خاطرة علي لسان ملاك
أتمنى أن أجد سعادتي بعد كل ما مررت به، فقد مررت بالكثير من الحزن والألم الذي أدمى قلبي ومزقني من داخلي. فما أصعب أن يأتيك الألم من أقرب شخص لك، شخص يحمل نفس دمائك. أعلم بأنك اعتذرت عما اقترفته بحقي وندمت كثيراً، وأنا بدوري حاولت أن أنسى وأتناسى وأبدأ من جديد، ولكني لم أستطع، فكل شيء محفور بداخلي. أتمنى أن تكون أنت عوضي عن كل ما مررت به في حياتي وتبدل تعاستي لفرح، فأنا أعلم بأنك تحبني ولكنك لا تفهمني، فلا أحد سيفهمني غير نفسي. كل ما أريده منك أن تعتني بي جيداً وأن تتحملني قليلاً، فأنا أحاول أن أتعافى من أجلك، فأنت صرت تعني لي الكثير.
كانت تنظر إليه وتتأمله بحب جارف وهي تتذكر كيف كان معها منذ ساعات. للحظات شكت بأنه يبادلها مشاعرها وأنه واقع في حبها. ولكن ما إن وجدته يتململ في نومه، علمت بانه على وشك الاستيقاظ، فأغمضت جفنيها سريعاً.
ليستيقظ فارس من النوم ويطالعها بملامح متجهمة. وسرعان ما ترجل من الفراش. فما أن استمعت لصوت باب المرحاض يغلق، فتحت عينيها على وسعهما تنظر لسقف الغرفة وهي تفكر، هل ما حدث بينهما سيجعله يعاملها كأي زوجين طبيعيين ويعتبرها زوجته، أم سيعود لما كان عليه وتظل هي تعاني من بعده وجفائه؟
فتح باب المرحاض ممسكاً بفوطة يجفف بها شعره فقد أخذ حماماً وبدل ملابسه. انتبه لها فارس أنها مستيقظة، فالقى عليها تحية الصباح. لتجيبه بتلعثم. ثم تحدثت سريعاً تقول وهي تترجل من الفراش: "انتظر حتى أغتسل ومن ثم أحضر لك الفطور." عقب قائلاً ونظرات شغوفة تطل من عينيه عندما وجدها واقفة بجوار الفراش بملابس نوم خفيفة تظهر أكثر مما تخفي: "لا داعي، فأنا ليس لدي شهية. سأذهب للعمل، فقد تأخرت عليه."
وعلى الفور غادر غرفة نومه. فعبست ملامحها وأحبَطت وهي تنظر أمامها لهيئتها في المرآة بحزن. ثم تحركت ناحية المرحاض لتغتسل وتبدل ملابسها، لتذهب وترى ما عليها من واجبات تجاه والدة زوجها ومن تعيش معهم. بينما خرج فارس من المنزل بعدما ألقى على والدته تحية الصباح وفر هارباً من أمامها متعللاً بأنه تأخر على العمل، حتى لا يعطيها مجالاً لتسأله عن أي شيء.
كانت السعادة لا تضاهيها. تتمنى وتدعو أن تظل تشعر بالسعادة ولو قليلاً بعد. فما أجمل شعور الفرح. ظلت تتذكر حديثه معها مراراً وتكراراً، وكأنه شريط يعرض أمامها وهو يخبرها بأنه سيكون العوض لها ولن يجعل شيئاً يحزنها. فكلما تذكرت كلماته ابتسمت بتلقائية.
لينتشلها صوت الهاتف. فأمسكت به وهي تطالع ذلك الرقم وتتساءل عن من يكون. فضغطت على زر الإجابة واتسعت مقلتا ملاك وهي ترفع وجهها الشاحب كالرخام ليتضح لها بأن المتصل ليس إلا مالك. ظلت تستمع لصوته عبر الهاتف ولم تجرؤ على التحدث، ففي تلك اللحظة شعرت بأنها نسيت كيف تتحدث. لم تجبه إلا عندما كرر اسمها أكثر من مرة ليتأكد إذا ما زالت معه أم أنهت المكالمة. فقالت: "كيف حصلت على رقم هاتفي؟
ضحك مالك بملء صوته، فذلك أسهل شيء لشخص في مثل مكانته. فظل يتبادل الحديث معها لعدة دقائق قبل أن تنهي المكالمة وهي تخبره بأن عليها إنهاء المكالمة واستئذان والدتها أولاً قبل أن تتحدث معه، فليس هناك شيء رسمي يجمعهما لتتحدث معه على الهاتف. بالكاد كبح ابتسامة ترتسم على وجهه محاولاً تهدئة قرع طبل قلبه المتصاب الأجوف لأنه يستمع لصوتها وأنه لم يعد الكثير على ما يتمناه وينتظر قدومه.
في المدرسة الثانوية، بعدما وقعت نورين فاقدة الوعي، اجتمع جميع الطلبة حولها يحاولون إفاقتها بشتى الطرق ولكنها لم تستجب لمحاولتهم. لتفقد نور تحكمها في نفسها وتذرف عبراتها على حال توأمها. ونظرت حولها بتشويش من أثر دموعها لتجده قادم إليهم يسرع الخطى بوجه شاحب وعينيه معلقتين بمن تفترش أرضية المدرسة. أراد الاقتراب منها وحملها ولكنه خشي عليها من حديث زملائها وما قد يلاحقها بعد ذلك، ففي المرة السابقة نسجوا الكثير من الإشاعات حولهم، ولو لم تتدخل مديرة المدرسة وأنهت الأمر لكانت حديث المدرسة ككل حتى يومنا هذا. فوقف يتابع محاولة استجابتها للمعلمة التي تحاول إفاقتها.
فما أن فتحت عينيها ونظرت للجمع من حولها، تعلقت عينيها بعينيه للحظات. فنظرت له ببرود صقيعي ظاهر. لتمسك بها نور وتساعدها على الوقوف، ووجهت حديثها للمديرة تطلب منها إذناً بالانصراف لأن توأمها تحتاج للراحة. فسمحت لها المديرة لتتحرك نور وهي تسند نورين. ووقف هو يتابع ما يحدث بصمت ويكاد قلبه ينخلع من محله. فلا يفهم ما حدث لها ولم تنظر إليه بتلك النظرات.
ليجد مجموعة من الفتيات اقتربن منه وأخذن يهنئنه ويتمنين له حياة سعيدة كشريك كريم. ولم يفهم لم يهنئونه، وعلام سأل ليقول بصوت خطير: "علام تهنئوني؟ لتتطوع فتاة منهم وتقول بنبرة مائعة: "لم يعد الأمر سراً، فالمدرسة كلها تعلم بأنك خطبت ليلة البارحة."
اتسعت عيناه عندما استمع لما تفوهت به هذه الفتاة ولم يجيب بحرف واحد، فقد صدم كلياً. فذلك لم يحدث، هو لم يخطب. لقد ذهب مع والدته لرؤية الفتاة فقط، وذلك بعد إصرار والدته على الذهاب معها وتهديدها له بأنها ستكون غاضبة عليه إن لم يفعل.
تحرك من ساحة المدرسة وهو يهمس بداخله بأن عليه أن يتحدث معها ويخبرها بأن تلك الأخبار غير صحيحة. فلقد عرف الآن لماذا انهارت بتلك الطريقة مما تسبب لها في فقدانها الوعي، ولما كانت ترمقه بتلك النظرات، فهي تراه شخص خائن وحبه مجرد حديث يتغنى به. كان غاضباً بشدة. فأخرج هاتفه من جيبه وحاول الاتصال بها أكثر من مرة ولكنها لم تجب. كرر الاتصال بها إلى أن وجد الهاتف مغلقاً. فضغط على الهاتف بقوة بين قبضته. انكسر وجهه من ثقل ما يحمل من قهر على ما يحدث مع حبيبته. فلما لا تريحه وتريح قلبها وتترك العنان لمشاعرهم ليتحدوا معاً.
دَلفت مي لغرفة مكتبها وهي سعيدة. فها هو القدر سيجعلهم يحظون ببعض من السعادة. فما أن دارت حول المكتب لتجلس على مقعدها، حتى جحظت عيناها وهتفت باحتدام آثار غضبه قائلة: "ما الذي تفعله في مكتبي وكيف استطعت الدخول للشركة؟ تطلع منير بتمرد نحوها وتحدث بمنتهى الوقاحة: "ليس هناك من يستطيع منعي من دخول أي مكان أريده." دمدمت مي بسخط قائلة: "اخرج قبل أن أطلب لك الأمن." عبست ملامح منير وتحدث باستياء: "لما تعامليني بتلك الطريقة؟
ألست مثل سليم؟ لا تظهري نفسك بمظهر الفتاة الشريفة، فأنا أعلم بأن هناك ما يحدث بينك وبينه." اندفعت إليه وأرادت صفعه ولكنه أمسك بكفها وضغط عليه بقوة، ألَمَتها لتنكمش برعب. فما أن رأى الرعب المرتسم على وجهها، ترك كفها ونظر إليها ببرود دون إشارة ندم. احمر وجهها غضباً بشكل خطير كأنها ستنفجر، لتقول بنبرة أخطر وقد شمخت بذقنها للأعلى: "اخرج في الحال، وإلا... قطع عليها تكملة حديثها قائلاً بنبرة مستهزئة: "وإلا ماذا؟
هل ستنادي منقذك؟ هيا ناديه، فأنا حقاً أشتاق لرؤيته." أقترب منها الخطوات القليلة الفاصلة بينهم والتي ابتعدتها هي. ما أن ترك كفها، فأمسك بذقنها بأنامله يضغط عليه بقوة ليقول وهو يضغط على أسنانه يسحقها وقد قصف صوته عالياً مهدداً إياها بعينين تقذفان الشرَر:
"سيكون من دواعي سروري أن ألقاه، فأنا أريد إنهاء الأمر معه وأخذ حقي منه لما فعله بي في المرة السابقة. فإذا كنت تمتلكين الشجاعة الكافية، فلْتُناديه. أقسم يميناً عظيماً أنني لن أتوانى هذه المرة عن كسر أطرافه لأجعله مقعداً المتبقي من عمره."
فزعت ملامح مي ولكنها حاولت عدم إظهار ذلك. فكزت على أسنانها وتقبضت يداها دون أن تجرؤ على التهور. وتحركت لتبرح الغرفة وتتركها له، فهي لن تكون السبب بمشاجرتهم معاً مجدداً. بينما أشاح منير وجهه بضيق بعيداً عنها وبالكاد تنفس وهو يراقبها تخرج من غرفة مكتبها. فكم كان بحاجة لرؤيتها والتحدث معها. فلم يجد أمامه سبيلاً غير القدوم للشركة وانتظارها في غرفة مكتبها حتى لا يشتبك مع سليم مجدداً.
كان في غرفة مكتبه واقفاً أمام النافذة الزجاجية التي تطل على مدخل الشركة ينظر للطريق وينتظر أن تأتي إليه. فبالُه مشغول بها. فلقد رآها منذ أن أتت وانتظر أن تأتي إليه مباشرة ولكنها حتى الآن لم تأت لغرفة مكتبه. كان هادئاً ورزيناً إلى أن رآه فتحول هدوءه لغضب مشتعل. وما زاد غضبه وقوف منير بجوار سيارته وهو يتطلع ناحيته وكأنه يراه ليشير له بإبهامه وعلى وجهه ابتسامة متسعة. ثم استقل سيارته وغادر.
استمع سليم لصوت طرقات على الباب وقد ميزها وعرف صاحبها. فالتفت ليجدها واقفة عند الباب تنظر إليه ببرود. فأشار إليها لتقترب. ففعلت كما طلب منها. ودار حول مكتبه وجلس على مقعده وأرجع ظهره للخلف مستنداً على ظهر المقعد، ناظراً بداخل عينيها وكأنه يقرأ ما حدث معها أو ربما منتظراً منها أن تسرد عليه ما حدث. فهو لم يخلو عليه هيئتها الغاضبة واستيائها.
أخذت نفساً قوياً وفرقت بين شفتيها وتحدثت تناقش معه أمور العمل. فقبضتيه بغضب تعتصرهم وهو يضغط على أسنانه. فلما قد تخفي عنه وجود منير في الشركة؟ فهو يعلم جيداً بأن منير لم يأت لأحد غيرها لأنه قد قرر ألا يستسلم. فقال بعبوس: "اتركي العمل على جانب الآن وأخبريني ما بكِ، فأنتِ لا تبدين بخير." بهت وجه مي، فأرادت إخباره عن مقابلتها مع منير ولكنها تراجعت. فأجابت: "أنا بخير، ولكني لم أحظ بنوم كافٍ ليلة البارحة."
تساءل سليم بينه وبين نفسه، لم لا تخبره؟ فضيق عينيه وهو ينظر بداخل عينيها. ثم تنحنح يجلي صوته وقال بخشونة وازدراء: "حسناً، اذهبي الآن لعملك واتركيني بمفردي." أومأت له بهدوء ووقفت من مكانها وبدأت بالتحرك لتستمع لصوته وهو يقول: "هل ما زلتِ تتذكرين بأن بيننا حديث لم ينته بعد؟ فمتى سيكون باستطاعتنا تكملة حديثنا؟ أجابته بتلعثم قائلة: "أجل، أتذكر."
رمقها بنظرات لا تنبئ عن خير ونظرات الشر تتجلى على وجهه. لوهلة شعرت مي بالذعر من نظراته التي يرمقها بها، فلم تعرف لماذا هو غاضب الآن؟ هل ردها الموجز هو السبب أم ماذا؟ تعلم بأنه ينتظر منها موعداً ليستطيعوا التحدث دون مقاطعة من أحد وأن الشركة ليس مكاناً جيداً لذلك الحديث. ولكنها تغاضت عن الأمر.
وجدته يشير لها بكفه أن تذهب، فمضت مي عائدة إلى حيث مكتبها وهي تسرح بتفكيرها مع تنهيدة طويلة بائسة. بينما هو ضرب بقبضته على سطح مكتبه ثم أوقع كل ما على سطح المكتب على الأرض ووقف من مكانه وأخذ يدور في الغرفة كأسد حبيس.
بعدما انتهى فارس من عمله في الورشة ذهب لمنزل زينة لينهي العمل به ويسلمه في ميعاده المتفق عليه. فكتم أنفاسه لحظة وصوله لمنزلها ثم دلف من الباب بهدوء. مجرد رؤيتها واقفة هناك جعل نبضات قلبه تتضارب أكثر وهو يشعر بحدوث شيء سيء. لكنه تعمد التظاهر بالحزم سائلاً دون مقدمات: "لما أنتِ هنا؟ كان يضع عينيه بخضرة عيني زينة بصرامة ليسمع صوتها تجيبه بصوت مرتبك وهي تشير للمنزل: "لقد أتيت لأن والدي طلب مني ذلك."
اكتسحه شيء من الغضب. فلقد طلب منها من قبل عدم القدوم للمنزل وأن تتركه يعمل على راحته وعندما ينتهي سيخبرها بذلك، ولكنها لم تفعل كما طلب منها. ليجدها اليوم أمامه تتحجج بأن والدها من طلب منها ذلك. فظل ساكناً لدرجة مزعجة لأنه مضطر لتكملة عمله حتى النهاية. فسألها بصوت فظ صارم أقرب للانفعال: "هل ستذهبين أم أذهب أنا؟
تصلب جسد زينة وهي ترى رفضه لوجودها معه في نفس المكان. وغار قلبها في صدرها وهي تتذكر أمر زواجه وأنه يرفضها الآن من أجل امرأة أخرى. ظلت واقفة مطرقة بوجهها مضطربة الملامح وساكنة في محلها. اختنقت حبال زينة الصوتية ولم تنساب من شفتيها إلا كلمات متقطعة وفي نبرتها لمحة تضرع: "أنا.. أنا.."
لينتشلها صوت طرقات على الباب. تطلع فارس ناحية الباب ثم تحرك وفتحه ليجد شاباً يعمل في المقهى المجاور للمنزل. فقد طلب منه عندما حضر أن يعد له قدحاً من القهوة ويجلبه له في المنزل. أخذ منه فارس الصينية التي تحتوي على قدح القهوة وكوب مملوء بالماء ثم أغلق الباب. ليجدها ما زالت واقفة. فانفجر هاتفاً بها يصب عليها كل غضبه المكتوم: "لما ما زلتِ واقفة؟ هيا اذهبي في الحال."
انتفضت كل خلية فيها رعباً وترقرق الدمع في عينيها. فشعرت بحجر صوان عالق في حنجرتها. بلعت هذه الغصة بصعوبة ثم تمتمت بصوت جاهدت ليخرج ثابتاً إلا أنه خرج مهتزاً: "لما تعاملني بتلك الطريقة؟ اعترف بأنني أخطأت بحقك، ولكني اعتذرت كثيراً عما اقترفته، فلما لا تسامحني؟ ضاقت عين فارس ثم استدار ليذهب. لتوقفه وهي تقول بنبرة مبهمة: "حسناً، كما تريد. سأذهب أنا، ولكن أرجوك لتبق وتكمل عملك."
تراجع رأسه للخلف قليلاً ثم التفت ينظر إليها فوجدها تحمل حقيبة يدها الموضوع على الأريكة وهي تنظر إليه باستياء وتحركت ناحية الباب لتغادر. فجلس على الأريكة وهو يشد على خصلات شعره بقوة. ثم بدأ في ارتشاف قهوته التي كانت قد بردت قليلاً. فتنهد بسخط تزامناً مع دخولها من جديد. فعبس وجهه وقال باقتضاب وهو يضغط على جبينه من أثر الصداع الذي يضرب رأسه في تلك اللحظة: "لما عودتي مجدداً؟ اضطربت ملامح زينة، لكنها ردت بحنق:
"لقد نسيت أن آخذ شيئاً من الطابق العلوي." ثم أخذت تصعد الدرج وهي تنظر إليه بطرف عينيها. بينما تمتم فارس بعبرات مقتضبة غير مفهومة قبل أن يستمع لصوت مرتفع يأتي من الطابق العلوي. فتحامل على نفسه والرؤية تكاد معدومة أمامه وبدأ في الصعود للأعلى وهو يتبع مكان الصوت.
كانت نورين في طريقها للمنزل ممسكة بهاتفها بين كفها تضغط عليه بقوة بعدما أغلقته حتى لا يصل إليها كريم. فهي تعرف نفسها جيداً وأنها ستضعف وتجيب عليه. فما يمنعها من ذلك وجود نور بجوارها. وصلت سيارة الأجرة أمام المنزل فترجلت منها نور. بينما نورين شاردة تتذكر ملامح كريم وهو ينظر إليها وهي تفترش الأرض ولم يتحرك أو يقترب منها بل ظل ساكناً في مكانه.
أمرتها نور بوجه غير مقروء بعدما نادت اسمها لأكثر من مرة لتستجيب لها نورين وتنظر حولها لتجد بأنها وصلت للمنزل وعليها الترجل من السيارة. ففعلت واستندت على ذراع توأمها. وما أن دخلت للمنزل ورآهم الجميع وظهرت علامات التعجب على وجوههم. فلما عادوا الآن وموعد انتهاء اليوم الدراسي لم يحن بعد؟ فشهقت والدتهم وانتفضت واقفة مكانها ما أن رأت ملابس نورين الملطخة أثر ارتطامها بالأرض وهيئتها وملامحها التي توحي بأنها بكت كثيراً.
لتقول بذعر وهي تقترب منهم: "رباه، ما الذي يحدث معكم ولما تبدون بتلك الحالة المزرية؟ تجاوزتهما نورين غير آبيه للنظرات المتسائلة المطلة من أعينهما لتقترب نور الخطوات الفاصلة بينها وبين والدتها تمسك بكفها لتجلسها أولاً ولتهدئ من روعها وقلقها. فقالت بهدوء: "لا تقلقي، ليس هناك ما يدعو لذلك. فكل ما في الأمر أن نورين مرضت قليلاً لأنها لم تفطر جيداً اليوم، ففقدت وعيها وسمحت لي المديرة بإصطحابها للمنزل لترتاح."
بينما دخلت هي لغرفتها. فأمسكت بحبة مسكن بين أصابعها وتناولتها وهي تقول مبتسمة رغم إجهاد وشحوب وجهها الواضح: "أليس هناك دواء قد يريح القلب من آلامه؟ وجدت والدتها تفتح الباب فاقتربت منها وارتمت بداخل أحضانها وأخذت تبكي وتشهق بقوة. وملاك وليال كلاهما واقفان يتابعون انهيارها وهم يشكون فيما سردته عليهم نور. فهم يشعرون بأن سبب حالتها هذه أمر آخر.
جلس مالك على مقعده في غرفة مكتبه. فوقف مرة واحدة وتوجه لمنطقة العنابر ليرى حال السجناء وأن كل شيء يمر مرور الكرام. فوجد لافتة كبيرة مكتوب عليها أرقام العنابر. فما أن وقع بصره على رقم العنبر الذي يحتوي على باب ضخم والذي كانت تقضي به ملاك فترة سجنها. فأرتسم على وجهه ابتسامة هادئة وهو يتذكر أول مرة رآها فيها وهي تخرج من سيارة الترحيلات والمطر يتساقط عليها لتكون آية في الجمال.
سمع صوت الحارسة وهي تنادي عليه فطلب منها فتح الباب الفولاذي بهدوء لتفعل كما طلب منها. وقف مالك ينظر للزنزانة ويطالع وجوه السجناء إلى أن وقعت عيناه على الركن الذي كانت لطالما تجلس فيه أسفل الفاتحة التي تحيط بها أسياخ الحديد الضخمة. فتذكر عندما سألها عن مكثها في ذلك المكان لتخبره بأنها تشعر براحة كبيرة تسري في جسدها وقلبها وأن نسمة الهواء الذي يدخل من تلك الفتحة أحلى ما يحدث معها في ذلك الوقت.
انتبه مالك لنفسه وشروده المتكرر. فالقى نظرة أخيرة داخل العنبر قبل أن يأمر الحارسة بإغلاقه وتحرك ناحية مكتبه من جديد. فما أن أغلق باب المكتب حتى أخرج هاتفه واتصل بها ليستمع لصوتها. فهو بحاجة لسماعه، فلما يعد يستطيع البعد عنها أكثر من ذلك. يعلم بأنه لم يتبق الكثير على موعد خطبتهم رسمياً وعقد قرانهم، ولكنه يتمنى لو تمر الأيام سريعاً ويأتي اليوم الذي سيجمعهم تحت سقف منزل واحد.
انتهت المكالمة ولم تجب عليه. فزفر بغضب وهو يصبر نفسه بأن موعدهم معاً قد اقترب ووقتها لن يستطيع أي أحد انتزاعها منه وسيستمتع معها بكل لحظة تمر من حياتهم معاً.
بينما كانت ملاك بالمطبخ تعد الطعام ومعها ليال تساعدها. فمنذ أن تزوجت من فارس وهي تتعامل بطبيعتها مع الجميع وتساعد في كافة شؤون المنزل. استمعت لصوت رنين هاتفها وعندما طالعت الهاتف ووجدت مالك هو المتصل قررت بأنها لن تجيب. فليس هناك شيء رسمي بينهما لتتحدث معه عبر الهاتف. لا تنكر بأنها تحمل له الكثير من المشاعر التي لا تعرف إذا ما كانت حباً أم مجرد إعجاب لشخص في مرؤة مالك وشهامته. فهي لن تنكر وقوفه بجوارها في أزمتها ومساعدته لها. ولكنها لا تعرف كيف تفرق بين الحب والإعجاب وكيف تكتشف الفرق بين الأمرين.
وجدت ملاك تبتسم بحب وهي تنظر إليها وقد فهمت بأن المتصل ليس إلا مالك. لتشعر ملاك بالإحراج منها. فالتفتت كمل ما كانت تفعله. فقررت ليال بأنها لم تعقب على الأمر، فهي تعلم بأنه يجب عليها ألا تتدخل في خصوصيات غيرها. وأخذت تتذكر فارس وهي تتمنى أن يعترف لها بحبه قريباً وأن تعيش معه باقي حياتها في سعادة عارمة حتى تبيض خصلات شعرها وتصبح عجوزاً. كانت عيناها تخرج قلوباً كلما تذكرت فارس وشكل حياتهم القادمة معاً.
في المساء، تأخر الوقت ولم يعد فارس بعد. فقلقت ليال وشعرت بنغزة في صدرها. ولكن والدة زوجها طمأنتها وأخبرتها بأنه رجل وربما طرأ له أمر ما لذلك تأخر في العودة الليلة. فطلبت منها أن تذهب وتنتظره بغرفتهم لربما على وصول. أومات لها ليال وتحركت على مضض باتجاه غرفتهم وجلست تنتظره وهي تهز قدميها بتوتر والأفكار تعصف بها وهي تفكر في الألف سبب التي قد تجعله يتأخر. فأخذت تهمس لنفسها، إذا كان ما حدث بينهما هو سبب تأخره، أنه نادم على ما فعله معها لينتهي الأمر بها زوجته فعلياً.
ظلت على تلك الحالة وبصرها مثبتاً على باب الغرفة تنتظر قدومه في أية لحظة. بينما أخذ فارس يحرك جفنيه ببطء شديد وهو يحاول فتح عينيه. إلى أن تمكن من ذلك. فظل ينظر للغرفة المستلقي بها بعدم استيعاب. وما أن شعر بمن تغط بنوم هادئ بجواره، فزع من مكانه وهو ينظر لجسده العاري. فوقف عن الفراش كمن لدغته أفعى وهو ينظر إليها بغير فهم. فكيف استطاع فعلها؟
فاقترب منها وأمسك بذراعها ينتزعها من داخل الفراش لتستيقظ فزعة. ثم سرعان ما تحولت ملامحها لغضب وهي تسحب ذراعها من بين قبضته معترضة. ليتحدث فارس قائلاً بحزن: "كيف حدث ذلك؟
عبست ملامح زينة، فجلست على طرف الفراش. ثم رفعت كفيها أمام وجهها وأجهشت في البكاء. طالعها فارس مذهولاً مما يراه. فكيف تطور الوضع ووصل الأمر به للوجود معها في نفس الغرفة بل في نفس الفراش. حاول أن يتذكر أي شيء عما حدث في الساعات القليلة الماضية ولكنه لم يستطع ذلك. قدميه لم تعد تحمله من هول ما يتخيله. فجلس على طرف الفراش معطياً لها ظهره. كل ما يتذكره أنها عادت لتأخذ شيئاً من الطابق العلوي. ثم استمع لصوت تهشم شيء فصعد
ليرى ما الأمر. رفع أنامله يضعها على جبينه يدعكه بقوة يحاول عصر ذاكرته ليتذكر ما حدث بعدها ولكنه لم يستطع. فالتفت ينظر إليها بكره. ثم التقط قميصه المرمي على أرضية الغرفة يرتديه سريعاً دون أن يغلق أزراره بطريقة صحيحة وغادر على الفور دون التفوه بحرف واحد. فصدمته في نفسه كبيرة جداً. فما أن خرج من الغرفة رفعت رأسها تنظر للغرفة الفارغة منه ودموعها تتساقط بغزارة على وجنتيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!