الفصل 17 | من 34 فصل

رواية ظلمها عشقا الفصل السابع عشر 17 - بقلم فرح صالح

المشاهدات
33
كلمة
4,365
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

بجسد متوتر وعيون قلقة جلس يحدق إلى أنامل الطبيب وهي تقلب في تلك الأوراق أمامه. يتصبب جبينه عرق الخوف كلما أطال الطبيب النظر في إحدى الورقات أمامه. وهو عاقد لحاجبيه وعلى وجهه هذا التعبير العابس، والذي جعله يشعر كمن يجلس على جمر في انتظار قراره بشأنه. يحاول حث نفسه على الصبر وعدم القلق، لكنه فشل ولم يحتمل الصبر طويلاً. يسأله بصوت متحشرج ملهوف: خير يا دكتور؟ التحاليل عاملة إيه؟ طمني!

لم يرفع الطبيب عينيه إليه، بل استمر في قراءة آخر ورقة بتمهل جعله يود الصراخ عليه، لعله يحصل منه على إجابة تهدئ من ذعره. وقد أصبح كقبضة خانقة تمنع عن التنفس. تسارعت وتيرة تنفسه، تتقاذف دقات قلبه كالمطارق حين رفع الطبيب وجهه أخيراً إليه، يتحدث بصوته الهادئ العملي، والذي لم يفعل سوى أن زاد من وتيرة قلقه حين قال:

شوف يا أستاذ صالح.. مش هخبّي عليك، بس التحاليل اللي قدامي دي بتقول إننا رجعنا في طريقنا من أول تاني. بمعنى إن توقفك عن العلاج الفترة اللي فاتت دي كلها خلت تأثير فترة العلاج اللي سبقتها كأن لم تكن. سقطت كلماته كالقنابل تدوي فوق رأس صالح. كانت كل كلمة كفيلة أن تهدمه وتحوله لركام، وقد شحب وجهه بشدة كما لو سحبت منه الحياة، ينظر إلى الطبيب بنظرات زائغة. ليسارع الطبيب ويكمل فوراً بتأكيد:

بس أنا مش عايزك تقلق.. إحنا هنبتدي العلاج من الأول وإن شاء الله الأمل موجود.. وال... قاطعه صالح بخفوت صوت غير واضح، مرتعش: قد إيه... يسرع الطبيب يجيبه بحزم: سنة متواصلة زي المطلوب منك في الأول وبعد كده... قاطعه مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصوت حاد نافذ الصبر: قد إيه الأمل يا دكتور؟! نفس النسبة في الأول ولا...

لم يستطع إتمام جملته، ينظر إلى الطبيب في انتظار إجابته كغريق ينتظر طوق نجاة يُلقى إليه وسط بحر هائج الأمواج. لكنه حصل على إجابته حين أخفض الطبيب عينيه عنه، يتظاهر بالنظر إلى الأوراق أمامه، يتحاشى النظر إليه. قائلاً بتردد ونبرة مشفقة ظهرت رغماً عنه: علشان أكون صريح معاك يا أستاذ صالح، النسبة نزلت للنص، وكل تأخير منك بيقلل من النسبة دي.

رفع الطبيب عينيه فوراً إليه بوجه حازم جاد، وقد عاد إلى مهنيته، ينهي توتر اللحظة قائلاً بلهجة عملية حازمة: علشان كده لازم نبتدي فور العلاج من غير تأخير، وهنبتدي بأننا هنزود جرعة......

جلس مكانه، لكن لم تعد تصله كلمات الطبيب. فقد سقط في عالم قاتم وأفكار مظلمة، ويتطلع نحوه، يتابعه بنظرات متحجرة، وقد اكتسى وجهه بالجمود. يحاول التماسك والتظاهر بالثبات، برغم تلك القبضة القاسية والتي أخذت تعتصر قلبه. يعد الدقائق حتى يستطيع الخروج من هناك، حتى يستسلم لتلك الرغبة في أن يخر على ركبتيه أرضاً والصراخ بقوة حتى يتخلص من تلك الآلام والتي أخذت تجتاحه بضراوة ووحشية حتى كادت أن تقضي عليه. ***

بعد تأخر الوقت وعدم حضور صالح حتى منتصف الليل، قررت الصعود إلى الشقة الخاصة بهم. بعد أن قضت معظم يومها مع والدته تستمتع بقضاء وقتها بالثرثرة معها. تهم بالتوجه ناحية غرفة النوم، لكن توقفت حركتها حين لمحت ظلاً يجلس في إحدى أركان غرفة المعيشة، فكاد أن يصرخ عالياً بفزع. لكنها أسرعت بتماسك عند تبينها هوية الجالس، لتتنهد براحة. وهي تسير نحوه قائلة بأنفاس مخطوفة: حرام عليك يا صالح، والله اتخضيت وكنت....

توقفت عن إكمال حديثها عندما لاحظت حالته التي يبدو عليها. فقد تشعث شعره وفقدت ملابسه ترتيبها وهندامها. تتقدم نحوه وهي تنظر إلى وجهه بملامحه الجامدة وجلسته التي توحي بخطب ما. فقد جلس يستند بمرفقيه على ركبتيه، يخفض رأسه أرضاً، وبين أصابعه لفافة التبغ قد احترقت قرب النهاية دون أن تمسها شفتيه. لتسأله بقلق وتوجس وقد أرعبتها حالته هذه: مالك يا صالح.. انت قاعد عندك كده ليه.. وبعدين انت هنا من إمتى!

ظل على وضعه ولم يجيبها، بل إنه حتى بدا كأنه لا يشعر بوجودها من الأساس. لتقترب منه، تجلس بجواره، تمسك بلفافة التبغ من بين أنامله، تلقي بها في مكانها المخصص. ثم تمسك بيده بين يديها. وقد أدركت أنه ما زال يأنب نفسه بسبب ما حدث بينهم ليلة أمس، ظناً منه أنها ما زالت في داخلها شيئاً منه. لذا ألقت برأسها فوق كتفه ويدها ما زالت تحتضن يده، قائلة بمرح حاولت به إظهار نسيانها لكل ما حدث: طيب لما انت هنا من بدري مش تعرفني...

ده أنا حتى هموت من الجوع... أنا هقوم حالا أجهز الأكل لينا سوا. أتبعت بالفعل كلامها بالنهوض من مكانها تتجه للمطبخ، لكن توقفت بعد خطوة واحدة حين تشبث بيدها يجذبها إليه قائلاً بصوت متحشرج خشن كأنه يعاني صعوبة في الحديث: اقعدي يا فرح، في موضوع عايزك فيه.

توتر جسدها، ترتجف قدماها. فلم يكن هذا صالح الذي تعرفه، حتى عندما رأت من جانب أخافها ليلة أمس. لم يكن كهذا الجانب الذي تراه منه الآن، تشعر بوجود خطب ما أكبر من كل ظنونها. لذا جلست هذه المرة بجواره، ولكن لم تكن تنفيذاً لأمره أكثر من عدم قدرة قدميها على حملها. تراه يعتدل في جلسته، يتطلع أمامه بوجهه الجامد وجسد مشدود يشع منه توتر انتقل إليها هي الأخرى. وللحظات ساد بينهم صمت قاتل حاد، أخذ فيه قلقها وخوفها ينهشها فيه.

في انتظار حديثه، يدور في عقلها ألف سؤال وسؤال، يتلاعب بها شيطانها بأسوأ التصورات، حتى زفر بعمق كأنه يستعد لما هو قادم. يعود لوضع جلسته الأولى بصوت مرهق، متحشرج، تحدث قائلاً: إنتي من يوم جوازنا وإنتي نفسك تعرفي أنا وأماني سيبنا بعض ليه، مش كده؟!

انقبض صدرها وضاق بأنفاسها حتى كادت أن تختنق حين نطق شفتيه باسمها. لكنها أجبرت نفسها على التماسك، تومئ له دون شعور وعيناها تنصب عليه. تراه يغمض عينيه زافراً بحرقة مرة أخرى قبل أن يتحدث قائلاً باستسلام وصوت مرهق: وأنا هقولك ليه يا فرح.. أنا وأماني اتطلقنا علشان... علشان... أنا مبخلفش يا فرح. ظلت تحدق به كالبلهاء، عيناها متسعة ذهولاً. وقد سمعت ما قاله واستوعبته تماماً، لكن عقلها رفض التصديق. تسأله كالبلهاء وبتلعثم:

انت بتقول إيه... مين ده اللي مش بيخلف؟! التفت إليها ببطء، وما رأت على وجهه من مشاعر جعل الدموع الساخنة تجري فوق وجهها. ترى الحقيقة على ملامحه، لا تترك لها الفرصة غير التصديق. عيناها مصدومة، جسدها بارد برودة الصقيع. بألم وكسرة، العالم كله تحدثت له: يعني هي طلقتها علشان كده... طب وأنا... معرفتنيش ليه... كنت بتتجوزني ليه وانت مخبي عليا حاجة زي كده؟؟ نهض من مقعده، يلتفت لها صارخاً بعنف وملامح وجهه تنطق بالعذاب وقد

قتله سؤالها والكسرة به: اتجوزتك علشان.... صمت عن إتمام جملته. لم يستطع لسانه النطق بها، رغم تلهفه لقولها. ولكن كبرياءه أبى عليه في تلك اللحظة بذلك. لا يستطيع البوح بالمزيد، يكفيه اعتراف واحد. لتنهض عن مقعدها، تصرخ به هي الأخرى بعنف وغضب وعيناها مشتعلة برغم الدموع بها: علشان إيه يا صالح؟! كمل وقولي علشان إيه... ولا تكمل ليه... أنا اللي هقولك علشان إيه....

تحشرج صوتها، ترتجف نبراته بكسرة المهانة. بالكاد استطاعت إخراج صوتها، تكمل وهي تشير إلى نفسها قائلة: علشان عيلة غلبانة وهتسكت علشان تعيش... وقولت في بالك هترضى ب اللي مرضيتش بيه بنت الحسب والنسب... مش كده يا صالح؟ مش ده السبب يا ابن كبير الحتة!!

جعلته كلماتها ينتفض واقفاً، تتسع عيناه وهو ينظر إليها مصدوم. فقد حضر لذهنه جميع ردات الفعل إلا هذا. ولم يفكر ولو للحظة واحدة أنها ستسيء الظن به إلى هذا الحد وتتهمه بهذا الاتهام. نعم، من حقها الغضب والصراخ عليه بكل التهم، لكنه يتخيل أن تقلل منه إلى تلك الدرجة وتسحق كبرياءه بكلامها المسموم، تغرسه في صدره كالخنجر دون رأفة. ليهمس لها بخيبة أمل واحتقار للفكرة: للدرجة دي...

خلاص بقيت في نظرك محتاج ألف وأدور علشان ألاقي واحدة تقبل بيا وبعيبي... صغرت في عينك أوي كده بعد ما عرفتي الحقيقة؟ بهتت ملامحها وقد أدركت ما تفوهت به وكيف كانت كلماتها قاسية. لكنها تتألم أيضاً، تشعر ببركان ثائر بداخلها يلقي بحممه يشعلها. تهم بالرد عليه، ولكنه في أقل من ثانية كان يختطف متعلقاته من فوق الطاولة ثم يغادر المكان فوراً بخطوات سريعة وجسده متصلب.

تسمع الباب الخارجي يغلق خلفه بعنف، ارتجت له الجدران. لتنهار قدماها أرضاً، قد أصبحت كهلام. يرتجف جسدها بالكامل، تشعر بالبرد يتغلغل أوصالها وهي تنظر للباب المغلق بعيون مذهولة. تغسل الدموع وجهها، ويمزقها عذاب خذلانه لها. نعم، فقد خذلها وخذل قلبها وجعلها تشعر كم هي قليلة له، ولن تستطيع تجاوز ما حدث منه أبداً. ************************

بعد مرور عدة أيام على تلك الأحداث، كانت تسير في طريقها للمنزل بخطوات بطيئة وعقل شارد، منشغل بالتفكير فيما حدث منذ يومين داخل المكتب وما تبعه من أحداث وتوتر في علاقتها معه. وكيف أصبح كثير التعصب والغضب عليها. لتتلاشى هذا، تفضل أن تترك العمل باكراً عن موعدها قبل أن تنفجر به بعد أن تطفح بها الكيل منه ومن تعامله الحاد معها. لتقترب بخطواتها من المحل الخاص بأنور ظاظا، تمر من جواره. ليتعالى صوت أنور وقد وقف خارجه يناديها

لها بصوت جهوري حاد: لؤاخذة يا أبلة سماح.. كنت عايزك في كلمتين كده... توقفت سماح وقد توتر كل عصب بها. تسأله بتوجس وقلق: أنا يا معلم أنور.. خير، في إيه؟! ابتسم لها أنور بسماجة قائلاً: وده ينفع يا أبلة نتكلم في الشارع.. اتفضلي عندي المحل نقول الكلمتين. أومأت له بالموافقة رغم صوت عقلها الذي يطالبها برفض طلبه. تتقدم لداخل المحل خلفه، يشير لها بالجلوس على إحدى المقاعد، لكنها هزت رأسها بالرفض. ليهتف أنور بسخرية:

خلاص براحتك يا أبلة..... جلس هو في إحدى المقاعد يتطلع نحوها للحظات، قائلاً بعدها بصوت متهدج من الشوق الملتمع في عينيه: كنت عاوز أسألك عن فرح وإزاي أخبارها... بتشوفيها... حالها يعني كويس ومبسوطة مع مخفي جوزها ولا..... هتفت به سماح بحدة تنهره، توقفه عن إكمال الباقي من حديثه قائلة: بقولك إيه يا معلم أنور.. شيل فرح من دماغك.. ولو إنت جايبني علشان تتكلم معايا في الكلام الفارغ ده، يبقى عن إذنك.

بالفعل استدارت للمغادرة، ولكنه هب واقفاً، يمسك بمعصمها بقسوة يوقفها عن الحركة، يضغط بأصابعه فوقه وقد احتقن وجهه بالغضب، يفح من بين أسنانه: على فين؟ أنا لسه مخلصتش كلامي.. وقفت تنظر إليه برعب، تلعن نفسها لدخولها هذا المكان. وهي تحاول جذب يدها من بين قبضته المتشبثة بها بقوة كادت تدميها. لترتفع ابتسامة شرسة على وجهه وقد شعر برعبها منه، يكمل: متخلنيش أزعل منك بقى... وردي عليا وعرفيني.

في تلك الأثناء، كان صالح يمر بسيارته بجوار المحل يتخطاه، لكنه عاود الرجوع للخلف مرة أخرى عند لمحه وجود سماح داخل المحل. يرى تلك النظرة المرتعبة على وجهها وذلك الحقير يمسك بيدها، ليندفع الدم إلى رأسه يعميه الغضب. يندفع لداخل المحل، يصرخ بغضب في أنور: سيب إيدها يا ابن الـ.... انت ماسكها كده ليه؟ قفز أنور إلى الخلف مرتعباً، يترك يد سماح على الفور، يهتف بجزع: أبدا يا صالح باشا.. دا أنا.. دا أنا كنت عايز الأبلة في كلمتين.

تحدث صالح إلى سماح، وما زالت عيناه تقع فوق أنور، قائلاً بهدوء شديد: روحي انتي يا سماح، وحسك عينك أشوف واقفة مع ابن الـ... ده تاني. أسرعت سماح تهز رأسها بالإيجاب، ثم تفر من المكان بأقدام مرتعشة، تحمد الله لدخول صالح في الوقت المناسب. فلولا تدخله لم تكن تعلم كيفية التصرف مع هذا المجنون. بينما صالح يقترب من أنور بخطوات بطيئة وعينيه تنطق بالشر، يفح من أسنانه ببطء بكلمات غاضبة:

أظن.. يا أنور.. إني.. نبهت عليك.. قبل كده بدل المرة اتنين.. بس الظاهر إن العلقة بتاعت المرة اللي فاتت وحشتك. كان أنور يتراجع في خطواته للخلف أمام تقدم صالح منه. لكن وعند ارتطام ظهره بالحائط خلفه، أدرك أن لا مفر أمامه، ليسرع هاتفا بشجاعة مزيفة، كذبها شحوب وجهه وخوف عينيه: جرى إيه يا صالح؟ انت هتضربني في محلي ولا إيه؟ الدنيا مش سايبة وفي حكومة في البلد. ضربه صالح في كتفه بظهر يده بعنف قائلاً بشراسة:

وأضربك قدام الحارة كلها يا ظاظا، وأعلى ما في خيلك أركبه.. وعاوز أشوف آخرك إيه. ووقف يتحداه بعينيه، يستعد جسده للمعركة وقد تشددت كل عضلة به. ليدرك أنور أنه هالك لا محالة. قبل أن تقفز تلك فكرة شيطانية إلى عقله، قد يستطيع بها إلهاء صالح عنه وعن فعلته، يقلب بها الأمور على من يدافع عنهم، قائلاً بخوف مصطنع:

آه.. ليك حق تعمل أكتر من كده.. وتستقوى على الكل، وأولهم نسايبك اللي خايفين منك مش قادرين يفتحوا بقهم بعد ما عرفوا ببلوتك. أدرك أنه أخطأ في حساباته، فبدلاً من أن تلهيه كلماته الحمقاء عنه، زادت من إشعاله أكثر بعد أن قبض صالح فوق عنقه يكاد أن يزهق روحه، يسأله بفحيح: تقصد إيه ببلوتي.. ونسايب مين اللي بتتكلم عنهم؟!

حاول أنور الفكاك من قبضته، لكن زاد صالح من الضغط حتى احتقن وجهه بالدماء وجحظت عيناه، تسود الرؤية أمامه. ليسرع في إجابته بصوت مخنوق خافت، هرباً من طريق الموت: نسيبك مليجي... جالي هنا وقال لي.... إنك مش بتخلف... وإنك متجوز فرح... علشان غلبانة وهتسكت وترضى تعيش.

انحلت قبضة صالح ببطء عن عنقه، يتراجع للخلف باهتزاز كالمصعوق، بجسد متجمد ووجه شاحب كالموتى، كما لو سحبت منه الحياة. ينظر في وجهه بعيون زجاجية باردة، يتطلع بها نحو أنور للحظات، جعلت من قدمي أنور تتخبط مفاصلها، يرتجف رعباً حين عاود صالح التقدم نحوه بتهديد مرة أخرى، خطوة واحدة. ليدرك هذه المرة بأنه هالك لا محالة. لكن توقف صالح عن الحركة مرة أخرى، قبل أن يسرع بعدها ويغادر المكان فوراً دون أن ينبس ببنت شفة.

ليسقط أنور أرضاً شاهقاً بعنف، طالباً للهواء، يدلك عنقه المكدوم، قائلاً بارتجاف وصوت متحشرج: يا سنة سودة عليك يا أنور.... أنا إيه اللي هببته ده؟ كده الموضوع وسع مني وهروح فيه في داهية. نهض بتعب على قدميه، يخرج هاتفه من داخل سرواله، قائلاً بتوتر: لااا.. أنا الحق أتصل بمليجي الغبي أفهمه على الليلة قبل ما صالح يوصله.. وإلا ساعتها هيقروا على روحي الفاتحة. رفع هاتفه يتحدث به بلهجة آمرة خشنة: أيوه يا مليجي...

عايزك تجيلي حالا على الشقة إياها.. عايزك في مصلحة ليك فيها قرشين حلوين. أنهى الاتصال فور، ترتفع ابتسامة خبيثة لشفتاه، هامساً: ومدام فيها قرشين مليجي يرمي نفسه في النار.. بس على الله كل حاجة تمشي مظبوط، وإلا ساعتها هيقروا على روحي أنا الفاتحة. **************************

استقلت فوق الفراش تنظر إلى سقف الغرفة، ساهمة بوجهها الشاحب وعيناها مسهدة، تحيط بها الهالات السوداء كدليل على أن النوم يجافيها منذ رحيله. منذ ثلاثة أيام لم يأتِ فيها إلى المنزل ولو حتى للحظة، بعد أن تحجج لعائلته بحاجته للسفر إلى إحدى المدن لإنهاء عدة أوراق خاصة بالجمارك. ليصدق الجميع حجته هذه إلا هي. فبعد أن حاولت عدة مرات الاتصال به، لكنها كانت تسرع في إنهاء المكالمة قبل بدء هاتفه بالرنين. فماذا ستقول له؟

ولا كانت حتى تدري بأي كلمة ستبدأ حديثها معه. فهي إلى الآن ما زالت تحت تأثير صدمة ما أخبرها به. ما زالت تشعر بألم خداعه واستهانته بها. تعاود تذكر أحداث أيامهم سوياً، تتذكر كل شيء وكل مرة ذكرت فيها عشقها ورغبتها في إنجاب طفل منه، وكيف كان يتبدل حاله إلى النقيض في كل مرة، ويصير شخصاً آخر لا تعرفه، يملأه الظلام، تخافه وتخشاه. وأقربهم منذ يومين وقسوته في التعامل معها في علاقتهم الخاصة، وقتها لم تفهم سبب تحوله ذاك.

أما الآن، فأصبح كل شيء واضح لديها، كوضح سبب زواجه منها حين وجد بها ضالته ورأى فيها شخصية ضعيفة سترضى بما رفضته غيرها يوماً. رغم أنها لا تنكر ضعفها، وأنها لو كان أعلمها منذ البداية ما رفضت أبداً أن تربط حياتها به، ولم تهتم بشيء آخر سواه. لكنها الآن تتخبط داخل تلك الدوامة تبتلعها داخلها ولا تدري لها نهاية.

لذا استسلمت لأمر، ولم تحاول مرة أخرى الاتصال به، تقنع نفسها أنه من الأفضل لهم الابتعاد لفترة، لعل تهدأ فيها نفوسهم وتتضح لها وله رؤية الأشياء.

زفرت بحزن، تغمض عينيها بتعب للحظات. لم يرحمها فيها التفكير حتى. تعال صوت رنين هاتفها، لتسرع في الاعتدال في جلستها، تختطف الهاتف وقلبها يرتجف بين جنباتها بتوقع وأمل، وهي تنظر إلى هوية المتصل. لكن سرعان ما تحولت إلى خيبة أمل عند رؤية اسم شقيقتها. لتفتح الاتصال، تجيبها بمهود، تلقي عليها السلام. لتسألها سماح بعدها: بنت جوزك رجع النهارده.. وكان.. قاطعتها فرح بلهفة وسعادة:

بجد يا سماح.. شوفتيه فين.. طيب حاله عامل إيه.. طيب وهو كويس يا سماح؟! أسرعت سماح تجيبها، تحاول طمأنتها قائلة بصوت مشفق: كويس يا قلب أختك، متقلقيش عليه.. هو بس... تقطع صوتها، تصمت عن الحديث بعدها. لتسألها فرح بقلق: هو إيه يا سماح.. كملي متقلقنيش.

ازدردت سماح لعابها بصعوبة وتردد، قبل أن تقص عليها ما حدث منذ قليل. فكانت أثناء حديثها تفور دماء فرح بالغضب، حتى انتهت سماح لتسألها بقلق، تقاطعها حين أتت على ذكر صالح وحضوره للمكان، تهتف بجزع: نهار أسود.. وعمل فيه حاجة يا بت.. أكيد ضربه.. أنا كنت عارفة إن الزفت ده مش هيرتاح إلا لما صالح يطلع روحه في إيديه. أجابتها سماح بتأكيد:

هو اللي كان يشوف شكل جوزك وهو داخل المحل يقول هيرتكب جناية.. بس متخفيش، محصلش حاجة. أنا متحركتش غير لما جوزك خرج من عند المخفي ده واطمنت عليه. وضعت فرح يدها فوق صدرها، زافرة براحة. بينما سماح تكمل بقلق وخوف: بس يا بت أنا خايفة من المخفي أنور ده... بقت عينه قادرة علينا ومبقاش بيهمه حد. ارتفع غضب فرح يعميها، وهي تصرخ بصوت حاد وعنيف: لااا.. على نفسه... ده أنا أفضحه قدام الحارة كلها...

هو فاكر إيه.. علشان غلابة وملناش ضهر هنسكت.. لا يصحى ويفوق... إلا وربي أعرفه مقامه. ارتفع صوتها تهز أرجاء الغرفة، فيصل صراخها لذلك الواقف على بابها، وقد غادر عقله المنطق والتعقل. يتشدد فكه بصلابة، وقد تشكلت يداه إلى قبضات. يحني رأسه باهتياج، يرتفع صدره صعوداً وهبوطاً بعنف وغضب مكبوت، وقد عاودته ذكرى أخرى قد سمع فيها لكلمات مشابهة لكلماتها تلك. *****************

بعد مرور أكثر من ساعة، حاول فيها إقناع مليجي بما يريده منه، بعد أن قص عليه ما حدث في محله وحديثه المتهور مع صالح. أخذ أنور ينظر إليه وهو يجوب الغرفة بعصبية وقلق، قبل أن يلتفت إليه هاتفا: بس كده يا برنس، انت بتحطني في وش المدفع.. وصالح لو عرف بالليلة دي، قليل لو ما ولع فيا وسط الحارة. نهض أنور على قدميه مقترباً منه قائلاً بهدوء وإقناع: وصالح هيوصل ليك إزاي؟

متخافش، إنت تسمع بس الكلام وتقعد هنا الفترة دي ومتتحركش.. وليك عليا ياسيدي أكلك وشربك ومزاجك يوصل لحد عندك كل يوم.. ده غير القرشين الحلوين اللي هيدفوا جيبك. ظهر التردد فوق وجهه مليجي للحظة، تطلع فيها إليه أنور بلهفة وأمل، قبل أن يهز مليجي رأسه بالرفض قائلاً بخوف: لااا يا عم، ياروح ما بعدك روح.. بعدين هو صالح هتعدي عليه كده؟ بعدين زمان البت فرح عرفته إني ولا أعرف حاجة عن الليلة دي كلها. أنور بصوت مقنع ملح:

وإحنا مالنا ومال فرح دلوقتي؟ وبعدين تفتكر بنت اختك عارفة حاجة عن الموضوع ده وهتبقى عادي كده؟ وبعدين إنت عرفت من بره وجيت فضفضت مع أخوك وحبيبك أنور من كتر الهم والحزن اللي كان على قلبك.. ها؟ قولت إيه؟ همهم مليجي بصوت خافت محتقر: وأنور أخويا وحبيبي طلع واطي وجبان ودااني في داهية علشان يخلص نفسه هو.

سأله أنور عما يقول بحيرة، ليسرع مليجي بتمالك نفسه، وقد حسبها ووجد أنه في كلتا الحالتين تورط بالأمر. فإن وافق، وضع نفسه تحت رحمة صالح، وإن رفض، فلن يتركه أنور إلا بعد أن يجعله يدفع ثمن رفضه لطلبه هذا. لذا فليختر من بين الأمرين ما سيجعله يخرج رابحاً مستفيداً منه. لذا تنفس بعمق، يجيب أنور بحزم وثبات: موافق يا برنس... بس الأول أعرف هطلع من الليلة دي بكام!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...