الفصل 29 | من 34 فصل

رواية ظلمها عشقا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم فرح صالح

المشاهدات
20
كلمة
2,674
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

اقتربت كريمة من سماح ببطء ووقفت بجوارها تتململ في وقفتها، لا تدري كيف تبدأ الحديث وهي على وشك المغادرة هي وأطفالها إلى قرية والديها للبدء في حياة جديدة. لكنها لا تستطيع الخروج هكذا دون أن تحاول إصلاح ولو جزء مما اقترفته في حقهم. ظلت طوال الليل تعد ما ستقوله، ترتب له جيدًا. ولكن حين حانت اللحظة، هرب كل شيء. لتَقف أمامها مستجمعة شجاعتها. عدة لحظات تجاهلتها فيهم سماح تمامًا، حتى استطاعت القول أخيرًا بصوت خافت متردد:

"سماح، أنا مش عاوزة قبل ما أمشي تكونوا زعلانين مني." ظلت سماح جالسة كما هي، تتطلع أمامها بجمود، ولا يظهر على ملامحها أي استجابة. لتكمل كريمة برجاء وعتب: "طيب ردي عليا وكلميني... ما تبقيش زي أختك فرح." ابتسمت سماح ساخرة بمرارة قائلة: "إنتي كمان زعلانة إنها مش عاوزة تكلمك بعد ما جوزها كان هيروح في داهية وإنتي كنتي عارفة وسكتي." سحبت كريمة أحد المقاعد تجلس عليه في مقابلها، وهي تقول برجاء: "طب اسمعيني بس...

أنا والله ما كنت ناوية أعمل اللي ظاظا طلبه مني... أنا كنت هاخد القرشين وأخد عيالي وأشوف مصلحتي بعيد عن هنا." قاطعتها سماح، ولأول مرة ترى كريمة هذا الوجه منها، وهي تلتفت لها صارخة بكل الغضب ومرارة الخذلان والتي تشعر بهم في هذه اللحظة: "مصلحتك على حساب أختي وبيتها؟! ... ما جاش في بالك وإنتي بتفكري في نفسك تفكري فيها وفي اللي هيحصل لها لو ظاظا قدر ينفذ اللي عاوزه بحد تاني غيرك... ده حتى مش بعيد يبقى جوزك...

وزي ما عملها مرة يعملها تاني وتالت." شحب وجه كريمة، تحاول الحديث والبحث عن كلمات تدافع بها عن تفكيرها الأناني، لكنها لم تجد. فطبقت فمها وحنت رأسها من خزي فعلتها. لتبتسم سماح قائلة بسخرية: "أخدتي بالك دلوقتي صح.... فكرتي فيها وفي اللي كان هيحصل... تغيرت نبرتها، تختنق بغصة البكاء، قائلة لها بخيبة أمل: "طب كنتي على الأقل تعالي ونبهيني للي بيحصل، ولا عرفي فرح، وبلاش تقولي لصالح لو كنتي خايفة منه...

بس لأ، إنتي اتسعتي أول ما شفتي الفلوس ونسيتي كل حاجة إلا نفسك وبس." رفعت كريمة وجهها وعينيها مغروقة بالدموع، قائلة بندم وبصوت متحشرج: "كان نفسي أبعد عن هنا... كان نفسي ولادي ما يشوفوش اللي إنتي وفرح شوفتوه بالعيشة هنا." نهضت سماح واقفة ببطء، وهي تتطلع نحوها بحسرة وألم: "وهو حصل يا كريمة، وربنا يهنيكي في حياتك... بس عاوزة أقولك إن برغم كل اللي شوفته أنا وفرح في عيشتنا مع جوزك، عمرنا ما فكرنا نسيب هنا ونبعد."

"عارفة ليه؟! "عشانك يا كريمة... عشان منسيبش أخت تانية لينا... أخت باعتنا في أقرب فرصة من غير ما تفكر ثانية واحدة غير في نفسها." رفعت كفيها بتحذير لها، حين نهضت كريمة من مقعدها تحاول التقدم منها، قائلة برجاء وصوت مرتعش: "إنسي يا كريمة وعيشي حياتك زي ما إنتي كنتي عاوزة، وإنسيني وإنسي فرح، إحنا خلاص مبقاش لينا حد." سارت باتجاه غرفتها عدة خطوات، لكنها توقفت، تلتفت نحوها مرة أخرى، تبتسم بضعف ومرارة قائلة:

"آه، عاوزة أقولك اللي شفتيه أنا وفرح وخلاكي عاوزة تهربي منه، لسه بنشوفه وبنعاني منه لحد النهاردة." دخلت غرفتها، تغلق بابها خلفها، وتضعه حاجزًا بينها وبين إنسانة كانت أعز الأشخاص إليها. لتنهار كريمة في البكاء، يصل صوتها إلى سماح، والتي وقفت خلف الباب تستمع إليها. لكنها لم تجد في نفسها القدرة على الغفران أو مسامحتها. ربما فيما بعد قد تستطيع الأيام رأب هذا الصدع بينهم، وتعود النفوس إلى ما كانت عليه يومًا ما.

يومين وهو ينتظر في محله، يتأكله القلق والرعب. حاول فيهم الوصول إلى ذلك الأحمق وزوجته، بعد أن تقطعت به كل السبل للوصول إليهم. فقد اختفى مليجي في اليوم الثاني من تهديده له، وزوجته هي الأخرى قد أغلقت هاتفها، ولا يستطيع الوصول إليها من خلاله.

فكر أن يبعث إليها بأحد يسأل عنها في منزلها، لكنه يخاف أن ينكشف أمره ويدرك أحد صلته بها. لذا فضل فتح محله كما يفعل كل يوم، والتصرف بطبيعية حتى تتضح له الأمور، وعلى ضوئها يستطيع التصرف. مرت ساعة أخرى عليه، قضاها في قلقه وأفكاره، حتى قرر النهوض والذهاب للجلوس على المقهى المجاور لمحل صالح، لعله يلمح أو يستمع شيئًا مما يدور.

وبالفعل، تقدم بخطوات حتى الباب الخارجي، يلقي للعامل لديه بعدة أوامر، وهو في طريقه ليصدم جسده بآخر شخص تمنى لقائه في هذه اللحظة، وهو صالح، والذي ابتسم بسخرية ونظرات عينيه ثابتة، لكنها أيضًا خبيثة غامضة، وهو يتحدث إليه قائلاً بنبرة عادية مرحة: "على فين كده يا معلم... دانا كنت عاوز في كلمتين."

صدم أنور، لا بل صعق حرفيًا. وقد ارتعبت ملامحه، تفر الدماء من جسده، وعينيه تتطلع نحو صالح المبتسم بهدوء واستمتاع، كأنه قط وقد أوقع فأرًا في إحدى الأركان حتى يستمتع باللعب معه قبل الانقضاض عليه. وهو يتحدث قائلاً ببطء وعينيه تلقي له بالتحذير، وهو يمد يده نحو ياقة قميص أنور يعبث بها: "بس لو مشغول ولا وراك مشوار مهم، أنا ممكن أجلك وقت تاني."

وجد أنور نفسه يهز رأسه بالرفض دون شعور، برغم مطالبة عقله له بالفرار والتحجج بأنه لديه بالفعل عمل ما يستدعي رحيله. لتتسع ابتسامة صالح وتصبح ابتسامة ذئبية، قائلاً: "حلو أوي... يبقى اتفضل يا معلم أنور واقعد على مكتبك، خلينا نقول الكلمتين." أومأ أنور له رأسه كالمغيب، يتراجع بظهره للخلف، ومع تقدم صالح بخطواته حتى وصل أخيرًا لمكتبه، يلتف حوله جالسًا على المقعد خلفه بقوة، بعد أن أصبحت قدماه كهلام لا تقوى على حمله.

يتابع جلوس صالح المسترخي فوق المقعد المقابل له، ويقوم بإشعال لفافة تبغ بهدوء وتركيز شديد، قبل أن يتحدث أخيرًا بنبرة عادية: "قولي يا أنور... زعلت على فلوسك اللي راحت منك والقلم بتاع الست كريمة ولا لأ." اهتز جسده بعنف، كمن ضربته صاعقة من مباغتة صالح له. فقد ظن أنه سيراوغ في البداية ويعطيه الفرصة لتغطية على فعلته والبحث عن مخرج، لكنه لم يمهل الوقت، بل سدد له الضربة في مقتل، وجعله لا يستطيع حتى أن ينبث بلفظ واحد.

وهو يستمر في هجومه دون رحمة، يكمل قائلاً دون أن ينتظر رداً على سؤاله: "أكيد طبعًا زعلت، ده مبلغ برضه مش قليل... أنا لو مكانك كنت هزعل أكيد." ازدرد أنور لعابه بصعوبة، يتصبب جبينه بالعرق حتى سال على وجهه، يحاول التحدث، فخرج صوته مرتعشًا خافتًا: "أنا.. مش عارف أنت بتتكلم عن إيه... يا صالح بالظبط." تراجع صالح براحة للخلف في مقعده، قائلاً بصوت غير مبالٍ وهو ينظر لطرف سيجارته: "بس أنا عارف يا أنور...

وجاي النهارده علشان نخلص كل حاجة بينا ونقفل عليه الموضوع ده خالص." هم أنور بالإنكار مرة أخرى بعدم معرفته عن أي شيء يتكلم، لكن لم يمهله صالح الفرصة، ينقض عليه يجذبه فوق المكتب من قميصه نحوه، حتى تقابلت الوجوه والأعين تتصادم، واحدة بنظرات مرعبة، وأخرى شرسة قاسية، يفح صاحبها من بين أنفاسه: "ما قولت لك أنا جاي أحل وأخلص... يبقى تجيلي دوغري كده وبلاش شغل اللوع بتاعك ده معايا... ها قلت إيه."

أومأ له أنور له بالموافقة بسرعة وخوف، جعل ابتسامة صالح ترتسم فوق شفتيه، يرفع كفه يربت فوق وجنة أنور بقوة، قائلاً: "جدع يا أنور... كده نبقى حبايب." يتركه ويعاود الجلوس في مقعده، قائلاً: "هاا تحب تبتدي منين بقى... أنا بقول من الأول من يوم ما طلبت إيد فرح وهي رفضتك." هز أنور رأسه بالموافقة، يزدرد لعابه مرة أخرى، وهو يحاول استجماع شجاعته، ثم يشرع في إخباره بكل ما فعله من يومها وحتى وقتهم هذا.

بينما جلس صالح بهدوء واتزان، بعكس ما يثور بداخله في تلك اللحظة، حتى انتهى أنور أخيرًا من قص كل ما حدث، يتنفس بسرعة وخوف في انتظار رد فعل صالح. ولكن صالح سأله سؤال واحد فقط، كان هو الوحيد الذي يحتاج إلى إجابته، فقد كان على علم بكل ما سبق إلا هذا: "مليجي عرف منين إني مبخلفش... ومتقولش بنات أخته، عشان أنا عارف إن ده محصلش." ازداد وجه أنور شحوبًا من لهجة صالح التحذيرية، قائلاً وهو يرتجف وبصوت مختنق: "أنور مكنش يعرف...

أنا.. اللي قلت كده... عشان... عشان... نهض صالح من مقعده ببطء، يكمل بدلاً عنه بخشونة وقسوة: "علشان افتكر إن فرح أو سماح هما اللي عرفوا خالهم، مش كده يا أنور." ارتعش جسده وينتفض فوق مقعده، وهو ينظر إلى صالح بتضرع ورجاء، يهتف: "الشيطان والله اللي لعب بيا... أنا مش عارف أنا عملت كل ده إزاي... الشيطان صور لي إن.. إن فرح لو سابتك ممكن تحبني زي ما أنا كمان بحب... فح صالح من بين أنفاسه يوقفه، وقد احتقن وجهه بشدة،

وعينيه تزداد شراستها: "اخرس... متكملش... إلا لو عاوز لسانك ده يتقطع ويترمى تحت رجليك، ويتقطع معاه حاجة تانية." ضم أنور قدميه بحماية، يرتجف من كلمات صالح، وهو يعلم بأنها ليست بتهديد فارغ. يصرخ بارتعب: "هسكت خالص والله مش هتسمع ليا صوت تاني... أقولك أنا هسيب المحل والحارة كلها وننسى كل اللي حصل." "وأهو الحمد لله عدت على خير... وإنت كويس والدنيا معاك تمام.. قلت إيه يا صالح."

لم يجبه صالح، بل نهض على قدميه، يخرج هاتفه من جيبه، بعد أن وصلت إليه رسالة، تطلع إليها، ثم وضعه في جيبه، يتجه بعدها نحو الباب، قائلاً: "مستعجلش على ردي يا أنور... هيوصلك هيوصلك." سار حتى الباب الخارجي، تحت نظرات أنور الزائغة المرتعبة، وقبل بلوغه بخطوة، التفت إليه فجأة، يخرج من الجيب الخاص بسترة لفافة، ألقاها نحوه فورًا، قائلاً: "أنور الأمانة دي تخصك... أظن إنت عارف هي فيها إيه."

تلقفها أنور بين يديه، ينظر إليها كأنها قنبلة موقوتة، برغم علمه على ما تحتويه. ثم يضعها أمامه شاردًا عن خروج صالح من المحل ووقوفه خارجه بعدة خطوات، كأنه في انتظار حدوث شيء ما. حتى تعالت صوت سرينة سيارة الشرطة، معها ابتسامته الواثقة، وهو يقف يتابع مع عدد من أهالي الحارة خروج رجال الشرطة منها، ثم يسرعون للدخول إلى محل أنور.

ما هي سوى لحظات، حتى خرجوا بعدها ومعهم أنور مسحوبًا من ياقة قميصه، وهو يصرخ يستعطفهم ويترجاهم أن يتركوه. حتى وقعت عينيه على صالح، يرى في عينيه وعلى وجهه القاسي رده على سؤاله له منذ قليل، يدرك بأنه أذاقه من نفس الكأس، قد حاول أن يذيقه منه منذ أيام وفشل. بعدها جلس صالح ومعه عادل، والذي أخذ يتحدث في هاتفه عدة لحظات، قبل أن ينهي المكالمة، يلتفت إلى صالح قائلاً:

"كده أنور راح في ستين داهية، أقل ما فيها ١٥ سنة سجن أشغال، بعد البلاوي اللي لقوها في الشقة اياها." سأله صالح باهتمام: "طب مليجي كان موجود ساعتها." هز عادل رأسه بالنفى، ليتنهد صالح براحة. ليكمل عادل قائلاً: "بس طبعًا لسه قضية البلاغ الكاذب... دي فيها حبس وغرامة." هز صالح رأسه بعدم اكتراث، قائلاً: "مش مشكلة، وهو يتربى، يمكن يمشي عدل بعدها." تصاعد صوت هاتفه مقاطعًا حديثه، ليخرج من جيبه، يفتح الاتصال ويجيب بهدوء قائلاً:

"أيوه يا حسن... تحت هكون فين يعني... طب حاضر طالع... خلاص يا حسن قلت طالع." أنهى الاتصال، يلقي بالهاتف فوق المكتب، عاقدًا حاجبيه بتفكير. ليسأله عادل بقلق: "حصل حاجة يا صالح ولا إيه؟ هز صالح رأسه بالنفى، قائلاً: "لاا ده الحاج عاوزني أطلع عشان مستنياني." نهض عادل من مقعده، وهو يتحدث قائلاً بهدوء: "طب قوم اطلع... ونبقى نتقابل بليل." هز له صالح رأسه بعقل شارد، ولم يلاحظ تردد عادل وتوتره في وقفته، قبل أن يكمل قائلاً

باضطراب: "كنت عاوز أكلمك في موضوعي أنا و.... ازداد اضطرابه وارتباكه، يشعر صالح بالشفقة عليه، وهو ينهض عن مقعده ويقترب منه، مربتًا فوق كتفه قائلاً بلين: "عارف يا عادل إنت عاوز تتكلم عن مين.. بس زي ما قلتلك الموضوع مش سهل، خصوصًا بعد اللي حصل بينك وبين ياسمين، وهي عارفة ده وعاملة حسابه." أومأ عادل له قائلاً بصوت حزين: "وأنا كمان عارف... أنا أصلاً مش مصدق نفسي إني بطلب منك إنت تساعدني.. بس أعمل إيه مفيش حد تاني قدامي."

زفر صالح بقوة، يربت فوق كتف صديقه، لا يعلم كيف له أن يهون عليه، فقد كان هو الآخر في موقف لا يحسد عليه، قائلاً برفق: "هتتحل يا عادل... كل حاجة وليها وقت، وبعد كده بتتنسي والدنيا بتمشي.. بس الصبر." لم يجد عادل ما يجيب به، يعلم بصدق حديثه، فليس أمامه سوى التمهل والصبر، ولعل بعدها الفرج قريب يكافئ بمراده وقتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...