بعد مرور عدة أيام عادية وهادئة ودون أحداث، اجتمعت عائلة الحاج منصور لمناقشة طلب هذا الخاطب ليد ابنته ياسمين. ليهتف حسن، عاقداً حاجبيه بقلق، بعدم علمه بهويته: "بس يا حاج، بسمع عنه وبيقولوا عليه بخيل ومش بيهون عليه يطلع قرش من جيبه." ياسمين، وهي تطلق شرارات الغضب والحنق نحو أخيها رفضاً لحديثه، قالت له بتحدٍ ودون خجل: "بس أنا موافقة يا حسن.. وعرفت بابا بكده." نهض حسن عن مقعده، صائحاً بغضب وحنق: "يعني إيه يا حلوة؟
كلامنا ملهوش لازمة عندك ولا إيه؟ رمت ياسمين بنظرة مستهزئة، وضعت بها ردها على سؤاله، ومعها ابتسامة مستفزة جعلت حسن ينهض من مقعده بعنف. وقد استفزته ما تراه عيناه منها، يهم بالانقضاض عليها صارخاً بحنق يسبها، ولكن تأتي صيحة والده حتى وتوقفه في مكانه مرة أخرى، قائلاً: "جرى إيه يا حسن، أنت هتمد إيدك عليها وأنا قاعد ولا إيه؟ ارتبك حسن، يتراجع إلى الخلف باضطراب، ولكن ما زال وجهه محتقناً، قائلاً بخفوت:
"أنت مش شايف يا حاج كلامها ردها عليا عامل إزاي؟ أسرعت انصاف تتحدث، قائلة في محاولة لتهدئة الأجواء: "هي يا حبيبي.. تقصد إنها شايفة إنه عريس حلو وكويس وبتعرفك أنت وأخوك برأيها زي ما عرفت أبوك.. بس طبعاً الرأي رأيكم أنتم وأبوكم واللي تشوفوه صح هي اللي هتعمل."
زفر حسن بقوة في محاولة للهدوء، وهو يعاود الجلوس في مقعده مرة أخرى. يتلتف إلى صالح الجالس منذ بدء الحديث صامتاً وهادئاً، يضع سبابته فوق فمه وهو ينظر إلى ياسمين بتفكير. يسأله بنفاذ صبر: "إيه رأيك يا صالح.. ولا أنت هتفضل قاعد ساكت كده؟ صالح، وما زالت نظراته فوق ياسمين، يتطلع إليها. وقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يجتمع بها في مكان واحد منذ ما حدث منها آخر مرة. يسألها بصوت رصين هادئ:
"قوليلي يا ياسمين، بعيد عن إنه بخيل ولا لأ.. مش شايفة إن عشرين سنة فرق ما بينكم كتير أوي؟ أجابته ياسمين بنبرة ذات مغزى ومعها ابتسامة خبيثة: "وده عيب بالنسبة لك يا صالح إن يبقى فيه فرق كبير بين أي اتنين هيرتبطوا.. مع إنه مكنش كده يوم ما فكرت تتجوز فرح وهي من نفس سني ويمكن أصغر كمان سنة.. ولا هو حلو ليك وعيب عند غيرك."
توتر المكان في الحال بعدها. ينهض الحاج منصور ويندفع نحوها يهم بضربها هو هذه المرة، لولا أسرع صالح والوقوف كحاجز بينهم وإيقافه عن فعلها. يهدئه هو وحسن بعد أن انتفخت عروقه واحتقن وجهه، يوجه لها السباب والشتائم. يحاول الإفلات منهم حتى ينالها. وقد احتضنتها انصاف بين ذراعيها بحماية خوفاً من بطشه بها. حتى استطاعوا أخيراً تهدئته وإجلوسه فوق مقعده، صارخاً بها بعدها بشراسة:
"خلاص يا بنت ال****، كده مفيش كلام تاني في الموضوع ده.. وأنا هبلغ العريس ده إننا مش موافقين." انهارت ياسمين في البكاء، قائلة بصعوبة وبكلمات مبعثرة غير مفهومة: "بس.. أنا موافقة.. أنا عاوزة.. حرام عليكم.. أنا عاوزة.. أخرج من الحارة المخروبة دي." نظرت إلى والدها ووالدتها بتضرع ورجاء: "يا بابا ده مهندس ومن عيلة.. وعنده شركته.. ترفضوه ليه؟
أنتوا عاوزينى أفضل قاعدة جنبكم كده مستنية عريس من جوة الحارة العرة اللي عايشين فيها دي.. اللي أنضف ما فيها كان محامي ميسواش رضيت بيه سد خانة.. وفي الآخر هو اللي مش عاجبه وفسخ الخطوبة وقال مش عاوز ض.. قولولي هستنى إيه تاني؟
ساد الصمت التام المكان بعد كلماتها، إلا من شهقات بكائها. ويتطلع إليها الجميع، حتى تقدم منها صالح ببطء، ووجه غير مقروء التعبير. تتابعه هي بنظراتها المرتاعبة ظناً منها أنه سيعاقبها على ما قالته. لكنه جلس على عقبيه أمامها، ينظر إليها بثبات وهدوء للحظات، تحدث بعدها قائلاً:
"الفرق اللي بيني وبين فرح 13 سنة مش عشرين، وأنتي عارفة ده كويس.. وكونك عاوزة تتجاهلي الفرق ده فده حاجة ترجعلك.. بس لسانك لو طول عليا مرة تانية هقطعولك، وأظن قدام الكل أنا عديت ليكي كتير."
"أما بالنسبة للمحامي اللي ميسواش ورضيتي بيه سد خانة.. مش انتي أختي وهو صاحبي، وبس هو عندي أحسن ألف مرة من واحدة من عينتك.. وبجد ربنا نجده ورحمة إنه موقعش حظه في واحدة زيك أنانية ومدلعة وعمرها ما كانت هترفع، بالعكس كانت هتهد فيه، وأظن إحنا شوفنا عينة صغيرة من اللي تقدري تعمليه لما كان خطيبك." شحب وجهها من شدة إهانته لها. تراقبه وهو يعاود الوقوف على قدميه، يلتفت نحو والده قائلاً بحزم:
"وافق يا حاج على العريس زي ما هي عاوزة.. أنا كنت خايف عليها وشايف إنه مش مناسب لها؛ بس الظاهر ده عند بنتك حاجة غلط.. وافق بدل ما تشيلك وتشيلنا ذنبها طول العمر." وبعدها وفوراً تحرك مغادراً، يغلق خلفه الباب بعنفه، ارتجت له أرجاء المكان. فينهض والده بعد عدة لحظات صامتة، قائلاً بوجوم وملامح أسف: "أخوكي عنده حق في كل كلمة قالها.. الظاهر إن دلعنا فيكي خسرك ومبقاش منك رجا.. يا ألف خسارة على الخلفة اللي زيك."
سأله حسن مستنكراً باستغراب: "يعني إيه يا بابا هتوافقها وتمشي كلامها علينا؟ والده وهو يحني رأسه في الأرض قائلاً بأسف: "آه يا بني هوافق وهي اللي اختارت.. وزي ما أخوك قال بدل ما تشيلنا الذنب طول العمر." حدق حسن نحوها بغيظ، يراها وقد تبدل حالها تماماً، تبتسم بسعادة وعينيها تلتمع بانتصار، كأنها قد ملكت الدنيا بفوزها بهذه الزيجة. فيدرك بأن لا حديث سيجدى معها نفعاً.
وقفت في مطبخها تحضر الغداء وهي تتمايل في وقفتها، وهي تدندن إحدى الأغنيات القديمة بصوت حنون رقيق، كأنها تعني كل كلمة تقولها منها: "عمري ما دقت الحب غير لما حبيتك ولا شوفت راحة قلبي إلا وأنا في بيتك تسلم تسلم تسلم لقلبي.. وتعيش لحبي تسلم لقلبي يا حبيبي.. تسلم لقلبي." ضحكت بسعادة ودلال حين شعرت به خلفها يلف خصرها بذراعه ويقربها لصدره، هامساً بحب وهيام في أذنها: "تسلمي لقلبي أنا.. يا فرحته وكل مناه."
وببطء شديد انحدرت شفتيه من أذنها بقبلات بطيئة ناعمة فوق بشرة عنقها، لتهمس له بأنفاس لاهثة متسارعة تهمهم باعتراض واهٍ: "صالح كده الأكل هتحرق ومفيش غدا النهاردة." صالح وهو ما زال منشغل فيما يفعله: "لأ ماهو كده أو كده مفيش غدا هنا النهاردة... علشان هنروح لسماح ونتغدى معاها." شهقت وعينيها تتسع بعدم تصديق، تلتف لمواجهته، تقاطع ما كان يفعله صارخة بسعادة قائلة: "بجد يا صالح هنروح؟ طيب شوف هي ثواني...
وهكون لابسة وجاهزة حالا." وبالفعل كانت في طريقها إلى الخارج، تتركه مكانه مذهولاً، قبل أن تلتفت إليه قائلة: "معلش اطفى بقى على الأكل ده... على ما ألبس... آه واقفل الغاز... و...
وأخذت تعدد له عدة أشياء بسرعة لم يكن قادر على مجاراتها واستيعابها، ثم اختفت من أمامه حتى تعد نفسها. وما هي سوى دقائق قليلة وكانت أمامه مستعدة، فرحة كأنها طفلة وفي طريقها لنزهة طال انتظارها لها، بطريقة جعلته يبتسم لها بحنان. يتقدم نحوها وهو يشير لها بأن تتقدمه. لتقفز بفرحة قائلة له: "سماح وحشتني أوي.. من يوم ما كريمة مشيت وهي يا قلب أختها قاعدة لوحدها.. أكيد هتفرح أوي لما نروح ونتغدى معاها النهاردة." عقد
صالح حاجبيه يتظاهر بالحزن: "ماشي يا ستي.. ماهي أول ما سيرة سماح جت نسيتي كل حاجة حتى أنا." جرت عليه ترتمي في حضنه، تقبل وجنته بنعومة قائلة له بحزم: "أنت مفيش حاجة في الدنيا ممكن تشغلني عنك ولا تخليني أنساك لحظة.. أنا بس... قاطعها بسرعة وعيناه تلتمع بعشقها: "متقوليش حاجة.. أنا عارف إنتي عاوزة تقولي إيه.. بس أنا اللي بحب أسمعها منك كل شوية."
تتلاقت الأعين في حديث صامت بينهم للحظات، قيل فيه كل شيء تنطق به قلوبهم. حتى تنحنح قاطعاً اللحظة قائلاً بتذمر: "بقولك إيه تعالى نتحرك ونخرج من هنا.. بدل ما والله أقفل الباب عليا وعليكي وما نشوفش الشارع ولا حد لمدة شهر أكون خلصت فيه كل اللي عاوز أقوله وأسمعه." ابتعدت عنه وهي تضحك بتدلل، تتراجع للخلف وهي ترفع كفيها أمامها باستسلام وموافقة، قبل أن تسبق طريق للخروج بسرعة تتظاهر بالخوف من أن ينفذ تهديده.
وما هي سوى دقائق معدودة وكانت بالفعل تجلس مع شقيقتها فوق الأريكة في صالة الشقة الخاصة بهم. تسألها سماح بسعادة: "طب ما طلعش معاك ليه؟ مش بتقولي هنتغدى سوا." أجابتها فرح قائلة: "راح يجيب حاجة سريعة نتغدى بيها.. علشان متتعبيش نفسك." سماح باستنكار: "طب ليه كده يا فرح تكلفيه، ده أنا حتى عاملة أكلة النهاردة حلوة أوي وهتعجبكم." ربتت فرح فوق كتفها قائلة: "خليها لبكرة.. إحنا جايين نقعد معاكي مش نتعبك." حضنتها سماح بشوق قائلة:
"وحشتيني أوي يا بت، عاملة إيه معاهم، بيعملوكي إزاي بعد اللي عمله المنيل خالك." أسرعت فرح تقص عليها كل ما حدث في الأيام القلائل الماضية، حتى أتى ذكر زواج ياسمين الوشيك. ليتبدل حال سماح، تسألها بسعادة لم تستطع إخفاءها: "يعني مش هترجع لعادل تاني؟ عقدت فرح حاجبيها تسألها بذهول: "هو أنتِ كنتِ بترفضى عادل كل ده علشان فاكراه لسه بيحب المخفية دي وإنه ممكن يرجع لها تاني؟ اشتعل وجه سماح خجلاً قائلة بتلعثم:
"آه.. أقصد لأ.. أنا أصلاً ميهمنيش... بعدين أنا كنت خايفة عليكي لصالح يزعل منك وهو وأهله... لما يعني... قاطعتها فرح بحزم: "سماح إنتي بتحبيه.. وبتحبيه أوي كمان." أخفضت سماح رأسها قائلة بحزن: "بحبه بقى ولا مبحبوش، مبقتش تفرق.. أهو راح لحاله... وبعدين بيني وبينك هي ماكنتش تنفع من الأول.. لا جوزك كان هيوافق ولا أهله كمان." فرح بشدة وقد أغضبها أن تتخلى شقيقتها عن سعادتها حتى ولو في سبيلها:
"اللي يزعل يزعل.. معلش يعني هما شافوا بنتهم واللي عملته.. وأظن إنك ما كنتيش السبب دي عمايلها السودا هي.... قاطعتها سماح تنهض واقفة قائلة باضطراب: "خلاص يا فرح ملهوش لازمة الكلام.. أنا رفضت وسمعته كلام أظن عمره ما هينساه ليا وزمانه شاف بنت الحلال اللي تسعده غيري." صمتت فرح لا تعلم كيف تقنعها، ولكنها قررت عدم تخليها عن الأمر بعد أن علمت بمشاعر شقيقتها، عاقدة العزم على إيجاد حل ما.
تعالت طرقات خفيفة فوق الباب، لتسرع فرح واقفة تسرع نحوه، وقد علمت هوية الطارق. تفتح الباب فوراً دون أن تضع حجابها. ليهتف بها فور رؤيته لها: "مش تسألي مين الأول؟ مش يمكن حد تاني غيري؟ رفرفت له برموشها قائلة بدلال ونعومة: "لأ عارفة إنه أنت.. قلبي قالي وأنا قلبي عمره ما يكذب عليا.. وهو طلع أنت زي ما قالي." تنحنح صالح يلتفت خلفه بحرج، قبل أن يقترب منها هامساً:
"طب ادخلي حطي حجابك على شعرك وعرفي سماح إن معايا ضيف.. وابقي تعالي." اتسعت عينيها بصدمة، تتراجع للداخل على الفور، وقد اشتعل وجهها بخجل. تدخل الغرفة معها شقيقتها، والتي سألتها عن هوية الزائر. لتخبرها بأنها لم تلمحه حتى. وبعد أن أصبحت هي وشقيقتها بمظهر لائق، خرجتا من الغرفة في اتجاه غرفة الاستقبال، لتتسمرا مكانهما بذهول. حينها ووجدتا عادل وهو زائر صالح. والذي قال فوراً ودون لحظة تردد واحدة:
"سماح عادل جاي يطلب إيدك مني النهاردة.. قلتي إيه؟ تعاقبت المشاعر فوق وجهها، حتى سيطرت الصدمة والذهول أخيراً عليها. تفتح فمها وتغلق عدة مرات، وعينيها تتطلع إليه، لتجد واقف مكانه مضطرب، خائف، يتوسلها بنظراته أن توافق ولا يكون رفضها مصير طلبه. لكنها لم تستطع قولها، ينعقد لسانها وهي تلتفت نحو فرح تسألها المساعدة. لتهتف فرح فوراً وبابتسامة سعيدة وصوتها يتهلل من الفرحة: "وهي موافقة.. نقول مبروك.. ونقرأ الفاتحة."
ودون أن تمهل أحد الفرصة لاعتراض، أسرعت تطلق الزغاريد الواحدة تلو الأخرى بطريقة جعلت صالح يهز رأسه بعدم تصديق، وعلى وجهه ابتسامة سعيدة أصبحت تلازمه منذ أن دخلت حياته وأنارتها. بعد مرور عامين على تلك الأحداث، جلست تتحدث مع شقيقتها في الهاتف داخل شقتها، وهي تنهد بحزن قائلة: "خايفة أوي يا سماح، الشهر اللي فات كان أنا السبب وتعبت وكل حاجة باظت... المرة دي قلبي مقبوض وخايفة يحصل حاجة تاني." حاولت سماح
التهوين عليها قائلة لها: "هو يعني انت كنتِ قاصدة، دي حاجة غصب عنك... وأظن صالح عارف كده." عند سماعها لاسمه، لانت ملامحها، واللمعت عينيها بحبها وعشقها له، قائلة بحنان: "تعرفي إنه طول طريق رجعونا من عند الدكتور وهو بيطيب خاطري، ولا كمان أخدني يفسحني، وبليل وهو راجع واشترى ليا خاتم يجنن يفرحني بيه.. بس ده خلاني أحس بالذنب أكتر وأكتر." زفرت سماح تهتف بحنق مصطنع:
"فرح يا ملكة الدراما، بقولك إيه كل حاجة وليها أوانها.. وعوض ربنا كبير وكرمه عالي." اختنق صوت فرح بغصة البكاء، لكنها حاولت تمالك نفسها وهي تقول وبدون مقدمات: "سمر حامل تاني... شهقت سماح بذهول وعدم تصديق قائلة: "تاني؟ دي لسه بنتها مكملش السنة ونص، حرام عليها نفسها." ابتسمت فرح بمرارة قائلة:
"عاملة زي اللي داخلة مسابقة، أول ما عرفت إن أخت صالح ياسمين حامل شهر والتاني وحملت هي كمان، فاكرة إنها بكده بتربط حسن بعد ما المشاكل بينهم زادت وكل شوية يقول عاوز أتزوج، ولولا أبوه وصالح كان عملها من زمان." أنهت حديثها تتوقع ردة فعل من شقيقتها على ما قالت، لكن قابلها الصمت من الطرف الآخر. لتهمس تناديها باستفهام، ليأتي صوت سماح المرتبك. تجيبها لتكمل فرح حديثها رغبة في تفريغ همومها الجاثمة فوق صدرها قائلة:
"أنا والله مش زعلانة بس.... سماح بصوت خفيض متعاطف: "عارفة وحاسة بيكي.. وحاسة بصالح كمان.. بس كل حاجة بأمر ربنا.. إنتي بس حاولي متفكريش في أي حاجة وسلمي أمرك لله علشان النفسية ليها تأثير على الحاجات دي." أومأت فرح برأسها، تنفس بعمق، تحاول العمل بنصيحة شقيقتها. تسرع في تغيير الموضوع، تسألها بجدية: "سيبك بقى من الكلام عني.. وقوليلي عاملة إيه مع الولية حماتك لسه عقربة زي ماهي؟ ضحكت سماح بمرح تهتف بها:
"يا بت لمي لسانك.. وبعدين الست عندها حق، أي أم مكانها هتعمل كده." فرح وهي تعتدل في مكانها بتحفز قائلة: "ليه ياختي هي كانت تطول عروسة حلوة زيك.. ده إنتي حتى هتحسني لهم النسل بلا خيبة." لم تستطع سماح مقاومة الضحك مرة أخرى على كلماتها تلك، وهي تكمل: "أنا ساكتة عنها بس عشانك وعشان ابنها.. بس لو عملت فيكي حاجة ولا كلمتك نص كلمة ابعتيلي وأنا ليا صرفة معاها الحيزبونة دي." سماح بكلمات تخرج بصعوبة من شدة ضحكاتها:
"ماشي يا عم جامد.. بس برضه الست ليها حق." ثم تغيرت طبيعة صوتها للجدية قائلة: "واحدة لقيت ابنها المحامي ابن الناس عاوز يتجوز سماح بنت أخت مليجي اللي... قاطعتها فرح بحزم: "واللي برضه من أجمل وأطيب بنات الحارة.. إنتي مش قليلة يا سماح ولا إحنا ضربنا ابنها عشان يجي يتجوزك، ده ابنها حب عشان ترضي بيه." سماح بصوت متردد خافت: "هي اتغيرت خالص معايا عن الأول كتير وبقيت بتتعامل معايا كويس خصوصاً بعد... بعد...
فرح وهي تحثها على الكلام، تلمع عينيها بفضول: "بعد إيه يا بت ما تنطقي.. عملت فيكي حاجة؟ سماح بصوت مرتعش كأنها في طريقها للبكاء: "لأ.. أصل أنا أنا... أنا حامل في الشهر التاني... أنا والله ما كنت عايزة دلوقتي ولا عادل كمان بس والله... قاطعتها فرح تنهض بسرعة وهي تسألها بفرحة طاغية: "بجد يا سماح بجد؟ طب معرفتنيش ليه بقى كده تخبي عليا؟ سماح وصوتها يزداد ارتعاشه:
"كنت عايزة أقولك أول ما عرفت على طول بس قلت أستنى لما إنتي كمان ربنا يرضيكي بس مقدرتش أخبي عليكي أكتر من كده عشان عايزة أكون فرحانة معاكي." فرحة ودموع الفرحة تتسابق فوق وجنتها، تهتف بسعادة: "أنا حاسة إني طايرة من الفرحة ونفسي آخدك في حضني دلوقتي." ثم فجأة تغير وجهها للحزم والشدة، تهتف بها: "بنت تاخدي بالك من نفسك وتأكلي كويس.. وأشربي لبن.. آه ولو عايزة حاجة ابعتيلي وأنا ثواني هكون عندك بس إنتي ترتاحي خالص."
أجابتها سماح بالموافقة على جميع أوامرها وهي تبكي على الأخرى. يتكلمان سوياً لعدة دقائق أخرى، ثم أنهت المكالمة بينها وبين شقيقتها، تجلس مكانها وهي تحتضن الهاتف لصدرها وعينيها تنطق بالفرحة والسعادة الطاغية. حتى سمعت صوت فتح الباب، لتسرع نحوه تلقي بنفسها بين ذراعيه كعادتها في استقباله، ولكن هذه المرة أطالت من لحظة احتضانه وجسدها يستكين بين ذراعيه براحة. ليسألها بحنان وهو يقبل رأسها: "إيه يا قمرى.. عاملة إيه.. لسه تعبانة!
هزت رأسها بالنفى ببطء قائلة بصوت خافت: "أنا كويسة بعد ما أخدت المسكن اللي كتبه ليا الدكتور عليه بعد الحقنة." أبعدها عنه ببطء يسألها وعيناه تدور فوق وجهها بقلق، يسألها بعدها بتوجس: "فرح إنتي كنتِ بتعيطي.. لو حاسة بوجع إحنا ممكن نروح لدكتور ولا أقولك بلاش منه الموضوع ده خالص." أسرعت تهز رأسها بالنفى تهتف له مؤكدة: "لأ.. أنا كويسة يا صالح صدقني.. أنا بس كنت بكلم سماح من شوية وقالت ليا إنها....
قاطعها صالح وأنامله تمتد تزيح الباقى من أثر دموعها، هامساً بحنان ورفق: "قالت لك إنها حامل مش كده! اتسعت عينيها بذهول تسأله: "إنت كنت عارف.. طيب مقولتش ليا ليه يا صالح؟ لم يجيبها، بل أمسك بيدها يتجه بها نحو الداخل، حتى وصل إلى الأريكة فيجلس ويجلسها فوق ساقيه. يحيط وجنتيها بكفيه، يقربها منه، ثم يقبلها بتهمل شديد ونعومة أذابتها وأذابت أي مشاعر أخرى سوى لفتها له. هامساً يجيبها بعدها بتهمل وحنان:
"خفت تزعلي.. أنا عارفة نفسيتك تعبانة من آخر مرة كنا فيها عند الدكتور ومحببتش أزودها عليكي.. كفاية مهرجان الحمل اللي انطلق عندنا في البيت." ضحكت رغماً عنها من مزحته، بينما يكمل هو يتنهد بطريقة مسرحية حزينة: "ولسه المهرجان مخلصش.. ياسمين أختي جاية وجايبة معاها زعابيب أمشير بتاعت كل مرة... وطالبة الطلاق من جوزها للمرة المليون من يوم ما اتجوزت." استقامت في جلستها بانتباه تسأله بفضول: "وليه تاني المرة دي...
ده لسه راجعة بيتها مكملتش أسبوع." تنهد صالح، وجهه ترتسم عليه أمارات الأسف: "هي جوازة غلط من الأساس.. بس هقول إيه اختيارها وتتحمله بقى.. دي لسه لحد النهاردة مش عاوزة تعترف إنها غلطت ولسانها بيحدف دبش لأي حد بيحاول ينصحها." تنهد مرة أخرى بنفاذ صبر، ولكنه أسرع بعدها يسألها كأنه أدرك أنه قد ابتعد عن حديثهم الأساسي، يسألها بحزم: "سيبك بقى من الناس والعالم ده كله... وقوليلي القمر بتاعي كان بيعيط ليه...
عشان عرفتي إن سماح حامل؟ سألها سؤاله الأخير وعيناه تنطق بالخوف والتوتر، لتسرع تجيبه فوراً قائلة بابتسامة فرحة سعيدة: "لأ طبعاً.. ده أنا طايرة من الفرحة عشانها.. مع إن العبيطة كانت فاكرة إني هزعل لو قالت ليا.. شفت العبط بتاعها." سكن صالح في جلسته وعيناه تلتمع بعشقها بعد إجابتها تلك عليه. يشعر كم هو محظوظ بها وبوجودها المشع بالبهجة في حياته. يحيط بوجنتيها مرة أخرى، يقربها منه هامساً بحب وارتجافة العشق في صوته: "لأ...
بس شوفت قد إيه إنتي جميلة.. وإني ربنا عوضني بيكي عن الدنيا كلها.. وإني أنا مش عاوز من دنيتي دي غير إنتي وبس." قبلها فوراً، يحتضن بشفتيه شفتيها، يبثها من خلال قبلاته كل ما يعجز لسانه عن نطقه في لحظاتهم تلك. يزداد شغفه وجنونه بها إلى أبعد حد، والذي أطار بعقله وتفكيره تمام. حتى جذبته هي بصوتها الضعيف المرتعش من داخل أعاصير المشاعر التي عصفت به، تحاول الاعتراض بضعف: "صالح.. مش هينفع.. الدكتور قايل.. بكرة."
أخذ يتنفس بصعوبة وهو يدفن وجهه في منحنى عنقها، يحاول السيطرة والعودة لطبيعته مرة أخرى. للحظات طوال قال بعدها بطاعة: "حاضر هسمع كلام الدكتور... وربنا يصبرني لحد بكرة وإلا هبقى شهيدك وشهيد أوامر الدكتور." وبالفعل التزم التزام تام بتعليمات الطبيب طيلة تلك الأيام التالية. ومع كل يوم يمر عليهم، يدعو من أعماق قلبهما أن تتحقق لهما هذا الشهر حلم ورغبة طالما اشتاقا لها بجنون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!