اتسعت عينيها بذهول، تفغر فاها من صدمة اعترافه المباغت لها. تشعر كأن ساقيها مصنوعان من الهلام، لا تقوى على حملها. يرتعش كل عصب بها من التوقع وهجومه الصاعق على حواسها. وهو يكمل، ملامحه قبل لسانه تنطق بكلمات بدلاً منه:
"بعشق وبدوب في حتة عيلة كانت قدامي بتكبر قدامي يوم ورايا يوم، لحد ما لبست المريلة الزرقا وتعدي عليا في المحل تضحك ليا وتخطف قلبي معاها وتمشي. وسنة ورا سنة لحد ما قلبي خلاص مبقاش ليا، بقى ليها وملكها هي وبس." كانت تهز رأسها بعدم تصديق، وهو يكمل الباقي من اعترافه بحزن وأسف: "كان كل يوم بيعدي عليا وحبها بيزيد في قلبي، أكره نفسي قصاد الحب ده أضعاف مضاعفة."
لم تجد في نفسها القدرة لسؤاله عن السبب كما كانت تخشى فرحتها الطاغية باعترافه هذا، خوفًا من ألا تكون هي المعنية به. تسمعه كالمغيبة، وعينيها تنطق بسؤالها بدلاً من شفتيها. ليجيبها بخشونة واستهجان موجهًا لنفسه:
"كانت عيلة.. حتة عيلة بتلعب مع أختي على سلم بيتنا.. كنت بشلها على دراعي زي اللعبة.. وفجأة كده بقت في عيني حاجة تانية.. بقت دنيتي وأهلي وناسي كلهم.. بقيت مش عايز من الدنيا حاجة غيرها هي وبس.. بس مكنش ينفع أقولها ولا حتى بيني وبين نفسي وقتها." لم تعد تستطيع التحمل أو الصبر على المزيد، تسأله بصوت مرتعش ملهوف، تريد منه إجابة واضحة تريحها: "مين هي يا صالح؟ مين دي؟ أنا صح؟ عشان خاطري قول صح."
اخفض جبهته إلى جبهتها، يستند عليها، يزيد من ضمها لجسده، هامسًا بصوت مبحوح مرتجف: "صح يا قلب وعيون وعشق وروح صالح.. انتي يا فرحة قلبي وحياتي، انتي يا حلم بعيد وعمري ما اتمنيت في حياتي غيره." انفجرت في بكاء، تنهمر دموع الراحة على وجنتيها، تخرج كبت وخوف تلك اللحظات. ليصيبه الذعر وقد أساء فهم تلك الدموع، فيصبح وجهه شديد الشحوب والقلق. وقد أخذت تحاول الحديث بصعوبة، قائلة: "ليه يا صالح.. ليه تضيع كل ده مننا ليه!
مد أنامله، متنهدًا بقوة، ويده تزيح دموعها برقة، وهو يهمس لها بحنان: "علشان كنت عبيط يا عيون صالح.. كنت فاكر إني هقدر أنسى وأعيش مع غيرها، وهي أيام من عمري وبقضيها." ضربته في صدره، تنهشها الغيرة من أخرى سبقتها إليه، تهتف به باكية بعتب: "وكنت هتكمل معاها يا صالح مش كده.. كنت هتقدر لولا عرفت إنك...
ضغطت شفتيها معًا بقوة، تمنع نفسها من الاستمرار والوقوع في المنطقة المحظورة، جارحة له. لكنه لم يبالِ، يهز رأسه لها بالإيجاب، قائلاً: "أيوه يا فرح، مش هكدب عليكي وأقولك لأ.. بس صدقيني أنا كنت عايش زي الميت.. آه عايش وبتنفس، بس مش حي ولا حاسس للدنيا طعم.. أنا محستش إني حي غير لما اتجوزتك وحضنتك لقلبي.. صدقيني يا فرح."
أنهى حديثه، يتوسلها التصديق. فلم تستطع أن تبخل عليه بالطمأنينة والراحة، تحيط وجنتيها بكفيها، وعينيها ثابتة على عينيه، تنطق بكل حبها، تهمس لها بتأكيد: "مصدقة يا قلب فرح من جوه... علشان أنا كمان جربت كل اللي بتحكي عليه ده، من يوم ما شوفتك بتتزف مع واحدة غيري وأنا عايشة زي الميتة.. ما رجعتش ليا الروح إلا لما بقيت ليك وعلى اسمك." أتى دوره، لتتسع عينيه بصدمة وذهول، يسألها بكلمات متقطعة غير مترابطة: "فرح.. بتتكلمي جد؟
تقصدي فعلاً.. اللي أنا.. فهمته ده." فرح، وهي تأكد على كل حرف يخرج من بين شفتيها: "بحبك يا عيون فرح.. بحبك من يوم ما عرفت إيه هو الحب.. بحبك من وأنا عيلة بالمريلة الزرقا.. وبحبك وأنا عارفة إنك لغيري وعمرك ما هتكون ليا.. حبيتك وهحبك وهفضل أحبك يا عمري كله." صرخ صالح من الفرحة والسعادة، وهي معه، يرفرف قلبه بين ضلوعه، وهو يحملها ويدور بها، قبل أن يسير بها بخطوات سريعة خارجًا بها من الغرفة، قائلاً بلهث ولهفة:
"لا كده أنا جعت أوي بعد كلامك اللي يخطف القلب ده.. ولازم آكل حالا." توجه بها ناحية غرفة النوم، لترفع رأسها عن كتفه، قائلة بأرتباك وعدم فهم: "رايح فين؟ طريق المطبخ من هنا." غمزها بخبث، قائلاً بصوت مبحوح أجش، وهو يستمر في طريقه: "لا يا عيون صالح وقلبه.. الأكل اللي في دماغي ملهوش طريق غير ده." ***
أيام مرت على الجميع، كل في حياته ومسارها. حتى سماح، فقد عادت إلى عملها القديم، تقف داخل المحل، ومعها إحدى زبائنها تعرض عليها إحدى المعروضات، تندمج معها في الحديث، غافلة عن دخول عادل إلى المكان، ويقف في أحد أركانه بهدوء في انتظار انتهائها.
ولكنها كانت تعلم بوقوفه، بعد لمحته بطرف عينيها، وهي تطيل الحديث مع السيدة على أمل أن يصيبه الملل من الانتظار ويرحل. ولكن، ظل مكانه، حتى بعد أن نفذت منها كل الحيل لتأخير الزبونة عن الانصراف، والتي خرجت من المحل بعد أن ألقت بسلام مرح إليه، ومعه نظرة معرفة نقلتها بينهم. لتلتفت سماح إليه بعد ذهابها بابتسامة ترحاب مصطنعة، قائلة: "أهلاً أستاذ عادل.. اتفضل. المحل تحت أمرك."
اقترب منها، وعينيه تمر بلهفة فوق ملامحها باشتياق، لاحظته بقلب مرتجف. لكنها تجاهلت، كما تجاهلت مشاعر أخرى ورفضتها رفضًا قاطعًا. تلقي بها خلف ظهرها، فلا هي أو هو يستطيعان تحمل عواقبها. تعقد حاجبيها بشدة، وبنظرة صارمة في عينيها، قابلت بهم حديثه الملهوف وصوته الأجش، حين قال: "إزيك يا سماح.. عاملة إيه.. وحشتيني أوي." سماح بصوت صارم جاف: "أستاذ عادل لو سمحت.. ده محل شغل.. مينفعش فيه الكلام ده." أجابها عادل
وهو يتقدم بخطواته منها: "طيب أعمل إيه.. وأنتي مش عاوزة تردي على تليفوناتي.. مكنش فيه حل قدامي غير إني أجلك هنا." تراجعت للخلف عنه، قائلة وصوتها رغم الحزم والرفض به، إلا أنه خرج ضعيفًا مرتعشًا، أظهر ما تعانيه في تلك اللحظة أمامه: "أستاذ عادل أرجوك.. أظن إني وضحت لك ردي على طلبك وقولت له أكتر من مرة.. وبرضه هكرره تاني، لأ يا أستاذ عادل طلبك مرفوض وكل شيء قسمة ونصيب." عادل بتصميم، هاتفا بها:
"أنا مش جاي عشان أسمع ردك تاني.. أنا جاي عشان أعرف ليه.. ليه بترفضيني؟ ليه مش عاوزة تدي لنفسك الفرصة تتعرفي عليا؟ يمكن وقتها تغيري رأيك." وقفت مكانها، لا تدري كيف لها أن توضح له أنه ليس سبب رفضها، وأنها لا تحتاج إلى تلك الفرصة بعد ما أدركته خلال فترة بعدها عنه، وبأنها سقطت في حبه رأسًا على عقب. ولم يكن الإعجاب هو كل ما تشعر به تجاهه، كما حاولت أن تقنع نفسها مرارًا وتكرارًا.
لكنها ليست على استعداد لعواقب اعترافها هذا، ولن تكون بتلك الأنانية والتفكير في نفسها فقط. لذا، وضعت قناعًا من القسوة والنفور فوق ملامحها، قائلة بفظاظة ونفاذ صبر: "أستاذ عادل أظن كفاية لحد كده، وياريت تشلني من دماغك بقى.. أنا وأنت منفعتش لبعض.. ومش هيحصل أبدًا بفرصة ولا من غيرها." أشارت بيدها نحو الباب الخارجي، قائلة بغضب: "وبعد إذنك ياريت تتفضل من هنا قبل صاحب المكان ما يوصل، وأظن أنت مترضاش ليا بالأذية."
وقفت بعدها مهزوزة جدًا، والغصة في حلقها، حين رأته يقف أمامها بعد أن ألقت في وجهه بتلك الكلمات القاسية، يحدق فيها وعيناه تثبتها في مكانها. وقد ضاقت بشكل خطير عليها في لحظات صمت طويلة، تشعرها بالذنب والألم ينهشانها. لتفتح شفتيها هامسة باسمه بنبرة معتذرة ضعيفة. لكنه قاطعها برفع يده في وجهها كإشارة لها بالتوقف، قائلاً بصوت حاد صارم:
"خلاص يا آنسة سماح.. مش محتاجة تتكلمي تاني.. كل اللي عاوزة تقوليه وصلني.. وأنا آسف جدًا إني ضايقتك طول الفترة دي، وصدقيني مش هرضى أبدًا إني أكون سبب في أي أذية ليكي." حدقت خلفه بعيون لامعة من الدموع، بعد أن خرج فورًا من المكان. وقد علمت أنها الآن خارج تفكيره، بعد ما حدث، ويعينها الله على تحمل ما ستعانيه من أثر قرارها هذا. ***
نهضت من مكانها، تجري باتجاه الباب، بعد أن علا صوت الضربات فوقه بطريقة أفزعتها. ما إن فتحته، حتى اقتحمت ياسمين المكان صارخة دون مقدمات بغل وجنون: "إيه حكاية أختك بالظبط مع عادل يا بت انتي؟ عاوزة إيه بالظبط منه؟ إيه خلاص الرجالة خلصت ومبقاش إلا خطيبي اللي ترسموا عليه؟!
لم تجد فرح الفرصة لترد عليها، بعد أن لحقت بها والدتها تنهرها بها بحدة، حتى توقفها عن سيل الشتائم المنهمر من لسانها. لكن ياسمين لم تبالِ، بل أخذت بتوجيه الشتائم إلى فرح وسماح، كأنها تلبستها حالة من الجنون، تصرخ بعدها: "أنا قلت إنكم بنات **** ومحدش صدقني.. واحدة تضحك على أخويا وتخليه ماشي وراها ماسك في ديلها زي العيل الصغير.. والتانية راسمة دور الطيبة وهي حية."
صاحت بها انصاف مرة أخرى، تنهرها وتحاول إيقافها عن الحديث، وهي تجذبها للخروج من المكان. لكنها تشبثت بمكانها، تكمل قائلة بحقد وغل لفرح: "ما تردي يا حرباية.. أختك عاوزة إيه من خطيبي." حاولت فرح التماسك، وهي تجيبها سؤالها بسؤال آخر بهدوء شديد مستفز: "خطيبي مين يا ياسمين؟ اللي أعرفه إن عادل فسخ الخطوبة.. يبقى ممكن أعرف تقصدي مين بكلمة خطيبي دي؟
جزت ياسمين فوق أسنانها بغيظ، وعينيها تشتعل بالجنون، تحاول جذب ذراعها من قبضة والدتها والهجوم عليها للفتك بها، وهي توجه لها سيل آخر من الشتائم المقززة. استقبلتها فرح بنفس الهدوء، رغم ما يعتمر داخل صدرها من غضب لو أطلقته لعنان لمزقتها بيدها العارية إربًا. لكنها راعت وقوف والدة زوجها، وتتركها شاهدة على أفعال ابنتها، لتمر اللحظات وما زالت ياسمين على حالتها تلك.
حتى حضرت على صوتها سمر، تسأل عما يحدث، لكن لم يجيبها أحد، لتقف في إحدى الزوايا تتابع ما يحدث دون تدخل منها، بأعين شامتة وابتسامة صغيرة صفراء. حتى حانت اللحظة، والتي استطاعت فيها ياسمين من الفكاك من تقييد والدتها، لتهجم نحو فرح، تمسكها من شعرها، تجذبها وتوقعها أرضاً، وهي فوقها، تصرخ بشراسة، تفرغ عن شحنة الغضب المستعير بداخلها منذ أن وصلتها الأخبار عن ذهابه لمحل عمل تلك الحقيرة منذ قليل، لتطير هذه الأخبار الباقي من تعقلها، فتسرع في
مهاجمة فرح بتلك الطريقة: "أنا بقى هعرفك إنه خطيبي غصب عنك والكل... لم تجد فرح أمامها حلاً آخر، سوى أن تبادلها الضربات والشد واللطم. وقد انقلبت الأمور بينهم إلى معركة دامية، فشلت انصاف في فضها وإبعادهم عن بعضهم، غافلين عن سمر، والتي وقفت في إحدى الأركان تتحدث في هاتفها بجزع وخوف مصطنع: "الحقنا يا حسن.. فرح مرات أخوك ماسكة في ياسمين أختك وهتموتها في أيديها من الضرب."
وما هي إلا لحظات، حتى كان صالح ومعه حسن، هو الآخر، يقتحمون المكان. ولحظ فرح، الأحسن دائمًا، كانت هي من تجلس فوق جسد ياسمين، توجه لها الضربات وتهاجمها. ليسرع صالح نحوها، يرفعها من خصرها عنها، ولكنها أخذت تقاومه، تطوح قدميها باتجاهها، وقد أخذها حماس المعركة، هاتفة بشراسة: "سيبوني عليها.. محدش يحوشني عنها الـ **** دي.. والله ما ساكتة لها بعد كده.. أوعوا سيبوني."
أخذت تحاول الفكاك من تلك الذراع الممسكة بها، غافلة عن هويته، فقد كل ما يشغل بالها هو تلقين تلك الحية درساً لن تنساه، ولا تفكر في ذكر أختها مرة أخرى على لسانها السام هذا. لكنها سرعان ما تجمدت، حين وصلها فحيح صوته في أذنيها، تسري قشعريرة الخوف في جسدها، حين قال: "وربي يا فرح لو اتحركتي حركة واحدة تانية، لكون ضربك قصاد الخلق دي كلها.. وأظن انتي جربتي قبل كده."
همدت حركتها تمامًا، كأنه ألقى بكلمة السر عليها. تلتفت نحوه برأسها، هامسة بتردد وخوف: "والله هي يا صالح اللي بدأت بمد الإيد الأول، حتى اسألي أمك هي كانت واقفة."
عضت شفتيها السفلى، تغمض إحدى عينيها بخشية، بعد علمت أنها قد أساءت اختيار الكلمات، من تشدد ذراعه حول خصرها بطريقة ألمتها، ولكنه أيضاً زاد من إلصاقها به، تشعر بفيحيح أنفاسه المتسارعة، كأنه يقاوم عصرها بيديه، قبل أن يلتفت إلى والدته، والتي كانت تقوم بمساعدة ياسمين المنهارة بالبكاء على النهوض، قائلاً بغضب مكبوت وصوت أجش: "خديها يا ماما وانزلوا تحت، وأنا شوية وهحصلكم."
هزت انصاف رأسها له بالموافقة، تسير نحو الباب وتصحبها ياسمين الباكية، لتسرع سمر بعد انصرافهم، قائلة بخبث ودهاء لتثبت أن الأمر خطأ فرح فقط: "بس المفروض كانوا يصفوا الأمور ما بينهم عشان النفوس متشلش من بعضها.. وفرح كمان لازم تتأسف ليها." هتف حسن ينادي باسمها، محذراً بشدة وحزم، يوقفها عن الحديث، قائلاً: "سمر.. ملكيش دخل.. انزلي يلا على شقتك متطلعيش منها، سامعة ولا لأ." أسرعت تربت فوق صدره، قائلة بتذلل وطاعة:
"حاضر يا حبيبي.. حاضر اللي تأمر بيه يتنفذ حالا.. بس أنت متزعلش نفسك ولا تتعصب." بالفعل، كانت في طريقها للخارج، تنزل الدرج سريعًا، يعقبها حسن بعد أن أخبر صالح بنزوله لمتابعة سير العمل. ليسود الصمت المكان بعدها للحظات، وقف فيها ينظر إليها بنظرات مبهمة، لم تعلم إن كانت غضب أو شيء آخر. قبل أن يتجه نحو الباب، يغلقه، ثم يستند بظهره عليه، عاقداً ذراعيه بصمت، في وقفة انتظار منه. لتسرع قائلة باندفاع، مداعية عن نفسها:
"شوف، قبل ما تعمل أي حاجة، أحب أعرفك إن أختك اللي غلطانة.. وهي اللي طلعت تتهجم عليا وتغلط فيا أنا وسماح.. و كمان هي اللي ضربتني الأول، حتى روح واسأل أمك وهي تقولك كل حاجة." توترت ملامحها، حين وجدته يعقد حاجبيه بشدة، محذراً. لتهتف سريعًا مصححة بصوت خافت مسالم: "أقصد.. اسأل ماما انصاف اللي هي مامتك يعني، وهي هتقولك الحقيقة." صالح بهدوء شديد، تعلمه جيدًا وتعلم عواقبه: "أسأل إيه؟
ده أنا أنا شايلك عنها بالعافية.. ولولا كده كان زمانك موتيها في إيديكي من الضرب ولا عملت لها عاهة مستديمة." فرح بحزن وأسف، وقد تغضن وجهها: "آه يعني أنت شايف كده.. وفرح اللي هتشيل الليلة كلها." فجأة وبدون مقدمات، انمحى عن وجهها أي تعبير سابق، تلمع عينيها بالتحدي: "طيب حيث كده بقى.. أنا مش هعتذر لحد زي الحرباية مرات أخوك دي ما قالت.. وشوف كمان...
صرخت بهلع، تجري من أمامه قبل أن تكمل تهديدها، بعد أن رأت يتحرك من مكانه بغتة، يندفع نحوها. لتسرع بالفرار نحو غرفة النوم، تغلقها بصعوبة، وقبل ثانية واحدة من أن يلحق بها. تقف خلف الباب، تستند بظهرها عليها، كأنها بتلك الطريقة ستمنع اقتحامه للغرفة، وهي تسمع صوت صياحه الغاضب يطالبها: "افتحي الباب يا فرح.. ولو جدعة كملي اللي كنتي بتقوليه." هزت كتفيها له برفض، كأنه يراها، قائلة:
"مش هفتح حاجة.. بعدين مين قالك إني جدعة.. أنا عيلة يا سيدي، هتعمل عقلك بعقل عيلة."
صرخت مرة أخرى هلعاً، حين وجدت الباب يندفع من خلفها، وقد ظنت أنه في طريقه لتحطيمه. لكنها كانت ضربة واحدة منه، كأنه يفرغ بها عن غضبه، وجعلها تقف منتظرة بقلب متسارع الضربات، وقدم مرتعشة لا تقوى على حملها، في انتظار ما هو آتٍ منه. لكن ساد الصمت التام المكان للحظات طوال، أرهفت فيها السمع لأي صوت أو حركة منه، لكنها فشلت. ولكن ما هي إلا دقيقة، حتى وصل إليها صوت الباب الخارجي يغلق من خلفه بدوي قوي، وصلها بسهولة، برغم الباب الغرفة المغلق.
ولتعلم بأنه قد ذهب وغادر، وهو غاضب منها. فوقفت لعدة لحظات، تنهَر نفسها بغضب، قائلة بحزن، وقد أخذت شفتيها ترتجف رغبة في البكاء: "أهو مشي زعلان، عجبك كده؟ هو أنا إمتى يبقى ليا حظ من اسمي؟ أنا ملحقتش أفرح بيه يومين.. وهو رجعنا نتخانق تاني."
بس لاا والله ما يحصل.. مش هخلي الحربايتين دول يفرحوا فيا. اتجهت بتصميم ناحية خزانة ملابسها، تخطف من داخلها إحدى العباءات، وتضع طرحتها فوق رأسها، ثم تسير نحو الباب، تفتحه بتصميم منها باتجاه الباب الخارجي. ما إن وضعت يدها فوق مقبضه، حتى صدح صوته الحاد، يوقفها مكانها، تشهق مجفلة بصوت عالٍ، تشد مقدمة ثوبها وتقوم بالتفل بداخله عدة مرات، قبل أن تتحدث قائلة بارتجاف: "كده يا صالح.. والله قلبي كان هيوقف.. أنت مش كنت نزلت؟
نهض من على مقعد غرفة الطعام، ولم تكن لاحظته في هوجة استعجالها للحاق به، يتقدم منها قائلاً بهدوء: "طبعًا عشان كده خرجتي من الأوضة.. السؤال بقى.. كنت رايحة فين؟ أخذت تبحث داخل عقلها عن إجابة ترضيه وتمتص بها غضب اللحظات السابقة بينهم، قائلة وهي تخفض عيونها بخجل وأسف مصطنع، وصوتها ممتلئ باعتذار كاذب: "كنت نازلة أعتذر لياسمين أختك.. ماهو مكنش يصح اللي أنا عملته معاها." أسرعت تكمل، حين أصبح على بعد خطوة منها،
هاتفة باضطراب: "بس والله يا صالح هي اللي ضربتني الأول وكمان غلطت فيا كتير أنا و... صالح، وقد قطع الخطوة الباقية بينهم، يقاطعها وهو ينحني عليها بغتة، قائلاً بحزم: "عارف.. عارف كل ده.. بس مكنش ينفع يا هانم إنك تتكلمي مع جوزك كده وتهدديه وتعلي صوتك عليه، صح ولا لأ؟! تراجعت للخلف برأسها، قائلة بتوتر واستياء: "ماهو أنت كمان مش مصدقني.. وبتقولي هتعملي ليها عاهة مستديمة.. ليا يعني كنت الشحات مبروك! رفع حاجبه،
يسألها بهدوء شديد: "يعني مش شايفة إنك غلطانة خالص؟ كادت أن تجيبه بتحدي، ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة، تخفض رأسها قائلة بخفوت أسف: "لا غلطانة.. وحقك عليا وأسفة... المهم مش عاوزاك تزعل مني." ارتفعت ابتسامة حنونة صغيرة فوق شفتيه، تلمع عينيه بتقدير وحب لها. مد يده لرفع ذقنها، يرفع عينيها إليه، هامسًا لها هو الآخر معتذرًا:
"لا.. حقك عليا أنا.. أنا اللي غلطان إني مصدقتش من الأول كلامك.. بس أمي كلمتني وعرفتني اللي حصل كله.. وصدقيني مش هيحصل تاني، وياسمين حسابها معايا بعدين على اللي عملته معاكي." ارتمت فوق صدره، تحتضنه بقوة، هامسة: "لا مش مهم خلاص.. أنا برضه كمان غلطت.. عشان خاطري يا صالح متعملش ليها حاجة." ضمها إليه بقوة، يهمس لها هو الآخر، يسألها مقبلاً مقدمة رأسها بتقدير لعدم استغلالها الفرصة:
"فكريني كده وهو أنا قولتلك بحبك النهاردة ولا لأ؟ صدر من بين شفتيها صوت يدل على النفي، ليبعدها عنه ببطء، قائلاً وعينيه تلمع بشدة من عصف المشاعر به: "لا.. يبقى لازم أصل غلطي.. وفوراً." انحنى عليها، يحتضن بشفتيه شفتيها، يلثمها بقـ.بلات صغيرة على كل زاوية بها، معها همس أجش بكلمة (بحبك) . مع كل لمسة منه لها، يعيدها ويكررها عليها، لكنها لم ولن تمل من سماعها مهما طال بهم العمر، تختطف قلبها ودقاته كأول مرة سمعتها منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!