وصل فارس للمنزل في ساعة متأخرة من الليل. بعد أن غادر منزل زينة، ظل يجوب الشوارع يرفض الذهاب للمنزل ورؤية أي أحد. تسلل لغرفته وأمسك مقبضها يفتحه ببطء وهو يراعي ألا يجلب أي صوت حتى لا يستيقظ أحد ويراه على تلك الهيئة المزرية. ما إن دخل الغرفة والتفت ليغلق الباب خلفه، استند عليه بجبينه وهو يشعر بالازدراء من نفسه.
وجد الإضاءة تنير الغرفة، فاستدار ينظر ناحية الضوء المنبعث من الأباجورة الموضوعة على طاولة بجوار الفراش. ليراها جالسة نصف جلسة تنظر إليه بقلق وقد عبست ملامحها. تحدثت تقول وهي تترجل من الفراش ذاهبة ناحية فارس: "انتظرتك كثيراً، فلما تأخرت؟ ما إن انتهت من حديثها، كانت قد وصلت إليه فوقفت أمامه تتطلع إليه. مال فارس وأمسك وجنتيها يقول: "تأخرت في العمل، ثم تمشيت لبعض من الوقت قبل أن آتي."
مالت عليه تستند برأسها على صدره. فتنحنح فارس وأبعدها عنه يقول بابتسامة لم تتعد شفتيه: "سأذهب لأغتسل." عبست ملامح ليال فتمتمت بغيظ يلتهمها: "حسناً." تركها واتجه ناحية المرحاض، بينما هي اضطجعت على الفراش من جديد تحاول النوم. فكما يبدو لها بأن فارس لم يزيح الحاجز الموضوع بينهما حتى الآن.
استمعت لصوت انغلاق المياه في الداخل فعرفت بأنه على وشك الخروج. فلمعت الدموع بعينيها من ثقل ما تحمله بداخل صدرها. كان بصرها مثبتاً على باب المرحاض لتجده يفتحه ويخرج. فظل بصرها مثبتاً عليه إلى أن استلقى بجوارها. وبحركة خاطفة سحبها ناحيته بقوة. أفلتت منها شهقة وحدقته بغضب. فمط شفتيه ببراءة وقال بمغزى بينما يمرر أنامله الرجولية في خصلاتها: "أريد النوم الليلة وأنتِ في داخل أحضاني."
ضحكت ليال بخفوت، ثم سرعان ما استسلمت لسلطان النوم بداخل أحضانه تستشعر أنفاسه الساخنة التي تلفح بشرتها. بينما ظل هو يعاني بمفرده وهو يتذكر ما حدث منذ ساعات قليلة وكيف لم يستطع تذكر أي شيء ولو شيئ بسيط. هل من الطبيعي ألا يتذكر شيء مثل هذا؟ بداخله يقين بأنه لم يجرؤ على فعل ذلك الشئ. لقد ظل مع ليال، من هي زوجته وحلاله، في غرفة واحدة لفترة طويلة دون أن يتجرأ ويقترب منها. فكيف يفعلها في الحرام ومع من؟
من خانت قلبه وتخلت عنه في أصعب أوقاته؟ فهمس فارس بقهر وقد ارتجفت شفتاه، فمال على جبينها يلثمه مطولاً قائلاً: "أعتذر منك."
أمسكت نورين بهاتفها وفتحته لتجد الكثير من الرسائل النصية. بدأت دموعها تنسكب على وجنتيها بصمت وهي تقرأ محتوى الرسائل التي أخبرها فيها بأنه لم يقدم على فعل ما يذاع عنه في المدرسة الثانوية، وأنه لم يتقدم لخطبة أحد. فما سمعته مجرد إشاعات تلاحقه. وبرر لها أنه لم يستطع التقرب منها وشرح الأمر لها خوفاً على مظهرها وسمعتها أمام زملائها. وأنه ينتظر موافقتها ليذهب لمنزلها ويحدث أخاها في أمر ارتباطهما.
رفعت بصرها تنظر للخارج تبحث عن ضوء النهار، فالليل يمر بثقل كالكابوس. طالعت الهاتف مجدداً وبدأت في قراءة محتوى الرسالة الأخرى. فأطلقت نفساً مثقلاً وهي تمسح وجهها بيديها، شاعرة بأنها تفقد تركيزها وهي تهمس بكلماته وتتلمس أحرفها على سطح شاشة هاتفها: "لا تحزني ولا تغضبي، فأنا معك. فكم أحزن لرؤيتك تتألمين بدون صوت كالبحر الساكن. أعلم بأن قلبك يئن ألماً ووجعاً، فاعتذر حبيبتي لأنني تسببت في الألم دون قصد مني."
تسمرت أنامل نورين الممسكة بالهاتف عندما صدح رنينه. وكان كريم هو المتصل. ازدردت ريقها قبل أن تتمتم بشيء من الجزع: "تتوقع مني أن أجيب عليك في أحلامك أيها الخائن."
ظلت تنظر للهاتف ببرود وملامح مبهجة. فوقفت عن فراشها بنشاط وكأن الحياة دبت فيها. فذهبت باتجاه المطبخ وأخذت تعد لها شطيرة بالجبن وهي تدندن. وما إن انتهت، عادت لغرفتها بشطيرتها التي أعدتها وكوب عصير. وجلست على مكتبها تتناولها بشهية مفرطة. بينما اعتدلت نور على فراشها تنظر إليها باستغراب وذهول من تبدل حالها بتلك السرعة. ففهمت بأنه تواصل مع نورين بأي طريقة، لذلك دبت الحياة فيها من جديد. فلم تريد إحراجها وتسطحت على الفراش من جديد وتركتها تستمتع بشطيرتها بسعادة.
في صباح يوم جديد، افترشت فيه الشمس قلب السماء وأدلت بجدائلها الذهبية خيوطاً من الأمل والتفاؤل. استيقظت ليال ما إن شعرت بضوء الشمس المنبعث من النافذة. ففتحت عينيها تنظر لفارس لتجده مستيقظاً وكأنه لم يذق طعم النوم. فرفعت كفها تمسد على وجنته وهي تقول بخفوت: "لما استيقظت باكراً؟ تنحنح فارس وطرق برأسه هارباً من نظراتها المتربصة وهو يقول: "لم أستطع النوم طوال الليل وأنا مستيقظ."
اتسعت عينا ليال لما نطق به وهي تناظره متسائلة إذا ما كان مريضاً، لذلك لم يستطع النوم. فقالت وهي تتحسس جبينه: "هل أنت بخير؟ شاب الارتباك عليه وهو يومئ برأسه. فتحدث متسائلاً: "هل من الطبيعي أن يُنْسَىٰ أمراً هاماً يمكنه أن يغير حياة شخص ما للأسوأ بسهولة، لينام ويستيقظ وهو لا يتذكر شيئاً عنه، وكأنه كان مغيباً أو فاقداً للوعي أو...
نطق آخر جملته بخفوت وأخذ يكررها بداخل عقله لأكثر من مرة وكأنه يحاول استيعاب أمراً ما. فلقد طرأ في عقله شيء آخر. امتقع وجه ليال وأجابته قائلة: "كما قلت أنت، ربما كان مغيباً أو فاقد الوعي، فنسيان أمر قد يغير حياة شخص لا يُنسى بسهولة." ضيق فارس عينيه بخطورة وهو يتذكر وضعه عندما استيقظ ووجد زينة تضجع على الفراش بجواره. تعمق سواد عينيه وعقله يحترق من كثرة التفكير. فهمس بخفوت: "معك كل الحق."
بينما ليال لا تعرف لما نغز الخوف قلبها فجأة لتمتلئ عيناها بالدموع، ولكنها لن تسمح لها بالتساقط الآن. فقالت بضعف حاولت إخفاءه: "سأذهب لأغتسل وأحضر لك الطعام." أهداها ابتسامة وهو يومئ برأسه. فصوبت عينيها في عينيه المعذبتين ترى خشية وقلقاً وكراهية في ذات الوقت. أخذت نفساً قوياً وتحركت تجر قدميها ناحية المرحاض.
بعد القليل من الوقت، كان الجميع ملتفاً حول طاولة الطعام. أمضى فارس وقتاً عصيباً وهو يحاول إظهار أنه على ما يرام وأن كل شيء يصير معه بطريقة جيدة. فتحدثت والدته توجه حديثها لنورين قائلة: "هل أنتِ أفضل اليوم؟
أومأت لها نورين، ثم أخذت تتلاعب بطبقها دون أن تمسه. فتسأل فارس عن ما بها نورين لتخبره والدته بأنها كانت مريضة بالأمس. فوقف عن مقعده وأخذ يقترب من نورين ومال يقبل أعلى رأسها هو يطمئن عليها. ليستمع لصوت رنين هاتفه يعلو. فأخرجه من جيبه وطالع شاشته ليجد زينة هي من تتصل به. فضغط على زر إنهاء المكالمة. فعاودت الاتصال مجدداً. فكرر فعلته بإنهاء المكالمة، ولكنها لم تستسلم. فبعثت له برسالة نصية كتبت فيها:
"لما تتهرب مني ولا تجيب على مكالماتي؟ هل ستتركني أواجه مصيري بمفردي؟ عليك تصحيح خطأك وإلا سأشي بك للجميع وأطلع عائلتك على ما اقترفته بحقي." تقبضت يد فارس تلقائياً وأشاح ببصره بعيداً عن هاتفه. لتقع عينيه على ليال التي تنظر إليه. فشتت نظرها في المكان. ليتنهد فارس ثم قال لمعتز وقد سكن الإجهاد صوته: "هل أنت جاهز لنذهب لجلسة العلاج الطبيعي؟
إيماءة خفيفة كانت رد فعله. ليجر فارس قدميه ناحية مقعد أخيه ليساعده. فرفض معتز وقرر أن يتحرك بمفرده بفعل كرسيه المتحرك. ليوافق فارس واكتفى بالمشي بجواره إلى أن استوقف سيارة أجرة واستقلها. فاطلع السائق عن وجهته.
وصلت مي لمقر الشركة، بينما كان منير يراقبها من داخل سيارته. ينظر إليها بشغف يتدفق في أوصاله وهو يراها امرأة جميلة للغاية تجذبه لها كمغناطيس بشعرها الطويل حالك السواد. وكأنه ليس هناك امرأة في العالم غيرها. فظل يتخيلها وهي تجلس بجواره وتغدقه بالحب. فاخذ يصبر نفسه بأنه لن ينتظر طويلاً وسيحصل عليها. فما أجمل قربها حتى ولو كانت تتشاجر معه. فتحرك بسيارته مغادراً وهو يخطط لكيفية حصوله عليها. بينما صعدت هي لغرفة مكتبها. فوضعت حقيبتها وأخذت ملفاً من درج مكتبها وخرجت متجهة لمكتب سليم.
طرقت على الباب وما إن استمعت لصوته فتحته ودخلت. رفعت عينيها لتذوب بعينيه ونظراته المستكينة تأسرها طواعية. فرسمت ابتسامة جميلة له أسرت قلبه بعنف. ثم خطت مسرعة نحو المكتب ووقفت أمامه تضع الملف على سطح المكتب وهي تعلمه ما يحتويه. شرد سليم ونظره مثبت على شفتيها يتابع حركة شفتاها ليتسلل دفء خفي لجسده. فاقترب منها وهو لا يعير حديثها أي اهتمام ليقول هادراً: "لما تؤجلين الحديث في أمرنا؟
لا أرى سبباً مقنعاً لتأخير ارتباطنا. فأنت تعلمين أنني أحبك وأريد مقابلة عائلتك لنرتبط رسمياً. إلا إذا كنتي لا تبادليني مشاعري وترفضين الارتباط بي." ودت لو تستطيع أن تبوح له بالكثير من كلمات العشق، لكنها لم تفعل لطبيعتها الخجولة. فسالت دمعة على خدها مسحتها على الفور وقالت بصوت مرير وابتسامة معذبة جميلة ترتسم على وجهها: "عما قريب سأطلعك على الموعد الذي يمكنك فيه الحضور ومقابلة عائلتي."
خرج فارس من مركز العلاج الطبيعي وقد طمأنه الطبيب بأنه يرى تحسناً ملحوظاً في حالته الصحية. وطلب منه أن يرجع لطبيب العظام المعالج ليرى وضعه ويخبره أكثر عن تقدم حالته واستجابته للعلاج. فشكره فارس وقرر الذهاب للمشفى ورؤية طبيب العظام. بعد مرور عشرة دقائق كان قد وصل فارس للمشفى وسأل عن الطبيب المعالج الذي يعالج معه معتز وذهب لرؤيته. كشف عليه الطبيب واطلعهم على تحسن حالته بعد أن طلب من معتز تحريك ساقه. ففعل دون مساعدة من أحد. وأيضاً كرر الأمر مع ذراعه. فكتب له الطبيب على بعض من الأدوية التي قد تساعده في تلك المرحلة من العلاج. وطلب منه أن يستمر على جلسات العلاج الطبيعي.
خرج فارس من عند الطبيب سعيداً بما سمعه ورآه من تحسن حالة أخيه الصحية. فكم يتمنى شفاءه في أقرب وقت. وقف أمام مقعد معتز ومال بجسده ليكون في مستواه وتحدث يقول: "انتظر قليلاً، فبما أنني هنا سأذهب لإجراء بعض الفحوصات. لن أتأخر عليك."
أومأ له معتز وظل ينتظره إلى أن انتهى فارس وأقبل عليه وهو يخبره بأنهم سيذهبون للمنزل. فنتيجة الفحوصات لن يستلمها إلا مساءً. فأوصل معتز للمنزل وذهب للورشة التي يعمل بها وأكمل باقي النهار يحاول التركيز في عمله. ولكن عقله كان مشغولاً بأمور كثيرة. أوشك النهار على الانتهاء. فالوقت لا يمر. فما إن اقترب موعد استلام نتيجة فحوصاته حمل نفسه وذهب للمشفى ليستلم النتيجة.
خرج من المشفى مذهولاً. فذلك ما لم يكن يتوقعه. كان ذلك آخر ما في حسبانه. فأخرج هاتفه من جيب بنطاله واتصل بزينة لتجيبه سريعاً. فطلب منها أن تقابله في الحال ليجد حلاً لما حدث بينهما يرضي الطرفين. فرحت زينة وأخذت تستعد لتظهر في أبهى صورة لها وتحركت لتقابله في منزل عائلتها.
وصلت زينة للمنزل قبله. فظلت تجوب المكان ذهاباً وإياباً تنتظر وصوله. وقد بدأت تتوتر. ولكنها تعلم بأن فارس لن يتخلى عنها ويتركها تواجه مصيرها. فلقد خالت عليه خطتها وسيتزوجها في القريب العاجل. فهو لديه إخوة ويخشى عليهم. لذلك سيتمسك بها ويتزوج ليصلح ما فعله حتى لا تلاحقه الأقاويل ويكون سبباً في تدمير حياة أخواته وجدته.
يفتح الباب ويدخل لتبتسم إليه. فتفاقم غضب فارس ما إن رآها. ضم قبضتيه حتى لا يفتك بها ويشبعها ضرباً. فوقف أمامها ومرر أصابعه بحنق على عنقه ثم قال: "لما فعلتِ هذا؟ امتلأت نظرات زينة بالذهول ولكنه اعترضت قائلة: "تسألني عما فعلته وأنت تعلم جيداً ما فعلته أنت معي تلك الليلة." هتف بها بصوت خطير: "لم أفعل شيئاً. تعلمين بأنه لم يحدث شيء بيننا." تمتمت زينة له بتحقير: "يا لك من وغد! تريد التخلي عني وتركى بعد كل ما حدث بيننا."
أغمض فارس الذي قد تفاقم غضبه منها عينيه. فبالكاد يمسك نفسه حتى لا يفتك بها. فاقترب منها خطوة وهو يتساءل بصوت خطير: "هل بإمكانك تذكيري بما حدث بيننا؟ لأنني لم أتذكر أي شيء. فكيف لشيء مثل هذا أن يُنسى بسهولة هكذا؟ للحظة شعرت بالتوتر. ولكنها تحلت بكل برودها الظاهري وهي تقول: "كيف لك أن تشكك فيما حدث؟ وكيف تريد مني تذكيرك بالأمر؟ قطب فارس حاجبيه ثم هتف بها بغضب مشتعل: "يا لكِ من كاذبة!
لقد اكتشفت بأنني تعرضت لمادة مخدرة وبجرعة زائدة جعلتني أفقد الوعي لعدة ساعات. لم يرد الله أن يكمل مخططك كما خططتي له. فلو لم تضعي جرعة زائدة لم أكن لأفقد الوعي ولكنت وقعت في شرك عظيم." اقتربت أكثر تقف أمامه وقد بدأت دموع التماسيح في الانزلاق على وجنتيها وهي تقول: "صدقني، لم يحدث أي شيء مما تقوله. كنت معي بكامل رغبتك." كز فارس فوق أسنانه محاولاً السيطرة على أعصابه ثم قال: "أصدقك؟
كيف وأنا تأكدت من كل كلمة أخبرتك بها. لقد أجريت بعض الفحوصات ونتائجها كانت بها نسبة مخدر عالٍ على أثرها فقدت وعي. ولكن لدي سؤال واحد: كيف ومتى فعلتِ ذلك؟ انفعلت زينة وقالت بحنق: "لم يحدث أي شيء مما تقول. أنت تقول ذلك لتنقذ نفسك من تلك الورطة وتتركني أعاني بمفردي. عليك أن تتزوجني وإلا سأخبر عائلتي والجميع أنك اغتصبتني." أظهر فارس نفوراً وابتعد عنها هاتفا بغضب: "لا، لم يحدث أي مما تخططين له. ولا أريد رؤيتك مجدداً."
ثم استدار ليغادر. فأسـرعت خلفه وأمسكته من كتفه ليدفعها عنه بقوة ليتختل توازنها وتقع على الأرض. فنظرت إليه مطولاً ودموعها مازالت تتساقط. ليهتف فارس باستنكار يؤجج غضبه: "لو لم تكوني فتاة لبرحتك ضرباً على ما عيشته على مدار الساعات الماضية." فصمت ينظر إليها مطولاً ثم أكمل حديثه يقول لها بعيون يملؤها الغضب وبنبرة يطغى عليها الاشمئزاز:
"أنا لم أصفعك بيدي حتى لا ألوث يداي بلمس ولو جزء بسيط من جسدك. كما أنني لست بالرجل الذي يصفع امرأة مهما وصلت من الدناءة. ولكني لن أحرمك من صفعي لكِ، ولكن بشكل آخر. فصفعتي لكِ هي أن أفشل مخططك وأتركك. فلا تأملي في عودتي لكِ، فمثلي لا يتشرف من مجرد الاقتراب من أمثالك."
والتفت مغادراً، تاركاً إياها خلفه تنظر في أثره وهي ما زالت تجلس مكانها على الأرض وتتذكر ما حدث وما كانت خطتها وكيف انقلبت ضدها. فلقد خططت وجلبت ذلك الشيء ووضعته بحقيبتها وذهبت لمنزل عائلتها لتراه وتنفذ ما خططت له. فعندما غضب فارس من وجودها وأخبرها أن تذهب هي أو سيذهب هو والتفت ليغادر، كانت أسرع منه وأخرجت تلك القارورة من حقيبتها وأفرغتها في قهوته الموضوعة على الطاولة أمامها. ثم أخبرته أن ينتظر وينهي عمله وأن هي من
ستذهب. فخرجت من المنزل وظلت في الخارج لبضع دقائق ثم دخلت مجدداً وهي تعتقد بأنه ربما يكون ليس بوعيه كاملاً وأن يكون تحت تأثير المخدر. ووقتها ستروده عن نفسه. فما إن دخلت رأتـه جالساً على الأريكة. وما إن رآها هو سألها لماذا عادت. فتحججت بأنها نسيت أخذ شيء وصعدت لتحضره. فما إن صعدت للطابق العلوي أوقعت شيئاً وأصدرت صوتاً مرتفعاً ليصعد ويرى ما سبب إصدار الصوت. ومن ثم يراها على تلك الهيئة بهذه الملابس التي ترتديها. فهي لا
تستر أكثر مما تظهر. فما إن وصل فارس الغرفة التي هي بداخلها وقف ينظر إليه وقد تجهمت ملامحه. ولكنه ما إن اقترب منها وهو يسألها عما تفعله وما هذه الملابس التي ترتديها. وقع على طرف الفراش. ففغرت شفتيها الجافتين مدركة أنه فقد الوعي قبل أن يستسلم لها وينالها. فهي وضعت ذلك الشيء له في شرابه ليفقد السيطرة عندما يرى هيئتها تلك ويتفاعل معها. لقد أرادت وضع نسبة مخدر قليلة في شرابه ليكون واعياً وعلى طبيعته معها. ولكنها أفسدت
الأمر.
همست لنفسها قائلة: يبدو بأنني قمت بمضاعفة الجرعة. فلقد اعتقدت بأن رجلاً في طوله وصلابته لن تؤثر فيه الجرعة المحددة استعمالها. لكن جاءت النتائج غير ما خططت له. وها هي خطتها قد باتت بالفشل. انهارت ملامحها. فلما لم ينجح ذلك الشيء ولما لم يفك لجامه لنيل رغباته؟ لما لا يفكر برغباته؟ أليست جميلة بما يكفي؟
تنهدت بيأس وظلت واقفة تنظر إليه وهو فاقد الوعي. أقتربت منه وأخذت تحاول تحريره من ملابسه. بعد معاناة نجحت أخيراً. ثم استدارت وتسطحت بجواره تحدق في ملامحه. وقد خططت لشيء آخر. وهي أن توهمه بأنه نالها وحصل عليها بكامل رغبته. فهي لم تأخذ بالها بأن الجرعة كانت زائدة عن اللزوم إلا الآن. عادت زينة لأرض الواقع. فوقفت على قدميها ورفعت كفها تمحو دموعها وتهمس لنفسها بأنها لن تستسلم وستدمر له حياته إن لم يتزوجها. لن تتركه ينعم بالسعادة مع غيرها وقلبها ينفطر عليه.
وصل فارس للمنزل وهو يشعر براحة تتسرب لأوصاله. فهو كان على يقين بأنه لم يقرب زينة. فلا تربيته ولا دينه يسمحان له أن يتطاول ويفعل هذا. فدلف لصالة المنزل ليجد والدته وإخواته مجتمعين يتحدثون وصوت ضحكاتهم يتصاعد والسعادة تملأ وجوههم. فالقى عليهم التحية وجلس ليشاركهم حديثهم. بدأ يختلس النظر إليها وقد بدا متعباً وعيناه ذابلتان. فنظر بداخل عينيها وكأنه حقاً بحاجة ماسة إليها. لقد بدأ يتعلق بها. ربما لأنها جميلة، وربما لأنها تحبه وتحمل له الكثير من المشاعر بداخلها. أو ربما لأنها زوجته وحلاله. هز رأسه يبعد تلك الأفكار عنه. فاستمع لنورين ومي وهم يتحدثون
في نفس الوقت يقولون: "هناك أمر هام أريد إخباركم به." نظروا لبعضهم البعض وضحكوا. فطلبت مي من نورين أن تتحدث أولاً. ولكنها رفضت وأخبرت مي أن تقول ما لديها هي ولتتركها للنهاية. فنظرت إليهم بتوتر وتحدثت بتلعثم قائلة: "مديري في العمل يريد أن يأتي للمنزل ويطلب يدي للزواج." صمتت تنظر لفارس تنتظر منه رداً. ولكنه صمت طويلاً ثم أشاح ببصره ناحية نورين وهو يسأله عما أرادت إخبارهم به. تحدثت نورين وهي تشعر بالحرج وتقرض
أظافرها بينما تقول بخفوت: "هناك معلم في مدرستي يريد أن يأتي لزيارتكم ليتعرف عليكم ويطلب يدي منكم." انفرجت شفتا فارس بغير تصديق. ثم سرعان ما انفجر ضاحكاً. ثم قال من بين ضحكاته: "وأنـتِ يا نور؟ أليس هناك من يريد التقدم لكِ أنتِ الأخرى؟ هزت رأسها نفياً وهي تقول: "لا، فكل ما أفكر به هو أن أكمل دراستي وأكون طبيبة. فأنا لا أفكر في الارتباط وتلك الأشياء التي ستؤخرني عما أريد تحقيقه." تحدثت والدتها وهي
تضربها على كتفها قائلة: "اصمتي أنتِ واحتفظي برأيك لنفسك." نظر فارس لوالدته ورأى كم هي سعيدة. فقال بصوت يشوبه القلق: "أنتم الثلاثة تريدون الارتباط في الوقت ذاته؟ أليس كثيراً؟ فأنا أقصد خطبة ملاك وعقد قرانها بعد أيام قليلة. فهل يمكنهم الانتظار حتى ينتهي عقد قران أختكم الكبرى؟
أومأوا له بإحراج. بينما شعر معتز بغصة في حلقه وموجه صقيعية تجتاحه وهو يرى فارس نعم الأخ لأخواته. يقف بجانبهم في كل شيء وهم أيضاً يحبونه ويخشون عليه من أي شيء قد يمسه. فاخذ نفساً قوياً وحرك مقعده لينسحب لغرفته. فهو يريد أن يضغط على نفسه ويبدأ في الإكثار من عمل التمارين التي أخبره عنها الطبيب ليستعيد عافيته من جديد ويقف على قدميه سريعاً ليساعد فارس في حمل عبء أخواته. فتحدث فارس يحاول منعه من الذهاب يريد منه أن يجلس معهم حتى
لا يبقى في غرفته بمفرده: "ابق معنا، فنحن لم نجتمع معاً منذ مدة." هز رأسه نفياً وهو يخبره بطريقة بأنه يريد النوم. ثم أهداه ابتسامة هادئة وتحرك مغادراً. ليتمنوا له ليلة سعيدة. فوقف فارس عن مقعده واتجه ناحية ملاك التي تجلس شاردة وكأنها ليست معهم. فاخرج حفنة من الأموال ووضعها في راحة يدها وهو يقول: "اذهبي غداً واحضري ما تحتاجينه ويومين وسأعطيكِ مثلها." امتلأت عيناها بالدموع. ليقول فارس هامساً: "أنتِ مجنونة!
فلما تبكين الآن؟ يكفي بكاء، دعينا نفرح قليلاً." ورفع كفه يمسح دموعها وهو يضغط على وجنتها بقوة. زمت ملاك شفتيها ثم قالت بنبرة ذات معنى: "أبكي لأنني سأترككم بعد أيام، فأنا لا أريد أن أبتعد عنكم." قبلها فارس وهو يخبرها بأنها سنة الحياة وأنه سعيد من أجلها ويتمنى لها السعادة في حياتها مع مالك. ثم وقف وهو يستأذن منهم ويذهب لغرفته ليستريح ويحظى ببعض الراحة. بينما وقفت ليال وذهبت خلفه.
جلست زينة في غرفتها تخطط وترسم خطة جديدة. وهي تعتقد بأنها بفعل تلك الأشياء ستجعل فارس يعود إليها من جديد. فأمسكت هاتفها وكتبت رسالة وأرسلتها لرقم ليال. فلقد حصلت على الرقم عندما كان فاقداً للوعي أمس. أمسكت هاتفه وبحثت عن رقم زوجته. فلقد كانت تفكر أن ترسل إليه صور زوجها وهو نائم بجوارها. ولكنها تراجعت وانتظرت لترى رد فعل فارس. ولكنها الآن قررت أن تدمر حياته مثلما دمر قلبها. فأرسلت إليها رسالة في محتواها:
"أنا حبيبة فارس. إن لم تصدقيني ابحثي في هاتفه وسترين كل شيء بأم عينك. قررت إخبارِك لأنني أشعر بالشفقة تجاهك. فأنا امرأة مثلك وأعلم بأنه ليس هناك شيء يضاهي الشعور بالخيانة." ما إن أرسلت الرسالة النصية ابتسمت بخبث ورمت الهاتف بجوارها وانتظرت لترى رد فعلها ما إن تقرأها.
كان فارس متسطحاً على الفراش يحاول النوم. فخرجت ليال من المرحاض. فأعلن هاتفها عن وصول رسالة نصية. فامسكت به تتفحصه وأنزعجت ملامحها. رمتـه نحوه بنظرة لو كانت تقتل لأردته قتيلاً. ثم سألته بتهام: "هل تخونني؟ تكدرت ملامحه وتوحشت بالبغض والسخط من زينة وأفعالها. فلقد فهم بأن زينة أرسلت إليها شيئاً. فرد بازدراء: "لا، لم يحدث. اجلسي وسأشرح لك الأمر وأخبرك بكل شيء." مالت له لتتهمه بعصبية:
"الرسالة واضحة وضوح الشمس. فهي تطلب مني أخذ هاتفك والبحث بداخله عن رسائل الحب بينكما. كيف استطعت فعلها؟
تنهد فارس بضيق شديد وانتفض واقفاً وهو يحاول إمساكها من معصمها ليجلسها ويخبرها بكل شيء. فطاوعته فهي تريد أن تسمع منه. تحتاج لذلك. فتحدث يبرر لها سبب تلك الرسالة وهو أخبرها بما حدث متذ البداية. كانت تستمع إليه بجسد متصلب وقد ازداد فورانها. قبل أن تغمض عينيها. فهي لا تستوعب ما قاله. هل قال بأنه كان يعمل لديها في منزلها وأنه استيقظ ووجد نفسه معها في نفس الفراش؟ هزت رأسها نفياً وهي تهمس بخفوت: يا إلهي، يا إلهي!
ما هذا الذي أسمعه؟ ناداها فارس عدة مرات لتنظر إليه بتشتت. وأخذت هاتفها وأسرعت خارجة من الغرفة. لحق بها فارس وحاول التحدث معها ولكنها لم تستمع لحرف واحد مما يقوله وكأنها لا تسمعه. واتجهت ناحية منزل والديها ووقفت تطرق على الباب بقوة. فما إن فتحت والدتها الباب ارتمت ليال في داخل أحضانها وهي تبكي وتشهق ألماً. بينما وقف هو ينظر إليها بوهن ووالدتها تحاول مواساتها. ثم أدخلتها وأغلقت الباب. لينسحب فارس عائداً لمنزله.
بعدما ذهبت لمنزل والديها وجلست تسرد لوالدتها ما حدث وما أخبرها به فارس. لتسألها والدتها: "هل تصدقين تلك الفتاة وتكذّبين زوجك؟ فشخص مثل فارس كان سبباً في إنقاذ سمعتك من قبل حتى لا تلطخ في الوحل. أظن أنه لن يعرف الخيانة." ردت عليها على الفور قائلة: "لقد شعرت بالصدمة وأنا أستمع إليه. فكيف يريد مني تقبل أنه نام في فراش امرأة أخرى؟ حتى لو لم يحدث شيء بينهما. فلم أعي لنفسي إلا وأنا هنا."
أنبتها والدتها كثيراً في رد فعلها وقالت دفاعاً: "تقولين أنك تعرفين فارس جيداً، فكيف استطعتِ أن تشكي فيه وتكذّبي كل ما أخبرك به؟ تقولين أنه سألك من قبل كيف لشخص أن ينسى أمراً هاماً قد يغير حياته؟ أليس ذلك يثبت لكِ صحة حديثه؟
صدح صوت بكائها الغرفة وهي تهز رأسها بالإيجاب تأكيداً على كل حرف نطقت به والدتها. فتركتها والدتها بمفردها لتفكر وتتوصل لحل يريحها. فلقد أرشدتها للصواب وأظهرت أمامها صحة ما أخبرها به زوجها. فما جعل ابنتها تترك منزلها صدمتها مما أخبرها به فارس ورسالة تلك الفتاة التي ظلت تتردد بداخل عقلها. بينما وقفت ليال وذهبت للمرحاض. فتوضأت وقفت بين يدي ربها تصلي وتدعوه أن يريح قلبها. فما إن انتهت من الصلاة شعرت بالراحة. فجلست على سجادة الصلاة وأمسكت بهاتفها وهي تعيد قراءة تلك الرسالة عدة مرات قبل أن تحذفها نهائياً من الهاتف. وبحثت عن رقمه وظلت تنظر إليه مطولاً. ثم اتخذت قرارها وضغطت على زر الاتصال ليجيبها سريعاً
وهو يقول بذهول عارم: "ليال، هل هذه أنتِ؟ أرجوكي أجيبـي وطمئنيني عليكي. فأنا أعلم منذ مدة بأن هذا الرقم عائد لكِ."
لم يستطع كبح ابتسامته وهو يستمع لصوت تنفسها المرتفع، بينما يستعيد تلك الذكريات الجميلة. فلقد كانت تتصل به لتستمع لصوته فقط وتطمئن عليه دون أن تتفوه بحرف واحد. وعندما بحث عن من صاحب الرقم وجد أنه لها. لا يعلم لماذا لم يتضايق منها. أرادها أن تتحدث ولو لمرة وتخبره أنها ليال. ولكنها لم تفعل. حتى بعد أن أصبحت زوجته لم تتطرف للحديث في الأمر وإخباره. قطع تفكيره هذا صوت شهقاتها. فقال بصوت مختنق:
"ليال، لا بأس. لا تبكي، أرجوكي." كانت ضائعة بشرودها العاطفي قبل أن تقول بحب جارف: "أعتذر منك. لقد تسرعت في حكمي عليك ولم أفكر جيداً وأربط الأحداث ببعضها. ولكنني صدمت ما إن استمعت لحديثك. فلم أنتبه لتصرفي إلا بعدما جلست مع نفسي وفكرت وتوصلت لأنك لا يمكنك فعل شيء حرام." صدرت من فارس ضحكة منطلقة وقد شعر بالانتشاء. فقال بلهفة: "اخرجي للشرفة. أريد رؤيتك وأنتِ تتحدثين معي على الهاتف." نكست رأسها ثم قالت بصوت مجهد:
"لا أستطيع مواجهتك الآن بعد أن شككت بك." أسدل فارس جفنيه وزفر نفساً عميقاً كأنه يحث نفسه على البوح وإفراغ ما يكتمه في قلبه. فأراد أن يخبرها بأنه وجد راحته معها. شعر أنه تائه ومشتت لا يعرف كيف يشرح ما بداخله. فقرر أن يبقى صامتاً. بينما ازدردت ليال ريقها الجاف وأخرجت نفساً مشتعلاً وتحركت تخطو ناحية الشرفة. وقفت تنظر إليه. فما تمنته في يوم قد صار ملكاً لها. وما تمنته في يوم يحدث الآن. فقالت بهمس وهي شاردة الذهن:
"يا قمر بعيد المنال، صبراً فليس عند الله محال." مر شبح ابتسامة على شفتيه وهو يسألها قائلاً: "هل يمكنني أن أعرف مقصدك من هذه الكلمات؟ سكنت ليال مصدومة. ثم قالت بخفوت بطيء وقد جف حلقها: "أقصد بأنك لطالما كنت لي قمراً عالياً صعب الوصول إليك. ولكن شاء القدر أن يجمعنا دون رغبة منك." همهم فارس مفكراً بإستمتاع. ثم انفرجت زاوية ثغره بابتسامة ماكرة. بينما أسدلت ليال أهدابها بتوتر وهي تعض على شفتاها بإحراج.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!