وقفت الحاجة انصاف في وسط مطبخها تتابع الإعداد لوليمة الغذاء المقامة استعدادًا لحضور أهل خطيب وحيدتها ياسمين. ألقت بعدة تعليمات للفتاة العاملة لديها بشأن الطعام، ثم تحركت ناحية الطاولة في جانب المطبخ. جلست خلفها كريمة زوجة مليجي العايق وقد انهمكت في إعداد الخضروات المتراصة أمامها. جلست بجوارها وقامت بالمساعدة قائلة بإرهاق: "شكلي هأندم إني ما سمعتش كلام البت ياسمين وجبت طباخ بدل البهدلة دي." رفعت كريمة
وجهها تبتسم ببشاشة قائلة: "ولا هتندمي ولا حاجة. هو في أحلى من عمايل إيدك ونفسك في الأكل برضه." تنهدت انصاف بحزن قائلة: "والله يا كريمة ما كان وقته ولا ليها لازمة، بس هعمل إيه في بنتي ودلعها." "ومالها بنتك بقى يا ست ماما؟ قالتها شابة في أول العشرينات، متوسطة الجمال، بتدلل. وقفت أمامهم تضع قناعًا للوجه أخضر اللون وترتدي إحدى القمصان البيتية زاهية اللون. لتجيبها والدتها قائلة بحنق:
"مدلعة يا عين أمك، ودماغك رايقة، ومش على بالك حد غير نفسك." نظرت ياسمين باضطراب ناحية كريمة، والتي تصنعت الانشغال بما في يدها من أعمال. قبل أن تتحدث قائلة بحرج وابتسامة مصطنعة: "ماما يا حبيبتي، أظن إننا خلصنا كلام في الموضوع ده من يومين، فملهاش لازمة نفتحُه تاني." انصاف باستهجان وصوت حزين: "موضوع إيه اللي اتقفل؟ بقى مين عاقل يا ناس يقول أعمل عزومة وهيصة وأنا ابني لسه مطلق من شهر وقلبه لسه مكسور."
ضربت ياسمين الأرض بقدميها حنقًا تهتف وقد تناست وجود كريمة: "ومين قال برضه إني كمان مفرحش؟ المفروض إن خطوبتي كانت من شهر وحكمتوا عليا بعد اللي حصل إني ألبس الشبكة على الساكت. كمان مش عايزاني أعزم أهل خطيبي؟! لم تعر انصاف لغضبها أدنى اهتمام قائلة بعبوس واستهجان: "ما هو ده اللي كان ناقص، نعمل خطوبة كمان." صرخت ياسمين بغضب: "وأنا مالي بكل ده؟ ولا هو طلاقه ده هيجي على دماغي؟ بعدين هو موافق وقالي اعملي اللي انتي عايزاه."
تنهدت انصاف بحزن تهمس: "هو طول عمره كده يا قلب أمه. حزنه وفرحه جواه محدش بيحس بيه." ثم التفتت إلى ياسمين قائلة بعتب: "يبقى إحنا نحس على دمنا ونراعي ده، مش نعيط وندبدب في الأرض عشان يتعمل لينا اللي عايزينه. ده خطيبك كان عنده دم عنك ومكنش موافق يجي لا هو ولا أهله." لوحت ياسمين بيدها بلامبالاة تبتسم بسماجة: "وهو وافق في الآخر وجاي. واللي عايزاه حصل. ممكن بقى نقفل على الموضوع ده؟ وتقولولي هتعملوا ليهم غدا إيه؟
هنا، أسرعت كريمة تجيبها بابتسامة بشوش تعدد لها أصناف الأطعمة المعدة. لتصرخ ياسمين بعدها باستهجان ورفض: "بس كده؟ إيه ده؟ وده بقى اللي بتعملوه من الصبح؟ صرخت بها انصاف هي الأخرى تلقي بالسكين من يدها قائلة بحنق: "آه يا شملولة، هو ده اللي بنعمله من الصبح مش عاجبك؟ شَمِّري إيدك واعملي معانا بدل ما انتي واقفة تتأمري علينا. واندهي مرات أخوكي هي كمان تساعد معانا." ضغطت ياسمين فوق شفتيها قائلة بحرج مصطنع:
"لا مش هينفع، أنا أصلي هاخد سمر ونروح نجيب كام حاجة من بره. بس أنا عرفت أجيب لكم مين يساعدكم. ثواني وراجعة." ثم خرجت سريعًا من المطبخ. لتزفر انصاف بقلة حيلة تدمدم من بين شفتيها بحنق. جعلت كريمة تبتسم لها قائلة بتسامح: "معلش يا ست انصاف، صغيرة برضه ونفسها تفرح زي البنات."
هزت انصاف رأسها بالموافقة، ولكن كانت عينيها تنطق بالحزن والأسف على ما أصبحت عليه صغيرتها من أنانية وحب الذات. وقد ساعدت هي ووالدها في هذا عندما أفرطوا في تدليلها حتى صارت لا تبالي بأحد سوى نفسها فقط. *** "مالك يا بت قاعدة كده ليه وضاربة بوزك شبرين؟ تساءلت سماح وهي تتثاءب خارجة من غرفتها، حين وجدت فرح جالسة فوق الأريكة بالية الفرش بوجه مكفهر غاضب ينذر بهبوب عاصفة. لتجيبها قائلة بحدة:
"البيه خالك كلمني من شوية وعاوزني أروح بيت الحاج منصور." قطعت سماح تثاؤبها الثاني تهتف بحدة وقد اتسعت عينيها ذهولاً: "نعم؟ تروحي فين؟ وليه؟ صرخت فرح بغيظ وعينيها تشتعل غضباً: "هيكون ليه يا فالحة يعني؟! ضاقت عيني سماح تضغط فوق أسنانها حنقاً: "هو هيشتغلنا تاني ولا إيه؟ مش كنا خلصنا منه موضوع الخدمة في بيوت الحارة ده." تنهدت فرح بحزن قائلة: "خلصنا إيه؟ واللي بتعمله مرات خالك من يوم موت أمك ده يبقى اسمه إيه يا فالحة."
زفرت سماح لا تجد ما تجيبها به، تسألها بتوتر: "طب وإنتي رديتي عليه بإيه؟ أسرعت فرح تجيبها بحنق وحدة: "قلت لأ طبعًا... وزعقت معاه كمان في التليفون." سماح باضطراب وقلق: "ليه يا فرح؟ كنتي روحتي وخلاص. أهو دلوقتي هييجي يطلع عيننا." صرخت فرح مستنكرة: "بتقولي إيه انتي كمان؟ أروح فين؟ ها أروح فين يا سماح؟ اقتربت سماح منها تجلس بجوارها قائلة بأسف وحزن:
"عارفة يا قلب أختك، بس هنعمل إيه ده حكم القوي علينا. أهو دلوقتي ييجي يفتح صوته ويلم الشارع علينا ويفضحنا." فرح وهي تلقي بهاتفها من يدها بجوارها قائلة بحدة: "يعمل اللي يعمله، أنا مش رايحة في حتة. طب زمان كنت بعمل كده وبروح مع أمك بس كنت عيلة وبفرح لما بروح هناك. إنما دلوقتي كبرت ومبقاش ينفع. ومن يوم اللي حصل رجلي ما خطتش هناك حتى لو مع أمك يبقى أروح تا... قطعت حديثها بغتة حين تعالت طرقات عنيفة فوق الباب الخارجي يعقبها
صوت رجولي أجش يهتف بغضب: "افتحي الباب يا بت منك ليها. افتحوا لكسره على دماغكم يا ولاد الـ... لطمت سماح وجنتيها تهمس برعب وهلع: "مش قلتلك. أهو جه وجايب فضايحه معاه." لم تعر فرح صرخاته اهتماماً تجلس مكانها هادئة، بينما أسرعت سماح ناحية الباب تفتحه سريعاً. ليدلف مليجي بجسده الضخم وملابسه ذات الألوان الصارخة مكفهر الوجه غضباً وهو يوجه الحديث لفرح قائلاً بخشونة: "ما بتفتحيش الباب ليه يا بت إنتي؟ أنا مش واقف بخبط من بدري."
أجابته فرح ببرود قائلة: "وأفتح ليه؟ ما أنت معاك مفتاح. ولا مكسل تطلعه وتفتح زي ما أنت مكسل تعمل حاجات تانية كتير في دنيتك." احتقن وجهه بشدة وهو يندفع نحوها صارخاً بشراسة: "تقصدي إيه يا بنت الـ *** إنتي." أسرعت سماح بإمساكه من ذراعه توقفه بصعوبة قائلة بهلع تحاول تهدئته: "متقصدش يا خالي، والله متقصد حاجة." سأل مليجي فرح بحدة وغضب متجاهلاً محاولات سماح إيقافه: "وإيه حكاية مش رايحة دي يا عين أمك؟
إنتي تقومي تلبسي حالا وعلى بيت الحاج منصور. وما أشوفش وشك تاني إلا مع مرات خالك. فاهمة ولا لأ؟ قومي فزي يلا." وقفت فرح على قدميها قائلة بتحدي: "مش رايحة في حتة. وأظن ده اللي قلتهولك في التليفون." هم مليجي بالانقضاض عليها مرة أخرى لتسرع سماح قائلة بتوتر ورجاء: "معلش يا خالي، أصل رجليها دخل فيها مسمار ومش هتعرف تمشي عليها. أنا بقول يعني لو أروح أنا مكانها." التف إليها مليجي يهتف بعند وإصرار:
"لا يا حيلة أمك. أنا قلت هي يبقى هي وكلامي هو اللي هيمشي." صرخت فرح بحرقة رافضة: "وأنا قلت مش رايحة يعني مش رايحة. إيه إنت ما بتفهمش؟
انقلب حال مليجي فوراً يحتقن وجهه غضباً وقد انتفخت عضلات صدره كأنه يستعد لمعركة حامية. يدفع سماح للخلف بعنف لتسقط أرضاً صارخة بألم، وبينما يتجه هو فوراً ناحية فرح يجذبها من خصلات شعرها بقوة حتى كاد أن يقتلعها بين أصابعه. ثم يهوي فوق وجنتها بلطمة عنيفة جعلتها ترى ضوءًا ساطعًا أغشاها للحظة تصرخ متألمة. وهو يقوم بهز رأسها بعنف قائلاً بشراسة وقسوة:
"لسانك بقى طويل يابنت ال*** وبقيت عينيك قوية عليا. وحشتك علقة زمان ولا إيه؟ رماها أرضًا بقسوة صارخًا: "ورحمة أمك يا فرح، إن كلامي ما اتسمع لأكون عامل الليلة عليكِ وعلى المحروسة أختك حفلة ضرب للصبح. ومافيش مانع لما مرات خالك وعيالها ينوبهم من الحب جانب هما كمان." اللمعت عيناه وهو يبتسم بشراسة ثم يضع حذاءه فوق قدمها المصابة يدعسها بعنف يكمل دون شفقة بدموعها وصرخاتها المتألمة:
"شكلي بقالي كتير ماروقتش عليكم ونسيتوا مين هو مليجي العايق ياغجر." اندفعت سماح نحوه تدفعه بعيدًا عنها وهي تصرخ برعب وتذلل: "خلاص هتروح. ابعد بقى عنها. ابعد يا مفتري." ثم جلست بجوارها تحتضنها بين ذراعيها بحماية ليبتعد عنهما باصقًا عليهم باشمئزاز قبل أن يغادر يغلق خلفه الباب بعنف ارتجت له جدران المنزل. فتصرخ فرح بعد خروجه باكية بحرقة: "روح ربنا ياخدك يا بعيد ونرتاح منك."
أخذت سماح تهمس لها بحنان كلمات مواسية بينما انهارت هي باكية بدموع القهر تهمهم بكسرة: "إمتى بقى نرتاح منه؟ هو إحنا عملنا إيه عشان ربنا يعاقبنا كده يا سماح؟ أخذت تكرر كلماتها تلك تنهار باكية تشاركها سماح هي الأخرى البكاء حزنًا على مصيرهم الأسود وما يعانوه بسبب ذلك الوحش وأفعاله السوداء. ***
كان يجلس أمام محله الخاص لبيع قطع غيار السيارات مراقبًا حركة نساء الحارة المارة. لا يترك امرأة تمر من أمامه دون أن تلتهمها عيناه بشهوة وفجور. حتى لمح مليجي يسير مسرعًا وهو يدمدم لنفسه بغضب ليناديه عاليًا. فينتبه مليجي إليه تتبدل ملامحه فورًا للفرحة وهو يسرع في اتجاهه بتلهف. حتى وقف أمامه يلقي بتحية خانعة قائلاً: "مرحب يا برنس الحارة. أمرني أي خدمة." ابتسم أنور غرورًا وزهوًا من كلماته قائلاً:
"عوزك تبقى تعدي عليا بعد المغرب كده. في مصلحة وعاوزك فيها." تهلل وجه مليجي بفرحة يفرك كفيه معًا قائلاً: "تحت أمرك يا برنس. بس إيه مفيش تحية حلوة منك كده زي بتاعت امبارح." هز أنور رأسه بالإيجاب غامزًا بعينه بخبث وهو يمد يده داخل جيبه يخرج منه لفافة صغيرة مغلفة يمدها نحوه قائلاً: "فيه يا مليجي. وأحلى من بتاعت امبارح كمان." خطفها مليجي من يده بتلهف وهو يقبل كفه، قائلاً بتذلل:
"تسلم لي يا برنس الحارة كلها. والله ما أنا عارف أقولك إيه على كرمك ده كله معايا." ابتسم أنور وهو يتراجع في مقعده قائلاً ببطء وصوت مغرٍ يعد بالكثير: "ولسه يا عايق. ده أنا هغرقك وهيبقى كل يوم من ده. بس توافقني على اللي عاوزه منك." أسرع مليجي يجيبه بتأكيد وحزم: "موافق على كل اللي تأمر بيه. ده أنا خدامك يا برنس."
انتفخ أنور زهوًا زفيرًا ببطء وراحة وعيناه تلتمع بداخلها بريق النصر. وقد أصبح قاب قوسين من هاجس أصبح يسرق منه النوم في لياليه وجعله يتلظى بنيران شوقه ولهفته بسببه. *** تسمرت قدميه عند مدخل منزلهم لحظة رؤيته لها، يراها تصعد درجات الدرج ببطء. يصله تمتمتها الخافتة بكلمات سريعة، لكنه علم منها بمدى غضبها وحنقها. مما جعله يبتسم وهو يتقدم نحوها بخطوات هادئة حتى أصبح يجاورها تمامًا. يسألها بصوت متهكم ساخر: "يا ساتر كله ده...
مكنتش أعرف إن زيارتك لينا مضايقاكي أوي كده."
شهقت متفاجئة حين وصلها صوته تتراجع إلى الخلف دون حذر حتى كادت أن تسقط من فوق تلك الدرجتين لولا أن أسرع نحوها يقوم بالإمساك بها سريعًا يجذبها إليه بتلهف يقربها منه بحماية. لتتسلل إليها رائحة عطره الرجولي فتغمض عينيها مستمتعة وهي تتشربها داخل صدرها لتنسيها العالم وأين ومن هي حتى. تقف مرتجفة بين ذراعيه في عالمها الحالم به وبقربه. حتى أتاها صوته القلق يناديها ليسحبها إلى واقعها مرة أخرى. تشعر به كدلو ماء يلقى فوقها ينبهها إلى حالها. فتسرع بالابتعاد تجذب نفسها بعنف بعيدًا عنه بحركة عنيفة كانت لعينيه كاتهام منها له باستغلال الوضع. ليتباعد عنها هو الآخر قائلاً بحدة وخشونة يكمل حديثه السابق
كما لو كان لا شيء قد حدث: "ومدام مضايقة كده... تعبتي نفسك وجاية ليه من الأساس." شعرت بحرارة الحرج تكتنفها من طريقته الحادة معها لتسرع قائلة هي الأخرى بحدة ودون تفكير: "مكنتش جاية على فكرة. بس أمك هي اللي بعتت مع خالي عشان... تراجع صالح يستند إلى الحائط خلفه مبتسمًا ببطء وعيناه ترمقها بنظرة ساخرة قائلاً: "أمك! هي بقى اسمها أمك؟! مش المفروض كبرتي وبقيتي تعرفي تتكلمي إزاي."
ازداد توترها وحرجها تدرك بأنها تستحق منه سخريته هذه ردًا على سخافة ردها عليه. لذا. فضلت الصمت والصعود هربًا منه ومن هذا الحديث الحرج معه. فتسرع بصعود الدرج باضطراب وتعجل غافلة عن إصابة قدميها. لكن ما أن وطأت قدمها فوق الدرج حتى شهقت بقوة وهي تنحني عليها تمسك بها تعض فوق شفتيها بألم تلعن خالها داخل عقلها وما تسبب به من زيادة آلام لقدمها. لكنها أسرعت بإظهار التماسك والثبات على ملامحها حين سألها صالح بقلق ولهفة وهو
ينحني نحو قدمها هو الآخر: "هي لسه رجلك وجعاكي؟ هو العلاج معملش نتيجة ولا إيه؟ أبعدت فرح قدمها عن مرمى يده تعتدل واقفة تجيبه بارتباك وهي تتراجع بعيدًا عنه: "لأ... هي بقت كويسة خلاص. ممكن بقى لو سمحت تتفضل تطلع أنت. أنا مش عاوزة أعطلك." اعتدل صالح ببطء بوجه هادئ غير مقروء التعبير. لكن نظرات عينه كانت بعيدة عن الهدوء أميال. جعلتها تزدرق لعابها متوترة تشعر كأنها تحت المجهر. وهو يتحدث بهدوء متهكم:
"ما أنا كنت طالع بس قلت خليني وراكي أسندك أحسن ما تندلقي من على السلم زي زمان."
هنا شعرت بأن قدرتها على تحمل تهكمه الدائم عليها تكاد أن تنهار. وقد ارتفعت غصة البكاء تكاد تخنقها ودموعها تنتظر منها السماح حتى تنفجر من عينيها. وهي تدرك مقصده وحين أراد تذكيرها بمرات سقوطها المتعددة حين كانت تلهو فوق درابزين الدرج هنا مع شقيقته في صغرها وهرولته نحوها مهدئًا لها بكلمات حنون رقيقة تنسيها الألم وهو يداوي جروحها في كل مرة. لكن الآن وبعد أن انتهت هذه الأيام. أسرعت تجيبه بغضب أصبح سلاحها المعتاد أمام هجومه الدائم عليها في
كل مرة يراها فيها قائلة: "لأ شكراً. مش محتاجة حد يسندني. أنا مبقتش صغيرة عشان أقع من على السلم تاني." تراجع صالح متفحصًا لها بدقة. تعالت معها دقات قلبها كقرع الطبول. تقف مكانها ثابتة وهو يرمقها بنظراته تلك. ثم فجأة تعلو عينيه نظرة ساخرة قائلاً لها ببطء وتهكم: "لأ ماهو واضح ياست فرح. يا كبيرة."
قالها ثم استدار فورًا يصعد الدرج سريعًا تاركًا إياها خلفه تلعن نفسها ألف مرة على غباء قلبها الأحمق وحضورها إلى هنا مرة أخرى حتى ولو كانت تحت ضغط من خالها. تهمس لنفسها ضاغطة فوق شفتيها بحنق: "عجبك كده يا أختي... أهو رجعنا تاني لقديمه عشان يتريق عليكي بلسانه اللي عاوز... قطعت كلمتها زافرة بقوة تمنع نفسها عن إتمام جملتها ثم تكمل بعدها بندم:
"لأ بلاش ميهونش عليا برضه ده مهما كان صالح. قال وأنا اللي بقول لنفسي كبرتي يا بت يا فرح وبقى ليكي هيبة. ادامه. بلا نيلة عليكي على رأي أختك سماح."
أخذت تدمدم لنفسها بكلمات غير مترابطة حانقة وهي تصعد الدرج ببطء حتى وصلت أخيرًا إلى الباب الخاص بشقة والديه. تصمت فجأة شاهقة بصدمة حين وجدتـه يقف أمام الباب مستندًا فوق الحائط المجاور له عاقدًا ذراعيه فوق صدره. وهو يرمقها بنظرة كسولة تعدل فورًا بقامتها ترسم فوق ملامحها الجدية قائلة وهي تشير ناحية جرس الباب المجاور لرأسه: "ممكن لو سمحت ترن جرس الباب."
هز كتفه بلا مبالاة يشير برأسه ناحية الجرس العالي نسبيًا عليها. يحدثها بنبرة صوته العميقة الأجش وقد تسللت داخلها تذيبها وتذيب قلبها عشقًا رغم التهكم بها. وهو يهز كتفه بلا مبالاة قائلاً: "رنيه إنتي. أظن إنك كبرتي وتعرفي ترنيه لوحدك ولا إيه؟
اتبع حديثه بالتحرك للجانب لكنه لم يغير من وضعية وقوفه. فتقدمت بخطوات مرتعشة تصعد الدرجات المتبقية تقف أمامه وعينيها تدور بينه وبين الجرس القريب منه بتوجس وخشية. ثم تنفس بعمق وهي تتقدم من مكان وقوفه ببطء تتطلع في عينيه برهبة. قابلها هو بابتسامة ساخرة أصبحت ضحكة عالية صاخبة تردد صداها في المكان. حين انتفضت تلتف حول نفسها تهرول هاربة وهي تهتف بتلعثم واضطراب: "مش عاوزة. أنا هروح بيتنا. ابقى... قول لأمك... إني...
لم تكمل حديثها بل أسرعت تهبط درجات السلم تتعثر في خطواتها. يطاردها صوت ضحكته وقد تردد صداه ليس في المكان فقط بل داخل قلبها أيضًا. فتتسارع ضرباته كأنها على وشك الإصابة بنوبة قلبية. ولكن هذه المرة ليس من تأثير جاذبيتها عليها بل حرجًا واستحياء من حمقها. ولكن ماذا هي بفاعلة. فليس بيدها حيلة. فأمامه دائمًا تصبح طفلة حمقاء متسرعة تسبقها أفعالها قبل تفكيرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!