الفصل 24 | من 34 فصل

رواية ظلمها عشقا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم فرح صالح

المشاهدات
23
كلمة
2,806
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

وقف بجمود يراها أمامه بوجهها الشاحب وعيونها زائعة النظرات، وهي تمررها عليه باشتياق. يبدو عليها الاضطراب وهي تهمس له بصوت ضعيف متوتر: "ازيك يا صالح.. وحشتني... قاطعها قبل أن تكمل كلمتها تلك، يسألها بحدة وخشونة: "جاية هنا ليه يا أماني وعاوزة إيه؟ ازدادت اضطرابًا، ترتسم الصدمة فوق ملامحها كما لو كانت لم تتوقع منه تلك المعاملة لها، لكنها أسرعت بالتماسك قائلة بنبرة متوسلة باكية:

"عاوزة أتكلم معاك.. أنا عارفة إني غلطت في حقك كتير.. بس صدقني ما فيش قدامي غيرك أنت عشان يلحقني." زفر صالح بقوة، يظهر على وجهه أنه بين صراع بأن يقوم برفض طلبها وطردها من أمامه، أو الاستسلام لطبيعته والقيام بمساعدتها. بينما وقفت هي مكانها تراقب هذا الصراع باطمئنان وثقة، تعلم جيدًا من المنتصر في النهاية. وقد كان حين رأته يشير لها ناحية الداخل لاستقبالها، لتبتسم خفية بانتصار وتدخل إلى الشقة تنظر في أنحائها باشتياق.

حتى وصلت إلى غرفة الاستقبال، لتقف في منتصفها وهي تتطلع في كل ركن بها قائلة: "وحشتني الشقة ووحشني كل حاجة فيها... ثم التفتت إليه تكمل قائلة بلهجة ذات مغزى ونظرات خبيثة: "بس واضح إنك لسه محتفظ بكل حاجة زي ما هي.. مش غريبة دي! أدرك صالح ما ترمي إليه بكلماتها، ليجيبها ببرود وجفاف شديد: "أظن إنك مش جاية الساعة دي عشان تتأملي في جمال الشقة والعفش.. فيا ريت تدخلي في الموضوع على طول عشان مستعجل وورايا شغل."

جفلت أماني بشدة، يزداد شحوب وجهها من طريقته وأسلوبه الجاف هذا معها. نعم، هي لم تكن تتوقع منه أن يقابلها بالورود والترحيب بعد كل ما حدث بينهم، لكنها أيضًا لم يكن في حسبانها تلك الطريقة منه. لتزدرد لعابها بصعوبة قائلة بتلعثم شديد: "أنا كنت جاية عشان.. أعرفك إن أخويا شاكر.. جايب ليا عريس.. مصمم إني أوافق عليه وعاوز... قاطعها مرة أخرى عاقدًا ذراعيه فوق صدره يسألها بتلك النبرة الجليدية:

"وأنا إيه دخلني ويخصني في إيه أعرف ولا معرفش؟ أماني بلهفة مستنكرة وهي تقترب منه بخطواتها: "إزاي يا صالح أنت مش جوزي.. يعني لازم أعرفك! أخفى صالح ذهوله من حديثها، وقد وضح أمامه الآن سبب مجيئها إليه، ليجيبها بغضب مكبوت وصوت خرج عنيف شرس رغم ما تكبده للسيطرة على انفعالاته: "واديني عرفت ووصلت لي المعلومة.. المطلوب مني إيه بقى!

اتسعت عيناه بذهول وهو يحاول التراجع للخلف بعيدًا عنها، بعد أن فجأة ودون مقدمات ألقت بنفسها بين ذراعيه بقوة جعلته رغما عنه يتمسك بها خشية السقوط هو وهي أرضًا، وقد أخذت تبكي وتنوح وهي تلقي برأسها فوق كتفه قائلة: "رجعني ليك يا صالح.. رجعني وأنا هعيش خدامة تحت رجليك.. رجعني وأنا مش عاوزة حاجة منك تاني لا عيال ولا مال ولا الدنيا كلها.. أنت بس كفاية عندي.. بس رجعني ليك."

في أثناء ذلك، كانت فرح قد وصلت لمكان وقوفهم، ترى بعيون مصدومة هذا المشهد أمامها، تشعر بقبضة تعتصر قلبها بقسوة، كادت أن تزهق روحها. تحاول التراجع للخلف والهروب من المكان بعد أن صدر عنها شهقة مخنوقة. انتبه لها صالح، فيلتفت نحوها يتطلع إليها، ولاول مرة ترى الخوف والاضطراب في عينيه، قبل أن يدفع عنها أماني بقسوة كادت أن تلقيها أرضًا وهي تتعثر للخلف.

لكنه لم يبالِ بها، بل تقدم بخطواته نحو فرح وعيناه مثبتة على عينيها الملتمعة بدموع كانت تكبتها بصعوبة، يناشدها بنظراته الراجية أن تثق به وتنتظر منه التوضيح. لكنها تراجعت للخلف بخطواتها مبتعدة عنه وهي تهز رأسها له بعدم تصديق وصدمة، جعلته يتوقف مكانه متجمدًا وعلى وجهه خيبة أمل، وقد تهدل كتفاه بهزيمة.

لتتوقف خطواتها رغما عنها، وقد تأثرت ومست قلبها وقفته تلك ورؤيتها له في تلك الحالة، لتثبت في مكانها بعد أن كانت في طريقها للفرار من المكان كله. تدفع عن وجهها ملامح الصدمة والرفض، وتحل بدلاً منهما الثقة والثبات، برغم ما تشعر به بعد رؤيتها ما حدث منذ قليل، لكنها اختارت الإيمان والثقة به. يشجعها قلبها على قرارها هذا وهي تتقدم مرة أخرى نحوهم بطريقة جعلت ابتسامة إعجاب وسعادة ترتفع لشفتيه وهو يتابع تقدمها منهم قائلة:

"مش تقول يا حبيبي إن عندنا ضيوف.. عشان كنت أخرج أستقبلهم معاك." مد يده نحوها يستدعيها لجواره، لتدس يدها بها مرحبة به، وهو يقوم بجذبها نحوه يضمها إلى جانبه، ثم يحيط كتفيها بذراعه مقبلًا جبينها ببطء وتبجيل، تحت مراقبة عيون أماني المشتعلة بالحقد والغيرة، وقد احتقن وجهها بالدماء حتى أصبح على وشك الانفجار. بعد أن تحدث برقة قائلاً: "مش مستاهلة يا حبيبتي.. أماني كانت ماشية تاني على طول."

ثم التفت إلى أماني ببطء وعيناه تطلق سهام الغضب والتحذير، وهو يطالبها بهما بالانصراف. لكنها لم تبالِ، بل اندفعت نحوه صارخة بغيظ: "لا مش همشي يا صالح.. ولازم الهانم دي تعرف أنا إيه بالنسبة ليك وأنت اتجوزتها ليه وعلشان إيه!

شعرت فرح بجسده يتشدد بجوارها، وأظافره تحفر عميقًا في لحم ذراعها بقوة، وقد طغى على وجهه الغضب الشديد بطريقة أرعبتها وجعلتها ترتعش بخوف منه، تحمد الله أن غضبه هذا ليست هي مركزه، بل كانت أماني، والتي من الواضح رفضت أو قررت تجاهل استقبال تلك الإشارات منه، وما زالت تقف أمامه إلى الآن ولم تفر هربًا بعد. حل ذراعه عن فرح يتقدم منها ببطء وهو يفح من بين أنفاسه بشراسة:

"عاوزة تعرفي انتي بالنسبة ليا إيه يا أماني.. حاضر هقولك.. وكويس إن فرح موجودة عشان تسمع زي ما أنت عاوزه." انحنى نحوها على حين غفلة بسرعة جعلتها تصرخ عاليا تتراجع برأسها بعيدًا عنه بخوف وارتعاب، وقد تسارعت أنفاسه بخشونة من شدة كبحه لنفسه ولغضبه، حتى لا يطالها بيديه يهشمها بهما، قائلاً ببطء شديد وقسوة حتى تحفر كلماته عميقًا في عقلها وتبدد غيمة ثقتها المنفرة له في مكانتها عنده وفي حياته قائلاً:

"جوازي منك كان أبشع حاجة حصلت ليا في حياتي.. أنتِ الشخص الوحيد اللي بدعي إن لا أشوفه لا في دنيا ولا آخرة من كتر كرهي ليكي.. ولو كان بأيدي أمسح السنتين اللي كنتي في حياتي فيهم وأدفع مقابل ده عمري كله هعملها يا أماني مش هتردد لحظة واحدة.. أنا بكره اليوم اللي ربطني بيكي.. وبشكر ربنا صبح وليل إنه خلصني منك ومن جوازتنا خالص.. كفاية كده ولا أوضح كمان!

كانت مع كل كلمة تخرج من بين شفتيه يزداد شحوبها وهي تتراجع للخلف تهز رأسها برفض وعدم تصديق، كأن عالمها ينهار من تحت قدميها تحت ثقل ما يتفوه به. لتشعر فرح رغما عنها بالشفقة نحوها، فقد كانت كلماته قاسية حادة كالسكين تدمي بلا رحمة أو شفقة. لكنه لم يتراجع، بل استمر بالتقدم منها رغم تراجعها عنه يكمل دون تردد أو شفقة وعيناه كلها تشفى كأنه كان في انتظار تلك اللحظة ليفرغ عن صدره كل ما جعلته يعانيه بسببها قائلاً:

"آه وبالنسبة لفرح.. فالشعرة منها بس برقبة مليون ست زيك ومن صنفك." حاولت تمالك نفسها تظهر طباعها الحقيقية، وهي تلوى شفتيها بابتسامة ضعيفة ساخرة تسأله بتهكم وإذلال، تحاول أن تدميه وتكسر عنفوانه أمام غريمتها بالضغط على نقطة ضعفه بعد أن انهيار أي فرصة لها معه: "ويا ترى بقى الست فرح عارفة إن ملكش في الخلفة وعمرها ما تشوف منك حتة عيل يقولها في يوم يا ماما ولا خايف وخبيت عليها مصيبتك ال...

أسرع يقاطعها بسخرية وتلتوي شفتيه هو الآخر بتهكم رغم ألمه الظاهر بعينيه من أثر كلماتها المسمومة: "أيوه عارفة يا أماني هانم وراضية تعيش مع راجل معيب زايي.. مش دي كانت برضو كلمتك ليا دايما في أي مشكلة تحصل بينا.. يبقى يا ريت توفري أخبارك لنفسك، وتعرفي بقى إن الفرق بينها وبين واحدة زيك زي الفرق اللي بين السما والأرض بالظبط."

انهارت قدماها تجلس فوق الأريكة وقد انتهت قدرتها على الوقوف بثبات أمامه، تنهار في البكاء بشهقات عالية هستيرية بعد أن خسرت آخر ورقة كانت تعلق عليها الكثير وتنتهي معها كل آمالها. وقد أخذت بلطم وجنتيها تنعى حياتها معه بطريقة كادت أن تدميها.

لكنه لم تهتز له شعرة شفقة أو رأفة بها، بل وقف بجمود يتابع انهيارها هذا بلا اهتمام أو مبالاة، ثم يلتفت بحدة ناحية فرح وقد شعر بها تتحرك من مكانها دون تفكير لتقترب منها وعلى وجهها ترتسم الشفقة على حالها، ينهرها بعينيه من الإقدام على ذلك. لتتجمد مكانها خوفًا من حدة نظراته وغضبه في تلك اللحظة. تمر اللحظات بصمت وبطء، حتى تحدث أخيرًا بنبرة جافة وضيق يتطلع لساعته في معصمه قائلاً:

"لو الليلة دي هتطول يبقى يا ريت تكمليها في بيتكم، عشان أنا ورايا مصالح ومش فاضي لشغل الحريم ده." رفعت وجهها إليه وقد توقفت دموعها فجأة تنظر إليه للحظات مشحونة بالكثير، قبل أن يومئ له برأسها بانكسار وهي تنهض من مكانها وتتحرك بخطوات متعثرة تمر بسرعة من جواره برأس منحنى بخجل حتى وصلت إلى مكان فرح. لتتوقف خطواتها أمامها ترفع وجهها نحوها فترى الشفقة في عينيها لما حدث لها.

فلم تحتمل تقتلها تلك النظرات وتألمها أكثر من نظرات التشفى والانتصار المتوقعة منها في تلك اللحظة، لتف له بغل وصوت متحشرج من أثر بكائها: "مبروك عليكي يا بنت لبيبة.. والله عرفتي تلعبيها صح وطلعتي انتي الكسبانة." ثم انهارت بالبكاء مرة أخرى تفر هاربة من المكان نحو الباب الخارجي تفتحه بسرعة، ولكن وما إن فتحته حتى صرخت بألم، بعد أن امتدت يد من خارجه تقبض فوق خصلات شعرها بقسوة وغل، ومعها صوت شقيقها الصارخ بغضب وشراسة:

"يا بنت ال*** يا فاجرة.. جاية تتحايلى عليه يرجعك يا وا*طة يا رخيصة دانا هطلع عين أهلك النهاردة." أخذت تصرخ تستنجد بصالح أن ينقذها من بطش شقيقها، لكنه وقف مكانه دون أن يتحرك ولو لخطوة واحدة تحت أنظار فرح المصدومة والمرتعبة، وهي تسمع صوت شاكر الغاضب الحانق يصرخ بقوة: "والله لو مين ما حد هينجدك من إيدي النهاردة... ثم التفت إلى صالح يصرخ به محذرًا بعنف: "وأنت إياك تتحرك من مكانك ولا تدخل بيني وبين أختي أنا بقولك أهو."

ابتسم صالح بسخرية يهز كتفيه وهو يضع يديه في جيبه في إشارة لعدم اهتمامه بما يجري بينهم، جعلت شاكر يشتعل بالغضب والجنون أكثر وأكثر، وهو يجذب أماني من شعرها نحو الدرج صارخًا: "شايفة يا بنت ال*** شايفة بعينيكي أد إيه كارهك إنك ولا تهميه ولو حتى لو متي ادامه.. يلا انجري قدامي يا فضحاني وكاسرة عيني بعمايلك."

وبالفعل جذبها من ذراعها بقسوة للخارج، واختفوا من أمامهم وقد صمتت أماني عن الصراخ كأنها فقدت كل أمل لها. يسود الصمت والهدوء بعد كل هذه الأعاصير والمفاجآت، حتى قطعه صوت فرح وهي تهمهم بحيرة وصدمة وعينيها متسمرة على الباب المفتوح: "أنا مش فاهمة حاجة.. مش أنت بتحبها وكنت عاوزها ترجعلك طيب ليه... انتبه على صوتها الحائر ليخرجه من دوامة أفكاره، يسرع نحوها يجذبها نحوه بقوة هاتفا: "أرجع لمين ومين دي اللي بحبها... رفعت عيون

حائرة نحوه هامسة بارتجاف: "أماني.. سمر قالت لي إنك كنت هتتجنن وترجع لها وهي اللي كانت رافضة." دمدم من بين أنفاسه بكلمات حانقة سريعة علمت بأنها سباب موجه لسمر، قبل أن يتنفس بعمق قائلاً ببطء بعدها: "فرح أنا عمري ما حبيت ولا في واحدة دخلت قلبي من يوم ما عرفت يعني إيه حب.. غير واحدة بس سكنت قلبي واتربعت جواه لدرجة إنه خلاص مبقاش قلبي أنا وبقى ملك ليها وفي أيديها هي.. عارفة هي مين يا فرح!

هزت رأسها دون وعي بالنفي، وقد كانت كل حواسها متنبهة له، عينيها مسمرة فوق شفتيه كأن حياتها معلقة بما ستتفوه به، تتعالى خفقات قلبها بصخب حتى كادت أن تصم الآذان في انتظار الباقي من كلماته. ولكن وكعادة حظها معه، تعال في تلك اللحظة صوت شقيقه حسن يسأل بقلق وهو ينهج بقوة بأنفاس متسارعة كأنه صعد الدرج إليهم في خطوتين: "إيه يا صالح.. إيه صوت الصريخ ده.. وشاكر والمخفية أخته كانوا هنا بيعملوا إيه...

أغمض عينيه بقوة يدمدم مرة أخرى من بين أسنانه بحنق، قبل أن يلتفت إلى شقيقه هاتفا بحدة: "مفيش يا حسن.. متشغلش بالك أنت.. ده حكاية كده واتحلت خلاص." وقف حسن ينقل نظراته بين صالح وفرح بفضول، قبل أن يهز رأسه بتفهم وقد تصور له أن صالح لا يرغب في التحدث والتوضيح له أمام فرح قائلاً له: "طيب تمام.. بس معلش أنا كنت عاوزك في كلمتين على جنب كده."

زفر صالح بإحباط وقد علم أن أي فرصة للحديث بينهم انتهت، فما هي لحظات حتى يصعد إليه والديه أيضاً، لذا.. التفت إليها يعطي ظهره لأخيه هامساً لها برجاء: "أنا هنزل دلوقتي.. بس هما كام دقيقة وهطلع تاني... مش هتأخر عليكي.. اتفقنا! لم تجد أمامها سوى أن تهز رأسها له بالموافقة وعيونهما معلقة ببعضهما وبينهم ألف حديث وحديث، قبل أن يلتفت نحو أخيه مرة أخرى يشير إليه حتى يتقدمه للخارج.

تعلم جيدًا أنها ستقضي تلك الدقائق فوق الجمر، ينهكها التفكير والتوقع حتى حضوره إليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...