جلست سماح تضغط شفتيها معا في محاولة منها لمنع نفسها عن الانفجار بالضحك وهي ترى شقيقتها تقف أمام الخزانة الخاصة بملابسها تعبث بمحتوياتها تتفحص هذا وترمي ذاك وهي تتحدث بعصبية وتوتر: "لااا بس برضه أنا ما كانش ينفع أوافق على كلامه كده على طول.. علشان ما يقولش يعني إني هتجنن عليه وما صدقت إنه خلاص هيتجوزني." وافقتها سماح بصوت مختنق بالضحك: "عندك حق كان لازم برضه." رفعت فرح إحدى الفساتين أمام ناظريها تتطلع
له بتركيز واهتمام قائلة: "آه طبعًا أومال إيه.. هو أنا فعلاً هموت عليه وهتجنن من الفرحة بس مش لازم يعرف ده يعني وكمان.... هنا لم تستطع سماح المقاومة طويلاً لتنفجر ضحكاتها بصوت عالٍ صاخب حتى أصبحت تستلقي بظهرها فوق الفراش تمسك بمعدتها وجسدها كله يهتز وبشدة بسببها لتلتفت إليها فرح تضيق عينيها وهي تضغط فوق أسنانها غيظاً هاتفة: "تصدقي إنك عيلة رخمة.. بقيتِ تاخديني على قد عقلي يا سماح."
جاهدت سماح حتى تتمالك نفسها تنهض بصعوبة وتقف على قدميها متجهة إليها وصوتها أجش من أثر ضحكاتها تهتف بمرح ساخر: "هو أنا بس اللي باخدك على قد عقلك يا قلب أختك.. ده كله بقى عارف إنه ده الحل الوحيد معاكي. ده حتى صالح بقى عارف علاجك إيه.. عيني عليه ده هيشوف أيام سودا معاكي." صرخت بها فرح مستنكرة وهي ترميها بقطعة الملابس التي بيدها لتصيبها في وجهها بقوة هاتفة:
"ليه يا أختي بقى.. والله ما في حد في عقلي.. ولا عمره هيلاقي واحدة تحبه زي ما أنا بحبه." تغيرت ملامح سماح فوراً تشع بالحنان تبتسم لها برقة وهي تمد أناملها ترجع خصلات شعرها إلى خلف أذنيها قائلة بجد: "طبعاً يا بت.. ده صالح ده أمه دعيت له علشان كده رزقه بواحدة زيك تعوضه خير عن جوازته الأولانية وتحطه جوه عينيها."
خيم فوراً على أجواء الغرفة التوتر بعد كلماتها تلك يفسح لنفسه المجال بها بعد الجو المرح ومزاحهم يعكر صفحة وجهه فرح الحزن عند لحظة ذكر شقيقتها لزواجه السابق ترفع عينيها وقد غشاها القلق والخشية إلى شقيقتها هامسة بكل مخاوف قلبها إليها بصوت مرتعش خائف: "بس أنا خايفة ياسماح.. خايفة يكون لسه بيحبها.. خايفة أكون جوازة اضطراري ليها علشان الظروف واللي حصل.." أسرعت سماح تمسك بكفيها بين يديها مؤكدة بصوت حازم قوي:
"بطلي عبط.. تفتكري صالح من اللي ممكن يعملوا حاجة مش عاوزاها.. ولا ظروف تتحكم فيه.. بعدين ماهو بقاله شهر وزيادة سايب مراته مرجعش ليها ليه؟ .. ده لو كان عاوز يرجع... حدقت فرح في عيني شقيقتها تنشد الطمأنينية منها لتهز لها سماح رأسها قائلة بهدوء: "رمي كل حاجة ورا ضهرك.. وافرحي بحلمك اللي كلها كام ساعة ويتحقق.. متخليش حاجة تعكر عليكي فرحتك بيه.. وكفاية إنك هتبقي مراته وإنتي وشطارتك بقى تخليه يحبك زي ما بتحبيه وأكتر كمان."
ابتسمت بحنان تكمل بتأكيد والحب يشع من نظراتها: "وأنا متأكدة إنه مش هيحبك بس.. لا ده هيعشق التراب اللي هتمشي عليه لما يفهمك ويعرفك كويس." شعر الحب والامتنان لها على وجه فرح تسرع وترتمي في أحضانها تهتف بحب وسعادة: "ربنا يخليكي ليا.. مش عارفة من غيرك أنا كنت هعمل إيه." احتضنتها سماح هي الأخرى هاتفة بنبرات مختنقة بالبكاء والعاطفة: "ويخليكي ليا.. هتوحشيني يا بت وهيوحشني الخناق معاك."
ظلت بين أحضان بعضهما بصمت كان أبلغ من أي حديث وكلمات.. تستمد كلا منهما الأمان والحب من الأخرى حتى ابتعدت سماح تمسح عبراتها قائلة متصنعة الحزم والجدية: "كفاية كلام بقى ويلا تعالي نشوف هتلبسي إيه.. الناس زمانها على وصول." ابتسمت فرح تمسح عبراتها هي الأخرى تهز رأسها لها بالموافقة ليمضي الوقت بهما بعدها في البحث عن ثوب لائق حتى تنهدت فرح باحباط وهي تلقي بقطعة ملابس أرضاً قائلة: "مفيش حاجة نافعة.. كله باهت وقديم ومينفعش."
تنهدت سماح هي الأخرى تعقد حاجبيها بتفكير للحظات لتهتف بعدها قائلة بحماس وهي تنهض واقفة سريعا: "بس لقيتها أنا.. هكلم البت نجلاء ونقولها على فستان شبكتها وهي بت جدعة مش هتقول لأ." قطمت فرح شفتيها غير واثقة للحظة قائلة بعدها بقلق: "بس مش هياخدوا بالهم إني لابسة فستان شحاتة." سماح وهي تمسك بغطاء شعرها الملقى فوق الفراش تضعه سريعاً عليها تتجه ناحية الباب قائلة بحزم:
"وهما هيعرفوا منين.. بصي أنا هخطف رجلي ليها أحسن وأروح لها.. هي زمانها خلصت شغل وروحيت وساعة زمن وأكون عندك." فتحت الباب تهم بالخروج لكنها توقفت بغتة تلتفت إلى فرح محذرة إياها بشدة: "بت أوعي تخرجي من الأوضة لحد ما أرجع وأبعدي عن طريق خالك خالص الساعة دي.. إنتي شايفة أهو العفاريت بتتنطط قدامه من ساعة ما عرف الخبر.. خلي يومك يعدي على خير."
ثم ألقت لها بقبلة في الهواء خرجت بعدها مسرعة لتنفذ فرح تحذيرها فتظل جالسة في أمان غرفتها للحظات لم تدُم طويلاً فقد علا فجأة صوت صراخ زوجة خالها يصاحبه أصوات تحطم للأواني بضجيج شديد جعلها تهب فزعاً من مكانها تسرع للخروج من غرفتها تتسمر على بابها حين وجدت زوجة خالها ساقطة أرضاً وهي تبكي بحرقة وقد تبعثر من حولها بقايا الطعام وخالها يقف مشرفاً فوقها يهم بصفعها ووجهه محتقن شديد الغضب..
لكن توقفت يده في الهواء يلتفت إلى فرح فور أن شعر بوجودها وقد أصبح غضبه كله وجهاً إليها صائحاً بصوت ثقيل غير مترابط: "أهلاً بالعروسة.. أهلاً ببنت ال**** الفقر اللي ضيعت عليها وعليا لقمة طرية كانت هتشبرقنا طول العمر." لم تعير فرح لغضبه اهتماماً تسرع إلى كريمة الملقاة أرضاً وهي تبكي متألمة تنحني عليها بحماية صارخة فيه بغضب وحرقة: "حرام عليك عملت لك إيه علشان كل يوم والتاني تبهدل فيها كده."
ترنح مليجي للخلف وقد أخذ يشيح بيده بحدة قائلاً بكلمات متعثرة تحمل أثر سكره: "صوتك ما يعلاش عليا يابنت ال****.. ولا تكوني فاكرة عريس الغفلة هيقدر يحميكي مني.. دانا... دانا... أخذ يكرر كلمته الأخيرة وهو يتمايل في وقفته بعدم ثبات حتى كاد أن يسقط أرضاً فأنتهزت فرح الفرصة لتنهض كريمة على قدميها سريعاً هامسة لها: "اجري استخبي في أوضة العيال بسرعة." أمسكت كريمة بيدها تجذبها معها هامسة برعب وصوت مرتجف:
"تعالي معايا لحد ما يغور ولا ينام بدل ما يعمل فيكي حاجة.. ده مش حاسس بنفسه." وافقتها فرح تتحرك معها بسرعة باتجاه الغرفة لكن ما أن دخلتها كريمة حتى جذبت يد فرح منها وتعالى معها صرختها المتألمة بعد أن جذبها مليجي من خصلات شعرها للخلف يلفها إليه بعنف ثم يهوي على وجنتها بلطمة قاسية صارخاً بشراسة: "رايحة فين يا بنت ال****.. دانا هعمل على أمك حفلة ضرب النهاردة.. وهو نفرح العريس بكام ضلع مكسور.."
لطمها لطمة أخرى أشد قسوة وعنف جعلتها تصرخ عالياً وقد أطاحت بها الضربة للجانب لتصطدم رأسها بحافة الطاولة بقوة سقطت بعدها أرضاً مغشياً عليها لتصرخ كريمة جزعة تهرع إلى فرح الملقاة أرضاً لا حول لها ولا قوة تلتقطها بذراعيها صارخة بهستيريا باسمها وحين لم تجد منها استجابة رفعت وجهها إلى مليجي تصرخ به بحرقة: "قتلتها يا ظالم... قتلتها يا مفترى.. روح ربنا ينتقم منك."
جفت الدماء من وجهه وقد اتسعت حدقتاه رعباً ترتعش أوصاله هو يرى وجه فرح وقد غطته الدماء وجسدها الهامد بين ذراعي زوجته ثم أخذ ينظر حوله بفزع واضطراب بحثاً عن مهرب قبل أن يهرول مسرعاً ويقوم بفتح الباب الخارجي مغادراً فوراً دون لحظة تردد واحدة لتشق صرخة كريمة الملتاعة عنان السماء مستنجدة. معقولة يابا هتوافقه على جنانه ده؟
رفع منصور الرفاعي رأسه ببطء يتطلع إلى ولده الأكبر حسن بصرامة وقد جلسوا جميعاً داخل المكتب الخاص به في الطابق الثاني في محل عملهم قائلاً: "جنان إيه اللي بتتكلم عنه يا حسن.. هو شرع ربنا يبقى جنان؟! نهض حسن على قدميه هاتفا بحدة قاسية: "آه.. لما يبقى من بنت اخت العايق يبقى جنان.. حد فيكم فكر مليجي هيذل فينا إزاي لما يعرف هو ولا بنت اخته إن صالح مش...
فزع الحاج منصور من مقعده هو الآخر صارخاً بغضب باسمه ليوقفه عن الباقي من حديثه يتوتر وجه حسن بعدها لكنه لم يستسلم يكمل بعدها وقد أخذ يتلعثم بكلماته قائلاً بارتباك: "يابا أنا خايف على صالح.. إذا كان بنت الحسب والنسب باعت واشترت فيه وفينا لما عرفت.. مابالك بقى بتربية مليجي العايق هتعمل فيه إيه لما تعرف."
كان صالح أثناء حديثهم يتكئ على مقعده يتطلع نحو أخيه وهو يدخن سيجارته ببطء يوحي مظهره الخارجي بالراحة وعدم مبالاته بما يدور من حديث لكن بداخله كان كالعاصفة الهوجاء وكلمات شقيقه القاسية تثير به الفوضى العارمة وهي تبعثر أشلاء قلبه ينتزع مع كل كلمة يتفوه بها قطعة منه يشعر كأنه بالجحيم وهو يقود معركة شرسة مع نفسه حتى لا ينهض من مقعده ويخرسه بأكثر طريقة قد تريحه في تلك اللحظة وهي بتسديد لكمة إلى فمه عنيفة بعنف غضبه ليصمته بها فوراً عن الحديث..
لكنه جلس كما هو يحدق به ببرود شديد أصاب حسن بالارتباك أكثر بعد أن التفت إليه يحدثه بصوت مستعطف مترجى: "اسمع كلامي يا صالح.. بلاش منه الموضوع ده.. وبعدين إنت مش قلت مش هتتجوزها إيه حصل بقى وغير رأيك؟! نظر صالح إلى طرف سيجارته المشتعلة يجيبه بهدوء وصوت غير مبالي: "ده حاجة متخصكش.. ليه وعلشان إيه دي بتاعتي أنا."
جف حلق حسن توتراً من لهجة أخيه التي يعلم جيداً أنه حين يستخدمها فقد وصل إلى حافة صبره لكنه لم يتراجع يزدرد لعابه بصعوبة وهو يسأله ببطء وفضول: "طب هتعرفها قبل كتب الكتاب ولا... عند هذا الحد ولم يعد بأمكانه الصبر أو السيطرة على غضبه بعد الآن يهب من مقعده مواجهاً لشقيقه بهدير قوي جعله يتراجع للخلف وهو يرتعش فزعاً قائلاً:
"حسن لحد هنا وخلص الكلام.. قلتلك دي حاجة ماتخصكش.. ثم اقترب منه وعينيه تثبته بنظراتها الحادة القاسية جعلت وجه حسن يتصبب عرقاً حين نكزه صالح في صدره بسبابته قائلاً بنبرة تحذيرية صارمة: "ويكون في علمك فرح لو عرفت من حد قبل ما تعرف مني أنا مش هعديها وأعرف إن دي بالذات هيكون لها حساب تاني خالص ممكن أنسى فيه إننا أخوات من الأساس."
شحب وجه حسن بشدة يزدرد لعابه مرة أخرى ولكنه هذه المرة وجده جاف كأنه يقف في صحراء قاحلة وعينيه تتطلع له بارتعب وهو يرى أخيه ولاول مرة في حياتهم معاً يتحدث إليه بكل هذا العنف والصرامة ليهمس بتوتر واضطراب: "بقى كده ياصالح من أولها كده.. طيب ياسيدي براحتك وكلامك وصلني كويس أوي يا عم.. ومبروك عليك جوازة الهنا." ثم التفت إلى والده قائلاً بحدة في محاولة لحفظ ماء وجهه أمامهما:
"بس لامؤاخدة بقى يابا.. أنا مش هحضر أي حاجة تخص الجوازة دي.. لا أنا ولا مراتي." ثم تحرك فوراً مغادراً دون أن ينتظر لحظة أخرى برغم نداء والده له والذى التفت إلى صالح بعدها قائلاً بأسف ورجاء: "حقك عليا أنا ياصالح.. متزعلش منه.. كل الحكاية إنه قلقان وخايف عليك." توت شفتي صالح بسخرية بتهكم قائلاً: "لاا كان واضح أوي خوفه في كلامه يابا.. بس للأسف قلقه وخوفه مش عليا وإنت عارف ده كويس."
نكس الحاج منصور رأسه أرضاً وقد أدرك ما يقصده صالح جيداً فلم يستطع الإنكار يشعر بالخزي من ضعف ولده البكر أمام زوجته وتسلطها وقد أصبح أمراً لا يخفى عن أحد متنهداً بعمق قبل أن يتحدث قائلاً في محاولة لتغيير مجرى الحديث والذي أصبح يصيبه بالهم والعجز: "أنا هطلع أشوف أمك حضرت اللي قولتلها عليه ولا لسه.. وبالمرة أكلم المأذون.. وإنت شوية وحصلني."
أومأ صالح رأسه له موافقاً ليقترب منه منصور مبتسماً بحنان يربت فوق وجنته بحب وعينيه تشع بالفرحة قائلاً: "مبروك ياصالح.. صدقني يابني أنا الدنيا مش سايعاني من الفرحة النهاردة." أحنى صالح رأسه يرفع كفه إلى شفتيه مقبلاً إياه بحب واجلال قائلاً: "ربنا يخليك ليا يا حاج.. وأنا كفاية عندي أشوف الفرحة دي في عنيك." قاطعهم صوت يحاكي الزغرودة ارتفع في المكان لكنها بصوت رجالي يعقبها صوت عادل الساخر قائلاً:
"ده يوم المنى يا عم صالح إننا نخلص منك ونفرح فيك.. ولا إيه يا عم الحاج! ضحك الحاج منصور وعينيه تلتمع بالسعادة قائلاً: "طبعاً ده يوم المنى عندي أفرح بيه.. وخصوصاً إنه هيتجوز بفرحة قلبه ولا إيه! غمز منصور لصالح بخبث ليهتف عادل بصدمة وذهول قائلاً: "حلاوتك.. وهو إنت عرفت أبوك إنك واقع لبوزك فيها من بدري ولا إيه! اتسعت عيني صالح له محذراً ليكمل عادل دون أن يبالي بنظراته قائلاً لمنصور يسأله بمرح وخبث:
"طب وقال لك بقى إنه من عبطه راح اتجوز غيرها علشان كان فاكر نفسه كبير عليها وإنها عيلة صغيرة مينفعش يفكر فيها.. بس أهي لفت لفت ووقع ليها برضه على بوزه." التفت منصور إلى صالح مذهولاً وقد رآه يحني رأسه خجلاً وتوتر كطفل صغير مذنب لتتسع ابتسامة منصور السعيدة قائلاً بحنان ورفق: "لا ما قالش الحتة دي.. بس أهو أديني عرفت منك وزي ما قولت عبيط بقى هنعمله إيه!
هلل عادل فرحاً يلكم الهواء بسعادة جعلت صالح يرفع له نظراته متوعداً ليحرك عادل حاجبيه له مغيظاً يهم بالحديث قبل أن تدوي صرخة سيد العامل ينادي من أسفل بلهفة وجزع: "يا حاج منصور.. يا سي صالح.. الحقوا بيقولوا مليجي العايق قتل فرح بنته اخته وهرب."
لا يعلم كيف قادته قدماه إلى منزلها وقد كان مغيب الفكر ومتجمد الشعور كأن روحه غادرت جسده منذ أن وصل إليه الخبر لا يستطيع التصديق مصدوماً بأن يقسو عليه قدره إلى تلك الدرجة ويختطفها منه بعد كل معاناته تلك فقد كانت ساعات وستصبح ملكاً لقلبه أخيراً وتنير حياته ببهجة وجودها بها.
تجتاح جسده البرودة فتجمد أطرافه يرتعد قلبه بين جنبات صدره وهو يصعد درجات الدرج سريعاً حتى توقفت خطواته أمام بابها وقد امتلئ المكان بجمع غفير من الناس أخذت يديه تفرقهم بعنف حتى يستطيع الوصول لها ليتخشب جسده فوراً حين وجده خالياً من وجودها فاخذت عينيه تدور في الأرجاء بلهفة ورعب بحثاً عنها يلتفت إلى إحدى النساء يسألها بارتجاف رغم خشونة صوته وحدته: "حصل إيه.. فين فرح؟! لوت السيدة شفتيها بشفقة تشير ناحية إحدى الغرف قائلة:
"هناك يا خويا مع الدكتور.. المخفي خالها ضربها في دماغها فتحها وهرب اللي يتشك في قلبه بدري." لم يقف ليستمع للباقي من حديثها يهرع ناحية الغرفة يفتح بابها فوراً دون استئذان تهفو روحه لمحة منها حتى يطمئن قلبه الملتاع عليها.
يرتجف بقوة حين وجدتها عينيه أخيراً يراها تستلقي فوق الفراش برأس مضمد ووجه شاحب وبجوارها زوجة خالها الباكية وعدد من نسوة الحارة المتابعات لحديث الطبيب باهتمام لكنه توقف عن الحديث لحظة دخوله يتطلعون إليه بذهول وفضول لكنه تجاهلهم جميعاً نظراته تتعلق بها وهو يناديها بصوت خرج منه أجش ملهوف لتتململ في رقدتها تحاول الجلوس باعتدال في الفراش باضطراب بينما أسرعت كريمة ناحيته هاتفة بلهفة وصوت باكي:
"شفت يا سي صالح المفتري عمل إيه... كان هيموت البت ويضيعها في شربة مية." ابتسم الطيب ببشاشة متجهاً إليه هو الآخر قائلاً بصوت مطمئن: "مش لدرجة دي يا ست أم أمير دي خبطة بسيطة وعدت على خير." مد الطبيب بيده إلى صالح هو يلقي بالسلام يسأله عن حاله لكن الأخير تشبث بها ضاغطاً فوقها بقوة كأنه ينشده الاطمئنان وهو يسأله بخوف: "يعني فرح كويسة.. مفيش فيها حاجة؟ هز الطبيب رأسه بالإيجاب يهتف بحزم وقد أدرك خوفه وتفهمه جيداً:
"طبعاً بخير وزي الفل.. دول يدوب غرزتين مش هياخدوا كام يوم ويتفكوا.." ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة بشوش يكمل يربت فوق كتف صالح الواقف وعينيه معلقة عليها لا ترى أحد غيرها هي فقط باهتمام ولهفة جعلت الهمهمات تتعالى بين النسوة المتابعات لما يحدث بحقد وغيرة: "أنا سمعت كمان إن كتب كتابكم كان النهاردة.. فمفيش داعي خالص إنكم تأجلوا لو تحبوا.. هما يومين راحة وهتبقى زي الفل." هتفت كريمة تأكد بحزم ولهفة:
"يومين.. تلاتة.. عشرة براحتها خالص.. دي أنا أخدمها بعنيا.. وإن كان على كتب الكتاب لما تقوم بالسلامة خالص." كانت هي جالسة مكانها كالمسحورة مشدوهة بنظراته لها لا تستطيع التركيز أو الاهتمام بشيء مما يحدث حتى لو كان الحديث عن حالتها الصحية كل حواسها معلقة عليه فقط لذا اتسعت عينيها ذهولاً وصدمة وصوته يهز جميع حواسها انتباها له حين قال بحزم وشدة وبصوت لا يقبل بالمجادلة أو النقاش:
"زي ما الدكتور قال مفيش حاجة هتتأجل.. وإن كان على يومين الراحة هيحصل... بس وفرح مراتي وفي بيتي."
بعد أن ألقى قنبلته المدوية تلك تم كل شيء في لمح البصر من استعدادات صارت على قدم وساق من تعليق الزينة لتشع بأنوارها المبهجة في أجواء الحارة حتى فستان الزفاف تم إحضاره مع مستلزماته بصحبة إحدى الفتيات للقيام بأي تعديلات قد يحتاج إليها أما عن زينة وجهها فقد قررت وضعها بنفسها بمساعدة من سماح بعد حضورها وتجاوزها صدمة ما حدث مؤيدة لقرار صالح هي الأخرى بحسم تسألها فرح بعدها في عزلة غرفتهم لما فعلت هذا لتجيبها سماح وهي تمسك بكفيها بشدة لتشعر بارتجافة جسدها من خلالهما وهي تتحدث
قائلة والخوف يعلو نبراتها: "كده أحسن.. خالك عمره ما هيرتاح إلا لو عمل مصيبة فشكل بيها الجوازة وطول ما إنت مش في بيت صالح وفي حمايته مش هيرتاح ولا هيريحنا وقليل لو ما عمل مصيبة تانية من مصايبه ويا عالم هتعدي ولا لأ." أغرورقت عينيها بالدموع يتجشرج صوتها تكمل: "والحمد لله إنها جت على قد كده.. والنهاردة جوازتك مش جنازتك."
احتضنتها سماح بعدها بقوة كانت أبلغ لها من أي حديث آخر بينهم تسرعان في إتمام كل شيء بعدها ليتم انتقالها من منزل خالها لمنزله بعد عقد القران فوراً تصاحبها إليه نسوة الحارة ومعهم والدته الحاجة انصاف..
والتي أخذت تصفق وتهلل بالغناء معهم تمسك بيدها برفق حتى الجمع المنتظر من رجال الحارة أمام باب منزله لكنها لم ترى أحداً منهم وقد خطف قلبها قبل عينيها شخصاً واحداً فقط يقف معهم بكل وسامته وهيبته مبتسماً لها وهو يمرر نظرات عينيه الولهة عليها مقترباً منها ببطء.. تعالى معه نبضات قلبها بصخب ويتورد خديها خجلاً حين انحنى عليها مقبلاً جبينها ببطء ونعومة تنحدر شفتيه برقة نحو أذنيها يهمس بصوت أجش وانفاسه تدفئ بشرة عنقها:
"مبروك.. يافرحة قلبي وكل مناه." ارتجفت تشعر بالضعف في قدميها حين شعرت بلهيب أنفاسه على بشرتها كالنيران تشعلها تتسابق أنفاسها وهي تجاهد حتى تتماسك بعد كلماته الهامسة تلك تراه يتراجع عنها ببطء تاركاً قلبها بحالة مبعثرة وانفاس مقطوعة لا تصدق أذنيها ما سمعته تنسبه فوراً وخوفاً على سلامة عقلها لاشتياق قلبها لكلمة منه فاختلقت لها أكاذيب مستحيلة.
لكن غاب عن عقلها فوراً أي تفكير شاهقة بذهول حين رفعها بين ذراعيه يحملها بينهم يتجه بها إلى داخل المنزل ثم يصعد الدرج بسرعة هامساً لها وابتسامة سعيدة تزين ثغره غامزاً بخبث: "فاكرة زي زمان.. ولو تحبي كمان أخليك ترني الجرس أنا معنديش مانع.. بس المرة دي جرس شقتنا أنا وإنتي مش جرس حد تاني إنتي ما بقتيش عيلة صغيرة.. إنتي بقيتي مراتي وعروستي."
اشتعل وجهها خجلاً تلف بذراعيها عنقه تختبئ بوجهها عن عينيه بنظراتها المشتعلة في حنايا عنقه.. لترتفع عالياً ضحكته الأجش الرائعة لكنها لم تغضبها هذه المرة.. بل تركتها مرتجفة سعيدة.. يهلل قلبها فرحاً بما تشعر به بين ذراعيه كأنها تحلق في سماء السعادة والفرحة تدعو الله أن تظل دائماً داخل غيمة سعادتها إلى الأبد ولا يعكر صفوها شيئاً أبداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!