الفصل 5 | من 34 فصل

رواية ظلمها عشقا الفصل الخامس 5 - بقلم فرح صالح

المشاهدات
116
كلمة
5,633
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

مر يومان عليه وهو يعيش داخل صومعة اختلقها له عقله حتى يعيد عليه فيها كل ما مر به، يذكره بأوجاعه كطرف سكين حاد ينغزه بقسوة كلما وجد في قلبه لين أو شوق لتنفيذ رغبة والديه منه بأن يترك لنفسه الفرصة مرة أخرى للسعادة والتجربة، لعله خير له هذه المرة، لكن يقف عقله له بالمرصاد في كل لحظة ضعف منه.

مثلما يفعل به الآن وهو جالس فوق مقعده في محل عمله، غافلاً عن كل المحيط به، وبيده سيجارة تناساها بين أنامله وهو يعاني مرة أخرى داخل ذكرى من عدة ذكريات لأيام قاسية عاناها مع زوجته، أخذت تهاجمه الآن دون هوادة، رغم محاولاته نفضها بعيد، لكنها أخذت تهاجمه بشراسة حتى استسلم لها أخيراً.

يتذكر حين نهض من فراشه، ثم يسير باتجاه الباب بخطوات بطيئة متثاقلة، يعلم ما بأنتظاره ككل يوم تقريباً، وقد صدق حدسه حين وجدها تجلس في مكانها المعتاد، كأنها أصبحت تجد متعتها حين يراها بحالتها تلك، تستلذ بتعذيبه وجلده بحقيقة أصبح لا يجد مفراً منها، والفضل لها في هذا.

ليزفر بقوة، يمرر كفه فوق وجهه بقوة قبل أن يقترب منها ببطء، يراقب وجهها شديد الاحمرار وعينيها المنتفخة من أثر بكائها، يراهن نفسه بأنها لم تتحرك من مكانها، تجلس على حالها هذا منذ استيقاظها حتى تضمن رؤيته لها وقت استيقاظه، ليقف مكانه زافراً أنفاسه، ولكن هذه المرة ببطء وهدوء هو في أمس الحاجة له، قبل أن يتحدث إليها قائلاً بهدوء، لكن أتى صوته مرتجفاً رغماً عنه: "تانى يا أمانى...

آخرته إيه بس اللي بتعمليه فيا وفيكي ده يا بنت الناس! لم تجبه، بل تعالت شهقات بكائها أكثر، كأنها كانت في انتظار حديثه هذا لها حتى تبدأ في نوبتها المعتادة. فاقترب منها جالساً في المقعد المقابل لها قائلاً بصوت حزين متوسلاً: "كفاية أبوس إيدك بقى وارحميني... انتي على الحال ده من يوم ما عرفنا... انتي كده بتموتيني بالبطيء." رفعت عينيها المتورمة، تسمح أنفها الأحمر بمنديلها قائلة بحدة وقسوة لا تتناسب مع مظهرها

ولا بدموعها المنهمرة تلك: "أنا اللي بموتك بالبطيء... ليه خير... اومال لو أنا اللي فيه عيب ومش انت كنت هتعمل... صرخ بها يوقفها عن باقي حديثها المهين له قائلاً بغضب وقسوة: "اخرسي خالص متكمليش... إيه فاكرة إيه... هفضل متحمل منك كده لحد امتى! تجعدت ملامح وجهها حزناً وهي تنكمش على نفسها خوفاً، هامسة بانكسار أجادت صنعه، تلعب به على وتر شعوره بالذنب ككل مرة: "بقى كده يا صالح بتزعلي...

مش متحمل مني كلمتين أفضفض بيهم عن نفسي... لكنه هذه المرة قد فاض به الكيل ولم يعد يحتمل المزيد منها، يتحشرج صوته وتتوحش نظرات عينيه، يضغط فوق أسنانه بغضب هامساً: "علشان كلامك بقى سم وعيشتنا مع بعض بقت نار بتحرقني وبتحرقك... ومبقاش ليها غير حل واحد بس... شحب وجهها، تتوسع عينيها خشية وقد علمت بما هو آتٍ من حديثه، لذا أسرعت تحتضنه بقوة صارخة برجاء حتى توقف كلماته تلك: "لاا... يا صالح علشان خاطري...

أنا آسفة مش هتكلم تاني كده بس بلاش تقولها وحياة أغلى حاجة عندك...

زفر بقوة، يغمض عينيه محاولاً تهدئة غضبه ونفوره منها والذي أصبح يزداد يوماً عن يوم بتصرفاتها وكلماتها الجارحة التي كانت تطفئ بها كل يوم شيئاً من صبره عليها واحتماله، وهي تقتل به إحساسه كرجل دون كلل منها أو تردد، يمنع نفسه عن تلك الخطوة المصيرية معها، ظناً منه بأنها ستراعي بعد ذلك في تعاملها معه، لكن هيهات ظنه هذا وهو يراها تعود لممارسة هوايتها المفضلة وخلق جو من الدراما المأساوية بينهم يوماً بعد آخر، أصابه بالبرود والنفور من التواجد معها في مكان واحد، يغيب في عمله قدر الإمكان هرباً منها ومن حياتهما معاً.

حتى سمعها تتحدث إلى شقيقتها في إحدى الأيام، قد فسرت بروده هذا معها على أنه استسلام منه لها، ثم أخذتتباهى زهواً في حديثها بما تفعله معه وكيف أنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تملكه وجعله خاتماً بأصبعها كما أرادت منذ البداية، لينهي في لحظة كل شيء بينهم دون تردد، ناطقاً بتلك الكلمة التي كانت له كالتحرر من جحيم ظل به لأشهر يتحمل فيها أفعالها وتقلباتها كلها لإحساسه بالذنب نحوها وأنه كان سبباً في حرمانها من نعمة تتمناها كل امرأة.

لذا لا يمكن أن يعيد الماضي مرة أخرى... لا يمكنه أن يعاني تلك الأوجاع مرة أخرى... ليس عندما تكون هي المعنية هذه المرة بالأمر... لن يحتمل أن يرى في عينيها ما رآه في عيني غيرها عندما علمت بالأمر. لذا...

نهض بحزم يجمع أشياءه من فوق المكتب سريعاً، يغادر وعلى وجهه الإصرار والتصميم، فقد حسم أمره وحان الوقت لإنقاذ نفسه من السقوط في تلك الدوامة وإنهاء أوجاعه وأنين قلبه، وإلى الأبد، ولا سبيل لهذا سوى القيام بأمر واحد لا مفر منه. *** جلست حول المائدة تتلاعب بطعامها بشرود ووجه شاحب وعيون مسهدة، لتربت زوجة خالها بحنو فوق كفها قائلة: "كلي يا فرح... وسبيها لله... كله هيتم بأمره وإذنه."

صدحت ضحكة غليظة قاسية من مليجي وهو يخرج من غرفته لا يرتدي سوى ملابسه الداخلية، يهتف بعدها بسخرية وتهكم: "اتعلفي يا أختي يمكن تعجبي عريس الغفلة... اللي ما حد شاف وشه لا هو ولا أبوه من يومها." نهضت فرح واقفة تهتف به بعنف وحدة وهي تتجه ناحية غرفتها: "البركة فيك وفى فضايحك... وهو فيه عاقل يفكر ييجي يحط إيده في إيدك ويناسبك."

ثم توجهت إلى غرفتها فلا طاقة لها لمجادلة أخرى معه، يكفيها ما حدث بينهم من قبل وتلك المشاجرة والتي وإن انتهت ككل مرة بتطاوله بالضرب عليها، لذا تركته وأغلقت الباب خلفها بعنف ارتجت له أركان الشقة. ليصرخ بها غاضباً: "ارزعي يا أختي الباب... ماهو ده اللي بأخده منكم... جتك القرف انت وأختك في ساعة واحدة." ثم التفت إلى زوجته ينهرها بحدة: "جرى إيه ياعين أمك... انتوا قاعدين تتسمموا ومش عاملين حسابي ولا إيه...

فين الأكل يا ولية." نهضت كريمة سريعاً قائلة بتخبط: "لا يا خويا أزاي... الأكل جاهز ومتحضر... ثواني ويكون قدامك." ثم أسرعت ناحية المطبخ تختفي بداخله، تتعالى بعدها صوت طرقات فوق الباب الخارجي، ليهتف مليجي في ولده الصغير بخشونة: "قوم ياض افتح الباب... تلاقيها المعدولة التانية رجعت." ثم رفع كوباً من الماء إلى شفتيه يرتشفه، لكنه عاود بصقه فوراً بقوة حين هتف طفله بلهفة: "ده عم صالح اللي جه يا بابا."

نهض فوراً يعدل من وضع ملابسه، يسرع في اتجاه الباب هاتفا بترحاب وتذلل: "أهلاً يا صالح باشا... أهلاً بكبيرنا وابن كبيرنا... اتفضل." دلف صالح إلى الداخل يمد يده نحوه ملقياً بالسلام، قائلاً بعدها بهدوء: "كنت عاوزك يا مليجي في كلمتين... بس قبلها لو أمكن إني أقعد مع فرح دقيقتين... يبقى كتر خيرك." فغر مليجي فاه مذهولاً، فلاول مرة في حياته يتم احترامه والاستئذان منه في أمر ما، لذا أسرع بنفض ذهوله هاتفا بغبطة واعتزاز:

"طبعاً... دانت تأمر يا صالح باشا... البيت بيتك يا حبيبي." ثم صاح منادياً لفرح بغلظة وبصوته الأجش عدة مرات، حتى ارتفع صوتها بقوة تصيح من الداخل: "ارحمني بقى عاوز إيه تاني... دي كانت ساعة سودا يوم ما طلبوني منك للجواز." فتحت الباب تظهر من خلاله وهي تكمل بحدة وعنف: "ريح نفسك بقى أنا مش عاوزاها أصلاً الجوازة دي."

مَطَّت حروف آخر كلماتها، تتسع عينيها بصدمة حين رأته واقفاً أمامها بكل هيبته يتطلع إليها، وابتسامة ملتوية صغيرة فوق شفتيه جعلتها تخفض عينيها عنه أرضاً بارتباك، وهي تهمهم من بين أنفاسها حانقة، تلعن نفسها وخالها كعهدها في كل مرة تراه فيها، قبل أن يصيح مليجي ملتفتاً إلى صالح قائلاً: "شوفت يا صالح باشا أهي على الحال ده من ساعة الحوار اياه... مش طايقة حد منا يكلمها كلمة، ومفيش على لسانها اللي عاوز أقطعه غير الكلمتين دول."

ثم أشار ناحية غرفة جانبية قائلاً بترحاب: "اتفضل انت يا خويا في أوضة الجلوس... نورتنا والله... البيت نور." دلف صالح إلى داخل الغرفة، لكن ليس قبل أن يرمقها بنظرة ارتجفت لها أوصالها، لاحظها مليجي هو الآخر ليبتسم لها بشماتة مشيراً لها وهو يهمس: "ادخلي يا أختي العريس عاوزك في كلمتين، وابقي وريني بقى هتقولي له إيه في اللي سمعه منك ده؟!

شعرت بدموع الخيبة تحرق عينيها، ترتفع الغصة بحلقها تكاد تخنقها، وهي تتطلع في عينيه الشامتة، تهمس له هي الأخرى بحرقة: "ينتقم منك ربنا يا شيخ... على كل اللي بتعمله فينا ده... انت إيه شيطان."

ثم دلفت سريعاً إلى داخل الغرفة دون أن تمهله الفرصة للرد، تقف جامدة مكانها حين رأت صالح يقف وقد أعطى ظهره لها ووجهه ناحية النافذة، يضع يديه في جيبَي بنطاله للحظات ساد فيها صمت كان قاتلاً بالنسبة لها، وهي تقف خلفه تفرك كفيها معاً باضطراب، حتى انتهت قدرتها على التحمل. لتهمس تناديه بصوت خرج منها مرتعش، فيأتي حديثه دون مقدمات أو يلتفت نحوها، قائلاً بهدوء شديد بعث في داخلها الاضطراب أكثر:

"أنا كنت جاي النهارده علشان عايز أتكلم معاكي كلمتين... صمت، زافراً بقوة وهو يخفض رأسه ينظر أرضاً، ترى عضلات ظهره مشدودة بتوتر كأنه يعاني صعوبة في إيجاد تلك الكلمات حتى يلقيها عليها...

كلمات أدركتها من توتر جسده دون أن ينطق بها، فليس من السهولة على من هو في مثل أخلاقه وشهامته أن يقوم بجرح الآخرين أو يصيب كرامتهم بمقتل، لذا أوجدت له العذر، تشعر بالشفقة عليه أكثر من حالها هي، وهو يلتفت إليها ببطء، يضع أنامله بين خصلات شعره، قائلاً باضطراب: "شوفي يا فرح... أنا لولا الظروف و... "أنا كنت عاوز أقولك يعني إني...

التفت مرة أخرى موالياً ظهره لها، زافراً مرة أخرى، لترتعش شفتيها وهي تضمها بشدة حتى تمنع نفسها من أن تجهش باكية، قلبها يهفو له ويرق لحاله المضطرب، لذا قررت أن تريحه من معاناته تلك، هامسة بصوت مرتجف متحشرج: "الموضوع مش مستاهل كل ده... أنا خلاص فهمت انت عاوز تقول إيه...

زفر صالح ببطء يلتفت إليها، مرتفعة على شفتيه تلك الابتسامة الصغيرة ثانياً، ولكن ما جعل قلبها يرتجف بتخبط بين جنباتها هي تلك النظرة بعينيه، وقد رأت للحظة الانكسار والألم بهما، لكن سرعان ما اختفت فوراً قبل حتى أن تتمكن من التحقق مما رأته، فقد حل مكانهم سريعاً نظرة عنيفة مشتعلة، قائلاً ببطء: "ما افتكرش يا فرح إنك فهمتي حاجة، ولا هتفهمي إنه مش سهل عليا اللي بعمله هنا دلوقتي... أنا... أنا...

أغمض عينيه، زافراً بقوة، تخرج الحروف من فمه كأنها نار تكويه، لا يجدها بالسهولة كما كان يتخيل قبل حضوره إليها، لذا فتح عينيه سريعاً قائلاً بحزم وهو يتحرك من مكانه ينوي المغادرة المكان فوراً: "انسى إني جيت هنا من الأساس... انسى أي حاجة اتقالت، أنا همشي."

مر من جوارها سريعاً، لكن أوقفه عند الباب متجمداً صوتها حين صرخت به بحرقة غاضبة، وقد قررت أن تلقي هي في وجهه الكلمات بعد أن رفض أن ينطقها، كما لو كانت لا تستحق منه تعبه أو اهتمامه، في حين كانت هي تقف مكانها بقلبها الأحمق تختلق له الأعذار ترفق بحاله: "طبعاً يا صالح باشا هنساها متقلقش... وهو زيها زي الكلمتين اللي اتقالوا من كام يوم... إحنا أساساً اعتبرناهم كده من ساعتها... كلمتين في الهوا واتقالوا." قست نبراتها،

تكمل قائلة بسخرية وتهكم: "ماهو مش معقولة صالح باشا هيرضى بالبت فرح بنت لبيبة ولا يناسب خالها مليجي العايق... بس عاوزة أقولك اللي رفضته انت في غيرك شاري وراضي بيه كمان." شعرت بحاجتها لكلماتها الأخيرة تلك كرد اعتبار لها، أرادته أن تعلم ويدرك جيداً أن هناك من يريدها وراضياً بها برغم كل ما قالته سابقاً. شهقت بفزع حين عاد إلى مكانها في لمح البصر، كأعصار غاضب شرس يمسك بذراعها بعنف بقبضته ضاغطاً بشدة فوقها، وهو يفح من بين

أنفاسه بنبرة باردة قاسية: "وده بقى مين يا ست فرح إن شاء الله اللي يبقى شاري... تقصدي أنور ظاظا مش كده... انطقي... صرخ بها لترتجف وهي تتلعثم بارتباك، تحاول إظهار نفسها ثابتة لا تخاف منه ولا من غضبه المنبعث من عينيه، يكاد يحرقها بلهيبه: "أقصد اللي أقصد... أظن ده ما يهمكش... ولا مش مصدق... إن ممكن حد...

قطعت حديثها ترتجف خوفاً كأرنب محاصر، حين اقترب بوجهه منها على حين غرة منها، أنفاسه تلف وجهها كالنيران المحرقة، يهمس ضاغطاً فوق أسنانه بغيظ وهو يقربها منه رغم مقاومتها الواهنة: "بنتي انتي... مطلعيش جناني عليكي... واتكلمي معايا عدل." هرب اللون من وجهها، يتركه شاحباً من الرعب، لكنها أجابته بشجاعة زائفة، ترفع عينيها في وجهه قائلة بصوت مرتعش: "أنا مش بت... ولو سمحت سيب إيدي... ومن هنا ورايح انت اللي تتكلم معايا عدل...

فرح العيلة بتاعت زمان اللي كنت بتخوفها وتتريق عليها كل ما تشوف خلقتها خلاص كبرت وبقيت آنسة... انت بقى مش عاوز تشوف ده انت حر." ترك ذراعها ببطء، يتراجع إلى الوراء وهو يمرر عينيه فوقها بتمهل جعلها ترتبك، فتشعر بهم كخط من النار يلامس بشرتها، ترتسم ابتسامة باردة فوق شفتيه قائلاً بسخرية: "كان نفسي أشوف فرح اللي بتتكلمي عنها دي قدامي دلوقتي، يمكن كانت أمور كتير اتغيرت... آه ممكن تكوني كبرتي من بره زي ما بتقولي."

ثم أشار بسبابته ناحية رأسه، يكمل ببطء وأسف: "بس هنا أظن لااا... لسه بدري أوي علشان ده كمان يكبر... سلااام يا فرح يا كبيرة." أنهى حديثه، يغادر المكان سريعاً بعد أن ألقى بتحيته المتهكمة تلك، لتقف مكانها بعد أن تركها، ترتفع حرارة وجهها حتى أصبح مشتعلاً كالجمر من أثر إهانته لها، وككل مرة تتواجه فيها معه، يملأها شعور بالهزيمة وكسرة القلب كإحساس أصبح ملازماً لها منذ أن وقعت كالمغفلة في عشقه وهواه. ***

"وآخرتها إيه معاكي يا سمر؟ هتفضلي قاعدة القاعدة دي كأن ما ليكي حد ميت؟ تخبطت سمر فوق فخذيها بعنف، تهتف بحدة وعصبية في زوجها حسن، ليتراجع إلى الخلف خوفاً منها قائلاً: "ابعد عن وشي الساعة دي يا حسن، أنا فيا اللي مكفيني." اقترب منها ببطء وخشية قائلاً: "يا حبيبتي اهدى... مانها قلتلك استحالة صالح همشي الجوازة دي... وهو عرف أبويا بده." لم تعره اهتماماً، تهمهم بذهول واستنكار: "بقى أنا أخلص من الست أماني تطلع لي فرح؟

هو أنا ناقصة يا ربي بلاوي... دانا مصدقت الجوازة الأولانية اتفشكلت بعد ما طلعت روحي... أقوم أخبط في جوازة تانية." جلس حسن بجوارها فوق الأريكة يسألها بتوتر وخشيّة من انفجار نوبات غضبها فيه كعادتها: "وانتي السبب في فشكلة جوازة صالح الأولانية إزاي؟ مش اللي حصل ده بسبب إن أماني مرضيتش تكمل مع صالح لما عرفت إنه مش بيخلف؟ التفتت إليه سريعاً تحدق به كما لو كان مجنوناً، صارخة: "انت عبيط يا حسن؟

أماني بتعشق التراب اللي بيمشي عليه صالح... وكانت مستعدة تعيش العمر كله معاه، ولا تفرق معاها حكاية الخلفة دي خالص." تجعد جبين حسن بعدم فهم، يهمس بارتباك متسائلاً: "طيب ليه بقى اتطلقوا لما هي بتحبه! تراجعت سمر إلى الخلف تشير بسبابتها ناحية صدرها قائلة بفخر: "بسببي أنا... ماهو أنا مكنش ينفع أعدي الفرصة دي من غير ما أستفيد." حسن بقلق وريبة منها: "عملتي إيه بالظبط يا سمر؟

ابتسمت ابتسامة صفراء، تلتفت إليه قائلة ببراءة مصطنعة وقد اختفى غضبها تماماً وهي تتلاعب بأزرار قميصه قائلة بزهو: "أبداً... أماني من يوم ما دخلت البيت هنا وهي تموت من الغيرة بسبب حبك ومعاملتك ليا... أنا بقى نصحتها شوية نصايح بعد ما التحاليل ما ظهرت وعرفنا إن العيب من أخوك بخصوص موضوع الخلفة." سألها حسن ببطء وفضول: "النصايح دي إيه بقى؟ ماهي أكيد مكانتش نصايح لما تبقى نهايتها إنهم اتطلقوا." أطلقت ضحكة غنج ودلال وهي

تقترب من شفتيه تهمس فوقهم: "أبداً يا قلب سمر... النصايح دي يمكن تنفع مع حد زيك انت... إنما مع واحد زي صالح بتيجي بالعكس زي ما شوفت كده بالظبط." عقد حاجبيه مرة أخرى بعدم فهم، يهمس بصعوبة: "مش فاهم برضه... يعني انتي قلتي لها تعمل إيه بالظبط؟ تراجعت عنه بعنف، تنظر أمامها بشرود وعينيها تلتمع بالغل والحقد، قائلة باستمتاع: "تكسره... تذله... تحسسه كل يوم بنقصه...

مرة ورا مرة هيبقى زي الخاتم في صباعها الصغير تبيع وتشتري فيه." نهض حسن واقفاً يهتف بغضب وعصبية: "يعني انتي تقصدي إن ده اللي بتعمليه معايا يا سمر؟! نفضت عنها شرودها، تنهض واقفة هي الأخرى، تسرع في إصلاح خطئها وقد نسيت للحظة إلى من كانت تتحدث، تسرع بالاقتراب منه تلتصق به وهي تتلمس صدره قائلة برقة ونعومة: "لاا طبعاً يا حبيبي... ده اللي أنا فهمته ليها علشان تصدقني وتعمل اللي أقولها عليه... دانت روحي وقلبي يا حسن...

وبعدين هو أنا يعني عملت كده عشان مين... مش عشانك انت يا قلب سمر من جوه." ارتفعت داخل عينيه نظرة عدم تصديق، يرتجف صوته يسألها بخوف وعدم ثقة: "بجد يا سمر بتحبيني؟ احتضنته بقوة، تهتف بتأكيد وحزم، لكن كانت عينيها باردة برودة الثلج: "طبعاً يا قلب وروح سمر... دانت ابن خالتي وأبو عيالي... وحياتي ودنيتي كمان."

استرخى حسن بين ذراعيها متنهداً براحة، ترتفع ابتسامة فرحة فوق شفتيه وهو يزيد من احتضانه لها، متشبثاً بها كالطفل الصغير، لتزيد مع كل ضمة منه لها البرودة بعينيها، تكسو وجهها ابتسامة صفراء سعيدة. *** كانت تسير مع شقيقتها في طريق عملها صباحاً بوجه زاد شحوباً وعيون مرهقة، بعد أن قضت طوال ليلة أمس في البكاء المرير، تواسيها سماح بكلمات أصبحت على سمعها كأسطوانة تالفة، وهي تعيد عليها تكرار أقوالها المعتادة...

بأنه لم يكن من نصيبها... وأن ما حدث كان خطأ منذ البداية... وما فعله صالح كان لمصلحتهما معاً، ومع كل كلمة منها يزداد بكائها معها، حتى أتى الصباح أخيراً، لتنفض معه كل أمل لها في عشق هذا الرجل، يكفيها ما حدث لقلبها منه، لذا لن تجلس في انتظار وجع جديد يقضي على ما تبقى منها. تنهض تستعد ليوم عمل جديد بعد تغيبها ليومين عنه، جلست فيهما بداخل المنزل على أمل زيارة منه...

نعم قد حدثت في النهاية، لكن لسبب آخر غير ما تمنته، تتحمل بعدها همزات ولمزات خالها الساخرة منها طوال الليل. لذا ها هي تسير هرباً إلى عملها وملجأها في الوقت الحاضر، شاردة عن ثرثرة شقيقتها، حتى انتبهت من شرودها على صوت إحدى جاراتهم توجه الحديث إلى جارة أخرى، تهتف بصوت عالٍ ساخر: "شوفي يا أختي البت وقدرتها ماشية ولا على بالها شر... صحيح عشنا وشوفنا بنات آخر زمن." حينها توقفت شقيقتها تلتفت نحوها، هاتفة بحدة وعنف فيها:

"تقصدي مين بكلامك ده يا أم إبراهيم؟! لوت أم إبراهيم شفتيها بسخرية، هاتفًة هي الأخرى: "مقصدش حد يا حبة عيني... بس لو على راسكم بطحة يبقى مبروك عليكم." تقدمت سماح منها تسألها بخشونة وحدة: "جرى إيه يا ولية انتي بطحة إيه اللي على دماغنا... ما تتكلمي عدل على الصبح." جذبتها فرح من ذراعها، هاتفة بها بحزم تمسك بذراعها حتى توقفها: "خلاص يا سماح... انتي هتعملي عقلك بعقلها."

تقدمت منهم أم إبراهيم هي الأخرى، تصفق بكفيها معاً ثم تشيح بهما، هاتفًة بشراسة: "ومتعملش عقلك بعقلي ليه يا أختي... مش من مقامك يا سنيورة ولا مش من مقامك... إيه خلاص حطيتهم في العالي وبقاش في حد مالي عنيكم يا بنات لبيبة." جذبتها السيدة الأخرى تتراجع بها للخلف، وهي تهتف ساخرة بلؤم: "هدي نفسك يا أم إبراهيم... دول خلاص ضهرهم بقى محمي... ما هي بنات قادرة بصحيح وبتعرف تقع واقفة...

عيني على بناتنا وحسرة عليهم عبط وعاملين زي القطط المغمضة." انحنت سماح بغضب، تخلع حذائها ثم ترفعه عالياً في وجوه من تجمع من الأهالي على أصواتهم، رغم محاولات فرح لتهدئتها ومنعها، لكنها وقفت وسطهم هاتفة بغلظة وشراسة: "شوفوا يا حارة *** اللي هيجيب سيرتي ولا سيرة أختي على لسان حد *** فيكم... هو ده بقى ردي عليكم."

وهمت بالهجوم عليهم، لكن أتى هتاف صالح المنادي لها بحزم ليوقفها مكانها، متقدماً منهم بهدوء تحت الأنظار المتوترة للواقفين جميعاً، لحظة ظهوره يسأل سماح بصوت هادئ عما حدث، لكن عينيه كانت معلقة فوق فرح باهتمام، ولكنها تهربت من نظراته تنظر في جميع الاتجاهات إلا اتجاهه هو، وبعد أن قصت عليه سماح ما حدث... التفت بحدة وتجهم إلى أم إبراهيم المضطربة، والتي أسرعت تنكر ما حدث سريعاً، هاتفة بمسكنة وحزن:

"والله يا صالح يا ابني ما حصل... دول سمعونا بنتكلم على حتة في المسلسل بتاع بالليل، واخدوا الكلام على نفسهم... إحنا برضه ولاد حتة واحدة... ودول زي بناتي مش كده يا أم خالد يا أختي." أسرعت تستنجده بجارتها الأخرى، والتي أسرعت مؤيدة لحديثها بحزم، وهي تربت فوق صدرها قائلة: "طبعاً أومال إيه... دول زي بناتنا وأمهم كانت حبيبة... حقك علينا يا سماح يا حبيبتي لو كنتي خدتي على خاطرك منا." ثم التفتت إلى صالح تبتسم برجاء وارتباك:

"ده شيطان يا سي صالح ودخل بينا وراح لحاله خلاص... وإحنا خلاص هنمشي يا خويا وحقكم علينا مرة تانية." ثم جذبت صديقتها بقوة تهرولان معاً هرباً من المكان، فينفض الجمع فوراً هو الآخر بعد أن هتف بهم صالح بحزم ليفرقهم: "يلا يا أخونا كله يروح لحاله... ملهاش لازمة الوقفة دي." ثم التفت إلى فرح وسماح مشيراً لهم بالسير أمامه قائلاً بهدوء: "يلا تعالوا أوصلكم... بدل بهدلة المواصلات و... هتفت فرح تقاطعه بحدة قائلة

وعينيها ثابتة فوقه بشجاعة: "لاا شكراً مش عاوزين... وبعدين إحنا واخدين على بهدلة المواصلات مش جديدة علينا يعني... اتفضل انت روح مشوارك مش عاوزين نعطلك." اقترب صالح منها هاتفا بحدة ونفاذ صبر: "ولو قولت لا مين هيجبرني... انتي مثلا!

وقفا يتطلعان إلى بعضهما بتحدٍ وشراسة، كما لو كان في وسط الحارة اثنين من المصارعين يتنافسان على الفوز، لكنها لم تكن مصارعة جسدية، بل كانت صراع بين إرادتين، أخذا وقد أخذ كل منهما يحاول فرض إرادته على الآخر، تلقي أعينهما بسهام التحدي كلاً نحو الآخر، حتى أتت نحنة سماح هامسة بعصبية متلعثمة تحاول فض هذا الاشتباك المربك لها: "أنا بقول إيه... يعني... انت تروح تشوف مصالحك يا خويا... وأنا آخدها ونطلع على أول الحارة...

ونركب أي حاجة تودينا الشغل... مش كده يا فرح... آه كده يلا بينا بقى."

جذبت شقيقتها بصعوبة من مكانها المتسمرة به كالوتد، تسير معها مغادرة فوراً، بينما وقف هو خلفهم، تطلق عينيه نحوها نظرات حادة باردة، شعرت بها كسهام تخترق ظهرها من الخلف، وهي تسير ببطء بعيداً عنه، وقد شعرت بمعدتها تتلوى بعصبية رغبةً في التقيؤ من شدة توترها، بعدها ان غادرتها شجاعتها الزائفة أمامه، تتركها ضعيفة مرتعشة تسير بخطى متعثرة، وقد بدأت ساقيها بالارتجاف، فتهمس لشقيقتها بصوت مستعطف ضعيف: "سماح...

أنا عاوزة أقعد حاسة إني مش قادرة أمشي." شدت سماح على يدها قائلة بصوت خافت مؤكد: "اجمدي بس الخطوتين دول... نعدي محل ظاظا بعدها هقعدك." هزت لها رأسها موافقة، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، حين خرج أنور من محله كما لو كان بانتظارهم، مقترباً منهم بسرعة ليوقفهم بوجهه اللزج قائلاً: "يا صباح الخير على ست البنات... أنا واقف هنا من الصبح مستني الجميل يهل عليا."

لم تجد فرح القدرة في نفسها على نهره أو إيقافه، تترك أمره لشقيقتها والتي صاحت به بحدة: "بقولك إيه يا معلم أنور إحنا متأخرين على الشغل... ف وحياة أبوك سيبنا نعدي من غير عطلة." ابتسم أنور بخبث وهو يفرك كفيه قائلاً: "أنا بس قلت أرمي الصباح... وأكرر كلامي من تاني... رفعت فرح نظراتها المتسائلة له، فيكمل بشوق وتلهف، عينيه معلقة بعينيها بتيه ولوعة: "أنا شاري يا فرح... شاري ومش بايع زي غيري... ومستعد أبيع روحي عشانك...

بس انت قولي آه." همست من بين أنفاسها قائلة بقرف: "هو لحق خالي يبلغك؟! أنور بأنفاس متهدجة وعينيه تلتمع بشهوة أصابتها بالنفور والتفزز: "خالك بلغني عشان عارف إني الوحيد اللي هعرف أقدرك وأقدر جمالك." همت بالرد عليه بحدة لتفرغ كل إحباطها وحزنها عليه، لكن وجدته يرفع أنظاره إلى ما خلفها، هامساً بتوتر وهو يتحرك متجهاً إلى محله بخطوات متعثرة، قائلاً بتخبط ونبراته مرتعبه: "نبقى نكمل بعدين... أصل ورايا حاجة كده هخلصها و...

اختفى داخل محله ومعه الباقي من حديثه، لتلتفت إلى سماح تسألها بابتسامة تعجب ساخرة: "ماله ده... حاله اتقلب كده ليه؟! أشارت سماح برأسها خلفها وعينيها تتسع رعباً قائلة: "بصي وراكي وانتِ هتعرفي ماله... هو نهار مش فايت أنا عارفة."

التفتت فرح سريعاً لتتسع عينيها هي الأخرى بذهول ممزوج بالخوف، وهي تراه يمر من جوارهم وملامحه تنطق بالشر والإجرام، متجاهلاً لهم تماماً، يدلف إلى داخل محل أنور، يغيب داخله ما هي إلا عدة لحظات، حتى تعالت أصوات تحطيم وصيحات عالية، أعقبها صرخة أنور المتألمة بشدة، ثم يسود الصمت التام بعدها. لتهمس فرح بخوف وقلق سائلة سماح المرتعبة بجوارها: "بنت هو قتله ولا إيه؟!

وقبل أن تجيبها سماح، خرج صالح بهدوء من المحل، يرجع خصلات شعره إلى الوراء، ثم يعدل من وضع ملابسه، قبل أن يرفع وجهه متحتقناً بالغضب، منقبض الملامح، وعيون تطلق الشرَر نحوها، صارخاً بها: "اخفي انجري على البيت... وما أشوفش وشك إلا بالليل وأنا جاي وجايب المأذون." فغرت فاها بصدمة وعينيها تكاد تخرج من محجريهما، ليصرخ بها مرة أخرى بحدة وهو يتقدم منها عدة خطوات مهددة: "هتتحركي ولا أجلك أنا و... أسرعت سماح تجيبه وهي تجذبها

بسرعة قائلة بتلعثم وخوف: "هتحرك يا خويا هتحرك... بس انت وحياة الغالي عندك ما تعصب نفسك." همست سماح لفرح وقد وقفت مكانها ذاهلة، قائلة لها بارتعب: "اتحركي يا أختي... خلينا نمشي من ادامه... وأوعي تبصي ناحيته... الراجل باينه اتجنن ونفسه يصوّر له قتيل هنا وبلاش يكون انتي... كانت فرح تسير معها كالمغيبة، قلبها يتراقص فرحاً، يتغنى الباقي من جسدها طرباً بكلمات ظنت أنها من وحي خيالها، لتسأل سماح بهيام وذهول:

"بنت هو اللي سمعته منه ده حقيقي ولا ده قلبي الأهبل وبيضحك عليا." أخذ قلبها يصرخ لها بالإجابة فرحاً سعيداً، تتراقص خطواتها على أنغام دقاته، تلقي بهمسات عقلها الخائفة عرض الحائط، وقد أخذ يتوسلها حتى لا تنقاد خلف هذا الأحمق المسمى بقلبها، لكنها تجاهلته، فيكفيها الآن لحظة سعادتها تلك، ولتلقي بأي شيء آخر عرض الحائط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...