الفصل 15 | من 34 فصل

رواية ظلمها عشقا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فرح صالح

المشاهدات
26
كلمة
4,199
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

مرت عليها لحظات بعد كلماته الحادة المقتضبة تلك مذهولة، عيناها تنسكب منها العبرات. وقد عاودتها هواجسها مرة أخرى، تهاجم بضراوة وشراسة هامسة لها كفحيح أفعى تنشر سمها ببطء داخل عقلها. جلست هى مستسلمة لها لتتلاعب بها للحظات قبل أن تصرخ بعنف رافضة لها هذه المرة.

وهى تنهض من مكانها تبحث عن ردائها للذهاب خلفه والبحث لديه عن أجوبة، فلن ترضى هذه المرة بالصمت والاحتراق ببطء بسبب ما قاله. لذا خرجت سريعا خلفه تبحث عنه في أرجاء المكان حتى دلها أخيراً الهواء البارد الآتي من خارج الشرفة المفتوحة. عنه وقد وقف بها يستند إلى سورها بكفيه وهو يرفع رأسه عاليا نحو السماء عاري الصدر وقد ألقى بقميصه البيتي خلفه على أرضية الغرفة.

لتتقدم هى بخطوات بطيئة هادئة نحوه تقف خلفه على باب الشرفة تتطلع إليه بصمت وهو واقف بتلك الطريقة كأنه في عالم آخر لا يتفاعل مع شيء ولا تهزه برودة الطقس المحيطة به. يقف بجسد ثابت لا يتأثر بشيء كما تهيئ لها.

لكنها كانت مخطئة، فقد شعر بها على الفور وجسده يتفاعل بشدة مع عطر جسدها والذي حملته إليه نسائم الليل الملطفة من حرارة جسده المشتعلة بعد شعوره بالحاجة لتلك البرودة لتخرجه من حالة التشتت والاهتزاز والتي أصابته كلماتها بها منذ قليل. لكنها لم تمهله الفرصة للتمالك أو الثبات تلحق به إلى هنا فتقف خلفه الآن لتواصل بعثرته كالشظايا بسؤالها الخافت له وصوتها مرتجف وهي تسأله برفق كأنها تخشى إجابته وما ستأتي لها من آلام بسببها:

"ليه يا صالح؟! "على الأقل من حقي أعرف ليه! زفر بقوة وهو مازال يتطلع للسماء كأنه يبحث عما يجيبها من خلالها قبل أن يتحرك ببطء إلى الداخل يقف في منتصف الغرفة يعطي لها ظهره. فتري في ضوء الغرفة الضعيف عضلاته المشدودة من شدة التوتر. يسود الصمت لبرهة طويلة انتظرت فيها إجابته بأعصاب على الحافة تهم بالصراخ عليه ليجيبها، حتى التفتت إليها أخيراً ببطء شديد وحاجبيها معقودين بشدة وشفتيها متصلبة.

فتتسارع أنفاسها وضربات قلبها تصم الآذان في انتظار إجابته. لكنه فاجأها حين سألها هو الآخر رداً على سؤالها بسؤال آخر قائلاً بهدوء شديد: "مهم عندك أوي موضوع الخلفه ده يا فرح؟ احتضنت جسدها بذراعيها بقوة وقد فاجأها بسؤاله تشعر به كفخ نصبه لها، لكنها أجابته بصدق وبصوت مرتجف: "كل بنت حلم حياتها يكون ليها أولاد وبنات من الراجل اللي اختارته يشاركها حياتها.. وأبقى كدابة لو قلت إني عكسهم أو مش عاوزة ده."

وقف مكانه يتطلع إليها بنظرات متألمة شعرت معها كأنها بإجابتها تلك عليه قد قامت بإهانته أو أوجعته. لكن سرعان ما اختفت تلك النظرة سريعا من عينيه يحل مكانها نظرة شديدة البرود وعلى وجهه يمر تعبير خاطف لم تستطيع التعرف عليه وقد مر كالطيف فوقه قبل أن تكسو ملامحها هي الأخرى البرودة. وهو يلتفت مرة أخرى إلى الناحية الأخرى قائلاً بقسوة:

"طيب ولو الراجل اللي اختارتيه زي ما بتقولي رافض الفكرة دي من الأساس ومش عاوز حتى الكلام فيها.. ردك هيكون إيه؟! وقفت تتطلع إليه ذهولا تقتلها كلماته وتحرقها ببطء وهي تراه يكررها عليها مرة أخرى. ولكن هذه المرة لم تجد له ما يبررها سوى أنه بالفعل لا يريد ما يربطه بها ولا مجال هذه المرة بتكذيب هواجسها.

وهي ترى منه كل هذا التعنت والقسوة تقف تتطلع إلى ظهره وهي تلهث لطلب الهواء وقد خنقتها عبراتها تهتف به غير عابئة بشيء بعد الآن. فهي تحارب كل يوم في معركة خاسرة منذ زواجها منه. تريد أن تألمه كما ألمها بوقوفه الغير مبالي وهو يلقي عليها سهام كلماته لترشقها دون رحمة أو شفقة بها. قائلة بصوت قاس وبارد تقصد بكل حرف تنطقه أن توجعه وتألمه كما يفعل معها:

"تبقى أناني يا صالح.. لو فعلاً عاوز مني أرفض وأنسى غريزة ربنا خلقها في قلب كل ست وإني أبقى أم في يوم وأضحي بيها عشانك إنت لمجرد بس إنك عاوز كده.. تبقى أناني وقاسي يا صالح.. سامعني..! صرخت بكلمتها الأخيرة تنهي بها حديثها، ثم أسرعت تتحرك مغادرة تمر من جواره وهي تدفعه بكتفها بغضب وعنف تاركة المكان له وقد انتهت معه. ولا مجال لحديث آخر بينهم.

يسود الصمت المكان بعد مغادرتها لدقائق ظل هو خلالها واقفا مكانه كتمثال صنع من حجر لا توجد على ملامحه أو عينيه أي مشاعر أو تعبيرات. وقد ارتفعت مرارة كالعلقم في داخل حلقه وشعور بالهزيمة والانكسار يسيطر عليه.

فبعد أن كان في انتظار إجابتها كالظمآن في صحراء قاحلة وهو يقسم بداخله لو جاءت إجابته كما هو يتمنى؛ سوف يخر فوراً على ركبتيه أسفل قدميها معترفا لها بكل شيء طالبا منها الغفران على كل ما فعل واخفائه عنها الحقيقة. مبررا لها فعلته أنه عاشق لها منذ سنوات طوال ويخشى يوما خسارتها بعد أن أصبحت بين يديه. لذا لجأ لخداعه هذا حتى يحظى بها في حياته وبين أحضانه المشتاقة لها.

ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. فقد جاءت إجابته كما توقعها تماما يكررها عليه الزمن لمرتين كأنه لم يكتف من أوجاع المرة السابقة. ارتفعت أطراف شفتيه بابتسامة مريرة مرتجفة وهو يحاول السيطرة على تلك الدموع التي أغشت عينيه. لكن أبى عليه كبرياؤه كرجل ذرفها، فهو لم يكن أبدا بالضعيف، ولن يسمح في يوم أن يكون مهما كانت درجة عشقه لها.

لذا يوم وراء يوم مر عليهم وكل منهم التزم الصمت ومعاملته لآخر باحترام بارد لا يخلو من الفتور. فبعد حديثهم المشؤوم هذا عاد إلى عمله مباشرة والتزم النوم بعيداً عنها في غرفة أخرى. وأصبح في حديثه معها مهذب إلى أقصى درجة كأنها شخص غريب عنه تماما.

لتشعر هي مع معاملته تلك كأنها هي من قامت بإهانته وإيلامه وليس هو. تزداد المرارة بداخلها لحظة بعد أخرى وبعد أن أصبحت لا تراه تقريبا في يومها. فهو ينهض قبل استيقاظها ويحضر بعد نومها أو كما يظن هو بنومها.

كقاعدة التزم بها طيلة هذان اليومين وهي أيضاً لم تحاول كسر هذه القاعدة تتظاهر بلا مبالاتها لما يحدث برغم شوقها وتلهفها إليه تشعر بغضبها منه تخف حدته رويدا. حتى كاد يصبح كالهباء إلا من جزوة ضعيفة ما زال يتمسك بها كبرياؤها.

تمر بها اللحظات شاردة يرتسم داخل عيونها الحزن كما الآن وهي تجلس بجوار شقيقتها والتي أخذت تحدثها بحماس لكنها كانت غافلة عنها تماما فعقلها وأفكارها كانت هناك لدى سارق قلبها وخفقاته. تتسائل عما يفعله الآن وما يفكر به. حتى صرخت بها سماح بأستهجان مصطنع وبصوت جعلها تهب في جلستها فزعا حين قالت: "بت يا فرح انتي معايا ولا أنا بكلم نفسي.. وربنا أقوم وأمشي وأسيبك.. بلا نيلة عليكي."

التفتت إليها وعلى وجهها أمارات الحيرة والارتباك والتي تدل على أنها لم تكن منتبهة بالفعل لما كانت تقوله لها شقيقتها لتهتف بها سماح مازحة وقد اختفى غضبها فوراً تصفو ملامحها: "لأ دانتي مش معايا خالص.. كل ده عشان سي صالح سابك ونزل الشغل." ثم أخذت ترفرف برموشها بطريقة حالمة ساخرة مع جملتها الأخيرة فجعلت ابتسامة ضعيفة ترتسم على شفتيها. لتكمل سماح متنهدة: "يااا على حب اللي مولع في الدرة... يلا معلش شدة وتزول ياختي."

لم تبادلها فرح مزاحها كعادتها بل ظلت كما هي هادئة ساهمة النظرات لتعتدل سماح في جلستها تتطلع لها بقلق قائلة: "بت مالك؟ من ساعة ما كلمتك وقلتيلى تعالي وأنتي قاعدة مسهمة كده في إيه؟

التفتت إليها فرح ببطء تتطلع إليها تتوق نفسها حتى تقوم بأخبارها بما حدث بينهم ليلة أمس لعل لديها ما تستطيع به تهدئتها به كعادتها معها. ولكنها لم تجد بداخلها الشجاعة لإخبارها أو حتى بالتحدث بهدوء. فهي لا تثق في نفسها أنها تستطيع الكلام دون الانفجار بالبكاء شفقة على نفسها كما أنها لا تريد كلمات أو نظرات مشفقة من أحد حتى ولو من شقيقتها. لذا أسرعت برسم ابتسامة ضعيفة قائلة بصوت متحشرج باهت:

"مفيش حاجة أنا كويسة.. بس الظاهر داخلة على دور برد مخلي دماغي مش مظبوط.. كملي انتي بس كنت بتقولي إيه؟ تطلعت إليها سماح بقلق يظهر عدم تصديقها لها في نظراتها لكنها مرت الأمر لاتريد الضغط عليها للحديث تكمل بصوت عادي: "مفيش من ساعتها زي ما قوتلك وأنا عيني وسط راسي خايفة البت دي تعمل فيا مقلب تاني.. خصوصا إني شفت وشها عمل إزاي لما دخلت لقيتني لسه موجودة في المكتب." عقدت فرح حاجبيها بحيرة تسألها: "بت مين؟

إنت تقصدي مين مش فاهمة؟ تقصدي ياسمين؟! هتفت سماح بها بغيظ: "أومال أنا بقولك إيه من الصبح.. البت ياسمين كانت هتوديني في داهية لما سرقت.." قاطعتها فرح بصدمة وذهول صارخة: "نهار أسود هي ياسمين سرقت؟ سرقت إيه؟ لأأأأأ أنتِ تحكيلي من الأول خالص.." زفرت سماح بحنق تقص عليها مرة أخرى كل ما حدث منذ بداية دخول ياسمين المكتب عليهم فجأة أثناء مزاحهم إلى ما حدث في اليوم التالي واختفاء التوكيل من داخل ملف القضية.

لتقاطعها فرح تنهض واقفة هاتفة تفرغ كل ما بداخلها من غضب ووجهها محتقن بشدة: "الحيوانة.. هي اتجننت ولا إيه فاكرة نفسها مين.. والله لأكون مطينة عشتها الـ... نهضت سماح تضع كفها فوق فمها توقف سيل الشتائم المنهمر منها وهي تهتف برعب: "يخربيتك اهدى.. انتي اتجننتي ولا إيه.. اعقلي كده أنا بقولك شاكة فيها بس.." أبعدت فرح فمها من خلف كفها وعينيها تطلق الشرار صارخة: "يعني إيه هنسكت ومش هنتكلم وهنسيبها تعدي بعملتها..!

هزت سماح رأسها لها مؤكدة قائلة بحزم: "آه هنسكت يا فرح.. ولا عاوزة أهل جوزك يقولوا إننا بنخرب على بنتهم واحنا حتى مفيش بإيدينا دليل.. اهدى كده وخلينا نتعامل بالعقل." أخذت فرح تتطلع لها باستنكار ورفض، لكنها وجدت من سماح نظرات ثابتة حازمة عليها جعلتها تحول التنفس بعمق وتهدئة غضبها المستعير بداخلها. تجلس مرة أخرى. لكن سماح لم تتبعها بل سحبت حقيبتها قائلة بهدوء:

"أنا همشي دلوقتي وهجيلك تاني بعدين.. وإنتي حاولي تهدى كده وبلاش الجنونة بتاعتك دي وفكري كويس في اللي قولته ليكي.." أشارت لها بسبابتها محذرة إياها بحزم تكمل: "وأوعي أوعي يا فرح جوزك ياخد خبر بكلامنا ده.. متخلنيش أندم إني حكيت ليكي حاجة." همهمت فرح بحزن قائلة دون وعي: "جوزي! مش لما نتكلم من الأساس أبقى أحكيله." اتسعت عيني سماح ذاهلة تهتف بحنق: "تاني يا فرح تاني!

.. دانتي لسه مكملة أسبوع جواز وخاصمتي فيهم الراجل أكتر ما كلمتيه." انفجرت فرح في البكاء بصوت تقطع له قلب سماح وعلمت أن الأمر لم يكن هيناً أو بسيط مثل ما تخيلت. لتجلس مرة أخرى تحتضنها بحنان بين ذراعيها تربت فوق خصلات شعرها بحنو تتركها تفرغ ما بداخلها بالبكاء. حتى هدئت شهقاتها أخيراً لتسألها سماح بحنان ومراعاة: "حصل إيه تاني بينك وبينه..؟ احكيلي يلا." نكست فرح رأسها قائلة بحزن وطفولية:

"هحكيلك علشان بعد ما أخلص تغلطيني زي كل مرة." ابتسمت سماح وهي ترفع وجهها إليها قائلة بشاشة ورفق تحاول تطمئنتها: "لأ متخفيش مش هعمل كده.. وبعدين يعني هو هيبقى عندي أغلى منك يا عبيطة." كأنها كانت تنتظر كلماتها المطمئنة تلك تسرع بالقاء رأسها فوق كتف سماح تزيح عن ثقل يجثم فوق صدرها تتسابق عبراتها فوق وجنتيها وهي تقوم بقص عليها ما حدث بنبرات حزينة منكسرة لم تقاطعها خلالها سماح ولو لمرة.

حتى انتهت أخيراً ليسود صمت حاد بعدها جعل فرح ترفع رأسها ببطء تسألها بعينيها في انتظار رأيها ولكن حين اخفضت سماح رأسها هرباً من نظراتها أسرعت تهتف بها بصوت خائب الأمل تعاتبها: "شفتي كنت عارفة... اتفضلي قولي اللي عاوزة تقوليه وغلطيني يلا... وأنا هسمع ومش هتكلم."

تنحنحت سماح تتطلع إليها وهي تضغط على شفتيها تشعر بالذنب لأخذها جانب صالح في كل خلاف بينهم تحاول التحدث بشيء من العقلانية، برغم أنها تعلم أن معها كل الحق في غضبها وردة فعلها هذه المرة قائلة بهدوء: "لأ يا قلب أختك.. المرة دي إنتي عندك حق.. أي واحدة مكانك هتعمل كده وأكتر.. بس كل حاجة بالعقل يا فرح تتحل." ارتعشت شفتي فرح تسألها بصوت باكي: "أي عقل يا سماح؟! ده بيقولي مش عاوز خلفة عارفة يعني إيه ده ومعنى كلامه إيه؟!

أسرعت سماح تهز رأسها بالنفي وقد علمت ما تريد أن تصل إليه بسؤالها هذا تهتف بها بحزم: "لأ مش عارفة ومش عاوزة أعرف... وبطلي بقى كل حاجة تحشري جوازته الأولانية فيها.. إنسيها يا فرح واديه فرصة ينسأها هو كمان." عقدت فرح حاجبيها معا بشدة تسألها بحيرة: "يعني إيه مش فاهمة؟ أجابتها سماح وهي تقترب من وجهها قائلة بجدية: "يعني كل اللي بتحكيه ده بيقول إن صالح مش زي ما انتي فاكرة.." كادت تكمل قبل أن تقاطعها فرح هتفت بها بحزم

وقد أدركت ما تنوي قوله: "وانسي موضوع الخلفه ده خالص.. هو كان جاب سيرته إلا لما فتحتيه إنتي فيه؟ هزت لها فرح رأسها بالنفي لتغمز لها بخبث سماح قائلة: "طيب يا عبيطة يعني لو هو مش عاوز فعلا خلفة زي ما بيقول.. كان قال من قبل كده وخلاكي تاخدي احتياطك... وإنتي طبعاً فاهمة أنا أقصد إيه." توردت وجنتا فرح خجلا لتبتسم سماح بحنان تربت فوقها قائلة:

"اعقلي كده وبلاش القطر اللي ماشية بتدوسي بيه ده.. واتكلمي معاه بالعقل.. وبعدين مين عارف مش يمكن كل خناقكم ده ينزل على مفيش وأبقى خالة عن قريب." وضعت كفها أثناء تحدثها فوق بطن فرح مبتسمة لتبادلها فرح الابتسام وعيونهما تلتمع بالفرحة قبل أن تحتضنها سماح بقوة قبل أن تنهض بعدها قائلة: "أروح أنا بقى عشان اتأخرت على المكتب وهبقى أجيلك تاني.. بس المرة الجاية عاوزة أسمع أخبار حلوة كده.. وإنك عقلتي.. اتفقنا!

أومأت لها فرح لترفع سماح عينيها إلى أعلى بنظرة متسألة تضع سبابتها فوق ذقنها هامسة: "والله أنا بدأت أشك إني أنا اللي فقرا عليكم.. ومش باجي هنا إلا لما تبقوا متخانقين.. زي اللي قلبي كان حاسس." نظرت لفرح المبتسمة تكمل وهي تتنهد بطريقة مسرحية: "يلا قلب الأم بقى.. وأنا طول عمري قلبي بيحس بيكي يا قلب أمك." ثم أخذت تتراقص بحاجبيها لها ممازحة لتنفجر فرح بالضحك لتكمل سماح وهي تتجه للباب كأنها أدت ما عليها قائلا بحزم مرح:

"كده تمام أوي.. أروح أنا بقى.. وأشوفك الخناقة الجاية.. بس ياريت ميكونش قريب." وقفت بعد ذهاب شقيقتها تفكر بعمق وعقلانية في حديثهم السابق وهي تجلس فوق الأريكة تجري حديث جدي مع النفس استمر لوقت طويل وهي تحاول إخماد كبريائها حتى تستطيع البدء من جديد معه لينتهي الأمر أخيراً مثل كل مرة بانتصار قلبها وقد رقت له كالبلهاء مرة أخرى.

ظلت جالسة شاردة تماما في أفكارها حتى دلف إلى داخل الشقة بهدوء يلقي بمفاتيحه في مكانها المعتاد وهو يلقي عليها بتحية مقتضبة سريعة ثم يكمل طريقه ناحية غرفة النوم متجاهلا لها بعد ذلك لتكز فوق أسنانها تهمس بغيظ وحنق تحدث نفسها قائلة: "شوفتي بيعاملني إزاي.. طب وربنا مانا.... لكنها أسرعت بقطع كلماتها تضغط فوق شفتيها تغمض عينيها بقوة تهتف وهي تتنفس بعمق:

"اهدئي يا فرح.. اهدئي وهدي القطر.. إنتي بتحبيه يبقى استحمليه وخليكي إنتي العاقلة في الجوازة دي." ثم فتحت عينيها وقد امتلأت نظراتها بالتصميم والعزم تهتف: "ما هو إنت هتحبني يعني هتحبني يا ابن انصاف أما أشوف أنا ولا إنت بقى." نهضت من مكانها تسير بخطوات سريعة لغرفة النوم ثم تقف على بابها ترمقه بنظراتها تراقبه للحظات قبل أن تهمس له برقة قائلة: "تحب أجهزلك العشا يا صالح؟ توقفت أنامله فوق أزرار قميصه يلتفت إليها بجانب

وجهه قائلا ببرود مقتضب: "لأ مش عاوز.. أكلت خلاص في المغلق." زفرت بحنق وهي تضغط على شفتيها غيظاً من رده البارد غير المبالي، لكنها أجبرت نفسها على عدم الاستسلام تتحرك نحوه بخطوات رشيقة خفيفة. حتى وقفت خلفه تماما تباغته بحركة جريئة منها. قد أرادت بها كسر الجليد بينهم وهي تحتضنه من الخلف تضع كفيها فوق صدره العاري بعد أن قام بفتح أزرار قميصه لخلعه.

تبتسم بانتصار خفي حين شعرت بتشدد عضلاته وارتجافة بشرته تحت لمسات أناملها الرقيقة، وهي تمررها فوقها ببطء. زافراً بحدة تتصاعد أنفاسه عاليا حين وضعت رأسها على ظهره تهمس تعاتبه بنعومة: "كده يا صالح وأنا اللي مستنية من الصبح عشان ناكل سوا..! لم يجيبها.. لكن أجابتها عنه ضربات قلبه المتعالية وهي تقصف تحت أذنيها استجابة لها. فيتراقص قلبها طربا وتشجعها للقيام بخطواتها التالية.

لتدور من حوله حتى وقفت أمامه تجده يتطلع إليها. وقد برقت عيونه مشتعلة بالشوق لكن جسده كان متجمدا يطبق بشفتيه بشدة كأنه يحاول المقاومة. لكن أتت ارتجافة ضعيفة منه رغما عنه حين شبت فوق أصابع قدميها حتى تطاله تهمس أمامه شفتيه: "أهون عليك تسيبني آكل لوحدي.. ها يا صالح!

استمر على صمته لكن أتت هزة ضعيفة منه بالإيجاب جعلتها تضم شفتيها بلوم عيونها تنظر إليه معاتبة. قبل أن تحتضن شفتيه بشفتيها بقـ.بلة صغيرة كانت لتأثيرها كالسحر عليه تذيبه ببطء حرارة أنفاسها فوقه. فأخذ يحاول مقاومة دفء بشرتها المتسرب إليه والمتحد مع عطرها المثير لحواسه حتى يقوموا بإضعافه أكثر أمامها ليحاول فك تعويذة سحرها من حوله بعد ابتعاد شفتيها البطيء عنه محاولاً التحدث ولكن أتت كلماته مبعثرة غير مترابطة قائلا بأرتجاف:

"إنت.. وأنا.. كنا.." دفنت فرح وجهها في دفء عنقه هامسة برجاء تقاطعه تحتضنه بقوة: "أيوه يا صالح أنا وإنت.. ومش مهم أي حاجة تانية غيرنا." كسر السحر من حوله يعقد حاجبيه بحيرة نتيجة لحديثها الحماسي عنهم قبل أن تلتمع عينيه بالمعرفة يبتسم ببطء يضمها إليه وهو يسألها بخفوت: "فرح.. هي سماح أختك جت هنا النهاردة؟ تجمد جسدها من سؤاله غير المتوقع ترفع رأسها إليه بعيون مذهولة لتتسع ابتسامته قائلا بخبث:

"أصل بدأت ألاحظ تأثيرها عليكي في كل زيارة ليها بعد كل خناقة لينا." اشتعل وجهها بأحمرار الخجل تتراجع للخلف مبتعدة عنه تشعر بنفسها كأنها كتاب مفتوح له قائلة بتلعثم وبصوت حرج: "آه كانت هنا.. بس أنا.. أنا.. أنا هروح أجهز العشا." شهقت بصدمة حين جذبها بعنف ليرجعها لاحضانه يلف خصرها مقربا إياها منه ثم ينحني بوجهه عليها. عينيه المتلهفة تأسر عينيها هامسا بحيرة وتردد:

"أنا مقصدش أضايقك.. أنا كل اللي عاوز أعرفه إيه اللي في دماغك.. اللي شايفه منك ده معناه إيه؟ شعرت فرح بحاجتها هي الأخرى للإيضاح ووضع النقاط فوق الحروف مثله تماما. لكنها خافت أن تعيدهم مناقشتهم مرة أخرى إلى نقطة الصفر وتتفتح معها جروح استطاعت بصعوبة غلقها. لترفع أناملها تتلمس وجنته هامسة بضعف وانفاسها تمتزج بأنفاسه:

"بلاش يا صالح عشان خاطري بلاش.. خلي الأيام بينا تجاوبك على سؤالك.. أنا مش قادرة نفضل كده بعاد عن بعضنا إنت في دنيا وأنا في دنيا تانية." ثم لم تهمل الفرصة للتفكير تميل عليه تدك حصونه بقـ.بلات متفرقة منها فوق وجهه. لم يجد هو معها سوى رفع راية التسليم لها. وقد ارتفعت مع كل قبلة منها حدة أنفاسه حتى صارت كاللهث.

قبل أن ينقض على شفتيها ينهل من رحيقهم ينسى العالم وكل ما يحيط بهم. يسلم لقلبه الدفة للقيادة. فقد أدرك أنه لا قدر له على تحمل فراقها عنه للحظة أخرى وليحدث ما يحدث بعد ذلك. فيكفيه هذه اللحظات معها راضيا بها هي فقط وتاركاً الأيام بينهم تأتي بما تريد وفلا مجال له للتفكير في شيء آخر سواها الآن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...