تململت في نومها على صوته الحنون يهمس برقة يناديها حتى تفيق. لتتمطى في الفراش كقطة صغيرة مدللة، تهمهم له بكلمات غير مفهومة. جعله يبتسم بحنان وينحني عليها مقبـ.ـلاً شفتيها، ويده تزيح خصلات شعرها المبعثرة حول وجهها. هامسا: "قومي يلا.. أنا حضرتلك الفطار.. افطري وأنا هنزل الشغل وهبقى أرجعلك على الغدا." رفعت ذراعيها تعقدهما خلف عنقه، وهي تفتح عينيها هامسة له برجاء: "علشان خاطري خليك معايا النهاردة وبلاش تنزل."
لثم شفتيها قبل أن يهز رأسه لها بالرفض قائلاً بصعوبة وصوت متحشرج: "مش هينفع.. انتي عارفة حسن اليومين دول دماغه مش فيه ومش هيقدر يمشي الشغل لوحده ولازم أبقى موجود معاه." أصابها الإحباط من إجابته، تضم شفتيها كطفلة صغيرة حزينة. لتعلو الابتسامة وجهه وقد أدرك محاولتها للتأثير عليه، قائلاً لها بحزم رقيق وابهامه يمر فوق شفتيها بلمسة ناعمة: "برضه مش هينفع.. ويلا قومي وبطلي دلع."
ابتعد عنها بعدها خارجاً من الغرفة في اتجاه الحمام. لتتابعه بنظرات محبطة حزينة، قبل أن تلمع بالخبث والشقاوة. تنهض عن الفراش سريعاً ترتدي ملابسها، ثم تجري للخارج. لتمر عدة لحظات وقفت خلالها داخل المطبخ تعطى ظهرها للباب، ولكن بحواس منتبهة حذرة. حتى ارتفعت بسمتها ببطء حين دلف إلى المطبخ يسألها بحيرة: "فرح ما شوفتيش مفاتيحي.. قلبت عليها الشقة ومش لاقيها؟ عدت من واحد إلى ثلاثة ببطء، قبل أن تلتفت
إليه بوجه بريء حائر قائلة: "لا يا قلب فرح.. بس هتروح فين يعني هتلاقيها وقعت هنا ولا هنا." قاوم الابتسام بفرحة لـلفظ التحبيب والذي خرج منها بعفوية خطفت قلبه. يهز رأسه لها بالإيجاب، قبل أن يختفي مرة أخرى. لتتراقص بخطوات سعيدة منتصرة وهي تدور حول نفسها، غافلة عن عودته واقترابه البطىء منها حتى أصبح خلفها تماماً. يلف ذراعه حول خصرها قائلاً بخشونة وصوت أجش
وهو يمد يده الأخرى لها: "اطلعي بالمفاتيح يا فرح وبلاش شغل العيال بتاعك ده." تجمد جسدها بعد صدمة منها، تزدرد لعابها بصعوبة بعد أن كشف أمرها قائلة بتلعثم وإنكار: "مخدتش حاجة.. وعلى فكرة المفا... قطعت كلماتها وهو يلفها بين ذراعيه ببطء. انحنت رأسها بخجل حين رأته ينظر لها وعلى وجهه ابتسامة معرفة، وهو ما زال يمد يده نحوها كأنه لم يصدق حرفاً من إنكارها.
لتزفر بحنق وإحباط، تقلب عينيها بإستسلام وهي تمد يدها إلى مقدمة قميصها تخرج له المفاتيح. لتصدح ضحكته العالية تهز أرجاء المكان وتخطف معها دقات قلبها وهي تراه يهز رأسه وهو ينظر بعدم تصديق للمفاتيح بيده، هاتفا: "يخرب بيت عمايلك وجنانك.. أنا عارف إن آخرتها هتجننيني معاكي." اللمعت عينيها، وعلى حين غفلة منه أسرعت بخطف ميدالية المفاتيح من يده تجري
بها ناحية الباب قائلة: "حيث كده ومدام جنان بجنان.. لو عرفت تمسكني يبقى حلال عليك المفاتيح وتخرج زي ما أنت عايز." وقف مكانه مذهولاً للحظة، قبل أن تسرع قدميه خلفها يجرى ورائها في أنحاء المكان، تتعالى صرخاتهم الممازحة. حتى استطاع أخيراً وبصعوبة الإمساك بها. يرفعها فوق كتفه يتجه بها ناحية غرفة النوم. وقد تدلت رأسها وخصلات شعرها تنسدل على ظهره،
لتسأله بتدلل وغنج: "إيه يا صالح باشا مش عاوز المفاتيح علشان تلحق مصالحك وشغلك ولا إيه! لم يجيبها حتى دخل بها الغرفة يلقيها فوق الفراش، ثم يشرع في فك أزرار قميصه وعينيه مثبتة عليها قائلاً بابتسامة متلاعبة: "لا مش عاوزها.. الشغل اللي هنا أهم كتير." تراقص قلبها بفرحة وعينيها تتشرب ملامحه بنظرات هائمة، وهي تراه يقترب منها ثم يستلقي بجانبها يجذبها إليه بنعومة.
ثم يدفن وجهه في حنايا عنقها يقـ.ـبل بشرتها ببطء أصابها بالارتجاف. ينتابها شوق عارم لسماع تلك الكلمات منه مرة أخرى الآن، فلا تستطيع المقاومة. تهمس له تناديه بتعثر، ليهمهم لها بذهن غائب وحواس هائمة بها يجيبها. فتسأله بصعوبة وتلعثم: "امبارح واحنا.. انت يعني.. قولت ليا.. بعد يعني... رفع وجهه ببطء نحوها وقد أدرك عن أي شيء تريد أن تسأل. يرى مدى حاجتها لتلك الكلمات وهو يرى عدم يقينها وقلقها في عينيها.
ليبتسم برقة يمرر ظهر أنامله على بشرة وجهها، يهم بإجابتها ويعيدها عليها مرة بعد مرة دون كلل أو ملل منه. ولكن ولحظها السيئ، دوى صوت جرس الباب عالياً كسرينة إنذار، بعد وضع من بالخارج إصبعه على الجرس دون رفعه للحظة. لينهض صالح بسرعة بعيداً عنها، يختطف قميصه قائلاً باستياء: "تلاقيه سيد وطالع يستعجلني علشان المفاتيح.. هروح أطرقه وأرجعلك هو." أومأت له بصعوبة، ليسرع بالخروج فوراً من الغرفة.
فتهتف بعدها بحسرة وغيظ: "شوفتوا الحظ.. يعني مكنش عارف يتأخر ثواني.. ده كان هينطقها خلاص." زفرت بإحباط، تمر عليها لحظة بعد أخرى حتى نفذ صبرها بعد أن طال تأخره عليها. تنهض وترتدي إحدى العباءات فوق قميصها. وتضع حجابها بعشوائية تغطي به شعرها، ثم تخرج من الغرفة. تتجاهل ما تخبرها به أفكارها بأنه ربما قد خرج وتركها دون حتى وداع منه. حتى وصلت بها أقدامها إلى غرفة الاستقبال.
لتتجمد أطرافها بعد أن انسحبت الدماء من داخل عروقها، تفغر فاهها بصدمة وهي تراه كما توقعت أن تجده. ولكنه لم يكن لوحده، بل وقف في منتصف الغرفة وقد تعلق بعنقه آخر شخص كانت تتوقع رؤيته هنا وفي تلك اللحظة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!