جلست معه صامتة بعد أن أخرجت زفرة حنق تضغط فوق شفتيها بملل، وهي تجد كل تركيزه منصبًا على شاشة التلفاز، وعيناه تتابعان مجريات مباراة كرة القدم بشغف واهتمام أثار غيرتها. بعد عدة محاولات منها لمشاركته شغفه وحماسه هذا بعدد من الأسئلة، أجابها عليها بصبر. حتى سألته وهي ترى عصبيته وهتافه الغاضب على اللاعبين: "صالح.. هو ليه أنت عاوزهم يشوطوا على الراجل الغلبان ده بس؟
طيب ما فيه راجل تاني واقف الناحية الثانية أهو محدش بيشوط عليه..! تجمد جسده وعيناه تكاد تخرج من محجريهما وهو يلتفت إليها ببطء ذاهلاً. لتسرع قائلة في محاولة لجذب اهتمامه، تسأله وهي ترسم ابتسامة بلهاء على شفتيها أجادت صنعها: "أنا بقول يعني بدل ما كله واقف هناك والناحية الثانية فاضية خالص.." ضغط بأسنانه فوق شفتيه رافعًا حاجبيه وهو يحاول البحث عن كلمات يجيبها بها. لكنها لم تستسلم، بل أسرعت قائلة بخبث وكلمات ذات مغزى:
"بس تصدق إنهم رجالة تافهة عاملين عقلهم بعقل حتة كورة ورايحين جايين يجروا وراها زي العبط." شهقت بفزع مصطنع تتراجع إلى الخلف حين وجدته على حين غرة يتحرك من مكانه، قافزًا تقريبًا فوقها حتى جعلها تستلقي بظهرها فوق الأريكة، يسألها بهدوء ينذر بالخطر: "تقصدي مين بالعبط بالضبط..؟ أشارت بأصبعها ناحية شاشة التلفاز وعيناها معلقة به، تنظر إليه هامسة ببراءة مصطنعة مؤكدة:
"والله أقصد العيال دي يا سي صالح.. هو في حد زيك ولا في عقلك." تطلع إليها للحظات يتأملها محاولًا اكتشاف صدق أم هزل كلماتها. قابلتها هي بابتسامة واسعة وهي ترف بجفونها له بطريقة جعلته يقاوم الابتسام بصعوبة، وهو يتراجع عنها ببطء لمعاودة متابعة المباراة مرة أخرى. لكن وصل إليه همسها المتعجب بتذمر قائلة: "بس ما تعرفش عند ماتشات الكورة.. بيسيبك ويروح فين؟!
هنا وصرخت تنهض من مكانها تحاول الفرار منه حين وجدته يزمجر ضاغطًا فوق أسنانه وهو يحاول الانقضاض عليها. تنجح في ذلك فعلاً، تتوارى خلف إحدى المقاعد مبتسمة بإغاظة له وعيناها تلتمع بالانتصار، وقد أفلحت في خطتها لجذب انتباهه، وهي تراه ينهض واقفًا يتجه ناحيتها وقد غاب عن تفكيره كل شيء سوى معاقبتها، وهو يشير إليها بسبّابته للقدوم له قائلاً: "تعالى هنا يا فرح، متخلينيش أجري وراكي في الشقة والناس اللي تحتنا تسمع." هزت كتفيها
له برفض قائلة بعبث وتدلل: "لأ أنا بقى عاوزاك تجري ورايا، ولا هي البتاعة اللي بتتفرج عليها دي أحسن مني." حاول صالح مقاومة نوبة الضحك المتصاعدة بداخله قبل أن يجلس مرة أخرى مكانه يرسم الألم، قائلاً بصوت مسكين ضعيف أثار قلقها رغم الشك بداخلها بأنه يقوم بالتلاعب بها: "كان نفسي والله.. بس أديَك شايفة رجلي وجعاني ومش قادر منها."
أعقب حديثه يدلك قدمه ووجهه يتجعد ألمًا وهو يتأوه بصورة جعلت فرح تتخلى عن حذرها، تعقد حاجبيها قلقًا وقد انطلت عليها حيلته، تخرج من وراء المقعد مقتربة منه وهي تسأله بقلق وخوف: "إيه حصل؟ مانت كنت كويس، اتخبطت فيها ولا إيه..؟ أنا هروح أجيب لك المسكن بسرعة وأجي."
هرعت باتجاه الغرفة، لكنها وعند مرورها من جواره جذب معصمها يسقطها عليه، يجلسها فوق ركبتيه وهو يحوطها بذراعيه بقوة، غير مبالٍ بمحاولتها الفكاك منه، يفح بغيظ متوعدًا لها: "بقى أنا يتقال لي عقلك بيروح منك.. أنا بقى هعرفك عقلي لما بيروح بعمل إيه بجد! سكنت بين ذراعيه ترفع أناملها لوجنته تتلمسها برقة قائلة وهي تهز كتفها له بتدلل: "طب أعملك إيه، مانت قاعد جنبي والبتاعة دي واخداك مني، يرضيك كده؟!
وجد نفسه يقترب منها كأنها مغناطيس يجذبه لها، يقبلها بنعومة فوق وجنتها هامسًا باعتذار رقيق: "لأ، في دي عندك حق، مينفعش أي حاجة تاخدني منك أبداً.. عشان كده... مد يده بجهاز التحكم يغلق التلفاز تمامًا، ثم يلتفت إليها غامزًا بعينه لها يسألها: "مفيش كورة خلاص.. ها هنعمل إيه بقى دلوقتي؟ دفعته في صدره تنهض سريعًا عن ساقه ضاحكة وهي تهتف بمرح طفولي: "تقوم بقى زي الشاطر وتجري ورايا أنا.. مانـا مش هتنازل عن كده النهاردة."
صالح بذهول وغضب مصطنع: "بقى كده، والله عال أوي.. بتضحكي عليا يابت انتي..؟ تخصرت واضعة يدها في خصرها تسأله: "هي مين اللي بت يا سي صالح.. ولا أنت عاوز تقلبها خناقة عشان تهرب..! نهض صالح ببطء وجسده متحفز يضيق عينيه عليها، مما جعلها تشعر بالقلق بأنها تجاوزت حدودها معه، لكنها تنفست براحة وهي تراه يقترب منها قائلاً بنبرة مهددة بخبث مرح: "دلوقتي نشوف مين اللي هيهرب من التاني.. بس عارفة لو إيدي مسكتك...
قطع كلماته ينقض عليها فجأة، مما جعلها تصرخ وهي تسرع هاربة منه تجري في أرجاء الشقة وهو خلفها. تتعالى أصوات صراخهم وأقدامهم المسرعة للحظات طوال، قبل أن تقف فجأة تحاول التقاط الأنفاس وهي ترفع يدها بعلامة الاستسلام قائلة بصوت لاهث: "خلاص.. أنا مستسلمة ومش لاعبة تاني."
صالح وهو يقترب منها بكامل لياقته وعيناه تلتمع بالنصر، قبل أن ينحني عليها يحملها فوق كتفه، غير مبالٍ بمقاومتها وصرخاتها الرافضة وهي تطوح قدميها في الهواء وقد تدلت رأسها على ظهره، ليهتف بها صالح بحزم وهو يثبتها: "لأ مفيناش من كده.. أنا اللي كسبت، من حقي بقى آخد الجايزة بتاعتي." رفعت رأسها تسأله بمرح: "وايه هي بقى جايزتك دي إن شاء الله؟
لم يجيبها، بل أسرع يحملها وبخطوات سريعة اتجه ناحية غرفة النوم، يفتحها ويدلف بها إلى الداخل، يلقي بها سريعًا فوق الفراش، ثم يتبعها هو الآخر وقد أحاطها بذراعيه هامسًا ببطء ونظراته تلتمع بالشوق والشغف قائلاً: "انتي يا فرحة قلبي.. وهو في أغلى ولا أحلى منك جايزة يا حتة الشوكولاتة بتاعتي."
غمرتها السعادة ويستجيب قلبها لِـلَفظ التحبيب منه بأقصى درجات الفرح والإثارة، لتنقض عليه دون أن تهمله الفرصة لالتقاط الأنفاس، تقبله بكل ما بقلبها من حب وعشق له، لا تترك له فرصة سوى الاستجابة لفورة مشاعرها، وقلبه خلف صدره يتراقص هو الآخر شوقًا ولهفة لها.. يخفق بجنون، عشقه ولهه بها دون نساء العالم. ********************** أخذت تبحث هنا وهناك بأيدٍ مرتعشة وصوت شهقات بكائها المكتوم يقطع الصمت السائد بين الحين والآخر، حتى
دوى صوته الغاضب يناديها: "لقيتيه يا سماح ولا لسه؟ ارتعبت ملامحها وهي تضرب فوق وجنتها خوفًا، قبل أن تتحرك لمكتبه بخطوات مهزوزة تقف على بابه تهز رأسها بالنفي هامسة: "لأ يا أستاذ عادل، مش موجود.. مع إن والله كنت حطاه جوا ملف القضية." نهض عادل عن مكتبه يصرخ بها بحدة وغضب: "يعني إيه.. إزاي ورقة زي دي تختفي من المكتب وإنتي موجودة.. دي مصالح ومصاير ناس مش بنلعب هنا يا آنسة! أسرعت تحاول الدفاع عن نفسها قائلة برجاء وصوت باكي:
"والله يا أستاذ عادل مش عارفة ده حصل إزاي.. أنا كنت... قاطعها صارخًا وقد احتقن وجهه من شدة الغضب: "كنتي إيه بس.. ده توكيل للقضية بتاعت بكرة.. إزاي يضيع منك؟! انكمشت على نفسها خوفًا، فلأول مرة تقف في هذا الموقف لا تجد ما تقوله دفاعًا عن نفسها ولا عن إهمالها وخطأها الفادح هذا. تقف أمامه تبكي بصوت خافت، ليزفر عادل بقوة يجلس مكانه مرة أخرى قائلاً بضيق وهو يشير لها:
"اتفضلي يا سماح، روحي مكتبك.. ويا ريت تدوري تاني، يمكن جه في ملف قضية تانية بالغلط." هزت له رأسها بالإيجاب، قبل أن تنطلق إلى مكتبها تجلس عليه بإعياء ووجهها شديد الشحوب، تضغط بيديها فوق جبينها بقوة تحاول التذكر أين يمكن أن تكون قد اختفت تلك الورقة. تمرر شريط يوم أمس أمامها تحاول وضع يدها على النقطة المفقودة، حتى اتسعت عينيها بشدة، ترفع رأسها ببطء وقد وجدتها وعلمت أين اختفت تلك الورقة.. وأيضًا من المسؤول عن هذا.
همت بفتح حقيبتها لإخراج هاتفها، لكنها تراجعت تنهض سريعًا حين خرج عادل من مكتبه يقف أمامها، وعيناه بنظراتها الأسفة تمر فوق ملامحها بأنفها الأحمر وعينيها المنتفخة، يجلي صوته قبل أن يتحدث إليها بصوت عملي هادئ: "خلاص متزعليش.. حتى لو مش هتلاقيه، ليها حل، متقلقيش.. بس بلاش عياط تاني."
انفجرت في البكاء مرة أخرى وقد هزتها محاولته طمأنتها رغم خطأها الفادح غير المغتفر. غير واعية لجسد عادل المتوتر وبشدة لمرأى دموعها تلك وضعفها الشديد هذا أمامه. ليلعن نفسه لكون السبب في حالتها تلك، فهو يراها من أنقى الشخصيات التي تعرف عليها، ولم يكن من المفترض منه معاملتها بتلك الطريقة القاسية، لذا وجد نفسه يقترب منها يخرج من جيبه منديلًا ورقيًا يمد إليها وهو يهمس بأسف واعتذار:
"حقك عليا، أنا آسف إني اتعصبت عليكي.. بس الورقة دي مهمة وأنا... صمت لا يجد ما يكمل به حديثه خوفًا أن يزيد من الطين بلة، لكنها أسرعت تهمس بصوت متحشرج باكي: "لأ حضرتك عندك حق في كل اللي عملته.. الظاهر إني اللي منفعتش في الشغل هنا.. عشان كده لو ممكن تسمحي لي إني أمشي من بكرة وحضرتك تشوف حد غيري يكون قد مسؤلية المكتب والورق اللي فيه." لا يعلم لما وجد فكرة تركها العمل معه فكرة غير مقبولة له على الإطلاق، يزفر بقوة هاتقًا
بها بصوت حازم: "كلام إيه الفارغ ده.. لأ طبعًا مفيش حد تاني هيجي مكانك.. ولسه زعلانة من اللي حصل، عشان اتنرفزت عليكي يبقى أنا آسف ليكي ياستي مرة تانية وشوفي إيه يرضيكي وأنا هعمله." توترت تنظر إليه ذاهلة تهز رأسها تهم بنفي ما قاله، لكنه قاطعها يشير لها بسبّابته بحزم قائلاً: "بس لو فعلًا مش زعلانة يبقى تقعدي وتشوفي شغلك ومش عاوز كلام تاني عن إنك تسيبي الشغل."
هزت رأسها له بالموافقة ليبتسم لها عادل برقة لبرهة خاطفة، قبل أن يعود لجديته قائلاً: "طيب هاتلي الملف بعد ما تطبعيلي الورق اللي فيه واعملي لي فنجان قهوة وتعالي." تحرك للمكتب سريعًا بعدها، لكنه توقف عندما همست منادية له، ليلتفت إليها ببطء يغشى بصره كأنه نور ساطع سلط عليه، حين رأى بسمتها الرقيقة تشع كضوء القمر على وجهها تنيره وهي تهمس بنعومة: "شكرًا ليك.. بجد أنت أكتر حد محترم وطيب أنا شوفته وعرفته في حياتي كلها."
احمر وجهه خجلًا تفاعلًا مع كلماتها له، وقد ظهر في عينيها صدقها في مدحه، يهز رأسه لها على عجلة، قبل أن يدلف إلى مكتبه سريعًا وقد تحفز كل عصب به، تتعالى خفقات قلبه زهوًا وتأثرًا من كلماتها رغماً عنه. ******************* "بقولك إيه يا أنور يا ظاظا، بطل لف ودوران وقول أنت عاوز إيه وجاي ليه بالظبط؟! تراجع أنور في مقعده يبتسم بسماجة: "ما قولتلك يا معلم شاكر.. اللي أنت عاوزه هو نفس اللي أنا عاوزه وإن مصالحنا واحدة."
توتر شاكر في جلسته يتنفس من أرجيلته بقوة وأنور يكمل بخبث: "لأ.. وعاوزك تطمن، سرك في بير عمره ما هيخرج برانا، إحنا الاتنين.. أقصد إحنا التلاتة.. مش الحلوة أختك في الليلة برضه؟! رمى شاكر مبسم أرجيلته فوق مكتبه يهتف بغضب: "ملكش دعوة بأختي يا أنور وخلي كلامك ليا أنا.. أنت عاوز إيه؟ هتف أنور بلهفة وعيناه تلتمع بقوة: "عاوز أعرف كل حاجة.. عاوز أعرف ليه لما الست أختك هي اللي طلبت الطلاق بتلفوا عشان ترجعوها تاني لـصالح؟!
تطلع إليه شاكر بتوتر يظهر التردد فوق محياه، قبل أن يتنهد باستسلام حين رأى الثبات والتصميم فوق وجه أنور. يعلم أن لا مفر أمامه بعد أن علم هذا الحقير بما فعله وأنه المتسبب في حادث صالح.. ولشراء سكوته يجب أن يستسلم له ويخبره بكل ما يريد معرفته، قائلاً بعد تفكير: "أنا وصالح لينا مصالح وشغل مع بعض.. وبعد طلاقه من أماني كل حاجة وقفت ورافض أي شغل أو تعامل معايا." أنور وقد أدرك هوية الأمر يسأله ببطء خبيث:
"مصالح مع بعض ولا مصالح ليك لوحدك يا معلم شاكر..! هتف به شاكر بغضب وحنق: "أيوه ياسيدي مصالح ليا لوحدي.. كنت هاخد منه كام ألف كده أمشي بيهم حالي، بس جت عاملة أماني السودا ووقفت كل حاجة." أسرع يهتف بأنور بحدة محذرًا له حين رأى بسمته الشرهة ونظرة عينيه الملتمعة كأن وقع على كنز: "لأااا دماغك متروحش لبعيد لكسرها لك.. أختي أشرف من الشرف.. كل الحكاية إن.... أنور بتململ كمن يجلس على جمر هاتقًا به متلهفًا بعد أن
رأى تردد شاكر في الإكمال: "هااا يا معلم.. صدقني سركم في بير وزي ما قولتلك مصالحنا واحدة." زفر شاكر وهو يمسك بمبسم أرجيلته يضعها في فمه هاتفا بعدها بسرعة وحدة: "أماني أطلقت من صالح عشان.. عشان مش بيخلف.. وادامه سنة بس للعلاج بعد كده هيبقى استحالة يحصل.. عشان كده اتجوز البت دي بعد طلاقه من أختي بسرعة زي ما شوفت..!
جلس أنور بعد كلماته تلك كمن ضربته صاعقة، فقد تصور جميع الأسباب التي من الممكن أن تكون سببًا لهذا الطلاق إلا هذا السبب.. يتراجع في مقعده عاقدًا حاجبيه متسائلًا بحيرة. هل كانت تعلم أميرة أحلامه بهذه الأخبار عند موافقتها على تلك الزيجة؟ هل قام سارقها منه بإخبارها بأسباب سرعته في إتمام زيجتهم؟
هز رأسه بقوة ينفي هذه الفكرة بقوة، فمن هو مثل صالح وبقوة شخصيته وعزتها والتي يعلمها الجميع، تجعل من الصعب عليه الاعتراف بنقطة ضعف به، وخاصة لزوجته والتي تراه كالفارس مغوار لا تشوبه شائبة، ومهمته الآن في الحياة هو أنور المنبوذ منها والمتيم عشقًا بها، محو هذه الصورة بكل قسوة، وطريقة ممكنة. *********************
جلست تفرك في جلستها تتطلع إلى السقف بحدة، كلما تصاعدت منه أصوات مكتومة لأقدام تهرول بسرعة للحظات، كادت تموت فيها مختنقة بغيرتها وغيظها أكثر من مرة. تجاهلها حسن خلالها يتابع المباراة. حتى صمتت الأصوات فجأة لتتسع عينيها بإدراك، تنهض من مقعدها صارخة بغيظ: "لأ كده كتير.. البت خلاص لحست دماغ أخوك وبقى زي العيل الصغير معاها." حسن وعيناه ما زالت على التلفاز قائلاً بصوت غير مبالٍ وهو يزيد يزيد من لهيب غيرتها:
"عروسته وفرحان بيها.. خلينا في حالنا إحنا." جلست بجواره تدفع في كتفه بيدها قائلة بحنق: "في حالنا أكتر من كده؟ مانت قاعد أهو عينيك هتطلع على التلفزيون، عاوز إيه تاني! لم يجيبها، وقد علم أن إطالته معها في الحديث لن تجعلها تمرر الأمر أو تنهيه، وهو يريد متابعة المباراة. أفلا يشغل عقله الآن سوى فريقه فقط، لذا تجاهلها وهي يراها تجلس مكانها تتطلع إلى السقف بعيون وآذان منتبهة، يمر بهم الوقت على هذا الحال.
حتى عاودت الجلوس متحفزة مرة أخرى عند عودة حركة الأقدام مرة أخرى فوقهم، لتعتدل سائلة حسن بفضول: "ياترى بيعملوا إيه دلوقتي.. معقولة بيجري وراها تاني؟ ضحك حسن هاتقًا بمرح قائلاً: "لو صالح أخويا اللي أعرفه.. يبقى لاء، مش ده اللي بيعمله." التفتت إليه سمر تسأله بلهفة: "اومال هيكون بيعمل إيه يا بو العريف؟! التفت إليها حسن هو الآخر يهز حاجبيه بخبث مرح قائلاً ببطء كأنه يتعمد استفزازها: "بيرقصوا.....
أسرع يؤكد لها حين وجدها تتطلع نحوه بعدم تصديق ورفض: "آه بيرقصوا.. صدقيني أنا عارف بقولك إيه."
اتسعت عينيها بصدمة تتطلع إليه لعلها ترى مزاحه على فيما قال، لكنها وجدته يعاود الاهتمام بمباراته مرة أخرى كأنه لم يقل شيئًا. لتفز تنهض سريعًا من مقعدها تجري باتجاه غرفة النوم والتي لها نافذة داخلية مثلها مثل باقي شقق المنزل، ترهف السمع خارجها لبرهة، حتى تجمدت مكانها تشتعل نيران الحقد والغيرة بها مرة أخرى حتى كادت تتفحم من الداخل، حين صدق حدس حسن وقد وصل لها صوت الأغاني الآتية من فوقها.
حيث كان صالح في هذا الوقت يقف خلف فرح يضع يديه حول خصرها، يتمايل معها ببطء، بينما صدحت كلمات الأغنية، والتي اختارها لها بعناية بعد محاولاته المستميتة لإقناعها أخيرًا لتنفيذ طلبه بالرقص له. فأخذت تتمايل بجسدها بنعومة تميل عليه بحركات راقصة خجلة، وهو يهمس لها مرددًا كلمات الأغنية بشغف لاهب في أذنيها، حتى وصلت إلى هذا المقطع، يرفعها بين ذراعيه يتمايل بها راقصًا، فيتعالى صخب ضحكاتها السعيدة، وهو يردد وعيناه تلتمع شغفًا بها قائلاً:
"أحلى من الحلوين مفيش منك اتنين.. خلي قلبك يلين وهنبقى عال العال.. من الدنيا أنا هاخدك.. آه من جمال خدك.. هو انت مين قدك يا ماركة في الجمال.... وقبل انتهاء الأغنية، وكانوا قد انتهوا هم أيضًا فوق الفراش مرة أخرى، تتعالى أنفاسهم بصخب بعد اشتعال جو الغرفة بينهم، يمر بهم الوقت داخل جنتهم الخاصة، قبل أن يعودا منها مرهقين مخطوفي الأنفاس. وفرح تضع رأسها فوق صدره ولبرهة، قبل أن ترفع عينيها إليه وهي تمرر
كفها فوق شفتيه برقة قائلة: "صالح... عارف أنا نفسي في إيه؟ عقد حاجبيه يسألها بنظراته عن طلبها، يقسم بداخله أن يلبيه لها في الحال، لكنه تجمد، تسري البرودة في أوردته، تجمد الدماء بها، وهي تكمل بحب ووجه يشع بالأمل والسعادة: "إن ربنا يرزقني بابن يكون زيك كده.. حلم حياتي في صالح صغير شبهك في كل حاجة.. لو بنت برضو عاوزاها شبهك أنت.. أنت وبس."
حين أخبرته بأمنيتها تلك كانت تتوقع أي رد فعل إلا ما حدث منه، حين شعرت بجسده يتجمد أسفل لمساتها وعيناه تقسو بنظراتها فوقها، وهو يقبض فوق ذراعها يبعدها عنه بحدة. ثم ينهض عن الفراش يرتدي ملابسه بعجلة تحت أنظارها المصدومة من ردة فعله تلك. لكن لم ينته الأمر عند هذا الحد ولم يكن هذا كل ما لديه من ردود الأفعال، وهو يلتفت إليها قائلاً بصوت حاد بارد برودة الجليد وكلمات كانت كحد السكين في قلبها:
"انسى موضوع الخلفة ده خالص.. ومش عاوز أي كلام منك فيه مرة تانية... واضح كلامي..؟! ثم تركها مغادرًا الغرفة فورًا، يغلق بابها خلفه بعنف ارتج له أركان الشقة، بينما هي جلست هي مكانها لا تفعل شيئًا سوى التحديق بالباب المغلق خلفه بعيون لا ترى شيئًا وجسد بارد شاحب شحوب الموتى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!