جلست وعيناها تتطلع نحو الباب الخارجي، تفرك كفيها معًا بتوتر وهي تهز قدميها بسرعة واضطراب في انتظاره. يتحفز كل عصب بها لما هو قادم وتعلمه جيدًا، لكنها مستعدة له. تتذكر جيدًا تلك النظرة بعينيه وهو يرى والدته تهرول نحوها تقبلها على وجنتها بحنان بعد أن لحقتها عند الباب. تحاول جذبه لحديث عن أحوال أهلها بصوت مرتبك مشفق، تحاول به تمرير الأمر.
أجابتها عليه بصوت متلعثم خافت، ثم ساد الصمت المكان بعدها وكل الأعين تتطلع إليها باهتمام كأنهم في انتظار شيء منها. لتمر أسوأ خمس دقائق في حياتها قبل أن تسرع بعدها بالاستئذان للانصراف بعد أن ألقت نظرة أخيرة نحوه. تراه يحني رأسه أرضًا يتطلع لموضع قدمه وهو يضغط على فكه بقوة، وقد دس قبضتيه داخل جيبه كأنه يمنع رغبته في تحطيم المكان من حوله. لتفر هاربة بعد عدة كلمات غير مفهومة منها.
لتجلس من وقتها حتى الآن في انتظاره لشرح الأمر له. تهتف بغيظ تتحدث لنفسها عندما عاودها مشهده هذا: "عليكِ وعلى بختك يا فرح.. دلوقتي زمانهم قاعدين يقولوا إني زعلانة إن المخفية سمر حامل." هتفت تحدث نفسها بحنق كأنها شخص أمامها: "وانتي ياختي مش عارفة تمسكي نفسك ورحتي تشهقي قدامهم، ما كنتي تطلعي من سكات.. أهو زمانه بيقول إنك زعلانة." تنهدت بحسرة تكمل قائلة بندم كأنه حدث لها انفصام في الشخصية:
"هو مش زمانه، هو أكيد افتكر إني زعلانة بس غصب عني والله.. أنا كل اللي جه في دماغي ساعتها هو وبس واللي هيحس بيه بعد الخبر ده... وإننا نرجع تاني من أول وجديد وأنا ما صدقت إنه يلين شوية." رفعت كفيها وهي تنظر للسماء قائلة بغضب: "روحي منك لله يا سمر، حتى وإنتي مش موجودة مؤذية.. كانت حكمت ياختي إنك تحملي دلوقتي.. أكيد هيطلع دلوقتي من تحت مركب الوش الخشب ويبعد عني تاني."
مرت بها عدة دقائق على حالها هذا تنصب لنفسها المحاكمات حتى سمعت أخيرًا صوت المفتاح يدار في قفل الباب. ل تنهض على قدميها بتحفز واستعداد وهي تراه يدلف إلى الداخل بهدوء ووجه بارد دون تعبير، يلقي بمفاتيحه في مكانه المعتاد ثم يتحرك بالاتجاه المعاكس لها متجاهلاً إياها تمامًا. لتضرب الأرض بقدميها هامسة بحنق: "اتفضلي يا ستي اتبسطتي.. أهو اللي حسبتيه لقيته.. أعمل إيه أنا دلوقتي!
لكنها لم تتوقف لتفكير طويلاً، بل أسرعت خلفه لداخل غرفة النوم تراه وقد شرع في تغيير ملابسه بوجه جامد كأن لا أحد معه في المكان. لتقف مراقبة إياه وقد انعقد لسانها تبحث عن طريقة لبدء الحديث للحظات صامتة. حتى وجدته يستلقي على الفراش بعد أن أغلق الضوء بالجانب المخصص له، فأدركت أن لا وقت لتردد آخر. لتسرع نحوه تجلس خلف ظهره على الفراش تناديه بهمس متردد مع لمسة رقيقة منها فوق كتفه. انتفض لها جسده بعنف كأن مسته الكهرباء.
شعرت بها كأنها انتفاضة نفور منه لها، لكنها لم تستسلم تناديه مرة أخرى فيرد عليها هذه المرة ولكن بصوت مجهد أجش: "عارف يا فرح.. عارف عايزة تقولي إيه بالظبط.. بس صدقيني مش هقدر أتكلم في حاجة دلوقتي." نغزها قلبها بألم وهي تسمع نبرة صوته هذه، تشعر بكل ما يشعر به الآن من أوجاع. ل تمتلئ عيناها بالدموع رغما عنها، تجيبه بصوت مرتعش من أثر اختناقها بالدموع: "طيب ممكن تسمعني الأول.. أنا بس كنت عاوزة أقولك.. إني...
لم تستطع إكمال حديثها تختنق بغصات البكاء. حاولت مقاومتها كثيرًا لكنها فشلت فشلاً ذريعًا وهي تراه بهذه الحالة أمامها، وكانت هي السبب بها حتى ولو كان دون قصد منها. تشهق بالبكاء عاليًا بصوت جعله يتنفض في الفراش جالسًا ثم يلتف إليها يهتف بجزع: "طيب بتعيطي ليه دلوقتي.. مفيش أي حاجة تستاهل إن دموعك دي تنزل عشانها." انفجرت أكثر في البكاء تلقي بنفسها بين ذراعيه تحتضنه بقوة تتشبث به بقوة. ليزفر صالح بقوة
هامسا بصوت حزين متألم: "عارف والله بكل اللي إنتي حاسة بيه.. وعارف إني أناني وجبان.. بس غصب عني كل اللي بيحصل ده وصدقيني لو بإيدي مش هخليكي تعيطي في يوم بسببي.. بس.. مش قادر أبعدك عني وأسيبك لحد غيري يحقق لك حلمك." ابتعدت عنه تهتف بقوة وحزم رغم الدموع في عينيها، تسرع بالتصحيح له بعد أن أساء فهم سبب بكائها: "بس أنا مش عايزة من الدنيا دي غيرك، إنت حلمي يا صالح.. إنت وبس.. ليه مش قادر تفهم ده.. ليه غاوي توجعني كل شوية!
أحاط بكفيه وجنتيها تتعاقب على وجهه المشاعر كأنه داخل حرب مع نفسه لا يدري لها نهاية، كأنه خائف أن يعطي نفسه أملًا زائفًا. يسألها بعدها بتردد وعدم يقين: "يعني إنت مش بتعيط دلوقتي عشان الأخبار اللي سمعتيها عن سمر وإنها حامل؟! "طب واللي حصل منك تحت ده كان سببه إيه!؟ صرخت به بصوت باكي نافذ الصبر:
"وأنا مالي ومال سمر.. أنا كل اللي يهمني إنت واللي حصل مني كان عشانك إنت وبسببك إنت.. عشان كنت عارفة إنك أكيد هتزعل وأكيد هتفتكر إن أنا كمان هزعل وهنرجع تاني لنفس الدوامة." أخفضت نظراتها بعيدًا عن عينيه تهجرها شجاعتها، يتلون وجهها قائلة بخفوت وصوت يائس: "إنت ليه مش عاوز تفهم إن مفيش حاجة غيرك إنت بس اللي تهمني..! "ليه مصمم كل مرة تعمل نفسك مش سامعني وأنا بقولك بحبك.. ليه فاكر إنها شفقة أو عطف مني عليك؟
رفعت عينيها مرة أخرى إليه، ولكن هذه المرة لمعت بالإصرار والحزم، تشن هجومها عليه دون أن تمهله فرصة للرد أو حتى التفكير وهي تكمل له: "تفتكر إيه اللي يخليني أرجع تاني معاك بعد كلامك اللي زي السم اللي سمعته ليا.. وشكك فيا إني أكون طلعت أسرارك وأسرار بيتي برة حتى ولو لأختي." هم بالرد عليها وقد تحفز كل عصب به بانتباه لحديثها، تتعالى خفقات قلبه. لكنها وضعت سبابتها فوق شفتيه توقفه عن الكلام تسرع قائلة بتأكيد:
"لأ مش عشان شلتني زي شوال الرز.. ولا عشان إنت الراجل الجامد الـ... تنحت تقطع كلماتها بعد أن اتسعت عينيه بتحذير وتهديد جعلها توقف تهور لسانها: "احمم... لأ هو إنت فعلاً جامد وتخوف لما تغضب وتتعصب وبتخليني أترعب منك، بس برضه مش ده السبب اللي خلاني أرجع معاك." همس من تحت سبابتها يسألها بنعومة ورقة: "طيب يا ترى إيه هو السبب مدام مش كده؟! اقتربت بوجهها منه صارخة به بنفاذ صبر:
"مانا بقالي يومين عمالة أقوله لجنابك وإنت برضه مش مصدق.. سادد ودانك عن أي كلام مني." قطع المسافة بين وجهيهما حتى أصبحا لا يفصل بينهما سوى شبر واحد، تزدرد لعابها بصعوبة حين انحنت نظراته على شفتيها يهمس فوقهم بأنفاس دافئة وبصوت ناعم بطيء أذابها تمامًا: "طيب قوليه مرة كمان.. وأوعدك إني هصدقك المرة دي." وفي لحظة تهور منها ودون تفكير قطعت هي المسافة المتبقية بينهم تلثم شفتيه بشفاه مرتعشة هامسة بصوت أجش فوقهم:
"بحبك.. يا قلب ونن عين فرح من جوه." أغمض عينيه باستسلام مستمتع، وقد كانت مع كل كلمة تنطق بها تقبله قبلات رقيقة كهمس النسيم تزداد شغفًا ولهفة مع كل حرف. حتى انتهت كلماتها وكانت قدرته على التحمل قد انتهت معها. ينقض على شفتيها يتأوه فوقها قبل أن يلتهمها في قبلة أطاحت بكل تمهل أو تعقل بينهم. وفي لحظات كان يأخذها برحلة إلى نعيم عالمه الخاص بهم.
أعادها منها بعد فترة طويلة على وقع كلمات رفعتها للسحاب حين همس بصوت لاهث مرتجف وهو يستند بجبهته فوق جبهتها: "بحبك يا فرح.. بحبك يا فرحة حياتي كلها." فجأة توقف بها الزمن تتسائل بلهفة وذهول لنفسها: "هل من الممكن أن يموت الإنسان من فرط سعادته؟ هل من الطبيعي أن يقفز القلب خارج الصدر من شدة ضرباته الفرحة السعيدة؟
هذا ما شعرت به وتساءلت عنه بعيون متسعة مذهولة لا تستطيع أن تصدق بأنها قد سمعتها أخيرًا منه، حتى ولو كانت نتيجة للحظات التقارب هذه بينهم. تبتسم ابتسامة سعيدة بلهاء أنارت ملامحها بشدة قبل أن تحتضنه بقوة إليها وقد أغمضت عينيها هي الأخرى بنشوة ترغب بالاحتفاظ بها وبتأثير كلماته الثمينة عليها إلى الأبد. *** "إنت اتجننت يا شاكر أنور مين اللي عاوزني أتجوزه؟ صرخت أماني بغضب وعلى وجهها ارتسمت الإهانة من طلبه هذا منها،
تكمل بعدم تصديق وذهول: "بقى بعد ما كنت مرات صالح الرفاعي أبقى مرات الحشرة ده.. عقلك خرف ولا إيه حكايته بـ... صرخت بألم حين هوى شقيقها بلطمة منه على خدها يخرسها عن حديثها. لتهب والدتهم صارخة هي الأخرى بفزع تقف حائل بينهم خوفًا من ولدها، وقد ارتسم الشر فوق وجهه وهو يصرخ بحنق ووجه محتقن غاضب:
"الخرف ده حصل في مخك إنتِ.. واديكِ قولتي يا عين أمك كنتي مراته.. يعني خلاص فركش وانتهى وكل واحد راح لحاله.. هتستني إيه تاني بعد ما اتجوز واحدة تانية غيرك.. ها عايزة أعرف مسنية إيه تاني ردي عليا!! كانت أماني بتبكي بشدة وهي تندس في أحضان والدتها بحماية، التي وقفت بظهرها أمام شاكر خوفا من بطش يديه، وقد حاول أن يطال خصلات شعر أماني حتى يجذبها بعيدًا عنها. لتهتف به والدته برجاء وذعر:
"خلاص يا شاكر.. كفاية لحد كده.. روح إنت لشغلك وأنا هقعد معاها وأعقلها." شاكر وقد انتفخت عروقه واسود وجهه الغاضب هادرا بصوت جهوري ثائر: "عقليها يا ماما.. وعرفيها إن صالح خالص مبقاش منه رجا.. وإلا والله لكون دفنها تحت رجلي وأخلص منها ومن همها بقى." تحرك مغادرًا بخطوات واسعة غاضبة، لكن توقف على بعد خطوتين من الباب يلتفت مرة أخرى لهم قائلاً بسخرية واحتقار:
"ولما هو صالح ياختي كان حبيب القلب أوي كده.. كنتي بتقلي بأصلك معاه ليه.. ولا هي الوسا**ة في دمك وخلاص.. اتفوا على صنف الحريم اللي زيك." أكمل طريقه يفتح الباب وهادرا بغضب وتقزز: "ده يبقى راجل ناقص لو فكر يرجع رمة زيك لعصمته تاني." دوى صوت إغلاق الباب خلفه بعد أن أنهى كلماته كطلق الرصاص. لتنهار أماني بعدها بين ذراعي والدتها قائلة ببكاء: "شوفتي شاكر يا ماما.. شوفتي بيقولي إيه..؟
أسندتها والدتها حتى جلست بها فوق الأريكة تحتضنها بحنو وهي تربت فوق شعرها قائلة بصوت هادئ ولكنه تخلله بعض الحزم: "أخوكي عنده حق يا أماني كفاية لحد كده يا بنتي." رفعت أماني رأسها تنظر لها بصدمة وألم، ولكنها لم تهتز بل أومأت لها تكمل بشيء من القسوة: "أيوه يا أماني صالح لو عاوز يرجعك كان عمل ده من بدري، وعدتك خلاص مبقاش فيها غير هو الأسبوع." أسرعت تكمل حين وجدتها تهم بالصراخ مستنكرة توقفها قائلة:
"أنا مش بقولك وافقي على ظاظا بس كمان مش هنوقف حالنا على حد هو أصلًا مش سأل فينا.. وبعدين يعني... ترددت للحظة بحرج لتسرع أماني بالاكمال بدلاً عنها قائلة بحسرة وندم: "كملي يا ماما وقولي اللي ابنك متكسفش يقوله.. قولي إنه عنده حق ميعبرنيش بعد اللي عملته فيه." لكن فجأة اختفت الألم والحسرة من عينيها لتمتلأ بالإصرار والشراسة تكمل بتصميم: "بس لأ لأ مش هيفضل الحال ده كتير.. ولازم كل ده يتغير." سألتها والدتها بخشية
وقلبها يرتجف من الرعب: "ناوية على إيه يا أماني؟ اعقلي يابنتي مش ناقصين فضايح." وقفت أماني على قدميها تنظر أمامها كأنها في عالم آخر شاردة عن أي حديث آخر غير ما اهتدى له عقلها. ولكن يوقفها شيء عن تنفيذه. ***
داخل الشقة الخاصة بأنور ظاظا، وفي جو معبأ بالأدخنة، جلس مليجي أرضًا وفي يده كوب من إحدى المشروبات الروحية، وفي اليد الأخرى إحدى لفافات التبغ. وبوجهه حزين صوت ضعيف غير مترابط أخذ يتحدث لنفسه أكثر منه إلى أنور المستلقي في الأريكة بحالة مماثلة لحالته: "مكنتش عارف إن كريمة والعيال هيوحشوني كده.. ده حتى البت سماح هي وفرح كمان وحشوني... هو البعد ممكن يعمل كده في الواحد ولا إيه..!
صدحت ضحكة أنور الساخرة، تتعالى معها صوت سعاله الشديد وهو يحاول تمالك نفسه قائلاً بصوت أجش: "إيه يا مليجي هي الحبس هتخليك تحب على روحك ولا إيه.. اجمد كده يا راجل عيب عليك." ومليجي وقد اغرورقت عيناه بالدموع: "والله مانا عارف مالي.. بس أنا مبقتش قادر أبعد عنهم أكتر من كده." أسرع أنور بالنهوض يتهفه به بصوت مرح لكنه لا يخلو من التحذير:
"لأ بقولك إيه اقفل على اسطوانة الحنين والشجن دي يومين بس وليك عليا كل حاجة هتتحل وترجع تحب فيهم زي ما إنت عاوز.. بس نهدى كده ونعقل، وإلا إنت عارف صالح هيعمل فيك إيه لو عرف لك طريق ولا لمحك بس." نهض مليجي على قدميه يهتف به بحدة غير معتادة منه: "صالح ده هو اللي بيصرف على بيتي من بعد سماح ما قعدت من الشغل.. كريمة كلمتني وقالت لي كل حاجة." نهض أنور على قدميه هو الآخر صارخًا:
"ما يصرف ولا يولع.. يعني هو كان بيصرف عشان سواد عيونك.. لأ يا حبيبي اصحى وفوق.. لو عليه كان فرمك تحت رجله من زمان بس هو شاري خاطر عيون البرنسيسة بنت اختك." اقترب منه يربت فوق كتفه قائلاً: "اعقل كده وزي ما بقولك كلها يومين واللي في بالي هيحصل وكله هيتحل.. محصلش يبقى ليها ترتيب تاني مكنتش عاوز ألجأ ليه بس هقول إيه بقى هو اللي هيضطرني لكده." مليجي بوجه شاحب ومتوجس: "وايه هو الترتيب ده بقى.. دم برضه زي المرة اللي فاتت؟
ارتسمت ابتسامة غل وخبث فوق شفتي أنور قائلاً ببطء وهدوء: "لأ متخافش مفيهاش دم المرة دي.. وبعدين أنا عارفك مش بتاع الكلام ده.. وبصراحة يا مليجي الشغلانة دي مينفعش فيها غيرك إنت.. ولا عشان أكون واضح ومظبوط معاك في كلام الشغلانة دي مفيش حد هيعرف يعملها غير كريمة مراتك.. بس طبعًا بعد إنت ما تقنعها."
فغر مليجي فاه ينعقد لسانه داخل حلقه وقد اتسعت عيناه بالرعب وهو يرتجف في وقفته وقد أصبحت الأمور خارجة عن السيطرة تمام. يشعر كأنه فوق رمال متحركة تجذبه حتى كاد قاب قوسين من الغرق بداخلها ولا طريق أمامه للنجاة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!