الفصل 1 | من 28 فصل

رواية ظلمات قلبه الفصل الأول 1 - بقلم هدير دودو

المشاهدات
37
كلمة
3,049
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

كان جميع من في الفيلا متوتر، مرتبك بشدة. اليوم ليس مثل أي يوم طبيعي، فاليوم هو يوم عودة أرجَد العزايزي من الخارج. فمن لا يعرف أرجَد العزايزي؟ فقد سافر إلى الخارج منذ زمن ليس بقليل كي يعمل على تحسين أحوال الشركات والصفقات في الخارج، خاصة بعد أن مرت بحالة من الضعف. لكن في أقل من شهرين استعادت الشركات في الخارج اسمها وحالتها الطبيعية، بل وأقوى. فهو ليس أي شخص، إنه أرجَد العزايزي. ***

كانت أشرقت جالسة في غرفتها كعادتها اليومية، فهي طوال اليوم تظل حبيسة في غرفتها بملامحها الحزينة الشاردة. لتتنهد تنهيدة حارة حارقة تحمل المزيد من الحزن. تذكرت بأن والدها قام بضربها أمس على سبب تافه. لم يُذكر بالأساس، فقط عندما أبدت وعبرت عن رأيها كأي شخص طبيعي. لكن في حالتها هي، قد تعاقبت عليها كأنها افتعلت جريمة كبيرة. ولكنها لم تكن تلك المرة الأولى. قطع شرودها مع ذاتها دخول مرام عليها، التي قالت لها

بلا مبالاة كي تخفف عنها: "متزعليش نفسك يا أشرقت، وسيبك من بابا. انت خلاص اتعودتي، مش جديدة بقا. قومي نخرج نفكي على نفسك شوية، بدل ما انت قاعدة على طول. ده حتى الأكل نادراً لما بتنزلي تاكلي معانا." لتكمل حديثها بشفقة وحزن واضح وظاهر على ملامحها: "أنا بجد نفسي أساعدك بس ما باليد حيلة. انتي عارفة ماما وبابا بقا." أومأت أشرقت برأسها للأمام ببطء وحزن، وخفوت، شاعرة بألم شديد، قبل أن تهتف قائلة لها بمرارة ونبرة حزينة يائسة:

"ما انتي عارفة أكيد بابا مش هيوافق، بلاش أعلق نفسي على الفاضي. مش مهم نخرج، روحي اخرجي انت." ابتسمت مرام في وجهها قبل أن تهتف قائلة لها بمواساة وثقة، محاولة أن تخرجها من حالتها الحزينة تلك: "متخافيش، أنا هتصرف وهقنع ماما تقنعه هي بنفسها."

ابتسمت أشرقت بفرحة وقد دبَّ الأمل أوصالها، فهي سوف تتجه إلى الخارج. لم تخرج منذ أربعة أشهر، والدها دائماً يرفض ذلك الموضوع، وإذا فُتح يقوم بمعاقبتها وضربها. لذلك يأست من أن تحدثه في هذا الموضوع، تعلم بأنها لن تستفيد سوى ضربها وإهانتها أمام الجميع. لكنها واثقة تماماً بأنها اليوم سوف تخرج، فمرام ليس مثل أي أحد، لديها سيطرة على والدتها. دائماً والدتها ترضخ لطلباتها، لم تقدر على رفض طلب لها. ووالدها لم يعترض على ما تقوله وتطلبه تلك المدعوة زوجته.

نزلت مرام من غرفة أشرقت متجهة إلى مكان مجلس فايزة والدتها. وهتفت لها بعدة كلمات داخل أذنها كي لا يسمعهما أحد، وأنهت كلامها قائلة لها بإلحاح: "عشان خاطري يا مامي اقنعي بابا يوافق، وحياتي عندك." وظلت تنظر لها برجاء وأمل.

هزت فايزة رأسها على مضض، شاعرة بنوبة من الغضب تحتاجها، لكنها لم تكسر بخاطر ابنتها أبداً. لتذهب متجهة إلى شريف وأقنعته بسهولة. فمن كلمة واحدة قد وافق. أما مرام، صعدت مسرعة إلى أشرقت وأخبرتها أن أباهما قد وافق. ابتسمت أشرقت بفرحة شديدة واتجهت مسرعة كي تأخذ شاور وترتدي ثيابها المكونة من بنطال جينز، وتي شيرت من اللون الوردي، ونزلت مع مرام متجهة إلى الخارج. أوقفتهما صوت سيلان، التي قالت لأشرقت متسائلة بسخرية واستهزاء،

مود أن تزعجها: "وده من امتى يا أشرقت وانتِ بتخرجي؟ هو عمي أفرَج عنك ولا إيه؟ تنهدت أشرقت قبل أن ترد عليها قائلة باندفاع وضيق، محاولة كبت غيظها بسبب إهانتها لها الدائمة: "اتلمي يا سيلان، وأظن إن دي حاجة متخصكيش. يلا يا مرام عشان نلحق نرجع بدري." ظلت سيلان ترمقها بنظرات غاضبة تخترقها. ردتها لها أشرقت بابتسامة مستفزة، ويعلو على ملامح وجهها الانتصار. *** عند فايزة، كانت جالسة مع شريف في غرفتهم. هتفت قائلة له بخبث وطمع:

"خ بالك أرجَد جاي انهاردة، انت عارفه هيراجع كل حاجة. فحاول تتصرف في الفلوس اللي بناخدها وشوف هتقوله اتصرفوا في إيه." تنهد شريف بصوت مسموع، قبل أن يهتف قائلاً لها بثقة واطمئنان، وهو يجلس على مقعده بأناقة وغرور: "متقلقيش يا فايزة، كله تمام. عملت زي ما قولتيلي." ابتسمت فايزة بانتصار وراحة، فهي كانت حاملة هذا الموضوع على صدرها. ***

وقف السائق الخاص بسيارة أرجَد أمام "فيلا العزايزي". دلف أرجَد إلى الداخل، وجد والده عابد أمامه في انتظاره. احتضنه أرجَد سريعاً قائلاً له بحب واشتياق، متسائلاً عن أحواله: "ازيك يا بابا؟ عامل إيه وصحتك عاملة إيه؟ ابتسم والده بفرحة، قبل أن يرد عليه مجيباً إياه باطمئنان وثقة: "الحمد لله كويس يا حبيبي، وحشتني أوي. انت عامل إيه؟

جاءت عليهما أسيا شقيقته، التي ما إن رأته حتى ركضت نحوه سريعاً لتدخل داخل حضنه، قائلة له بحب أخوي واشتياق شديد، تشعر الآن بالفرحة الشديدة، فهي متعلقة بأخاها بشدة منذ الصغر: "وحشتني أوي يا أرجَد بجد وحشتني." التقطها أرجَد بين ذراعيه سريعاً، قائلاً لها هو الآخر بحب أخوي متبادل واشتياق: "انتِ اللي وحشتيني يا روح أرجَد." ليكْمِل حديثه متسائلاً لها عن أحوال مذاكرتها وجامعتها.

ليجتمع الجميع سريعاً مرحبين بأرجَد. كانت عيناه تدور بحثاً عن معشوقته، مالكة قلبه التي سحرته منذ أن وُلِد، لكنه أُصيب بالإحباط، ليزفر بضيق عدة مرات عندما لم يجدها. يخشى أن يسأل عليها، حتى لا يفهم أحد شيئاً. ليغمض عينيه بقوة مانعاً ذاته من التفكير. فهو قد تمنى أن يجدها واقفة في استقباله. يعلم أنه لن يحدث سوى في أحلامه. ليفوق من شروده على صوت والده، الذي عقد حاجبيه باستغراب قائلاً له بتساؤل ودهشة: "فيه إيه يا ابني؟

مالك سرحان في إيه؟ ضحك أرجَد قائلاً له بكذب، كي لا يفهم شيئاً: "مفيش يا بابا، بفكر أقوم أروح الشركة دلوقتي وأشوف أحوالها وكده." ليرد عليه عابد قائلاً له باعتراض ونبرة حازمة بشدة: "تروح فين يا ابني؟ انت لسه راجع من برة، مفيش مرواح. انت جاي تعبان، لازم ترتاح." هتفت أسيا مؤيدة ما يقوله والدها: "أيوه فعلاً يا أرجَد، اقعد معايا شوية عشان خاطري. إيه الشركة والشغل، هي الدنيا هتطير يعني؟

ابتسم لها أرجَد ابتسامة خفيفة، وهز رأسه، تحت أعين ماجد المسلطة عليه، ينظر له بالخبث والكره واضح. هتفت سيلان لأرجَد قائلة له بتساؤل، وهمس مغرٍ لاحظه أرجَد وفهم مغزاه: "اممم، وانت بقا يا أرجَد، إيه كنت مبسوط هناك وكده؟ طالعها أرجَد بنظرات محتقرة، قبل أن يهتف لها بصرامة وحدّة، كي يوقفها عند حدها، فهو يعلم مدى كرهها لحبيبته أشرقت: "اه طبعاً كويس." ليكْمِل حديثه بتساؤل خبيث لكي يوصل لها مقصده:

"جوزك مش ناوي يرجع بقا ولا إيه نظامه؟ هتف ماجد قائلاً له بكره واندفاع وصوت عالي غاضب بشدة: "انت مالك اختي قاعدة معايا؟ وفي حقها إحنا لينا نصيب ولا عايز تنكر ده؟ وتكوش انت على كل حاجة." ضحك أرجَد عليه، ليرد قائلاً له ببرود واستفزاز، وهو يجلس على مقعده بأريحية: "اهدأ شوية على نفسك. هو عيب لما أسأل بنت عمي وأتطمن عليها، ولا إيه يا ماجد؟

لم يرد عليه ماجد، بل ظل يطالعه بنظرات مليئة بالكره والسخرية. لم يعطه أرجَد أهمية، ليوجه حديثه إلى شريف ويسأله بطريقة غير مباشرة: "أمال فين بناتك يا عمي؟ مش شايفهم؟ ابتسم شريف ابتسامة صفراء، قبل أن يهتف قائلاً له بلا مبالاة: "مرام أخدت أشرقت وخرجوا شوية." هتفت سيلان قائلة بتساؤل، وطريقة ساخرة خبيثة: "بس اشمعنى يا عمي انهاردة وافقت إنها تخرج؟ مش غريبة دي، ولا إيه؟ أخدت إفراج."

أنهت كلامها الساخر، وظلت تضحك بسخرية واستهزاء. لم يرد عليها شريف، ظل يطالعها بنظرات غاضبة. شعر عابد بتوتر الجو، فهتف إلى ابنته الجالسة داخل حضن أخيها قائلاً لها بنبرة صارمة: "روحي يا أسيا وصلي أخوكي يرتاح، شكله تعبان من السفر." كان أرجَد شارد فيما قالته سيلان عن أمر أشرقت، هل عمه يزعجها أم لا. يخشى أن يسأل أحد. سار مع شقيقته حتى وصل إلى غرفته. ليهتف قائلاً لها بتساؤل واهتمام خفي، مود أن يطمئن قلبه:

"هي أشرقت ومرام كويسين صح ولا إيه؟ ليكْمِل حديثه مبرراً لها كي لا تفهم مقصده: "أصل غريبة يعني مشوفتهمش خالص تحت، جايين يخرجوا دلوقتي." ابتسمت أسيا، ولم تعقب على حديثه، مقررة بألا تقول له شيئاً عما يحدث كي لا تزعجه منذ أول يوم. لتهتف قائلة له بمرح، مغيرة مجرى الحديث: "ركز معايا أنا بس يا عم أرجَد، مجبتليش هدية كده أو كده يعني." أنهت كلامها غامزة له بإحدى عينيها. ابتسم أرجَد عليها، قبل أن يهتف قائلاً لها بنفي وحب أخوي:

"لا طبعاً، وهي دي تيجي برضو يا أسيا؟ أكيد جايب لك." ليتجه إلى حقيبته، قام بإخراج سلسلتين من السوليتير وأعطاها واحدة منهما. ابتسمت أسيا بفرحة، قبل أن تهتف قائلة له بمشاكسة متسائلة بتطفل: "لا أنا عايزة التانية مش دي، انت جايبها لمين أصلاً؟ لم يرد أرجَد عليها، بينما هتف قائلاً لها بصرامة، مغيراً مجرى ذلك الحديث: "أسيا دي الموجودة، اتفضلي يلا عشان هنام وأرتاح، مش فاضي."

عقدت أسيا حاجبيها باستغراب من تحوله الملحوظ. هي كانت تمزح معه فقط. لتهز كتفيها وتتجه نحو الباب لتخرج كما قال لها. لكن استوقفها صوته قائلاً لها بحب، وهو يجذبها داخل صدره: "متزعليش يا أسيا، معلش اتنرفزت عليكي بس مضغوط شوية وتعبان يا روحي." ابتسمت أسيا بفرحة وبادلته الحضن، ثم خرجت تاركة إياه كي يرتاح. لكنها صممت وحزمت أمرها أن تعلم من صاحبة تلك السلسلة الثانية. ***

في منتصف الليل، عادت أشرقت التي كانت خائفة بشدة. تعلم أنهما قد تأخروا، لكنها انتهزت تلك الفرصة. منذ زمن وهي لم تخرج بارتياح مثل اليوم. التصقت في مرام بخوف، حتى وصلت مرام إلى غرفتها ودلفت فيها. أما أشرقت، فاكملت طريقها حتى وصلت إلى غرفتها هي الأخرى، وهي تحمد وتشكر ربها بداخلها على أنها لم تقابل والدها وزوجته حتى الآن. ولكن سرعان ما تلاشت تلك الابتسامة التي كانت مرسومة على وجهها، عندما وجدت والدها يجلس ينتظرها في

غرفتها، وتجلس بجانبه فايزة زوجته، بكبرياء وشموخ، واضعة ساق على ساق، وابتسامتها متسعة فوق شفتيها، تطالعها بنظرات غل وفرحة. فهي أقسمت ألا تترك تلك الليلة تمضي على خير. لم ترفض طلب ابنتها كي لا تزعجها، لذلك سمحت لها أن تخرج، لكنها لم تصمت لتقوم بتحريض شريف على أشرقت كعادتها اليومية. ارتجفت أشرقت عندما رأتهم بخوف، لتهتف قائلة مسرعة، وهي ترتعش بداخلها من شدة الخوف،

يكاد أن يتوقف قلبها: "و.. والله.. يا.. ب.. بابا ما كان قصدي أتأخر برة، ب.. بس الوقت سرقني. انت عارف بقالي قد ايه.. مش بخرج، داخلة في أربع شهور. بعد كده مش هتأخر خالص. أسفة يا بابا.. أ.. أسفة مش.. هعمل.. كده تاني. بس بلاش ضرب انهاردة.. كفاية الصبح." قالت جملتها الأخيرة بأمل، متمنية أن والدها يستمع إليها تلك المرة. لكنها تعلم بأن والدها لن يتركها. فمنظر فايزة المبتسم يدل على ذلك، فهي قد حرضته بشدة.

ليقوم والدها من كرسيه، يقاطعها بصفعة قوية أطاحت بها أرضاً، جعلت الدماء تسيل من أنفها، ليجذبها من شعرها خلفه، وهتف بقسوة شديدة، يسبها بأبشع الألفاظ كأنها ليس ابنته هي من تقف أمامه: "وانتِ فاكرة إني هسمحلك تخرجي تاني أصلاً؟ تبقي بتحلمي. انتِ انسانة زبالة و***، آخرك تتحبسي في البيت، متلمحيش خيال الشارع، فاهمة."

هزت أشرقت رأسها للأمام ببطء وخوف. ليقوم هو بصفعها للمرة الثانية، لكنها لم تقع، فهو قد كان محكماً قبضته على شعرها. جاءت لتبكي وتصرخ، لكن قامت فايزة من كرسيها وقامت بتقييد فم تلك المسكينة. أكمل شريف ضربه لها، وهو يطالعها بقسوة، لم يشفق على منظرها قط. بعد أن تعب من كثرة ضربها، خرج تاركاً إياها مع فايزة، غير عابئ بوجعها وإهانتها. اتجهت فايزة لها وقامت بفك فمها المقيد بقطعة من القماش البالي، وهتفت بهمس أمام شفتيها

قائلة لها بتشفي و غرور: "تستاهلي عشان تبقي تتمحلسي لبنتي تخرجك يا خبيثة. عارفة إني مش برفض لها طلب ولا شريف بيرفضلي طلب.. بس على مين؟ اديكي خرجتي وخدتي جزاءك وجزاء خبثك." لتتابع حديثها بحقد وغل أكثر: "أنا هفضل أفكرّه باللي حصل زمان لغاية ما يجيب أجلك في إيده."

أنهت حديثها وهي يرتسم على شفتيها ابتسامة تملأ وجهها، لتقوم بإطاحة تلك المسكينة أرضاً، وتغلق الباب عليها جيداً، وعلى وجهها علامات انتصار وفرحة، كأنها قد انتقمت من عدوها وفازت في الحرب. لتقوم أشرقت بضعف وتعب، متحاملة على نفسها، مستندة على الحائط حتى وصلت إلى المرحاض الملحق بغرفتها، تبدأ بملء حوض الاستحمام بالماء الدافئ، مثل كل يوم، وتنزل فيه، تود أن تصرخ بأعلى صوتها من آلام جسدها وقلبها. تبكي بعنف تحت الماء، متسائلة

نفسها للمرة المليون: هل من كان يقف أمامها يضربها بكل تلك العنف حقاً والدها؟ هل من الممكن أب يفعل هكذا مع ابنته؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...