عارفة لو مش هتبطلي ضحك هقوم أجيبك من شعرك.. أنا بقولك أهو. صرخت بها فرح بغيظ وصوتها مختنق بالبكاء، تحاول إيقاف شقيقتها عن الضحك، لكن سماح لم تستجب لها، بل زادت نوبة الضحك التي أصابتها حتى أصبحت تستلقي فوق ظهرها وهي تمسك بمعدتها. لتنهض فرح من جوارها تهتف بها باكية: أنا غلطانة إني حكيت لكِ حاجة أصلاً.. ما تبقيش تسألينى عن حاجة تاني علشان مش هرد عليكي.
اندفعت إلى غرفتها بخطوات سريعة غاضبة، تدخلها متجهة إلى فراشها، تلقي بجسدها فوقه شاهقة بالبكاء. لتتبعها سماح مقتربة منها وهي تزيح دموع الضحك عن عينيها قائلة بصوت ما زال أثر ضحكاتها به: طب قومي متزعليش، خلاص مش هضحك تاني. لم تتحرك فرح من مكانها، تستمر في بكائها. فتهتف بها سماح مدافعة عن نفسها: ما هو انتي يا فرح برضه عليكي عمايل، ولا شغل العيال والفروض يعني إنك كبرتي عليها. اعتدلت فرح جالسة
وهي تصرخ بغضب وطفولية: هو إيه حكاية كبرتي النهاردة معاكم.. هو يقول لي كبرتي، وإنتي تقولي لي كبرتي.. وكله شغال ضحك عليا. جلست سماح جوارها تربت فوق كفها برفق قائلة بحنان: طب خلاص بقى متزعليش.. أنا بس مستغربة اللي حكيتيه.. مش ده خالص صالح اللي كل الحارة تعرفه وعارفة هيبته وشدته. تنهدت فرح تضم شفتيها في محاولة
لتوقف عن البكاء قائلة: وأنا كمان بقيت مستغربة.. من وقت ما خلصت مدرسة وهو قلبه معايا.. وبعد ما كان بيكلمني ويضحك في وشي ويهزر، بقى كل ما يشوف خلقتي يزعق لي يتريق عليا.. لحد ما اتجوز، وبقيت أنا اللي بهرب حتى لو شفته ولو صدفة. هزت سماح رأسها بحيرة قائلة: والله أنا بدأت أشك إنه... صمتت عن إكمال حديثها، تعقد حاجبيها بتفكير شاردة للحظات. لتتوقف فرح عن البكاء خلالها تهزها من كتفها بعدما طال صمتها تسألها بلهفة: إنه إيه؟
انطقي.. لو فهمتي حاجة فهميني. نفضت سماح عنها حالة الشرود، ناهضة عن الفراش قائلة بحزم: مفيش حاجة ولا بتاع.. إحنا هنعملها فيلم.. قومي يلا فزي من مكانك اغسلي وشك.. وشوفي هنقول إيه لخالك لما يجي يا فالحة. ارتمت فرح بجسدها فوق الفراش تعاود الاستلقاء مرة أخرى وهي تدفن رأسها أسفل الوسادة قائلة: يعمل اللي يعمله.. والله مانا راجعة هناك تاني ولو قتلني حتى.
نهضت سماح من جوارها تعقد حاجبيها بشدة هامسة بقلق وتوتر وقد أيقنت أن هذا اليوم لن يمر عليهم بخير وسلام أبداً: ما هو ياريت على قد قتلك انتي بس.. دي هتبقى حفلة قتل جماعي لينا كلنا النهاردة. دخل إلى الشقة الخاصة بوالديه وما زالت بقايا ضحكته مرتسمة فوق شفتيه، يتلاعب بالمفاتيح الخاصة به بين أصابعه وهو يدندن لحناً سعيداً من بين شفتيه، متجهاً ناحية والده الجالس فوق أريكة يتابع التلفاز باهتمام وتركيز.
ولكن توقف ملتفتاً إليه بدهشة قائلاً بتعجب سعيد: خير يا صالح.. بقالي كتير مشفتكش فرحان كده.. لا وبتغني كمان؟! جلس صالح بجواره يمازحه بمرح: لدرجة دي يعني كنت قالبها غم علشان تستغرب لما أضحك يا حاج! هز والده كتفه قائلاً بسعادة: أكدب عليك وأقولك لأ.. بس مش مهم، المهم إن الضحكة رجعت تنور وشك تاني. هتف بعدها يكمل وعينه تلمع بأمل ورجاء: قولي إن سبب ضحكتك وفرحتك دي.. إنك خلاص وافقت ترجع مراتك وهتفرح قلبي وقلب أمك..
تبدل حاله تماماً فور أن نطق والده كلماته تلك، يكفهر وجهه بشدة وعينيه تتقاذف بداخلها الشرارات كالبرق، يتخشب جسده بشدة وهو يفح من بين أنفاسه قائلاً بصوت غاضب: لأ.. وياريت يا حاج نقفل على السيرة دي.. ومتفتحيهاش معايا تاني. توتر الحاج منصور في جلسته وهو يرى تغير حال ولده للنقيض بتلك السرعة، يهمس بقلق مبرراً: متزعلش مني يا ابني.. أنا بس عايز أطمن عليك وأشوفك متهني ومراتك كمان بنت ناس و...
توتت شفتي صالح بمرارة شارداً عن الباقي من حديث والده، تتدافع داخل عقله مشاهد شهوره الأخيرة مع ما يسميها والده بابنة حلال حتى. توقفت عند مشهده الأخير معها قبل طلاقهم مباشرة، عندما وقف مكانه يتطلع إليها وهو يراها تتحدث في هاتفها بسخرية دون أن تشعر حتى بوجوده، وكلماتها كانت كالحمم تنهمر فوق رأسه وسمعه دون رحمة، حين استمع إلى صوت ضحكتها المنتصرة السعيدة، قبل أن تكمل حديثها بخبث وتعالٍ أصابه بالنفور منها والغثيان.
فتقدم خطواته ببطء وهدوء، رغم ما يمر به من مشاعر غاضبة تجعله يرد تحطيم أرجاء المكان فوق رأسها، ملتفاً حول مقعدها حتى أصبح أمامها مباشرة، لتشهق هالعة تلقي بهاتفها أرضاً صارخة باسمه، وقد كسى وجهها الشحوب من حضوره المفاجئ. تفرك كفيها معاً بتوتر وقلق، ثم حاولت التقدم منه تهم بالحديث، لكنها توقفت مكانها مرة أخرى حين رأت عينيه تنهيها عن هذا، فقد كانت نظراته لها شديدة القسوة والبرود.
فأخذت تحاول مرة أخرى التحدث بصوت حاولت إظهاره طبيعياً، لكن خرج رغماً عنها مرتجفاً متلعثماً قائلة: دي.. دي أميمة أختي.. كنت بكلمها عن.. عن... صمتت بأضطراب تحاول البحث وإيجاد كلمات تسعفها في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن توقف عقلها عن العمل حين وجدته يتحرك من مكانه متقدماً منها ببطء. تنكمش فوق نفسها رعباً ظناً بأنه سيقوم بضربها كما تستحق، لكنها صدمت حين وجدته يجلس فوق المقعد بكل هدوء قائلاً بصوت رغم هدوئه
إلا أن به شيء مظلم غاضب: لا مش محتاج تقوليلى كنت بتقولها إيه.. أنا سمعت كل حاجة ومفيش لزوم أسمعه تاني. ازداد توتر جسدها وهي تفرك كفيها معاً مرة أخرى بأضطراب وقلق، سرعان ما تحول إلى صدمة وذهول، تنهار قدماها أسفلها لتسقط أرضاً بقوة، تحرق الدموع عينيها حين قال بصوته البارد الجاف رغم الوحشية في عينيه وشراسة ملامحه: انتي طالق يا أماني.. طالق.
كلمات قالها وليس نادماً عليها أبداً، أنهى بها أشهر من العذاب لن يعيدها مهما حدث، فيكفيه شعوره الآن بالارتياح والسكينة منذ أن قالها لها، بعد ظلام وعذاب كادوا أن يقضوا عليه بلا رحمة. أفاق من تلك الدوامة التي ابتلعته بداخلها مثل كل مرة يقومون فيها بذكرها أمامه. تنتبه حواسه على صوت شقيقته المتذمر وهي تقاطع حديث والده معه الشارد هو عنها قائلة: بابا انت لسه متصلتش بمليجي علشان يبعت البت فرح؟! التف إليها الحاج منصور قائلاً
بتأكيد: لا اتصلت بيه.. وقالي هيبعتها حالا. زفرت ياسمين هاتفة بحنق: طب ليه الهبابة دي مجتش لحد دلوقتي.. هدر صالح ناهراً إياها بحدة وغضب: ياسمين.. لمي لسانك واتكلمي عدل. توترت ياسمين قائلة بأرتباك: أنا آسفة يا صالح.. أنا مقصدش و... لكنه قاطعها بخشونة يسألها: بعتي لفرح ليه.. عايزها في إيه؟ هزت ياسمين كتفيها قائلة بعدم اهتمام: هعوزها في إيه يعني.. كانت هتيجي تساعد معاهم في المطبخ.. العادي بتاعها يعني.
نهض صالح عن مقعده بعنف وهو يهتف بها محذراً بحدة: أنا مش قلتلك اتكلمي عدل. ضربت ياسمين الأرض بقوة قائلة بعبوس: في إيه يا صالح.. هو أنا قلت إيه غلط دلوقتي.. مش دي شغلتهم. أتى تعنيفها هذه المرة من الحاج منصور، وقد هتف بها غاضباً وبصوت حاد: بنت يا ياسمين احشمي نفسك واتكلمي عدل.. دول جيرانك يعني زي أهلك ومش معنى إنهم بيجوا يساعدوا أمك في حاجة يبقى تتكلمي عنهم كده.. فاهمة ولا لأ؟
زفرت ياسمين حنقا وهي تضرب الأرض بقدمها مرة أخرى اعتراضاً منها على حدتهم معها، ثم اندفعت مغادرة المكان سريعاً وهي تدمدم بكلمات حانقة. ليل تلتفت الحاج منصور بعدها إلى صالح زافراً بنفاذ صبر قائلاً: البت دي خلاص دلعنا فيها.... صمت عن حديثه هازاً رأسه زافراً بقلة حيلة. ليحدثه صالح بهدوء قائلاً: فرح جت بس رجعت تاني روحت.. أنا قابلتها وأنا طالع. هتف الحاج منصور قلقاً: خير روحت تاني ليه؟
أجابه صالح وهو ينحني يستعيد مفاتيحه والتي ألقى بها فوق المنضدة عند دخوله قائلاً بصوت عادي النبرات: أبداً.. رجليها كانت دخل فيها مسمار وبتوجعها فروحت علشان مقدرتش تكمل. هاهز الحاج صالح رأسه استحساناً قائلاً: كده أحسن برضه.. والله البنت دي إن كان هي ولا أختها بنات جدعة ومحترمة وأنا بعتبرهم زي ياسمين أختك بالظبط.
هز صالح رأسه ببطء موافقاً له، وجهه صفحة بيضاء لا تظهر عليه تأثره بذكر اسمها أمامه ولا ضربات قلبه الخافقة بجنون وهو يتذكرها بين ذراعيه منذ قليل، يتحدث قائلاً بهدوء وثبات شديد: أنا طالع شقتي لحد ما الضيوف تيجي.. تأمرني بحاجة يا حاج. اتسعت عيني الحاج منصور قائلاً: هتطلع دلوقتي؟! مش هتستنى نكمل كلامنا؟ أغمض صالح عينيه زافراً محاولاً الهدوء، وقد عاوده شعوره بالاختناق والغضب مرة أخرى، قبل أن يتحدث قائلاً برجاء وصوت
أوضح أنه أصبح على الحافة: يا حاج أبوس إيدك.. قفل عليه الموضوع ده.. وإن كان على ضحكتي أوعدك مش هتشوفها على وشي تاني بس بلاش سيرتها قدامي مرة تانية. أنهى حديثه ثم استدار مغادراً دون أن يمهل والده الفرصة لحديث آخر عن هذا الموضوع، والذي أصبح يفر هارباً منه ككابوس مميت خانق لأنفاسه. تبختر مليجي في خطواته، يلقي بالسلام هنا وهناك وهو في اتجاه محل أنور ظاظا حسب الموعد المحدد بينهم.
يدلف إلى داخل المحل هاتفا بتذلل لأنور الجالس فوق مقعده يمرر أنفاس أرجيلته عبر صدره مستنشقاً إياها بأستمتاع ولا مبالاة: أنا جيت أهو يا برنس.. تأمرني.. كنت عايزني في إيه؟ أشار إليه أنور بيده ناحية الكرسي الآخر ليسرع مليجي بالجلوس فوقه وهو يتطلع إليه بفضول وترقب، منتظراً لعدة لحظات استغرقها أنور في إنهاء أرجيلته قبل أن يتركها من يده قائلاً: شوف يا مليجي من غير كلام كتير.. أنا عايز أنسبك. تهلل وجه مليجي بالفرحة،
تشع عينيه وهو يهتف بلهفة: ده يوم المنى يا سي أنور.. إحنا نطول.. بس مين فيهم سماح ولا.. قاطعه أنور سريعاً قائلاً بلهث وعينيه تنطق بالشوق: الصغيرة.. يا مليجي.. أنا عايز الصغيرة. لوى مليجي شفتيه بابتسامة خبيثة مدركة قائلاً ببطء: قلتلي بقى عينك من البت فرح... ثم اقترب منه يكمل بصوت يتراقص جشعاً: بس ياترى بقى هتقدر على مهرها يا برنس؟ أجابه أنور سريعاً
وبصوت ملهوف: اللي تطلبه يا مليجي من جنيه لمليون بس فرح تبقى ليا وبتاعتي النهاردة قبل بكرة. تراجع مليجي للوراء يرسم على ملامحه التردد والحيرة قائلاً: بس اااا.. طيب وحريمك الاتنين هيوافقوا على الجوازة دي. عقد أنور حاجبيه بشدة قائلاً ببطء محذراً: وهما هيعرفوا منين يا مليجي... بقولك إيه صحصح معايا كده!! اتسعت عيني مليجي بإدراك قائلاً: تقصد إنك عايز البت في جوازة عرفـ... قاطعه أنور سريعاً قائلاً بتأكيد: أيوه...
زي ما فهمت كده بالظبط وأنا شاري ومستعد لكل طلباتها. عقد مليجي حاجبيه قائلاً بصوت قلق متحير وقد اختلف الأمر تماماً في حساباته: بس كده الوضع اختلف.. والبت ممكن تعصلج ومترضاش ساعتها... هب أنور من مقعده واقفاً بعنف أسقط أرجيلته أرضاً بدوي عالٍ صارخاً فيه بشراسة كأنه لم يحتمل مجرد تصور أن يتم رفضه من قبلها: بت مين يا عايك اللي تقول لأ وترفضني.. اصحى وفوق شوف انت بتتكلم مع مين.. دانتم شاحتين الحارة يا عايك ولا نسيت.
توتت شفتيه نفوراً يكمل باستعلاء وصوت محتقر وهو يرى تململ مليجي في معقده متوتراً: مفكر مين يرضى يناسبك ولا يحط إيده في إيدك ويتجوز بنات اختك دول.. فوق انت وبنت اختك يا عايك وبلاش اللون ده عليا من أولها كده. أسرع مليجي يحاول تهدئته ترتجف فرائصه أمام غضب وعنف أنور المشتعل أمامه قائلاً بأرتباك وخنوع: براحة بس يا برنس... الكلام أخذ وعطى.. أنا بقول يمكن.. يمكن مش أكتر.
جلس أنور فوق مقعده مرة أخرى يضع ساقاً فوق أخرى هاتفاً بتعالٍ وحدة: مفيش يمكن ولا بتاع.. البت ليا وبتاعتي وكله بتمنه ولا إيه؟! هز له مليجي رأسه بالموافقة تظهر أسنانه الصفراء في ابتسامة جشعة خبيثة حين أتى على ذكر الثمن قائلاً بتأكيد وحزم: خلاص وماله يا برنس اللي تأمر بيه وطالما كله بحسابه يبقى البت متغلاش عليك.. وهو كله جواز وشرع ربنا.
شعر أنور بعد حديثه هذا باطمئنان نفسه وخفقات قلبه تتراقص فرحاً وسعادة، فأخيراً ستصبح له.. من ملكته وأطارت النوم من عينيه وفعلت به ما لم تفعله أنثى من قبلها، فبرغم تعدد زيجاته وعلاقاته المتعددة لم تستطع أنثى خطفه وخطف قلبه كما فعلت هي، كلما رآها تغدو أمامه يمني نفسه بالصبر حتى تطالها يده، لكن لم يعد للصبر مجال بعد الآن، قد حدث ما حدث ورأى في عيون غيره شيئاً مماثلاً لما في قلبه نحوها وإن لم يكن أكثر.
ظلت كما هي على حالها منذ أن تركتها سماح، لا يتحرك لها ساكن، تدس رأسها أسفل الوسادة، يظن من يراها أن داخل سبات عميق، لكنها كانت بعيدة كل البعد عن النوم وراحته.
وقد أخذت تقيم لنفسها محاكمة قاسية داخل عقلها، كانت فيها القاضي والجلاد، تلعن وتسب غبائها كلما تذكرت كل ما حدث بينهم، فهي في يوم واحد فقط أظهرت نفسها أمامه كحمقاء متسرعة لا تناسب أفعالها سنوات عمرها التاسعة عشر أبداً، وليس مرة واحدة لا لا بل مرتين، كأنها تأكد عليه فكرته عنها. لذا ظلت تبكي بحرقة وبشهقات مكتومة تتذكر ما حدث مراراً وتكراراً دون كلل منها.
حتى تعالى صوت رنين هاتفها الملقى بجوارها، فنهضت بهمود هامسة بصوت متحشرج من أثر بكائها وهي تمسك بالهاتف ظناً منها أنه خالها: تلاقيه بيتصل علشان يعرف أنا لسه ماوصلتش هناك ليه.. بس والله مانا رايحة ويحصل اللي يحصل. ضغطت زر الإجابة تضع الهاتف فوق أذنها هاتفة بحدة وصوت يغلب عليه البكاء: شوف بقولك تاني أهو.. مرواح هناك مش رايحة.. وعاوز تيجي تموتني تعال والله يبقى ارتحت وريحتني من العيشة السودا دي.
عقدت حاجبيها بحيرة حين قابلها الصمت من الطرف الآخر للحظات، قبل أن تتسع عينيها ذهولاً وصدمة، وفمها والذي فغرته على اتساعه حين وصل لها صوت رجولي تحفظه عن ظهر قلب يعيث الفساد داخل صدرها، ترتعش كالمحمومة وهو يحدثها قائلاً بصوت هادئ أجش مميز: واضح إن زيارتنا تقيلة أوي على قلبك بس مش لدرجة الموت يعني.
ازدردت لعابها تهمس بصعوبة وبأنفاس متلاحقة تحاول التأكيد من هوية المتصل رغم تيقنها منها بقلبها قبل عقلها، لتأتي إجابته فتمحو أي شك لديها حين أجابها بخفوت جعل من صوته أكثر جاذبية: أنا صالح يا فرح.. كنت عايز... عايز أقولك متزعليش مني لو كنت ضايقتك النهاردة... أسرعت بهز رأسها تنفي حديثه هذا كما لو كان يراها، لا تستطيع شفتيها أن تنبس بحرف خارجها، وكما لو عقد لسانها، تسمعه
وهو يكمل بتأكيد وحزم لها: ولو خالك بيجبرك إنك تيجي بيتنا غصب عنك.. فانا هتكلم معاه النهاردة وصدقيني مش هتحصل تاني.. بس المهم إنك متزعليش. همت بالحديث بعد حلت العقدة عن لسانها، لكنه لم يمهلها الفرصة يغلق الهاتف بعد أن ألقى عليها بسلام سريع، ليسقط الهاتف من بين أصابعها هامسة بذهول وعدم تصديق: صالح مين؟! صالح بتاعنا.. بيتصل بيا أنا.. يقولي متزعليش. صرخت بسعادة وهي تنهض من الفراش تجري إلى باب غرفتها
تخرج منه صارخة تنادي سماح: بت يا سماح مش هتصدقي اللي حصل دلوقتي حالا ومين اللي... صمتت عن إكمال حديثها فور أن رأت خالها يدلف من الباب الخارجي، يتخشب جسدها من الخوف والذعر وهي تراه يتجه نحوها، ولكنه صدمها حين قام يجذبها إلى صدره يحتضنها بقوة تحت أنظار سماح وطفليه المصدومة هاتفاً بفرحة وسعادة طاغية: أهلاً بحبيبة خالها ووش السعد والهنا علينا كلنا.
اتسعت حدقتاها تتبادل مع شقيقتها النظرات المصدومة تسألها من خلالها عما يحدث، لتهز سماح كتفها بحيرة تجيبها. لتتراجع إلى الوراء تخلص نفسها من بين ذراعيه تسأله بحيرة مرتابة: وده اللي هو إزاي يعني.. ومن إمتى الكلام ده؟ اقترب منها مليجي يفح من بين أنفاسه بتمهل وصوته يحمل خبث العالم كله: من هنا ورايح يا قلب خالك.. ده انتي وأختك عندي بالدنيا و.... لم تستطع فرح تمالك نفسها وقد أدركت أن وراء حديثه هذا أمراً لن يعجبها،
لذا هتفت به بتوتر: بقولك إيه يا خالي.. هات من الآخر كده.. وقول وراك إيه بصراحة ومن غير لف ولا دوران. عريس يا بت اختي... جايلك عريس هيعيشك ويعيشنا في عز وهَنا. قالها مليجي وعينيه يزداد لمعانها الجشع ووجهه ينطق بالسعادة كمن ملك كنوز الأرض، ليسود بعدها صمت حاد يشع الجو من حولهم بالتوتر والاضطراب، وقد حدق به الجميع بصدمة، لكن مليجي تجاهل صدمة وجوههم وهو يكمل قائلاً
لفرح بلهث طمع: عريس يا بت يا فرح إنما إيه عمر اللي خلفوكي ما يحلموا بيه.. الظاهر أمك دعت لك قبل ما تموت يا بت. أنهى حديثه ثم أسرع بجذبها له مرة أخرى يحتضنها، غير مدرك لجسدها المتصلب ولاملامح وجهها النافرة بالكره له، أما عينيها فقد أظلمت بشدة كعاصفة هوجاء تستعد لإطاحته به فوراً ودون تردد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!