، ثم سرعان ما بترته حينما شعرت بجسد دافئ يحتضنها وأنفاسه الساخنة تلفح خدها وعنقها المقابل له. اختض جسدها وهي تعتدل جالسة تنظر إليه لتجده مستيقظًا ينظر إليها بحب خالص. فوقفت عن الفراش وهي تقول بإعياء وقد بدأت ضربات قلبها في التصاعد: "ما الذي حدث؟ أجابها وهو يترجل عن الفراش بانزعاج: "لا تقلقي، لم يحدث شيء بعد. فكل ما في الأمر أنني أردت أن أغفو بجوارك." هتفت به مي باعتراض:

"كيف لم يحدث شيء بعد؟ ما الذي تقصده بحديثك هذا؟ أريد العودة لمنزلي الآن." وقف يناظرها ثم هتف بها بجدية: "لا، لن تذهبي لمنزلك، لا الآن ولا فيما بعد، فأنتِ منذ اليوم صرتِ من ممتلكاتي." ضحكت بسخرية ثم قالت بحزم لا يحمل المرح: "كيف تجرأت واختطفتني؟ من أين أتت لك الجرأة لتتحدث بتلك الطريقة معي؟ فأنا لست سلعة تباع وتشترى لأكون ملكًا لأحد." غمغم حانقًا: "بلى، انتظري وسترين ما سيحدث."

بدأت مي تشعر بالخوف منه ومن حديثه المبطن، فهمست بصوت خائف مسموع: "ما الذي تريده مني؟ لما لا تتركني أذهب وتحل مشاكلك بعيدًا عني؟ تنهد ببؤس ثم قال: "ما أريده ستعرفينه فيما بعد، فلما التسرع؟ لا تقلقي حبيبتي، فأنا لن أؤذيك." تغرغرت الدموع بعيني مي، ولكنه لم يعرها اهتمام والتفت متجهًا ناحية المرحاض وهو يدندن بملامح جامدة غريبة لا تشعر من يراه برأفة قلب ولا استسلام، وكأن شيئًا لم يكن. قطع عليهما النقاش

مالك بصوته الرجولي الخشن: "لقد تأخرنا." تغضن جبين والدته بغضب وطالعت مالك جامد الملامح ومشدود التعابير معترضة: "تأخرتما على ماذا؟ لن يخرج أحدًا منكما. لقد تزوجتما بالأمس، هل مللت بتلك السرعة؟ اعترض مالك قائلًا: "أمي، أرجوكي يكفي، لا تتدخلي بيني وبين زوجتي." بينما استهجن والده مما تقوله زوجته فقال: "متى تنوي أن تتركيه على راحته؟ ليقول مالك بعد أن زفر عدة أنفاس كانت تجيش في صدره موجهًا حديثه لوالده:

"أبي، سأذهب لمنزل ملاك لأوصلها أولاً ثم أذهب للقسم، فأختها قد اختطفت بالأمس." اتسعت عينا والدته واستدارت برأسها تنظر من فوق كتف مالك لملاك الواقفة خلفه لتقول بنزق: "أرأيت العائلة التي ناسبتها منذ أول يوم ومشاكلهم تلاحقنا؟ أخبرتك مرارًا بأن تثني عن تلك الزيجة، ولكنك لم تستمع لرأيي."

بهتت ملامح ملاك وراحت في قوقعة شرودها وكأنها تلقت صفعة خيبة لتضاف لخيبات أخرى ما لبثت أن تتجاوزها وتبدأ من جديد مع شخص يحبها كمالك، ولكنها استجمعت رباطة جأشها وهي ترى غضب زوجها وهو يهتف بها: "أمي، قلت يكفي، لما ما زلتِ مصرة على تمزيق قلبي بحديثك؟ طالعته بعدم استيعاب، بينما ضيق والده عينيه شاردًا للحظات قبل أن يتساءل بتعجب: "كيف ومتى حدث ذلك؟ تطلع مالك ناحية والده ثم قال بهدوء:

"حدث بالأمس بعد انتهاء حفل الزفاف، اتصل فارس كي يخبرني بالأمر ويطلب أن أساعده في العثور عليها." نكس والده رأسه بحزن على مي وعم الصمت المشحون في أرجاء المكان للحظات طويلة أخرى قبل أن يكسره والده قائلًا بلا أي مقدمات: "لما ما زلت واقفًا عندك؟ خذ زوجتك واذهب لتكن بجانب عائلتها في تلك الأزمة." ثم أكمل حديثه وهو ينظر لملاك موجهًا حديثه لها قائلًا: "لا تقلقي يا ابنتي، ستجدونها بخير حال."

أومأت له ملاك بامتنان، فالتفت مالك وأمسك بكفها وأخذ يخطو لخارج الفيلا. بينما تحدث والده بغضب يأنب زوجته ويوبخها قائلًا بصرامة: "لما ما زلتِ مصرة على إظهار ابنك وكأنه ما زال طفلاً؟ الفتاة جميلة وعلى خلق ويكفي بأنه يحبها ويريدها، فلما تتحدثين أمامها بتلك الطريقة عن عائلتها؟ أي شخص معرض ليمر بأزمة. عليكي أن تشجعي ابنك ليساعد غيره إذا كان بإستطاعته ذلك، لا أن توبخيه وتأنبيه أمام زوجته وكأنه طفل أخطأ وعليكي توجيهه."

اعترضت على حديث زوجها وقالت بتلعثم: "صدقني، لم أقصد ذلك. كل ما في الأمر أنني انصدمت ولا أريد لابني أن يحرج نفسه ويفعل شيئًا قد يؤذيه في عمله، فلم أنتبه لحديثي. الفتاة وعائلتها، أعتذر منك وأعدك بأنني لن أكررها وسأتركه يتعامل معها كما يشاء." قلب زوجها عينيه غير مصدق ما تعده به زوجته، فهي لم ولن تتقبل ملاك ما دامت من طبقة فقيرة.

وصلت ملاك لمنزل عائلتها ليوقفها جيرانها يباركن لها على زواجها، ثم يسألونها عن ما إن توصلوا لأية أخبار عن مي. استأذنت منهم ملاك وتحركت للداخل لتري عائلتها، فوقفت تطرق على الباب بقوة وتضع إصبعها على الجرس لتفتح لها نورين، وما إن رأتها حتى ارتمت في داخل أحضانه تبكي وتسألها عن والدتها لتخبرها نورين بأنها في غرفتها لم تخرج منها ولم تذق طعم الزاد ولا تكف عن البكاء والدعاء. تركتها ملاك واتجهت لتذهب لغرفة والدته لتراها، ولكن

أوقفها صوت فارس الذي نادى باسمها بصوت مرتفع. فألتفتت تنظر باتجاهه ليقطع الخطوات الفاصلة بينهما وأمسكها من معصمها بقوة يجرها خلفه ناحية غرفته. فدخل وأدخلها معه وأوصد الباب جيدًا بالمفتاح، لتنظر إليه ملاك بغير فهم وما سبب ما يفعله. لتتضايق ملامح ملاك، ولكنها اكتفت بالصمت تنتظر منه أن يتحدث.

ليخبرها فارس باستخفاف: "مع من هربت مي؟ صدمت من سؤاله، ولكنها أجابته ببساطة: "متأكدة بأن مي لن تهرب." انكمشت ملامح فارس بعبوس ثم قال وكأنه يبصق الكلمات: "تعلمين شيئًا لا أعلمه؟ أخبريني ولا تكذبي في حرف. من ذلك الشاب الذي أخبرتني مي بأنه يريد القدوم للزواج منها؟ نظرت إليه بتردد، ولكن حثها فارس بإيماءة خفيفة من رأسه لتخبره، فقالت بعينين دامعتين: "ذلك الشاب الذي أخبرتك عنه يكون مديرها بالشركة." انحسرت ملامح فارس عما

كانت عليه ثم قال بسرعة: "أعطني عنوان الشركة فأنا لا أتذكره." أملت عليه ملاك عنوان الشركة واسم مديرها ليسرع فارس مغادرًا للمنزل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...