الفصل 9 | من 34 فصل

رواية ظلمها عشقا الفصل التاسع 9 - بقلم فرح صالح

المشاهدات
26
كلمة
4,558
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

خرجت يتبعها هو الآخر في اتجاه غرفة الاستقبال. لتنهض سمر فور رؤيتها تهتف بترحاب وابتسامة سعيدة مبالغ فيها فوق شفتيها: "أهلاً بالعروسة القمر... مبروك يا فرح، ألف مبروك يا حبيبتي." همست لها فرح بالشكر، تتقبل منها قبلاتها على وجنتيها، قبل أن تمد يدها إلى حسن بالمصافحة وهي تتلقى منه تهنئة مرتبكة. يعاودا الجلوس مرة أخرى، فتسألهم فرح بحرج وتلعثم: "تحبوا تشربوا إيه؟ أسرعت سمر تهتف بلهفة، تقاطع رد حسن الرافض قائلة:

"أي حاجة من إيدك يا حبيبتي تبقى حلوة." هزت فرح رأسها مغادرة إلى المطبخ. لتهتف سمر من ورائها، تنهض عن مقعدها للحاق بها: "استني، أجي معاكي عشان أساعد... أوقفها صالح بحزم، يشير لها بالجلوس مرة أخرى، قائلاً باقتضاب: "خليكي إنتي يا سمر، متتعبيش نفسك... أنا هروح أساعدها." جلست سمر مكانها بإحباط، تتطلع له تلوّي شفتيها بغل بعد مغادرته، وهي تتحدث إلى حسن الجالس على جمر من شدة إحراجه: "أخوك عاوز يروح يساعدها...

شفت العز والهنا اللي فيه بنت لبيبة." اقترب منها حسن هامساً بارتباك وإحراج: "قومي يا سمر بينا نمشي، شكلنا بقى زفت، متزودهاش أكتر من كده." نكزته بقوة، تهتف به بحدة من بين أسنانها: "اقعد مكانك، متتحركش... استنى نشوف عرسان الهنا عاملين إيه مع بعض، يمكن ناري تهدى شوية." في أثناء ذلك، كانت فرح تقف في المطبخ تنظر حولها بارتباك وتخبط. ليقترب منها صالح مشيراً ناحية الخزانة، قائلاً بهدوء: "الكاسات موجودة عندك في الضلفة دي...

والعصاير في التلاجة... ولو عاوزة تعملي شاي... أخذ يشير لها على أماكن الأشياء، تتبعه هي إشاراته بارتباك وتوتر. قبل أن تتحرك ناحية إحدى الخزائن، تفتحها، تتطلع بداخلها بتركيز، ثم وقفت على أطراف أصابعها حتى تستطيع أن تطال الأشياء بداخلها، لكنها فشلت. لتزفر بإحباط. أتبعها شهقة فزع حين شعرت به خلفها ملتصقاً بها، هامساً في أذنها بنعومة شديدة: "تحبي أشيلك أرفعك عشان تعرفي تطولي الرف؟ أغمضت عينيها، تهز رأسها بقوة رافضة.

فيتنهد أسفاً قائلاً: "خسارة... من زمان معملتهاش وقولت يمكن يعني... قطع كلماته حين التفتت إليه بحدة، تدفعه بقوة قائلة برفض ووجه ممتعض: "شكراً... قولت مش عاوزة." تراجع للخلف، يرفع بكفيه أمامه بحماية وقلق مصطنع، قائلاً بصوت ممازح: "خلاص آسف... وهسكت واقف أتفرج وأنا مؤدب خالص أهو." اقتربت منه تفح من بين أسنانها غيظاً، خشية أن يسمعها ضيوفهم بالخارج: "هتقف تتفرج على إيه؟! إيه مش هعرف أعمل عصير لضيوفك...

اتفضل اخرج اقعد معاهم... مش عاوزة حد معايا هنا." اتسعت بسمته وعيناه تلتمعان بشدة، وهو يمرر نظراته فوقها ببطء شديد. استقبلته هي ببرود مصطنع، قبل أن يهز رأسه موافقاً، يتحرك من مكانه مغادراً. لتزفر براحة، تلتقط أنفاسها بعد خروجه، تتطلع إلى الخزانة مرة أخرى باهتمام وتركيز. خرجت بعد حين تحمل صينية التقديم وفوقها الكؤوس. فليسارع واقفاً يحملها من بين يديها، قائلاً بتلقائية وبصوت حنون: "تسلم إيدك يا حبيبتي."

رقص قلبها بسعادة من تأثير كلمته، والتي شعرت بها نابعة من قلبه، وهي تخرج منه بين شفتيه بتلك العفوية. تمر الزيارة بعد ذلك سريعاً، بعد عدة محاولات من زوجة أخيه لفتح عدة مواضيع للحديث، أغلقها صالح بحزم. لتنهض بعصبية، يتبعها حسن زوجها. بعد مرور عدة دقائق مرت على فرح عصيبة، وهي تحاول رسم ابتسامة سعيدة فرحة فوق شفتيها. تنهض معهم لتودعهم حتى باب الخروج، بعد أن أعلن صالح عن خروجه معهم هو الآخر.

يلتفت لها تحت مراقبة وعيون سمر الحاقدة، يضع كفه خلف رأسها يجذبها إليه. تحدق به بذهول، وهو ينحني على جبهتها يقبلها برقة، يودعها. يتطلع إلى عينيها بحنان، بعدها قائلاً: "سلام يا فرح... خلي بالك من نفسك، ولو احتاجتي حاجة كلميني... وأنا إن شاء الله هرجع على ميعاد الغدا عشان نتغدى سوا." هزت رأسها موافقة، وهي ما تزال متسعة العيون، لكن هذه المرة بفرحة وسعادة رغماً عنها. فيبتسم لها برقة وحنان قبل أن يغادر.

تغلق خلفه الباب، تستند عليه بأنفاس متلاحقة سريعة، هامسة: "هتجننيني معاك يابن انصاف... وهاجي في مرة وقلبي هيوقف من لعبك بيا وعمايلك دي معايا." *** أنهت محدثتها، تلقي بالهاتف، ثم أخذت سمر تجوب أرض المكان، وهي تفرك كفيها بغل وغضب، صارخة في زوجها الممسك بهاتفه، يتطلع إليه غير مبالٍ بثورة غضبها، وهي تهتف: "عجبك أخوك وقلة ذوقه؟ إيه خايف على ست الحسن مننا أحسن هناكلها." دمدم حسن بصوت هامس متذمر:

"أهي هتيجي على دماغي زي كل مرة... وهتطلع غلها عليا." لم تنتبه له سمر، تكمل والغيرة تتأكلها: "ولا شوفت وهو بيبوسها إدمنا ولا كأننا واقفين... إلا عمري ما شفته عملها مع أماني... هي البت هبلته ولا إيه... قال وأنا اللي طالعة أشوف مكالمة أماني نيلت إيه معاهم ليلة امبارح." التوت شفتي حسن بسخرية، يتراجع للخلف في مقعده، قائلاً: "واضح إنها ولا كان ليها أي تأثير... إنتي مش شفتي كانوا عاملين إزاي إدمنا!

التفتت إليه تتسع عيناها، تحدق به كما المجنونة، تضغط شفتيها غيظاً. فيسرع لإصلاح كلماته، قائلاً باضطراب وقلق: "بس لو إنتي شايفة حاجة تانية غير كده... أنا معنديش مانع." تجاهلته، تجلس فوق المقعد، عاقدة بين حاجبيها بتفكير للحظات، قائلة بعدها: "لأ بس سيبك من اللي كان إدمنا واللي قلته دلوقتي لأماني... البت فرح شكلها مش مظبوط، كأنها معيطة، وقلبي بيقولي إن مكالمة أماني قامت معاهم بالواجب امبارح."

توترت ملامح حسن، هامساً بارتباك خشية منها ومن رد فعلها على ما سيقوله: "بقولك إيه يا سمر... ما خلينا في حالنا... وهما في حالهم ونسيب الدنيا وزي ما تيجي تيجي." تطلعت ناحيته بشراسة، وقد تملكتها الغيرة يعميها حقدها، تصرخ به: "آه عاوزاني أقعد وأحط إيدي على خدي زي جنابك ما بتقول وأسيب أخوك يتجوز ويتهنى وكل حاجة تضيع مننا ياسى حسن... تصدق أنا غلطانة أصلاً إني بفكر فيك وفي مصلحتك."

هتف بها هو الآخر بعصبية، وقد تملك منه الغضب لإصرارها الغريب هذا على تخريب حياة شقيقه: "مصلحة إيه اللي بتتكلمي عنها بس... في الأول والآخر صالح ليه حق زيه زيي في ورث أبويا سوا خلف ولا مخلفش! حدقت سمر به ذهولاً، فلأول مرة ترى منه هذا الجانب واندفاعه الغاضب دافعاً عن شقيقه، لذا أسرعت لتدير الدفة للجانب الآخر، والذي نادراً ما يخطئ معه. تبتسم له بحب، وهي تخاطبه بهوادة ولطف، كما لو كان طفلاً صغيراً:

"يا حسن يا حبيبي افهمني... أنا بعمل كل ده عشانك إنت و عشان بحبك وعاوزاك أحسن راجل في الدنيا... أخوك لو عدت السنة دي عليه من غير علاج زي ما الدكتور فهمنا، انسى إنه يخلف ولا يبقى ليه وريث، يعني كل حاجة عنده بعد عمرين طوال هتبقى ليك ولولادنا." تنهد حسن، يظهر على وجهه الرفض وعدم اقتناعه بحديثها. لتسرع بالنهوض من مكانها، تجلس بجواره، مقتربة منه ببطء بحركات مثيرة لعوب، تعلم تأثيرها جيداً عليه، قائلة بصوت مغرٍ:

"يعني يا قلب سمر وعيونها من جوا، تهدي كده ونفكر مع بعض هنعمل إيه في اللي جاي سوا." ازدرد حسن لعابه بصعوبة، وعيناه معلقتان فوق شفتيها، وقد مرت طرف لسانها فوقها ببطء. قائلاً بصوت متحشرج: "بس صالح... وضعت سبابتها فوق شفتيه، تنهي الباقي من كلماته، هامسة ببطء واقناع: "هو إحنا هنعمل فيه حاجة لقدر الله... ده إحنا هنشيله في عنينا وولادنا هيبقوا ولاده... ولا إيه يا حبيبي!

هز حسن رأسه لها موافقاً، كالمغيب، وهو لا يدري عن أي شيء أتت موافقته تلك. لتبتسم سمر بانتصار، هامسة له بهدوء مؤكدة عليه: "يبقى تسيب مراتك حبيبتك تلعبها صح... وهو شهر واحد بس وهتلاقي فرح خارجة هي كمان من هنا بتعيط جنب أختها أماني." *** وقف يتابع سير العمل بعيون شاردة وعقل مغيب، لا يشغله تفكيره سوى ضحكتها ولمعة عينيها الذائب عشقاً بهما.

ترتفع زاوية شفتيه بابتسامة صغيرة حين تذكر عينيها المتسعتين ذهولاً حين انحنى عليها يقبل جبينها برقة، يحدثها بعدها، غير عابئ بنظرات شقيقه ولا زوجته المراقبة له. لا يهتم بشيء سواها... وقد صدرت عنه حركته تلك كبادرة اعتذار منه لها. فليس من ذنب ما يحدث معه من تذبذب في مشاعره، تقلبه من الساخن إلى البارد في تعامله معها، يؤلمه رؤيته تعاسة ودموع عينيها، كما يؤلمه أكثر أن يكون هو المسؤول عن تلك الدموع.

لكن ما بيده حيلة، فهو لا يستطيع إطلاق العنان لمشاعره، سامحاً لها بالتحرر من قيدها، فتكون كسيف مسلط إلى عنقه. حين تعلم بما يخفيه عنها، يخاف بل يرتعب من ردة فعلها عند معرفتها بحقيقة تجاهله قلبه عمداً، حين خشى خسارتها مرة أخرى أو أن تصبح لغيره يوماً. يعلم بأنانية فعله، ولكن أليس كل عاشق بأنانٍ، وهو عاشق لها حتى النخاع، وسيظل دائماً وأبداً يهواها بكل جوارحه.

تنهد بحرارة، يرفع سيجارته إلى شفتيه، ينفث بها عن نيران صدره، لكن توقفت حركته في منتصف طريقها، عاقداً حاجبيه بشدة، مراقباً وقد توقفت سيارة أمام المحل مباشرة. يخرج منها خمسة أشخاص مفتولي العضلات، ويرتسم على وجوهم الشر والإجرام. يقترب أحدهم من إحدى العمال لديه يسأله شيئاً، أشار بعدها العامل ناحيته. ليعتدل في وقفته منتبهاً، وهو يرى اقترابهم منه. يسأله أحدهم بصوت جهوري خشن: "إنت صالح الرفاعي؟!

هز صالح رأسه له بالإيجاب، يجيبه بصوت هادئ. ليقترب منه هذا الشخص، يهتف بغلظة: "عندي ليك رسالة من حد عزيز وبيحبك... بيقولك مبروك عليك جوازة الهنا يا عريس... وده بقى نقطة ليك." وفجأة اندفع هذا الشخص بجسده الهائل، رافعاً قبضته مزمجراً ناحية صالح، والذي أدرك نيته فوراً. ليسارع بتخطي ضربته مائلاً إلى الجانب الآخر، مبتعداً عن قبضة هذا الضخم.

والذي أسرع، وهو وشخص آخر، بتطويقه من الجانبين، ثم يأتي ثالثهم من أمامه ويقوم بلكمه في معدته بقوة وعنف. تأوه لها صالح بشدة، لكن لم يمهله الرجل الوقت، وهو يعاجله بضربة تلو الأخرى. يسود المكان حالة من الهرج والمرج، وقد حاول العاملون لدى صالح التدخل. لكن قام الباقي من الرجال بإشهار أسلحة بيضاء في وجوههم لمنعهم من ذلك.

وفي تلك الأثناء، كان صالح حاول الفكاك من قبضة المعتدين عليه، ليرتكز بمرفقيه على الرجلين المطوقين له من الجانب، رافعاً قدميه معاً ويدفعهم بعنف في صدر من يقوم بضربه من الأمام، فيسقط مرتطماً بالأرض بعنف. ثم يلتفت إلى الشخص على يمينه، ناطحاً له برأسه بضربة عنيفة، تراجع لها هذا الشخص للخلف هو الآخر، تنحل قبضته من حول ذراع صالح الممسك به. ثم يلتفت إلى الآخر، يعاجله بلكمة قوية.

تدور بينهم معركة طاحنة، تدخل بها الجميع، تتطاير معها ألواح الخشب والكراسي. وقد تجمع العديد من أهل الحارة في محاولة لمساندة صالح، والتي صارت الأمور لصالحه. حتى عاجله أحد البلطجية بضربة من سيف عملاق ممسك به، حاول صالح إيقافها قبل أن تصل لرأسه، معترضاً طريقها بساعده. ليشق نصل السيف طريقه في لحمه بضربة قاسية، صرخ لها صالح متألماً، تنبثق الدم منه بغزارة. ثم عاجله بضربة أخرى في أسفل ساقه، سقط لها صالح أرضاً.

فيهرع أهل الحارة ناحيته في محاولة لإنقاذه، استغلها الآخرون وهرعوا من المكان فوراً هاربين. *** "إنتي اتجننتي ولا إيه حكايتك بالظبط يابت إنتي! صرخت بها سماح بحدة وعنف في شقيقتها الباكية، تتنهمر دموعها فوق وجنتيها وملامحها الحزينة. لكن لم يوقف هذا سماح، بل أكملت بغضب: "بقى في واحدة عاقلة تقول لجوزها كده ليلة دخلتهم! رفعت فرح وجهها البائس بعينيها الحمراء وأنفها المتورم من أثر بكائها، تهتف هي الأخرى بصوت مرير محطم:

"كنتي عاوزاني أعمل إيه بعد ما أسمعه بودني وهو بيكلمها بحنينة ويقولها معلش متزعليش... ولما أعرف إنه حتى مهنش عليه يغير أوضة النوم... هاا كنتي عاوزاني أعمل إيه ردي عليا." صرخت بكلماتها الأخيرة بانهيار وألم، جعل قلب سماح يرق لها. لتجذبها إلى صدرها، تحتضنها بحنان، قائلة برفق: "لو أنا مكانك... كنت هكلمه وأسأله وأعرف منه كل حاجة... مش أروح أرمي دبشة أطربق بيها الليلة على دماغي ودماغه." فرح بصوت مختنق تقاطعه شهقات بكائها:

"مقدرتش يا سماح... نار وقادت في قلبي لما سمعته بيكلمها... أنا بموت يا سماح... ياريت كان فضل حلم بعيد ولأني أعيش معاه وهو قلبه مع غيري." انهارت تبكي شاهقة بحرقة، يهتز جسدها كله بين أحضان شقيقتها. لتتنهد سماح، قائلة بصوت متعقل هادئ، حاولت به تهدئتها: "يابت بطلي عبط... وهو لو قلبه معاها كان طلقها من الأول ليه... ولو عاوز يرجعها ما كان قدامه بدل الفرصة عشرة... وبعدين ليه متقوليش إنه اضطر يرد عليها!

رفعت فرح رأسها ببطء، تمسح دموعها بكفيها، تتطلع إلى شقيقتها، تنصت للباقي من حديثها باهتمام، تتطلع إليها بأمل يهفو له قلبها. لتهز سماح رأسها بتأكيد، تكمل: "أيوه صدقيني... وهو لما لقى واحدة رخمة بترن عليه في وقت زي ده، أكيد قلق ورد عليها عشان يعرف عاوزة إيه... وطبعاً زمانها عملت الشويتين بتوعها خلتها تصعب عليه وكده... عادي يعني يا فرح." تلمعت عيني فرح بإشراقة أملها، تتوقف دموعها فوراً.

لكن سرعان ما غيمت سحابة من الحزن عليهم مرة أخرى، تسألها بخفوت: "طب وأوضة النوم... صعبت عليه يغيرها هي كمان؟! مدت سماح طرف إصبعها تزيح الباقي من دموعها، قائلة بحزم تغلفه الرقة: "فرح... افتكري جوزكم تم إزاي وفي وقت قد إيه... ده حتى إحنا نفسنا ملحقناش نجيبلك كام هدوم تدخلي بيهم... عاوزاه هو يغير أوضة نوم في يوم وليلة! ابتسمت في وجهها، تربت فوق كفها، تكمل بحنان: "استهدي بالله يا فرح...

ومتخربيش على نفسك وفكري قبل ما تتكلمي وبلاش شغل الدبش بتاعك اللي هيوديكِ في داهية ده." تلمعت عيني فرح، تنطق بعشقه الذائب قلبها به قبل لسانها، هامسة: "بحبه يا سماح... بحبه... وهو مش راسي معايا على حال، شوية يرفعني لسابع سما وشوية يرميني لسابع أرض، لما هيجنني معاه." تنهدت سماح، تهز رأسها صامتة للحظات، قبل أن تسألها بهدوء: "طيب كمليلي بقى عملتي إيه بعد ما سابك بعدها...

تنهدت فرح بحزن، تقص عليها ما حدث بعدها، تستمع إليها سماح بعيون متسعة متحمسة، وبابتسامة بلهاء تزين ثغرها، حتى أتت على ذكر خروجها لاستقبال شقيقه وزوجته. لتلتوي شفتي سماح بامتعاض: "أنا عمري ما حبيت اللي اسمها سمر دي ولا برتاح لها." أومأت لها فرح هي الأخرى برأسها، مؤكدة على كلماتها، قائلة بنفور: "ولا أنا كمان بحبها ولا برتاح لها، فاكرة كانت بتعمل إيه معانا لما كنا بنيجي هنا مع أمك... هزت سماح رأسها بالإيجاب، تهتف

بعدها بحدة وجسد متحفز: "أوعي تكون كلمتك وحش ولا عملت معاكي حاجة ضايقتك بنت ال*** دي؟ فرح بابتسامة ونظرة عاشقة فخورة: "وهي تقدر وصالح واقف... ده مخلهاش عارفة تفتح بوقها بكلمة طول القاعدة لحد ما قامت هي وجوزها وهو كمان نزل معاهم على طول بعدها." أحنت رأسها هامسة بخجل وارتباك: "بس باس راسي قدامهم قبل ما يمشي وقالي إنه هيرجع على الغدا عشان نتغدى سوا." ضحكت سماح بفرحة وسعادة، تنكزها ممازحة: "طيب عاوزة إيه أبقى...

زما الراجل بيصالحك أهو." ابتسمت فرح بسعادة خجلة، شاردة لوهلة، قبل أن تهتف بنبرة مستنكرة: "ده بيعمل كده ياختي عشان كانوا واقفين... هو في عريس ينزل يوم صباحيته... صرخت سماح بنفاذ صبر، تنهض من مكانها، صارخة باستياء: "لأأأ ده إنتي مليكيش حل، أنا هقوم قبل ما يجرالي حاجة بسببك... الله يكون في عونه صالح." أمسكتها فرح بلهفة، توقفها، قائلة برجاء: "خليكي معايا شوية متسبنيش لوحدي... لحد ما صالح يرجع ونتغدى سوا."

هزت سماح رأسها رافضة، تنهض وتنهضها معها، قائلة: "لأ كفاية عليكي كده... أنا هنزل عشان ألحق الشغل وهبقى أجيب مرات خالك والعيال ونيجيلك تاني." تحركوا معاً ناحية الباب الخارجي، قبل أن تتوقف سماح، غامزة بمرح خبيث: "وابقي جربي تلبسي القميص اللي جباه معايا النهاردة يمكن عقدتكم تتفك... واعقلي يا أم مخ صغير وافرحي وفرحي جوزك." حضنتها فرح بقوة وحب، بادلتها إياه سماح هي الأخرى، قبل أن تمد يدها تفتح الباب، تهم بالخروج.

لكن سمعتهما مكانهما صرخات الحاجة إنصاف، تأتي من ناحية الدرج، وهي تصرخ بلوعة وخوف: "ابني... ياحسن... الحق أخوك ياحسن هيموتوه ولاد الكلب." قفز قلب فرح ذعراً داخل صدرها، حين أدركت من المعنى بصراخها، تندفع فوراً من الباب، تتخبط بخطواتها على الدرج، وهي تهرول فوقه إلى أسفل، تتبعها سماح وإنصاف. وفي لمح البصر كانت بالخارج، تتجه قدماها كالمغيبة ناحية محل عمله، لتتوقف مصدومة، ترتعش رعباً، حين طالعها المشهد من حولها.

فقد جلس صالح أرضاً، مغمض عينيه بقوة من شدة الألم، يشعر كما لو قد شقت ساقه وساعده لنصفين، يتفصد جبينه عرقاً. حين ساعدوه الأهالي على النهوض حتى يتوجهوا به إلى المشفى، لا يفهم من الحديث الدائر بينهم شيئاً، فقد كان مغيباً عنه من شدة الألم. حتى شقت صرختها الملتاعة الهاتفة باسمه وصرخات والدته الحارة.

فتعيد له الانتباه، يتوقف مكانه، ملتفتاً خلفه ببطء، فيراها تهرع إليه بملابس المنزل، ولا يغطي شعرها شيئاً، وخلفها والدته وسماح بملابس المنزل. ليهتف بها بحدة رغم الضعف والألم بصوته، مشيراً لها بيده: "ارجعي على البيت... امشي اطلعي على فوق حالا." تسمرت مكانها من الحدة في أمره، وعيناها تتطلع إليه برجاء أن يدعها تطمئن عليه. بينما تهتف والدته بجزع، وهي تهرع له باكية بحرقة وعيونها فوق جروحه بصدمة، تحتضنه بشدة.

ليطمئنها بصوت حنون هادئ، ثم يلتفت إليها يبتسم بضعف لها، يطمئنها هي الأخرى بصوت ثقيل مرتجف. وقد وقفت تبكي بانهيار أمامه، قبل أن يطلب منها العودة إلى المنزل مرة أخرى بحزم، وعيناه تدور فوقها. ولكن حين وجدها ما تزال تتطلع إليه وهي على حالتها من الصدمة والانهيار، التفت إلى سماح الواقفة خلفها مصدومة هي الأخرى، يهتف بها: "خُديهم يا سماح واطلعوا... أنا كويس مفيش فيا حاجة... اطلعوا بلاش وقفة الشارع دي."

هزت سماح رأسها، تمسك بفرح المنهارة من البكاء، وعينيها معلقة عليه، تحاول إعادتها معها إلى المنزل. لكن شهقت فرح بالبكاء بحرقة، وهي تناديه مرة أخرى بتضرع وخوف. فحاول رسم ابتسامة أخرى ضعيفة، هامساً لها بطمأنينة وعيناه ترق في نظراتها لها: "اطلعي يا فرح معاها، أنا كويس متقلقيش... وكلها دقايق وهكون هنا... اطلعي يلا واسمعي الكلام." أنهى حديثه، يرفض رافضاً قاطعاً توسل والدته بالذهاب معه.

ثم يدخل بعدها بصعوبة إلى السيارة التي أحضرها أحد الأهالي لنقله للمشفى. تتابعه هي، تنهمر من عينيها الدموع بغزارة، وقد سحق قلبها الهلع عليه. تسيطر عليها حالة من اللاوعي والصدمة، فلم تقاوم سماح وهي توجهها ناحية المنزل، تسير معها بجسد غادرته الروح، بعد أن هرعت خلفه، ولن ترد لها إلا بعودته إليها سليماً. *** مر عليهم الوقت كأنه دهراً كاملاً، حتى حانت أخيراً لحظة عودته من المشفى في وقت متأخر من الليلة.

يصحبه والده وعادل وشقيقه حسن، بعد أن هرعوا خلفه فور علمهم بما حدث. وها هي تجلس بجواره فوق الفراش، بعد ذهاب الجميع لتركه حتى يخلد للراحة. بعد سقوطه فوراً في النوم، رغماً عنه من تأثير الأدوية المسكنة لجراحه، قبل حتى مغادرتهم. أما هي، فلم تستطع النوم، تظل في مكانها مراقبة له بقلق، خوفاً أن يحدث له شيء أثناء نومها، برغم طمأنة الجميع لها بأن إصابته لم تكن بتلك الخطورة الظاهرة بها.

لكنها لم تستمع سوى لحديث قلبها، تظل جواره حتى تطمئن من سلامته بنفسها. تمرر أناملها بنعومة في خصلات شعره، تنحني ببطء عليه، تقبل جبهته بنعومة، هامسة بارتجاف تخنقها عبراتها: "بقى كده يا صالح تعمل فيا كده وترعبني عليك... إن شاء الله كنت أنا ولا إني أشوفك كده قدامي... ويا رب ما يتوجع قلبي عليك أبداً." نزلت بشفتيها تلثم وجنته برقة، تهطل دموعها فوقها رغماً عنها.

فتمد يدها ببطء حتى تزيحها برفق ورقة، لكن شهقت بذهول حين قبضت أصابع يده السليمة فوقها، يجذبها إلى شفتيه، يضغطها فوقهم بقوة، يقبلها. ثم يفتح عينيه ببطء، هامساً بتحشرج والرقة في ملامحه: "بعد الشر عليكي... وعلى قلبك." ارتجفت بتوتر، تحاول الابتعاد عنه بارتباك، وقد اشتعلت وجنتيها خجلاً وحرجاً. لكنه أسرع يوقفها، بدس كفه خلف رأسها، تمسك بخصلات شعرها، يجذبها إليه دون أن يمهلها الفرصة لاعتراض.

يقبلها بلهفة ونفاذ صبر، فلا تستطيع أن تقاومه، تسلم له بجميع حواسها للحظات مرت كالنعيم عليهم. حتى ابتعدا أخيراً ببطء عن بعضهما بأنفاس ثقيلة حادة. يحدق بها بعيون مظلمة من شدة عصف المشاعر به، زافراً بعمق، وهو يلف ذراعه السليمة حولها، يجذبها لصدره، يضمها إليه، هامساً برجاء مرتجف: "خليكي جنبي يا فرح... خليكي في حضني عشان خاطري الليلة ومتسبنيش." هزها طلبه بشدة، وصوته يتسلل إلى كيانها، يزيح أي اعتراض لديها.

لتضم جسدها إليه، ترفع وجهها نحوه مبتسمة بخجل، تهز رأسها له ببطء موافقة. ليزيد من ضمها إليه، يغمض عينيه براحة واسترخاء، كمن وجد سكينته في قربه منها. يستسلم مرة أخرى للنوم، استسلمت له هي الأخرى بعد لحظات قضتها في تأمله والتشبع من إحساسها بوجودها بين ذراعيه. *** في المحل الخاص بأنور ظاظا، أمسك هاتفه متحدثاً بصوت حاول السيطرة عليه، هامساً بقلق وتوجس: "يعني إيه مش إنتوا... أومال مين اللي عمل كده؟!

صرخ هذه المرة بشدة، غير عابئ أن يصل صوت للأهالي بالخارج: "إنت مش قلت هتنفذ النهاردة... بقى مين دول لو مش تبعكم! أغمض عينيه بنفاذ صبر، قائلاً بعصبية: "متعرفش مين... طيب متقدرش تعرف لي مين اللي عملها؟ هتف بنفاذ صبر واستهجان: "لأ برضو... طب اقفل... اقفل بدل ما أطلع قرفي عليك." أغلق الهاتف، عاقداً حاجبيه بتفكير وتوتر: "لما مش هما اللي عملوها... أومال مين... مليجي مثلا! أصدر من فمه صوت يدل على النفي، يكمل بتأكيد:

"لأأ مليجي ملوش غير في ضرب النسوان... مهما كان اللي عملها في ده قلبه ميت ومغلول أوي من صالح، وأنا بقى مش هرتاح إلا لما أعرف هو مين...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...