الفصل 8 | من 34 فصل

رواية ظلمها عشقا الفصل الثامن 8 - بقلم فرح صالح

المشاهدات
27
كلمة
4,009
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

بجسده كجمرة النار وعيونه المظلمة وقف يحدق في حروف اسمها الظاهرة فوق شاشة هاتفه. فبرغم تجاهله لرسائلها طيلة اليوم، وهي تتوسله فيها تارة وتهدده تارة أخرى، لكنه لم يتوقع أن تكون بتلك الجرأة والجنون وتقوم بالاتصال به بمثل هذا الإلحاح في هذا التوقيت. لعن نفسه لعدم قيامه بإغلاق الهاتف.

لكنه خشي عودة مليجي وقيامه بشيء يستدعي تدخله وقتها، لذا لم يجد أمامه حلاً وقد طفح به الكيل سوى بالرد عليها ووضع الأمور في نصابها الصحيح معها. تحرك مغادرًا الغرفة، متجاهلاً نداء فرح الملهوف له لمعرفة هوية المتصل. وقف بعدها بجسد مشدود، وأصابعه تضغط فوق الهاتف بعد أن ضغط زر الإجابة، يهتف بها بحدة وغضب: "أتجننت خلاص يا أماني؟ وكمان بتتصلي بيا في وقت زي ده! ساد الصمت من طرفها لحظة قبل أن تجيبه بصوت مرتعش خائف، كأنها

صدمت لهجومه العنيف عليها: "غصب عني.. مقدرتش أستحمل وكان لازم أكلمك." ضغط صالح على أسنانه يفح من بينهم، وصوته يحمل الوحشية والقسوة رغم محاولاته للسيطرة: "أنا ماسك نفسي عنك طول اليوم، وإنتي عمالة تبعتي في رسائلك الـ... وأقول معلش، هتعقل وتفوق للي بتعمله. وآخرها بتهدديني يا أماني تيجي هنا وتفضحيني! هتفت أماني به بحرقة وألم، تحشرج صوتها بالبكاء:

"كنت عايزني أعمل إيه وأنا شيفاك بتضيع مني وبتكون لواحدة غيري.. أنا بموت يا صالح، بموت.. خايفة أنام مصحاش من كتر الوجع اللي في قلبي." زفر بقوة، يضغط فوق جسر أنفه بقوة، قائلاً لها بصوت هادئ لين، لعله يبث به بعض التعقل داخل عقلها: "خلاص يا أماني اهدى، ملوش لازمة عياطك ده.. اللي حصل حصل.. والظروف حكمت بده.. يبقى تهدي وبلاش تعملي في نفسك كده." لكن زادت حالة الهياج لديها بعد رده الهادئ هذا عليها، صارخة به بجنون وغضب:

"ده كل اللي عندك تقوله ليا؟ اهدى وبلاش أعمل في نفسي كده! التف حول نفسه، يشعر بحاجته للحركة قبل أن يقوم بركل وتحطيم شيء ما، هامساً بحدة وعيون مظلمة من شدة غضبه: "صوتك ما يعلاش عليا، فاهمة ولا لأ.. اقفلي يلا... أنا اللي غلطان إني رديت عليكي من الأساس." توحش صوتها تهتف بغل تعميها نار غيرتها:

"إنت رديت مش عشان سواد عيوني ولا خوفك عليا.. لااا، إنت خفت مني أنفذ تهديدي وأجي لعروستك أعرفها إحنا اتطلقنا ليه.. عشان كده لازم تسمع كل اللي عندي." تجمد جسده، يقبض بأصابعه بقوة فوق ظهر إحدى الكراسي حتى ابيضت مفاصله، يسمعها تتحدث إليه بخبث ساخر: "طبعًا مصدوم إني عارفة ومتأكدة إنك خبيت عليها.. عشان تعرف بس إن محدش قادر يفهمك أدّي.. بس عندك حق تخبي عليها، وجعتك ما هي مش ملاك ونازل من السما عشان ترضى بوضع زي ده."

سرعان ما انخفض صوتها بمرارة يغلبه البكاء وهي تكمل: "بس عارفة، هي برضه مسكينة وبتصعب عليا.. وهي هتضيع عمرها معاك على أمل كداب، يا عالم هيحصل ولا لأ.. وفي الآخر المطلوب منها يا إما ترضى وتعيش عمرها كله من غير ما تسمع كلمة ماما.. يا إما تحن عليها وتطلقها.. في الحالتين هي الخسرانة، وهو كله في الآخر لحكم الظروف." صالح بصوت بارد برودة الجليد، لا يظهر تأثره بكلماتها، وقد كانت كلمة منها كفيلة بأن تهدم جبلاً:

"خلصتي كلامك خلاص؟ أماني بصوت مهزوم خافت، لكنه يحمل السم بين طياته: "أيوه يا صالح خلصت.. ومبروك عليك الجوازة الجديدة.. بس يا رب تخلف ظني وظنك وتطلع أجدع من غيرها، مع إن ما أظنش ده هيحصل." أغلق الهاتف ببطء، ملقيًا به فوق المقعد، عينيه تلمعان ببريق مظلم مخيف، شفتيه مضمومتان بقوة، وجسده متصلب يقاوم السقوط في حجيم أضرمت نيرانه فيه من جديد، يتشبث كالغريق حتى لا تجذبه ألسنة لهبه للسقوط بداخله.

لكن، وبرغم جميع محاولاته، لم يستطع المقاومة طويلاً، وقد عاودت لطمه حقيقة تجاهلها عن عمد، قد ألقى بها خلف ظهره متجاهلاً عواقبها تلبية لنداء قلبه العاشق المتيم بها وتوسل روحه ولهفتها لقربها. لكنها عادت الآن لتضربه بسوطها اللاهب تنهشه دون رحمة أو رأفة به. *** مر عليها الوقت وهي مازالت حبيسة تلك الغرفة، تخشى الخروج منها مرة أخرى، تحارب إحباطها وآلامها بعد رؤيتها لأسوأ مخاوفها في هذا الزواج تتحقق أمام عينيها.

برؤيتها ضعفه وحنينه لزوجته الأولى، وهرعه دون لحظة تردد واحدة للحديث معها في ليلة زفافهما ومحاولة تهدئتها بصوته الحنون المراعى، نبذًا خلفه عروسه المصدومة وقد ملأتها خيبة الأمل والانكسار. لتظل مكانها تشعر بالاختناق يحكم قبضته فوق صدرها، فلأول مرة ومنذ دخولها تلك الغرفة، أخذ يلح عقلها عليها بسؤال قاسٍ طعنها بوحشية وهي تتطلع فيما حولها: "هل تكون هذه غرفته مع زوجته الأولى؟ هل ستقضي ليلتها فوق فراش شاركته غيرها فيه يومًا؟!

تغلغل الألم صدرها، وقد ارتفعت في غصة بكاء في حلقها تخنقها، لكنها لم تستطع التمتع برفاهية البكاء الآن، تلعن نفسها لقبولها بهذا الوضع، وقد أغشى عشقها له عيونها وجعلها تتنازل عن أبسط حق لها في هذه الزيجة. تنهدت بألم، وعيناها تدور فوق أثاث الغرفة كأنها تحاول إنكار ما أدركته الآن، هامسة بصوت موجوع: "ده ما هنش عليه يغير الأوضة عشاني حتى.. معقولة لدرجة إني قليلة عنده؟

جلست فوق إحدى المقاعد بجسد هامد مهزوم، تتطلع أمامها بعيون مصدومة تملأها الدموع. للحظات كانت كالدهر عليها، ثم فجأة تبدل حالها فورًا، تجذب نفسًا عميقًا داخل صدرها وهي تنهض واقفة، تهتف بعزم وكبرياء برغم دموع الإهانة التي تلمع بها عيونها: "لاا، وحياة غلاوته عندي ما يحصل، ولا هيمس مني شعرة لو اللي في دماغي ده صحيح.. أنا مش قليلة ولا عمري هكون، ولازم يفهم ده كويس."

توجهت نحو الباب، يحركها شعورها بالغضب والإهانة وتجاهله لوجودها، تفتحه ثم تتجه خارجه بخطوات صامتة سريعة، تبحث عنه بعينيها في أرجاء المكان وهي تحارب دموعها الخائنة المطالبة بالتحرر. تتوقف بغتة مكانها بتجمد حين وجدته يجلس فوق إحدى المقاعد، يستند بمرفقيه فوق ساقيه، محني الرأس وكتفيه متهدلين بشدة، كأنه تحت وطأة ثقل هم شديد. لا تعلم لما زاد رؤيته بهذا الشكل من وهج غضبها وطعم الخسارة بحلقها كالعلقم، تعميها غيرتها بعد أن أدركت من المسؤول عن حالته تلك ولماذا.

لذا هتفت به دون مقدمات بحدة وعنف: "شوف بقى، أنا استحالة هنام في الأوضة دي.. واعرف كمان إنك مش هتمس مني شعرة طول ما الأوضة دي موجودة." مرت لحظة صمت قاتلة بعد حديثها المندفع هذا له، وقفت خلالها تتملل في وقفتها وهي تهيئ نفسها لاستقبال ردة فعله مهما كانت على ما قالته. تطول بهم لحظات الصمت.

حتى اتسعت عيناها برهبة واضطراب بعدما رفع أخيرًا عينيه ببطء إليها، دون أن تتحرك في جسده عضلة أخرى، يحدق بها بنظرات ثابتة جعلت البرودة تسري في عروقها، تجمد الدماء بها وهي تتابع مرتجفة نهوضه البطئ من مكانه، متقدمًا نحوها بثبات. لتزدرد لعابها بصعوبة وهو ينحني عليها، تتقابل نظراته بعينيها دون أدنى تعبير بهما، ووجه قد من حجر، هامساً بصوت جليدي: "الشقة عندك واسعة.. والمكان اللي يريحك نامي فيه.. تصبحي على خير."

ثم غادر فورًا، تاركًا لها خلفه شاحبة مترنحة، تشعر بالدوار يلفها، وقد تلقت لتو أعنف ضربة لكبريائها الأنثوي، فرده البارد اللامبالي هذا كان أشد إيلامًا وقسوة عليها من إجابته لاتصال طليقته منذ قليل. *** لم يغمض لها جفن منذ أن تركها تجلس فوق إحدى المقاعد بجسد مرهق وعيون تتساقط دموعها بغزارة تغرق وجنتيها، حتى غلبها الإرهاق والنعاس أخيرًا، تسقط نائمة مكانها دون حراك حتى الصباح.

وبعدما اخترقت تحركات وأصوات قربها غيمة نومها تبددها، لتنهض تتأوه بألم وهي تحاول أن تمسد باناملها عضلات عنقها المتيبسة بشدة. تتأوه بألم، لكن أتى صوته الحازم مناديًا لها من خلفها، فتوقفت حركاتها، تلتفت إليه سريعًا، ليكمل وقد وقف بكامل ملابسه أمامها يمسك بعلاقة مفاتيحه، قائلاً: "أنا نازل.. وعندك الفطار جاهز في المطبخ." ثم تحرك متوجهًا ناحية الباب، يكمل بصوته البارد غير المبالي: "وبعد كده ابقي نامي في أوضة... الأطفال."

تحشرج صوته وتباطأ في كلمته الأخيرة، لكنها لم تنتبه وهي تسرع ناهضة، تجري خلفه تسأله بلهفة وارتباك: "إنت رايح فين الصبح كده؟! التفت لها بوجه خالٍ من التعبير: "نازل الشغل.. في طلبية هتوصل المخازن ولازم أكون موجود هناك حالا." انتهت قدرتها على التحمل والتظاهر بالقوة واللامبالاة، تسأله بصوت مرتجف حزين: "صالح، إحنا اتجوزنا امبارح بس.. مفكرتش شكلي هيبقى إيه لما الناس تشوفك نازل كده الصبح بدري يوم الصباحية؟ زفر بحدة،

هاتفا بنزق وخشونة: "يقولوا اللي يقولوه، محدش ليه حاجة عندي.. بعدين مش المفروض أقعد جنبك في البيت عشان كلام الناس وأنا ورايا شغل." أومأت له بوجه شاحب، حاكي وجوه الموتى، تضم جسدها بذراعيها، تتراجع للخلف خطوة، هامسة: "عندك حق، شغلك برضه أهم.. مع السلامة."

تركته فورًا تهرع من أمامه بعد أن تتعالى شهقات بكائها بصوت كان كغمد سكين في صدره. تلحقها قدماه فورًا ودون لحظة تردد منه بخطوات سريعة، متجاهلاً نداء عقله له ألا يفعل. فقربه منها كالخطر جسيم، يلغي كل ما اتخذه من قرارات ليلة أمس. تمسك يده من خصرها، يلفها له بقوة، ثم يجذبها إلى صدره لتدفن وجهها به، تبكي بشدة وانهيار، يرتج جسدها من عنف شهقاتها.

فتوتر جسده بشدة، يلعن نفسه من بين أنفاسه، يهمس لها بعدها بكلمات مهدئة معتذرة، وأنامله تربت فوق خصلات شعرها بحنان حتى هدأت شهقاتها أخيرًا، ليسألها بخفوت وبصوت أجش وهو يزيد من ضمها إليه: "أحسن دلوقتي؟ هزت رأسها بالإيجاب، ووجهها مازال مدفونًا في صدره، وأناملها تتشبث بقميصه من الخلف. ليحدثها بصوت رقيق هادئ، شعرت معه كأنها طفلة مشاغبة يحاول تهدئتها: "طيب تعالي اغسلي وشك.. وافطري."

تجمد جسدها مبتعدة عنه بأنف محمر وعيون منتفخة، يتلطخ وجهها بآثار دموعها، تهتف به بغضب وتذمر: "مش هغسل حاجة.. ومش هفطر.. وبطل تعاملني على إني عيلة صغيرة قدامك." التوت شفتي صالح، قائلاً بسخرية متهكمًا من نفسه: "ماهو لو كنت شايفك غير كده كانت أمور كتير اتحلت ما بينا.. أولهم جوازتنا دي." اتسعت عينيها متألمة، تتطلع إليه مشدوهة، هامسة:

"عندك حق.. ماهو مفيش واحدة كبيرة وعاقلة ترضى بجوازة عارفة من أولها إنها كانت غلط.. حتى أبسط حقوقها فيها محصلتش." ضغطت شفتيها معًا تمنع ارتعاشتهما، تكمل: "بس إيه يعني.. ماهي برضه عيلة غلبانة وهتفرح بجوازة وشقة مكنتش تحلم بيهم حتى لو مش ملكها من الأساس."

اتسعت عيناه ذهولاً من إساءتها لفهم كلماته وإشارتها مرة أخرى وتوبيخها الخفي له عن إهماله تغيير غرفة نومهم قبل زواجه بها، كأنه تعمد فعل هذا. يهم ليشرح حقيقة الأمر لها، لكن أتى صوت جرس الباب قاطعًا أي حديث بينهم. ليزفر صالح بنفاذ صبر وحدة، يلتفت ناحية الباب، قائلاً: "مين اللي هيجي لنا بدري على الصبح كده؟! ثم التفت إليها، عينيه تدور فوق ملامحها الحزينة للحظات، قبل أن يتحدث إليها بهدوء:

"ادخلي اغسلي وشك وغيري هدومك على ما أشوف مين.. بلاش حد يشوفك كده." اللمعت عيناها بالتحدي، ترميه بنفس كلماته منذ قليل: "اللي يشوف يشوف، محدش ليه حاجة عندي." كز صالح فوق أسنانه، ينحني عليها قائلاً من بينهم ببطء وتحذير، جعلها تتراجع للخلف عنه، تتسع عينيها بخشية وخوف: "لو مش عاوزاني أعاملك زي العيلة الصغيرة زي ما بتقولي.. يبقى تنجري تسمعي الكلام وتدخلي الأوضة ومتخرجيش منها إلا لما أندهلك.. فاهمة؟

أسرعت بهز رأسها بالإيجاب، تفر من أمامه تختفي داخل غرفة النوم في لمح البصر. ليقف هو يتابعها، يهز رأسه بابتسامة صغيرة مرحة حتى اختفت عن أنظاره، ثم ذهب في اتجاه الباب لفتحه. تتسع عينيه بذهول لمرأى أخيه وزوجته يقفان أمامه، قبل أن تدوي من سمر زغرودة طويلة قائلة بفرحة لم تصل لعينيها: "مبروك يا صالح، مبروك يا خويا." أفسح لهما صالح الطريق للدخول بوجه متجهم، مرحبًا بهم بجمود. لتسرع سمر قائلة بعد دخولهم وعينيها تدور بحثًا

في المكان: "أومال العروسة فين عشان نبارك لها؟ أجابها صالح وهو يوجههم لغرفة الاستقبال قائلاً: "اتفضلوا.. ثواني وجاية حالاً.. ازيك يا حسن، وحشتني يا راجل." قالها صالح بتهكم، موجهًا الحديث لشقيقه الصامت منذ لحظة دخوله، ليجيبه حسن بضيق قائلاً: "الحمد لله بخير... مبروك يا صالح." أسرعت سمر تعتدل في جلستها، قائلة بحزم:

"أنا عارفة إنك زعلان مني أنا وحسن، بس وحياتك عندي يا خويا.. إحنا والله فرحانين لك من قلوبنا.. وربنا يجعلها جوازة الهنا عليك.. ومتطلعش زي اللي قبلها أبداً يارب." نكزها حسن بمرفقه بقوة، لتشهق، ضاغطة فوق شفتيها بإحراج، تنظر ناحية صالح متظاهرة بالأسف والخجل. لكن تطلع نحوها صالح بهدوء، لكن ظلمة ووحشية عينيه جعلتها تشحب بشدة، تسرع قائلة بمرح مصطنع في محاولة لتدارك الأمر:

"جرى إيه يا خويا، إنت مش هتنده العروسة نسلم عليها ولا إيه؟ نهض صالح من مقعده قائلاً: "هقوم أناديها تسلموا عليها عشان عاوز أنزل ورايا شغل." شهقت سمر مستنكرة بحدة قائلة: "شغل؟! شغل إيه اللي عاوز تنزله يوم صباحيتك ده؟ إنت عاوز الناس تتكلم ولا إيه؟

توقف صالح يلتفت ببطء، تتطلع عينيه نحو شقيقه بخيبة أمل وأسف للحظات، فأحنى حسن رأسه حتى كادت تلامس ذقنه صدره من شدة خجله وارتباكه، قبل أن يغادر صالح المكان مسرعًا دون الرد عليها. لتهتف سمر بحسن بعدها قائلة وابتسامة شامتة فوق شفتيها: "جدع إنك قلتله إنك تعبان ومش هتنزل الشغل الفترة الجاية." حسن ونظراته تتبع شقيقه بحزن وتذمر:

"تعبان فين بقى.. وأنا طابب عليه زي القضا المستعجل الصبح كده.. يعني خلاص لازم نطلع لهم في وقت زي ده! سمر وهي تنكزه بحدة: "اسكت إنت مش فاهم حاجة.. ما أنا كان لازم أطلع وأشوف بعنيا عروسة الهنا عملت إيه بعد مكالمة أماني امبارح لأخوك." حسن بنزق وهو يعتدل جالسًا: "وده هتعرفيه إزاي بقى؟! ابتسمت سمر بخبث هامسة: "لاا، ما أنا هعرف يعني هعرف.. ويا رب تكون أماني عرفت تطينها صح على دماغهم ليلة امبارح." ***

"إنت مش بترد على تليفوناتى ليه يا عادل من امبارح؟ زفر عادل بقوة، يرجع للخلف إلى ظهر مقعده قائلاً: "عشان لو كنت رديت عليكى كنت هقولك كلام مش هيعجبك منى يا ياسمين." جلست ياسمين في فراشها تصرخ به بعصبية، عاقدة حاجبيها بعبوس: "ليه.. عشان إيه كل ده.. عشان قلتلك مش عاوزة أسكن في شقة في الحارة؟! صرخ عادل بها هو الآخر، عينيه تطلق شرار الغضب: "لاا، مش عشان كده يا ياسمين.. وإنتِ عارفة كويس إنتِ عملتي إيه." تنهدت ياسمين،

تقلب عينيها بملل قائلة: "طب خلاص يا سيدي متزعلش.. بس إنت عارف أنا مبحبش حد يقولي لأ على حاجة عاوزاها." عقد عادل حاجبيه يسألها ببطء وهدوء ما قبل العاصفة: "يعني إيه بقى كلامك ده مش فاهم؟! ياسمين وهي تتطلع إلى أظافرها تهز كتفها بلا مبالاة قائلة: "يعني أنا متعودتش حد يرفض ليا طلب.. وأظن أنا من حقي أحدد هعيش فين ومع مين يا عادل." عادل بصوت بارد: "طيب ولو قلت لأ يا ياسمين مش هعمل اللي طلبتيه.. ولا هسيب بيت أهلي أبدًا؟

احتقن وجهها من رده البارد عليها، لكنها أجابته بغرور وثقة من يملك الورقة الرابحة: "يبقى ساعتها أقولك كل شيء قسمة ونصيب.. وتعالى عشان تقعد مع باباه وتنهي كل حاجة معاه." ساد الصمت من طرفه فترة طويلة، ليدب الخوف في قلبها، تختفي ثقتها وهي تناديه بعدم يقين. ليأتي صوته بعدها قائلاً: "خلاص يا ياسمين، اللي تشوفيه.. وماشي كلامك." ارتفعت نظرة غرور في عينيها، تنشق شفتيها ببسمة انتصار، ولكن سرعان ما اختفت فور أن سمعته

يكمل ببرودة شديدة وحسم: "بلغي عم منصور إني جاي بعد المغرب.. وزي ما قولتي كل شيء قسمة ونصيب."

أغلق المكالمة من طرفه بعد حديثه فورًا، فاخذت تتطلع إلى الهاتف بعيون مصدومة وفم مفتوح ذهولاً. فلم تكن تتخيل أن يكون رده عليها حاسمًا وبهذه السرعة. فما قالته لم يكن سوى تهديد فارغ منها في الهواء، لم تريد به سوى الضغط عليه حتى يرضخ لتنفيذ طلبها. ترتجف رعبًا مما هو آتٍ وهي تفكر كيف ستبلغ أباها وصالح بما حدث الآن، فلو قتلوها بعد علمهم بما فعلته وقالت سيكون قليلاً عليها من وجهة نظرهم. ***

دلف إلى داخل الغرفة، تتسمر قدماه حين وجدها تقف أمام المرآة تحاول وضع القليل من الزينة على وجهها، ليهتف بها بحدة: "إنتي بتعملي إيه... متحطيش أي هباب من ده على وشك." رمت القلم من يدها بحدة فوق طاولة الزينة، تلتفت له هاتفة بغضب ومازال الإرهاق والاحمرار ظاهر في عينيها: "يعني عاوزني أطلع لضيوفك بوشي عامل كده؟

اقترب منها ببطء، وفوق شفتيه ابتسامة أذابتها رغماً عنها، ونظراته المحدقة بها والتي تنبض بالحياة أذابت قلبها، تتقاذف نبضاته بشدة في صدرها حين انحنى عليها يهمس برقة ونعومة أذابت الباقي منها: "ومالك كده.. ما إنتِ زي القمر أهو." أغمضت عينيها ترتجف بقوة وهي تشعر بشفتيه تلامس وجنتيها برقة، ثم يعتدل ببطء، عينيه تتطلع في عينيها بشغف لم يستطع السيطرة عليه، هامساً: "ده يمكن حتى إنتِ أحلى منه كمان."

شعرت كأنها تمسك النجوم وتطفو فوق غيمة وردية صنعتها كلماته لها، لكن سرعان ما اختفت بعد أن نهرت نفسها لسقوطها تحت تأثير سحره عليها، يحل بدلاً عنها أخرى عاصفة محملة بالصواعق. فقد سئمت تلاعبه بها وتقلبّه الدائم معها من البارد إلى الساخن والعكس، لذا دفعت بكفيها في صدره تدفعه بقسوة تبعده عنها، هاتفة بغضب وعصبية: "طب ابعد كده عشان أنا خلاص قربت أجيب آخري." تحركت ناحية الباب بخطوات غاضبة، لكن أوقفها صوت المتسائل بجدية

رغم الابتسامة على شفتيه: "وإيه هو آخرك بالظبط يا فرح؟ أجابته بهدوء دون أن تلتفت له ويدها فوق مقبض الباب تمسكه بقوة: "صدقني، أنا نفسي مش عارفاه.. بس متأكدة إنه لو حصل ساعتها مش هيعجبك ولا هيعجبني." *** جلس أنور ومعه ثلاثة من الرجال مفتولي العضلات في إحدى المقاهي، يهتف بهم بتحذير وحدة: "عاوز ضرب موت، مش عاوز في جسمه حتة سليمة. ولو ممكن كمان خبطة مطوة تجيب أجله يبقى حلو أوي." هز إحدى الرجال رأسه برفض قائلاً

بصوت أجش غليظ: "لاا يا معلم، ضرب المطاوي ده ملناش فيه.. عاوزة علقة موت ماشي، لكن نزف دمنا لأ." أنور بغلظة هو الآخر ووجه مستنكر: "لاا راجل ياض.. ده على أساس دمه اللي هيسيح من الضرب ميبقاش تنزيف؟! نفخ من أنفه بغيظ وإحباط، يكمل بعدها موافقًا على مضض: "ضرب ضرب.. المهم يتعجن فيها وعلى الأقل يقعد فيها سنة في الفرشة مدغدغ.. مين عارف مش يمكن يخلص في أيديكم وتبقى جت من عند ربنا."

همهم الرجال له بالموافقة، ليدخل أنور يده داخل جيب بنطاله، يخرج منه رزمة من الأوراق المالية، يدفعها ناحيتهم، اختطفوها منه بعيون جشعة وأيادي متلهفة. فيهتف لهم بحزم: "مش بوصيكم، عاوزة علقة موت.. مش عاوز أمه نفسها تعرفه من كتر الضرب اللي هياخده." اللمعت عيناه بالغل، يكمل هامسًا بحقد وغيرة تأكله: "وتبقى تفرح بنت الـ**** بجوازة الهنا وعريس الغفلة وهو راجع لها مفيش في جسمه حتة سليمة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...