كان أرغد يدخل غرفته، وفي يده الملف. لكن قبل أن يدلف الغرفة، استوقفه صوت ماجد الذي كان ينادي عليه. نظر له أرغد بعدما عقد حاجبيه بدهشة واستغراب، فمنذ أن أتى من السفر وهو لم يحتك بماجد سوى في الشركة. هتف أرغد قائلاً له بتساؤل وجدية تامة: -نعم يا ماجد، في حاجة؟ حرك ماجد رأسه إلى الأمام بتأكيد وخبث، ويرتسم على شفتيه ابتسامة خبيثة. فهو قد قرر أن ينفذ ما خطط له منذ أول يوم أتى فيه أرغد. ليهتف قائلاً له بتأكيد
وهو يمثل القلق والتوتر: -تعالي بس ندخل أوضتك، لأن اللي هيتقال مينفعش حد يسمعه نهائي. تنهد أرغد بضيق ونفاذ صبر، ليدخلا سوياً غرفة أرغد، الذي كانت ملامحه تدل على الملل من أفعال هذا الذي أمامه. فماذا سوف يقول له؟ مقرراً إذا كان هذا الشيء الذي سوف يقوله شيئاً تافهاً، لن يعني شيئاً بأنه سوف يوبخه. ليهتف قائلاً له بحنق ونفاذ صبر وهو يضع يديه فوق يديه الأخريين دليلاً على ملله:
-آه، اديني دخلت الأوضة. اتفضل قول اللي أنت عاوز تقوله. إيه هي الحاجة المهمة اللي عاوز تقولها، ومينفعش تتقال برة الأوضة ولا حد يسمعها؟ ليرد عليه ماجد بخبث وتوتر كاذب: -ا... أصل بصراحة يا أرغد... بص أنا هحكيلك كل حاجة. حرك أرغد رأسه مشجعاً إياه كي يواصل ويكمل حديثه. فأكمل حديثه بالفعل ليقول لأرغد: -بص أنا وإشرقت بنت عمنا... انتبه أرغد بشدة خاصة عندما ذكر اسم إشرقت. ليتابع ماجد:
-في ما بينا كانت علاقة حب، وبنحب بعض. وللأسف ضعفنا وغلطنا مع بعض، ومش مرة، لا أكتر من مرة. ليكمل حديثه ممثلاً الندم والمسؤولية:
-أنا مبقتش عارف أعمل إيه، بس عاوز أصلح غلطي. أنا عارف إن أنا غلطان وعاوز أصلح غلطي. شعر أرغد بأن قدميه لم تعد تتحمله، الدنيا تلف به، خاصة بعدما سمع حديث ماجد عن معشوقته وملاكه إشرقت. حرك رأسه عدة مرات بالنفي، عقله رافض أن يصدق تلك الفكرة نهائياً. ليهتف قائلاً له برفض وعدم تصديق، يدافع عنها وهو يتنهد بصوت مسموع محاولاً كبت غضبه، لينتهره بصوت عالٍ: -اخرس! أنت بتقول إيه؟ إشرقت محترمة، واستحالة تعمل حاجة. أنت اللي كداب!
اتفضل اطلع برة، برة! ليكمل حديثه بوعيد جاد: -لو شوفتك وأنت بتقول الكلام ده تاني لأي مخلوق، مش هرحمك يا ماجد. يلا برة. لينهي حديثه ويرفع إحدى يديه مشيراً على باب الغرفة كي يخرج. وقف ماجد يراقب رد فعل أرغد وهو يبتسم فرحاً بداخله. ظل يرمقه بنظرات شامتة قبل أن يهتف قائلاً له بتمثيل وكذب كي يصدقه، فكلما صدقه أكثر كلما شعر هو أنه نجح في مخططه ووصل لغايته: -في إيه يا أرغد؟
براحة. أنت ليه محسسني إني جاي بقولك اتجوزها أنت، وصلح غلطي مكاني؟ ليتابع بسخرية: -أو مثلاً بتحبها وصدمتك فيها. أنا جاي آخد نصيحتك لأني بجد مشتت ومش عارف أعمل إيه. ليهتف مكملاً حديثه بمكر: -خايف أسيبها وأقول عادي ما هو كله كان بمزاجها، أنا ماغصبتهاش على حاجة. وأقول بعدين لأ دي مهما كانت بنت عمي، استحالة أوافق إني أعمل فيها كدة. هاتجوزها وأستر عليها. لو أنت مكاني هتعمل إيه يا أرغد؟
غرز أرغد يديه بين خصلات شعره محاولاً التحكم في غضبه. فلو تركه سوف يقتل ذلك الذي أمامه. ليظل يمرر يديه بينهما ويشتد عليهم، كاد أن يقلعهم من رأسه، كأنه يمنع نفسه من التفكير فيما يقوله ماجد. لكن هيهات، فأي شيء يفعله لن يمحو تلك الفكرة للأسف. فهو الآن شعر كأن أحد جلب نصل حاد وغرزه داخل قلبه بكل نهم وتشفي. فهو يعتبرها ملاكه الذي لم ولن يستطيع التخلي عنه. هل خدعته ببراءتها؟
هل كانت تمثل عليه وترتدي قناع البراءة أمامه تلك السنين؟
كم من الأسئلة تدور الآن داخل عقله. فهو لم يحبها، بل يعشقها. كان عشقه لها يتغلغل داخل قلبه كل يوم ودقيقة وثانية. كان حبه لها يزداد ويزداد أكثر وأكثر. والآن انصدم في حقيقتها. ليغمض عينيه ضاغطاً عليهما بقوة، يعتصرهما متمنياً بأن ما قاله ماجد له الآن يكون كذب. كان واقف كالطفل الذي ينتظر أملاً ليتعلق به. ليهز رأسه بالآخر عدة مرات يميناً ويساراً نافياً تلك الفكرة من عقله، غير مصدق ما يقوله له ماجد. ليهتف قائلاً له بعصبية أكبر وصوت عالٍ، جاهد بصعوبة أن يصبغه بالصرامة والجدية ويخفي منه نبرة الألم والخوف والتوتر، ضاغطاً
على كل حرف يتفوهه:
-ا.طل.ع بر.ة… برة يا ماجد. مش عاوز أشوف وشك قدامي. جاء ماجد ليرد عليه، لكنه عاد جملته مرة أخرى بنبرة أقوى جعلت ماجد الواقف أمامه ينتفض بخوف من نبرة صوته الآن. ليؤمئ ماجد رأسه ويتجه إلى باب الغرفة يخرج منها، وهو يقسم بأن تصرفات أرغد ليس تصرفات شخص عاقل أبداً. نعم يا سادة، فعندما يتعلق الأمر بمعشوقته لم يكن للعقل أي مكان لنستخدمه في تصرفاتنا أبداً. خرج ماجد من الغرفة تاركاً أرغد ضعيفاً، مشوشاً، لم يستطع أن يفكر، متمنياً بداخله ألف مرة أن يكون ماجد كاذباً فيما قاله له. في الصباح الباكر، خرج أرغد من غرفته لينزل إلى الحديقة. فهو منذ الأمس وعيناه لم تذق طعم النوم أبداً. كيف ينام بعد ما قاله له ماجد؟
لكن قبل أن ينزل، استوقفه شيء غريب وهو خروج ماجد من غرفة إشرقت. ليظل ماجد يتلفت حوله يميناً ويساراً بكذب وتمثيل، فهو ظل يراقب أرغد لكي يفعل ذلك عندما يخرج من غرفته ويراه. وقف أرغد مصدوماً، تمنى لو يقدر أن يكذب عينيه. ليدخل مرة أخرى إلى غرفته وجلس على أقرب كرسي قابله ليضع يديه على رأسه كأنه يمنعها من التفكير فيما رآه منذ دقائق. بعد مرور يومين، كانت إشرقت جالسة في غرفتها تشعر بالملل. فهي لم تجد شيئاً تفعله. تذكرت أمس
عندما ذهبت لوالدها كي تطلب منه أن تخرج لتشتري لنفسها بعض الأشياء، وتذكرت رد فعله، كيف صاح في وجهها كأنها طلبت منه شيئاً مستحيلاً. وعندما جاءت لتشرح له الأمر، قاطعها بصفعة قوية أطاحتها أرضاً، وخرج تاركاً إياها لتغمض عينيها بألم وتمسح تلك الدمعة التي نزلت من عينيها. لتعقد حاجبيها باستغراب. ففي هذين اليومين لم تر فيهما أرغد أبداً، وهذا غير عادته. فهي اعتادت عليه وعلى وجوده حولها، اهتمامه بها. هل ما زال زعلاناً منها بسبب
آخر لقاء بينهما، أم أنه مشغول في عمله؟
ليقطع حبل أفكارها صوت دق على الباب. ابتسمت بإشراق على أمل أن يكون هو من يدق الباب، لكن سرعان ما شعرت بخيبة أمل عندما وجدت أن من يدلف هي سيلان، ابنة عمها الكبرى. لتحول ملامحها إلى الضيق والإحباط، وتلاشت ابتسامتها التي كانت تعلو ثغرها في أقل من ثانية. ظلت سيلان ترمقها بنظرات كره وغيظ وغيره تشع من عينيها، قبل أن تهتف قائلة لها بنبرة ساخرة: -فيه إيه مالك قاعدة فاضية؟ ما أنت مش وراكي حاجة تعمليها. لتكمل حديثها
بشماتة وضحكات مستفزة: -حتى الخروج ممنوعة منه. هو عمي بيعمل معاكي كدة ليه؟ تنفست إشرقت بصوت مسموع قبل أن تجيبها باقتضاب وضيق يحمل نبرة صارمة، فهي تعلم نواياها جيداً، مقررة بألا تترك لها فرصة لتشمت بها:
-أظن يا سيلان إنك ملكيش دعوة بيا. ياريت بقى متدخليش في حاجة ملكيش دخل فيها. لم ترد عليها سيلان، بل ظلت تطالعها بنظرات غاضبة. استقبلتها إشرقت بابتسامة فرحة مشرقة، لتخرج سيلان وهي تضحك وتتوعد لها. فمهلاً، كم يوم وتعلمها كيف تتعامل معها. في المساء، دخل والد إشرقت عليها الغرفة. كانت إشرقت جالسة تقرأ إحدى الروايات. لتنكمش على نفسها بخوف، فوالدها لم يدخل لها سوى عندما يقوم بضربها وإهانتها. وقف شريف أمامها قائلاً لها
بجدية ونبرة صارمة قوية: -ماجد ابن عمك طلب إيدك مني وأنا وافقت، وقال عاوز يعمل كتب كتاب على طول بعد أسبوعين. ظلت تطالعه بصدمة شديدة، لكنها وجدته يقف أمامها عادي غير مبالٍ لما قاله، كأنه يخبرها بشيء عادي ليس شيئاً يحدد مستقبلها ومصير حياتها. لتقوم من مجلسها قائلة له برفض وخوف وصوت خافت متقطع:
-ل.. لا.. يا بابا… ب.. بس ا.. أنا .. مش.. موافقة.. مش عاوزة اتجوز ماجد. أنا مش بحبه. صاح شريف في وجهها قائلاً لها بحدة وصوت عالٍ: -حب إيه وزفت إيه اللي بتقوليه ده؟ بلا حب بلا بتاع. مش كفاية إنه هيوافق يتجوز واحدة قذرة و*** زيك. ليكمل بقسوة غير عابئ بها وبجوارحها:
-أنا ما صدقت هخلص منك ومن قرفك اللي مستحملاه من سنين. أنا خلاص اديته كلمة، وبعد أسبوعين كتب كتابكم. أخيراً جه حد وهيشيل هو ليلة قرفك دي. كان حديثه وقسوته تجلدها، تكسر قلبها: -محدش بيتقدملي عشان أنت حابسني في البيت، ومحدش بيشوفني أصلاً. وكمان أنا مش عاوزة اتجوز دلوقتي. جذبها شريف من خصلات شعرها بعنف شديد، قائلاً لها بصوت عالٍ قاسٍ: -وأنت عاوزة تخرجي من البيت؟
اللي زيك آخره يتحبس هنا في البيت. وإيه مش عاوزة تتجوزي دلوقتي؟ أنتِ من امتى بتعوزي حاجة؟ ولا فاكرة نفسك صغيرة؟ أنتِ عندك 24 سنة، اللي زيك متجوز ومخلف. بلا قرف. ليكمل حديثه بصرامة وهو يحرر خصلات شعرها من بين أصابعه:
-بعد أسبوعين كتب كتابك. ليخرج من الغرفة تاركاً إياها غير عابئ بها أبداً. تجلس أرضاً دموعها تسيل على وجنتيها بغزارة، مغمضة عينيها بقوة، كأنها تمنع نفسها من التفكير في تلك الفكرة. فمنظرها ليس كمنظر واحدة سوف يتم زفافها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!