وقفت سمر ومعها ياسمين أمام الباب الخارجي للشقة الخاصة بالوالدين بعد قضائهما الكثير من الوقت في إعداد مخططهما لاستعادة عادل. تسألها سمر بلهجة تحذيرية: "متتكلميش انتي، أنا اللي هتكلم وهقولهم إني عاوزاكي معايا في مشوار، ولما نخرج هنعمل اللي اتفقنا عليه." أومأت لها ياسمين موافقة. تفتح الباب ليدلفا معًا إلى الداخل. يقفان يتطلعان إلى بعضهما بحيرة، وقد وصل إلى سمعهما أصوات آتية من غرفة الاستقبال. تسأل سمر بفضول:
"هو أبوكي عنده ضيوف ولا إيه؟ هزت ياسمين كتفيها بعدم معرفة. لتعقد سمر حاجبيها بشدة، تتقدم ناحية الغرفة ببطء وحذر، وقد وصلها صوت الحاجة إنصاف وهي تتحدث بصوت متوتر حرج: "أهلاً يا ست أم شاكر، شرفتينا يا أختي والله." أم شاكر وهي تتململ في جلستها حرجا وبصوت متحشرج: "يخليكي يا أختي.. وألف سلامة على صالح، ربنا يقومه بالسلامة يارب ويطمنكم عليه." ساد الصمت المكان مرة أخرى بعد حديثها هذا. حتى قاطعه الحاج
منصور يتسأل بحرج هو الآخر: "هو شاكر مجاش معاكم ليه؟ ده كلمني وقالي إنه هيشرفنا." دوى صوت أماني في أذن سمر التي تتوارى خلف الباب كقنبلة مدوية، وهي تتحدث قائلة بثقة وتحدي: "شاكر مقدرش يجي المرة دي.. بس المرة الجاية أكيد هييجي معانا عشان يطمن على صالح."
شحب وجه إنصاف ومنصور يتطلعان إلى بعضهما بتوتر واضطراب. لتسرع والدتها في القول، تحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه من وضعهم الشائك في هذه الزيارة المشئومة ضد أعرافها. وقد أتت إلى هنا على مضض وبعد محاولات منها للاعتراض بشدة، ولكنها استسلمت أخيرًا لرغبة أبنائها الحمقى فيما أرادا. لِتجلس الآن وهي تكاد تغرق في عرق حرجها قائلة بتوتر:
"إحنا قلنا نيجي نطمن عليه.. ماهو برضه صالح في معزة شاكر وغالي عندنا.. والعشرة برضو متهونش إلا على ولاد الحرام، ولا إيه..! أسرع الزوجان في تأييدها بحماس مضطرب. لكن أتى سؤال أماني الملهوف لهم ليتخشب جسدهما توترا. حين سألت: "فين صالح؟ عاوزة أشوفه وأطمن عليه.. هو فوق مش كده؟! هنا، دفعت سمر بجسدها تقتحم المكان قائلة بابتسامة سمجة شامتة:
"آه صالح فوق يا أماني.. بس مع عروسته، أظن يعني مينفعش تطلعي لهم في وقت زي ده، ولا إيه يا حاجة؟! التفتت إلى والدة أماني تتوجه إليها بالسؤال، والتي أخذ وجهها يتفصد عرقًا بشدة وهي تهز لها رأسها بالإيجاب. لكن أماني لم تستسلم. تقف على قدميها تهتف بغضب وعيناها تلتمع بشدة غلاً: "بقى كده يا سمر؟ طب إيه رأيك أنا هطلع غصب عن ال... نهض الحاج منصور من مقعده قائلاً بحزم: "مفيش داعي يا بنتي لكل ده.. صالح...
أسرعت إنصاف تنهض هي الأخرى تقاطعه بلهفة وصوت مضطرب متلعثم، تنظر له نظرة ذات مغزى: "خرج.. صالح خرج يا حبيبتي من شوية.. راح مع مراته للدكتور.. ده حتى سمر متعرفش.. دول لسه خارجين حالا وهيطلعوا من هناك على بيت أهلها عشان... التفتت إليها أماني بوجه محتقن من شدة الغضب، تهم بالرد عليها ردًا حادًا. لكن أسرعت والدتها بالنهوض تصمتها بالشد على ذراعها بقوة منعا للمزيد من الإحراج لهم. ثم تمسك بحقيبتها وحقيبة
ابنتها قائلة بكلمات سريعة: "بالسلامة يا أختي.. إحنا الحمد لله اطمنا عليه منكم.. وابقى وصلوا له سلامنا لما يرجع.. يلا بينا يا أماني."
وقفت أماني مكانها تتسمر بالأرض، تتطلع بنظرات معترضة إلى والدتها، تهم بالحديث. لكن أصمتتها نظرة عينيها الحازمة تحذرها بها. وهي تكرر ندائها لها مرة أخرى ببطء وتشدد. لتزفر أماني بقوة، تختطف حقيبتها بغضب من يدها، ثم تسرع بالخروج تمر من أمام الجميع متجاهلة لهم بخطوات حانقة، حتى مرت بجوار سمر. وياسمين المتابعة بصمت واهتمام كأنها تشاهد أحد أفلام الإثارة والأكشن. وهي تستمع إلى همس سمر الشامت:
"نورتينا يا أماني.. ويا ريت الزيارة دي متتكررش تاني." التفتت إليها أماني بعيون محتقنة وملامح شرسة تفح من بين أنفاسها: "متحلميش.. وراجعة تاني يا سمر.. بس المرة الجاية انتي اللي هتبقي برة مش أنا." قابلت سمر حديثها بابتسامة ساخرة تقلل من أهميته. لتخرج بعدها أماني من المكان، تتبعها والدتها والحاج منصور وإنصاف. لتودعهم حتى الباب الخارجي. لتلتفت إنصاف إلى سمر بعد ذهابهم مع الحاج منصور، تنهرها بحدة وصوت عاتب:
"مكنش له لازمة يا سمر اللي حصل ده.. إحنا كنا هنتصرف معاهم أنا وعمك الحاج." اقتربت منها سمر تهتف ساخرة: "تتصرفي إيه بس يا خالتي؟ دي كانت عاوزة تطلع لصالح فوق.. عارفة لو ده حصل كان هيجرى؟ "كان البيت هتقوم فيه حريقة ويولع نار." أسرعت ياسمين مؤيدة لسمر قائلة: "صح يا ماما كلام سمر.. وبعدين دول عالم بجحة أوي مينفعش معاهم غير كده.. جايين يزورونا إزاي بعد اللي حصل منهم! هزت إنصاف رأسها بحيرة:
"والله يا بنتي مانا عارفة.. آهوه اللي حصل حصل.. ربنا يستر بس وأخوكي ميعرفش بزيارتهم ويقلبها حريقة." أسرعت سمر قائلة بتأكيد وعيناها امتلأت باللؤم: "طبعًا استحالة حد فينا يقوله ولا يعرفه.. ولا إيه يا ياسمين؟ هزت ياسمين رأسها مؤكدة دون حماس كأن الأمر لا يعنيها. قبل أن تشير إلى سمر خفية ناحية والدتها. لتسرع سمر قائلة: "من حق يا خالتي.. كنت عاوزة أستأذنك أخرج مع ياسمين نجيب شوية حاجات من جوه البلد ومش هنتأخر والله.."
إنصاف بصوت مرهق متعب: "ماشي.. بس اتصلي بجوزك عرفيه إنك خارجة.. ومتتأخريش انتي وهي.. أنا مفيش فيا دماغ لشقاوة عيالك." ابتسمت ياسمين بسعادة ثم تهرع في اتجاه غرفتها للاستعداد. أما سمر فقد أسرعت بالتحرك هي الأخرى لصعود لشقتها قائلة بتلهف وطاعة مصطنعة: "من عيوني يا حبيبتي.. أنا هطلع أكلم حسن وأجهز وأنزل حالا." خرجت من الباب ثم وقفت خارجه عيناها تلتمع بفرحة قائلة بابتسامة خبيثة:
"وهو بالمرة أطمن على العرسان عاملين إيه.. ده واجب برضه." *** استلقت براحة جواره تستمتع بدفء قربه منها وذراعيه المحيطة بها بعد عاصفة عواطفهم والتي استنزفت قواهما. تشعر بجفونها تنغلق ببطء رغبة في النوم.
حتى سمعته وهو يئن بألم حين حاول الجلوس بالاعتدال في الفراش يمسك بذراعه المصاب. تتنبه جميع حواسها فورًا فتهب من الفراش فورًا ناهضة، ثم تسرع في ارتداء قميصها البيتي الملقى أرضًا بتعثر، وهي لا تعير صياحه المعترض ولا طلبه منها بالعودة إليه مرة أخرى اهتمامًا هذه المرة، هاتفة به بحزم: "لأ.. أنا هروح حالا أحضرلك الأكل عشان تاخد علاجك.. أنا مش عارفة أنا نسيت علاجك كده إزاي."
تنهد مستسلمًا بعد ردها الحازم هذا عليه، ثم يسألها بوجه يتغضن بألم وهو يمسك بذراعه يحاول الجلوس مرة أخرى قائلاً بصوت مسالم ضعيف: "طب وحياتك يا فرح تعالي عدلي لي المخدة ورا ضهري قبل ما تخرجي."
التفت حول الفراش تتقدم منه بتلهف وخوف وهي ترى ألمه المرتسم فوق ملامحه. تنحني عليه حتى تقوم بما أراد منها. لكنها وفي لمح البصر وجدت نفسها تسقط جالسة فوق ساقيه. شاهقة بقوة بعد أن جذبها من ذراعها نحوه منحنياً عليها، وقد اختفى أي أثر لألم من على وجهه وعيناه تلتمع بشقاوة وهو يهمس لها بخبث ومرح: "أكل إيه وعلاج إيه؟ إنتي عبيطة يا فرح..! ثم مرر عينيه فوق منحنياتها ببطء شديد جدًا قائلاً بنعومة يمرر طرف لسانه فوق
شفتيه بتلذذ كأنه يتذوقها: "دانا مصدقت يوقع تحت إيدي حتة شوكولاتة ملفوفة لفة وصاية.. لا وايه كلها مكسرات.. وإنتي تقولي لي أكل! استقر بنظراته فوق وجهها المشتعل خجلًا. ينحني فوق وجنتيها يلثمها برقة كرفرفة الفراشة هامسا: "يعني مثلًا هنا فيه بندق.." ثم ينتقل إلى الناحية الأخرى يـ*قبلها بنفس الرقة هامسا: "وهنا فستق.. أما هنا بقى فا لوز.."
كانت شفتيه مع كلمة حروف كلماته الأخيرة قد وصل إلى شفتيها ليهمس فوقها بشوق وتأن شديد قبل يلتهمها بشفتيه يـ*قبلها بشغف وجنون، ليذيبها بين يديه في استجابة سريعة منها لفورة مشاعره المشتعلة. للحظات طوال سرقت منهم الأنفاس وتعالت معها ضربات قلبهم، يسرقهم الزمن وهما يعاودا السقوط في نعيمهم الخاص.
حتى عادا أخيرًا من رحلة عشقهما. يغمض عينيه وهو يستند بجبهته فوق جبهتها، ينهت بقوة قبل أن يـ*لثم شفتيها بنعومة. ثم يتراجع بجسده فوق الفراش يجذبها معه، محتضنًا لها. وأنامله تزيح خصلات شعرها بعيدًا عن وجهها بحنان، وهي تنظر إليه وابتسامة مشرقة تزين شفتيها. مع احمرار خدها لتجعلها في عينيه من أجمل آيات الجمال التي رآتها عيونه.
ليظل أسير جمالها هذا يتأملها بنظرات شغوف. يسود الصمت والهدوء الغرفة للحظات استقرت فيها أنفاسهم المسروقة أخيرًا.. لكنه عاد يزفر بإحباط حين وجدها تبتعد عنه، تعود للنهوض من جواره مرة أخرى. تلتقط قميصها وترتديه بسرعة وارتباك. ثم ترفع سبابتها هاتفة به بصرامة رغم النعومة بملامحها، بعد أن رأته يهم بالاعتراض على فعلتها: "شوف المرة دي هتسمع كلامي أنا.. هتاكل وتاخد علاجك وبعدين... هزت كتفها بدلال خجل تكمل بخفوت:
"لو عاوز بعدها تحلي بالشوكولاتة مش هقول لك لأ.. بس الأكل الأول." أسرعت بالهروب فورًا من الغرفة، تتبعها ضحكته المرحة الصاخبة والتي ألهبت مشاعرها. يرقص قلبها بفرحة مع ابتسامة سعيدة هانئة تزين ثغرها طوال فترة إعداد وجبة الطعام له. ثم تسرع عائدة له.
ليمضي بهم الوقت في تناول الطعام معًا. يطعم كلًا منهم الآخر وهما يتبادلان أطراف الحديث والمزاح سويًا. في وقت كان من أسعد وأحب الأوقات إلى قلبها. فيكفيها وجودها معه في نفس المكان تتنفس من نفس الهواء الذي يتنفسه. يحيطها بوجوده ولا تريد شيئًا آخر سواه.. يكفيها هذا فقط.
بعد انتهائهم قامت بجلب الدواء إليه. فتناوله منها دون اعتراض هذه المرة. بعد أن لاحظت أكثر من مرة قيامه بالضغط فوق شفتيه بألم وإرهاق وجهه الشديد. ثم وضعت ذراعه وساقه فوق الوسائد رغم اعتراضه على هذا قائلة بصوت رقيق لكنه حازم: "إنت هتريح دراعك ورجلك بس لحد ما أرجع الأكل المطبخ وأعملك الشاي.. اتفقنا..!
هز رأسه لها موافقًا. يتراجع بظهره في الفراش حتى أصبح مستلقيًا تمامًا، يغمض عينيه باستسلام. فأبتسمت بحنان تراقبه لبرهة وهي تعلم بسقوطه تدريجيًا في النوم من تأثير الأدوية. ثم خرجت بعدها من الغرفة على أطراف أصابعها تغلق الباب خلفها بهدوء......... ***
خرجت من الحمام بعد حين وهي تقوم بتجفيف خصلات شعرها بالمنشفة. تدلف إلى داخل الغرفة وبهدوء شديد تحركت نحو الفراش لتطمئن عليه كأم تتفقد وليدها. لتجده مازال مستغرقًا في النوم بعمق. لتدثره جديدًا بالغطاء تلثم جبينه برقة تتطلع إليه بحب. لبرهة ثم تمشي ببطء على أطراف أصابعها حتى خزانتها تقوم بإعداد نفسها سريعًا وارتداء قلادتها هديته لها. ثم تعاود الخروج من الغرفة مرة أخرى بهدوء شديد بعد أن ألقت عليه نظرة أخرى تتفقده بها خوفًا من استيقاظه..
ولكن ما إن خرجت من باب الغرفة حتى تعالى صوت الجرس ينبئ بقدوم زوار لهم. لتسرع بالتقاط إسدالها الملقى على أحد المقاعد ترتديه سريعًا عليها. ثم تعدو نحو الباب لفتحه خوفًا أن يقوم صوت الجرس الملح في إيقاظه. تبتسم برسمية وأدب حين طالعها وجه سمر المبتسمة هي الأخرى وهي تهتف: "إيه يا عروسة صحيتك من النوم يا حبيبتي..! ابتعدت فرح للجانب مشيرة لها بالدخول بترحاب وهي تعدل ومن وضع حجابها:
"لأ يا أم منصور أنا كنت صاحية.. صالح هو اللي نايم عشان أخد الدوا." تقدمت سمر للداخل تجلس فوق مقعد في غرفة المعيشة قائلة: "نوم العافية إن شاء الله.. النوم كويس ليه برضه." همهمت بحذر وارتباك مصطنعين، لكن حرصت على وصول حديثها لفرح: "وهو برضه كويس عشان ميعرفش حاجة عن الضيوف اللي تحت." جلست فرح في المقعد المقابل لها تسألها بفضول حذر: "ومين دول الضيوف اللي مش عاوزة صالح يعرف عنهم؟!
أخذت سمر تتلفت حولها تضغط فوق شفتيها باضطراب كأنها صدمت لسماع فرح لحديثها قائلة بارتباك وحرج مصطنع: "أقولك إيه بس.. أنا مش عارفة الناس دي جنسها إيه والله.. بعد كل اللي عملته بنتهم.." زفرت بحدة تقطع حديثها، يرتسم على وجهها النفور والاستياء. لتعاود فرح سؤالها بقلق وقد تعالت ضربات قلبها هلعًا بعد أن علمت بهوية الزوار. لكنها تحتاج لسماعها منها حتى تتأكد. لتتنهد سمر بقوة قائلة كأنها لا تجد مفرًا من إخبارها:
"الست أماني طليقة صالح جاية ومعاها أمها عاوزين يشوفوا صالح.. بس أنا مسكتش ليها ومشتها هي وأمها بعد ما سمعتهم كلمتين حلوين." وأخذت تتحدث بحدة واستهجان وهي تخبر فرح عما فعلته. لكن فرح كانت كأنها في عالم آخر تتطلع إليها بنظرات متجمدة ووجهها شاحب شحوب الموتى. ولكن سمر أخذت تكمل كأنها لا تنتبه لحالتها تلك قائلة بتهكم محتقر:
"البت يا أختي ماشوفتش في بجاحتها بعد ما طلبت منه الطلاق وصممت عليه وهو ياحبة عيني ساق عليها طوب الأرض عشان ترجع له.. جاية دلوقتي هي والمحروسة أمها تعيده من تاني.." تنهدت تهز رأسها كأنها تستنكر ما يحدث. لكن كان في تلك اللحظة كل تركيز فرح منصب عند الكلمات المتعلقة بطلاق صالح. تلتفت إليها تسألها بصوت بلا حياة خافت: "هي أماني اللي طلبت الطلاق من صالح ومش هو اللي طلقها زي ما عرفنا؟!
لوت سمر شفتيها بشفقة مصطنعة وهي تمد يدها ناحية فرح المتخشبة في مقعدها كأنها تمثال بلا روح. تمسك بيدها المتجمدة تربت فوقها تكمل قائلة: "آه يا حبيبتي هي اللي طلبت ومحدش قدر يقف قصادها وقتها.. كنا فاكرينها مشكلة صغيرة وهتعدي ما بينهم خصوصًا إن صالح يعني... صمتت للحظة تدعي التردد كأنها لا تدري أتكمل ما تقوله أم لا. ثم استأنفت حديثها تلوى سكينها بقسوة أكثر داخل قلب فرح:
"أقصد يعني إنه كان متمسك بيها وحاول كذا مرة هو والحاج الكبير يرجعوها.. بس أهو بقى هنقول إيه نصيب." قتلتها ببطء شديد مع كل حقيقة تخبرها بها وقلبها ينزف دمائه بغزارة ثم ينقبض بطريقة مميتة. وسمر تكمل دون شفقة غافلة عما يحدث لها، حتى أنها أرادت الصراخ بها حتى تكف عن الحديث. وهي تتحدث تؤكد بحزم وسرعة: "بس كان لازم يحصل كده ويتجوز ويشوف حياته من بعدها.. هي فاكرة إيه؟! "إنه هيفضل يتحايل عليها طول العمر بنت الـ...
تنهدت تهز رأسها كأنها تستنكر ما يحدث. لتزفر فرح أنفاسها وهي تقبض يديها في حجرها بقوة. ثم تتنفس بعمق قائلة بنبرة منكسرة لم تستطع إخفاءها: "عندك حق.. وزي ما قولتي كل شيئ قسمة ونصيب."
رقصت سمر فرحًا بسماعها نبرة الانكسار هذه في صوتها. وقد علمت بنجاح ما أرادته وأكثر من زيارتها تلك. فقد نوت في البداية إخبار صالح عن زيارة أماني حتى تشعل نيران غضبه وثورته. وهي أعلم الناس بنوبات غضبه تلك وما تخلقه من دمار خلفها. تمنت النفس أن تطال تلك النوبة عروسه..
وقتها وتكون أول مسمار منها تدقه في نعش زواجهم. ولكنها وفور علمها بنومه أسرعت تشكر حظها الحسن وغيرت فورًا من خطتها. تشعل بأكاذيبها نيران عروسه بدلاً عنه. ثم ستجلس وتضع قدم فوق أخرى وتشاهد ما سيحدث بينهما تاليًا. اقتربت من فرح تربت فوق كفها قائلة بنبرة مشفقة وهي تستعطفها: "يقطعني يا أختي أنا مش عارفة انسحبت من لساني كده إزاي.. ده لو صالح ولا حسن جوزي عرفوا إن كلمتك عن حاجة زي دي هيبقى فيها موتى."
هزت لها فرح رأسها بالنفي كالمغيبة قائلة بصوت سطحي بلا مشاعر: "متخفيش يا أم منصور.. مفيش حد هيعرف بكلامنا ولا إني عرفت بزيارة أماني." نهضت سمر واقفة ببطء تربت فوق كتف فرح تهمهم بكلمات شاكرة ممتنة. ثم تغادر المكان فورًا. وقد نالت ما أرادته وأكثر قليلًا. حين التفتت خلفها تلقي بنظرة ناحية فرح قبل مغادرتها. فتراها جالسة كما هي تنظر أمامها بثبات وجسد متجمد بلا روح. تغلق الباب خلفها وقد تهلل وجهها بالسعادة.
أما فرح فقد جلست بأعين اغرورقت بالدموع ووجه شاحب شحوب الموتى. لا تدري كم مر عليها وهي جالسة على هذا الوضع، دقائق كانت أم ساعات تتأكلها الأفكار تنخر قلبها حقيقة أن طليقته هي من تركته وأنهت الحياة بينهم وليس هو كما أرادت أن تقنع نفسها. وتألمها أكثر معرفتها بمحاولاته إعادتها إليه أكثر من مرة ورفضها هي ذلك.
وقد فسرت معرفتها هذه ما حدث ليلة زفافهم وسرعة رده عليها وقتها دون تردد. كما يفسر لها اتصالها به ليلتها بل ويوضح أيضًا جرأتها على حضورها إلى هنا لرؤيته. فهي واثقة كل الثقة بترحيبه بها مهما حدث منها ولن يكون زواجه بأخرى عائقًا لها لجذبه ومحاولة إعادته لها مرة أخرى.
هاجمها هاجس آخر كان القشة التي قطمت ظهر البعير. أن يكون زواجه منها هي كان في الأساس محاولة منه لدفع طليقته للغيرة والتلهف عليه من جديد حين تشعر بالندم على خسارته له.
سقطت دموعها تتسابق فوق وجنتيها شاهقة بألم. وهي تبكي بحرقة للحظات طوال استنزفت قواها خلالها. تشعر بانهيار العالم من حولها. لكنها وفجأة صمتت، تكف عن البكاء تسرع بمحو تلك الدموع سريعًا. ثم تهب واقفة على قدميها عازمة على التحدث إليه ووضع الكثير من النقاط بينهم. ولن تظل صامتة تقبل وتتغاضى عما سمعته منذ قليل كما أراد منها قلبها الخائن أن تفعل خوفًا من الخسارة. وتترك نفسها حتى تتأكلها النيران ببطء فتنهيها دون شفقة.
لذا تحركت تسير ناحية غرفة النوم تقف على بابها تتطلع إليها بوجوم. وقد عاودتها غصة معرفة أن تلك كانت غرفتها معه قبلًا وأنها قد سبقتها إليها. كارهة تلك الأنفاس التي تلتقطها داخلها. لكنها زفرت بقوة حتى تتحامل على نفسها تسير نحو الفراش بهدوء. حتى وقفت أمامه تتطلع إليه بصمت بعيون منكسرة وشفاه ترتجف. وهي تحاول منع نفسها من الانهيار في البكاء مرة أخرى.
تراه كما هو منذ أن تركته نائمًا بعمق وملامح مسترخية. وهي تهمس بتحشرج وصوت ضعيف باكي تناديه. لكن لم تأت منه استجابة. لتعاود النداء مرة أخرى. ولكن هذه المرة بصوت قوي حاد يحمل كل ما بها من غضب وألم. تطالبه بالاستيقاظ ليستجيب لها هذه المرة.
وليتـه لم يفعل وظل كما هو نائمًا لا يستجيب لندائها. تتراجع إلى الخلف شاهقة بحدة لالتقاط الأنفاس كمن طعن غدرًا وعلى حين غفلة منه. حين تقلب على جانبه وهو يهمهم بضيق ونـَـزق بكلمات بطيئة متعثرة من أثر النوم. لكن كانت لها واضحة وضح الشمس حين قال: "سبيني يا أماني أنا تعبان دلوقتي.. شوية وهبقى أقوم..... ***
دخلت إلى المكان تنظر حولها بارتباك وتوتر. حتى أتى صوته الهادئ من خلفها مرحبا بها. فلتفت سريعًا باتجاهه تمد يدها إليه بترحاب قائلة بصوت عملي رغم الخجل به: "أهلًا بيك يا أستاذ عادل.. أسفة لو جيت بدري عن الميعاد بس قولت أعدي على حضرتك بعد الشغل." ابتسم عادل برقة يهز رأسه بالنفي قائلاً: "لأ.. ولأ يهمك.. أنا كده كده موجود."
ابتسمت سماح هي الأخرى له تتبعه بعد أن أشار إليها باتجاه حجرة من الواضح أنها تعد لتكون مكتبًا له. تجلس على إحدى المقاعد ويجلس هو الآخر على واحد آخر. ويبدأ فورًا في الحديث قائلاً بجدية وصوت هادئ: "شوفي يا آنسة سماح أنا عارف إننا اتفقنا على شهر عشان تبتدئي معايا هنا.. بس بصراحة أنا عاوز نقدم الميعاد عن كده لو ده مفيش فيه مشكلة ليكي." هزت سماح رأسها بالنفي قائلة بصوت هادئ هي الأخرى:
"لأ أبدًا يا أستاذ عادل.. أنا مستعدة وجاهزة في أي وقت وكلمت خلاص أبو نور عشان يشوف بديل.. بس اديني فرصة لبكرة أتفق معاه على كل حاجة." ارتسمت ابتسامة إعجاب فوق شفتي عادل قائلاً: "واضح إن كلام الحاج منصور عنك صحيح إنك بتحبي تكوني مستعدة لأي طارئ وأدي المسئولية." تورّدت وجنتا سماح تبتسم هي الأخرى لكن بخجل قائلة: "متشكرة ليك أوي يا أستاذ عادل وإن شاء الله أكون عند حسن ظنكم فيا." تقدم عادل للأمام
في جلسته يهتف بتأكيد وحسم: "دي حاجة أنا متأكد منها يا سماح.. ثم ابتسم يكمل قائلاً: إيه رأيك بقى أعرفك أمور المكتب ونظام شغلنا لأنني هحتاجك معايا هنا وفي المكتب التاني لحد ما تستقر الأمور."
هزت له سماح رأسها بالموافقة ليشرع عادل في شرح الأمور الخاصة بالعمل. وقد جلست سماح تستمع إليه بانتباه. حتى قاطعهم رنين هاتفه ليستأذنها للرد. يخرجه من جيبه ينظر لهوية المتصل. لتتبدل حاله فورًا وقد عقد حاجبيه بشدة وظهر الضيق فوق وجهه وهو يضغط زر إنهاء المكالمة دون رد.
ولكن ما إن هم بإعادته لجيبه حتى عاود الرنين مرة أخرى. ليزفر بحدة وغضب جعل سماح تتسأل بصمت وفضول عن هوية المتصل المسئول عن حالته تلك. تتسع عيناها بذهول حين وجدته يهتف بحدة وبنفاذ صبر: "مش فاضي دلوقتي يا ياسمين عندي شغل، هبقى أكلمك بعدين." صمت لبرهة عاقدًا حاجبيه بحيرة قائلاً بعدها: "أهلاً يا ست أم منصور.. صمت مرة أخرى يستمع إلى الطرف الآخر. ثم نهض على قدميه واقفًا يهتف بجزع: "وهي حصل لها حاجة؟ وطيب انتوا فين دلوقتي.."
"خلاص ثواني وهكون عندكم." وبالفعل كان في اتجاهه للخارج بعد ألقى باعتذار سريع لسماح. والتي وقفت بعد خروجه السريع الملهوف هذا تتسائل بفضول وتفكير: "أم منصور مين؟ مش دي المفروض ياسمين خطيبته؟ ولا دي تبقى.... ضيقت عينيها بتركيز تضع حقيبتها فوق كتفها قائلة بحزم: "لأ.. كده الموضوع يستاهل أضحي وأروح أشحن كارت فكة وأكلم البت فرح.. مانا لازم أعرف إيه وإلا يحصلي حاجة لو معرفتش.."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!