وقفت تتطلع إليه وهو يعود هانئًا إلى نومه مرة أخرى. تشعر بحرارة دمائها ترتفع في جسدها، تصل حد الغليان، قبل أن تندفع دفعة واحدة لخلايا عقلها بقوة تغشى عينيها. وهي في طريقها، بستار أحمر من الغضب، جعلها تبحث حولها كالمجنونة عن شيء تستطيع قذفه به. فلم تجده، فاندفعت ناحية الفراش بخطوات سريعة، حادة، تدفعه في كتفه بقبضتها، صارخة: "اصحى يا صالح بيه وقوم هنا كلمني." هب صالح جالسًا في الفراش يهتف بذعر: "ايه؟ في إيه؟ مالك يافرح؟
صاحت به بحنق وصوتها العالي يشق أذنيه من شدة حدته: "لا والله... لا بجد كتر خيرك... الحمد لله أخيرًا عرفت إن في واحدة متجوزها اسمها فرح." عقد صالح حاجبيه بشدة، ينظر إليها بعيون مشتعلة ثائرة، وقد اختفى كل أثر للنوم بداخلهم، قائلًا بهدوء محذرًا: "صوتك ميعلاش وإنتي بتكلميني، وبلاش الأسلوب ده معايا." فرح، وقد اختنق صوتها وتحشرج من أثر غصات البكاء التي تكتمها حتى لا تنهار باكية أمامه، تهتف بغضب وعيون شرسة تتطلع إليه:
"لا أنا أتكلم زي ما أنا عاوزة... لما أسمعك بتنادي باسم واحدة تانية وإنت نايم، يبقى ليا حق أعمل كل اللي عاوزاه." اتسعت حدقتاه يتطلع إليها بذهول وعدم تصديق، لتهز له رأسها بقوة صارخة: "أيوه يا صالح بيه، حصل وأنا بصحيك من شوية." رفعت ذراعيها تهتف بطريقة مسرحية مقلدة صوته، رغم ارتعاشة شفتيها وحالتها التي أصبحت على حافة الانفجار: "سيبيني دلوقتي يا أماني... دلوقتي هبقى أقوم." اندفعت نحوه تنكز بقوة في كتفه مرة أخرى، صارخة:
"أماني؟ ها؟ أماني يا سي صالح... أماني اللي إنت لسه... اختنق صوتها بشدة، فلم تستطع قولها، تنهار مقاومتها وتماسكها، لتنفجر باكية وهي تفر هاربة من أمامه، تخرج من الغرفة تمامًا، تتركه مكانه جالسًا بعيون متسعة ذهولًا، مصدومًا مما قالته. لبرهة، قبل أن ينهض من الفراش وهو يدمدم، لاعنًا نفسه هو وأماني بأفظع الصفات، قائلًا بعدها بحنق: "يلعن أماني على اليوم اللي شفت فيه أماني... على لساني اللي عاوز أقطعه هو كمان...
هو أنا مش هرتاح بقى من أم الحوار ده؟ اندفع يهرول خلفها، يتطلع حوله بحثًا عنها، ليجدها أخيرًا تلتف حول نفسها كالكرة فوق أريكة غرفة المعيشة، تبكي بشهقات عالية تسببت في انتفاضة ألم في صدره لرؤيته لها بتلك الحالة. فأغلق عينيه بشدة، يلعن نفسه بخفوت، وهو يقترب منها ببطء، ثم يجثو على ركبتيه أمامها، متجاهلًا صرخة قدمه المتألمة لفعلته تلك. ينحني عليها، يزيح بنعومة خصلات شعرها المبعثرة فوق وجنتيها بعيدًا، ثم يلثمها برقة،
وهو يهمس باعتذار بصوت أسف: "حقك عليا، متزعليش... أنا آسف والله مش عارف أنا قولت كده إزاي." ظلت على حالها، ينتفض جسدها بشهقات بكائها، مغمضة العينين بقوة، ترتعش شفتيها كطفلة باكية. لا يظهر عليها تأثر من حديثه ولا اهتمامًا به. ليزفر صالح بقوة، يكمل بصوت نادم يحاول توضيح حقيقة الأمر لها: "كل الحكاية إنها مسألة تعود مش أكتر... ده غير كمان العلاج الزفت اللي بيخليني أنام زي القتيل مش داري بقول إيه."
ابتسم برجاء، تتلاعب أنامله بخصلات شعرها، قائلًا: "أنا عارف إني غلطان... بس إنتي هتطلعي أجدع مني وهتصلحيني ومش هتزعلي مني." كانت أثناء حديثه، وبرغم ارتجافها وشهقات بكائها، فتظهر له كأنها لا تستمع ولا تهتم لما يقول. إلا أنها كانت داخل دوامة من التخبط، تتأثر رغما عنها بحديثه واعتذاره الرقيق هذا لها. وجعلها هذا تتساءل بحيرة... هل تلبي نداء عقلها لها وتقوم بإخباره الآن بكل شكوكها وما علمت به اليوم من زوجة أخيه؟
لعله لديه ما يهدئ به جروحها، كما فعل في مسألة نطقه باسمها؟ لكنها ترتعب بداخلها، ينقبض قلبها هلعًا وخوفًا أن ترى في عينيه حقيقة أصبحت تخشاها، وبدلًا من أن ينكرها، يبوح لها بعشقه لأخرى غيرها. وقد أصبح لا يحتاج لإخفاء الأمر بعد علمها عنه. تتمنى لو كانت الحقيقة كلها تقتصر فقط على ما قاله، وأن الأمر لا يتعدى عن كونه عادة منه لا أكثر، وتأثير الأدوية عليه.
لكنه لم يكن كما تتمنى، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه. فلا هي تستطيع إيقاف تألمها بعلمها أن الأمر أكبر من مجرد هفوة وذلة لسان منه، مثلما هو الآخر لا يستطيع نسيان شريكته الأولى إلى الآن برغم زواجه منها.
لكن إذا كان على استعداد للاعتذار لها وبهذا الإلحاح، برغم علمها بطبيعته وصعوبة هذا عليه، حتى يحصل على غفرانها ومحاولته لتخطي ما حدث حتى ينجح الأمر بينهم، فلما لا تفعل هي الأخرى مثله وتنسى وتتخطى كل ما عرفته وتحاول البدء معه من جديد؟ لعل وعسى قد تستطيع جعله يحبها وتنسيه الأخرى ويصبح عاشقًا متيمًا بها هي فقط دون سواها.
لذا تنفست بعمق في محاولة لإيقاف دموعها المنهمرة، وهي تسمعه يهمس باسمها بصوت يائس مترجي. ترفع عينها نحوه ببطء، تتطلع نحوه وقد أصبح لون عينيها كالفضة الذائبة من أثر البكاء. ليهتف صالح وعيناه تتوسع بانبهار قائلًا: "يخرب بيت حلاوة عنيكي... إيه يا بت جمالهم ده كله!
شقت شفتيها ابتسامة فرحة رغما عنها، وهي تبعد عن وجنتيها آثار دموعها، ترضيها كأنثى مجاملته هذه لها. لينحني مرة أخرى، يلثم وجنتها بنعومة، ثم يهمس مرة أخرى معتذرًا، كأنه لن يكتفي من الاعتذار لها أبدًا: "آسفة يا فرح بجد والله آسف... صدقيني آخر مرة هتحصل... بس مش عاوزك تزعلي مني، اتفقنا؟! أومأت له ببطء، ترغم نفسها على الابتسام بضعف، فيشع وجهه بالفرحة والسعادة. ثم ينهض واقفًا، يمد يده إليها قائلًا بصوت رقيق مرح:
"طب يلا قومي اغسلي وشك... ومش عاوز أشوف دموع تاني في عيونك الحلوة... آه هما مفيش في جمالهم دلوقتي... بس مش مشكلة، أنا هضحي."
نهضت معه باتجاه الحمام، يقفا معًا بداخله، ليقوم بغسل وجهها لها باهتمام ومراعاة، يتعامل معها كطفلة صغيرة بحاجة لعنايته وحنانه، ثم يقوم بتجفيفه لها. بينما وقفت هي مستسلمة له بعيون وذهن شارد، حتى انتهى أخيرًا. يلقي بالمنشفة، ثم يجذبها إليه، مقبلًا جبينها برقة، قبل أن يحتضنها بين ذراعيه، يقدم لها المواساة بهذه الطريقة كبادرة اعتذار أخرى منه لها.
لكنها ظنت بأنها مقدمة لنوع آخر من العواطف بينهم، لم تستطع تقبلها في حالتها هذه. تتلوى أحشائها بالرفض رغما عنها. وقد مرت قشعريرة باردة من خلالها، تجمد جسدها بين ذراعيه، فتقفز مرتعبة، وهي تدفعه بعيدًا عنها، ثم تفر من أمامه هاربة من المكان، وهي تهمهم قائلة بتلعثم: "أنا... هروح... أكلم... سماح... علشان...
لم تهتم بإكمال الباقي من حديثها، بل انطلقت كالسهم من جواره، كما لو كان يطاردها شبح ما. بينما وقف هو مكانه يراقب فرارها من المكان، وقد تجمدت تعبيرات وجهه، وضاقت عيناه بتفكير. *** وقف داخل المقهى، يجول بعينه بتوتر وقلق، بحثًا عنهم، ليجدهما أخيرًا. يسرع في اتجاههما، وقد جلسا في أقصى المقهى. تنهض سمر فور رؤيته، تهتف بجزع: "شوفت يا عادل المجنونة دي كانت عاوزة تضيع روحها لولا ستر ربنا."
وقف عادل يتطلع إلى ياسمين، يجدها تضع رأسها فوق الطاولة، مستندة إلى مرفقيها في حالة إعياء شديد، ليسأل سمر بتوتر: "هو حصل إيه بالظبط، فهموني؟ أسرعت سمر بجذب إحدى المقاعد له، قائلة بلهفة: "طب اقعد بس يا خويا، خد نفسك الأول... وأنا هقولك كل حاجة." جلس عادل ببطء، عيناه ما زالت فوق ياسمين، والتي أخذت تشهق بالبكاء دون أن ترفع وجهها عن موضعه، بينما شرعت سمر في الحديث فورًا، قائلة:
"أنا لقيتها بقالها كام يوم كده حالها مش عاجبني، وكل ما أسألها تقول لي مفيش... فقولت آخدها ونخرج نتمشى شوية وأشوف مالها." اتسعت عيناها، تكمل بصوت مذهول مرتجف: "فجأة وإحنا بنتكلم وبتحكي لي... لقيتها بتصرخ مرة واحدة وبتقول لي... لا يا سمر مش هقدر أعيش من غيره... وفي ثانية لقيتها رمت نفسها قدام عربية معدية."
تنهدت، تضيف القليل من المأسوية في صوتها حين لاحظت أنه ما زال على هدوئه، يتطلع نحو ياسمين دون أدنى تعبير منه على حديثها، قائلة بحزن: "لولا ستر ربنا وإن العربية فرملت على طول، كان زمانها دلوقتي... أغمضت عينيها، ترتعش من هول تخيلها للموقف. يسود الصمت بعد ذلك للحظات، وما زال عادل صامتًا. فشعرت سمر بالتوتر والقلق، تخشى كونه لم تنطلي عليه كذبتهما. لذا أسرعت قائلة برجاء: "ياسمين بتموت فيك والله...
دي كان حالها يصعب على الكافر لما حصل اللي حصل بينكم." لم تجد منه ردة فعل على ما قالته، يسود الصمت مرة أخرى. لذا نهضت واقفة، تمسك بحقيبتها، تكمل وقد انتهى دورها عند هذا الحد، وسوف تدع الباقي لياسمين، قائلة له بحرج مصطنع: "أنا هروح أشتري كام حاجة كده... لحد ما إنتوا تتكلموا مع بعض وتشوفوا إيه مزعلك وتحلوه... وهبقى أرجع ليكم تاني."
ودون أن تنتظر إجابة منه، أسرعت تغادر المكان فورًا بخطوات سريعة، لكنها توقفت خارج المقهى، تتطلع للداخل بشكل خفي. لتجد عادل وقد نهض من مقعده، ثم يعاود الجلوس في المقعد الملاصق لياسمين، يحني برأسه نحوه يحدثها بشيء ما، جعل سمر تبتسم بخبث لنجاح مخططها، ثم تترك المكان بعدها. بينما جلس عادل يهمس لياسمين برقة: "ياسمين... ارفعي وشك ليا وكلميني." هزت ياسمين رأسها بالرفض، تتمسك بوضعها. ليكرر عادل طلبه، قائلًا برجاء:
"عاوز بس أطمن عليكي." رفعت وجهها إليه ببطء، ترسم الألم والحزن فوقه، وقد اغرورقت عينيها بالدموع، وقد تلطخ وجهها بآثارها، وقد ساده الحزن الشديد. ليجعله حالها هذا يشعر على الفور بالشفقة نحوها والغضب من نفسه لكونه المسؤول عما حدث لها، قائلًا بتأنيب وصوت رقيق: "ينفع كده اللي عملتيه ده؟ كان يبقى كويس لو كان حصلك حاجة! أجهشت في بكاء مصطنع، أتقنت صنعه، تهتف بلوم وعتاب:
"إنت مش عاوز تفهم ليه إن أي حاجة أهون عندي من إني أخسرك، حتى لو كانت روحي! زفر عادل بقوة، يفتح فمه يهم بالحديث، لكنها أسرعت تقاطعه، لا تمهله الفرصة حتى للتفكير، تعاود اللعب على مشاعره، قائلة بصوت مجروح وعيون باكية: "كده يا عادل، هونت عليك؟ من أول مشكلة بينا عاوز تسيبني، وإنت عارف أنا بحبك قد إيه؟
علمت بنجاحها حين رأت الذنب والندم يلون نظراته لها، قبل أن يهرب من مواجهة عينيها. لذا أسرعت تضيف المزيد من الضغط عليه، وهي تجهش في البكاء بصوت عالٍ، جعل رواد المقهى يلتفتون إليهم بفضول. تسرى بينهم همهمات عالية، جعلت عادل يتطلع حوله بحرج، قائلًا باستسلام وهو يربت فوق كتفها محاولًا تهدئتها: "طب خلاص يا ياسمين اهدى... اللي فات مات وهنرميه ورا ضهرنا... وهنبدأ من جديد، ولا كأن... توقفت ياسمين في الحال عن البكاء،
هاتفة بفرحة: "بجد يا عادل؟ يعني خلاص مش هتسيبني؟ هز لها عادل رأسه بالإيجاب، مبتسمًا هو الآخر. لينشق عنها ضحكة عالية سعيدة، وقد تبدل حالها تمامًا، وهي تنهض عن مقعدها، تجذبه قائلة بسرعة: "طيب يلا بينا نقوم نخرج من هنا... وتعال فسحني ونروح السينما." عقد عادل حاجبيه، يهتف بذهول وحيرة قائلًا: "سينما؟ سينما إيه دلوقتي؟ تعالي أروحك البيت أحسن عشان ترتاحي بعد اللي حصلك." جذبته ياسمين خلفها، قائلة بلا مبالاة: "بعدين...
بعدين... أنا أصلاً بقيت كويسة دلوقتي." سار معها يجارى خطواتها السريعة، يحاول تجاهل هذا الهاتف الملح بداخله، والذي أخذ يردد له أن تلك الخطوة غير المحسوبة منه ستكون عواقبها وخيمة عليه، وسوف يدفع ثمنها غاليًا. ***
دلفت سماح إلى الداخل، تنادي على زوجة خالها بصوت عالٍ، وهي تضع ما بيدها من مشتريات فوق الطاولة. بعد عدة محاولات، ظهرت كريمة أخيرًا من داخل غرفتها، وجهها شديد الاحمرار، يظهر الارتباك والاضطراب عليها، تفرك كفيها معًا بقوة. فتسألها سماح تمازحها قائلة: "فيه إيه مالك يا كريمة؟ عاملة زي اللي عاملة كده ليه؟ أسرعت كريمة تبتعد عن غرفتها، تغلق بابها خلفها بإحكام، قائلة بتلعثم وعتب شديد: "مالي يعني يا سماح؟ مانا زي الفل أهو...
وعاملة إيه اللي بتقولي... عليها كده؟ ميصحش... يعني... اقتربت منها سماح مبتسمة، قائلة: "فيه إيه يا كريمة؟ أنا بهزر معاكي... مالك قفشتي في كلمة كده ليه! تطلعت كريمة خلفها ناحية باب غرفتها، قائلة بتوتر: "أصل يعني... أصل... شوفي عاوزة أقولك... هتفت سماح بها بحدة، وقد تسرب إليها القلق والتوتر هي الأخرى، قائلة: "فيه إيه يا كريمة؟ انطقي... أنا مش ناقصة قلق، وحياة أبوكي!
فتح باب الغرفة من خلفها، يظهر على عتبته مليجي، يرتدي ملابسه الداخلية فقط، يستند بذراعه فوق الباب بلا مبالاة، قائلًا بصوته الأجش الغليظ، وبنبرة شامتة: "عاوزة تقولك يا روح أمك... إن جوزها وأبو عيالها نور بيته من تاني... ولو عندك اعتراض يا بنت لبيبة، الباب أهو وراكي يفوت جمل." *** استلقت فوق الفراش، تحاول التظاهر بالنوم قبل عودته، فقد استغلت صعود أخيه للمكوث معه قليلاً، لتهرب من مواجهة أخرى بينهم.
فقد ظلا الباقي من اليوم في صمت مطبق خانق، بعد عدة محاولات منه لكسر حالة الجمود هذه بينهم، يمزح ويضحك معها، وهو يخبرها بعدة مواقف طريفة حدثت له في الماضي. لكنها كانت تقابله بابتسامة ضعيفة غير متحمسة، جعلته في النهاية يلجأ للصمت هو الآخر.
وبعد تناولهم للعشاء وصعود شقيقه له بعدها، استأذنت منهم، وقد وجدتها فرصة للهرب. لكن هيهات، فقط أتت كل محاولاتها للنوم بالفشل، تشعر بالفراش أسفلها كجمرة من النار، تستلقي فوقها، وهي تتقلب من جانب إلى آخر عدة مرات.
قبل أن تتجمد في مكانها حين شعرت به يفتح الباب بهدوء، ثم يدخل. يتوتر جسدها للغاية حين همس يناديها برقة، وهو يقترب من الفراش، فأخذت تهمهم تتصنع النوم. لكنه لم يستسلم، يستلقي بجوارها، يتلمس بشرة ذراعها بطرف أنامله، ثم يقبل عنقها بنعومة، هامسًا مرة أخرى يناديها، قائلًا بعدها بلوم رقيق: "فرح... إنتي هتنامي دلوقتي؟ لسه الوقت بدري! وجدت نفسها تبتعد بجسدها عن مرمى يده، تتخلى عن محاولتها لتصنع النوم، تهتف بجفاف وخشونة:
"مش بدري ولا حاجة... أنا تعبانة طول النهار في شغل البيت وعاوزة أنام." ساد صمت قصير بعد كلماتها. قال بعده صالح ساخرًا، وهو يبتعد عنها هو الآخر، يستلقي فوق الفراش بظهره، قائلًا: "مش شايفة إنها حجة، لسه بدري عليها شوية ما بينا؟
همت بالرد عليه ردًا لاذعًا، لكنها أسرعت تطبق شفتيها، تدرك صدق ما قاله. ولكنه كل ما استطاعت التفكير به لتهرب من تقربه منها هذه الليلة، تشعر بعدم استعدادها وقدرتها على مشاركته عواطفه هذه الليلة، بعد كل ما علمته وحدث اليوم. تقنع نفسها بأنه كل ما تحتاجه هي الليلة فقط، لتستطيع جمع شتات نفسها، وغدًا سوف ستكون في أفضل حال وتتخلص من حالة الجمود تلك، والتي تصيبها كلما اقترب منها.
لذا لم تحاول إصلاح الأمر بينهم، وهي تشعر به يستلقي على جانبه مبتعدًا عنها لأقصى الفراش. تفر دمعة ألم وحزن من خلف جفونها، تمر عليها الدقائق والساعات في محاولة للنوم هي الأخرى. ولكن أتت كل محاولاتها بالفشل، زافرة بنفاذ صبر، ثم تنهض من جواره ببطء، وهي تراقبه. تسير على أطراف أصابعها بحذر، حتى خرجت تمامًا من الغرفة، تغلق الباب خلفها، تتنفس براحة وعمق خارجها، وقد أصبح جو تلك الغرفة خانقًا مميتًا لها.
سارت إلى الغرفة الأخرى المخصصة للأطفال، تستلقي فوق إحدى الأسرة بها، يسترخي جسدها فورًا، تغلق عينيها ببطء، تسقط في نوم سريع على الفور. لكن ما هي سوى لحظات حتى استيقظت منه، تفتح عينيها على اتساعهما، شاهقة بقوة حين وجدت جسدها يُضم بقوة إلى جسد صلب قوي، يحيطها بذراعيه ودفئه. تسترخي مجددًا مرة أخرى، حين سمعت صوته الرقيق الهامس، وهو يقبل وجنتها، يطمئنها قائلًا: "هششش نامي يا فرح... نامي... وبكرة يحلها الحلال."
أغمضت عينيها مرة أخرى، تسقط في نوم مرهق، مستسلمة لدفء أحضانه، وهو يزيد من ضمها إليه، تدعو من قلبها أن يكون الغد لهم أفضل كما قال، وتتمنى. *** "كنتي فين ياسمر كل ده؟ سألها حسن بعد دخوله إلى شقتهم، يجدها تجلس أمام التلفاز تتناول الطعام، لا تعير لدخوله ولا سؤاله اهتمامًا. ليكرر سؤاله مرة أخرى، ولكن هذه المرة بحدة، جعلتها تضع الصينية الطعام فوق الأريكة وتهتف به:
"جرى يا حسن، ما أنا قولتلك كنت مع ياسمين أختك بنشتري شوية حاجات... وبعدين تعال هنا، إنت اللي كنت فين؟ أنا جيت ملقتكش؟ أشار حسن خلفه قائلًا بعدم اهتمام، وهو يتجه للجلوس بجوارها، قائلًا: "كنت عند صالح فوق، بسأله عن كام حاجة في الشغل." اعتدلت سمر في جلستها، تسأله بلهفة وعيناها تلتمع بالجشع: "ها؟ كنت بتسأله عن إيه؟ فرِّح قلبي وقولي إنك سألته عن شغله مع المنيل أخو أماني، عاوزين نعرف بكام وإيه؟ ولسه شغالين مع بعض ولا إيه؟
هز حسن كتفه قائلًا، يلوى شفتيه بعدم حماس، قائلًا: "وأنا مالي بشغل صالح... أنا طلعت أسأله عن شغلنا إحنا والبضاعة اللي جاية كمان يوم." ولولت سمر تضرب فخذيها بقوة، قائلة: "يا ميلة بختك من دون الحريم يا سمر... ياللي جوزك هيشلك بدري ويموتك ناقصة عمر ياختي." اضطرب حسن وشحب وجهه، يهتف بها بلوم: "فيه إيه سمر دلوقتي؟ أنا مش فاهم إنت عاوزة إيه؟ صرخت سمر به بغضب وثورة: "عاوزة أعرف أخوك عنده إيه وفلوسه فين ومع مين!
يا راجل هو أنا هفضل أفهم فيك لمتى؟ تغضن وجه حسن، يتمتم بكلمات هامسة بحنق. لتسرع سمر قائلة بحدة وغيظ: "أيوه كل ما أكلم في الموضوع ده تلوّي وشك وتتقمص... ماهو لو إنت فالح كان زمانك ليك تجارتك وفلوسك لوحدك زي ما أخوك الصغير ما عمل وبقى عنده شيء وشويات... أنا مش عارفة هتتلحلح من خبتك دي إمتى؟ زفر حسن بقوة، ينهض واقفًا مغادرًا بغضب المكان، لتشيح سمر بيدها قائلة: "يا شيخ يلا نيلة... أنا عارفة هتفضل خايب كده لحد إمتى...
وسي صالح واخد كل حاجة في كرشه وعمال يطلع لفوق، مش همه حد؟ ضغطت فوق أسنانها بغل، وعيناها تنطق بجشع العالم، قائلة: "بس مين... وحياتك عندي لتكون كل حاجة عنده وملكه ليا ولعيالي، وما بقاش أنا سمر لو الكلام ده ما حصل... وهو أنا عبيطة زيك فاكرة إن الليلة كلها على قد ورث أبوك وبس."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!