الفصل 23 | من 29 فصل

رواية ذلك هو قدري الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم موني عادل

المشاهدات
23
كلمة
2,753
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

أوقف فارس سيارة الأجرة وترجل منها بعدما وصل أمام الشركة. أسرع للداخل وبدأ يبحث عن سليم ويسأل عن مكتبه. أرشده أحد العاملين بالشركة لمكتب سليم. وقف أمام السكرتيرة الجالسة على مكتبها أمامه وتحدث بصوت مهزوز: "أريد مقابلة المدير." كانت السكرتيرة ما زالت منكبة على الملفات أمامها، وتحدثت بهدوء وهي تكمل عملها: "هل لديك ميعاد سابق؟ انزوَى حاجبا فارس وقال باقتضاب: "لا." طالعت السكرتيرة وجه فارس منخطف اللون وقالت بعملية:

"يمكنك أخذ موعد والعودة لاحقاً." رفع فارس كفه يمسح على وجهه بغضب، ثم أخذ ينظر حوله. سرعان ما اتجه ناحية باب غرفة مكتب سليم واقتحمه. لتتجلى على ملامح السكرتيرة الصدمة والذعر من غضب مديرها. فتحركت خلفه مباشرة. بينما دلف فارس الغرفة وصدح صوته عالياً وهو يقول بخشونة: "أين أختي؟ أين مي؟ ما الذي فعلته بها؟ رفرف سليم بعينيه يستوعب ما قاله، فرفع يده يمسد مؤخرة عنقه وقال بوجه محتقن: "لا أعرف أين هي. هل حدث لها مكروه؟

فهي منذ فترة لم تعد تأتي للعمل، فتركتها على راحتها لأنني أعلم بما تمر به العائلة. لا أنكر بأنني حاولت أن أتواصل معها، لكنها كانت ترفض أن تجيب على مكالماتي." قال فارس بشيء من الارتباك: "إذا كنت لا تعلم مكانها، فأين ذهبت ومع من؟

تهدل كتف سليم ببؤس وهو لا يعرف بما يجيب أخاها أو كيف يخفف عنه، وهو يشعر بالخوف والرعب عليها في داخله. حدسه ينبئه بحدوث شيء سيء لها. فارتمى على مقعده وهو يحاول استعادة رباطة جأشه، ثم سأل فارس بنبرة مهتزة عن اختفائها. ليخبره فارس بكل ما حدث وهو يتمنى من داخله أن يستطيع سليم مساعدته. ثم خرج من غرفة مكتب سليم وقد سكن الحزن روحه المكلومة. صوب نظره للسماء وهو يدعو ويتمنى أن يصل إليها قبل أن يصيبها شيء.

بينما سليم ما إن خرج فارس من مكتبه، أمسك بهاتفه وأخذ يتصل بكل معارفه ليساعدوه في الوصول إليها وليطلعوه إذا ما توصلوا لأية معلومات عنها. بمجرد أن أنهى اتصالاته، تذكر عندما أخبره فارس عن الرسالة النصية التي بعثها له من هاتف مي تخبره بأنها هربت مع من تحب. ذلك الأمر جعله يشكك في أمر هروبها وأخذ يفكر في اتجاه آخر، وأن هناك من اختطفها وفعل ذلك ليظهر الأمر طبيعياً.

وقف وأخذ يدور في مكتبه وعقله لا يفكر إلا في شخص واحد هو من يمكنه فعل ذلك. فقد توعد له أكثر من مرة. فتذكر محاولاته للتقرب منها. عند هذا الحد ولم يستطع التماسك، فعبست ملامحه وضرب بقبضته على مكتبه بقوة وقال من بين أسنانه بغصة تستحكم حلقه: "لقد أمضيت أياماً أمنع نفسي من تلقينك درساً قاسياً، ولكنك كتبت نهايتك هذه المرة." ثم اندفع خارجاً من غرفة مكتبه وهو يطلق نفساً مرتجفاً حاراً.

توجه منير نحو باب الغرفة التي يحتجزها بداخلها وأدار المفتاح بالباب. ففتح الباب على مسرعيه ليجدها ما زالت جالسة كما تركها منذ عدة ساعات، تجلس على الأريكة بتحفز. فما إن رأته دبت قشعريرة بجسدها. فإدردقت ريقها ووقفت أمامه ترفع ذقنها بإباء حتى لا يصل إليه ارتباكها. بينما قال هو باسترخاء ما إن رآها وشعر بذعرها كال فأر: "بعد ساعات قليلة ستكونين زوجتي وملكي." شل لسانها عن الحديث للحظات وارتجفت شفتاها غضباً حتى نطقت أخيراً

بازدراء: "هل جننت؟ بالطبع لن يحدث، ولن أتزوج من شخص مثلك." رفع سبابته يقول بسخط: "بلى سيحدث. ولكن أولاً عليكي فعل شيء صغير من أجلي." طالعته بانفعال قلق، فجاهدت ليخرج صوتها طبيعياً ولكن خانتها نبرة صوتها فخرج مهزوزاً ومتلعثماً: "وما هو ذلك الشيء؟ استقام في وقفته ووضع كفيه في جيب بنطاله وهو يقول من بين أسنانه المصطكة: "ستكتبين مكتوباً من عدة كلمات قليلة ليبعث لعائلتكم حتى يكفوا عن إزعاجنا."

ابتلعت مي ريقها بصعوبة وقالت وهي تشيح ببصرها بعيداً عنه: "لن يحدث، ولن أكتب حرفاً." مط شفتيه وتطاير الشرر من مقلتيه كالحمم وهو يهتف من بين أنفاسه الملتهبة: "حسناً، لقد اخترتي. ولكن دعيني أخبرك بأنني لن أتهاون مع أي شخص قد يقترب منا، وسأحارب عائلتكم حتى تزهق أنفاسي أو أنفاسهم." ارتعدت وهي تستوعب تهديده المبهم والتفتت تنظر إليه شاهقة. فاغلق منير عينيه المشتعلتين للحظات وهو يتنفس باحتدام وقال بغضب متقد:

"افعلي ما آمرك به بهدوء حتى لا أريك وجهي الآخر." بدأت أنفاسها تتهدج قليلاً بينما تستمع إليه يكمل حديثه بخفوت مبهم: "هيا حبيبتي، اكتبي رسالة لعائلتك بخط يدك حتى تكف الشرطة عن البحث عنك، وأخبريهم بما أريده منك. فلا ترغميني على معاملتك بطريقة لا تليق بفتاة رقيقة مثلك." شعرت بالذعر من تهديده المبطن في حديثه، ولكنها قوست حاجبيها هادرة: "هل تهددني؟

أعلم بأنه لن يخرج معك شيء، وأنك خائف من أن يعثر عليك فارس أو الشرطة، أو ربما سليم." أنهت حديثها وهي تكتف ذراعيها على صدرها تنظر إليه بثقة. ليغضب منير من حديثها وأردف متهكماً وهو يقترب منها:

"اجلسي واكتبي ما أمليه عليكي، واتقي شري. فبإمكاني اغتصابك الآن ووقتها ستكونين كقطعة قماش بالية ليس لها قيمة، ولن تستطيعي النظر في وجه أي أحد. أو يمكنني قتل إحدى أخواتك بكل سهولة إن لم تنفذي ما أريده. فرجالي يتربصون لأخيك وقد تصيبه رصاصة من مجهول، ولا أحد يعلم ما قد يحدث وقتها. ربما يمكنه أن ينفذ منها ويعيش، وربما لا. فلا تختبري صبري." نظرت إليه مذهولة ثم زفرت عدة أنفاس كانت تجيش بصدرها وتكتم عليه، فقالت بضيق:

"يا لك من وغد! سأكتب ما تريده، ولكن عليك أن تعلم بأن أخي لن يصدق حرفاً مما سأكتبه حتى لو كان بخط يدي، فالثقة التي بيننا أكبر وأعمق من مجرد بضع كلمات على ورقة." جلست وأمسكت بالقلم بين أناملها. فهز منير رأسه وقال بمراوغته الخبيثة: "حسناً، اكتبي."

وأخذ يملي عليها عدة كلمات، ولكنها كانت لمي كنصل مسموم في قلبها ودموعها تملأ وجنتيها، ولكنه لم يعر بكائها أي اهتمام وكأنه ليس السبب في بكائها. فطلب منها أن تكتب نسخة أخرى مع تعديل بسيط في الاسم. مرت لحظة أو اثنتين وهي تطالعه بازدراء قبل أن تخضع له وتفعل ما يريده.

وقفت نورين تناظر انعكاس صورتها بالمرآة. وأول ما خطر على بالها عندما طالعت هذا الوجه الذابل والملامح المكسورة هو أن تترك لنفسها العنان وتتحدث معه ولو لمرة واحدة، لعلها تخرج ما بداخلها وترتاح. فأمسكت بهاتفها وكتبت رقمه الذي تحفظه عن ظهر قلب. بينما أجابها كريم وقد تهللت أساريره ولاح الفرح على حياته بعد بعدها لفترة دون أن يعلم شيئاً عنها، فلقد أخبرته بأنها ستتحدث مع عائلتها ومن وقتها لم تتواصل معه ولم تعد تذهب للمدرسة، فلقد انتهى العام الدراسي وتبقت بالمنزل تنتظر موعد الاختبارات.

استمعت لصوته يهتف بلهفة: "لو تعلمين كم اشتقت إليك، فكم تناديك نبضات قلبي، فأهواكي بكل جوارحي. لعشقتني أكثر مما أستحق، فيبدو بأنني أحببتك أكثر مما ينبغي، فلما تركتني خلفك وكأنني مجرد عابر سبيل في حياتك." كتمت شهقة خافتة وقالت بصوت مرتجف: "أشعر بأنني محطمة من داخلي وأنني أعذبك معي، ولكن ليس بيدي حيلة، فأنا أمر بمأزق. ولكني لم أتمكن من نسيانك للحظة، فقد أدمنت وجودك بحياتي." تنهد كريم بحرقة قلب وقال:

"أخبريني بما يحدث معك وسنتجاوز الأمر سوياً، ولكن لا تختفي بتلك الطريقة مرة ثانية." غمغمت نورين ببؤس ووهن: "لا أستطيع أن أخبرك بما يحدث، فالأمر لا يعنيني وحدي، بل يعني عائلتي كلها." تفهم كريم حديثها ولم يرد أن يضغط عليها أكثر، فقال يطمئنها: "أنا موجود دائماً وسأكون بانتظارك في أي وقت لتتحدثي معي وتخبريني بما يشغل بالك ويضايقك."

ارتسمت ابتسامة على وجهها، ولكن سرعان ما اختفت وشحب وجهها وهي تجد فارس واقفاً على عتبة باب غرفتها بعدما فتحه دون استئذان. فأنزلت الهاتف عن أذنها وأنهت المكالمة. فتفاقم توترها وهي تجده يقترب منها ويقف مقابلها ينظر إليها دون التفوه بحرف. فقال فارس بعد أن أطلق تنهيدة عميقة: "مع من كنتِ تتحدثين؟ هل أرسلت إليك مي رسائل أخرى؟ هزت رأسها نفياً وقالت بتوتر مرتبك: "كنت أتحدث مع صديقة لي."

أومأ لها فارس وهو يرجوها بأنها إذا ما عرفت شيئاً عن مي أن تخبره به. فتساقطت عبراتها بغزارة. فرفع أنامله وأخذ يمحوها، ثم احتضن رأسها يطبطب بكفه فوق ظهرها بخفة وقال مشدداً أزرها: "يكفي بكاءً، سنجدها عما قريب."

ابتعدت عنه نورين وهي تبتسم ابتسامة من وسط دموعها لم تتعد شفتيها. ليبتعد فارس عدة خطوات ويلتفت مغادراً غرفتها. فمالت برأسها تطالع هاتفها الذي ما زالت ممسكة به بين كفها بحزن، ولكنها ابتسمت رغم ثقل قلبها وما يجثم فوقه.

وقفت ملاك تجهز مائدة الطعام وهي تصوب نظرها على والدتها وأخواتها. تطالع والدتها بنظرات مشفقة، فهي رغم الحزن والإعياء الظاهر عليها تحاول أن تظهر بمظهر الأم القوية من أجلهن. فتنهدت بحزن وهي تتمنى أن تنتهي معاناتهم. فالتفتت برأسها تنظر ناحية معتز الجالس بملامح مكفهره يزم شفتيه يكبح غضباً مستعراً في داخله. فهتفت بصوت مسموع لتلفت انتباههم: "الطعام جاهز."

ناظرتها والدتها وقد لسعت العبرة بسياطها حدقتها، ولكنها تماسك وقالت توجه حديثها لابنيها وهي تتراخى في جلستها: "لما مازلتم جالسون؟ هيا قفوا وتناولوا طعامكم، فلم يذق أحد منكم طعم الزاد منذ البارحة." عبست ملامح معتز قبل أن يقول بشرود عينيه: "ومن لديه شهية؟ لن يرتاح لي بال وأستطيع الجلوس وأتناول طعامي إلا بعد أن أعلم أين هي ومع من. وإذا اتضح أن تلك الرسالة صحيحة، وقتها لن ينقذها أحد من بين يدي، فسأزهق روحها."

غطت والدته فمها بيدها تكتم شهقة خافتة وقد انقبض قلبها خوفاً على ابنتها. فاستطردت تقول وهي تحاول أن تغير فكره وتكون أكثر إقناعاً: "صدقاً لا أدري ما أقوله، ولكن حكم قلبك، هل مي يمكنها فعل هذا؟ يمكنها أن تؤذينا بتلك الطريقة؟ بالطبع لا، فقد ربيت ابنتي بطريقة صحيحة، ولن أسمح لأي كان أن يشكك في تربيتي لها."

أراد الرد عليها ولكنه بتر حديثه عندما نشجت والدته بألم حارق والحزن يفترس مقلتيها. فضرب كفاً بكف ووقف يستند على عكازه وتحرك مغادراً المجلس ذاهباً ناحية غرفته.

بعدما خرج فارس من غرفة نورين، ذهب مباشرة لغرفته وتسطح على الفراش يحاول النوم ولكنه لم يستطع. فلم يغمض له جفن منذ تلك الليلة التي اختفت فيها مي. كان متسطحاً على ظهره ينظر لسقف الغرفة بوجه فاقد حيوية الحياة. فاستمع لصوت خطوات قريبة من باب غرفته، وراء مقبض الباب يتحرك. فوضع ذراعه فوق وجهه وأغمض عينيه سريعاً مدعياً النوم.

بينما دخلت ليال الغرفة وأغلقت الباب خلفها. فأقتربت من الفراش وهي تطالعه وجلست على طرفه وشردت تنظر إليه وهي تهمس بصوت يغزوه الحزن: "إلى متى سيظل القدر يعاملنا بتلك القسوة؟ ألم نحظ بالسعادة وراحة البال؟ فلما الحزن يتوغل بحياتنا؟ هل ذلك هو قدرك أم قدري يطغي عليك؟ ابتلع طعماً مراً في حلقه وهو يزيح ذراعه عن عينيه ينظر إليها. فدنت منه أكثر تدفن وجهها في صدره فقال بصوت مبحوح: "ما الذي ترمين إليه بقولك لتلك الكلمات؟

اندفعت مبتعدة عنه بإنزعاج ظاهري ثم قالت بعفوية: "لم أقصد شيئاً، كنت أسألك فقط لما القدر بتلك القسوة؟ فلما كلما شعرنا بالفرح للحظات يحدث شيئاً يحزننا لأيام طوال." ازداد انعقاد حاجبيه وقت وهو يعتدل جالساً: "هل مللت العيش معي لتعترضي وتتذمري من قدري؟ فتلك مشيئة الله، ليس بيدي شيء إلا الصبر." فغرت ليال شفتيها قليلاً وقد تفاجأت من تحليله لحديثها، فهي لم تقصد ما وصله من معنى، فقالت بجدية:

"بالطبع لا، فلم أقصد ذلك. كنت أحاول أن تناقشي معي." همس بتهكم حانق وهو يتسطح مجدداً: "اذهبي واغلقي الباب خلفك واتركيني، لعلي أغفو ولو لعدة دقائق." اختلجت شفتا ليال واستغرق الأمر منها لحظات طويلة قبل أن تجيبه بتحشرج وهي تمحي دمعة فارّة من عينيها: "حسناً، نوماً هنيئاً."

بمجرد أن قالت تلك الكلمات وقفت من مكانها. فشاب ملامحه الانزعاج ولكنه ظل على هيئته دون التفوه بحرف. فاتجهت ناحية الباب وأوصدته جيداً بالمفتاح وأكملت خطواتها ناحية الفراش وتسطحت بجواره دون قول شيء. فاجتذبها فارس نحوه لتريح رأسها على كتفه ويمسد عليها لتغمض عينيها باسترخاء، بينما ظل هو مستيقظاً وفكره مشغولاً بمي. فاللمعت مقلتيه بالقهر والظلم الذي يعافر به.

ليخرجه من تفكيره صوت طرقات قوية على باب غرفته. استيقظت ليال فزعاً تنظر إليه بتساؤل. فابتعدت عنه لتعطيه مجالاً ليذهب ويفتح الباب. فما إن فتح الباب ورأى ملاك واقفة أمامه بوجه شاحب شحوب الموتى علم بأن هناك ما هو أسوأ. فمدت يدها إليه بتلك الورقة التي وجدتها أمام عتبة باب منزلهم.

تناول فارس الورقة سريعاً وأخذ يقرأ تلك الكلمات التي كتبتها مي، فتقبضت يداه والغضب يشتعل بداخله وهو يطالع خطها. فليس هناك ما قد يجعله يشكك في الأمر الآن. فضغط على أسنانه بشراسة. فلقد كان منفعلاً جداً. حاول أن يهدأ ولكنه لم يستطع. فأمسك برأسه الذي شعر بأنها على وشك الانفجار وأن الدماء تفور بداخله، قبل أن يغمض عينيه ويقع مرتطماً بأرضية الغرفة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...