تحميل رواية «ظلمات قلبه» PDF
بقلم هدير دودو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان جميع من في الفيلا متوتر، مرتبك بشدة. اليوم ليس مثل أي يوم طبيعي، فاليوم هو يوم عودة أرجَد العزايزي من الخارج. فمن لا يعرف أرجَد العزايزي؟ فقد سافر إلى الخارج منذ زمن ليس بقليل كي يعمل على تحسين أحوال الشركات والصفقات في الخارج، خاصة بعد أن مرت بحالة من الضعف. لكن في أقل من شهرين استعادت الشركات في الخارج اسمها وحالتها الطبيعية، بل وأقوى. فهو ليس أي شخص، إنه أرجَد العزايزي. *** كانت أشرقت جالسة في غرفتها كعادتها اليومية، فهي طوال اليوم تظل حبيسة في غرفتها بملامحها الحزينة الشاردة. لتتنهد تنهي...
رواية ظلمات قلبه الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم هدير دودو
هَـمَـست اشرقت، و هي غير واعية على ما تتفوهه فـ عينيه سلبت عقلها تمـامًـا افكارها، و كل شي.. خططت له، قد تبخر في الهواء.. ما ان تقابلت عيونهما سويًـا،لم تَـشْـعر بـِ ذَاتِـهَـا سوى، و هي تخبره… على الرغم من انها خططت الا تقول له
:- ا…ارغد انا.. حامل..
كَـانت كَـلِـماتها البسيطة تلك كـ القنبلة التي تفجرت في عقل ارغد، لوهلة تجمدت اطرافه، تجمد عَـقْـلُه.. يَـشْـعر ان كل شي قد توقف الان، و انْـتَـهَـى في تلك اللحظة لـ يهتف متمتما من بين اسنانه بـ قسوةِ، و عدم تفكير يسأل اياها بنبرة جامدة، قاسية، صوت متحشرج
:- من مين، حامل… من مين..؟!
ما ان اسْتمعت هي الى سؤاله هذا… حتى شعرت ان العالم سينتهى الان… اغمضت عينيها بقوة واضعة كلتا كفيها على اذنيها…. فـ سُـؤَالُـه هذا يتردد الان داخل اذنيها بقوة… فطهذا كان اخر كا توقعته كيف له ان يسألها سؤال مثل هذا… هذا اخر ما فكرت به هو الان بكل برود، و قسوة يشكك بنسب طفله..
كان كل هذا يدور تحت سمع مرام التي قد كَـلَّـفْـهَـا ماجد بمراقبة كل كلمة تحدث بينهماعندما يصل ارغد البيت… استمعت الى خطوات تقترب من باب الغرفة لذلك فرت هاربة بأقصي سرعة لديها، و هي تشعر بانقباض قلبها خوفًـا من ان احد يفتح الباب، و يراها و خاصة ان الخطوات تقترب من الباب… لم تنكر انها شعرت بتراقص قلبها عندما علمت ان ارغد يشك في حمل اشرقت سرعان ما وصلت الى غرفتها فتحتها بسرعة، و دلفت بها بسرعة اشد… غالقة الباب خلفها بصوت منخفض..
تركها هو جالسة مكانها، و اتجه بخطواته سريعا نحو الباب الملحق بالغرفة يفتح اياه… نَـظَـر يمينًا، و يسارًا لبتأكد من عدم وجود احد يستمع اليهما كالعادة… فهو يعلم كل شئ، هو كان يعلم بوجود مرام في الخارج لمحها عندما كان يدلف الى الغرفة… تنهد بـ ارتياح عندما لم يجد احد، و علم ان صوت خطواته قد وصل لها فهو قام بارتفاع صوتهما مدبدبا في الارض بصوتٍ عالٍ؛ كى يصل الصوت الي مسامعها… تلك الخبيثة الواقفة قي الخارج تراقبهما …
عاد ارغد مرة اخرى الى مكانه… جاء ليتحدث لكن قطعته هي قائلة له بصوت غاضب، و قد فاض بها الامر… لكن الى طفلها، و كفى… منذ ان علمت بحملهت عندما كانت في المستشفى، و قد بَـنَـت كل احلامها، و طموحاتها على حياتها مع طفلها، او طفلتها…
:- انت اتجننت صح.. قول انك اتجننت ارغد قولتلك مية مرة انا، و ماجد محصلش حاجة، و مش هبررلك؛ لانك بالنسبة ليا خلاص مبقتش شخص مهم بالنسبالي.. عشان افهمك جيت افهمك، و انت اللي سكتني، و مرضتش تسمعنى.. لكن الطفل اللي في بطني دة ابنك هتصدق مش هتصدق هو ابنك، و انت ح…
وضع هو يديه على فمها مانعًا اياها من مواصلة حديثها هذا… اعترضت هي على فعلته تلك.. الا انه قام بجذبها نحوه بقوة، مما ادى الى ارتطام جسدها بصدره لتصبح داخل حضنه… ضمها هو بلهفة، و شوق، و هو لا يستطيع ان يكبت مشاعره، و شوقه لها اكثر من ذلك.. همس امام شفتيها اللتان اشتاق اليهما بشدة
:- مبروك..مبروك يا قلب، و روح، و عقل، و دنية، و حياة ارغد كلها…
سارت رعشة قوية بجسدها نتيجة همسه لها بتلك الطريقة المغزية… لكنها تجاهلت كل هذا… تنظر له بصدمة، و كأن الدنيا قد انتهت فهو منذ كم دقيقة كان يسأل اياها عن نسب الطفل، و الان هو بهذا الشكل.. اقسمت بداخلها انه لديه انفصام بشخصيته… حاولت ان تبتعد عنه الا انه كان محكم على قبضته عليها.. كان واضعًا زراعيه خلف ظهرها يقرب اياها اكثر، فأكثر حتى اصبح جسدها يلتصق كليا بجسده… لا يفصل ببنهما انشًا واحدًا، ابتلعت ريقها بتوتر… قائلة له مدعية القوة بالرغم من ان قربه لها بهذا الشكل يضعفها، و بشدة جاهدت ان تجعل نبرتها قوية مثل نظراتها له… الا انها للاسف فشلت كانت نبرتها نبرة مهزوزة، متوترة
:- ا.. ايه اللي بتقوله دة يا ارغد ا.. انت مش لسة كنت بتسأل ع.. عن..
قطع هو حديثها هذا ملتقطا شفتيها بين شفتيه يقبل اياهما بنهم شديد… على الرغم من اعتراضها بين يديه في البداية، ظلت تتلوى بين يديه محاولة ان تبعده عنها الا انها بعد ذلك قد تاهت في بحور عشقهما فهي بالرغم من غضبها، و قوتها التي تتظاهر بها… الا انها انثى و لا يجب ان ننسى ذلك… ابتعد عنها عندما شعر بحاجتها الى الهواء استغلت هي تلك الفرصة، و ابتعدت عنه خطت بعض الخطوات الى الخلف ليصبح بينهما مسافة… ظلت تأخذ نفسها عدة مرات مـتـتالية بصوت مسموع جاءت لتتحدث لكن قبل ان تتفوه بحرف واحد اردف هو قائلا لها بثقة، و غضب حارق يحرقه هو
:- عارف يا اشرقت… عارف..
طالعته هي باعين تملَأها الصدمة ، و ما زالت لم تستطع ان تفهم مقصده، اذدردرت ريقها بصعوبة قائلة له بتساؤل، و هي تشعر بالتوجس، و عدم الفهم…قد راود عقلها الان العديد من الاسئلة
:- ع.. عارف ايه يا ارغد..؟!
تنهد ارغد بصوت مسموع… علم انه لا بد ان يفمهما ما ور في عقله، و ما ينوى له… فلا مفر، على الرغم من انه يخشى ردة فعلها.. يخشى ان يصيبها شئ
:- انا عارف كل حاجة عارف… ان اللي حصل لعبة من ماجد، و الو*** مرام… ليتابع بتوعد، و غضب، و قد كان الشرر يتطاير من عينيه عروقه بارزة بغضب.. تشعر انه سوف ينفجر الان من شدة الغضب الذي يشعر به…
اغمضت اشرقت عينيها بقوة… تضم شفتيها معًا الى الداخل… قائلة له بتساؤل، و هي تشعر بالتشتت لا تفهم شئ… كيف علم هو، هل اسيا هي لتي خبرته، تشعر كأنها تائهة لا تعلم ماذا يحدث حولها..؟!
:- ع.. عرفت ازاي..كنت عارف من امتة..؟!
اغمض ارغد عينيه… قائلا لها بغيرة، و هو يشعر بآلم ينهش قلبه، متذكرا منظرها عندما ذهب الى ذلك المكان… اجابها بصوت متحشرج، متعب
:- عارف من الاول، من قبل ما اروح اصلًا… بعد ما خلصت الاجتماع لقيتك باعتة ماسدج على الواتس و بعتالي فيها الماسدج اللي اتبعتـتـلك اسكرين، و شوفت الماسدج اللي الكلب ماجد باعتها … وقتها حسيت اني مش مستحمل، و فهمت ان كل دة لعبة كنت حاسس اني مرعوب، و قلبي هيقف خايف احسن يعمل فيكي حاجة، و انا ملحقش اوصل عندك… اول ما اخدتك المستشفي خليت الدكتورة تطمني عليكي انه معملش حاجة..
ارتعشت شفتي اشرقت بشدة، فهي بالفعل ارسلت له رسالة عبر تطبيق الواتساب تخبره بما حدث… عندما اتصلت عليه، و وجدت هاتفه مُغلق.. شعرت ان قدميها لم تعد تتحملها…. لوهلة شعرت ان الدنيا حولها تدور وضعت يدها على دماغها بتعب…. اسرع ارغد نحوها يُـسند اياها حتى وصل بها نحو الفراش واضعًا اياها فوقه برفق، و هو يشعر بالخوف عليها.. وضع يده اسفل وجهها رافعا اياه الى اعلى، و هو ينظر لها بدقة يتامل، و يتفحص اياها، و هو يسالها برفق، و هدوء، و اهتمام جمٍ
:- ايه يا اشرقت… حاسة بحاجة يا حبيبتي مالك..؟!
نفضت اشرقت يديه من على وجهها… وهي تشعر ان كهرباء هي من قامت بلمسها ليس هو… ابتعدت عنه قائلة له بجمود، و اقتضاب
:- ابعد عني، متلمسنيش تاني..انتَ واخدني لعبة في ايدك..
ضَـغَـطَ ارغد على اسنانه بقوةِ… قابضًـا على يديه محاولًا ان يتحكم في ذاته، قائلا لها بهدوء، و هو يرى حالتها تلك بأعين يتآكلها الندم… لم يتمنى بـ عمره ان يراها في حالة مثل هذة
:- اهدي يا حبيبتي… اهدى عشان خاطرى.
لم تعقب على حديثه، و لا كأنها سمعته من الاساس هو يطلب منها ان تهدأ… كيف لها تفعل ذلك..؟! فهي كل شي بداخلها يصرخ وجع، و الم، و الانكسار… فاجأته هي بسؤالها له… تسأل اياه بضيق، و قد اختتق صوتها بالبكاء… تشعر كأنها دُمية يلعب بها الحميعع مثلما يريدوا، غير عابئين بها، و بمشاعرها..التي تتحطم الى اشلاء يظل بقاياها يصرخ بداخلها
:- انت الصبح ازاي اتكلمت كدة، و انت بتقول انك عارف من الاول، و و احنا عند ماجد ازاي قولتلي كدة..؟!
شعر ارغد بـ سكاكينِ تُـقَـطِّـعُ في قلبه عندما رآها تبكى و تتحدث بتلك الطريقة…. لعن الحميع، و اولهم نفسه لكنه كان سيخبرها بالتأكيد منتظرا الوقت المناسب، اردف مجيبا اياها بهدوء، و هو يحاول ان بجعلها هي تهدأ
:- عشان مرام الصبح كانت بتسمع زي ما كانت بتسمع من شوية…و عند.ماجد عشان يفهموا ان خطتهم نجحت و ميأذوكيش تاني يا حبيبتي… ليتابع حديثه بندم قائلًا لها بتبرير و هو يحاول ان يجعلها تفهم مقصد ما فعله
– انا كنت هفهمك يا اشرقت كل حاجة والله بس..
قطعته هي تسأل اياه بحدة، و نبرة جافة لم يوجد بها اي مشاعر، و هي تشعر كأن احد قام بجلب سكين، و غرزها في منتصف قلبها، و وقف يشاهدها متلذذًا بآلمها و اوجاعها
:- امتة كنت هتقولي امتة، ابعد عني بقا حرام عليك و عليكوا كلكوا…. متقوليش حـبـيـبـتي تاني انا مش حبيبتك، و لا حبيبة اي حد… انهت جملتها و انطلقت سريعًا بخطواتها نحو المرحاض غالقة اياه عليها، و هي تشعر انها ستنهار الان…. حاول ارغد ان يفتح الباب الا ان جاءه صوتها الباكى، و هي تخبره ان يتركها تجلس مع ذاتها…
:- انا خارج، و هسيب الاوضة اقعدى براحتك من نفسك
كان هذا رده عليها عندما رآها لم تريد ان تخرج و مازالت تحبس ذاتها داخل المرحاض… انهي جملته و خرج خارج الغرفة، و المنزل باكمله شعرت هي ان قلبها سيتوقف بالتاكيد.. لا تعلم ما سبب كل هذا الحزن الذي في حياتها، و هي لم تفعل شئ… فتحت صنبور المياة و ظلت تضع الماء على وجهها عدة مرات بيدين مرتشعتين، و هي تتمنى بالفعل ان تذهب من تلك الحياة… فلماذا تظل معه، و مع اي احد..؟! لم يوجد احد يجعلها تعيش لاجله.. لكنها على الفور نَـهَـرَّت ذاتها عندما تذكرت طفلها الآتي في الطريق… ستعيش لاجله، و تفعل كل ما في جهدها لتجعله يعيش سعيدًا بعيدًا عن حياتها تلك… اغلقت صنبور المياة، و خرجت من المرحاض بعدما تأكدت من نزوله بالفعل… وضعت يديها على بطنها و ابتسمت بتلقائية عندما تذكرت طفلها التي تحمله هي همست قائلة لـ ذاتها بقوة، و تشجيع كانها تتحدث مع شخص اخر محاولة ان تعطي نفسها طاقة، و قوة تشجع نفسها مقررة الا تعتمد على احد مرة اخرى
:- خلاص من هنا، و رايح كل حاجة هتحصل طبيعية، و انا بنفسي اللي هعرف كل واحد غلطه، و هعاقبه عليه
لـ امتة هفضل ضعيفة مكسورة كدة…
“””””””””””””””””
ذَهَـبَ ارغد الى الشركة عندما نزل من الغرفة… دلف عليه مالك ما ان علم بوجوده، اردف قائلا له بتساؤل و قلق
:- ارغد كنت فين يا ارغد بتمشي، و تيجي عادى كدة..؟!
تنهد ارغد بصوت مسموع، و هو يشعر بالتعب حرفيا ليقسم ان يذيق كل من اخطا من نفس الكأس نتيجة على ما فعله، فـ كل ساقي سيسقي بما سقي به اردف مجيبا اياه باقتضاب، و هو يشعر بالضيق لكونه انه ترك محبوبته و هي في تلك الحالة…
:- مفيش يا مالك، انت في حاجة حصلت مهمة..
اوما له مالك براسه، و جلس امامه يقص له ما اخبرته اسيا به عندما جاءت له المكتب من قبل ايام… برزت عروق ارغد بغضب، كان الشرر يتطاير من عينيه.. و هو يستمع اليه، نعم يعلم كل هذا، و كل ما قص له مالك يعلمه من البداية… لكنهط مجرد التفكير في تلك الفكرة يجعله يغضب، و بشدة… يجعله يتصرف بدون تفكير و عقل نعم فعندما يتعلق الامر بها يترك عقله، و يلغيه تمامًا… حاول ان يهدا نفسه، و من ثورة غضبه تلك، و هو يتمنى ان يقتلهم جميعًا… كيف لبريئة مثلها تقع مع وحوش مثلهم..؟!حاول ان يتصرف بعقله… فكل تصرف يتصرفه محسوب عليه، يجاهد بصعوبة الا يفعل شئ خاطئ يحعلهم يشكون بهم، و يفعلوا بها شئ اخر..
-الْـحـبُ أَقْـوَى مِـن كُل شَئ فِـي تِـلْك الْحَـيَـاة، هُـوَ مَـن يُـسَـيْطِـرُ عَـلَى عَـقْـلِـنَـا، فـَ عِـنْـدَمَـا نُـحِـب
ُ بـِ الْـطَـبْـعِ يَـنْـتَـصِرُ قَـلْـبُـنَا بِـ كُلِّ سِـهُـولَـةٍ-
قام مالك بالندداء بـ اسمه ليحذب انتباهه، فبماذا شرد هو..؟!قد توقع رد فعله غير هذا تمامًا..
نظر له ارغد، و قد فاق من شروده قائلًا له بنبرة جافة، قاسية، خالية من ايةٍ مشاعر
:- عارف..عارف يا مالك عارف كل حاحة متخافش سرعان ما عقد حاجبيه باستغراب قائلا له بتساؤل، و خبث.. فهو يعلم كل شئ بينه هو، وشقيقته… لكنه كان ينتظر، و يتركها تعيش حياتها بنفسها فهو لن يدوم لها كان يتابع اياها دائمًا من بعيد فقط … قرر الا يصمت، و ينتظر اكثر من ذلك
:- بعدين ثانية يا مالك، اسيا ازاي تسيب الكل، و تجي تقولك انتَ..؟! اشمعنا انتَ بالذات..؟!
حمحم مالك عدة مرات بتوتر، و قلق و هو يشعر ان هذا هو الوقت المناسب… ييخبره فهو لن يسمح لـ سيلان ان تهدد اسيا مرة اخرى، لن يجعل اسيا تأتى على كرامتها و تتحمل اهانة سيلان لها، و لعبها بمشاعرها… يعلم انها لن تريد سوى اثارة قلقها، و توترها اردف قائلا لـ ارغد بصوت جاهد ان يمحى توتره، و يجعله هادئ
:- اصل يا ارغد في حاجة كمان.. انا طالب ايد اختك اسيا، و لو كدة خدلي معاد من عمي عابد ..نظر له ارغد بغضب على سلاسته تلك ليتابع مالك سريعا حديثه مسترد نبرته مرة اخرى مكملا حديثه
:- لا اهدى كدة ،و متبصش بالطريقة دي انا عمرى ما عملت حاحة من وراك انا بحترمك و كل مرة دخلت فيها بيتك كنت بصونكؤ و عمرى ما كلمتها فيها، و انت اكيد واثق من دة… كان كلامنا عادى زي ما بتشوف، و بعدها سافرت…. فمتخليش دماغك تروح بعيد …
لم يخبره شئ عما حدث معها في الماضي ،و لا عن ذلك الشاب …لم يريد ان يشوه صورتها امام اي شخص حتى لو كان هذا الشخص اخيها ..
تنهد ارغد بهدوء قائلا له بجدية.. فهو بالفعل يثق به، و يعلم جيدا انه لم يتجاوز شئ مع شقيقته
:- هشوف يا مالك …هشوف، و اقولك ..
اومأ له مالك، و خرج تاركًا اياه يجلس بوجه مكهفر يعيد ترتيب افكاره، و هو يشعر بالتعب في جميع خلايا عقله خلية خلية قد ارهقت من عدة التفكير ،و الافكار التي يفكر بها هو الان…
“””””””””””””””””””””
نزلت اشرقت من غرفتها متجهة نحو المطبخ… طلبت من يسريه ان تصعد اليها، و صعدت هي مرة اخرى نحو غرفتها…. بالفعل بعد دقائق كانت يسريه تقف امامها في الغرفة… قبل ان تتفوه بحرف واحد كانت اشرقت قد وجهت لها سؤالها بنبرة صارمة، و هي تتمنى ان تُـكَـذِّب ما قالته لديها امل زائف في هذا
:- انت قولتي لـ ارغد ايه لما جه، و سألك على اللي حصلي و كدة… فركت بديها بتوتر، و هي تشعر بالانكسار، و الارتباك… عندما تتذكر ما حدث… هذا الوحيد الذي لم تستطع نسيانه، او محيه من عقلها… لكن لم تنكر ايضا ان في تلك الايام التي مضتها مع ارغد.. كم كانت سعيدة يستطيع هو ان يجعلها تنسى العالم باكمله ليس تلك الذكرى فقط..
علمت يسرية ما تقصده… فهي لم تحتك بـ ارغد كثيرًا سوى عندما طلبها هو و سألها لكنه ايضًـا نَـبَّـه عليها الا تقول لـ احد شئ… اذدردرت ريقها بتوتر قائلة لها بلجلجة، و هي لا تعلم ماذا تقول، و ماذا تجيبها على سؤالها هذا.
:- ا.. اصل يا بنتي..سألني على ايه بالظبط..؟!
تنهدت اشرقت بصوت مسموع… قبل ان تردف قائلة لها بجدية
:- انا عارفة كل حاجة… ارغد قالي انه جه سالك، حابة بس اسمع منك..
جلست يسريه بجانبها، و بدات تقص لها ما حدث بينهما ودت اشرقت ان تبكي، فهذا الحديث يؤكد لها ان ما قاله ماجد كان صحيحًا ماذا تنتظر هي… تشعر انها حمقاء بشدة فقد كان لديها امل ان يكون هذا الحديث كاذب.. اغنضت عينيها بوهن، و تعب… و هي تشعر ان كل ما عاشته معه كان حلمًا، و قررت هي الاستيقاظ منه و نهيـه… احتضنتها يسرية، ظلت تربت على ظهرها بحنان، و رفق قائلة لها بحنو، و هدوء خاصةً عندما رأت منظرها هذا
:- اهدى يا حبيبتي.. محصلش حاجة، و ارغد بيه بيحبك والله..و ربنا عوضك بيه..
اومأت اشرقت براسها باستهزاء على هذا الحديث الساخر نسبة لها.. و اردفت قائلة لها بصوت متحشرج، و هي تشعر انها الان ستنهار باكية
:- لو سمحت يا دادا سببيني لوحدى شوية بعد اذنك..
اومات لها يسريه، و بالفعل خرجت تاركة اياها ما ان خرجت هي…. حتى انهارت في نوبة من البكاء..
“””””””””””””””””
دلف ارغد المنزل بخطوات متعبة، مرهقة لكن استوقفه صوت والده و هو يهتف بـ اسمه… التفت ارغد له ليجده جالسًا على الاريكة من الواضح انه كان ينتظر اياه اتجه نحوه، و جلس بجانبه
اردف عابد يسأل اياه… و هو يشعر بالقلق عليه
:- في ايه يا ارغد مالك الايام دى، في حاجة معاك انتَ و مراتك..؟!
ابتسم ارغد في وجهه ابتسامة مصطنعة، و هو يردف مُجيـبًـا اياه بكذب؛ كي لا يقلقه
:- مفيش حاجة يا بابا… انا مشغول بس شوية الايام دى
مش اكتر.. ليردف مكملا حديثه؛ كى يشوش عليه فهو يعلم ان والده يعلمه عندما يكذب
:- بابا صحيح مالك طالب ايد اسيا بس متقولهاش حاجة عشان عاوز انا اقولها الاول…
اومأ له عابد، و هو يشعر بالفرح فهو يثق بمالك كثيرًا و لم بجد افضل منه لابنته… استأذن منه ارغد، و قام صاعدا نحو غرفته..
“””””””””””””””””
وصل ارغد امام غرفته وقف مترددًا كثيرًا… لا يعلم اذا كان يدلف ام لا..؟! قلبه يحثه على الدخول ليطمئن عليها فهو ينهش بالقلق…. اما عقله يجثه على ان يتركها لترتاح قليلًا مع ذاتها كما قالت، و طلبت هي…. لكن بالطبع انتصر القلب…. فبتلك المعركة، و عندما يكون الحب صادق لم يكن للعقل مكان…. دلف ارغد الغرفة لكنه تفاجا ان اشرقت لم تكن موجودة في الغرفة… دلف الي المرحاض سريعًا يبحث عنها… لكنه ايضًا لم يجدها…. شعر ان قلبه سيتوقف الان خوفًا عليها… كان يبحث في حميع انحاء الغرفة كالمجنون الذي فقد عقله.. لما لا فهو بالفعل عندما يتعلق الامر بها يفقد كل شي من الاساس..ليس عقله فقط
كان سيخرج يبحث عنها اسفل… الا انه تفاجأ بها تدلف الغرفة، و وجهها شاحب بشدة شفتيها مرتشعتين يديها باردة كبرود الجليد.. لا يعلم ما بها، و ما الذي وصَّل حالتها الي تلك الحالة.. كانت منظرها كمن رات عفريت امامها فـ انفزعت من رؤيتها له…
***************************************************************
اشرقت مالها، و حصل لها ايه..؟!
اسيا هتوافق على مالك و لا لا..؟!
ايه رايكم في الفصل..؟!
يتبع الفصل التالي اضغط على ( رواية ظلمات قلبه ) اسم الرواية
رواية ظلمات قلبه الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم هدير دودو
تفاجأ أردغ بأشرقت تدلف الغرفة، وجهها شاحب بشدة، شفتيها مرتعشتين، يديها باردة كبرود الجليد. لا يعلم ما بها، وما الذي أوصل حالتها إلى تلك الحالة. كانت منظرها كمن رأت عفريت أمامها فـ انْفَزَعَتْ من رؤيتها له.
توجه لها أردغ سريعًا وهو يشعر بالقلق بسبب منظرها هذا، فقد مس أوتار قلبه بشدة.
أردف قائلًا لها بنبرة خائفة، قلقة، مليئة بالاهتمام:
"إيه يا أشرقت مالك..؟!"
تنفست أشرقت بصوت مسموع، وهي تحاول بأقصى ما لديها من جهد أن تهدئ من ذاتها. تحاول أن تستوعب ما سمعته الآن، فهي بعمرها لن تصدق أن يحدث هذا. تمتمت بخفوت مجيبة إياه، وهي تبتلع ريقها بتوتر وخوف، تشعر أنها كانت كالبلهاء:
"س.. سمعت مرام بتكلم ماجد، وكانوا بيتفقوا على.. على.."
صمتت، ولا تعلم ماذا تتحدث. فهي لا تعلم بالعلاقة الغير شرعية التي تتم بينهما. كانت تفهم أنها تساعده لأنها تكرهها، ليس أكثر من ذلك.
ابتسم أردغ، وقد فهم ما استمعت. زفر بارتياح عندما علم سبب خوفها بهذا الشكل. كان يخشى أن يكون قد فعل أحد بها شيئًا. لكنه أردف قائلًا لها بهمس، وهو يغمز لها بإحدى عينيه، وقد اقترب منها بشدة حتى لَفَحَتْ أنفاسه الساخنة وجهها، مما جعلها تغمض عينيها، وهي تشعر برعشة قوية تسري بجسدها كليًا:
"ملكِيش دعوة بماجد ومرام، دول ناس و*** حتى علاقتهم مع بعض."
ابتعدت هي عنه خطوة إلى الخلف، وهي تؤمئ له برأسها إلى الأمام. لا تستطيع تصديق ما استمعت إليه، فلو كان شخصًا آخر هو من أخبرها بهذا الشيء كانت ستُكذبه. أيعقل أنها هي الوحيدة التي كانت مخدوعة في مرام إلى هذا الحد؟ هل كانت ساذجة بطريقة كهذه؟ كانت ترى مرام كالملاك دائماً. صدق من قال إن الشخص يرى الآخرين بأعين هو.
وضعت يدها على دماغها بتعب، وهي تشعر أن الدنيا تدور بها الآن.
اقترب أردغ منها مرة أخرى، جاذبًا إياها نحو صدره، متجهًا بها إلى الفراش. أجلسها فوقه برفق، وبدأ يمرر يديه على ظهرها بحنو، وهو يشعر بالفرحة لكونه سيكون أبًا عن قريب.
ابتسمت أشرقت على فعلته تلك وعلى سعادته الواضحة عليه. ابتسامته التي ظهرت على ثغره كانت ابتسامة صادقة منبعثة بالفعل من صميم قلبه. لكنها سرعان ما ذكرت ذاتها بما حدث، وعدم ثقته الواضحة بها. لذلك قامت سريعًا بنفض يده من عليها، قائلة له بجدية وصرامة، وهي ترفع سبابتها في وجهه:
"لو سمحت من انهاردة ملكش دعوة بيا. إياك ثم إياك ثم إياك تلمسني أو تحط إيدك عليا. من انهاردة إحنا خلاص وهنتطلق فعلاً زي ما قولت. أنا اللي مش عاوزة أعيش معاك تاني."
أردفت بجمُلتها تلك، وعادت بظهرها نحو الخلف، نائمة على الفراش، وهي تشعر بالتعب بالفعل. لكنها تشعر أيضاً بالفرحة لكونها انتقمت لكرامتها، استردت جزءًا بسيطًا منها. فهي ما زالت تتذكر حديثه القاسي عليها، كم كان يجْلِدُها بحديثه هذا.
تنهد أردغ بضيق، لكنه بالفعل رأى أن غضبها هذا طبيعي. فهو أخطأ كثيراً، وتمادى بخطأه من وجهة نظرها. قرر أن يعوضها عن كل ما عانته هي بحياتها. بالتأكيد لن يتركها حزينة ذابلة لفترة طويلة. فهو اعتاد عليها شمساً مضيئة تشرق وتنير له حياته بأكملها.
جاء يتمدد بجانبها، فهو الآخر يشعر بالتعب يسري في جميع أنحاء جسده، مرهق بشدة. أغمض عينيه مستسلماً للنوم. إلا أنه شعر بيديها الناعمة تلمس جسده وتنخزه كأنها تنبهه ليستيقظ. فتح عينيه مرة أخرى ينظر لها بانتباه.
لكن قبل أن يتحدث، تحدثت هي قائلة له بجمود وصرامة، وهي تشعر بنوبة من الغضب تحتاج عقلها:
"قوم من هنا لو سمحت، مش هتنام جنبي. أنا بقيت بعتبرك مش جوزي."
اعتدل هو في جلسته، قائلاً لها بغضب وضيق أثر كلماتها تلك، بعدما تنهد بصوت مسموع محاولاً أن يهدأ من غضبه كي لا ينفجر بها:
"بتعتبريني مش إيه يا حبيبتي؟ اركني اعتباراتك على جنب عشان ملهاش معنى. أنا جوزك غصب عنك وعن الكل. احسبي كلامك كويس يا أشرقت."
حركت هي كتفيها إلى أعلى ببرود، قائلة له بضيق ونبرة جامدة خالية من أي مشاعر، كأنها تتحدث مع شخص لا تعرفه، شخص غريب عنها:
"قلتلك قوم من جنبي، بدل ما أنزل لعمو عابد وأحكيله أخليه يشوف ابنه وعمايله."
قبض أردغ على يديه محاولاً بالفعل كبت غضبه من كلماتها تلك، مردفاً لها ببرود، وهو يسترخي في جلسته مرة أخرى معقداً ذراعيه أمام صدره:
"انزلي، أنا مش بتهدد."
ضغطت أشرقت على أسنانها بغيظ لم تستطع إخفاءه، أو كبته أكثر من ذلك. ظلت تنظر حولها على شيء تقذفه به، فبروده هذا يعصبها، وبشدة. لم تجد سوى الوسادة الصغيرة التي كانت موضوعة خلفها لتسند ظهرها حتى لا يصبح به أي ألم. جذبتها على الفور، وقامت بقذفها تجاهه.
كان أردغ لوهلة سيبتسم على فعلتها الطفولية هذه، إلا أنه أخفى ابتسامته سريعاً بمهارة، قائلاً لها مدعياً الجدية والصرامة، وهو يشير نحو الوسادة الساقطة أرضاً بجانب الفراش:
"ممكن أفهم إيه الجنان ده؟ في واحدة محترمة تعمل كده مع جوزها؟"
رمقته أشرقت ببرود، وقد عقدت يديها أمام صدرها، قائلة له بغيظ واستفزاز:
"مش لما تبقي جوزي أصلاً. قلتلك أنا مش بعتبرك جوزي من ساعة ما شكيت فيا ومسمعتنيش."
تابعت حديثها بجدية ومكر، وهي تعلم كيف ستجعله ينهض من فوق الفراش كما قالت له هي:
"على العموم خليك، أنا اللي هقوم أنام هناك، ونام أنت هنا براحتك."
أشارت بسبابتها نحو الأريكة الموضوعة في إحدى أركان الغرفة.
تنهد أردغ بصوت مسموع، قبل أن يقبض على معصم يدها برفق، مانعاً إياها من أن تنهض من فوق الفراش، مغمغماً لها بضيق رغمًا عنه:
"استنى، أنا هقوم أتنيل أنام هناك."
ليتابع حديثه بخبث:
"بس خلي بالك، أنا تعبان بجد النهاردة."
كانت لوهلة ستتراجع، وتخبره أن يظل نائماً على الفراش. إلا أنها أردفت قائلة له ببرود، وهي ترفع كتفيها معاً إلى أعلى:
"معلش استحمل، دي حاجة متخصنيش. مانـا كمان كنت تعبانة وطلبت منك تسمعني وقلت لأ. اتفضل يلا."
أغمض عينيه بقوة، لاعناً نفسه لهذا الحد قسا هو عليها. لكنه بالفعل لم يكن يقصد، فهو لن يريد بهذه الدنيا سوى مصلحتها. لديه استعداد أن يفعل أي شيء لأجل مصلحتها، فهي أهم شخص بالنسبة له. كان يتصرف بلا عقل وبلا قلب، كالآلة يتحرك دون تفكير. لعن نفسه بقوة، فهي عانت بسببه كثيراً. قرر أن يأخذ لها حقها منهم جميعاً، وأولهم نفسه، لأنه هو أكثر من جرحها فيهم.
- وَجَـعُـنَا مِـنْ مَـنْ نُـحِـبُ يَـظِـلُ أَكْـبَـر وَجَـعًا، سـ يَـظِـل تَـارِكًـا بَـصْـمَـة كَـبِـيـرة فِي قَـلْـبِـنَـا لَـمْ وَ لَـنْ تَـشْـفَي سِوَّى عِـنْـدَمَـا يَـقُـوم مَـنْ نُـحَـب بـِ عَـلَـاجِـهَـا هُـوَ بِـ ذَاتِـه -
نهض أردغ بخطوات متعثرة، بطيئة، متجهاً نحو الأريكة، وهو يأخذ معه الوسادة التي قذفتها هي أرضاً، وهو يتمنى أن يجذبها داخل حضنه، يتمنى أن يحمل عنها آلامها جميعها. لا يستطيع رؤية حزنها الواضح في عينيها. أغمض عينيه بألم، مزَمْجِرًا بقوة، وهو يجلد ذاته بتفكيره ألف مرة في الثانية. لكنه صمم أن يعوضها عن كل ما عانته في حياتها بسببه، وبسبب غيره.
في الصباح
استيقظ أردغ. نهض من فوق الأريكة. ألقى نظرة سريعة نحو أشرقت التي كانت ما زالت نائمة فوق الفراش. سار متوجهاً نحوها بخطوات بطيئة، حذرة، كي لا يقلقها. جلس بجانبها، ظل يتأمل ملامحها بتحفز. تمنى لوهلة أن يلتقط شفتيها في قبلة عميقة يبث لها فيها كم الاشتياق الذي يشعر هو به نحوها. ابتلع ريقه، مسيطراً على ذاته بصعوبة. ثم نهض سريعاً متجهاً نحو المرحاض ليذهب إلى عمله. سرعان ما انتهى، ونزل متجهاً إلى أسفل.
***
بعد مرور يومين
عاد أردغ من الشركة بعد يوم عمل شاق. لكنه تفاجأ بعدم وجود أشرقت في الغرفة. نزل إلى أسفل يبحث عنها، وهو يشعر بالخوف. يستمع إلى دقات قلبه التي أصبحت تقرع بداخله كالطبول. لكنه لم يجدها. ابتسم عابد عندما رأى لهفته الواضحة وخوفه عليها. لذلك أردف قائلاً له بهدوء، ويرتسم فوق ثغره ابتسامة هادئة:
"هي نزلت، وأخذت آسيا والحرس معاهم. مقالتلكش ولا إيه؟!"
ألقى سؤاله بدهشة واستغراب لم يستطع أن يخفيهما. نظر أردغ نحو والده، وهو يشعر بالغضب بسبب فعلتها تلك، مقرراً ألا يمرر فعلتها. وضع يديه على جبهته متصنعاً النسيان:
"أيوة قالتلي، بس أنا متعود إني أجي ألاقيها."
ابتسم عابد في وجهه، وواصل ما كان. بينما يفعله، صعد أردغ إلى غرفته مرة أخرى، وهو يتوعد إليها كيف لها أن تذهب دون أن تخبره.
بعد مرور ساعتين
كان أردغ جالساً يشعر بالقلق، فهو قام بالاتصال عليهما لكنهما لم يردا عليه. أخيراً عادت أشرقت بصحبة آسيا، ودلفت إلى غرفتها. جلست على الفراش بتعب بادٍ على ملامح وجهها، متجاهلة أردغ تماماً الذي كان يحدقها بنظراته الغاضبة. خرج صوته قائلاً لشقيقته بنبرة آمرة، جادة، وهو ما زال مثبتًا بصره نحو أشرقت:
"آسيا روحي أوضتك، أنا كده كده جاي وراكي عشان عاوزك في موضوع مهم. بس أشوف الهانم الأول."
كان يقصد بحملته الأخيرة أشرقت التي رفعت بصرها تنظر له بتحدٍ.
أومأت له آسيا برأسها، وخرجت تاركة إياهم في الغرفة، وهي تخشى أن تكون سيلان قد قصت له ما حدث.
ما إن خرجت حتى نهض هو من مجلسه متجهًا نحوها بخطوات بطيئة، وهو مثبتًا بصره عليها. ابتلعت هي ريقها الجاف بتوتر، مدعية الانشغال في هاتفها التي كانت تمسك به في يديها. وصل هو نحوها قائلاً لها بتساؤل ونبرة هادئة، وهو يحاول كبت غضبه، فهو من أوصلها إلى تلك الحالة، وعليه أن يتحمل نتيجة خطأه:
"ممكن أعرف الهانم أشرقت مراتي كانت فين؟!"
شدد على كلماته بقوة، لكنه كان يزفر محاولاً تهدئة ذاته، لأن من الواضح عليها أنها تشعر بالتعب.
تركت هي الهاتف من بين يديها، واضعة إياه بجانبها، قائلة له بجمود، وهي ترمقه بنظرات باردة، واضعة ساقها فوق الأخرى:
"قولتلك إننا هنتطلق، ده أول حاجة لازم تعرفها. لا مراتك، ولا مرات الناس. ثانيًا بقا أروح فين، أجي منين دي حاجة متخصكش، ولو سمحت متدخلش في أي حاجة تخصني."
صاح أردغ بها غاضباً، وقد نفذ صبره نهائياً، قائلاً لها بتهكم أثر كلماتها تلك، فهي تزيد من غضبه وبشدة:
"لأ الكلام ده لما تبقي متجوزة واحدة صاحبتك مش أنا يا حبيبتي. هو إيه اللي أسيبك براحتك ومتدخلش في أي حاجة تخصك؟ ليه متجوزة اختك إنتِ، ولا إيه؟ حد قالك عليا بقرون قبل كده؟"
لم تستطع هي منع ضحكاتها بسبب حديثه هذا. سرعان ما انفجرت ضاحكة عليه وعلى طريقته تلك. لوهلة نسي كل شيء بمجرد ما ضحكت هي. ابتسم عندما رآها تضحك بهذا الشكل. كم كانت ضحكتها جميلة، مشرقة بالفعل، فهي اسماً على مسمى. اشتاق بشدة لضحكتها، ملامحها الضاحكة. يشعر كأنها مفتاح سعادة يومه. جاذباً إياها إلى حضنه، وظل يمرر يديه على ظهرها بحنان.
انتفضت هي سريعاً أثر لمسته تلك، قائلة له بغضب، وهي ترفع سبابتها في وجهه:
"هو أنا مش قلتلك ملكش دعوة بيا خالص؟ إيه الاستغلال ده؟ هو عشان ضحكت ما بتصدق؟"
عقد أردغ حاجبيه، قائلاً لها بجدية مصطنعة، وهو يمسك كفها ذو ملمسه الناعم، واضعاً إياها بين كفيه:
"هما مش بيقولوا برضه ضحكت يبقى قلبها مال، ولا أنا غلطان يا حبيبتي؟"
أردف سؤاله بجدية تامة، وهو يدعي البراءة بنظراته نحوها.
تجاهلته أشرقت، ونهضت متجهة نحو المرحاض لتبدل ملابسها. لكن قبل أن تصل، وجدت من يحملها، ويعود بها إلى الفراش مرة أخرى. همس أمام وجهها قائلاً لها بنبرة هادئة، وهو يدقق في ملامحها، يحفرها داخل عقله مرة أخرى:
"أشرقت، سألتك روحتي فين؟"
"ر.. روحت ل.."
كانت لوهلة ستجاوبه كعادتها عندما يسألها، لكنها بترت جملتها سريعاً. قررت ألا تخبره بشيء. ستخرجه من حياتها، فهو لم يثق بها مثل أي شخص آخر. بالرغم من كل من يكرهها وجرحها من شدة الصدمات التي تأخذها هي واحدة تلو الأخرى، إلا أن جرحه هو أكبر وأعمق من أي جرح آخر. فجرحه هو لم يصب سوى قلبها. أصاب قلبها وقام بتدميره إلى أشلاء، جعل قلبها ينزف بغزارة. جميعهم لم يفعلوا بها كهذا. هو من ملك قلبها، لكنه لم يحافظ عليه. قام بجرحه، وجرحه بقوة. لم تعلم هل سيشفي الجرح الذي سببه هو أم لا؟ فهي بحياتها لم تنس ما فعله بها. من الممكن أن تسامح، لكنها لم تنس، فتذكرتها لم تكن كالورقة التي تقطعها وينتهي ما بها. هي عانت، وبكت، وحزنت بسببه. كان هو الفاعل. تتمنى أن تجلس وتشتكي له ما فعله هو، ليجلب لها حقها. لكن ممن سيجلب لها حقها، فهو الجاني.
- مَـنْ قَـالَ انَّـنَـا نَـسْـتَـطِـيعُ الْـنِـسْـيَانَ قَـدْ اخْطَـأْ، و بِـشدَّةٍ… نَـحْـنُ فَـقَـط نَـسْـتَـطِـيعُ أَنْ نَـغْـفُـرَ لِـ مَن نُـحِـب لَـكِنـنَا لَـمْ نَـنْـسَـى -
انتفضت سريعاً بعيدة عنه، وقد خطت بخطواتها نحو المرحاض مجدداً. لكن كانت خطواتها هنا سريعة، وبشدة، كمن تهرب. ست خطوات عادية بالفعل. هي كانت تهرب منه قبل أن يلحق بها. تهرب من نظراته.
زفر هو بضيق شديد، وهو يحاول تهدئة ذاته، ويلعن نفسه بقوة. فهو رأى في عينيها عندما كانت بين يديه حزناً كبيراً. حزناً كبيراً بادٍ في عينيها. يعلم أنه هو سببه. هو سبب هذا الحزن. فهو بدلاً من أن يكون سندها، وحمايتها، درعها المحصن الذي تحتمي به هي ضد أي شيء يواجهها، كان أكبر خذلان ووجع عاشته هي. هو جرحه أكبر جرح. يعلم أن حزنها منه لم يكن بقدر حزنها منهم جميعاً. لكن مهلاً، هو أيضاً كان مظلوماً، ضعيفاً. شعر بجرح كبير يجرح كبرياءه ورجولته. كان يجلد ذاته في الثانية ألف مرة. شعر بالضعف والوجع والخذلان هو الآخر عندما رآها فوق فراش ذلك المدعو ماجد. على الرغم من أنه يعلم أنها ذهبت بسبب تلك الرسالة، لكنه كان يخشى أن يكون فعل بها شيئاً. كان يعاملها بقسوة لحمايتها، ليس لأي شيء آخر. تخيلته هي. علم أن حياتهما كانت ضحية لخطط شياطين سيقضي هو عليهم بنفسه. سوف يجعلهم يندمون جميعاً على ما فعلوه.
***
خرج أردغ من غرفته متوجهاً نحو غرفة شقيقته. سرعان ما دلف، وجدها جالسة على الفراش، ويبدو على ملامحها القلق. قررت هي بينها وبين ذاتها أن تقص عليه ما حدث، فهي لن تتحمل أن تعيش حياتها بهذا الرعب. كل مرة يطلب أردغ أو والدها أن يتحدث معها، تخاف بشدة من أن تكون تلك الحية الخبيثة قد أخبرتهم بشيء. تخشى رد فعلهم، وآخرهم اليوم. لذلك قررت ألا تصمت، وهي تشعر أن حياتها معقدة بشدة. كل شيء يحدث لها في حياتها يعقدها أكثر. متى ستشعر بالراحة والهدوء في حياتها؟ لمتى ستظل تعيش في حزن وقلق؟
جلس أردغ بجانبها فوق الفراش، وقد قطع هو حبل أفكارها هذا، قبل أن يردف قائلاً لها بتساؤل وهدوء، يسألها عن أحوالها:
"عاملة إيه يا حبيبتي؟"
ابتلعت هي ريقها بهدوء، ورسمت ابتسامة خفيفة فوق شفتيها، وهي تؤمئ له برأسها مجيبة إياه بنبرة مهزوزة، على الرغم من أنها جاهدت بصبغها بالقوة إلا أنها فشلت:
"ا.. أنا الحمد لله كويسة."
ابتسم أردغ مقرراً أن يخبرها بطلب مالك للزواج بها، ليتحدث معها، ويبدأ يفهمها عدة أشياء من الضروري أن تفهمها:
"شوفي يا آسيا يا حبيبتي، إنتِ كبرتي وعقلتي أهه، فمالك صاحبي طالب إيدك. أحب أسمع رأيك قبل أي حاجة، عشان رأيك هيحدد حاجات كتير أقولها ليكي."
لم تصدق ما تسمعه الآن. تشعر أنها تحلم. هل بالفعل ستتزوج من مالك؟ اتسعت ابتسامتها سريعاً، وقد انفجرت أسارير جميع ملامح وجهها. شعرت بفرحة لم تشعر بها من قبل طوال حياتها. لكنها سرعان ما اختفت تلك الفرحة، وتلاشت ابتسامتها المرسومة على وجهها، عندما علمت سبب طلبه هذا. بالطبع كانت تعلم الإجابة، فهو فعل هذا بسبب فعل سيلان وتهديداتها لها. أغمضت كلتا عينيها بوهن، وفتحتهما مرة أخرى، قائلة له بنبرة مجهدة، متعبة:
"أردغ، قبل ما أقولك أي حاجة إذا كنت موافقة ولا لأ، في حاجة مهمة لازم أحكيهالك."
عقد أردغ حاجبيه بعدم فهم، وهو يشعر أن الأمر الذي ستقصه عليه ليس بالهين. لكنه أومأ برأسه إلى الأمام، إيماءة بسيطة بمعنى أن تواصل حديثها.
فركت هي يديها بتوتر، قائلة له بخوف، وهي لا تعلم كيف ستقص له. تخشى ردة فعله بشدة، تخشى أن يبتعد عن صديقه بسببها:
"ب.. بص يا أردغ.. هو.. يعني أصل يعنى.."
نظر لها أردغ بعدم فهم، وهو لا يفهم ما ستقوله. ما الشيء الذي ستقصه عليه يجعلها متوترة وخائفة بتلك الشكل التي تجلس به هي أمامه الآن.
تشجعت هي، وهي تحاول أن تعطي لذاتها طاقة لتقضي على خوفها هذا. فهي لم تكن ضعيفة بعمرها كالآن، لأول مرة تخشى شيئاً كهذا. أردفت سريعاً تقص عليه ما حدث، بداية من علاقتها مع مالك، ومعرفته بعلاقتها بمؤمن، ومواجهته لها، وبُعْدَهَا عنه، كل شيء حتى تهديدات سيلان لها. اختتمت حديثها قائلة له بنبرة باكية، مهزوزة:
"ا… أنا ع.. عارفة إني غلطانة، وغلطانة جامد. بس والله مش قصدي. كنت صغيرة و هبلة مش فاهمة حاجة عشان كده."
ضمها أردغ نحو صدره بحنان، عندما رأى دموعها التي تنزل على وجنتيها بغزارة. ظل يربت على ظهرها بحنان حتى هدأت بالفعل. أردف قائلاً لها بجدية وعقلانية:
"طبعاً إنتِ غلطانة، وعرفتي غلطك، واعترفتي بيه، وده أهم حاجة. وبما إنك بعدتي عن مؤمن، ده معنى كده إنه صفحة بالنسبة لكِ واتقطعت خلاص، متفتحيهاش تاني. أما مالك، فمتتكلميش معاه نهائى، ولا تخطلطي بيه. رو أنا هروح أقوله إنه مش مضطر يتجوزك، لأني خلاص عرفت بحوار سيلان. فالموضوع منتهي. أهم حاجة ملكيش دعوة بمالك تاني، وأي حاجة تحصلك تجيلي أنا مش هو."
تابع حديثه بنبرة حانية متفهمة:
"أنا أخوكي يا آسيا، فاهمة معنى الكلمة دي، يعني سندك. مش لازم تخافي مني، لأن كلنا بنغلط، مش هموتك لما تغلطي. المهم تتعلمي من غلطك، وده واجب الأخ مش إنه يتحكم في حياة أخته. دي حياتك يا حبيبتي، عيشيها براحتك، واغلطي وأنا أصلحلك، ماشي يا حبيبتي."
أومأت هي له برأسها إلى الأمام، وهي تحمد ربها ألف مرة أنها لديها أخ مثل أردغ. يفهمها ويحتويها. كم كانت هي غبية عندما لم تقص له من البداية.
خرج صوته يسألها باهتمام لم يستطع إخفاءه:
"آسيا، إنتِ كنتِ فين إنتِ وأشرقت؟"
ابتسمت آسيا على اهتمامه الواضح بها، تتمنى أن تجد من يهتم بها بهذه الطريقة. تعلم أنها غبية وهي من ضيعت هذا الاهتمام من بين يديها بسبب أفعالها الغبية تلك. أجابته على سؤاله قائلة له بهدوء:
"راحت عند الدكتور عشان تتابع الحمل. الدكتور شاطر أوي، متقلقش."
": بجد؟ والدكتور قال إيه؟"
خرج صوته الفرح يسألها بلهفة، وهو يشعر بدقات قلبه تزداد. فإلى الآن لم يستوعب أنها حامل وتحمل طفلاً منه. يشعر أن هذا الطفل هو ثمرة حبهما، عوض الله عليهما به. قطع شروده هذا رنين هاتفه. استأذن منها، وخرج ليرد عليه.
***
فتح أردغ الهاتف، قائلاً لذلك الذي يحدثه بقسوة:
"الو، عرفت حاجة؟"
كان يسأله بحمود، نبرته جامدة، غاضبة بشدة.
أجابه المتصل قائلاً له كل توصل عليه. همهم أردغ مجيباً إياه، وهو يعطيه بعض الأوامر الأخرى، عينيه كانت تشتغل بالقسوة، وهو يقسم أن يذيقهم من نفس الكأس. فهما من بدأوا أولاً، ويجب على كل شخص أن يتحمل نتيجة أفعاله.
"أنا هعرفهم إزاي يلعبوا معايا. يتحملوا نتيجة لعبهم."
رواية ظلمات قلبه الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم هدير دودو
توجه ارغد نحو غرفته مباشرةً تسمر مكانه ما دلف الغرفة…. فقد وقعت عينيه على اشرقت التي كانت جالسة على الفراش تقرا رواية من احدى رواياتها، و هي ترتدى ملابس ملابس قصيرة شفافة حاولت الا تعيره اية انتباه، و واصلت ما كانت تقرأه تاركة اياه كما انه لم يدلف من البداية… اغتاظ هو، و غضب بشدة بسبب تجاهلها هذا له الملحوظ…. زفر بضيق، و قد تجهمت ملامحه فهو غاضبًا لم يربد ان يزداد غضبه الان.. توجه بجانبها بحسد متصلب، و خطوات واثقة زادته جاذبية…. و قام بغلق الضوء قبل ان يتوجه بجانبها وجدها اعادت ضوء الغرفة مرة اخرى قائلة له بتذمر، و غضب نبرتها كانت نبرة مقتضبة، حادة
:- انتَ مش شايف ان في واحدة قاعدة في الاوضة و لا هو اي تلكيك، و خلاص ..
انهت حديثها، و عقدت زراعيها امام صدرها، و هي مازالت تطالعه بغضب..
زفر ارغد بضيق، و صوت مسموع، و هو بالفعل يحاول ان يهدا ذاته؛ كي لا يفرغ شحنة غضبه بها هي… لا يريد ان يجعل حزنها منه يزداد بالفعل… بدا ياخذ شهيقًا، وزفيرًا بصوت مسموع عدة مرات… قبل ان يرد عليها بنبرة هادئة، و هو يقترب بخطواته منها حتى وصل امامها
:- لا، شايف طبعًا انك قاعدة يا حبيبتي بس انتِ خلاص هتنامي عشان متتعبيش الجو متأخر… هاتي الرواية اللي مسكهالي دى، و يلا ننام… ما ان انهي حديثه حتى قام بجذب الرواية من بين يديها غالقًا اياها، و عاد مرة اخرى كأن لم يحدث شي..
وجدها تنظر اليه موجهة بصره عليها بحدة.. نظراتها تعبر عن مدى غضبها لما فعله هو… و اخيرًا خرج صوتها قائلة له بتهكم، و غضب و هي تتذكر ما قعله معها، و عدم ثقته بها
:- انتَ فاكر نفسك مين عشان تتحكم فيا كدة… لو سمحت متتعداش حدودك معايا ابدًا..
– جوزك يا هانم..
كان هذا ما نطق به بعدما اقترب منها، و اصبح يهمس امام وجهها… اكمل حديثه بنبرة حانية جعلت قلبها يذوب ذوبًا
:- متنسيش يا حبيبتي اني حبيبك، و جوزك، و ابو بنتك الجاية ان شاء الله…و في الاخر جاية تقوليلي انتَ فاكر نفسك مين..
هدر بـ جملته الاخيرة باستنكار ساخرٍ
لوت اشرقت فمها باستهزاء، و هي تنظر له بسخرية لكن يُـخْـفَـي تحت السخرية تلك نظرات مُـعاتبة فَـهِـمَـهَا هو جيدًا.. فهو يحفظ جميع نظراتها، و بالادق يحفظ كل شي بها ليس نظراتها فقط… اردفت قائلة له بنبرة جادة مخالطة بالتحدي تحمل عتاب كبير مهما جاهدت ان تخفيه هي
:- جوزى اللي مش عنده ثقة فيا نهائى… حبيبي دة كان زمان قلبي انا هدوس عليه… اما دة ولد مش بنت انا متاكدة دة ابني و انا اللي بحس بيه مش انتَ… انتَ اصلًا مكنتش تعرف بوجوده..
فَـهِـمَ ما تنوى اليه هي، ابتسم على طريقتها تلك.. بينما هي كانت تنظر له بغضب؛ بسبب ابتسامته فهي كانت تثير غضبه و هذا كان هدفها.. اجابها ارغد قائلا لها بمشاكسة، و هو يداعب بكفه ارنبة انفها بلطف، و رقة
:- لا طبعا هتبقي بنت، و قمر كدة زي امها، هتبقي بريق امل، و نور… هتبقي اشراق حياتي زي مامتها دايمًا همس امام شفنيها بحب، و همس عاشق نبرة حانية و هز ينظر الى عينيها مباشرة… عينيها الذي يشعر انها تشع ضوءًا
:- بحبك…بحبك يا مالكة قلبي كله، يا اشراق حياتي مكذبتش لما قولت ان اسمك اسم على مسمى.. بحبك بعدد الانفاس اللي بتنفسها.. بحبك و هفضل احبك لغاية ما حياتي تنتهي…بحبك، و هفضل ادعمك طول عمرى بحبك و هارف اني جرحتك بس مكنش قصدى، بحبك بكل صفاتك،بحبك اكتر ما عقلك ممكن يتصور،محبتش في الدنيا قدك..
كان قلبها يذوب ذوبًا اثر كلماته تلك…تشعر بدموعها ستهطل الان عةى وجنتيها كلماته مست اوتار قلبها جعله يطير عاليًا فوق السماء كانه ليس ملكها.. بالفعل هو ليس ملكها فقلبها ملكه هو…هو فقط الذي يتحكم في قلبها… تقسم انها تتمنى ان ترتمى داخل احضانه في تلك اللحظة.. حديثه هذا كان كالسحر، كالدواء الذي
سَـيُـشْـفِي كل جروح قلبها… تشعر بـكم هائل من المشاعر، و الحب حبُّه يزداد داخل قلبها مهما تمردت و فعلت ستظلها انثى تذوب بـاقل كلمة فهذا هو قلبنا كأنثي.. على الرغم من كل شي لكن قلبنا سيظل اطيب قلب خُـلِق… زرع فيه الرب الرحمة، الحنان، و التسامح..
-مَـهْـمَـا اِدَّعَـيْـنَـا الْـقِـوَّةَ، وَ تَـمَـرَّدْنَـا لَـمْ نَـنْـسْ قَـلْـبَـنَـا الْـطَـيِّـبَ الَّـذِي يَـظِـل يَـشْـفَـعُ لِـمَـن نُـحِـب، وَ يَـسْـتَـحِق أَنْ نُـحِـبـهُ كُـلَـمَـا تَـذَكَـرَّنـَا نَـدَمَهُ عَـلَّـى فِـعْـلَـتِـهِ-
حاولت ان تقسو على قلبها قليلًا، و عليه هو الاخر على الرغم الغصة التي تشكلت به… جاهدت ان تمنع نفسها من ان ترتمي في حضنه، و تبكي بضعف… لكن ايضًا مهما كانت طيبة قلبها..لابد من ان تثأر لكرامتها التي جُـرِحَت بشدة منه… رأت في عينيه الحزن، و الندم فهو بالفعل نادم على الرغم من انه فعل ذلك لـ اجلها و لاجل حمايتها؛ كى لا يفعلوا بها شي اخر الا انه يعلم كم الالم، و الخوف الذي سببهما هو لها… يندم عليه بقوة يقسم انه سيجلب لها حقها منهم جميعًا كل شي فعل خطا سيتعاقب عليه فـهما لم يستحقوا السماح ابدًا..
تجاهلته تمامًا، و جلست على الفراش مرة اخرى.. تستعد لتنام، و تهرب من تفكيرها رؤيتها له تجعلها تتمنى ان تحتضن اياه، و ترتمي بنفسها داخل حضنه فهي تحتاجه اكثر بمراحل ما يحتاحها هو… لكنها ستقسو على قلبها و، ذاتها و كل شي تنتقم و تثار لكرامتها و مشاعرها..
وجدته يتوجه نحو الفراش اسرعت سريعًا تضع يديه على الحافة الاخرى للفراش، و اشارت له بسبابتها على الاريكة الموضوعة في احد انحاء الغرفة.. قائلة له ببرود مدعية القسوة رغم تفتفت قلبها بداخلها
:- اتفضل روح مكانك… قولتلك اللي فيها مش كل يوم بقا..
تنهد ارغد بصوت مسموع، و هو لا يريد ان يجادل اياها لكنه تذكر ان اسيا اخبرته انها ذهبت اليوم الى الطبيب نظر لها مرة اخرى، و اردف يسال اياها باهتمام، و هو ينظر لعينيها مباشرةً
:- اشرقت الدكتور قالك ايه..؟!
علمت على الفور ان آسيا هي من اخبرته، لذلك اردفت قائلة له باقتضاب، و جدية، و هي تستعد للنوم
:- طلب تحاليل عملتها، و هنروح بعد يومين
اردف هو يحذر اياها بنبرة جادة، صارمة؛ كي لا تناقشه كعادتها التي اكتسبتها جديدًا
:- اشرقت بعد كدة مفيش مرواح من غيري لا اسيا و عفريت. انا و بس، بلاش مخاطرة، و عناد.. فيه سمعان كلام، و بس ماشي اوما لها برأسه بهدوء بعد ان انهى حديثه..
اومأت له هي الاخرى دون ان تعقب على حديثه، و هي تشعر انه مُحق بالفعل… فهي لا تعلم ماذا سيفعل ماجد، و مرام… و اااه من مرام عندما تتذكر انها اختها تتمنى ان تمجي تلك الفكرة من ذهنها، و تفكيرها.. تشعر بوجع مُضاعف؛ بسبب تفكيرها بتلك الفكرة دائماً كانت تستمع الى الاشقاء اللذين يؤذون بعض لكنها كانت تُكذب على الفور تلك الاحداث، و تشكر ربها على ان مرام اختها بحياتها… لكنها رات بعينيها ان الممكن الاخوات ياذون بعضهم بكل بساطة… صدقت عندما علمت بخطة اختها، و حقيقتها فهي تعيش حياتها على اذيتها على الرغم من انها لم تفعل معها سئ… حاولت ان تنام و تهرب من تلك الافكار التي تحيط عقلها…
“””””””””””””””
وصل ارغد الى الشركة و دلف الى مكتب مالك مباشرةً عقد مالك حاجبيه بدهشة عندما رآه فـهذا ليس من عادته دائمًا عندما يحتاجه يطلبه لياتي اليه فهو عندما يعمل يظل منكب على عمله لم ينهض سوي عندما ينتهي منه.. لكنه علم على الفور انه جاء اليه ليخبره بخصوص زواجه من اسيا… وقف مالك يصافح اياه بينما جلس ارغد على الكرسي الذي كان امام المكتب… اردف قائلا له بهدوء، و تعقل
:- شوف يا مالك انا بحبك زي اخويا، و يمكن لو ليا اخ عمره ما هيبقي زيك… لكن انك تبقي عاوز تساعد اختي والله دي حاجة تُحترم و كل حاجة بس مش من ورايا ملهاش حد يساعدها، و لا ايه… انا اقدر اجيب حقها من اي حد انشالله لو كان مين..
كان يتحدث بغضب، و ضيق..
علم مالك ان اسيا قد اخبرته بما فعلت سيلان معها اوما له براسه، و اخيرا خَرج صوته ليدافع عن ذاته، و يشرح له الامر قائلًا له بجدية تامة
:- مش كدة خالص انتَ فاهم غلط انا اكيد مش هخاف من واحدة زي سيلان مع احترامي لـ انها بنت عمك.. بس انا لما طلبت اتجوزها مكنش عن كدا خالص.. دة عشان حب حاولت انساه، و ادفنه لكن مقدرتش…انا بحب اختك بس والله عمرى ما اتكلمت معاها في الموضوع دة غير مرة واحدة ،و كان تصرف طايش متخلف ،و ندمت اصلا..
كان ارغد يعلم بحبه لشقيقته منذ دهر.. لكنه اردف يسال اياه بنبرة مغزية
:- انتَ مش قولتلها خلاص و ان الموضوع انتهى؛ عشان قالتلك انها بتحب حد تاني بعيدًا عن هو مين ،و انها سابته، و انها حانت صغيرة لسة مش فاهمة بس انتَ مفهمتش كل دة ،مفهمتش غير حاجة واحدة انك تبعد عنها، و تعاقبها…. لكن تتفهمها ،و تتفهم ان تفكيرها لسة مش ناضج كفاية…. لا ازاي انتَ تعاقبها ،و بس..
كان يتحدث بغضب ،و غيظ
_ المرة الجاية هبقي اقف اصقف لها، او اقولك هروح اقولها تؤتؤ يا حبيبتي كدة غلط متكرريهوش تاني
كان هذا رده عليه…فهو شعر بالغضب لحديث ارغد الذي كات يدافع عن شقيقته على الرغم من انها غلطانة نظر له مالك بغضب، و ضيق و قد برزت عروقه فكلما تذكر هذا الموقغ يتذكر كل شي . كيف عبرت له عن حبها بشخص اخر..؟! يتمنى ان يمحيه من ذاكرته الى الابد..
رد عليه ارغد بتهكم، و هي يرى سخريته الواضحة في نبرته
:- لا مش كدة بس تنصحها تبعد عنه …مش تزعل ليتابع حديثه بجدية ،و صرامة و هو يلوم اياه على تهوره
:- و بعدين ازاي تروح تقوله انك بتحبها هي دي الامانة..
اخفض مالك بصره ارضا ،و هو يشعر بالندم يعلم انه تهور بفعلته تلك…لكنه فعلها لا اراديا لا يعلم اين كان تفكيره، و عقله…. حينها رد عليه باسف ،و ندم حقيقي
:- انا اسف يا ارغد، حقيقي عارف اني غلطت هنا بس كان تهور، و تخلف مني…لحظة غضب، و ضعف..
اومأ له ارغد بتفهم، و اردف قائلًا له بنبرة صارمة و هو يستعد للنهوض ليتجه نحو مكتبه
:- على العموم انا عرفت اللي فيها…فانت مش مضطر تعمل كدة… انا هقف جنب اختي، و فهمتها كويس ،و هي رفضت..
هب مالك واقفًا يقترب منه مسرعًا قائلا له بعصبية و قد فاض به الامر
:- انت فاكر هتجوزها؛ عشان الهبل اللي بتغنيله سيلان لا طبعا …قولتلك انتَ عارف انا طلبت اتجوزها ليه يمكن الوقت اللي طلبت فيه مش مناسب… بس انت فاهم كويس انا اقصد ايه ..
ابتسم ارغد ابتسامة جانبية فهو بالفعل يفهم ما يدور بداخل مالك، فهو يعرفه منذ دهر اومأ له براسه دون ان يتحدث… غمغم مالك قائلا له بهدوء و هو يخشى ردة فعله
:- ارغد ممكن تسيبني اتكلم معاها انا بعد إذنك..
رفع ارغد حاجبيه الى اعلى يرمقه بنظرات بها غيظ جاهد ان يكبته ،و لا ينفجر به …اقترب بخطواته نحو الباب ،و قبل ان يخرج همهم يجيب اياه بالموافقة و اغلق الباب خلفه..
لوهلة كذَّب مالك اذنيه …لكنه شعر بفرحة لن توصف يقسم انها مهما فعلت سيظل يعشقها ،تمنى ان يجمعه الله بها فهو يعشقها منذ دهر …
“”””””””””””””””””””””
كانت مرام جالسة في غرفتها….تتحدث بصوت منخفض مع ماجد، تقص له ما حدث،و ما فعلته هي بمخططاتها سرعان ما اغلقت معه حتى لا يسمعها احد..جلست تغنى بانتصار ،و فرحة، و ابتسامتها تعلو وجهها لكنها سرعان ما اختفت تلك الابتسامة و حل محلها القلق، و التوتر ما ان رات تلك الرسالة التي اُرسلت لها الان على هاتفها… فكانت تحتوي على صور خاصة لها هي ،و ماجد في اوضاع غير لائقة،و يوجد اسفل تلك الصور عبارة تحتوى على التهديد
“هفضحكوا قدام عيلتكوا كلها نفر نفر انا عقابكوا انتوا الاتنين” سقط الهاتف من يديها على الفراش الجالسة عليه، و هي بالصدمة، و الخوف…. لم تصدق ان من الممكن ان يكون احد علم بتلك العلاقة …فهي تاخذ حذرها بشدة لكنها الان انكشفت لا تعلم رد الجميع عندما يعلموا …ماذا سيفعلوا بها..؟! لا تعلم بالطبع التقت هاتفها الساقط امامها فوق الفرلش بيدين مرتعشتين، و هي تشعر بتوتر سوف يتسبب لتوقف قلبها ،و قامت باعادة الاتصال بماجد ،و هي تتمنى الا يكون قد اغلق هاتفه؛ كي لا يصل احد اليه…. لكن هيهات فما نتمناه في بعض الاحيان لم ،و لن يحدث لم يكن سوى امنيات معلقة خاصة عندما نكون اشخاص سيئين نؤذي بعض الناس… فلماذا ستتحقق امنياتنا و هي مبنية على اذية غيرنا …؟! زفرت باحباط ،و ضيق عندما وجدت هاتفه مغلق… تشعر انها سوق تفقد عقلها من شدة التوتر ،و التفكير …حاولت ان تهدأ نفسها الا انها للاسف فشلت كيف لها ان تهدأ هي بيد شخص لا تعرفه يهددها دون رحمة…
ايعقل ان تتحدث هي عن الرحمة ماذا تعلم عنها هي..؟! فهي شخص قد انتشل الرحمة من قلبها….كيف ان تطلبها..؟! بالطبع لم تجدها ابدا فالرب يمهل و لا يهمل اعطاها العديد من الفرص؛كي تتراجع لكنها لم تتراجع فقد حان الان وقت عقابها على افعالها التي تفعلها مع اختها التي لم تقدم لها سوى كل حب دائمًا كانت تتمنى لها الخير في حياتها هي قابلت كل هذا بالسوء يجب الا ننسى ان لكن فعل نفعله رد فعل…كان ما يشغل فكرها هو رد فعل الجميع تخشى ان يحرموها من حقها هءا كتن ما يُـخُـيفها
“”””””””””””””””””””””
بعد مرور يومين اتصل ارغد على مالك، و اخبره انه سيجعله يجلس مع اسبا اليوم ثم توجه نحو اشرقت التي كانت قد انتهت من ارتداء ملابسها نظرت له باقتضاب، و ضيق و هي غير راضية على ذهابه معها هي، و اسيا الى الطبيب الذي تتابع معه حملها.. كانت تقف تشعر بالقلق، و التوتر وضعت يدها تمررها فوق بطنها بحنان تتحسس اياها، و هي تشعر بفرحة شديدة ان طفلها الان ينمو، و يكبر بداخلها…. وجدت من يضع يده على خصرها يقترب منها يقبل اياها في عنقها برفق، و حب اتسعت ابتسامتها لا اراديًا…. كانت ابتسامتها… ابتسامة صادقة نابعة من صميم قلبها لكنها سرعان ما اخفتها؛ كى لا يراها هو… حاولت الابتعاد عنه حتى تركها هو… قبل ان تردف قائلة له بتذمر، و هي ترفع سبابتها بوجهه
:- لو سمحت متكررش اللي بتعمله دة… قولتلك خلاص يبقي تحترم رغبتي….
اوما له براسه، و هو يطالعها بابتسامة هادئة قبل ان ياخذها، و يذهب لكنه وقف مرة اخرى قائلا لها بنبرة جادة، تحذيرية
:- هتطلعي دلوقتي زعلانة، و تاخدى اسيا.. و تمشوا و انا هطلع بعديكم…
اومأت له برأسها الى الامام و هي تشعر بالخوف اخبرته عدة مرات انها ستذهب بصحبة اسيا؛ كي لا تجعل احد يعلم شي…لكنه عنيد بشدة لم يستمع لها تلك المرة..
بالفعل ذهبت مع اسيا الى اسفل… لكن استوقفها صوت شريف والدها، و هو يغمغم باسمها التفتت نحوه… وجدته يجلس مع عابد اردفت مجيبة اياه، و هي تحاول ان تخفي توترها؛ كي لا يشك بها… فهي قررت ان تخفي خبر حملها عن الحميع
:- نعم في حاجة..؟!
نهض شريف من مجلسه، و هو يقترب بخطواته تجاهها اردف يسال اياها بهدوء
:- رايحة فين كدة..؟!
اذدردرت ريقها بتوتر، و لجلجة…و هي لا تعلم ماذا تحيبه
:- ا.. انا..
لكن خرج صوت اسيا تجيب اياه بدلا منها قائلة لو بثبات، و ثقة
:- احنا رايحين نشتري كم حاجة يا عمي، و اخدت اشرقت معايا و هي مستأذنة من ارغد جوزها في حاجة..؟! كانت تتحدث بجدية، و صرامة..
اوما لها شريف بتفهم، و لكن قبل ان يتحدث كانت اسيا سحبت اشرقت خلفها، و ساروا متحهين نحو الخارج.. ركبوا السيارة التي اخبرهم ارغد انها ستنتظرهم، و بالفعل وقفت السيارة ، و ركب ارغد بداخلها معهم ما ان وصلوا الي مكان ما يقطن الطبيب حتى اخبر ارغد اسيا ان تذهب الى هذه الكافتريا الذي يقطن بها مالك، و عندما ينتهوا سوف يذهب لها لياخذها كانت ستعترض عندما علمت ان مالك يقطن بها.. لكنه اردف قائلا لها بنبرة متفهمة، هادئة، تملَأها الحنان
:- روحي يا اسيا، متخافيش روحي، و اسمعي الكلام…
اومات له اسيا، و سارت نحو تلك الكافيتريا كما اشار لها و هي تشعر بالخوف، و القلق اخبر ارغد بعض الحراس ان ينتبهوا عليها ثم صعد مع اشرقت الى الطبيب.. الذي ادخلهم سريعًا عندما علم بوحودهم…
بعد ان انتهى الطبيب من فحصها، و اطلاعه على التحاليل الذي طلبها منها اردف قائلًا لهم بهدوء، و اسف… و هو لا يعلم كيف يخبرهم يهشى رد فعل ارغد بشدة
:- انا اسف والله على اللي هقوله.. مكنتش اتمنى اني اقوله بس التحاليل اللي قدامي بتقول ان الحمل غلط على صحة مدام اشرقت، و لو اكتمل ممكن يحصلها هي حاجة اثناء الولادة دة لو اكتمل… و دة بسبب صغوطات نفسية، و ضعف جسدى عندها، و لازم ينزل و كل ما نسرع يبقي افضل..
_ اعمل اي حاجة المهم صحة اشرقت مش مهم الطفل..
كان هذا ما صدح به ارغد، و هو يشعر بالخوف، و التوتر عليها، و على صحتها غير مستعد على ان يخسرها ابدًا فـهي تعتبر كل حياته لم يهمه شي سواها… هي اهم بالطبع من ذلك الطفل الذي لم يروه حتى الان، كان على يقين ان الله سيعوضهم بطفل اخر بالطبع على الرغم من هذا… الا ان ملامحه كانت حزينة بشدة، فهو بنى العديد من الاحلام لحياته هو، و هي، وطفلهم… تنهد مقررا ان يهدأ؛ كي يجعل اشرقت تهدأ هي الاخرى فكان وجهها شاحب بشدة ما ان استمعت الى كلمات الطبيب شعرت كإن احد جلب خنجر، و وضعه بقلبها لا تصدق ما يحدث امامها الان وضعت كلتا يديها على بطنها بحماية ….
اسيا و مالك هيحصلهم ايه..و هل اسبا هتوافق و لا لا..؟!
اشرقت و ارغد هيحصلهم ايه..؟!
مرام هتعمل ايه بعد التهديدات..؟!
رواية ظلمات قلبه الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم هدير دودو
عند مالك،
وأسيا دلفت أسيا ذلك الكافيه الذي يوجد أمام مكان ما يقطن الطبيب.
كانت تخطو خطواتها وهي تشعر بالقلق، والتوتر، لا تعلم كيف ستواجه مالك، وماذا فعل أرغد معه بعدما قصت له هي ما حدث.
وجدته جالسًا ينتظرها، وعيناه معلقتين على الباب بلهفة.
توجهت نحو حيث يجلس هو، وجلست أمامه تفرك كلتا يديها معًا بتوتر.
أردف مالك قائلًا لها بنبرة صارمة لكن يتخللها بعض الهدوء، واللين:
في إيه؟ بطلي تعملي الحركة دي، مش هاكلك أنا.
أومأت له برأسها، وهي تحاول أن تخفي ما تشعر به من توتر، وقلق، وخوف.
مزيج مختلط بين المشاعر، جاهدت أن تدّعي الهدوء، واللامبالاة في نظراتها نحوه.
وأردفت قائلة له بتساؤل:
نعم يا مالك، في إيه؟ في حاجة؟
ابتسم هو ابتسامة خفيفة زينت محياه، جعلتها تسرح هي فيه.
أردف يسألها سؤالًا هو الآخر بدلًا من أن يجيبها على سؤالها:
تؤ تؤ يا أسيا، مفيش حاجة اسمها في إيه، أو عاوز إيه؛ لأن اللي عاوزاه قولتهولك.
فحيث كدة بقا أنا اللي هسأل، رفتاي ليه طلب جوازنا؟ هو دا السؤال الصح اللي المفروض يتسأل.
غرزت أظافرها في باطن يدها بتوتر، وأردفت تجيبه، وهي تشعر شعورًا غريبًا.
نعم هي تتمنى، وتحلم أن تتزوج به، لكنها لم تتمنى أن يكن بهذه الطريقة أبدًا.
تتمنى أن يتزوجها عندما يكون هو راضيًا بهذا الشيء، ليس لينقذها من سيلان، وأفعالها تلك.
م.. مانا قولت خلاص لـ أرغد، فقولت إنك مش لازم تضغط على نفسك، وتتجوز.
قطعها هو قائلًا لها بصوت غاضب، صارم، وهو يشعر بالغضب يزداد إليه رويدًا رويدًا:
أنا جيت قولتلك إني بضغط على نفسي؟ ولا زفت بتتكلمي مكاني ليه، وبتفترضي حاجات مقولتهاش أنا ليه؟ أنا لو طلبت كدة عشان سيلان كنت طلبت من الأول.
ليردف يتابع حديثه بنبرة حانية، هادئة:
أسيا، أنتِ عارفة أنا طلبت اتجوزك ليه؟
كان يسألها، وهو ينظر إلى ملامح وجهها التي كانت مضيئة تشع فرحة، وهي ترى تمسكه بها الواضح بشدة.
أومأت له برأسها بنفي، مدعية الجهل، وهي تتمنى أن ما تشعر به يكون صحيحًا.
ابتسم هو في وجهها، وأردف يجيبها على سؤاله بدلًا عنها:
عشان أنتِ لسه في قلبي، وعمر مكانك ما اتغير، ولا صغر. أنا بس كنت بعلمك. الأول بعدت عشان قولت إن مؤمن دا حد بيحبك بجد، وعمري ما هقف في سعادتك لو بـ أي حاجة. بعد كدة عرفت إنه وا**، وزبالة كان بيتسلى. قولت أقسي عليكي عشان أعلمك، لكن أنا عمر ما قلبي بطل يدق ليكي أبدًا. هو عايش على حبك أصلًا. أنتِ النبض بتاع قلبي.
شعرت بتراقص قلبها بداخلها، تقسم أنه سيتوقف من فرط السعادة التي تشعر بها الآن.
قبض هو على يديه، قائلًا لها بضيق:
مش لو كنتِ وافقتِ كنت ضغطت على أرغد نكتب كتابنا، كان زماني عملت حاجات كتير مانع نفسي عنها دلوقتي.
وضعت كفها على فمها، وهي تضحك بكسوف، وخجل.
أردف هو قائلًا لها بجدية، وهو يشعر بالغيرة، يريد أن يحميها من أعين الناس جميعًا:
أسيا، بطلي ضحك قدام الناس.
أومأت له برأسها إلى الأمام، وأردفت قائلة له بجدية، ونبرة هادئة:
مالك، لازم تتأكدي إن مفيش أي حد في حياتي غيرك، وعلاقتي بمؤمن انتهت. أنا بكرهه أوي دلوقتي، هو سبب وجعي، ودموعي، وبعدك عني فبقيت بكرهه.
كانت تتحدث، وهي تقرر أن تمحي تلك الصفحة نهائيًا، وها هي الآن تمسح أثر الرماد، تلك الصفحة التي أنهتها من حياتها إلى الأبد.
ابتسم مالك في وجهها، قائلًا لها بثقة، وحب:
عارف، عارف يا قلبي. ظظ متفتحيهوش تاني، دا حوار انتهى، وأنت عرفتي غلطك، وأسف لو كنت قاسي معاكي، بس كنت بتعذب أكتر منك والله.
أمسكت كفه تضمه بين كفيها بحب، وهي تطالعه بامتنان واضح في نظراتها.
تمنى هو أن يضمها، ويضعها داخل حضنه، لكنه الجم مشاعره، وسيطر عنها بصعوبة، وهو يبتسم في وجهها.
لكنه لم يستطع سوى أن يقبل ظهر يدها بحنان.
***
شعرت أشرقت بصدمة ما أن استمعت إلى حديث الطبيب، وهي لا تصدق أن من الممكن أن يحدث هذا معها.
من الممكن أن يتنازل طبيب عن أخلاقه من أجل أي شيء مهما كان.
هبت واقفة، واقتربت منه مقللة المسافة التي كانت بينها، وبين ذلك الطبيب الحقير.
أردفت قائلة له بنبرة غاضبة، وصوت عالٍ:
أنتَ إنسان حقير، وزبالة، متصلحش إنك تكون دكتور. أنا قولت استحالة تسمع كلامها الزبالة دي، لكن أنتَ طلعت كداب، مخادع، متصلحش إنك تكون دكتور.
اقترب أرغد منها، وهو يعقد حاجبيه، لا يفهم شيئًا مما تقوله، وماذا تقصد هي بحديثها هذا مع الطبيب.
أردف أرغد يسألها بجدية، واهتمام:
إيه يا أشرقت؟ ممكن تهدّي، وتفهمني أنا.
وجهت بصرها نحوه، وبدأت تقص له ما استمعت، وهي تطالع الطبيب بنظرات حادة، محتقرة، غير مصدقة أنه ألغى شرف مهنته، وأخلاقه.
أشارت نحوه بسبابتها، وهتفت قائلة لأرغد باحتقار:
الأستاذ الحقير يا أرغد، اللي المفروض إنه دكتور محترم، سمع كلام ست مرام، قالتله يقول كدة، وسمع كلامها، وقال لينا زي ما قالتله، وباع نفسه عشان شوية فلوس قالت إنها هتديهاله.
كانت أشرقت تطالعه بنظرات شرسة، وهي تتمنى أن تنقض عليه، فالي طفلها، ولن تصمت أبدًا، لن تسمح أن يحدث له أي شيء حتى ولو ستفديه بحياتها، لن تسمح أن يصيبه أي شيء من مخططات من حولها.
لا تصدق أنها ستعيش يومًا حياة مثل هذه، الجميع يتصارعون ضدها.
كانت تعيش، وهي غير واعية بكل ما يحدث لها.
أغمضت عينيها بألم واضح، تذكرت ما سمعته عندما كانت تمر من أمام غرفة مرام.
فلاش باك
كانت أشرقت تقف تستمع إلى حديث مرام، خاصةً عندما علمت أنها تتحدث ماجد.
كانت مرام تتحدث مع ماجد، أخبرته قائلة له بخبث، وتضحك بانتصار:
أنا عرفت هي بتتابع مع أنهي دكتور، وكلمته، هيقولها إن حياتها في خطر، وهينزلوا الطفل. نبقى نشوف ست أشرقت هتحمي ابنها دا إزاي.
كذَّبت أشرقت ما سمعته، وهي لا تصدق أن ممكن أن يحدث شيء مثل هذا.
كيف للطبيب أن يكذب في هذا الشيء؟
***
كان الطبيب يطالعها بتوتر شديد، فقد كان العرق يتصبب جبينه، وهو يبتلع ريقه بتوتر.
يعلم أن أرغد لم يمرر هذا على خير.
أردف قائلًا له بنبرة مهزوزة، وتلجلج، وهو يشعر أن قلبه سيتوقف من الخوف الذي يشعر به الآن:
ا.. إيه اللي بتقوليه دا يا مدام أشرقت؟ ا.. أنا دكتور محترم ليا اسمي وسمعتي أخاف عليه، مش فاضي للي بتقوليه دا، دا اسمه لعب عيال، كلام أطفال صغيرين. يعني أنا هغامر بسمعتي عشان حاجة تافهة زي كدة.
هُنا وقد صاح به أرغد بحدة، وصوت عالٍ، وهو لا يتحمل أسلوبه هذا معها، فهو بدلًا من أن يصلح خطأه بكل أسف، هو يتمادى ويزداد فيه:
أنت اتجننت؟ شكلك مش باقي على عمرك. اتفضلي يا أشرقت، اطلعي برة، استنيني يا حبيبتي.
حركت أشرقت رأسها إلى اليمين، واليسار برفض.
جاءت أن تتحدث، لكن قطعها هو بنظرة حادة، قوية آخرستها، وفهمت مغزاها هي جيدًا.
أشار لها بسبابتها إلى الباب، أومأت له هي برأسها، وخطت خطواتها نحو باب الغرفة، وخرجت بالفعل، تاركة إياه، وهي لا تعلم ماذا سيفعل معه، تشعر أن بالها مشغول بشدة.
اقترب أرغد منه، قاطعًا المسافة التي كانت بينهما، كان ينظر له نظرات غاضبة تخترقه.
شعر ذلك الطبيب أنه سيقع أرضًا بسبب نظراته تلك.
قبل أن يتحدث، وجد أرغد يلكمه في وجهه لكمة قوية، كان سيقع أرضًا على إثرها، لكن كان أرغد محكمًا في قبضته عليه.
أردف قائلًا له بغضب شديد:
أنتَ دكتور؟ أنتَ إنسان متخلف؟ قسمًا بربي ما هسيبك، أنا هعرفك كنت عاوز تقتل ابني، اسمك هيتشطب من النقابة كلها، أنت إنسان زبالة، *** متستحقش إنك تبقى دكتور. الله أعلم هنغش كم واحد تاني، ولا غشيت كم واحد.
قام بضربه مرة أخرى، قبل أن يردف قائلًا له بخبث، ونبرة غاضبة:
شوف، واسمع اللي هقولك عليه، هتقول لـ زفتة اللي اسمها مرام إنك عملت كدة فعلًا، ونزلت الطفل. سامع؟
ليتابع بجدية، ووعيد، وهو يطالعه بنظرات حادة أرعبته:
قسمًا بالله لو ما عملت كدة، لهكون حبسك. أنت سامع؟
أومأ الطبيب برأسه، وهو يشعر بالخوف، جسده يرتجف كليًا.
قام بالتقاط هاتفه، وبدأ يدق على مرام، أخبرها أنه سيدلف الآن لعمل عملية الإجهاض لأشرقت.
شعرت مرام بسعادة لا توصف، لكن على الرغم من ذلك، كان كل ما يشغل بالها تلك الرسائل، تود أن تعلم مَن ذلك الشخص الذي يهددها.
خرج أرغد بعدما هدد إياه.
توجهت أشرقت نحوه مباشرةً ما أن رأت الباب يُفتح.
أردفت قائلة له بنبرة قلقة، خائفة تسألها:
إيه يا أرغد؟ عملت إيه معاه؟
ضمه أرغد نحوه، وظل يربت على ظهرها بحنان لتهدأ، قبل أن يردف مجيبًا إياها بنبرة حانية، هادئة، وبدأ يقص عليها ما فعله.
اختتم حديثه قائلًا لها باطمئنان، ونبرة واثقة:
متخافيش يا حبيبتي، خليكي واثقة فيا، استحالة أخلي أي حاجة تحصلك لا أنتِ، ولا ابني.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وهي تشعر بتعب شديد، لم يكن تعبًا جسديًا، بل كان تعبًا نفسيًا.
ماذا فعلت هي لتتلقى كل هذه الصدمات في حياتها؟
هي دائمًا مسالمة، لم تفعل شيئًا لأحد.
تمنت أن والدتها تكون معها في تلك الفترة، تتمنى أن تجد أحدًا تفرغ له كل ما تشعر به، وترتمي داخل حضنه، وتبكي.
لكنها للأسف لم تجد هذا الشخص في حياتها أبدًا، لم تتلق الحنان سوى من أرغد الآن.
أخذها أرغد، ونزلوا سويًا حتى وصلوا إلى الكافيه التي يوجد به مالك، وأسيا.
وجد أرغد أسيا جالسة، والابتسامة تعلو ثغرها.
ابتسم أرغد لسعادتها الواضحة عليها.
تمنى أن تظل سعيدة هكذا طوال حياتها القادمة.
اقترب منهما قائلًا لهما بهدوء، وهو ينظر نحو ساعته الذي كان يرتديها في يده اليسرى:
خلصتوا ولا إيه؟
أومأت له أسيا برأسها إلى الأمام، وهي تطالعه بشكر، تحمد ربها أنه موجود في حياتها، تتمنى أن كل أخ يكون مثل أرغد.
كانت أيضًا تشعر بالخجل، لم تعلم كيف ترد عليه.
بينما أردف مالك يجيبه هو بهدوء:
أيوه يلا.
أردف أرغد قائلًا لهم بضيق، جاهد أن يخفيه كي لا يقلقهم:
معلش يا مالك، خد أسيا، وامشوا، وأنتِ يا أسيا، اللي يسألك، قوليله إن أشرقت معايا، وحاولي تبيني إنك زعلانة قدام مرام، خاصةً.
شعرت أسيا بالتوتر، فما يقوله هذا يعني أن حدث شيء ما.
أردفت تسألها بقلق، وخوف:
هو في إيه يا أرغد؟ حصل حاجة؟
ابتسم أرغد في وجهها ابتسامة مصطنعة، قائلًا لها بهدوء:
متخافيش يا حبيبتي، محصلش حاجة، اسمهي كلامي بس، وأنا هبقى أفهمك.
أومأت له أسيا، وسارت مع مالك.
بينما ابتسم هو في وجه أشرقت، وهو يحاول أن يجعلها تطمئن، وتهدأ.
***
بعد مرور يومين، دلفت أشرقت الفيلا بخطوات مرتبكة متعبة، كما قال لها أرغد، وصعدت مباشرة نحو غرفتها.
غمز لها أرغد بعينيه، وقد علم أن مرام تقف الآن أمام الباب في الخارج تستمع لهما.
أردف أرغد قائلًا لأشرقت بصوت عالٍ نسبيًا، كي يصل إلى مسامعها:
خلاص، قلت بطلي عياط، اللي حصل دا طبيعي نتيجة القرف اللي أنتِ بتعمليه.
على الرغم من أنها تعلم أنه يتفوه بذلك بسبب مرام الواقفة في الخارج، إلا أنها بكت بالفعل، لم يكن تمثيل كما اتفق معها، فحديثه هذا بالنسبة لها قاسي، وبشدة.
أردفت تقول له من بين شهقاتها، كانت تتخيل إذا كان ما زال لن يعلم الحقيقة، كان ماذا سيحدث لها.
أردفت قائلة له بصوت باكي، متقطع:
على فكرة، قولتلك إنه ابنك، وأنتَ متقبلتش، راح ربنا أخده مننا، حرام عليك.
شعر أرغد أنها تبكي بالفعل، لم يكن تمثيل، فدموعها كانت تسيل على وجنتيها بالفعل.
اتجه نحوها ضاممًا إياها داخل حضنه بحنان، وقام بالتقاط هاتفه ليرسل رسالة أخرى لمرام من خطه الجديد الذي قام بشرائه لها مخصوص، وهو يتمنى أن يقتلها.
قام بإرسال صورة أخرى لهما، هي وماجد.
نظرت مرام إلى الهاتف بتوتر، وقد اتجهت إلى غرفتها مرة أخرى، وهي تشعر بالتوتر، فتلك التهديدات أصبحت تلازمها في تلك الفترة.
اقترب أرغد من أشرقت جاذبًا إياها إلى حضنه، وهو يربت عليها بحنان قائلًا لها بهدوء بعدما تأكد أن تلك الحية قد ذهبت:
إيه يا حبيبتي، اهدى، هي خلاص مشيت، اهدى يا حبيبتي، مانا مفهمك كل حاجة، بتعيطي ليه؟
أردفت أشرقت قائلة له بصوت متقطع، ضعيف من بين شهقاتها، وهي تمسك كفه بين يديها:
مش قادرة أصدق يا أرغد، مش قادرة أتخيل لو أنا مكنتش سمعتها، كان زماني فقدت ابني بسببها، والمشكلة إني معملتلهاش حاجة.
ضمها أرغد في حضنه، قائلًا لها بهدوء، وهو ينظر أمامه بغضب شديد:
يا حبيبتي، دا هي ال****، إنسانة متستاهلش إنك تعيطي عشانها.
ثم تابع بحنان، وهو يمسح دموعها من فوق وجنتيها برفق:
دموعك غالية أوي يا أشرقت، أوعي تنزليها عشان واحدة زي دي.
كان يتوعد لمرام بغضب شديد، فهي سبب في دموعها الآن، يقسم أنه يعشقها، يعشق براءتها، نقاءها، وطيبتها، كل شيء بها.
تمنى أن يأخذها، ويذهب بها إلى عالم آخر بعيدًا عن كل هذا، فهما استغلواها بشدة، يعلم أنها عانت بسببهم جميعًا.
لكنه سيمحي كل هذا من حياتها.
البعض يستغل طيبتنا، وبراءتنا لصالحهم، هؤلاء يكونوا أسوأ الأشخاص في العالم.
***
في الصباح، علم أرغد أن والده يريد أن يتحدث معه، فهو قد أرسل له إحدى الخادمات.
نزل أرغد له، وجده جالسًا ينتظره.
جلس أمامه يسأله بهدوء، وهو يشعر أن قد حدث شيء ما بالطبع:
إيه يا بابا؟ في حاجة مهمة؟
أومأ له عابد برأسه إلى الأمام، وقد رد عليه بنبرة هادئة، وهو يبتسم في وجهه:
آه فيه، أنتَ عامل إيه مع مراتك، وكدة؟
شعر أرغد بالقلق لحديث والده هذا، فعلى الأكيد لم يطلب منه أن يأتي ليسأله عن أحواله هو، وأشرقت، لكنه أجابه بهدوء، ونبرة واثقة:
الحمد لله يا بابا، كويسين.
أردف عابد قائلًا له بهدوء مغزى، بعدما ربت على كفه بهدوء:
طبعًا، أنت عارف الصفقة الجاية، ومعادها، وكدة صح؟
أومأ له أرغد برأسه، وهو يجيبه بثقة شديدة لم تليق سوى به:
أيوه يا بابا، وأنا مجهز كل حاجة، وتقريبًا كدة هخلي مالك هو اللي يسافر الأسبوع دا؛ لأني مش فاضي.
رد عابد عليه باعتراض، وحزم:
لا يا أرغد، أنا شايف إنك أنتَ تروح أفضل، دي صفقة مهمة، وأنا هبقى مش متطمن لو حد غيرك راح. روح أنتَ، دا كله أسبوع.
لا يا بابا، مينفعش. أصل.
صمت أرغد، وهو لا يعلم ماذا سيقول، وكيف سيشرح له الآن.
رد عابد عليه قائلًا له بصرامة، وهو لا يفهم سبب رفضه هذا:
إيه اللي لا؟ دي حاجة مهمة، مينفعش غيرك اللي يروح. أرغد، إحنا رجعنا اسم العيلة بالعافية، أتمنى ما نضيعهوش عشان حضرتك تقعد مع مراتك، وتخرجلك مشوار. أنت عارف أنا دايمًا بشجعك، وبفرح لما تقضي وقت سعيد مع مراتك؛ لأني فاهم كويس العلاقة بينكوا. بس مش هيحصل حاجة، دا أسبوع كله على بعضه.
أومأ أرغد برأسه لوالده، وخرج، تاركًا إياه ليغمض عينيه بضيق، وهو لا يعلم كيف سيسافر، ويترك أشرقت بمفردها، خاصة في هذا الوقت.
يشعر بالعجز الشديد، فلولا حملها لكان أخذها معه بالطبع.
رواية ظلمات قلبه الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم هدير دودو
اومأ ارغد براسه الى الامام، قبل ان يخرج تاركًا اياه.
ليغمض عينيه بضيق، و هو لا يعلم كيف سيسافر و يترك اشرقت بمفردها، خاصة في هذا الوقت يشعر بالعجز الشديد. فلولا حملها لكان سيأخدها معه بالطبع دون وهلة تفكير.
فكر ايضًا ان يأخذها الى مكان اخر، لكنهم سيشكوا به بالطبع.
خرج الى الحديقة الخاصة بالفيلا و هو يشعر بالحيرة، كيف ان يتركها بمفردها!
يشعر انه في مأزق، لا يعلم كيف سيخرج منه.
لكن بالطبع ليس لديه خيار آخر ليختاره، سيحاول ان ينتهي في اسرع وقت ليعود اليها.
زفر بصوت مسموع و قد توجه بجسده المتصلب تجاه غرفته.
كانت اشرقت جالسة تنتظر اياه، فهي لم تنم سوى عندما يصعد كعادتها.
غرزت اصابعها في باطن كفها بقوة، و هي تشعر بنوبةٍ من القلق والتوتر.
قلبها يدق بعنف، سيخرج الان من صدرها؛ بسبب شدة خوفها عليه.
لا تعلم لماذا تأخر اليوم.
لكنها سرعان ما تنهدت عدة مرات متتالية بارتياح عندما استمعت خطواته التي تحفظها هي عن ظهر قلب.
استمعت الى خطواته تقترب من الغرفة؛ لذلك توجهت مباشرةً نحو الفراش تتمدد فوقه مُدعية النوم.
دلف ارغد الغرفة بجسد متصلب، ووجه مكفهر، عابس.
بحث بعينيه سريعًا في جميع انحاء الغرفة.
كان يبحث عنها هي.
سرعان ما وجدها نائمة فوق الفراش.
اقترب منها يجلس بجانبها، و هو يدقق النظر بها، وبملامح وجهها الهادئة يحفرهم داخل عقله للمرةِ التي لا يعرف عددها.
شعر انه قد نسي كل شيء يفكر به؛ بسبب رؤيته لها.
لكنه عندما نظر الى عينيها، ودقق النظر بهما علم على الفور انها مستيقظة لم تنم بعد كما تدعي.
ارتسمت ابتسامة على ثغره، و هو ينظر لها بتسلية قبل ان يقترب منها حيث صار لا يفصل بينهما انش واحد.
شعرت هي بانفاسه تلفح وجهها.
جحظت عينيها بشدة على الفور عندما علمت ما ينوي فعله.
حاولت ان تحبس انفاسها لكن انفاسه تلك جعلتها لم تستطع ان تفعل شيئًا.
فقدت السيطرة على ذاتها، فوجوده هذا، وقربه لها بهذا الشكل يفقدها عقلها بالفعل.
جاءت ان تفتح عينيها لكنها لم تشعر سوى بشفتيه التي التصقت بشفتيها وبدأ يلثم شفتيها بحب، وهو يدخل يديه بين خصلات شعرها الناعمة.
فتحت عيناها على وسعهما بدهشة، وعدم تصديق.
حاولت ان تدفعه بعيدًا عنها، لكن هيهات، فدفعاتها تلك لم تكن شيئًا بقدر قوته هو.
ابتعد عنها بحذر، و هو يتفحص وجهها ويرفعه الى أعلى يدقق النظر به، وهو يردف يسأل اياها بقلق واهتمام:
"في حاجة تعباكي..؟!"
اعتدلت في جلستها، و هي تعقد كلا زراعيها امام صدرها.
قائلة له بسخرية تجيبه بسؤال آخر، عينيها كانت مثبتة عليه، تطالعه بنظرات خجلة لم تستطع ان تخفيها، فقد احمرت وجنتيها بشدة:
"والله، يهمك اوي. انت عملت اللي عاوزه.. رغم ان الدكتورة اللي وديتنا ليها محذراك ان ممنوع. بس ازاي..؟!"
وضع ذراعه فوق خصرها يحذبها نحوه بقوة لتقترب منه، وقد اصبحت تلتصق بصدره.
غمغم قائلا لها بمزاح، ومرح، وهو يداعب ارنبة انفها بيده الأخرى:
"الدكتورة قالت ممنوع اقتراب مش ممنوع ابوسك.. وبعدين اعملك ايه مش بصحيكي يا حبيبتي… يعني اسيبك بتمثلي؟ انا عاوز اقولك حاجة… انتِ فاشلة في التمثيل اوي على فكرة.. متمثليش تاني يا حبيبتي و خاصة عليا؛ لاني حافظك اكتر ما حافظ اسمي."
ضمت كلتا شفتيها إلى الداخل ضاغطة عليهما بقوة؛ كي تمنع ذاتها من ان تبتسم، وتخفي ابتسامتها عن انظاره.
وقد اردفت قائلة له بجدية، وهي تحاول ان تبتعد عنه الا انه كان محكم عليها:
"لو سمحت ملكش دعوة بيا، امثل، اضحك، اعيط، ارقص متدخلش، و اتفضل اوعي بقا، و ابعد عني عاوزة انام تعبانة انا، و ابني حبيبي…"
أنهت حديثها واضعة يدها على بطنها، وهي تبتسم، وتطالعه بانتصار كأنها انتصرت في حرب.
لكن الحب مثل الحرب بالفعل، كل شيء به مباح.
فنحن بالحرب سوف ننتصر على اعدائنا، اما بالحب سننتصر بقلب من نحب.
هي حولت حياتها الان بتصرفاتها تلك كالحرب، لكنها لم تعلم انها ستكون هي المنهزمة لست الفائزة في تلك الحرب؛ لانه قد فاز بقلبها منذ زمن، بماذا تحاربه الان اذا كان يمتلك على الاداة التي تحارب بها.
ابتسم بخبث، وهو يغمز لها باحدى عينيه بوقاحة.
قائلا لها بجراءة وهو يحررها من بين ذراعيه ويشير لها بسبابته بعيدًا:
"اتفضلي يا حبيبتي، قومي ارقصي زي ما قولتي خليكي شجاعة، و نفذي كلامك يلا نتسلى…"
كان ينظر لها بحماس على الرغم من انه يعلم انها لن تفعل ذلك ابدًا، الا انه يريد إثارة حنقها ليس أكثر.
ابتعدت عنه قليلاً حتى اصبحت امامه تضع مسافة بينهما؛ كي لا تلتصق به.
واردفت قائلة له بغيظ وضيق… وهي لا تعلم ماذا تفعل معه فهو بالفعل ينجح في استفزازها.
صرخت به قائلة بصوت عالٍ غاضبٍ:
"اررغد خلاص بقا.."
ضحك باستفزاز وهو يطالعها بنظراته الخاصة بها.
قبل ان يردف قائلا لها بمزاح ساخرٍ:
"قلب، و روح و عقل، و حياة، و دنيا، وعالم ارغد كله اهه بعد اررغد دي لازم ترقصي يلا ارقصي انا عاوز بنتي تبقي قمر بترقص كدة."
"ولد قولتلك انه ولد قبل كدة."
اردفت هي جملتها تلك، وهي تنظر له نظرات غاضبة، حارقة تعبر فيها عن مدى غضبها الان منه.
اكملت حديثها قائلة له بضيق وتذمر:
"قوم يا ارغد من هنا.. قوم نام يلا عشان انا، و ابني حبيبي تعبانين عاوزين ننام."
اعتدل في جلسته قائلا لها بجدية، وهو يحاول ان يجعل نبرته هادئة؛ كي لا تغضب هي، ويصير لها شيء بالرغم من ان قلبه لم يطاوعه على ان يخبرها هذا الشيء.
كيف يخبرها انه سيسافر، ويتركها بمفردها في هذا الوقت خاصة اكثر وقت تحتاجه.
اغمض عينيه بألم وضيق وزفر عدة مرات مما زاد من دهشة تلك الجالسة امامه، وهي تشعر ان بالطبع قد حدث شيء ما ليصل هو بتلك الحالة.
واخيرًا خرج صوته الذي كان يشعر انه مقيد.
غمغم قائلا لها بحزن خالص، واضح على ملامح وجهه:
"اشرقت في صفقة مهمة جدًا يعتبر داخلين فيها بنص ما نملك… اينعم ارباحها مضمونة، و واثق باذن الله انها هنكسبها بس.."
صمت وهو لا يعلم كيف يخبرها.
فهو من الأساس يخشى ان يتركها بمفردها، وغير متقبل تلك الفكرة فماذا عنها هي.
التقطت كفه بين يديها تمسكه بحنان، وهي تضغط عليه بتشجيع قبل ان تردف قائلة له بطيبة وحب.
وهي تبتسم بوجهه ابتسامتها المشرقة النابعة من صميم قلبها بصدق مشجعة اياه بحنو:
"متخافش يا ارغد ان شاء الله هتكسبها، والارباح هتبقي الضعف خليك واثق من نفسك… دة اهم حاجة."
فسرت هي حديثه انه قلق؛ بسبب تلك المناقصة ليس اكثر، هذا ما فهمته؛ لذلك اردفت تشجعه؛ كي تخفف عنه قلقه وتوتره.
ابتسم في وجهها لطيبتها وحنوها الواضح عليها.
فرغم حزنها منه الا انها مازالت كما هي بطيبة قلبها وعفويتها.
واصل هو حديثه بثبات هادئ:
"بصي يا اشرقت المناقصة دي عشان تتم لازم اسافر فرنسا… حاولت اقنع بابا ان اخلي مالك يسافر مكاني بس بابا مرضاش انتِ عارفاه مش بيثق في حد غيري، و عشان كدة يعني لازم بصراحة.."
كان يشعر بالتوتر وهو لا يعلم كيف يواصل حديثه.
اردفت هي تسأل اياه بجمود وتعقل وهي تعلم ما يشعر به:
"ايوة يعني هتسافر امتى مقولتليش..؟"
رد عليها ارغد بهدوء، وهو يعلم مدى حزنها الان فوجهها بادي عليه الحزن:
"هسافر بعد بكرة الصبح بدري.."
اقتربت منه قائلة له بتذمر.
محاولة ان تغير مجرى الحديث، وتجاهد ان تخفي حزنها البادي على وجهها:
"ايوة، ومالك قلقان كده ليه انتَ فاكرني طفلة مش هعرف اتصرف يعني.."
أنهت حديثها وهي تضم كلتا شفتيها إلى الأمام بتذمر طفولي.
ابتسم على فعلتها تلك، وقام بطبع قبلة رقيقة على شفتيها، وهو يهمس بحب ونبرة عاشقة داخل اذنها:
"احلى طفلة."
تفاجأت بفعلته تلك، نظرت له تطالعه بصدمة، وهي تتمتم بغضب طفولي:
"ايه اللي عملته دة انتَ مستغل، و قليل الادب ياريت تكون محترم شوية انتَ كل شوية نازل ا.. يعني.."
ثم صمتت، وهي تشعر بالخجل الشديد فغرزت أسنانها بشفتها السفلى وهي لا تعلم ماذا تتفوه، فمن يراها لا يصدق انها زوجته؛ بسبب تصرفاتها تلك.
جاهد ارغد ان يمنع ذاته من ان يضحك الا انه فشل تلك المرة.
اغتظت هي من فعلته تلك، فردت عليه قائلة بصرامة:
"على فكرة انا مش طفلة يا استاذ… فاكر عند الدكتور كنت هتوافق انه ينزل البيبي انا اللي كنت كاشفاه من الاول.. عشان تعرف اني قد المسؤولية، و بفكر احسن منك."
أنهت جملتها تلك، واشارت بسبابتها نحو ذاتها بفخر.
اقترب منها مرة اخرى قائلا لها بحب وثقة وهو يطالعها بنظرات عاشقة:
"ايوة طبعًا حبيبتي احلى طفلة.. بس طفلة ذكية طول عمرها، طفلتي حبيبة قلبي ربنا يخليها ليا، و لبنتنا الجاية اللي هتيجي تنور حياتنا."
نظرت له بتذمر، وقبل ان تردف تعترض على حديثه كان تمتم هو بنبرة حانية، فهو يعلم ما سوف تقوله:
"بنت مش ولد، و هنشوف ممكن ننام بقا."
اشارت له بسبابتها نحو الاريكة، وهي تطالعه بملامح مقتضبة تدل على الملل والضيق.
فهذا اصبح حديثهم وشجارهم اليومي.
اردف قائلا لها بخبث، وهو يدعي التعب في نظراته نحوها:
"اشرقت انا تعبان بجد، و هسافر، و الحوار كله على بعضه متعب بزيادة، معلش هنام جنبك انهاردة، و هترتاحي مني اسبوع يا ستي.."
اردفت هي مسرعة تقاطعه بلهفة وحب:
"بعيد الشر عنك ليه بتقول كده..؟!"
اكملت حديثها بنبرة حانية يتخللها العتاب الشديد:
"مين قالك اني عاوزة اخلص منك حرام عليك انتَ اي حاجة عاوز تجيبها فيا."
"مَـنْ يَـسْـكُن قَـلْـبَـنَا، وَ نُـحِـبُه، وَ يَـتَـمَـلَـكُه سَـيـَظِـل فِـي مَوْضِـعِه مَـهْـمَا مَـرَّت الْـسِّـنَـينَ.. تِـلْـك الْـحَـقِـيقَـة لَـمْ نَـسْـتَـطِـع اِخْـفَـاءَهَـا اَبَدًا-"
حديثه هذا احزنها بشدة.
شعرت انه يتهم اياها انها تريد التخلص منه.
بالعكس فهي اكثر واحدة تحتاجه بجانبها في ذلك الوقت، وهو حتى الان لم يفهمها.
نعم هي الان تقسى عليه لكنها لم تريد التخلص منه، هو حياتها كيف ان تتخلص من حياتها.
فاسهل لها ان تتخلص من روحها قبل التخلص منه.
اغمضت عينيها ضاغطة عليهما بألم، وتمددت فوق الفراش.
تمدد ارغد هو الآخر بجانبها ومد ذراعه يحيط خصرها يقربها منه حتى اصبح جسدها يتلامس مع جسده.
وهمس في اذنها قائلا لها بصوت اجش:
"اسفااااه من تلك الكلمة ذات الثلاثة احرف، ونتيجتها عليها الآن.. فتلك الكلمة بين الاحبة تفعل العديد والعديد، يكن لها سحر خاص بالفعل…"
كما صار معها الان ابتسم، وضمت اياه هي الأخرى كأنها تشبع من قربه لها، ففكرة بعده عنها أسبوع كامل تُفتت عقلها.
قررت ان تعطي هدنة بسيطة اليوم لذاتها؛ كي تنعم بقربه وحنانه لها.
كانت اسيا تتحدث في الهاتف مع مالك الذي اردف قائلا لها بنفاذ صبر، وهو يسألها:
"اسيا هي السنة الاخيرة دي مطولة ليه..؟!"
عقدت هي حاجبيها بعدم فهم من سؤاله هذا.
لكنها اردفت قائلة له بهدوء تجيبه:
"ايه السؤال الغريب ده، عمومًا خلاص ناقص ترم واحد، و هخلص خالص اخيرًا هرتاح من تعب الدراسة…"
اكملت هي حديثها تسأله بدهشة:
"صحيح يا مالك بتسأل ليه..؟!"
اجابها بتهكم وغيظ جاهد بصعوبة أن يكتمه:
"هو ايه بسأل ليه؛ عشان نتجوز يا قلب مالك.. ارغد اخوكي قايلي مش هتقدم، ولا نمشي في اي خطوة في حياتنا غير لما تخلصي جامعتك نهائي؛ عشان قال ايه معطلش اخته عن تعليمها."
قال جملته الأخيرة بسخرية.
ضحكت بصوت عالٍ على طريقته تلك.
قبل ان تغمغم قائلة له بتعقل وهدوء:
"طب، وفيها ايه يا مالك ما هو معاه حق، انا فعلًا مش هعرف اوفق، وكمان ده هو ترم اللي فاضل يعني عادي مش كتير."
"اه ترم مش كتير خليكي كده انتِ، واخوكي متفقين مع بعض عليا."
كان هذا صوت مالك الذي رد عليها قائلا لها بتلك الجملة بسخرية، وهو يمازحها.
ضحكت على حديثه هذا، واردفت قائلة له بهدوء ومزاح:
"يلا يا سي مالك قوم نام؛ عشان الشغل… محدش يقول انا السبب، و خاصة ارغد اللي بتقول متفقة معاه هيجي يورينا احنا الاتنين الاتفاق على حق."
همهم مالك مجيبا اياها بعدما ضحك على حديثها، واغلق معها.
وهو يشعر بسعادة فبدون مكالمتها تلك، يشعر ان يومه لم يكتمل.
في الصباح
كانت مرام تتحدث مع ماجد.
اردفت قائلة له بقلق وارتباك لم تستطع ان تداره.
في تلك الايام تشعر انهما مرا عليها كانهم اعوام.
التهديدات كانت مستمرة جاهدت ان تعلم من صاحب ذلك الرقم.
لكن محاولاتها جميعها فشلت؛ لانه كان مخفي:
"يا ماجد انتَ عارف لو عرفوا هيعملوا ايه عارف، ولا لا..؟! دول ممكن يحرمونا من الميراث او يتبروا مننا يعني حلمنا اللي بنوصله هيكون انتهى."
امتقع وجه ماجد بشدة، وهو لا يعلم ايضًا ماذا يفعل فتلك التهديدات وصلته هو الآخر.
اكملت هي حديثها قائلة له بنفس ذات الخوف:
"انتَ شوفت اشرقت، واللي حصلها رغم انه كان مش بمزاجها… الا انك شوفت العيلة كلها عاملتها ازاي لولا جوازها من ارغد كان زمان حياتها اسوأ من الاول بمراحل. بابا، وماما وانتَ وسيلان، واسيا اللي كانت بتحاول تتجنبها الكل اتعدل معاها لما ارغد بس اتجوزها.."
صرخ هز بها بصوت عالٍ.
فهي تعمل على توتره فقط ليس شئ آخر، واكمل حديثه بعدما هدأ واخفض صوته اردف قائلا لها بحدة:
"بت انتِ اسكتي دلوقتي، لو عندك حاجة مهمة تفيدنا قوليها غير كده لا فاهمة، وقولت انا هتصرف.."
تمتمت تجيبه بنبرة مقتضبة، وهي تعلم انه لن يفعل شيئًا:
"اه سمعت عمي امبارح، وهو بيكلم ارغد، وبيقوله انه لازم هو يسافر.. فهو هيسافر ارغد، هيسافر يعني تقريبًا مبقاش له داعي تأجل اللي في دماغك… اللي عايز تقولهولي انا كمان."
اعتلت ابتسامة خبيثة فوق ثغر ماجد، وهو يشعر بالفرح الشديد.
اردف قائلا لها بخبث وغموض وهو ينظر بعينيه الى اللا شيء:
"هتشوفي اتفرحي، واتسلي بعد ارغد بذات عن اشرقت فب الوقت ده هيكسبنا احنا.. نضرب ضربتنا ونتفرج اتسلي يا حبيبتي، وحاولي تنسي حوار الصور، وفكرة الجواز اللي قولتيها قبل كده…. دلوقتي مش هينفع خالص ماشي يا حبيبتي.."
في المساء
تحرك ارغد في الغرفة بعدما اعد اشيائه، وبدأ يودع اشرقت.
يشعر بقلبه سيتوقف غير مطاوعه على تركها، يشعر بعدم الراحة كأن سيحدث شيء ما.
نعم يعلم ان سفره لم يمر على خير جاهد بصعوبة ان يلغي تلك الفكرة من راس والده الا انه فشل.
يشعر ان والده بالفعل مُحق، واصراره هذا طبيعي.
فعلى الرغم من كل ما يحدث الا ان تلك الصفقة هامة بشدة اذا خسروها سيفقدوا العديد.
وضع يديه على صدغيه بتعب، وهو يغمض عينيه.
ابتسمت اشرقت في وجهه مشجعة اياه، وهي تردف قائلة له بهدوء تطمئنه:
"متخافش يا حبيبي عليا… خليك واثق في مراتك شوية.."
أومأ لها ارغد، وبالفعل تحرك بخطواته، ونزل الى اسفل بوجه مكفهر، مقتضب.
ركب سيارته الذي انطلقت مسرعة نحو المطار، ليركب الطائرة الخاصة به متجهًا نحو فرنسا، وهو يشعر بانقباض قلبه على طفلته وحبيبته.
رواية ظلمات قلبه الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم هدير دودو
وصل ارغد إلى فرنسا، وهو يشعر بالتعب يسري في جميع أنحاء جسده. لكن عقله كان متعبًا بشدة، فقد أرهقه التفكير بأشرقت. يخشى عليها، ويعلم كم هي بريئة. وستظل بريئة مهما ادعت القوة. لم تأتِ قوتها شيئًا بجانب شرهم وخبثهم. كان يشعر أنه جسد فقط، جسد بلا روح وعقل، لأنه ببساطة ترك عقله وقلبه معها. هي المالكة المتحكمة بهما. ركب السيارة الخاصة التي أوصلته نحو ذلك الفندق الضخم الذي سيقيم به في فترة سفره القصيرة تلك.
بعد مرور أربعة أيام.
كانت أشرقت جالسة في غرفتها تضم ساقيها نحو صدرها، وتفكر في ارغد هي الأخرى. لكنها وجدت من يدق باب الغرفة عليها. مسحت دموعها التي كانت تسيل على وجنتيها، واعتدلت في جلستها قبل أن تهمهم بصوت منخفض تسمح لمن يدق الباب أن يدلف. تفاجأت عندما وجدت يسرية هي من تدلف. جلست يسرية بجانبها قائلة لها بهدوء وحب، وهي تبتسم في وجهها:
"إيه يا حبيبتي بقالك كتير مش بتيجي تقعدي معايا من ساعة ما سألتيني آخر مرة إنتِ زعلانة."
ابتسمت أشرقت في وجهها ابتسامة مصطنعة، كي تخفي خلفها حزنها البادي على كل شبر في وجهها، وأردفت تقول لها بهدوء، وهي تغمض كلتا عينيها ضاغطة عليهما بوهن:
"مفيش يا دادا، مفيش. تعبانة شوية مش أكتر."
ربتت يسرية على كفها بحنان قائلة لها بحب، وهي ترى مدى تعبها الواضح عليها بشدة:
"احكيلي يا حبيبتي في إيه مالك، وإيه اللي تعبك كده؟ متكتميش في نفسك عشان متتعبيش."
كانت كلماتها تلك كالمفتاح الذي فتح لها الباب لتبكي بالفعل. ألقت بنفسها داخل حضنها وشرعت تبكي. تبكي بقوة، تشعر أن قلبها هو من يبكي بداخلها. كانت تحاول أن تخفي دموعها وتمنع نفسها من البكاء، لكنها فشلت وها هي الآن تفرغ ما كانت تكبته داخل قلبها. قلبها الذي حملته فوق طاقتها أضعاف مضاعفة حتى أصبح يبكي وينزف ألمًا ووجعًا. بُعاد ارغد عنها أثر بها كثيرًا. تشعر كأنه سافر وأخذ معه طاقتها، تركها ضعيفة كما كانت من قبل. بالفعل اعترفت أنه هو مصدر قوتها، لم يكن شيئًا آخر كما اعتقدت هي.
ظلت يسرية بجانبها تحاول تهدئتها حتى نجحت بالفعل في ذلك، وتمتمت تسألها باهتمام وحنو، فهي تعتبر أشرقت بمثابة ابنتها. كانت تشعر بالقلق خاصة عندما رأتها بتلك الحالة التي بها الآن:
"في إيه بقى يا أشرقت مالك يا حبيبتي؟ إيه اللي مزعلك وموصلك للحالة دي؟ احكيلي يا حبيبتي. ارغد بيه هو اللي مزعلك وخلاكي تعيطي كده."
كانت تتحدث من جهة الاقتراح ليس أكثر عندما رأت أن صمت أشرقت قد طال وما زالت لم تجبها على سؤالها. حركت أشرقت رأسها يمينًا ويسارًا دليلًا على نفيها لهذا الحديث، وأردفت تغمغم بخفوت وهي تشعر أن صوتها لم يرد أن يصعد لكي تتحدث:
"ل.. لا. لا يا دادا مش ارغد."
وبالفعل بدأت تقص عليها ما يزعجها وما حدث معها في تلك الأيام الماضية، وهي تشعر أنهم كالسنوات. رأت حزنًا بالفعل يكفيها لسنوات قادمة.
أردفت يسرية بحزن بعدما أنهت أشرقت حديثها:
"معلش يا حبيبتي ربنا هينتقم منهم وهيُعاقبهم."
همست أشرقت تردد خلفها بصوت منخفض خافت:
"يارب يا دادا يارب يتعاقبوا على كل اللي عملوه."
كانت مرام جالسة تتحدث مع ماجد في الهاتف. وجدت فجأة باب غرفتها يُفتح عليها. ارتبكت وقد فرت الدماء هاربة من وجهها، لكنها زفرت بارتياح عندما وجدت سيلان هي من تدلف. وقفت تطالعها بغضب، وهي تردف قائلة لها بعصبية وصوت عالٍ بعدما تنفست عدة مرات بصوت مسموع:
"إنتِ اتجننتِ؟ إزاي تفتحي الباب من غير ما تخبطي؟ من إمتة وإنتِ بتدخلي أوضتي أصلًا؟"
اتجهت سيلان بخطواتها نحو الفراش جالسة عليه، وهي تطالعها بلا مبالاة قبل أن تردف قائلة لها ببرود وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها:
"والله الكلام ده قبل ما أسمع اللي أشرقت قالته واتفاقك مع أخويا حبيب قلبي."
ابتلعت مرام ريقها بتوتر وخوف، وقد شحب وجهها بأكمله. حاولت أن تهدأ من توترها قائلة لها بصوت منخفض مُـدَّعية عدم الفهم، وهي تجاهد أن تخفي توترها:
"ا.. إيه اللي بتقوليه ده؟ أنا مالي ومال أخوكي أصلًا وإيه اللي حصل؟ إنتِ جاية ترمي بلاك عليا، أنا وأختي؟"
ضحكت سيلان بصوت عالٍ، وهي تصفق لها بيديها سويًا قائلة لها بتهكم ساخر:
"والله إنتِ ممثلة شاطرة. خدعتي الكل بتمثيلك ده، وفي الآخر تطلعي عاملة كل اللي سمعته؟ يخربيت كدب والله تمثيلك هيخليني أكذب اللي سمعاه بوداني. لو كان حد حكالي كان زماني كذبته."
شعرت مرام بالصدمة. تقسم أنها تستمع الآن إلى صوت دقات قلبها بسبب شدة الخوف الذي تشعر به هي الآن. أردفت تسألها بصوت متقطع:
"ا.. انتِ تعرفي إيه، ولا سمعتي إيه؟"
ابتسمت سيلان، وقصت لها ما سمعته عندما كانت ذاهبة أمام غرفة أشرقت. فقد استمعت إلى حديثها كامل مع يسرية. اختتمت حديثها قائلة لها بسخرية واستهزاء:
"طلعت هي وسي ارغد بيضحكوا عليكوا وعارفين كل حاجة. ولا نزلت الطفل ولا نيلة. ادي آخرة أفكاركوا السودة. اتفضلي اتصلي بماجد نحكيله كل حاجة ونفهمه يعمل إيه بدل الغباء بتاعك إنتِ وهو."
رفعت مرام كلا حاجبيها إلى أعلى قائلة لها بحدة، وهي ترفع سبابتها في وجهها:
"احترمي نفسك وإنتِ بتتكلمي معايا. وبعدين كله كانت أفكار أخوكي."
أردفت بكلماتها تلك، وقامت بالاتصال على ماجد مجددًا، وبدأوا يخططون مع بعضهم.
دلفت أسيا غرفة أشرقت وجدتها جالسة أمام التلفاز تشاهد إحدى الأفلام القديمة نوعًا ما. لكنها كانت في الحقيقة شاردة الذهن، عقلها ليس معها، لم تركز مع الفيلم أبدًا. اقتربت أسيا منها، وقامت بوضع يدها على كتفها تهزها برفق لتلفت انتباهها. نظرت لها أشرقت قائلة لها بتساؤل وود، وهي تحاول الابتسام في وجهها:
"إيه يا حبيبتي في حاجة؟"
أومأت لها أسيا، وأردفت تجيبها بهدوء، وهي تشعر ببعض الخجل والتوتر:
"ا.. أيوه هو بصراحة مالك عاوز ننزل نخرج مع بعض هناكل بره وكده. جيت أقولك عشان إنتِ عارفة ارغد قالي مأسيبكيش لو مش موافقة أسيبك هقول لمالك لا."
ابتسمت أشرقت في وجهها قائلة لها بحنو وهدوء، وهي تؤمئ رأسها إلى الأمام بتفهم:
"روحي يا حبيبتي روحي متخافيش علياد. أنا هتصرف لو حصل حاجة. خلي بالك من نفسك إنتِ بس."
احتضنتها أسيا، وخرجت متجهة إلى غرفتها، وهي تشعر بسعادة لا تستطيع أن توصفها أبدًا. فكرة أنها ستذهب مع مالك إلى مكان ما فكرة رائعة تحلم بها هي طوال عمرها، وها هي الآن حلمها تحقق.
مَـا أَجْمَلُ مِنْ أَنْ تَحْلَم، وَتَسْعَى لِـ الْوِصُولِ لِشَيْءٍ وَتَـجْعَلُه هَدَفَكَ، وَتَنْجح فِي الْوِصُولِ لِـهَدَفِكَ.
ذات الانتصار، والحلم يكون له طعم آخر، سعادة أخرى نشعر بها.
بالفعل دلفت غرفتها، وبدأت تعد نفسها، وهي تشعر بالحماس والفرحة كالطفلة التي ستذهب إلى مكانها المفضل. نزلت، ووجدت مالك ينتظرها في الخارج كما قال لها بالفعل. ذهبت وركبت السيارة بجانبه، وهي تشعر بالخجل الشديد. كانت تشعر أنها مرتبكة كأنها ستدخل امتحانًا. ابتسم مالك على منظرها المرتبك، وجنتيها اللتان تحولتا إلى الأحمر القاني، يديها التي كانت تفرك بهما بتوتر. أردف مالك قائلاً لها بحب، وهو يتمنى أن يضمها إلى حضنه بحنان:
"إيه يا حبيبي مالك في حاجة قلقاكي عشان تتوترّي كده؟"
حركت رأسها يمينًا ويسارًا دليلًا على النفي قائلة له بهدوء وكذب:
"لا مش قلقانة. بس خايفة على أشرقت مش أكتر."
ابتسم مالك على كذبها الواضح، ونظر إلى عينيها قائلاً لها بهمس مغزى:
"بلاش كذب يا حبيبتي؛ لأني حافظك. قولي إنك مكسوفة أسهل من ده كله."
غرزت أسيا أسنانها في شفتها السفلى بخجل. جاءت لترد عليه لكن خانها صوتها، تشعر أنه مُحجّب لم يرد أن يصعد لتتحدث. فاكتفت بإيماءة بسيطة برأسها إلى الأمام، وهي تشعر بمشاعر جديدة تجربها الآن. واصل مالك قيادته مرة أخرى حتى وصل نحو مطعم فخم. أخذها ودلفا سويًا. كانت أسيا تشعر بالارتباك والخجل الشديد، غير مصدقة ما يحدث. تشعر كأنها في حلم وستستيقظ منه الآن. مسكت يده لتتأكد أنها لم تحلم وأنها الآن تعيش واقعًا. واقع عوضها الله به بعد تعب وحزن عاشته بمفردها. بالفعل بدأ مالك يتحدث معها برفق يعبر لها عن حبه الشديد الذي يشعر به نحوها، مشاعره المكبوتة تجاهها.
دلفت مرام إلى غرفة أشرقت كما قالت لها سيلان. كانت تسير وهي تشعر بعدم رضا، فهي غير راضية على ما ستفعله، لكنها رأت أن بالفعل سيلان مُحقة. دلفت عليها الغرفة دون أن تدق الباب. انتبهت أشرقت سريعًا ما إن دلفت. شعرت في البداية بالخوف والتوتر، لكنها ابتسمت في وجهها باصطناع، وأردفت قائلة لها باقتضاب وتهكم:
"إزيك يا مرام، في حاجة؟"
طالعتها مرام بسخرية واضحة، وهي تبتسم في وجهها ابتسامة مزيفة تخفي خلفها العديد من الخبث والحقد اللذين تحملهما نحوها. وأردفت ترد عليها بهدوء مزيف:
"الحمدلله كويسة. إيه يا أشرقت مالك يا حبيبتي بتتكلمي معايا كده ليه؟"
ردت عليها أشرقت باقتضاب، وهي تشعر بضيق جَمّ لرؤيتها أمامها:
"مفيش يا مرام، مفيش. هيكون في إيه يعني."
كانت تتحدث، وهي تقسم أنها كانت غبية، حمقاء بشدة. كيف لها أن تنخدع فيها؟ كانت تقص لها جميع ما يحدث في حياتها كالبلهاء. تسير خلفها دائمًا دون اعتراض منها أبدًا. تقول لها أن تفعل ذلك وفعلًا تفعله، تلغي عقلها دائمًا بسبب ثقتها الزائدة بها. وفي الأخير قد أعطتها أكبر وجع. جعلتها تشعر بالخذلان. ابتسمت أشرقت ابتسامة باهتة حزينة، وهي تشعر بوجع ابتسامة تخفي خلفها حزنها ووجعها.
لَـيْـسَ كُـل مَـنْ يَـبْـتَـسِـمُ يَـكُـونُ سَـعِيدًا فِـي حَـيَـاتِـه، فَـ هُـنَـاك مَـنْ يَـبْـتَـسِـمُ آلَـمًا، وَ قَـهْـرًا، وَ وَجَعًا.
لِـذلِك يَـجِـبُ عَـلَـيْـنَا الَا نَـنْظر الَى غَـيْـرِنا ابدًا، فـ نحن لا نعلم ما يخفيه هذا الشخص. لدينا جميعًا أوجاع لكننا لم نعلم.
أردفت مرام قائلة لها بخبث كما قالت لها سيلان:
"وإنتِ بقا حملك عامل إيه؟"
كانت تتحدث، وهي تقترب منها، واضعة يديها على بطنها تتحسسها برفق. انتفضت أشرقت واقفة تبتعد عنها، وهي تشعر أن يدها كالجمْر الذي يلمسها. كانت تشعر بالخوف. ابتلعت ريقها بخوف، قائلة لها بوهن، وهي تحاول أن تجمع شتات ذاتها:
"اطلعي بره. بره يا مرام."
أشارت لها بسبابتها نحو الباب الخاص بالغرفة. ضحكت مرام بصوت مسموع، وخرجت بالفعل كما قالت لها، وهي تبتسم بمرح وانتصار، وتتمتم بخفوت بينها وبين ذاتها، وهي تنظر إلى الهاتف الخاص بأشرقت الذي أصبح بين يديها:
"أيوه بقى اللعب على المكشوف يا ست أشرقت عشان تفتكري نفسك ذكية وبتضحكي عليا إنتِ وسي ارغد بتاعك."
اتجهت نحو غرفتها سريعًا. وجدت سيلان ما زالت جالسة بموضعها تنتظرها، وهي تشعر بالقلق يأكل قلبها بأكمله. توجهت نحوها ما إن راتها تدلف الغرفة، وأردفت تسألها بتوتر:
"ها يا بنتي عملتي إيه؟"
رفعت مرام يديها إلى أعلى ليظهر الهاتف الخاص بأشرقت بين يديها، وأردفت قائلة لها بانتصار:
"أهه يا ستي الموبايل بتاع الأميرة."
التقطته سيلان من بين يديها بفرحة تخرج من عينيها بالفعل، وقامت بقذفه أرضًا ثم جلست التقطت الشريحة الخاصة به، وقامت بخدشها وهي تشعر بالفرحة والانتصار.
أردفت مرام قائلة لها بتوتر:
"هتجيبي الموبايل بتاع عمي عابد إزاي يا ذكية؟"
فتحت سيلان يدها ليظهر بها شريحة أخرى، وأردفت قائلة لها ببرود ولا مبالاة:
"أخدته من غير ما ياخد باله. وشوية وهاخد بتاع ست أسيا. أما نشوف مين اللي هيكسب."
كانت أشرقت تبحث عن هاتفها بجنون، وهي تشعر بالخوف والتعب. لا تعلم ماذا تفعل. زفرت بيأس عندما لم تجده. كانت ستتجه إلى أسفل لكنها شعرت بالخوف. قررت أن تظل جالسة في غرفتها.
عادت أسيا، ودلفت المنزل بعدما ودعت مالك. كانت تشعر أنها كالفراشة الطائرة في الهواء. فراشة حرة تطير بأجنحتها، وهي تشعر بالفرح. سيتسبب لإيقاف قلبها بالفعل. ابتسمت بسعادة تعجز عن وصفها. كانت تتذكر حديثه لها، كم كان يغمرها بحبه وحنانه. تشعر أن حلمها التي سعت لتحقيقه قد تحقق الآن. حلم دامت سنوات من حياتها، وهي تنتظر أن يحدث. وبالفعل حدث. لكم أن تتخيلوا أنتم مدى سعادتها الآن. فمهما كُـتِـبَ وقِـيل أن يأتي شيء بجانب سعادتها. سعادتها لحلمها الذي تحقق الآن. تشعر كالأميرة المتوجة التي يتحقق لها كل ما تتمنى. استوقفها صوت والدها الذي أردف يهمس باسمها. التفتت له قائلة له بصوت خَـجِـل ملئ بالسعادة والفرحة:
"أيوه يا بابا في حاجة؟"
أشار لها بيده أن تجلس بجانبه. بالفعل توجهت هي وجلست كما أشار لها. أردف قائلاً لها بحنان:
"عملتي إيه انهاردة مع سي مالك؟"
نظرت له بصدمة وعدم تصديق. ضحك هو قائلاً لها بعتاب:
"إنتِ فاكراني مش عارف؟ مالك مستأذن مني الأول قبل ما تمشوا. أنا قولت إنك هتقوليلي لما ترجعي حتى."
خفضت بصرها إلى أسفل بخجل، وأردفت قائلة له بخفوت وأسف وهي تشعر أنه مُحق، وهي بالفعل أخطأت:
"أنا آسفة يا بابا. أوعدك مش هيحصل كده تاني. آسفة بجد."
التقطت كفه بين يديها وهي تنظر له بأسف وامتنان، تشعر بالفخر والسعادة لكونه والدها. ابتسم عابد في وجهها، وضمها نحو حضنه، وهو يربت فوق ظهرها بحنان. ثم تركها وصعد متجهًا نحو غرفته. لحقته هي الأخرى وصعدت. كانت ستتوجه إلى غرفة أشرقت كي تطمئن عليها كما وعدت ارغد، لكنها شعرت بنفسها وهي تتصادم بشخص ما، ووقعت أرضًا أثر هذا الاصطدام القوي المقصود. رفعت أسيا نظرها لترى من هذا الشخص، وجدتها سيلان. اقتضبت ملامح وجهها وتحولت سريعًا. أردفت سيلان قائلة لها بحدة، وهي تمد ذراعها لتساعدها على النهوض:
"أنا شايف إن تهديدي مجابش نتيجة، وإنك مخفتيش. متزعليش بقى من النتيجة."
نهضت أسيا بمفردها، وهي تتجاهل ذراعها قائلة لها بشجاعة ولا مبالاة:
"لا مبخافش الحمد لله. خليكي إنتِ في نفسك."
التقطت حقيبتها، وسارت تاركة إياها متجهة نحو غرفة أشرقت. ابتسمت سيلان، وهي تنظر إلى الهاتف الذي كان بـ يديها بانتصار، ودلفت إلى غرفة مرام وهي تشعر بسعادة نابعة من صميم قلبها. لكن بالطبع تلك السعادة لن تدوم طويلًا؛ لأنها تُـبنى على تعاسة شخص آخر.
رواية ظلمات قلبه الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم هدير دودو
دلفت أسيا إلى غرفة أشرقت، لكنها تصنمت في موضعها ما إن فتحت الباب الخاص بالغرفة. عقدت حاجبيها بدهشة وعدم فهم وهي تشعر أن شيئًا ما قد حدث، خاصةً عندما وقع بصرها على أشرقت التي كانت جالسة في الأرض تبكي وتنتحب بقوة، وهي تضم كلا ساقيها نحو صدرها.
اتجهت نحوها على الفور، تجلس بجانبها وهي تسألها بصوت قلق، وقد تأكدت أن بالفعل قد حدث شيء لم تعلمه هي:
"في إيه يا أشرقت؟ اهدى يا حبيبتي، وفهميني مالك؟ مين اللي كلمك وأنا هروح أتخانق معاه؟"
همست أشرقت تجيب بخوف ونبرة ضعيفة واهنة من كثرة البكاء:
"هـ.. هاتِ موبايلك يا أسيا.."
مدت يدها التي كانت ترتعش بخوف إلى الأمام. عقدت أسيا كلتا حاجبيها بدهشة واستغراب من مطلبها هذا، وقد ضمت كلتا شفتيها إلى الأمام وتمتمت تسألها بعدم فهم:
"عاوزة موبايلي في إيه؟ هو حصل حاجة يعني يا أشرقت؟"
تمتمت هي بنفس ذات النبرة، وهي تشعر بنفاذ الصبر بالفعل لم تستطع أن تتحمل أن يحدث شيء لطفلها:
"هاتي الموبايل بسرعة بس."
أومأت لها أسيا برأسها إلى الأمام، وبالفعل فتحت حقيبتها التي كانت ترتديها على خصرها لتخرج هاتفها. وبدأت تبحث بداخلها على الهاتف لكنها زفرت بإحباط وضيق عندما لم تجد الهاتف. وأردفت قائلة لأشرقت التي كانت تطالعها بعينين تلتمع بالأمل... أمل اختفى وتبخر عندما علمت أنها لم تجده:
"للأسف يا أشرقت مش لاقياه.. ممكن أكون نسيته في عربية مالك؛ لأني مروحتش أوضتي لما رجعت."
أردفت أشرقت تخبرها بنبرة يتملكها الحزن، وهي تشعر بدقات قلبها تدق بعنف:
"قلبها هيسيبها ويهرب من جسمها: مرام اللي أخدته؟ قابلتيها وإنتي جاية صح؟"
حركت أسيا رأسها يمينًا ويسارًا بنفي، وهي تشعر بعدم الفهم. لا تعلم لماذا تتفوه أشرقت بهذا الحديث الآن، لذلك تمتمت تجيبها بنفي:
"لا، مش مرام اللي قابلتني.. ممكن تهدّي وتفهميني في إيه عشان أعرف أتصرف؛ لأني كدة والله ما فاهمة حاجة، عاملة زي الحمارة."
تنفست أشرقت عدة مرات متتالية بصوت مسموع، وهي تحاول أن تهدأ من ثورة خوفها تلك. وأردفت تقص عليها ما حدث معها. كانت تتحدث وهي تبكي بغزارة. تريد أن أرغد يكون بجانبها، فهي الآن في أشد احتياجها له، تحتاج إلى أمانها، سندها، وحمايتها. هو يعتبر كل شيء لها في تلك الحياة. اعتادت على وجوده واحتياجها له. هي تعتمد عليه في كل ما تحتاج وكل ما يحدث لها.
غرزت أسيا أسنانها في شفتها، وهي تفكر في كل كلمة تفوهتها أشرقت لتعلم على الفور أن سيلان قد اشتركت مع مرام وماجد في تلك الخطة الخبيثة. لذلك أردفت سريعًا قائلة لها بتوجس وهي تمرر إبهامها بسبابتها مصدرة صوتًا عالي:
"كدة سيلان اتفقت معاهم.. أشرقت إحنا مش لازم نسكت؛ لأنهم أكيد مش هيسكتوا، وكدة بيدبروا لحاجة. وكمان عارفين إنك لسه حامل منزلتيش الطفل، بس هما عرفوا إزاي؟"
صمتت أشرقت، وبالفعل لا تعلم ماذا تجيبها، لأنها لا تعلم بالفعل. أردفت قائلة لها بقلق، وهي تبتلع ريقها الجاف بصعوبة وبطء:
"أنا عاوزة أتصل بارغد، لازم أقوله."
أومأت لها أسيا بتأييد، تؤيد فكرتها بالطبع، فهما لا يستطيعان أن يخفيا شيئًا مثل هذا عن أرغد. أكملت حديثها قائلة لها بهدوء، بعدما فكرت لبضع دقائق:
"اصبري، هنزل أشوف تليفون بابا، وأتصلك بيه."
أومأت أشرقت، وهي تشعر أن قلبها سيتوقف من شدة الخوف. تلعن ذاتها بقوة، كيف سمحت لمرام أن تأخذ الهاتف، وكيف لم تنتبه لشيء مثل هذا؟ لا تعلم أين كان عقلها حينها. لكنها بالفعل لم تنتبه عليها أبدًا، كما أنها كانت غير واعية. بالفعل، كل ما يشغل تركيزها في هذا الوقت هو كيف علمت أنها ما زالت حامل ولم تجهض طفلها؟ تشعر كأن الدنيا قد توقفت عند هذا الشيء، لذلك لم تشعر بشيء آخر.
خرجت أسيا من الغرفة مهرولة سريعًا إلى غرفة والدها. وجدته نائمًا، ظلت تبحث عن هاتفه، لكنها لم تجده أبدًا. علمت على الفور أنهم أخذوه. تنهدت بضيق وإحباط، وهي لا تعلم ماذا تفعل؟ صعدت مرة أخرى إلى غرفة أشرقت التي كانت تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا، والقلق ينهش قلبها بأكمله. تُخبر أشرقت بنتيجة ما خططوه، ما إن استمعت أشرقت إلى حديثها، وبدأ بكاؤها يزداد. تبكي بخيبة أمل وهن وضعف.
***
في الصباح، استيقظت أشرقت، وهي تشعر بأنين وتعب منبعث من موضع قلبها. استمعت إلى صوت دق خفيض فوق الباب. لم تنكر ازدياد خوفها، حيث أنها تشعر أنها استمعت إلى صوت دقات قلبها. وضعت يديها على موضع قلبها، وبدأت تتنهد بصوت مسموع، وهي تجاهد تخفي توترها، وتعطي لذاتها طاقة وثقة.
بالفعل توجهت نحو الباب لتفتحه، لكنها تصنمت مكانها عندما رأت ماجد هو الذي يقف أمامها. كان يطالعها بنظرات جريئة تمتلي بالوقاحة، يتفحصها من أعلاها إلى أدناها. لم تعلم ماذا تفعل؟ تشعر أن عقلها قد توقف. حاولت أن تجعله يعمل بدلًا من وقوفها أمامه الآن كالصنم. لم يسعفها عقلها سوى على أن تغلق الباب بقوة في وجهه، وقد تحولت ملامح وجهها إلى الضيق والغضب. كانت متوقعة أن يأتي. تنهدت عدة مرات مقررة أن تواجههم جميعًا بأقصى ما لديها من قوة.
ضحك ماجد بصوت مسموع، كي تستمع له ويصل إلى مسامعها. أردف قائلاً لها بخبث وصوت عالٍ وصل إليها واستمعت إليه جيدًا:
"اتفرجي واتسلي يا ست أشرقت؛ عشان شكل الفيلم بتاع المرة اللي فاتت ما تستمتعيش بيه كويس. صحيتي كنتِ عالسرير عادي مش حاسة بحاجة، لكن المرة دي بأكدلك إنك هتستمتعي، هتشوفي كل حاجة صوت وصورة."
شعرت أن خوفها قد تضاعف بالفعل ما إن استمعت إلى حديثه الذي لا يدل على الخير أبدًا. وضعت كلتا يديها على أذنيها بضيق، وهي لا تود أن تستمع إلى حديثه هذا الذي لا يعمل سوى على إثارة حنقها وخوفها. بدأت تطمئن قلبها وتحاول أن تهدئه من نوبة القلق، وهي تتمتم قائلة لنفسها بصوت متقطع:
"ل..لا آ.. أكيد.. أرغد هيجي.. هـ.. هو قالي إنه بيحس بيا."
أكملت بصوت متحشرج، وهي لا تستطيع أن تمنع نوبة بكائها أكثر من ذلك:
"أنا دلوقتي محتاجاه جنبي أنا، وأنا ولا حاجة من غيره."
اتجه ماجد نحو غرفة سيلان، التي ما إن رأته حتى هبت واقفة تطالعه بغضب قائلة له بضيق ولوم:
"بقا كدة يا ماجد بتخطط وتعمل من ورايا؟ إنتَ وست مرام ده أنا اختك أولى من أي حد. فين ماجد اللي كان بيحكيلي كل حاجة بتحصل وبيعملها؟"
تابعت حديثها بفخر وثقة، وهي تشير بسبابتها نحو ذاتها بأعين تلتمع بالغرور:
"في الآخر أنا اللي ساعدتك.. متنساش كدة. لولايا كان زمان سي أرغد هو وست أشرقت بيخدعوك وهما عايشين مع بعض زي الفل."
طأطأ ماجد رأسه أرضًا، وهو ينظر لها بتأكيد يؤكد حديثها، فبالفعل هي على حق:
"معلش يا سيلان، آسف.. بس الغبية اللي اسمها مرام كانت مفهماني إنها مسيطرة على طـ.. على كل حاجة، وطلعت غبية. ده غير الشخص اللي بيهددنا ده، حقيقي مضغوط من كل ناحية."
عقدت سيلان حاجبيها بدهشة، وهي تردف تسأله بعدم فهم واهتمام:
"يعني إيه؟ مين ده اللي بيهددك؟"
تنهد ماجد بضيق، وبدأ يقص عليها بعض الأشياء التي تمت معه، علاقته بمرام، وتلك التهديدات، والصور التي أصبحت تلازمه. شهقت سيلان بغضب ودهشة ما انتهى من حديثه. خفضت يدها سريعًا، وهي تردف قائلة له بعصبية وصوت عالٍ نسبيًا، وبدأت توبخه بقوة توضح له عن مدى غضبها منه الآن:
"إنتَ اتجننت يا ماجد صح؟ لو اتجننت قول. إزاي تتنيل كدة مع الزفتة اللي اسمها مرام؟ لازم.. قرف لازم."
وضعت يدها على صدغيها بغضب جم، كان واضحًا في نظراتها. وضع ماجد ساقه فوق ساقه الآخر، قائلاً لها بلا مبالاة:
"إيه يا سيلان؟ ما حصلش حاجة.. بنتسلى شوية وهي موافقة. ما عرضتش إنتِ اللي هتعترضي يعني؟"
كان يتحدث باستنكار، وهو يرى أن غضبها هذا ليس له داعي. اقتربت منه بغضب واضح، واضعة يديها فوق كتفه تنهر إياه بغضب وضيق:
"هعترض على إيه؟ أنا بتكلم إن دلوقتي بتتهددوا بسبب القرف ده. إنتَ عارف لو حد عرف العلاقة اللي بينكوا هيعملوا إيه؟ عارف ولا لأ؟"
أومأ لها ماجد برأسه إلى الأمام، وهو يتمتم بصوت منخفض غاضب، وقد اكفهرت ملامح وجهه:
"أيوه عارف.. بس ده مش وقته دلوقتي. المهم اللي هنعمله إحنا."
قطع حديثهم دخول مرام إلى الغرفة، التي اتجهت نحو ماجد مباشرةً عندما رأته قائلة له بلوم ونبرة مغزية:
"بقا كدة يا ماجد تيجي ومش تقولي؟"
أردفت سيلان ترد هي عليها بدلًا من ماجد، وهي تبعدها عنه بيديها لتقف في المنتصف تفصل بينهما:
"اهدي يا ست مرام، وركزوا معايا دلوقتي. انزل يا ماجد هتلاقيهم شوية، وكله هيتجمع. يلا قوم، مش هضيع فرصة؛ لأنهم بيستغلوا كل حاجة."
كانت تتحدث بشرود، وشرر يتطاير من عينيها. أخفى ماجد ضحكته على حديث وأفعال شقيقته مع مرام، ثم نهض وخرج بالفعل. أما مرام فشعرت بغيظ شديد، وودت أن تنقض على سيلان وتقبض على خصلات شعرها بقوة وغِل. لكنها سرعان ما نفضت تلك الفكرة من عقلها، وخرجت هي الأخرى تاركة إياها تبتسم بانتصار.
***
أسفل، كان الجميع قد اجتمع بناءً على طلب سيلان. عقدت فايزة ما بين حاجبيها بدهشة وضيق، وهي تردف قائلة لمرام بصوت منخفض تسأل إياها مودّة أن تفهم ما يحدث، وهي تشعر بالملل بسبب جلوسها الآن دون هدف:
"هو في إيه؟ وإيه سبب التجمع العجيب ده؟"
اعتلت الابتسامة ثغر مرام، فقد كانت تبتسم بخبث وسعادة حقيقية منبعثة من صميم قلبها بالفعل، وهي تشعر أنها ستشفي غليلها من أشرقت التي دائمًا تراها أفضل منها. غيرة وحقد دون أيةِ هدف. قلبها ممتلئ بالحقد تجاه تلك البريئة. أردفت تجيب والدتها بثقة وفخر:
"اصبري يا ماما، ادينا بنتفرج.. أهه الفرجة ببلاش."
أردف عابد يسأل ماجد بنبرة صارمة جادة، وهو ما زال حتى الآن لم يستطع يفهم لماذا أصَّروا على أن يجتمعوا جميعًا الآن:
"في إيه يا ماجد إنتَ وسيلان؟ إيه سبب التجمع ده؟"
كانت ملامح وجهه عابسة، فهذا إهدار للوقت دون هدف. أردفت سيلان ترد هي عليه، قائلة له بابتسامة واسعة لم تخلو من الخبث، فكيف أن تبتسم بصفواً وابتسامتها تُبنى على حقدها لشخصٍ آخر:
"هي فين أشرقت يا عمي؟ قولنا عاوزين الكل عشان اللي ماجد هيقوله مش هينفع يتقال غير لما الكل يجي."
وجه عابد بصره نحو ابنته الجالسة على المقعد الذي كان أمامه، قائلاً لها بصرامة بعدما تنهد تنهيدة حارة يخرج فيها ما يشعره من ضيق وملل، فهم يجلسون وحتَّى الآن لم يحدث شيء، على الرغم من أنهم أخبروهم أن يوجد شيء هام، وحتى الآن يثرثرون بلا هدف:
"روحي يا أسيا، اندهي أشرقت وقوليلها تنزل أما نشوف."
كانت أسيا جالسة شاردة، لم تنتبه على ما قاله والدها. عقلها ليس معها. من الواضح من هيئتها أن بها شيء ما، من يراها يعلم على الفور أنها ليست بحالتها الطبيعية المرحة، فقد كانت جالسة تفرك في يديها بتوتر، وجهها يرتسم عليه علامات القلق والتوتر. هتف عابد باسمها مرة أخرى بنبرة أعلى لتستمع له، وبالفعل نجح في جذب انتباهها له. أردفت تسأله وهي تبتلع ريقها الجاف بتوتر، فهي قد علمت أنهم سينفذون ما ينوون عليه الآن:
"آ.. إيه يا بابا؟ حضرتك قلت إيه؟ سوري مكنتش مركزة."
تحدثت وهي تجبر شفتيها على الابتسام رغمًا عنهما. غمغمت سيلان ترد هي عليها بتهكم وسخرية واضحة:
"بيقولك اطلعي اندهي سمو الأميرة أشرقت اللي عاملة نفسها مش عايشة معانا في البيت."
أنهت حديثها، وقامت بلوي فمها بسخرية واستهزاء. أومأت أسيا برأسها إلى الأمام، ونهضت من مجلسها متجهة نحو غرفة أشرقت، وهي تصعد الدرج ببطء، ودلفت الغرفة ما إن وصلت. أردفت قائلة لأشرقت بتوجس وخوف:
"أشرقت بابا بيقولك انزلي عشان قالوا إنك لازم تنزلي عشان ست سيلان وماجد هيقولوا حاجة مهمة."
أردفت حملتها الأخيرة بتهكم وغضب واضح. تنفست أشرقت عدة مرات متتالية بصوت مسموع، قبل أن تردف قائلة له بتلعثم وصوت متقطع، وهي تغرز أسنانها في شفتها وتضغط عليها بقوة:
"حـ.. حاضر هنزل. متعرفيش هيعملوا إيه؟"
كانت تسألها، والخوف ينهش قلبها بأكمله. تحتاج لأرغد بجانبها وبقوة. تتمنى أن تغمض عينيها وتفتحهما تجد أرغد بجانبها، فهو مصدر قوتها الذي تستند عليه، تستمد منه القوة والأمان لتقف وتواجه الجميع دون ذرة خوف.
حركت أسيا رأسها يمينًا ويسارًا بالنفي، قائلة لها بتوجس يحتل ملامحها ونبرة صوتها:
"لا مش عارفة، لسه مقالوش حاجة."
سارت معها بخطوات بطيئة متعثرة حتى نزلوا سويًا إلى أسفل. ابتسمت سيلان بخبث وغرور، وهي تشعر بتراقص قلبها بداخلها. نهض ماجد من مجلسه ما إن رآها، وأردف قائلاً لهم بخبث، وقد حان الآن وقت ما يقوله:
"أهي شرفت الهانم. بصوا يا جماعة، أنا جاي أقولكم الحقيقة بتاعت الملاك اللي اسمها أشرقت."
ازدردرت أشرقت ريقها، وعادت خطوة إلى الخلف حتى أصبحت تقف خلف أسيا التي قد كانت واقفة بجانبها. عقد عابد حاجبيه قائلاً له بعدم فهم يسأله:
"تقصد إيه يا ماجد؟"
وضع ماجد يده في جيب سترته، يخرج هاتفه، وعبث فيه لعدة ثوانٍ ما يقارب الدقيقة، حتى وصل لغرضه، وقام بلفه على واحد واحد من الجالسين، فقد كانوا يشاهدون صورًا له هو وأشرقت. أردف ماجد بعدما انتهى من مشاهدة الجميع للصور:
"أنا وأشرقت في بينا علاقة.. عشان كدة كنت هتجوزها، وهي استمرت معايا بعد جوازها من أرغد كمان.. وأهي دلوقتي حامل مني أنا."
شهقت أشرقت أول واحدة منهم جميعًا، وهي غير مصدقة ما يقوله. أردفت قائلة له بعدم تصديق وهي تحرك رأسها عدة مرات بالنفي وعدم تصديق:
"إنتَ كداب. إيه اللي بتقوله ده؟"
اقترب ماجد منها، وهو يقبض على ذراعها ساحبًا إياها إلى الأمام، لتقف في المنتصف أمام الجميع، وقد أردف قائلاً لها بخبث يكمل حديثه:
"إيه يا حبيبتي؟ لمتى هنفضل نكدب ونخبي وابننا نكتبه باسم أرغد؟ مش هينفع يا حبيبتي."
جحظت عينا أشرقت تشعر أن صوتها قد انحسر، امتنع من الصعود من جوفها. أردفت آسيا بدلًا عنها، نقول له بقوة وغضب تدافع عنها، وهي تبعد يده من فوق ذراعها:
"ابعد إيدك عنها، وملكش دعوة بيها. أشرقت أحسن منك ومن مليون واحدة زيك يا قذر."
تمتمت مرام قائلة لأشرقت بخبث، وهي تدَّعي الصدمة وعدم التصديق:
"إيه ده يا أشرقت؟ إنتِ تعملي كدة؟ ده أنا بقول عليكي محترمة. يطلع منك كل ده."
"شايف؟ أدي بنتك. طول عمري عارفة إنها و**** وأخلاقها زبالة، وتلاقيها عملت حوار اغتصابها عشان تداري بيه عن حقارتها وقذارتها."
كان عابد يقف يشعر بالصدمة والحيرة معًا، لا يعلم ما يحدث إذا كان صحيحًا أم لا. لا يدري ماذا يفعل، يشعر أنه في حيرة شديدة.
أغمضت أشرقت عينيها بقوة، وهي غير مصدقة ما يقوله الجميع. تستمع إلى إهانتها بأذنيها، ولم تستطع أن تتحدث. ماذا ستردف كي تدافع عن ذاتها؟ هي البريئة، وتقف أمامهم كالمتهمة المذنبة. لم تخطئ، لكنهم سيعاقبونها على جريمة لم تفعلها. تشعر أنها في حلم. ضغطت على كلتا كفيها بقوة، قبل أن تفتح عينيها، عندما وجدت من يقبض على ذراعها بقوة، وجدته والدها، وهو يطالعها باشمئزاز، كره، واحتـ..ـقار. تكره نظراته لها تلك، نظراته التي دام يطالعها بها طوال حياتها. تشعر أنها تريد أن تقتل ذاتها لترتاح من تعب الحياة التي لم ينتهِ. أصبح الوجع والظلم يلازمانها طوال حياتها، لكنها بالطبع لن تفعل هذا الخطأ مرة أخرى بحياتها. يكفي أنها فعلته مرة سابقة، وحملت هذا الذنب التي تتمنى أن تمحيه من ذاكرتها وحياتها.
رفع شريف يده إلى أعلى ليضربها. أغمضت أشرقت عينيها، والدموع كانت تسيل على وجنتيها بغزارة. تشعر أن الزمن ينعاد مرة أخرى، ها هي حياتها القديمة تنعاد أمامها مرة أخرى. أبوها يقف ويضربها أمام الجميع. تشعر أن حياتها مع أرغد لم تكن سوى حلم جميل هيأه لها عقلها لتهرب من الواقع الأليم الذي تعيشه، ليس أكثر. قد حان الآن استيقاظ منه، استيقظت لتعيش حياتها القديمة وتكملها، حياتها التي كرهتها بسبب أفعال أبيها معها تلك، وبطش الجميع عليها. فلو كانت صخرة قوية لكانت انهارت من قوة الدق فوقها، وبالفعل هم جميعًا يدقون فوق طاقتها حتى نفذت وتبخرت في الهواء نهائيًا.
رواية ظلمات قلبه الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم هدير دودو
رفع شريف يده إلى أعلى ليضربها على وجنتها.
أغمضت أشرقت عينيها، والدموع كانت تسيل على وجنتيها بغزارة. كانت تشعر بوجع، ضعف، وعجز. استسلمت لواقعها المرير، انتظرت الصفعة لتهبط على وجنتها، وبالفعل شعرت بالانكسار والخذلان.
"استنى يا شريف!"
صدح هذا الصوت. كان صوتًا قويًا، غاضبًا، جهوريًا. لم يكن سوى أرغد الذي وصل، ورأى هذا المنظر. المنظر الذي بالفعل جعل عقله يهرب منه. كان يتمنى أن يذهب إليهم ويقتلهم جميعًا. كل شخص آذى محبوبته بكلمة سيردها له بألف. كان ينظر إليهم جميعًا بعينين غاضبتين، الشرر يتطاير من عينيه. كانت عينيه تشبه الغابة التي تحترق، والنيران تتآكلها من جميع الأنحاء. بالفعل نيران الغيرة، والغضب، والحب تتآكل في قلبه.
فتحت أشرقت عينيها، ووقفت تنظر إلى مصدر الصوت بعدم تصديق وصدمة تكذب عينيها. لكنها فجأة لم تشعر بذاتها سوى وهي تنطلق نحوه بأقصى سرعة لديها، تتدفن ذاتها داخل حضنه. كان جسدها يرتجف كليًا. أحاطها أرغد بذراعيه، وبدأ يربت على ظهرها بحنان لتهدأ. وهو يهمس داخل أذنها بنبرة حانية على الرغم من الغضب الذي بداخله. يشعر بغضب يكتمه، إذا أطلقه صراحة سيقتلهم جميعًا دون لحظة تردد.
"هش هش، اهدي يا حبيبتي اهدي يا روحي عشان خاطري."
تمتمت هي بصوت متقطع، باكي، غير منتظم. وقد أطلقت لبكائها وضعفها العنان.
"آرغد... بيقول إنه ابنه مش ابننا... بيقول إني على علاقة معاه... آرغد معاه صور لينا."
كان حديثها غير مفهوم ومرتب، إلا أنه فهم جيدًا ما تقوله. مسد على ظهرها بحنان، وهو يردف قائلًا لها بحنو وهدوء كي يهدئها:
"اهدي يا حبيبتي، قسمًا بالله لأعرفهم كلهم مقامهم، وكل واحد غلط فيكي بحرف واحد هيدفع تمنه. هما اللي حددوا وقت المواجهة، يستحملوا بقى."
كان حديثه موجهًا للجميع. كان يتحدث بنبرة توعد، عيونه قاتمة توضح مدى غضبه الآن. بالفعل ظل يحاول أن يهدئها حتى هدأت واستكانت بضعف وتعب بين ذراعيه. كانت صامتة، لا يصدر منها سوى صوت أنفاسها المرتفعة.
مسك أرغد يدها وقام بطبع قبلة رقيقة فوقها، وهو يردف قائلًا لها بصوت حانٍ أجش:
"اشف يا عمري، معرفتش أجي بدري عن كده، بس كويس إنك كلمتني."
تذكرت أشرقت ما فعلته هي وأسيا عندما أخبرتها أن هاتف والدها لم يكن موجودًا هو الآخر.
***
كانت أشرقت جالسة في الغرفة، القلق والتوتر ينهشان بقلبها. فهي بالطبع علمت أنهم سيفعلون شيئًا ما، لذلك نزلت في المساء بهدوء. توجهت نحو غرفة يسرية بعدما أخبرتها أسيا أنهم قد أخذوا هاتف والدها أيضًا لأنهم علموا أنه أول من سيتوجهون نحوه. كانت يسرية نائمة، فقامت أشرقت بإيقاظها قائلة لها بهدوء وتوتر وهي تضغط على كلتا يديها بقوة، تجاهد أن تمنع نفسها من الدخول في دوامة بكاء مريرة:
"د... دادا معلش يا دادا ممكن تليفونك أكلم منه أرغد."
أخرجت يسرية هاتفها، لكن بكل أسف لم يكفِ للتحدث مع أرغد، فهو لم يوجد به رصيد كافٍ. فأعادته لها، وهي لا تعلم ماذا تفعل. لكنها رأت والدها يقف في الحديقة، توجهت نحوه وهي تشعر بالتردد والخوف، لكن لم يوجد أمامها أي خيار آخر سوى هذا.
"ب... بابا ممكن تليفونك أعمل مكالمة معلش عشان مش عارفة تليفوني فين."
عقد شريف كلتا حاجبيه إلى الأمام وهو يشعر بالدهشة، لكنه وضع يده في جيب سترته وأخرج هاتفه. أعطاه لها، فأخذته هي وخطت بعض الخطوات بعيدًا عنه كي لا يستمع ما تتحدث به. وبالفعل اتصلت بأرغد وأخبرته كل ما حدث. شعر أرغد حينها بشعلة من النار الملتهبة تتآكل في قلبه، لكنه جاهد أن يكتمه ويحاول أن يطمئنها قبل أن يغلق معها. بالفعل قامت بحذف هذا الرقم من هاتف والدها وأعادته له.
***
فاق شريف من شروده على يد أرغد التي كانت واضعًا إياها فوق كفها. حتى وصل نحو أحد المقاعد وأشار لها تجلس، قائلًا لها بصوت حانٍ وهو يبتسم في وجهها ليطمئنها:
"اتفرجي يا حبيبتي على بلاوي كل واحد فيهم. اتفرجي عشان ده وقتك وحقك."
أنهى حديثه وهو يومئ لها برأسه إلى الأمام. أومأت له هي الأخرى ولم ترد عليه، بل اكتفت بتلك الإيماءة وهي تشعر بانقباض قلبها داخل قفصها الصدري. لكن ما يطمئنها ويهدئها هو وجود أرغد بجانبها في هذا الوقت. تعلم أن بوجوده لن يحدث لها هي وطفلها أي شيء. فهو سد أمان وقوة حياتهم.
التفت أرغد نحوهم. توجه أولًا نحو شريف الذي كان مازال مستمرًا مكانه، يشعر بالصدمة والدهشة. وأردف قائلًا له بصرامة وحدة، وهو يشعر بحمرة من الغضب بداخله:
"انت مالكش أي حق إنك ترفع إيدك على مراتي أبدًا مهما مين وتبقى إيه. أشرقت خط أحمر للجميع، مسمحش لحد يقولها كلمة. وقبل ما تكلم مراتي المحترمة، كلم بنتك ومراتك اللي ماشيين مدورينها من وراك. ولا في حد حاكمهم."
صاحت فايزة قائلة له بغضب وصوت عالٍ وهي تنهض من فوق مجلسها، ترفع سبابتها في وجهه:
"اخرس، متجيبش سيرتي أنا وبنتي على لسانك. متجبش قذارة مراتك فينا. وريه يا ماجد الصور، فرجوا على مراته وهي في حضنك. خليه يشوف الملاك اللي بيدافع عنها."
أنهت حديثها بضحكة ساخرة. نظر أرغد نحو أشرقت وأومأ لها برأسه إلى الأمام وهو يبتسم في وجهها بهدوء. فكل ما يريده هو ألا تبكي وتحزن من حديثهم القاسي الحاد هذا. والتفت مرة أخرى نحو فايزة وهو يخرج هاتفه ويعطيها بعض الصور الخاصة لمرام وماجد. فعل مثلما فعل ماجد، جعل الجميع يشاهدها. حتى انتهى. ما أن انتهى حتى تمتم من بين أسنانه بقسوة واستهجان:
"أهي الصور الحقيقية مش صور مراتي يا ست فايزة."
شحب وجه مرام بشدة وهي تحاول أن تهدئ ذاتها كي لا تكشف أمرها. بينما صرخت فايزة قائلة له بحدة وعدم تصديق:
"اخرس، مش عاوزة أسمع صوتك أبدًا. أنا بنتي محترمة، عمرها ما تعمل حاجة زي كده. مفكراها مراتك ولا إيه؟ روح لم الأول مر..."
صاح أرغد بها بصوت عالٍ غاضب، مقاطعًا إياها مانعًا إياها من تكملة حديثها، وهو يتمنى أن يقتلها في هذا الوقت. لم يعلم كيف سيطر على ذاته:
"متجبش سيرة مراتي على لسانك. مراتي خط أحمر."
ليتابع حديثه بشراسة وغضب أكثر:
"أنا لسه بوريكوا جزء من الحقيقة، لسه الحوار طويل وكل حاجة عملتيها هتتكشف."
ابتلعت فايزة ريقها بخوف، جاهدت أن تخفيه وهي تشعر بتهديده الجاد هذا. تخشى أن يكون علم عنها شيئًا.
استمعوا جميعًا إلى صوت مرام وهي تتحدث مع ماجد عندما كانت تقول له بخوف:
"انت عارف يا ماجد لو عرفوا هيعملوا إيه؟ ممكن يحرمونا من الميراث."
بدأ يفتح أمامهم عدة تسجيلات أخرى لهما. فهو كان يعمل على تسجيل مكالماتهم حتى انتهى من فتحهم جميعًا. نظر الجميع نحو مرام يطالعونها باحتقار.
"طب وفيها إيه يا أرغد؟ أنا عملت كل ده عشانك. وأظن إن الموضوع ده مش هيفرق معاك. مش هيفرق معاك إذا كنت بنت ولا لأ. كان زماني خلصتك من أشرقت وابنها كمان ونتجوز أنا وأنتَ."
ردَّ عليها أرغد بضيق وحدة وهو يشعر بالاستنكار من حديثها اللا مبالي:
"إيه اللي مش هيفرق معايا؟ ومين قال إن حتى لو كانت خطتك الـ*** دي نجحت كان ممكن أتزوجك؟ انتِ إنسانة زبالة! واقفة تبجحي بعد ما الكل عرف بقذارتك وتقولي عادي مش هتفرق."
أجابته بلا مبالاة كأنها تتحدث عن أمر عاديًا، ليست كارثة كهذه:
"آه عادي، مش هتفرق. مانا زيي زي أشرقت، ما أنتَ رضيت بأشرقت وهي مش بنت، وآه متجوزها. ولا تكون ماخدتش بالك إنها مش بنت؟ يعني أنا زيي زي ست هانم اللي طالع بيها السما."
على الفور تحدثت فايزة تؤيد ابنتها، كأن هذا خبل دفاع عن ابنتها:
"آيوه فعلًا يا حبيبتي معاكي حق. أنتِ مغلطتيش، هو اللي بيعمل كل ده وناسي إن مراته برضو مكانتش بنت."
شعر الجميع بالصدمة من حديثها هذا. بينما ردَّ أرغد قائلًا لها بغضب وهو يطالعها بعينين مشتعلتين، نظراته وحدها كفيلة أن تجعلها تحترق كليًا:
"انتِ بذات تخرسي خالص! مش قادر أصدق إنك بتقولي كده. أنتِ معجونة من إيه؟ بعيدًا عن إنك أمها والمفروض تنصحيها، لا بتأيدي كلامها وتتكلمي على مراتي اللي أنتِ كنتِ السبب في اللي حصلها."
شهقت أشرقت بصدمة وهي تتطلع نحوه بعدم تصديق. أومأ لها أرغد برأسه يؤكد حديثه. شحب وجه فايزة. شعرت أن الدماء قد فرت هاربة من وجهها وجسدها. لا تعلم كيف وصل أرغد لمعلومة هامة مثل هذه، لكنها ردَّت قائلة له بتوتر لم تستطع إخفاءه:
"ا... إيه اللي بتقوله ده؟ أنتَ بتقول أي كلام؟ أنتَ جاي تلبس قرف مراتك فيا."
هدر بها أرغد وقد وصل لأعلى ذروة في غضبه، فهي حتى الآن تضع اللوم على أشرقت التي قامت بتدمير حياتها:
"اخرسي، قسما بربي لو جبتي سيرة أشرقت هكون قاتلك ومش هيهمني حد. أنا عارف كويس إنك السبب، وأنتِ اللي طلبتي من عيل **** يعمل فيها كده. على فكرة الواد ده جبته واعترف بعد ما أخد علقة محترمة، خلته تتمنى الموت وميطولوش. وفي الآخر سلمته بنفسي للبوليس."
شعر شريف بالصدمة، لا يستطيع أن يصدق ما يسمعه. هل زوجته كانت السبب في فعل شيء مثل هذا لابنته؟ فهي كانت دائمًا تحرضه ضدها، وهي تعلم أنها مظلومة. تمنى لو أن يصرخ، كيف سينظر لابنته بعد الآن؟ بالطبع لم يستطع أن يرفع عينيه في عينيها مرة أخرى.
تابع أرغد حديثه قائلًا لمرام وهو يطالعها باحتقار وتقليل:
"إياكي ثم إياكي ثم إياكي تقارني نفسك بيها مرة تانية."
أخرج أوراقًا أخرى وهو يلقي بها في وجه فايزة قائلًا لها بسخرية:
"أدي آخرة تربيتك. بنتك بتتعاطى مخدرات، وادي التحاليل بتاعتها. لأ ومتورطة في تهريب هي وماجد. شايفة يا فايزة هانم."
قال حملته الأخيرة بسخرية لاذعة.
هُنا، وهتفت سيلان تسأل ماجد بعدم تصديق وصدمة:
"الكلام ده صحيح يا ماجد؟ أنتَ متورط في تهريب مخدرات؟"
لم يرد عليها ماجد، بل اكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه. بدأت تبكي وتنتحب بصوت عالٍ وهي غير مصدقة، فهي لم ترد أبدًا أن تدمر حياة أخيها، دائمًا تسعى لتجعله الأفضل في تلك العائلة.
التفت أرغد نحو سيلان وهو يطالعها باشمئزاز واضح. لم يتأثر أبدًا ببكائها، قائلًا لها بضيق وهو يردف يتساءلها:
"أنتِ الوحيدة اللي بجد مش قادر أفهمك. إيه سبب كرهك لأشرقت؟ عملتلك إيه أصلًا؟ أنتِ زرعتي الكره في أخوكي كمان، طلعتيه شبه راجل مش راجل. ليه كل الحقد ده؟ عمال أفكر مش لاقي سبب."
ردَّت سيلان تجيب إياه وهي عينيها مثبتة نحو أشرقت التي كانت تبكي ولا تصدق ما يحدث معها. ردَّت سيلان قائلة له بكره خالص:
"أمها هي السبب في موت أمي. أنت ناسي؟ هي اللي حرمتني أنا وأخويا من أمنا الله يرحمها. أمها السبب."
لم يصدق أرغد ما تقوله. لكنه ردَّ قائلًا لها بصوت حاد:
"مرات عمي زينات الله يرحمها مش هي السبب. مش هي. مع إن مكنتش عاوز أقول الجزء ده بالذات، بس خلاص الحقيقة كلها هتبان. فايزة هي اللي سببت الحادثة اللي توفت فيها والدتك، ومرات عمي زينات. يعني كنتِ بتكرهي الشخص الغلط. أشرقت زيها زيك اتحرمت من أمها من غير أي وجه حق. مرات عمي زينات أخدت أمك مشوار عادي، متعرفش إن فايزة اللي المفروض صاحبتها سببت في حادثة وموتتها عشان تاخد بس لقب العيلة. ومكتفتش بكده لا، بدل ما تكفر عن ذنبها راحت دمرت حياة بنتها كمان، ونعمة الصداقة."
هُنا، ولم يتحمل شريف أن يصمت أكثر من ذلك. فهي من فرقته عن زوجته وحبيبته. توجه نحوها وهو ينظر لها بكره، قائلًا لها بغضب وهو يقبض فوق عنقها بشراسة ويضغط بقوة بغل وقوة:
"إزاي جالك قلب تعملي فيها كده؟ دي كانت بتعتبرك أختها، عمرها ما زعلتك لو بكلمة. ليه تعملي كده معاها؟ عملت إيه يستاهل إن يحصل فيها كده؟ أنتِ طالق طالق طالق."
أسرع أرغد يبعده عنها على الفور قائلًا له بحدة:
"اهدي يا عمي، البوليس هيجي وهتتعاقب على أفعالها ال****. رغم إني نفسي أقتلها فعلًا، بس مش هضحي بنفسي عشان كلبة زي دي. السم اللي حطته هي آهه، لف ورجع لها."
بالفعل جاء البوليس بعد دقائق وقام بالقبض على فايزة ومرام وماجد. وها هم يحصدون نتيجة كرههم وشرهم. فهم ضيعوا عمرهم بخططهم الخبيثة تلك، ولم يحسبوا نتيجة أفعالهم. فجميعنا سنعاقب على أفعالنا، ولو بعد حين. وهذا ما حدث معهم بالطبع.
كانت سيلان تشعر بالصدمة، فهي دمرت حياة شقيقها وكل هذا بسبب أوهام خاطئة فهمتها هي. قررت أن تذهب، ستسافر تعيش مع زوجها. فيكفي كل ما حدث، لكنها لن تذهب قبل أن تطمئن على أخيها وتطلب منه السماح. تشعر أن الندم يأكل قلبها بأكمله. بالفعل اعترفت بخطأها، لكن لا ينفع الندم حينما يأتي في الوقت الخاطئ.
أما أشرقت، فبالفعل تمنت أن تموت قبل أن تستمع إلى تلك الحقائق التي استمعت إليها اليوم. كانت تبكي بضعف، وجع، تعب، وانهيار. قلبها تفتت بداخلها اليوم. شعرت بالخذلان والانكسار. لا تعلم ماذا فعلت هي ليحدث لها ذلك. تبكي على والدتها التي حرمت منها دون وجه حق. كانت طفلة لا تفهم شيئًا عندما توفت والدتها، فقدت حنانها وحبها.
كان يشعر شريف، لا يصدق ما سمعه. عقله يعمل على تحليل كل ما حدث، وهو يشعر أنه لا يستطيع أن يستوعبه. لم يشعر بنفسه سوى وهو يقع أرضًا. انتفضت أشرقت سريعًا من مقعدها وهي تدعي ربها ألا يحدث له شيء. نعم، هو من قاس عليها وعانت كثيرًا بسببه، لكنه سيظل والدها الذي كان يحبها ويدللها وهي صغيرة.
قام أرغد بحمله وسار متوجهًا نحو الخارج. تشبثت أشرقت بثيابه. ردَّ أرغد وهو يتحرك قائلًا لها بهدوء:
"أشرقت، خليكي أنتِ تعبانة."
حركت أشرقت رأسها يمينًا ويسارًا، وبالفعل ركبت معه السيارة. لحق بهما عابد وأسيا في سيارة أخرى. أما سيلان، فكان الندم والحزن يتآكل قلبها. تشعر أنها في دنيا أخرى وعالم آخر.
كانت أشرقت جالسة في المستشفى تبكي وهي تشعر بتعب جم. قلبها يصرخ بداخلها. اقترب أرغد منها جاذبًا إياها داخل حضنه برفق، وهو يربت على ظهرها بحنان قائلًا لها بهدوء:
"قومي يا حبيبتي عشان خاطري. أنا حجزت أوضة ترتاحي ودكتورة تكشف عليكي. يلا يا حبيبتي قومي، وأول ما أعرف حاجة هطمنك."
حركت رأسها يمينًا ويسارًا برفض. ضمها أرغد نحوه برفق قائلًا لها بحنو وهو يرى علامات الإرهاق والتعب البادية على وجهها:
"عشان خاطري يا حبيبتي اسمعي كلامي."
سارت معه كالمغيبة وهي تشعر بأنين منبعث من صميم قلبها. تذكرت كل ما حدث معها في حياتها من وجع وحزن. جلست تبكي في الغرفة. اقترب منها أرغد قائلًا لها بحب وهو يعلم مدى حزنها:
"اهدئي يا حبيبتي، متعيطيش عشان خاطري أنا وبنتنا. مفيش أي حاجة تستاهل إن دموعك تنزل عشانها."
ردَّت هي ترد عليه قائلة له ببكاء وضعف:
"ماما عملتلها إيه عشان تبقي السبب في موتها؟ هي ليه عملت كده؟ حرمتني من ماما ليه؟ أنا بسببها معرفش يعني إيه أم. كنت بعيط زمان لما بشوفها بتطيب بخاطر مرام دائمًا، رغم محاولات بابا إنه ما يزعلنيش، بس كنت بزعل. كنت ببقى عاوزة أمي جانبي. ليه حرمتني منها؟"
ضمها أرغد إلى صدره ومسد على شعرها عدة مرات بحنان، قائلًا لها بنبرة حانية:
"ربنا هيعاقبها يا حبيبتي، وربنا يخليني ليكي وتحيبي بنتنا تعوضيها عن كل حاجة. تعيشيها كل اللي نفسك تعيشيه، وهي كمان تعوضك أنتِ كل حاجة مزعلاكي. وأنا أوعدك إني هعوضك عن كل حاجة شوفتيها. آسف يا أشرقت لو زعلتك في يوم، بس حقيقي أنا بحبك أكتر ما بحب نفسي. بحبك حب لو فضلت تتخيلي عمرك كله مش هتوصليله. أنتِ كنتِ حب حياتي اللي كبر معايا. ثانية ثانية بعيشها كان بيكبر. حبيت براءتك ونقاءك قبل أي حاجة تاني. حتى بعد ما ماجد ضحك عليّ مقدرتش أشيلك من قلبي. أشيلك إزاي وأنتِ قلبي كله."
ابتسمت أشرقت دون أن تشعر. كان حديثه هذا كالدواء الذي يشفي كل جروحها، جروح قلبها وروحها، حزنها الشديد الذي تشعر به. ردَّت قائلة له بصوت خافت:
"آ... آرغد أنت لازم تثق فيا. حب من غير ثقة ميبقاش حب."
تنهد أرغد بصوت مسموع وهو يجاهد على يجعل ذاته هادئًا معها، فيكفي ما مرت به حتى الآن. بالطبع لن يريد أن يزيد حزنها. وأردف قائلًا لها بحب وهدوء، وهو يلتقط كفها طابعًا فوقه قبلة رقيقة:
"أبدًا يا تشرقت، مين قال إن مش بثق فيكي؟ أنا سافرت وأنا واثق فيكي، ورجعت وفضلت واثق فيكي إن عمرك ما هتتغيري. أينعم كنتِ نسيني، إزاي مش عارف."
ابتسم بلطف وواصل ما كان يقوله:
"جه ماجد وقال لي كلام زفت، واحتار في البداية أثق فيكي، لكن لما لقيتك هتتجوزيه وموافقة، قولت خلاص. قررت أدفن حبك اللي هعيش عليه. قلبي كان بيتألم، عقلي بيصور لي كل حاجة. كنت هموت حرفيًا، لغاية ما لقيته هرب. لقيت نفسي زي الطفل الصغير، لغيت عقلي وتفكيري، وقولت هتجوزك. كان التفكير بيجلدني. رفضت أحكيلك بعد ما عرفت الحقيقة عشان أنتِ متزعليش. كان كل اللي بيهمني أنتِ."
تنفس بصوت مسموع قبل أن يواصل حديثه بضيق وغيرة:
"بعدها عرفت حوار الاغتصاب، كنت هتجنن وقتها."
تابع مسرعًا عندما رأى ملامح وجهها التي أصبحت أكثر شحوبًا وهونًا:
"مش عشان اللي جه في دماغك. أنا متقبلك وهفضل أتقبلك، وبحبك وهفضل أحبك بكل جوارحك وحزنك وتعبك. أنا اتجننت عشانك أنتِ، إزاي قدرتي تستحملي حزنك ووجعك من الموضوع ده وكمان اللي بيحصلك من العيلة؟ عرفت إنك عانيتي، حلفت إني أعوضك. أنا بعشقك يا أشرقت، بعشقك بكل حاجة فيكي. كلي ملكك أنتِ، يا مالكة قلبي وإشراق حياتي كلها."
شعرت أشرقت أن قلبها يذوب ذوبًا أثر حديثه هذا. كلماته قد محت كل شيء يحزنها بداخلها. تقسم أنها لن تجد شخصًا مثله في تلك الحياة. ابتسمت واستكانت داخل حضنه، قائلة له بابتسامة:
"آ... آرغد أنا مكنتش ناسياك أصلًا. أنا بس كنت بغوش على الموضوع بتاع عياطي والضرب عشان يعني متأخدش بالك. لكن أنتَ برضو أخدت."
اقترب بشفتيه أمام شفتيها قائلًا لها بصوت أجش وهمس مغزٍ جعلها تذوب بين ذراعيه:
"مخدتش بالي إزاي؟ أنا بدقق في أقل تفصيلة فيكي. أنتِ قلبي وحياتي وعمري ودنيتي كلها يا أحلى أشرقت. قولتها وهقولهالك تاني، أنتِ الإشراق والنور اللي نوَّر حياتي. ولسه هتنور أكتر ببنتنا اللي هتيجي تكمل نور الدنيا، هي وأم..."
قطع حديثهم صوت أسيا التي كانت دلفت إلى الغرفة. ردَّت قائلة لهم بخجل:
"حم حم، آرغد بابا بيقولك تعالى. الدكتور خرج."
انتفضت أشرقت مسرعة تبتعد عن أرغد وهي تشعر بخجل جم. أومأ لها أرغد وبالفعل نهض وسار بخطواته نحو الخارج، تاركًا إياهم في الغرفة بمفردهما. ردَّت أشرقت تسأل إياها بقلق قبل أن تنهض:
"الدكتور قال إيه يا أسيا؟"
أجابتها بتوجس يحتل جميع ملامحها ونبرة حزينة:
"هو... يعني... قال إن عمي جاله شلل، بس بيقول إنه مؤقت. متخافيش."
بدأت أشرقت تبكي بقوة، لم تستطع أن تمنع ذاتها من البكاء. أسرعت أسيا تحتضنها وتربت عليها محاولة أن تجعلها تهدأ.
***
بعد مرور تسعة أشهر.
كان اليوم هو يوم زفاف أسيا ومالك. فقد كانت أسيا غير مصدقة ما يحدث. تشعر أنها تحلم، تحلم حلم جميل قد هيأه لها عقلها من كثرة التفكير بهذا اليوم. تخشى أن تستيقظ من حلمها في أي وقت. ابتسمت بسعادة لا توصف. تعجز بالفعل عن وصف مشاعرها في هذا الوقت تحديدًا.
ردَّت أشرقت قائلة لها بمشاكسة ومرح وهي تغمز لها بإحدى عينيها:
"خلصتي يا ست هانم، ولا لسة بقالك ساعة واقفة سرحانة قدام المراية؟ سرحانة في إيه بقا؟"
التفتت أسيا إليها، قائلة لها بمرح وابتسامتها تعلو ثغرها، ابتسامة حقيقية منبعثة من قلبها:
"بس يا أختي، مش كفاية أجلنا الفرح شهرين بسبب ولادتك أنتِ وبنتك؟ ويا ريتك سميتيها أسيا من باب المجاملة والتقدير. ولا اسم جديد زي ما اختارتلكوا مايان؟ شوفي الاسم جديد إزاي."
لوت أشرقت فمها وهي تحرك رأسها بيأس من هذا الحديث اليومي، وهمهمت قائلة لها بسخرية:
"آيوه فعلًا، أصل أنا اللي سميتها. صح، مانا قولتلك سميها براحتك الاسم اللي يعجبك. جه أخوكي وقال إنه سماها. أنا مالي بقا؟ هو اللي قال شروق، وصمم. كلامك معاه بقا مش معايا."
نكزتها أسيا في يدها بخفة وهي تواصل حديثها بنفس الثبات والمرح:
"وأنتِ بقا مش عارفة سماها شروق ليه؟ ما هو عشان سيادتك، قال قريب من اسمك يا سندريلا. على فكرة مايان أحلى، بس هو اللي مش بيفهم."
وضعت أشرقت يديها على مقدمة رأسها، قائلة لها بتذمر:
"يخربيت كده يا أسيا يا حبيبتي، إحنا كل يوم بنقول نفس الكلام. لو جبت بنت كمان قولنا هنسميها مايان، واللي مش عنده ذوق لو سمعك هيأجل لك فرحك شهرين كمان لو مستغنية عن الفرح اتكلمي. أنا هروح أشوف شروق عشان زمانها صحيت، وادي العلاج لبابا، وأجهز نفسي."
ضحكت أسيا على حديثها وأومأت لها وهي تبتسم. بالفعل سارت هي إلى الخارج لتفعل ما قالته، لكنها تذكرت يوم ولادتها. تذكرت عندما بكت ما إن علمت أنها ولدت بنت، فهما رفضا أن يعلموا نوع الجنين واستمروا في مشاجرتهم. كانت تتمنى أن يكون ولد كما قالت هي.
حينها اقترب منها أرغد يسألها بقلق واهتمام عن حالها ولماذا تبكي:
"أنا عاوزها بنت عشان تكون أنتِ، بس نسخة مصغرة تعيشيها كل اللي نفسك فيه، تشوفي نفسك فيها. وهي طلعت شبهك كمان. سمتها اسم قريب من اسمك عشان تشوفي نفسك فيها، تعيشي طفولتك معاها. سمتها شروق عشان تبقي شروق حياتنا وبدايتنا، زي ما أنتِ إشراق حياتي أنا."
ابتسمت حينها كالبلهاء بفرحة وسعادة، وقلبها قد رقص بداخلها من فرط السعادة. فاقت من شرودها على يد أرغد التي كانت تحيط خصرها، يقربها منه بقوة، يسألها باهتمام وحنو وهو يداعب أرنبة أنفها بأنفه:
"حبيبة قلبي بتضحك وفرحانة ليه؟ من حقي أعرف اللي مخليكي تمشي مبتسمة كده."
ردَّت عليه وهي تحاول أن تبتعد عنه خوفًا من أن يراهما أحد:
"بفتكر يوم ولادتي والكلام اللي قولتهولي. أوعى بقا أشوف شروق، وكمان بابا أديله علاجه."
التقط شفتيها بنهم وحب وهو يشعر أنه قد نسي كل شيء حوله. ابتعد عنها بصعوبة عندما شعر بحاجتها القارسة إلى الهواء، وهو يتمتم قائلًا لها بمرح:
"طب أعمل إيه؟ ما تيجي نفك ونخلع من كل حاجة ونقعد مع بعض عشان وحشتيني أوي."
فلتت منها ضحكة بصوت مسموع، قبل أن تردف قائلة له باعتراض:
"لا يا أرغد مينفعش، هتأخر عشان خاطري اسمع كلامي انهاردة بس، بعدين يعني... إحنا كنا لسه بليل بعد ما نومنا شروق، ملحقتش أوحشك."
ردَّ عليها بمشاكسة:
"ما هو بعد الضحكة دي، مش هينفع أسيبك. بعدين أديكي قولتي بليل وكنا يعني فعل ماضي يا ساقطة عربي، أنا عاوز الحاضر بقا."
دفنت وجهها في عنقه وهي تتمتم بخفوت وخجل:
"آرغد عشان خاطري، طب أقولك هعوضك بليل كتير أوي أوي، وهسيب شروق مع مدام سميرة مش هاخدها أنومها زي كل يوم. أوعى عشان خاطري أحسن حد يدخل."
همس داخل أذنها قائلًا لها بحب وجرأة:
"عرض مغرى، بعدين الظفروص هي تنومها أمال هي مربية إزاي؟ ده أنتِ اللي طول اليوم قاعدة بيها أصلًا."
وأخيرًا رفع يده من فوق خصرها برفق، وابْتعدت عنه هي بعض الخطوات إلى الخلف، وهي تجيبه قائلة له بهدوء وتعقل:
"آرغد أنتَ قولت إنها عامل مساعد مش أكتر، وأنا كنت رافضة أصلًا وأنتَ عارف. هخليني مع بنتي براحتي، مش هعتمد على أي حد."
أكملت بنبرة حزينة وتنهيدة حارة تجمل العديد من الأسى:
"محدش هيبقي حنين وواخد باله منها قدي. أنا محدش هيعمل دور الأم زيي."
التقط أرغد كفها يطبع فوقه قبلة رقيقة، وهو يردف قائلًا لها بحب:
"ربنا يخليكي لينا يا قلبي، وتربيها زي ما يعجبك. أنا خايف على صحتك أنتِ، أنتِ لسه والدة من شهرين بس."
ابتسمت في وجهه ابتسامتها المشرقة التي لا تليق سوى بها. عيونها كانت تلتمع بشغف وحب حقيقيان:
"ويخليك لينا يا حبيبي. بعدين أنا بقيت كويسة وزي الفل. أوعى بقا خليني أشوفها، وبعدها أشوف بابا عشان ألبس."
ابتعد بالفعل عن طريقها كما قالت له، وهو يتابعها بأعين تلتمع بالحب. بالفعل بدأت تعد طفلتها. ما إن انتهت حتى طبعت على وجنتيها عدة قبلات متفرقة صغيرة، وهي تتمتم لتلك الواقفة أمامها قائلة لها باحترام وهدوء:
"هي نامت أول ما تصحى رني الجرس الموصل لأوضتي وهجيلها. ماشي يا مدام سميرة."
أومأت لها برأسها إلى الأمام، وهي تهمهم تجيبها باحترام. خرجت، وبالفعل سارت نحو غرفة والدها الذي كان مستيقظًا جالسًا على كرسيه المتحرك. اقتربت منه وبدأت تعطيه بعض حبات الدواء الخاصة به قائلة له بهدوء:
"كده خلاص يا بابا العلاج ناقصله أربع شهور كمان بالظبط بنفس الاستمرار والمواظبة، وبعدها الجلسات بتاعت العلاج الطبيعي وهتبقي زي الفل."
التقط شريف كفها يضغط عليه بحنو ويهز، يردف قائلًا لها بندم وحزن:
"أنا آسف يا بنتي، آسف لو في مرة خذلتك وجيت عليكي عشان أي حد. تعاملك معايا كده وبالشكل ده واهتمامك بيا بيخليني أندم. بتهتمي بيا أكتر من الممرضة، رغم إن واحدة غيرك كان زمانها رمتني ولا عبرتني حتى."
مسكت هي كفه الممسك بيدها الأخرى، وطبعت فوقه قبلة رقيقة قائلة له بحب:
"انسى يا بابا انسى. أنا الحمد لله قولتلك مش زعلانة منك. قوم أنتَ بس عشان تلعب مع شروق وتجري وراها لما تكبر. أنت وعمو عابد مش هتنازل عن كده أبدًا."
ضحك شريف وهو يردف قائلًا لها بسعادة:
"آيوه نجري وراها ونلاعبها، وكل اللي هي عاوزاه تؤمر. هي بس ربنا يخليها ليكي يا حبيبتي."
ابتسمت في وجهه بهدوء، وهي ترد عليه بحب:
"ويخليك ليها يا بابا. هروح أجهز أنا بقا، عاوز حاجة؟"
همهم يجيبها قبل أن تخرج متجهة نحو غرفتها، وبدأت بالفعل تعد ذاتها لحفل الزفاف.
دلف عابد الغرفة الخاصة بأسيا التي كانت قد انتهت من إعداد ذاتها بمساعدة بعض الميكب أرتيست المتخصصين. اقترب منها يحتضنها، وهو يردف قائلًا لها بسعادة وحب:
"مبروك يا حبيبتي. أنا كده اطمنت عليكي وعلى أحوالك. حسيت إني كده عملت أكبر إنجاز في حياتي."
ابتسمت أسيا بسعادة، وهي تزداد من ضمها عليه داخل حضنه بقوة قائلة له بحب:
"ربنا يخليك لينا يا أعظم وأحسن وأجمل أب في العالم كله. مش عارفين من غيرك كنا هنعمل إيه. عقبال بقا ما تشوف ولادي زي ده. شوفت بنت سي آرغد."
ابتسم عابد على مزاحها قائلًا لها بحنو وهو يضربها بخفة فوق رأسها:
"اتعدلي يا بنت، أنتِ عروسة المفروض البنات تبقي مكسوفة، مش أنتِ بتفكري في العيال من دلوقتي. آه منك يا محنناتي. الله يكون في عون مالك، الواد غلبان معملش حاجة في حياته تستاهل إنه يحصل فيه كده، بس يلا هو اللي اختار محدش غصبه."
عقدت كلتا حاجبيها بدهشة قائلة له بتوجس وهي تطالعه بنظرات متشككة:
"ليه يا سي بابا؟ وأنا مالي؟ هو أنا في زيي ولا في حلاوتي؟ أنتَ ظالمني أوي، خد بالك. بعدين أنا بنتك يا حاج مش مالك اللي ابنك. ركز شزية واقف معايا."
ضحك عابد معها، وقام بطبع قبلة حانية فوق جبهتها، تاركًا إياها وخرج مرة أخرى.
***
وصلوا جميعًا القاعة التي سيقام بها الزفاف. فقد كانت من أفخم القاعات، كانت مزدحمة برجال الأعمال والصحافة. فهذا حدث هام لدى الجميع.
أمسك مالك بيد أسيا، وهو يشعر أن حلمه ودعواته قد تحققت. ظل يشكر ربه عدة مرات وهو لا يصدق ما يحدث أمامه. كان هذا نفس الشعور لدى أسيا أيضًا. بعد مرور بعض الوقت من التهاني، قام مالك وأسيا للرقص سويًا.
ردَّ مالك قائلًا لأسيا بصوت أجش وهو يهمس أمام شفتيها اللتين جلما أن يلتقطهما بين شفتيه:
"بحبك... بحبك يا مستحيل اتحقق، يا دعوة ربنا حققها لي، يا أجمل حاجة في حياتي. بحبك بعدد الأنفاس اللي بتنفسها في سنين حياتي كلها. بحبك الحب اللي مش عارف ولا قادر أوصفه لأنه ميتوصفش. بحب كل حاجة فيكي."
ابتسمت أسيا بخجل، وهي تهمهم بخفوت قارس تجيب إياه:
"و... وأنا كمان يا مالك بحبك أوي بجد، بس أنا مش بعرف أقول كلام زي اللي أنتَ بتقوله ده، بس بحبك وبجد أنت مستحيل اتحقق بالنسبالي برضو."
ضحك مالك على خجلها الواضح وبراءتها وهو يهمس قائلًا لها بنفس النبرة:
"عارف... عارف إنك بتحبيني يا قلب مالك."
على الجانب الآخر، كان أرغد وأشرقت يرقصان أيضًا.
ردَّ أرغد قائلًا لأشرقت بنبرة عاشقة:
"أشرقت، عاملة مفاجأة من زمان وأنا بجهزها لكِ من وأنتِ حامل، بس الحمل كان مانعني."
انفجرت شفتي أشرقت قبل أن تردف تسأله بحب وفضول:
"إيه هي يا أرغد؟"
غمز لها أرغد بإحدى عينيه قائلًا لها بجراءة جعلتها تخجل بشدة:
"بوسيني الأول عشان أقولك."
شهقت أشرقت بصوت عالٍ، وهي تحمد ربها بداخلها أن صوت الأغاني كان مرتفعًا ولن يستمع أحد إلى ما حدث بينهما. تمتمت قائلة له بخجل وخفوت:
"آرغد إيه اللي بتقوله ده؟ لا عيب... إحنا مش في أوضتنا. قول من غير قلة أدب."
ضحك أرغد قائلًا لها بمزاح ومشاكسة:
"قلة أدب إيه يا أشرقت؟ تعرفي عني إني مؤدب يا حبيبي."
كان يسألها وهو يطالعها بنظرات بريئة مزيفة.
حرَّكت أشرقت رأسها بالنفي وهي تضم شفتيها معًا إلى الداخل بخجل، قائلة له بإلحاح:
"قول بقا إيه هي المفاجأة عشان خاطري."
ابتسم أرغد قائلًا لها بمرح وسعادة تشع من وجهه:
"خاطرك غالي أوي أوي. نفذي الشرط وأقولك. يلا روحي قلبي."
غرست أسنانها في شفتها بخجل، وهي تتلفت حولها يمينًا ويسارًا كي تتأكد من ألا يوجد أحد ينتبه إليهم. ثم قامت بالفعل بطبع قبلة رقيقة على إحدى وجنتيه، وابتعدت سريعًا كأنها قامت بلمس كهرباء. ضحك أرغد على فعلتها قائلًا لها بمشاكسة وتذمر:
"طب وهي دي تنفع يعني؟ إيه يا أشرقت... أنا جوزك يا حبيبتي. هعديها وأقولك المفاجأة عشان خاطرك بس."
ابتسمت أشرقت بسعادة وفرحة وهي تنظر له كي يقول لها ما هي. بالفعل واصل هو حديثه بنبرة حانية فرحة، وهو يرى السعادة تلتمع داخل عينيها:
"هنسافر إيطاليا نقضي شهر العسل بتاعنا اللي مروحناهوش."
اتسعت ابتسامة أشرقت بفرح أكبر، لكنها سرعان ما تلاشت قائلة بخفوت وقلق أمومي:
"طب، وشروق هنعمل إيه؟ مش هينفع نسافر ونسيبها."
كان يعلم أنها ستقول له هكذا، لذلك ردَّ قائلًا لها بجدية يخالطها الحنان:
"متقلقيش يا حبيبتي، هناخدها معانا، والمربية هتبقى معانا. أنا مجهز كل حاجة، وقولت مش معقول أجله تاني، مش كفاية أجلته عشان حملك."
ضحكت بخفوت وخجل، وهي تزداد من ضمه قائلة له بحب حقيقي منبعث من صميم قلبها:
"ربنا يخليك ليا يا أجمل أرغد في العالم. بحبك أوي. ربنا يخليك ليا أنتَ غيرت حياتي كلها."
عقب أرغد على حديثها بنبرة عاشقة:
"ويخليكي ليا يا إشراق حياتي، أنتِ نورتيني أنا شخصيًا مش حياتي بس. هفضل طول عمري أعمل أي حاجة أحلى عشان أسعدك وأشوف اللمعة اللي في عينك. دي كفاية عندي بحس بسعادتي لما بشوفها."
كُنْتَ لِي مَصْدَر سَعَادَتِي فَكُنْت أَنَا لَكْ ضَوْء حيََاتِكَ، قَدَّمْتُ لِي الْحَنَانُ فَقَدَّمْت لَكَ قَلْبِي، أَحْبَـبـْتَـنِي دُونَ مُقَابِل لَكِنَّكَ لَمْ تَكُن تَعْلِم أَنْ حُبَك فِي قَلْبِي هُوَ الْمُقَابِل__ أَنَا أَحْبَـبَـتِك بِكُلِ مَا أَسْتَطِع، أحْبَـبَـتِك وَ اَنَا لَا أَفْهَم مَعْنَى كَلِمَة حُب، فَـ كَبِرَ حُبِك وَ تَرَعْرَعُ فِي قَلْبِي حَتَّى إِمْتَلَكُه دُونَ إِسْتِـئْـذَان، أُحَبِك اَكْثَر مِنْ حُبِي لـِ ذَاتِي، فَأنْتِ جَوْهَرَتِي الَّتِي كَانَت مُنْطَفِئَةَ وَ جَعَلْتِك تَـتَـلَأْلَإِي بـِ حُبِّي سَأُحَافِظُ وَ أَبْذِلُ كُل جُهْدِي حَتَّى تَظِلِ مُلَئْلِئَـةًَ لَامِعْـةً _تِلْك هِيَ الْنِهَايَةُ لَدَيْنَا نَحْنُ، لَكِنَهَا لَمْ تَكُنْ الْنِهَايَة لَدَيْهُم، فَالْحُبُ لَا نِهَايَة لَه ابدًا، هُمَ الْان يَعِيشُون فِي سَعَادَةِ بَعْد شَقَاءُ، عِنَاءُ، وَجَعُ، تَعَبُ، وَ فِرَاقُ، يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَظِل وَاثِقِين مِنْ عَوَضِ الله الَّذِي لَا مَثِيلُ لَه.. الْحُبُ الْصَادِقُ سَيَنْتَصِرُ فِي الَنهَايَة، ِ بِالْطَبْعِ الْشَر لَنْ يَدُومَ مَهْمَا حَدَثَ، وَ هُمْ كَانُوا جَمِيعًا لَدَيْهُم حَبًا صَادِقًا؛ لِذَلِك إِنْتَصَر وَ حَطَّم الْشَرَ الَّذِي كَانَ يَعِيشُونَ فِيه، مِنْ أَهَمِ أَسْبَاب الْنَجَاحِ هِيَ الْثِقَةُ بِالله وَ عَوَضِه وَ الْثِقَة بأَنْفُسِنَا، وَ حُبِنَا، وَ اِخْتِيَارَتِنَا…. مَنْ الْمُمْكِنٍ اَنْ تَكُن اِخْتِيَارتِنَا الْخَاطِئَة كَمَا حَدَثَ مَعَ الْبَعْض فِي تِلْك الْرِوَايَة لَكِنِنَا يَجِبُ أَنْ نَتَعَلَمَ مِنْهَا؛ كَي لَا تَتَكَرر كَمَا فَعِلُوا..