لم يجد عادل ما يجيب به، يعلم بصدق حديثه، فليس أمامه سوى التمهل والصبر، ولعل بعدها الفرج قريب يكافئ بمراده وقتها. *** جلست أمامهما تشعر كأنها أمام محاكمة نُصبت لها، وكل الأعْين من حولها تنظر إليها بنظرات متهمة، تحاول التماسك حتى لا تنهار في البكاء، تدعو في داخلها أن يأتي سريعا ويجيب هو على كل هذه الأسئلة الموجهة إليها، ولا تدري كيف لها بالإجابة عليها خشية أن تزيد من اتساع دائرة اتهاماتها هي وعائلتها أمامهما. حتى هتف
بها الحاج منصور بحنق وغضب: "يعني ده جزاء صالح وجزائنا عند خالك ومراته بعد وقوفنا جنبكم كل السنين دي، عاوزين يودوا ابني في داهية، عاوزين يسجنوه، وعلشان إيه، علشان أنور ظاظا، طب كنتوا بتوافقوا على الجوازة من الأول ليه لما صالح مش عاجبكم، كان بلاها دي جوازة، أنا مش مستغني عن ابني."
لم تحتمل فرح كل هذا الهجوم، ينعقد لسانها من حيائها في الدفاع عن نفسها والصراخ بهم جميعًا بأن ليس لها ذنب فيما حدث، بأنها ضحية هي الأخرى لأطماع خالها وزوجته، تسمع الحاج منصور يكمل ويزيد من وضع المزيد من الملح فوق جرحها وهو يسب ويلعن في خالها ومعه زوجته، لتحني رأسها بخزى وتشهق بالبكاء بطريقة جعلت انصاف تهب من مكانها تجلس بجوارها وتحتضنها بين ذراعيها قائلة بحزم وصوت مشفق:
"خلاص يا حاج، اللي حصل حصل وفرح ملهاش ذنب في كل ده، ما إحنا طول عمرنا عارفين عمايل مليجي ومصايبه، هو يعني جديد علينا." زفر منصور بحنق، يعلم بصدق حديث زوجته، ولكن كان في حاجة لتنفيس عن غضبه، يهم بالرد عليها، ولكن في تلك اللحظة كان صالح قد دخل للمكان، تتسمر قدماه حين وصل إليه صوت شهقات بكائها ومحاولات والدته تهدئتها، وعيناه تدور في المكان من حوله، يلاحظ التوتر المشحون به، يسأل بقلق وقدمه تقوده نحوها:
"فيه إيه حصل، فرح بتعيط ليه؟ ابتسمت انصاف ابتسامة ضعيفة متوترة قائلة بمرح مصطنع: "مفيش، ولا بتعيط ولا حاجة، مش كده يا بت يا فرح." سأل صالح مرة أخرى ولكنه هذه المرة بحدة وحزم غير مبالٍ بإجابة والدته، ليهب والده يجيبه هو الآخر بحدة: "كنت شوف رأيها في عمايل أهلها السودا." عقد صالح حاجبيه بشدة وضيق ليكمل والده قائلا: "إيه كنت فاكر إني مش هعرف باللي حصل من خالها ومراته."
التفت صالح بحدة نحو أخيه يتطلع إليه، ليحني حسن رأسه على الفور هاربا من نظراته، يتوتر في جلسته، ليظل صالح ينظر إليه قائلا بأسف واحتقار: "كان لازم أعرف إنك عيل وعمرك ما هتتغير." صرخ به منصور بغضب عنيف قائلا: "ملكش دعوة بأخوك وخليك معايا هنا، معرفتنيش ليه باللي حصل، ها؟ فضلت ساكت ومخبّي عليا ليه، إيه خلاص قلت أبوك عجز وكبرت عليه." زفر صالح بقوة قائلا بنفاذ صبر:
"بقولك إيه يا حاج، ده حاجة متستاهلش وعرفت أنهيها، يبقى لازمتها إيه الشوشرة وكتر الكلام." سأله منصور باستهجان يحاول السيطرة على غضبه: "يعني أنت مش شايف إنك غلطان، إنك تخبّي عننا حاجة زي دي." هز صالح رأسه بالإيجاب، قائلا بحزم: "لأ مش غلطان، أنا مش عيل صغير كل ما يحصل معاه حاجة هيجري على أبوه يعيط له وأقوله الحقني." التفت صالح نحو حسن يلوّي شفتيه باستهزاء قائلا بكلمات ذات مغزى: "كفاية واحد، مش هنخيب إحنا الاتنين." رفع
حسن رأسه هاتفا باعتراض: "أنا قلت لأبويا علشان كنت... قاطعه صالح قائلا بسخرية: "لأ عارف قلت ليه وعلشان إيه، مش محتاجة شرح المسألة، بس الظاهر كده إن مفيش حد بيتغير بسهولة واللي فيه طبع بيعيش ويموت بيه." تقدم نحو فرح يجذبها من يدها نحوه وهو يوجه حديثه لوالده هذه المرة: "فرح مالهاش دخل ولا ليها دعوة بالموضوع ده، وأي كلام بعد كده بخصوصه تحب تتكلم فيها يا حاج يبقى معايا أنا." أنهى حديثه يجذبها معه ويغادر المكان على الفور،
لتهتف انصاف بعدها بحدة: "قلت لك يا حاج البت ملهاش ذنب وغلبانة، ومكنش ليه لازمة اللي عملته ده." جلس منصور زافر بحنق وغضب: "يعني كنت عاوزاني أعمل إيه يا انصاف لما أسمع كل البلاوي دي." نظرت انصاف نحو حسن قائلة بلوم: "عندك حق يا خويا، أنت معذور برضه."
رفع حسن حاجبه يسألها بعينيه عن ذنبه، حتى تقوم بلوم هي الأخرى وهي تلوّي شفتيها، تهز رأسها بخيبة أمل، ثم تشيح بنظراتها بعيدا عنه، ليغمغم حسن بينه وبين نفسه يلعن لسانه وحكم العادة والذي جعله يهرع لزوجته حين احتاج أن يفضفض لأحد، يخبرها بما حدث وبعد علمه بفعلة صالح مع أنور، أشارت عليه بتلك النصيحة بأن يقوم بإخباره والده بكل شيء الآن وتثير قلقه بأنه إن علم من أحد آخر بما يدور سيلقى باللوم عليه أول شخص لعدم إخباره، ويسقط بغبائه مرة أخرى في فخها، يتوعدها معاقبا فور أن تقع يده عليها، ويتمنى أن يستطيع أن يعيد ثقة أخيه به مرة أخرى رغم علمه بصعوبة ذلك.
*** فور دخولهما الشقة تحركت بسرعة نحو الداخل هربا حتى لا تنفجر في البكاء أمامه وتزيد الأمور توترا، ولكنه لم يمهلها الفرصة بل جذبها من ذراعه ليصلقها به يسألها بحنان: "بتجري كده ورايحة على فين وسيباني؟ أخذت تحاول التحدث تشير بأصابعها نحو الداخل، لكن شفتيها وغصة البكاء لم تمهلها الفرصة وهي تحاول تمالك نفسها، ليضمها إليه بحنان، دافنة وجهها في عنقه، تتعلق به كأنه الخلاص لها، فأخذ يربت فوق شعرها بنعومة ورقة قائلا:
"فكريني كده هو أنا قلت لك بحبك النهاردة ولا لأ؟ شهقت أكثر باكية يسألها بمرح: "يابت ردي عليا الأول وبعدين عيطي، أنا مبحبش يبقى عليا حاجة لحد." انفرجت أساريره حين شعر بضحكتها الخافتة وهي تهز رأسها له بالنفي وهي ما زالت تخفي وجهها عنه، يعلم نجاحه إلى حد ما فيما يريد، يكمل سريعا يتساءل بمرح قائلا: "وأنا طول اليوم أسأل نفسي ناسى إيه يا واد يا صالح، ناسى إيه، أترى كنت ناسى أهم حاجة، لآ أنا كده لازم أصلح غلطي وبسرعة."
شهقت بصدمة حين رفعها فوق كتفه، يتدلى رأسها خلفه تسأله بصوت مذهول رغم البكاء به: "بتعمل إيه يا صالح، أنا مسامحة خلاص." أجابها وهو يستمر في تحركه نحو غرفة نومهم قائلا بحزم وشدة مصطنعين: "لآ يا ستي، مينفعش حقك ولازم تاخديه تالت ومتلت كمان، إيه هناكل حقوق الناس على آخر الزمن ولا إيه! دخل بها إلى الغرفة، وفور أن أنزلها عن كتفه الصقها به هامسا بعد أن دفن وجهه في منحنى عنقها:
"مش قلت لك قبل كده مفيش حاجة في الدنيا دي تستاهل دموع عيونك الحلوة دي... أخذ يقبل بشرة عنقها بحنان هامسا: "آه هي بتبقى هتجنني وبيخطفوا قلبي من حلاوتهم بعد كل وصلة عياط بس معلش كفاية عليها لحد كده، علشان ورانا دين وحساب كبير لازم أوفّي بيه دلوقتي." وثبتت ضربات قلبه من السعادة والفرحة حين سمع صوت ضحكتها كالأنغام بالنسبة له، يرفع وجهه نحوها سريعا يرى ابتسامتها تشرق على وجهها تنيريه وتبدد أي غيوم للحزن عليه، وهي تنطق
بعشقه وهي تهمس له بخفوت: "أنا اللي عندي ليك دين ولازم أوفيه الأول... اقتربت منه تطبع قبلة على وجنته هامسة: "ربنا يخليك ليا، وتفضل طول عمرك ضهري وسندي والإيد اللي تطبطب عليا وتطيب وجعي." اشتعلت عيناه بالعشق تأثرا بها، ترتسم ابتسامة فرحة على شفتيه هامسا لها بصوت مرتجف أجش: "ويخليكي ليا طول العمر وتفضلي تخطفي مني قلبي وعيوني، وأعيش عمري كله... انحنى عليها يقبلها برقة يهمس: "بحبك... وبعشقك... وبدوب من شوقي ولهفتي ليكي...
يا كل حياتي وفرحتها." اشتعلت قبلاته مع آخر كلمة همس بها يبثها من خلالهم بدلا عن حروف الكلمات كل ما عجز لسانه عن البوح به، وقد تضخم قلبه من شدة عشقه ولهفته لها، مكتفيا بها وبعشقها بالعالم كله، مستعد للتضحية بروحه لو كان المقابل سعادتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!