الفصل 25 | من 29 فصل

رواية ذلك هو قدري الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم موني عادل

المشاهدات
22
كلمة
5,225
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

عندما سأل معتز عن من يكون ذلك الشخص، واستمع لإجابة سليم عن سؤاله، اتسعت مقلتيه برعب. أدرك الآن ما تفوه به. فغمغم بغضب يكاد يلتهمه وهو يلكزه في كتفه: "ماذا؟ فلتعد ما قلته مجددًا." وهنا وجد نفسه يقول بثقة: "قلت بأنني أنا ومي قد تزوجنا." قال معتز بنفس نبرته الغاضبة والمرتفعة: "أنت تكذب، فلا تنطق اسمها مرة أخرى على لسانك."

جفلت مي على صوت معتز المرتفع واضطربت ملامحها عند رؤيتها لمعتز يندفع ناحية سليم. كانت تنظر لقدميه وهي تشعر بالخوف عليه من سرعة خطواته حتى لا يؤذي قدمه. فما أن وصل أمام سليم، أخذ يكيل له العديد من الضربات، وقد سقط عكازه أرضًا. فترنح وكاد أن يسقط، ولكن سارعت مي تسنده حتى لا يسقط أرضًا. ولكنه نفض ذراعها بعيدًا عنه ورفع كفه يريد صفعها. ولكن تلك الكف التي أمسكت بذراعه لثنيه عما يريد فعله كانت أسرع منه. فرفع بصره يطالعه بقهر وضعف. فلولا إصابة ساقه التي ما زالت تؤثر على حركته، للقنهم جميعًا درسًا لم ينسوه يومًا. فالتفت برأسه بعيدًا عن أنظارهم حتى لا يروا ضعفه وعينيه التي ترقرق بالدموع.

بينما كان فارس يرمقها بصدمة ممزوجة بألم حارق هز كيانه. لكنه قاوم كي يبقى جامدًا. ثم قال بحزم مصطنع يداري فيه صدمته: "لماذا أتيت لهنا؟ اذهبي معه إذا، ولا تريني وجهك مجددًا. لقد خيبتِ ظني بكِ. لقد كنت أدافع عنكِ ولا أصدق حرفًا مما أرسلتيه، ولكن الآن سمعت كل شيء بنفسي. فكيف أكذب أذني وأصدق قلبي؟

أنهى حديثه يضرب موضع قلبه بقبضة كفه وهو يضغط على أسنانه بقوة يكتم غيظه. فكان ذلك ما استطاع النطق به بعد أن منع معتز من صفعها. فقد استمع للحديث الذي دار بينهما كله. فمنذ أن سمع لصوت الجرس، وقف ليرى من الذي أتى لعندهم في ذلك الوقت المتأخر، ليتفاجأ بمي ومعها مديرها. للحظة شعر بالفرح وأراد الاقتراب وإخفائها بين أحضانه ليشعرها بالأمان وأنها في منزلها. فلم يفكر في تلك اللحظة عن سؤالها أين كانت أو مع من. ولكن ما أن تحرك لخطوة واحدة، وقف مكانه وهو يستمع لرد مديرها وهو يخبر معتز بأنه زوجها.

أظلمت ملامح سليم وهو يرى نظرات الحقد مرتسمة على وجوههم. أراد التحدث وتصحيح تلك الصورة، ولكنها حدقته بعينيها بعدم التدخل بينهما. ثم نظرت لفارس وامتقع وجهها. فزمجرت به بعصبية وقهر متشعب في قلبها وروحها:

"صدقت تلك الرسائل وأنا من كنت أثق في نفسي وأراهن بأنك لن تصدق حرفًا مما أرسلته وستعلم بأن هناك ما يحدث معي. لأصدم الآن من رد فعلك وغضبك غير المبرر هذا. فما سألتني حتى عن ما حدث معي وكيف عدت إليكم متزوجة. لقد كسرت بخاطري ومزقت قلبي." أنهت حديثها وغصة في حلقها تشير بإبهامها على صدرها موضع قلبها وانهمرت دموعها مدرارًا كالأنطار الغزيرة. بينما قلبها ينكمش بالألم يكاد أن يقتلها. ظلت تبكي وتبكي.

فنظر إليها معتز بازدراء وتحرك ببطء يرتمي جالسًا فوق الأريكة. ثم رفع كفيه يخفي وجهه بداخلهما ليداري تأثره ببكاء شقيقته. فبعد أن هدأ قليلًا، استوعب بأن مخطئ وتسرع. فلم يعطها فرصة للدفاع عن نفسها. بينما كور فارس قبضتي يده بقوة يحاول التحكم في مشاعره. والتفت برأسه ناحية سليم يطالعه بغضب. فبادله سليم نظراته الغاضبة مما تلقيه مي من سوء ظن. ولكنه قرر عدم التدخل بين الإخوة. استمعت مي لصوت والدتها وهي تقول بلهفة:

"مي حبيبتي، متى عدتِ يا ابنتي؟ ما أن راتها مي حتى اقتربت منها تستنجد بها وتتمنى من داخلها ألا تنبذها. فارتمت في أحضانها لعل حضنها يطفئ لهيب قلبها.

بعد مرور عدة دقائق مرت كالساعات على كل منهم، وما زالت مي بداخل حضن والدتها تبكي بقوة. توجت نظرات والدتها ناحية فارس تريد منه تفسيرًا لغضبه. ولكنه تهرب من نظراتها. فطالعت معتز الجالس على الأريكة على نفس هيئته مهمومًا كأنه يحمل هموم العالم فوق كتفيه. في تلك اللحظة، لا تعرف لماذا شعرت بالخوف. الرجفة تضرب أوصالها. فقال بصوت خرج مهزوزًا:

"فليشرح لي أحد منكم ما يحدث.. ومن ذلك الشخص الواقف ينبعث من عينيه نارًا تكاد تحرق المنزل بمن فيه." أراد فارس الحديث وإخبارها بطريقة جيدة بعض الشيء. ولكن سارع سليم بالاقتراب منها ورفع رأسه لها مبتسمًا بترحيب. بينما قال بصرامة: "سأشرح لكِ ما حدث مع مي من البداية، فأخواتها لا يعطونني فرصة لأخبرهم بالأمر ككل." "أنا أدعى سليم قاسم، وأكون زوج مي." نظرت له والدتها بعدم استيعاب وقد لفتها الدهشة. فقالت: "زوج مي؟ كيف؟

وما الذي يجعلني أصدقك؟ مالت ببصرها تطالع ابنتها المتشبثة بها وهي تقول باستياء: "هل كانت تلك الرسائل حقيقية؟ كنتِ تعنين كل كلمة كتبت بداخلها؟ هرعت مي تنفي بلهفة: "لا، صدقيني لم أقصد أي مما كتبته. فزواجي من سليم كان صدفة." هز فارس رأسه للحظات باستهزاء من حديثها. فكيف للزواج أن يحدث على محمل الصدفة. فأسدل جفنيه ليستمع لصوت سليم وهو يكمل:

"نعم، لقد كان زواجنا عن طريق الصدفة، وبإمكانكم التأكد من زواجنا بسهولة. أما بالنسبة لمي، فهي كانت مختطفة، وبإمكانكم أيضًا التأكد من ذلك في قسم الشرطة. فلقد تم القبض على الجاني." تغيرت ملامح والدتها. فأمسكت مي من كتفيها تبعدها عن صدرها تقول باستياء: "تزوجتِ دون علمنا هكذا بكل بساطة؟ ففيما قصرنا معكِ لتكوني سببًا في جرحنا وكسر هيبتنا أمام الناس؟ هزت مي رأسها للحظات ثم قالت بصوت حزين:

"أمي، صدقيني لم أقصد ذلك، بل كنت مجبرة." كان رد والدتها صفعة قوية على وجنتي مي. ثم طالعتها بازدراء وهي تقول: "اذهبي، هيا اذهبي من أمامي. لا أستطيع النظر في وجهك." شعور دفين بالحزن يتغلغل بداخلها وهو يشاهد ما يحدث لحبيبته مما تسبب به. فهو يعترف بينه وبين نفسه بأنه استغل حالة مي وتلك الفرصة التي أتت إليه على طبق من ذهب لتكون ملكًا له، حتى ولو كانت ستعاني مع عائلتها. فقد هدم الثقة بينهما. تنحنح سليم وقال بخفوت:

"هيا بنا يا مي لنذهب لمنزلي. فأنا أرى بأنه لا أحد هنا يصدق حديثنا. اتركيهم يهدأوا، وفي الصباح بإمكانهم الذهاب للقسم والسؤال هناك، لربما يصدقونا وقتها." رمته بنظرة حزينة. ثم دارت ببصرها في الصالة تنظر إليهم جميعًا تنتظر أي اعتراض منهم. ولكن يبدو بأن خطأها قد حسم كل شيء. فأخذت تخطو ناحيته لتجد فارس يعترض طريقها. ينظر إليها بعينين مشتعلتين: "اذهبي لغرفتك، فأنا لم أسمح لكِ بمغادرة المنزل دون التأكد مما تدعيه."

اختنقت داخل عينيها العبرة، لكن لجمتها بسرعة بإغلاقها للحظات. قبل أن يقول معتز بصوت مثقل بالأسى: "هل تصدقها؟ اتركني عليها حتى ألقنها درسًا لن تنساه ما دامت حية لتعلم بأن وراءها رجال يستطيعون تربيتها من جديد. فيبدو بأننا أخطأنا وتركنا لهم حرية الاختيار في كل شيء لتكون تلك هي النهاية. تأتي للمنزل وفي يدها شخص لا نعلم عنه شيئًا تخبرنا بكل بساطة بأنه زوجها. فما الذي سيفعله أخواتها الأصغر منها ومن المفترض بأنها القدوة؟

شعر فارس بدمائه تفور بداخل عروقه. فتحدث بصوت غاضب مرتفع: "معتز، يكفي. أرجوك لا أريد أن أستمع لكلمة أخرى." زفر أنفاسه الغاضبة. ثم وجه حديثه لمي: "اذهبي لغرفتك، ولا تخرجي منها مطلقًا. فلا أريد أن ألمح طيفك في المنزل." تحركت مي ببطء ناحية غرفتها. ليلتفت فارس ناحية سليم بملامح ممتعضة. ثم قال بغضب: "لما ما زلت واقفًا عندك؟ اذهب، فأنت غير مرحب بك في منزلي."

أطلق سليم نفسًا مكتومًا. ولم يعرف ماذا يقول أكثر مما قاله مسبقًا. فتحرك مغادرًا حتى يترك لهم المجال للاستيعاب. وهو مطمئن على مي، فهم لن يضروها بسوء. فإذا أرادوا ذلك لكانوا فعلوه منذ أن أخبروهم بزواجهم. استدار فارس يطالع والدته. ليجد في عينيها نظرات شفقة عليه وعلى ما يعانيه مع بناتها. فرفع كفه يمسح وجهه وهو يأخذ نفسًا مطولًا. ثم تحرك ناحية غرفته دون التفوه بحرف واحد معها أو مع معتز. لتجلس والدته بجانب معتز تمسد على كتفه وتطيب بخاطره. لعلها تخفف عنه حتى لا تتأزم حالته وتتأثر حالته النفسية بما يحدث فيمرض مجددًا.

دخل فارس لغرفته فوجد زوجته واقفة بجوار الفراش تتجرع من كأس الماء. وما أن انتهت، انشق عنها ابتسامة جانبية وهي تقول: "ما الأمر؟ هل حدث شيء بينك وبين معتز؟ لقد استمعت لصوتك وأنت تتحدث معه بغضب. ولكني فضلت عدم الخروج حتى لا يحرج مني. فبالآخر أنتم إخوة." رفع فارس إحدى حاجبيه مغمغمًا بتوتر: "لقد عادت مي." اتسعت حدقتا ليال. ثم تمتمت له مبتسمة ببشاشة: "حقًا عادت.. سأذهب لأراها."

كانت على وشك أن تتخطاه مندفعة لخارج الغرفة. ولكنه أمسك بكفها يمنعها وهو يقول بوهن: "لا، اتركيها. فلترها صباحًا." كان وجه فارس يزداد احمرارًا من شدة غضبه. فاستشعرت ليال بأن هناك شيء لا تعلمه. فبدأت تربت فوق ظهره بلطف وقالت بخوف عارم: "هلا أخبرتني إذا كانت بخير أم لا؟ وما سبب غضبك هذا؟

صمت فارس مطولًا وتهرب من عيني زوجته. فهو لا يريد الخوض في نقاش آخر لنفس الموضوع. فشعر بساقيه رخوتين كهلام. فتحرك عدة خطوات حتى وصل لفراشه وارتمى عليه يقول برفق: "هلا دثرتني بالغطاء وأطفأتِ الأنوار." فعلت ليال كما طلب منها واستلقت بجواره. تقرب أنفاسها منه تستنشق رائحته الذكية. وقد قررت عدم الضغط عليه في معرفة ما حدث واحترام رغبته في عدم التحدث في الوقت الحالي. فكل شيء سينكشف في الغد.

في منزل كريم، رغم فرط توتره، إلا أنه تحامل على نفسه ورحب بضيوفه يحاول أن يلتمس لهم العذر. فما جعلهم يأتون في وقت متأخر من الليل هو بعد المسافة بين البلدين. فكان جالسًا على الأريكة بتوتر ينظر لنقطة معينة أمامه وهو يتحاشى النظر لخالته وابنتها. فمالت والدته تهمس في أذنه: "انظر لجمال ابنة خالتك." رمى والدته بنظرة غاضبة واحتقن وجهه بالغضب. فوقف يعتذر من خالته ليذهب لغرفته. ولكنها قالت بوجه ممتعض:

"اجلس معًا قليلًا، فنحن لسنا هنا كل يوم. أم جلستنا لا تعجبك؟ زفر كريم بضيق دون أن ينتبه. فلقد كان في أشد استيائه من والدته. فما الذي ترمي إليه والدته؟ هل تخطط لتقريبه من ابنته أختها؟ ألن تكف عن محاولتها هذه؟ فلما تلح وتصر عليه؟ هل هو فتاة تخشى عليه من العنوسة؟ يخشى حقًا من أن تنفذ طاقته ويجاري والدته. خرج من شروده ورفع وجهه لخالته بابتسامة متكلفة وهو يقول بهدوء:

"بالطبع لا، فكم أنا سعيد بزيارتكم هذه. ولكن اعتذر، فلدي عمل في الصباح." اضطربت ملامح والدته وأخبرته بهدوء ظاهري: "لقد نسيت أن أخبرك بأن خالتك أتت للذهاب لطبيبها، وعليك اصطحابها غدًا للمشفى. فلتتغيب غدًا عن العمل." التفت كريم يعلمها بوجه حازم دون أن تهتز منه شعرة: "لما لم تخبريني مسبقًا؟ فأنت تعلمين بأنني لا أستطيع التغيب عن العمل تلك الفترة."

حدقت والدته في عيني ابنها باضطراب جم تكتمه. ثم أشاحت وجهها بعيدًا عنه بنفور. لتقول ابنة خالته بتعنت ورعونة: "بإمكانك الذهاب لعملك. فنحن لسنا بحاجتك. سأذهب أنا ووالدتي بمفردنا." قاطعتها والدتها وهي تقف من مكانها: "لم أكن أعلم بأن زيارتي ثقيلة على قلبك هكذا. سنقضي تلك الليلة فقط، وفي الغد سأذهب للطبيب ثم سأرحل لبلدتي."

"اعتذر يا خالتي، ولكن حقًا لم أقصد شيئًا. فالخطأ خطأ والدتي التي لم تخبرني مسبقًا حتى أستعد وأخبرهم في العمل. فنحن في فترة اختبارات والإجازات صعبة في ذلك الوقت. ولكني سأجد حلاً بإذن الله." أنهى حديثه يقبل رأس خالته. ثم استأذن وذهب لغرفته. لترمقه تلك الفتاة بنظرات مبهمة. وقد أخرجت نفسًا عميقًا بوجل عندما اختفى من أمامها.

في غرفة معتز، لاحظ نظرات عينيها التي تحمل الكثير من الشماتة. فشعر بالاستياء تجاهها، خاصة وأنها تذكره ببشاعته وجحوده. ولكنها هي من صنعت منه ذلك الشخص. فقد خدعته ببراءتها ونظراتها الوديعة. فقال فجأة وهو يناظر وجهها باشمئزاز: "ما الذي تريدينه؟ لماذا لا تتركيني بحالي؟ تغضن جبينها واعترضت بنبرة قاطعة: "لا أريد شيئًا. بل أنت من تريد مني أن تتصرف بتلك الطريقة مع عائلتك لتراني وتتحدث معي. يبدو أنك ما زلت تشتاق إلي."

صدم من حديثها. فصمت للحظات. ولمعت عينيه بحزن. فل طالما حارب عائلته من أجلها وجعلها ملكة لسنوات. ولكن علام حصل في المقابل؟ لقد طعنته في رجولته ودمرت حياته ومستقبله. جعلته شخصًا مستنزفًا، منهك القوى.

اقترب منها معتز وصفعها عدة صفعات قوية. ثم أمسكها من خصلاتها بقوة تكاد تقتلعها وهو يصرخ عليها ويخرج كل ما في مكنونات قلبه من ألم وأهات كتمها بداخله بسبب مرضه. فلم يتركها إلا بعدما شعر بالارتياح من داخله ولو قليلًا. فيا لبجاحتها تقف أمامه تتحدث وكأنها لم تفعل له شيئًا ولم تخنه. وصنعت حاجزًا بينه وبين عائلته. كم يشعر بالقهر والاشمئزاز على كل لحظة عاشها معها تحت سقف غرفة واحدة.

استدار بعيدًا عنها ليجد مي واقفة تنظر إليه بحدقتين مذعورتين. فاغلق جفنيه للحظات ليستمع لصوت غادة وهي تتحدث بإنهاك واستسلام: "لم تتغير. ما زلت كما أنت، تحكم على كل شيء من الخارج ولا تحكم عقلك مطلقًا. فها أنا لم أعد موجودة في حياتك. ولكنك ما زلت تخطئ في حق أخواتك. فلم تحاول أن تستمع لما أرادت مي إخبارك به، ومن ثم تحكم إذا كانت بريئة وفعلت ذلك بإرادتها أم لا. ما زلت وغدًا كما كنت دائمًا."

كان صدره يعلو ويهبط من كثرة تنفسه ووجهه احتقن بالدماء. فاستدار إليها وكله عزيمة بالتخلص منها. ولكنه لم يجدها. ظل يدور ببصره في الغرفة مطولًا، لكنه لم يتمكن من العثور عليها. فأخذ ينادي عليها بصوت جهوري. ولكن كل ما كان يستمع إليه صوت ضحكاتها المرتفع وصداه الذي يتردد في المكان.

ظل يحرك رأسه يمينًا ويسارًا يحاول أن يستيقظ ويفوق من ذلك الكابوس. وهو يتمنى أن أحدًا يساعده على الاستيقاظ. فزع معتز مرة واحدة وفتح عينيه وهو يجلس نصف جلسة على الفراش وعيناه حمراء كالدماء. فأخذ يتذكر ذلك الكابوس. فهو لم يحلم أو يفكر في غادة منذ فعلتها. فلم الآن تزوره في أحلامه وتتحدث بكل تلك الثقة وملامح وجهها تملأها الشماتة؟ شرد يفكر هل حقًا من الممكن أن أكون ظلمت مي؟

عند نطقه لاسمها، وقف من مكانه وقرر الذهاب لغرفتها والتحدث معها بهدوء دون أن ينفعل عليها أو يعنفها. وقف أمام غرفة مي وطرق على الباب عدة طرقات ينتظر منها أن تأذن له بالدخول. ولكنه لم يستمع لشيء. فتوقع بأنها نائمة. والتفت حيث تقبع غرفته مرة أخرى.

بينما في داخل غرفة مي، كانت ما زالت مستيقظة تتسطح على فراشها. والدموع تملأ وجنتيها. فتعمدت عدم الرد على الطارق وتظاهرت بالنوم. فكم صعب عليها عدم استماع أحد من عائلتها لما حدث معها وتكذيبها بتلك الطريقة المهينة. فلم تكن تتوقع ذلك من فارس تحديدًا. توقعت بأنه سيتفهمها ويحتويها ويدافع عنها أمام الجميع. ولكن يبدو بأنها كانت مخطئة. رفعت أصابعها تمحي دموعها التي تشوش الرؤية أمامها.

ظل سليم جالسًا في سيارته أمام المنزل لا يريد الذهاب وتركها بمفردها. وهو يعلم بأنها تعاني وربما تكون مستيقظة الآن. يريد الاطمئنان عليها ومواساتها. ولكن كيف؟ فقد حاول الاتصال بها مرارًا وتكرارًا وهاتفها مغلق. ضرب بقبضته مقود السيارة بغضب وهو يأنب نفسه بأنه من تركها. فلم يتمسك ليأخذها معه لمنزله كأي زوجين. ولكن عليه أن يتراسى وينتظر حتى تتقبل عائلتها الأمر دون أن يحدث مشاكل بينه وبين أخواتها.

في صباح يوم جديد، كانت ملاك تتحدث وتفضي ما تخطط له وتريد فعله على مدار اليوم. غافلة عن حماتها التي كانت على وشك الدخول لغرفة الجلوس. فاستمعت لحديثها مع مالك. فوقفت في مكانها وتوارت خلف الباب تسترق السمع لحديثهم. أغلق زوجها جفنيه يأخذ نفسًا عميقًا يحاول فيه تمالك غيظه. ثم أطلق نفسًا بائسًا. فزوجته لن تتغير. فأقترب منها لتفزع في مكانها وتنظر حولها خوفًا من أن يراها أحد. فأمسكت بكفه تحسه على أن يتبعها. وما أن ابتعدت قليلًا عن غرفة الجلوس التي بها مالك وزوجته.

هدرت بضيق: "لا أستطيع التحمل أكثر. تلك الفتاة تقهرني وتغيظني بتصرفاتها." عقد زوجها حاجبيه وتسأل بود: "ما الذي فعلته ملاك جعلك تظنين ذلك؟ لم نرى من الفتاة غير كل خير." احتقن وجه زوجته بالامتعاض. ثم قالت بانفعال: "تفعل الكثير، ولكني من يتغاضى عن ما تفعله. لقد استمعت لحديثها مع مالك وهي تخبره بأنها ستذهب لمنزل عائلتها وتقضي اليوم معهم لتطمئن على أختها المختطفة. فلقد عادت وعليها الذهاب لترحب بها."

أنهت حديثها بنبرة مستهزئة. بينما كل ما يفكر به زوجها هو معاملة زوجته لملاك. فهي حرفيًا لا تطيقها. يتمنى لو تتقبل زوجته الأمر وتتحدث مع الفتاة بصدر رحب لتخبرها بكل شاردة وواردة في يومها. فقال بهدوء: "واجب عليها الذهاب لمنزل عائلتها والاطمئنان على شقيقتها كما هو واجب علينا أيضًا. فإذا كنتِ لن تذهبي معها فلا تمنعيها واتركيها تتعامل هي وابنك كما يريدون. وارجوك لا تتدخلي بينهم فلا شأن لكِ بحياتهم."

فتحت عينيها على اتساعهما. شاعرة كأن ماء مثلج سكب عليها. فقالت بحنق: "لما أنت قاسي بالحديث معي بتلك الطريقة؟ أكل هذا من أجل تلك الفتاة؟ ولما لأنها تشبه أختك رحمة الله عليها؟ ظل زوجها يطالعها وهو يرى تكرار خطأها مرارًا وتكرارًا. ثم أجابها بنبرة حازمة:

"نعم، سأعاملِك بقسوة من أجلها. لأنها لم تخطئ في حق أي منا. ولأنها كما قلتي تذكرني بشقيقتي. عليكي بمحو تلك الصورة التي تحتفظين بها بداخلك من ناحيتها. فهي لم تؤذيكِ بشيء، بل كل ما تريده منك أن تتقبليها وتعاملِها جيدًا لتستطيع إسعاد زوجها. فكري بمالك مرة واحدة وكيف سيكون إذا ابتعدت عنه ملاك وتركته. لترتاحي وتريحي."

تركها زوجها. فلم يعد هناك حديث آخر بإستطاعته قوله لها. لقد قال ما يكفي وسيتركها تتصرف كما يملأ عليها قلبها. خرجت ليال من المرحاض بوجنتين حمراوين وعلى وجهها ترتسم ابتسامة هادئة تزداد اتساعًا. فظلت تطالعه بعينين متلألئتين. إلى أن تململ فارس في نومته وهمهم وهو يجلس على الفراش يستند بمرفقيه عليه. ورفع بصره ليفاجأ بها تقف أمامه تطالعه بتلك النظرات التي لم يفهم معناها. فعقد حاجبيه متسائلًا: "لما تقفين هكذا؟ هل أنتِ بخير؟

همهمت له توافق على أنها بخير. فنظر إليها بتشكيك ولم يستطع أن يحيد بنظره عنها. وما أن رأى دموع عينيها تخونها وتنزلق على وجنتيها. ترجل من الفراش ووقف أمامها يحتضن وجهها بين كفيه وهو يقول باستغراب: "ما بك؟ هل فعلت شيئًا ضايقك؟ هزت رأسها نفيًا وردت بخفوت: "لا.. لست متضايقة من شيء." زفر فارس وغمغم وهو يمحو دموعها بأصابعه قائلًا: "وهل تلك الدموع أيضًا بلا سبب؟ ضحكت من بين دموعها وأمسكت بكفه تنزله من على وجنتيها تضعها

على بطنها تقول بعفوية: "هذه دموع الفرح." نظر إليها متسائلًا. بينما هي تمرر يده فوق بطنها تنظر بداخل عينيه تنتظر رد فعله. ظل فارس يطالعها وما أن توصل لتفسير لما تفعله اتسعت عيناه بصدمة. لا يصدق ما تخبره به عينيها في رسالة مبهمة. فتسأل بصوت متحشرج: "حامل؟ تحملين قطعة مني بداخلك أحشائك؟

هزت رأسها بالإيجاب. وهي تبتسم بإحراج. بادلها فارس الابتسامة ومال يقبل وجنتيها مرارًا وتكرارًا وهو متضخم المشاعر. فاحتضنها يعتصرها بداخل أحضانه. وانحسر نظره وهو يفكر فيما هو قادم. وإذا ما كان فرح بمعرفة خبر كهذا أم لا. وما الذي سيحدث في الفترة القادمة. هل سيغير ذلك الطفل قدره ويجعله سعيدًا ومحبًا للحياة أم سيلاقي نفس مصيره؟

تنهد تنهيدة طويلة وهو يبتعد عن ليال بابتسامته الهادئة المعهودة. وتنحنح يجلي حلقه ليخرج صوته طبيعيًا: "اهتمي بنفسك ولا تجهديها. حتى آخذ موعدًا من الطبيب ونذهب لزيارته. ولا تخبري والدتي بالأمر. فأنا أريد أن أخبرها بنفسي لأرى مدى سعادتها." تلألأت عيناها وارتسمت البسمة على شفتيها وهي ترى سعادته مرتسمة على وجهه. فقبل جبينها وهو يتمتم بالدعاء وشكر الله. يتحرك ناحية المرحاض ليغتسل ويذهب للقسم ليعرف حقيقة كل ما يخص خطف مي.

خرج فارس من غرفته بعد أن اغتسل وبدل ثيابه. فاخذ يدب أرضية المنزل بقدميه ذاهبًا حيث غرفة المعيشة ليجد مائدة الطعام معدة وطعام الفطور جاهز. ولكن ليس هناك أحد. نظر حوله بإستغراب وسأل زوجته بنبرة حزينة: "أين الجميع؟ لما لا أرى أحدًا." تجلى الإحباط على ملامحها. فغمغمت:

"أمي ترفض الخروج من غرفتها وأخبرتني بأنها ليس لديها شهية. وطرقت الباب على معتز كثيرًا ولكنه لا يجيب. ومي ترفض الخروج وتقول بأنك من طلبت منها ذلك. ونور ونورين ذهبوا منذ قليل فلديهم امتحانات نهاية العام ولا يريدون التأخر عليها."

تحاشى النظر إليها وهو يشعر بداخله يتمزق. كما يرى تمزق عائلته. وكلا منهم يجلس في طرف بعيد عن الآخر. فقرر بأنه أسلم حل أن يذهب هو الآخر. ومن ثم يحاول إيجاد حل لما يحدث معهم. وبدأ في التحرك ليخرج من المنزل.

تزامنًا مع خروج فارس من المنزل، وصلت ملاك وزوجها. نادى عليه مالك وأوقفه ليرحب بهم. فارس واحتضن ملاك يقبل أعلى رأسها. فوقف يتحدث معهم وهو يخفي خزنه وغصة حلقه. فما أن عرف مالك عن وجهته قرر الذهاب معه. فطلب من ملاك الدخول للمنزل. وهو يخبرها بأنه سيذهب مع فارس للقسم وسيطمئنها على الهاتف. فما عليها إلا أن تظل بجانب عائلتها وتخفف عن مي صدمتها وحزنها. فهو قد علم بكل شيء من صديق له في القسم. ولكنه لم يريد إخبار فارس بشيء. بل يريد أن يستمع بنفسه لما سيخبره به الضابط. استقل سيارة وهو يطلب من الفارس الجلوس بجواره. وبدأ في قيادة السيارة ذاهبًا لوجهته.

في المدرسة الثانوية، خرجت نورين من امتحانها وعلى وجهها علامات الرضا. فوقفت تنتظر نور حتى تخرج هي الأخرى وتطمئن عليها. شعرت بالراحة ما أن رأت تعابير وجهها وعلمت بأنها أجابت على أسئلتها جيدًا. فأردفت لنور باهتمام: "طمئنيني، كيف كان؟ اندفعت نحوها معانقة إياها تخبرها مدى سعادتها لأنها أجابت على جميع أسئلة امتحانها. فكادت أن تنقلب نور

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...