دفع أردغ باب المنزل الذي لم يوجد سواه في هذا المكان المهجور. سرعان ما فتحه. وجد المنزل لم يوجد به سوى غرفة واحدة. تمنى لوهلة أن يتراجع ويترك هذا المكان. فإذا ما كان مكتوب في الرسالة صحيحاً لا يعلم ماذا سيفعل. لكنه خطى خطواته نحو الغرفة ببطء حاسماً أمره. سرعان ما قبض على مقبض الباب فاتحاً إياها. ليرى ما جعله يتصنم في مكانه يتمنى أن يموت قبل أن يرى هذا المنظر.
رأى أشرقت نائمة على الفراش، وماجد يخرج من المرحاض واضعاً حول خصره منشفة. ابتسم ماجد ما إن رآه ووضع سبابته على فمه باستفزاز قائلاً له بخبث، وفرحة لم يستطع إخفائها، وقد شعر أنه وصل إلى هدفه: "هش! اوعى تتكلم يا أردغ. سيب أشرقت حبيبة قلبي نايمة. أصلها بذلت مجهود جامد، وجامد أوي كمان." أنهى جملته غامزاً له بإحدى عينيه بوقاحة واستفزاز. شعر أردغ بالدماء تغلي في عروقه، نبضات قلبه تزداد بعنف شديد.
ظل يوجه بصره نحو أشرقت تارة، وماجد تارة أخرى. تمنى أن يموت قبل أن يرى هذا المنظر في حياته قط. لم يشعر بنفسه سوى وهو يتوجه نحوه قاطعاً تلك المسافة التي كانت بينهما، وهجم عليه يضربه بقوة وغل. ظل يلكمه عدة مرات متتالية خلف بعض، يلكمه بكل غل وغضب. حاول ماجد الدفاع عن نفسه هو الآخر لكنه لم يستطع. استيقظت أشرقت في هذا الوقت.
بدأت تفتح كلتا عينيها ببطء، وهي تحاول أن تتذكر ما حدث لها، لتشهق بصدمة واضعة يديها على فمها بعدم تصديق عندما رأت نفسها في هذا الوضع، ورأت أردغ الذي كان يضرب ماجد بقوة، وهو يسبه بأفظع وأسوأ الألفاظ. جاءت تنهض كي تبعد أردغ عنه حتى وهي تخشى أن يموت في يديه. لكنها تذكرت وضعها. وضعت يديها على وجهها ودموعها تسيل على وجنتيها بغزارة، وهي تدعي ربها ألا يكون ماجد قد فعل بها شيئاً. لا تعلم كيف ومتى وصل أردغ أمامها.
كان يطالعها بنظرات غاضبة محتقرة، تشعر أن نظراته كجمرات من النار تحرقها. جعلتها تحرك رأسها يميناً ويساراً بنفي. تحاول أن تشرح له الأمر. لكن قطعها هو، وهو يقوم بإلقاء ملابسها في وجهها كي ترتديها، وهو يتمنى أن يقتلها في تلك اللحظة. ألقت بصرها على ماجد لتجده ساقطاً في الأرض، من الواضح عليه أنه فاقد الوعي. التقطت ملابسها التي قد كانت متساقطة على الفراش أثر إلقاء أردغ لها، وبدأت ترتديها بيدين مرتعشتين.
تتمنى أن أردغ يفهم أنها ليس لها دخل فيما حدث. بالفعل ما إن انتهت من ارتداء ملابسها قامت بالخروج إليه. وجدته واقفاً واضعاً يديه داخل سترته، وهو يتطلع أمامه بغضب، عينيه تشتعل كالنار. اتجه نحوها جاذباً إياها من ذراعها يقربها له، وهو ينظر لها باشمئزاز واحتقار قائلاً لها بغضب وقسوة:
"من النهارده انت بالنسبالي ميتة. انت مش مراتي ولا حتى بنت عمي، زيك زي أي واحدة رخيصة و*** باعت نفسها، وباعت كل حاجة. سامحتك وقلت إنك بريئة فعلاً، وإني هجيبلك حقك بس لا طلعتي كدابة قذرة، مخادعة. أنا هطلقك يا أشرقت قدام الكل. حقيقي أنا بكرة نفسي، وبكرهك، وقرفانة من نفسي إني لمست إنسانة قذرة زيك، انت وصمة عار على الكل وعلى العيلة كلها." كانت تشعر أن حديثه كسوط يجلدها وبقوة. قوة شديدة، كم تشعر بالتعب والإهانة.
لكنه هو الآخر على حق. فهو يشعر بالضعف والانكسار. يشعر كأن أحد قام بإخراج قلبه من صدره، وضربة بقوة. ظل يكرر فعلته حتى تفتت قلبه متحولاً من قلب إلى أشلاء. ابتلعت أشرقت ريقها، وانسالت دموعها على وجنتيها كالشلال أثر حديثه القاسي هذا. جاءت لتتحدث تدافع عن ذاتها وتشرح له الأمر. لكنها لم تشعر سوى بغيمة سوداء تحتاجها، وقد سقطت مغشية عليها تهرب من الواقع الأليم، الظالم، القاسي عليها. لكن مهما هربت فلابد المواجهة.
لم يشعر أردغ بنفسه سوى وهو يحملها على ذراعيه بقوة. يشعر بأن قلبه سيتوقف الآن من شدة خوفه عليها، وهو يرى حالتها تلك. لوهلة نسى كل شيء حدث. لم يتذكر سوى محبوبته، وهي شاحبة بين ذراعيه بتلك الطريقة. تحرك سريعاً بخطواته نحو الخارج تاركاً هذا المنزل، وهو يتمنى أن ما رآه يكن حلماً ويستيقظ منه. اتجه سريعاً نحو سيارته واضعاً إياها على المقعد الذي بجانبه برفق، وهو يخشى أن يكون قد أصابها شيء.
يلعن أيضاً قلبه الذي رغم كل هذا ما زال يتعلق بها، ويخاف عليها. انطلق بسيارته سريعاً نحو أقرب مستشفى تقابله. ما إن وصل المستشفى، دلفت طبيبة لكي تفحصها، وهو يشعر بالتوتر والقلق عليها. كان يشعر بالكره لنفسه، يكره ضعفه نحوها، خوفه عليها بتلك الطريقة بعدما علم حقيقتها. الشيء الوحيد الذي لم نستطع التحكم به هو القلب. فقلبنا لم نستطع التحكم به يحب، ويتعلق، ويخاف على من يريد.
هو من يختار ما يريد، يتعلق بمن تخترقه، تخترق أسواره. بالطبع هي من اخترقت قلبه بأسواره وقوانينه. هي من ترعرعت داخل قلبه. سار عشقها كالدم الذي يسير في الأوردة ليصل إلى القلب. بالفعل نجح عشقها ليصل إلى قلبه. في الغرفة حيث توجد أشرقت، ما إن استعادت وعيها حتى طلبت من الطبيبة أن تتأكد إذا كان فعل ماجد بها شيء أم لا. كانت تشعر بالخوف ينهش قلبها بأكمله. شرحت أشرقت للطبيبة ما حدث معها.
ابتسمت الطبيبة في وجهها محاولة أن تخفف عنها، وطمأنتها بهدوء. وصل أردغ بصحبة أشرقت إلى المنزل. كان كل منهما طوال الطريق ملتزم الصمت يفكر فيما يحدث. شعروا أن الطريق قد طال وبشدة. وجد أردغ أن الجميع قد نام فهما تأخروا كثيراً. اتجه هو الآخر نحو غرفته تاركاً إياها تقف بمفردها. لكنها سرعان ما ذهبت خلفه. دَلفت الغرفة لتجده جالساً على فراش ينظر أمامه في اللا شيء بجمود. توجهت نحوه بخطوات بطيئة، مهلكة
قائلة له بخفوت وصوت منخفض: "ا.. أردغ انت فاهم غلط على فكرة." نظر لها أردغ بعينيه نظرة حادة أرعبتها بقوة جعلتها تنتفض بقوة. قبل أن يهتف هو قائلاً لها بنبرة حادة قوية، قاسية: "هتشرحيلي إيه؟ هتضحكي عليا زي ما عملتي قبل كده واتفقتي مع يسرية؟ تضحكي عليا وتفهمني إن فعلاً حصلك اغتصاب، وهي بتداري على عملتك الزبالة مع الزفت ماجد؟
وأنا اللي زي الأاهبل صدقتها وقلت فعلاً أشرقت عمرها ما يكون بينها وبينه علاقة. أنا واثق فيها لا إزاي طلعت مغفل، وانت ماشية مدوراها معاه بدل ما تحمدي ربنا إنه سترك مفضحكيش. لا، ازاي كملتي علاقتك القذرة معاه. قد إيه أنا كنت مغفل." قال جملته الأخيرة بسخرية لاذعة، وهو يجاهد أن يكبت غضبه، فإذا أطلق له العنان يقسم أنه لن يكفيه موتها. يشعر بألم منبعث من قلبه، أنين ووجع. يشعر بالتعب فقد نفذت طاقته اليوم.
لم يتحمل أن يراها أمامه، صورتها أمامه تذكره بما... حدث. فهي مثل القشة التي كسرت البعير، لذلك قرر أن يخرج تاركاً إياها. أو بالأحرى يهرب، يهرب من ضعفه وغضبه. كانت هي تحلل كلماته التي قالها. لتعلم على الفور أن ماجد على حق، وما قاله لها كان بالفعل صحيحاً. هو تغير معها في السابق بسبب شكه بها، شكه المستمر الذي ما زال حتى الآن. رفضه أن يستمع إليها هو سبب مشكلتهما الآن. فإذا استمع إليها، كانت سوف تفهمه.
لكن بالفعل هو ما زال لم يثق بها، ولم يشعر بها أيضاً. تشعر بألم يضاهي حبه في قلبها بأكمله. جلست تضم ساقيها نحو صدرها تبكي بصمت، وهي تشعر بالقهر والتعب. تشعر أنها كانت زهرة متفتحة تعيش بين أزهار قلبه وحبه. الحب الذي جعلها تتفتح وتكبر ليزداد زهوها. لكن بكل أسف جاء وحش انتشلها من بينهم وقبض يديه عليها بقوة يضغط بأقصى ما لديه. لتتحول من زهرة متفتحة إلى زهرة ميتة منطفئة، ليس لها أهمية.
في الصباح استيقظت أشرقت التي كانت نائمة، وهي ما زالت على وضعها هذا. لا تعلم كيف ومتى نامت هي. آخر ما تشعر به هو بكاؤها وهي جالسة على وضعها هذا. تشعر أن قلبها سوف ينفجر بسبب الحزن الذي يحمله. فحزنها الذي تحمله بهذا الوقت إذا توزع سوف يكفي الجميع، ويغيض أيضاً. وجدت مرام تدلف عليها، ويعلو ثغرها ابتسامة سعيدة ما إن نظرت لها. تفحصت أشرقت الفرق الظاهر بينهما، كم كانت مرام تبدو سعيدة نسبةً لها. أما هي حزينة، وجهها شاحب.
كانت مرام تنظر لها بعيون حاقدة، فرحة. هتفت قائلة لها بتساؤل، وهي تدعي القلق: "ايه يا حبيبتي مالك؟ شكلك تعبانة كده ليه؟ جاهدت أشرقت أن ترسم ابتسامة مصطنعة في وجهها الذي كانت جميع ملامحه شاحبة، حزينة، باهتة. قبل أن تردف مجيبة إياها بصوت حزين، مبحوح من أثر البكاء: "مفيش يا مرام، مفيش يا حبيبتي. انت اللي بقالك كتير مش بتيجي تقعدي معايا."
لوت مرام فمها بتذمر وضيق، قائلة لها بسخرية، وهي تشعر بتراقص قلبها بداخلها لرؤيتها بهذا المنظر والحزن البادي على جميع ملامح وجهها بإتقان: "يعني هو أردغ بيسمح لحد يقربلك؟ كأننا هناكلك بيحبك بقا يا ستي، وبيغير عليكي." أغمضت أشرقت كلتا عينيها بألم. ما إن استمعت إلى اسم أردغ، لتضغط على شفتيها السفلى بألم مانعة نفسها بقوة من البكاء. نكزتها مرام في كتفها كي تجذب انتباهها عندما طال صمتها. أومأت أشرقت لها برأسها
قائلة لها بخفوت وهن: "روحي انت معلش عشان تعبانة، وهنام. لما أصحى هبقى أجيلك أنا." ابتسمت مرام بسعادة عندما رأت حالتها الدال على أن خطتها هي وماجد قد نجحت بالفعل. كانت أسيا جالسة فوق الفراش في غرفتها شاردة، لا تعلم ماذا تفعل. لتقرر أن تذهب وتخبر أشرقت قبل أن يحدث شيء. لكنها تراجعت، قررت أن من الأفضل أن تخبر أخاها أولاً. لذلك قامت سريعاً بالتقاط هاتفها واتصلت به. لكن للأسف وجدت هاتفه مغلق.
أعادت اتصالها عدة مرات، وكانت النتيجة نفسها أن هاتفه مغلق. تنهدت بضيق، قررت أن تتصل على مالك مرة أخرى على الرغم من أنها لا تريد ذلك، لكن الأمر ضروري. لذلك قامت بالاتصال عليه. بالفعل قام بالرد عليها. ما إن أجاب عليها حتى هتفت قائلة له بتساؤل واقتضاب، وهي ما زالت تتذكر ما حدث بينهما في آخر محادثة تمت: "هو فين أردغ؟ ابتسم هو من أسلوبها هذا. علم على الفور أنها ما زالت غاضبة منذ ما حدث أمس.
لكنه سرعان ما انتبه لسؤالها ليعقد ما بين حاجبيه بدهشة قائلاً لها باستنكار: "فين أردغ؟ أردغ أصلاً مجاش النهارده الشركة، ومشى من امبارح زي ما قولتلك." شعرت هي بالضيق، حاولت أن تمسك دموعها لكنها للأسف فشلت في فعل ذلك. سمع هو صوت شهقاتها المنخفض، شعر كأن آلة حادة تقطع في قلبه. لذلك سألها بصوت قلق واهتمام: "ايه يا أسيا مالك؟ "هي سيلان هددتك تاني؟
لو كده متخافيش أنا هحل الموضوع كله أصلاً. بطلي عياط متخافيش، انت طول عمرك قوية." بدأت تهدأ بالفعل ما إن استمعت إلى كلماته. قامت بمسح دموعها التي كانت تسيل على وجنتيها، قائلة له بنفي وصوت منخفض يكاد لا يُسمع لكنه وصل إلى مسامعه: "لا، مش عشان كده. سيلان مهددتنيش، بس أنا خايفة أصلاً. ممكن أجيلك عشان أفهمك حاجة مهمة." همهم هو مجيباً إياها بموافقة، وأنهى معها المكالمة.
ركضت سريعاً لترتدي ملابسها وتذهب إليه، وهي ما زالت خائفة. بعد مرور بعض الوقت. كانت أسيا قد وصلت إلى الشركة. وقفت أمام مكتبه، ابتسمت السكرتيرة الخاصة به ما إن راتها، فهي تعلم من هي. لكن أسيا ما إن راتها حتى ظلت ترمقها بنظرات تملاها الغيرة. تتفحصها من أعلاها إلى أدناها. زفرت بغيظ، ودلفت إلى مالك الذي اندهش بشدة عندما رآها تدفع الباب بتلك القوة والعصبية. لكن قبل أن يتحدث تحدثت هي باندفاع وضيق، والغيرة تنهش قلبها،
وقد أعمته بالفعل: "ايه السكرتيرة اللي بره دي؟ انتوا بتشغلوا بنات حلوة معاكم ليه؟ أكيد عشان تعاكسوها، إيه الجديد؟ لوت فمها بغيظ، لكنها سرعان ما انتبهت على ما تفوهت. فضلت الصمت، وظلت ترمقه بنظرات متوجسة. ابتسم هو على غيرتها الظاهرة. لكن سرعان ما أخفى ابتسامته بمهارة قائلاً لها بهدوء، وهو يشير بسبابته نحو الكرسي الذي كان أمامه: "اتفضلي يا أسيا اقعدي، وفهميني بقا إيه اللي مخوفك." ليتابع حديثه بقوة وثقة:
"بس قبل أي حاجة لازم تعرفي إن حوار سيلان أنا هحله، مش عاوزك تقلقي منه نهائي." أومأت له براسها إلى الأمام، وبالفعل جلست حيث أشار لها هو، وبدأت تقص عليه ما يوّترها ويخيفها. بعد مرور يومين. صعد شريف إلى غرفة أشرقت. وقف أمام باب الغرفة متردداً، لا يعلم إذا يدخل أم لا. يشعر بالتردد الشديد. لكنه حسم أمره، فهي طوال هذين اليومين لم تخرج من غرفتها. حتى الطعام رفضت أن تأخذه. دق الباب دقات بسيطة لم يأتيه رد.
لذلك دلف وهو يشعر بالخوف من أن يكون قد أصابها شيء ما. لكنه شعر بالقلق ما إن دخل عندما وجدها جالسة أرضاً في ركن من أركان الغرفة تضم ساقيها نحو صدرها وتبكي. تبكي بصمت، دموعها تسيل على وجنتيها، شفتيها تتحرك مصدرة صوت أنين خافت. تشعر أن صوتها لا يريد أن يخرج، كأن أحبالها الصوتية مربوطة. منظرها هذا أيقظ مشاعر عديدة مدفونة بداخله. دفنها هو منذ أن حدث لها تلك الحادثة التي غيرت مجرى حياتها تماماً.
اقترب منها بخطوات بطيئة، وعيونه ما زالت مثبتة عليها. جلس بجانبها جاذباً إياها داخل حضنه. شعرت لوهلة أنها تحلم وتتخيل الآن. لذلك ظلت تطالعه بصدمة وعدم تصديق، تكذب عيونها. فاقت على صوته، وهو يقول لها بتساؤل وقلق يحاول أن يطمئن عليها: "في ايه يا أشرقت مالك؟ أومأت له برأسها إلى الأمام، وهي ما زالت مصدومة من مجيئه إليها. لكنها حاولت أن تخفي صدمتها، وأردفت مجيبة إياه بهدوء، وهي تمسح دموعها سريعاً: "مفيش يا بابا مفيش حاجة."
تحولت نبرتها المجيبة إلى أخرى متسائلة تسأل إياه باستنكار وتعجب: "انت يا بابا إيه اللي جابك؟ في حاجة حصلت يعني؟ ابتسم في وجهها قائلاً لها بهدوء، وهو يتطلع لها: "مفيش، أنا جاي أطمن عليكي بقالك يومين مش بتاكلي، وأردغ مش موجود، انتوا متخانقين. لو في حاجة قوليلي." شعرت أشرقت لوهلة أن أذنها تهيئ لها أشياء كاذبة. ضحكت فجأة بسخرية واستهزاء قائلة له بنبرة ساخرة: "تفرق معاك أوي يعني يا بابا، ولا إيه؟
متشغلش بالك انت، أهه الحمد لله إنك خلصت مني، ومن العبء اللي كنت شايله." أغمض عينيه بقوة، لاول مرة يشعر بقساوته معها. حاول أن يتجاهل هذا الشعور، قائلاً لها بتبرير شارحاً لها أسبابه المزيفة التي زرعتها فيه فايزة: "انت ليه مش متخيلة إن فعلاً كان في فضيحة كنت هتفضح في وسط الناس، سمعتي وسمعة العيلة كله كان هيضيع بسببك."
تنهدت هي بقوة، وصوت مسموع قائلة له بضيق وعصبية، وقد طفح بها الكيل، فإلى متى ستصمت وهي تستمع إلى إهانتها في شيء ليس لها دخل به. إلى متى سيظل يعاقبها على شيء لم تفعله. ما ذنبها هي. حتى الآن لم يفهم أنها هي الضحية لست المجرمة، هي المجني عليها لست الجاني، هي المظلومة لست الظالمة. لكنه لم يفهم أبداً شيئاً من هذا: "بس بقا إيه... بس... انت ليه مش بتحس بيا؟
أنا عملت إيه عشان يبقي بسببي، أنا واحدة ماشية في أمان الله لقيت حد خدرني، وحصل اللي حصل. لا مش بسببي، مفيش حاجة بسببي، وانت اللي المفروض أبويا بدل ما تقف في ضهري وتساندني. لا طبعاً إزاي! اكسر فيا أكتر وأكتر. فضلت تدوس عليا كأني مش بحس، بقيت تهيني وتضربني. تخلي واحدة بتكرهني تتحكم هي فيا ليه كل ده؟ كانت تسأله باستنكار وهن شديد. كانت كل كلمة تتفوه بها يشعر هو كأنها خنجر يقطع في قلبه ويجرحه.
يشعر كم كان ضعيفاً، قاسياً معها، شعر بغلطته بالفعل. فدائماً هو كان عوناً لها، لكنه للأسف تغير كثيراً معها بسبب ما حدث. نظر لها بأعين نادمة. جذبها إلى حضنه مرة أخرى، وظل يمرر يديه على ظهرها بحنان قائلاً لها بصوت يملؤه الندم والحزن: "أنا آسف يا أشرقت آسف. بس انت طول عمرك كنتِ مصدر قوتي بعد أمك زينب الله يرحمها. حسيت بعد اللي حصل إني ضعيف، إنك مش مصدر قوتي. بنتقم من نفسي ومن الكل فيكي. حسيت إني انكسرت."
شعرت بدمعة من عينيه نزلت على كفها. حركت رأسها بعدم تصديق. رفعت رأسها تنظر له لتتأكد. وجدته بالفعل يبكي، ظلت تطالعه بذهول وعدم تصديق، فهي أول مرة تراه ضعيفاً بهذا الشكل. لتردف قائلة له بصوت منخفض أشبه بالهمس وهي تزيد من احتضانه: "هش خلاص يا بابا. خلاص. عشان خاطري متعيطش. انسى أي حاجة. أنا أهه الحمد لله اتحوزت، والموضوع اتحل وانتهى. انساه يا بابا."
ابتسم لها بوهن وابتسم ابتسامة باهتة، قبل أن يقوم بتقبيل باطن كفها برفق وحب. ليتذكر سريعاً مظهرها عندما دلف، لذلك سألها باهتمام: "في ايه بقا؟ أول ما دخلت كان مالك بتعيطي ليه؟ صمتت لبرهة، لا تعلم بماذا تجيبه أو ماذا ستقول له. لذلك هتفت قائلة له بكذب: "مفيش يا بابا، أنا بعيط عشان حلمت حلم وحش، ومش بنزل عشان عندي دور برد مش أكتر."
ابتسم شريف في وجهها رغم علمه أنها تكذب عليه الآن، لكنه لم يرد أن يضغط عليها، فـ أومأ لها برأسه بهدوء قائلاً لها بابتسامة حانية: "قومي نامي على السرير، وأنا هقولهم تحت يعملولك حاجة تشربيها عشان البرد." همهمت مجيبة إياه بالموافقة، وبالفعل تحرك هو إلى أسفل. كانت أشرقت تشعر بالتعب، لكن ليس في جسدها، بل كان تعب صادر من قلبها. تريد أن تبكي. لما لا. فقلبها الآن بداخلها يصرخ، ليس يبكي فقط.
عند أردغ كان يجلس في مكان ما يشعر بالحيرة والحزن والخوف. مزيج من المشاعر، لكن ما ينتابه بشدة ويسيطر عليه هو شعور الكره والنفور. يكرهها، ويكره نفسه. كيف له أن يثق بها ويعاملها بتلك الطريق. إلى هذا الحد هو ضعيف، يكره ذاته لكونه ضعيف أمامها، أمام حبها. يتمنى أن يخرجها من قلبه، لكنها كالعلقة ستظل موجودة مهما فعل. وإذا جاء وأزالها سيظل أثرها في قلبه. لم يستطع التخلص منها كما يحدث الآن بالفعل.
فتح هاتفه ليجد العديد من الاتصالات من مالك. قرر أن يتجاهل الجميع. فهو ليس على استعداد ليواجه أحد. لكنه رأى شيئاً جعله يتجمد مكانه بقوة، شاعراً بجميع جسده يتجمد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!