تحميل رواية «ظلمها عشقا» PDF
بقلم فرح صالح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - جلست فوق فراشها تضم ركبتيها الى صدرها تضع يديها على أذنها بقوة في محاولة منها لإبعاد تلك الأصوات الآتية إليها من الخارج وقد إمتزجت أبواق السيارات مع الاغاني الشعبية تصاحبها زغاريد النساء تعبيرا عن فرحتهم وسعادتهم بهذا الزفاف. كانت الاصوات كطعن سكين حاد يمزق قلبها بلا رحمة أو هوادة .. كانت كالمخالب تشق صدرها ثم تنهش قلبها من داخله ثم تدعسه بقسوة بينهم ثم تلقى به أرضاً فتتركها بعدها جسدا بلا روح.وكلما حاولت صم تلك الأصوات عنها ازداد جسدها ارتجافا كمن يحارب في معركة خاسرة، ونعم هي بخسارة ، فا...
رواية ظلمها عشقا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم فرح صالح
♡ الفصل _ الواحد والثلاثون ♡
جلست على المقعد المجاور للاريكة المستلقى عليها منذ قدومه من العمل يتطلع الى هاتفه مع ابتسامة على وجهه متجاهلا وجودها تماما تمر الدقائق عليها وهى تحاول الصبر والتهمل حتى لا تسأله السؤال والذى يكاد لسانها يحترق للنطق به لكنها لم تحتمل طويلا تطلقه اخيرا قائلة بلهفة
: كلمت ابوك ياحسن فى موضوع الشغلانة الجديدة؟
تجاهل حسن سؤالها يكمل التطلع نحو هاتف متجاهلا لها لتكمل بسرعة وهى تحثه على الكلام
: عرفته انك عاوزها لحسابك المرة دى؟
زفرت بحنق تناديه حين استمر على تجاهلها ليرفع عينيه نحوها قائلا ببطء يجيبها
:لا يا سمر..مقولتش ومش هقول...
هتفت بغضب تسأله وهى تعتدل فى مقعدها بتململ
: ليه يا حسن مش احنا اتفقنا..انك هتكلمه .
هز حسن كتفه بعدم اهتمام واكتراث قائلا
: احنا متفقناش على حاجة..انتى اه اتكلمتى بس انا مقلتش انى موافق .
عقدت سمر حاجببيها بعد فهم وحيرة تسأله
:يعنى ايه كلامك ده...يعنى مش هتكلم ابوك!
هز حسن رأسه لها بالايجاب قائلا
:بالظبط كده مش هكلمه .. وبعدين ابويا ملهوش دخل بالشغلانة الجديدة .. دى تبع صالح وجاية لحسابه وبفلوسه.
نهضت واقفة على الفور وقد تبدد هدوئها وعينيها تلتمع بالحقد والغل صارخة
:قلت لى بقى انها تبع صالح .. وهو صالح اخوك ده مبيشبعش فلوس ايه عاوز يكوش على كله .
لوت شفتيها وهى تربت فوق بطنها قائلة بشماتة
:اومال لو مراته كانت شايلة ومعمرة ليكم البيت بالعيال كان عمل فينا ايه .. بس هقول ايه هو اللى بيحصله ده من شوية .. ما هو من عمايله السودا.
شقهت بفزع تتراجع للخلف حتى سقطت فوق مقعدها جالسة مرة اخرى فبعد كلماتها الحاقدة غير محسوبة العواقب تلك فاجأها حين هب من مكانه نحوها يجذبها من ذراعها بقسوة وهو يصرخ بها بغضب اعمى
: انتى اللى عمايلك سودا .. ومفيش اسود من قلبك
ولو جبيتى سيرة اخويا مرة تانية على لسانك هقطعولك فاهمة ولا لا .
اسرعت تومأ له بالايجاب وعينيها تنطق بالخوف منه ولكنه لم يكن قد انتهى بعد يكمل ببطء وبنبرة تحذرية يضغط فوق ذراعها اكثر حتى كادت اصابعه تخترق لحمها وعينيه تحدق بها بشراسة
: عيشى وربى عيالك ياسمر وابعدى عن البيت وحياة الناس اللى فيه .. احسن واللى خلقك ما هيهمنى حاجة ولا حد بعد كده .. وان كان على العيال هجيب ليهم اللى تربيهم .. اه هى هتبقى مرات ابوهم .. بس صدقينى هتبقى احسن منك الف مرة..
شحب وجهها بشدة تتلعثم الحروف فوق شفتيها هامسة بتعثر
:عاوز تتجوز عليا ياحسن .. اهون عليك تهون عشرة السنين دى كلها .
حسن وهو يبتسم ببطء واستمتاع
:اه يا سمر تهونى .. وتهونى اوى كمان ... قولتى ايه بقى .
عجز لسانها عن الكلام يضيق حلقها حتى كادت ان تختنق بعد كلماته والتى تطعنها كالسكين الحاد على غفلة وعينيها تتطلع اليه بذهول وعدم تصديق ، فحتى حين القى عليها بيمين الطلاق كانت تعلم انها ما هى الا صحوة مؤقتة منه القى فيها بهذه الكلمات فى لحظة غضب .
واثقة تمام الثقة بأنه سيعيدها مهما طال بهم الزمن ولن يستطيع الاستغناء عنها وسيعود مع الايام لطبيعته معها وهذا ما عززه حين لجأ اليها للمشورة والاخذ برأيها كعادته معها فيما حدث مع اخيه منذ عدة ايام ، ولكنه من بعدها عاد مرة اخرى لتعامله غير المبالى ونظراته الباردة المحتقرة لها كأنها قد اسأت اليه او خاب ظنه بها...
وها هى الان تراها فى عينيه ترى نظرة التصميم وعقده العزم على فعل ما قاله الان بأنها ليست كلمات جوفاء نطق بها كتهديد فارغ كالمرة السابقة بل هى كلمات ستحطمها وتقضى عليها ان فعلها حقا وقد استطاع أخيراً ايجاد نقطة ضعفها والامر الذى تخشاه ولا تستطيع تحمله ابدا .
لذا وقفت تجيبه وبل كل هدوء تعنى كل كلمة تنطق بها هذه المرة قائلة
:قولت حاضر يا حسن .. اللى تقول عليه هعمله.. ومن هنا ورايح هخلينى فى حالى وبيتى وولادى.
تركها ذراعها ثم تراجع عنها يحمل هاتفه ويعاود الاستلقاء مرة اخرى فوق الاريكة قائلا بعدم اكتراث
:حلو اوى ومدام فهمتى يبقى قومى اخفى من ادامى.. وياريت من هنا ورايح كلامك معايا على الاد.. وفى اللى يخص العيال وبس .
هذه المرة لم تستطع مقاومة دموعها تشهق عالية بالبكاء وهى تنهض من جواره تسرع فى مغادرة المكان تتعثر فى خطواتها لكنه لم يهتم بل استمر فى التطلع الى هاتفه غير مبالى بها تماما كما اصبح فى حياته كلها معها .
****************************
كانت تجلس تشاهد التلفاز وتتابع احد المشاهد الدرامية المؤثرة وهى تضم شفتيها المرتجفة تحاول منع نفسها عن البكاء خوفا ان يصله صوتها ويقلق فقد كان يستلقى على الاريكة بجوارها ورأسه فى حضنها وقد فضل هذا الوضع على الذهاب وحده الى الفراش ينتظرها حتى تنهى من مشاهدة مسلسلها المفضل.
ولكنه ماهى الا لحظات وقد كان يغط فى النوم بعد ان اخذت اناملها تتلاعب فى خصلات شعره تبعدها عن جبينه بحنان وهى تتابع الاحداث بأعين مهتمة وتلتمع بالدموع متأثرة تشهق عالية بعد سقوط البطل فى ايدى اعدائه بصوت جعله يهب فزعا من نومه هاتفا بقلق وهو يجلس يتلفت حوله
:مين.. ليه.. فى ايه حصل؟
ضغطت شفتيها معا بحرج وأسف وهى تعتذر بخفوت
:اسفة يا حبيبى حقك عليا خضيتك .. ده المسلسل اصل البطل خلاص مسكوه وها....
قاطعها صالح زفرا بقوة وهو يمرر كفه فوق وجهه يهتف بها بعدم تصديق وذهول
:حرام عليكى يا فرح والله ... دانا روحى راحت منى وقولت حصلك حاجة .
اقتربت سريعا منه تضم رأسه بكفيها ثم تجذبه نحوها قائلة بصوت ملهوف
: بعد الشر عليك يا عيوني ... يارب البطل والمسلسل كله .
ابتسم بسعادة وحبور كطفل صغير وقد اعجبه ما قالته وهو يزداد اقترابا منها يستند برأسه فوق كتفها وذراعيه تلتف حول خصرها قائلا بتأكيد
:ايوه يا رب الواد ده والمسلسل ده كله علشان بياخدوكي منى .
ضحكت فرح تسأله بدهشة
:صالح هو انت بتغير من المسلسل بجد و البطل بتاعه؟!
صمت قليلا يتململ فى جلسته بتوتر قبل ان يتحدث وهو يدفن وجهه فى عنقها قائلا بخفوت
: ايوه بغير منه ومن اى حاجة او حد ممكن ياخدك منى ..
بس كمان مقدرش اقولك لا على اى جاحة بتحبيها وتفرحك .. انا لو اطول اجبلك نجمة من السما يا فرح هجبهالك ومش هتأخر ثانية.
شع وجهها بالفرحة تناديه بهمس ليرفع وجهه اليها يتطلع اليها لتتسع البسمة فوق شفتيها هامسة بعشق وهيام
: وانا مش طالبة نجمة ولا حاجة .. انا كفاية عليا انت وبس واى حاجة تانية مش مهمة.
وعلى عكس توقعها لوقع كلماتها عليه شعرت بالقلق والاضطراب حين اظلمت عينيه يسألها بتمهل تشعر برجفة الخوف فى صوته
:طب والولاد والخلفة يا فرح .. برضه مش مهمة عندك..؟
زفرت بقوة تبتعد عنه قائلة بحنق
: وايه اللى جاب السيرة دى دلوقت صالح .. وبتقول عليا انا ملكة الدراما.
تراجع عنها هو الاخر قائلا بصوت ألمها الكسرة والحزن فيه
:خايف يا فرح .. خايف يجى يوم ومبقاش فيه كفاية عليكى.. خايف اشوف فى عنيكى لحظة كره ليا سببها انى كنت سبب فى حرمانك من حاجة كل ست فى الدنيا تتمناها .. اوعى يا فرح تكرهينى فى يوم.....
التفت اليها فى جملته الاخيرة وقالها لها بنبرة ومتوسلة راجية جعلتها تهب من مكانها تسرع بالجلوس فوق ركبتيه تعقد ذراعيها خلف عنقه وعينيها تتطلع لعينيه بنظرة قوية واصرار قائلة له بحزم
:انا عمرى ما تمنيت فى حياتى غيرك .. ولا عاوزة من الدنيا دى كلها غير انى اكون معاك وفى حضنك.. انا مش ممكن اكرهك علشان حاجة مشفتهاش ، ويوم ما اتمنتها كان علشان هتبقى حتة منك .. صدقنى يا صالح.
اراح جبينه فوق جبينها يغمض عينيه وهو يتنفس بسرعة وقوة ليظلا على هذه الحالة للحظات كأنه يستمد من انفاسهم المختطلة القوة والصبر ، ثم فجأة انحنى على شفتيها يق.بلها بلهفة للحظات طوال سرقت منهما الانفاس قبل ان ينسحب بعيدا عنها يريح جبهته فوق جبهتها مرة اخرى هامسا بتردد
: طيب تحبى تيجى معايا المرة الجاية وانا رايح للدكتور.. وتسمعى وتفهمى منه الموضوع كله.
هزت رأسها له بالايجاب سريعا هامسة وهى تبتسم بنعومة
: احب طبعا .. اى حاجة تطلبها منى انا موافقة عليها.
ابتسم لها هو الاخر بحب يهم بالاقتراب مرة وفى عينيه تظهر نواياه لكن قاطعه صوت جرس الباب يتعال صوته فى ارجاء المكان ليزفر صالح بحنق ونزق قائلا
: انا اللى استاهل .. ايه خلانى ارجعه يشتغل تانى.. ما احنا كنا مرتاحين من صوته.
نهضت فرح عن قدميه سريعا تضحك بمرح وهى تتجه ناحية الباب لفتحه ليهتف بها يوقفها بحزم قائلا
:رايحة فين.. اداخلي انتى جوه .. انا اللى هفتح الباب .
ضمت شفتيها ترفرف برموشها قائلة بتدلل
: حاضر يا سى صالح.. اللى تأمر بيه.
ثم تحركت من المكان بعد ان القت اليه بنظرة تدلل واغراء اخرى جعلت قلبه يثب من صدره يهرع خلفها وكان ان يتبعها هو الاخر بجسده لكن تعال رنين الجرس مرة اخرى ، فأخذ يدمدم بغضب وحنق وهو يتجه نحو الباب يفتح بقوة .. عاقدا حاجبيه بغضب لكنه سرعان تتبدد عن وجهه اى مظاهر للغضب حين وجد والده ووالدته ومعه شقيقه وزوجته يقفون امام الباب.
تهتف والدته له
: ايه يا حبيبى انتوا نمتوا ولا ايه ... احنا قلنا نيجى نقعد معاكم شوية .. بس لو كنتوا....
قاطعها صالح فوراً هاتفا بترحاب وهو يفسح الطريق لهم ليدخلوا جميعا وخلفهم سمر والتى كانت تسير خلف زوجها بتمهل وهى تحنى رأسها و تلقى بسلام خافت عليه
واستقروا جميعا فى غرفة الاستقبال جالسين تسأله والدته
:هى فرح نامت ولا ايه يا صالح ؟
اتت الاجابة من فرح والتى دخلت فى تلك اللحظة قائلة
:لا يا ماما انا صاحية...
ثم القت بسلام عليهم مرحبة وهى تقف بجوار صالح تبتسم ولكنها كانت تخفض عينيها عنهم بحرج متأثرة بما حدث منذ عدة ايام يسود الصمت للحظات حرجة وحتى تتلاشى هذا الحرج اسرعت بالقول
: هروح اجيب حاجة نشربها .. ثوانى و...
بالفعل تحرك نحو المطبخ لكن اتى صوت الحاج منصور يقاطعها وهو يشير لها قائلا
:لا تعالى اقعدى الاول انا عاوزك فى كلمتين .
شحب وجهها تنظر لصالح بخشية وقد ظنت انه يريد فتح الامر مرة اخرى وهذا ما ظنه صالح هو أيضاً يلتفت الى والده سريعا يسأله بتوتر وعينيه تبعث اليه برسالة واضحة
: خير يا حاج.. فى حاجة تانية عاوز تتكلم فيها..؟
ابتسم منصور وقد وصلته رسالته جيداً قائلا بحزم ولكنه نظراته كانت ممازحة
: انا عاوز اكلم فرح انت اسمك فرح!؟
...تعالى يابت اقعدى جنبى هنا وسيبك من الواد ده .
اشار لفرح بالاقتراب منه والجلوس بجواره وبالفعل اطاعته بعد لحظة تردد وجلست بجواره ليبتسم الحاج منصور بغبطة قائلا لصالح يداعبه
:شوفت بقى سمعت كلامى ازاي .. خليك انت بقى فى حالك.
ثم مد يده بداخل جيب جلبابه الداخلى يخرج منه كيس من القطيفة ويمده نحو فرح قائلا بحنان
: شوفى انا كنت النهاردة انا والحاجة فى مشوار كده... وافتكرت ان مجبتش ليكى حاجة بمناسبة جوازك. .. فقولت اجبلك السلسلة الحلوة دى .. شوفيها كده ويارب ذوقى يعجبك.
التمعت عينيها بالسعادة تبتسم بفرحة طاغية ليس سببها الهدية نفسها ولكن فى معناها وتوقيتها ودون تفكير او لحظة تردد وجدت نفسها ترتمى فى احضان الحاج منصور وهى تبكى بدموع الفرحة جعلت الكل يضحك على ردة فعلها حتى صالح ضحك بصخب قائلا
: معلش يا جماعة نسيت اقولك .. ان مراتى ملكة الدراما فى العالم كله تفرح تعيط .. تحزن تعيط .. كان كده ملهاش زى.
هتفت انصاف قائلة
: ربنا ما يجيب حاجة تحزن ابدا... ويخليكم لبعض دايما .
ثم غمزت خفية لحسن ليظهر التردد عليه قبل ان يلتفت لصالح قائلا
: وانا كمان جاى النهاردة انا ومراتى علشان نقولكم حقكم علينا... ومش عاوزك تزعل منى ابدا يا صالح .
انا لما عملت كده كان خوف عليك .. مش قصدى اوقع الدنيا فى بعضها ابدا .
نهض صالح عن مقعده يجذب حسن الى احضانه يربت فوق ظهره قائلا بحزم يتخلله نبرة حنونة
: حصل خير.. وياما بيحصل وكلامك ليا ده عندى بالدنيا كلها.. دانت اخويا الوحيد يا حسن .. يعنى الضهر والسند .
بكى حسن بتأثر من كلمات صالح له فقد صدمته وجعلته يشعر بالراحة بعد ان ظن ان الطريق طويل امامه لعودة الامور لطبيعتها و واستحالة المصالحة بينهم .
وبينما كان الجميع يتطلع الى الموقف امامهم بتأثر شديد الا ان سمر برغم هدوء وجهها وخلوه من اى تعبير الا عينيها كانت تعصف بالمشاعر وخاصا الغل لا تستطيع ان تهضم او تمرر ما يحدث امامها الان .
تنهش قلبها الغيرة والحقد وهى تتسأل لما يمتلك صالح وزوجته كل هذا الحب والثروة والهناء بينما حياتها هى تنهار فى تلك اللحظة ويتبدل حال زوجها معها من النقيض للنقيض تعيش معه على الحافة وغيرها ومن اقل منها تهنئ بكل هذا .
افاقت من افكارها على صوت زوجها وقد عاود الجلوس مرة اخرى مكانه يشير لها وفى عينيه كلام استطاعت قرأته بعد ان اعاده عليها مرارا وتكرارا طيلة اليوم قائلا
: قومى يا سمر روحى لفرح فى المطبخ وساعديها.
اسرعت بالنهوض من مكانها تومأ له سريعا وقد انتبهت لاختفاء فرح من المكان تتجه ناحية المطبخ تدخله بخطوات بطيئة حتى وقفت خلف فرح تماما تسألها بنبرة خبيثة ممطوطة
: تحبى اساعدك فى حاجة ؟
التفتت اليها هاتفة بسرعة وهى تهز رأسها بالرفض قائلة
: لاا ياحبيبتى شكرا مش عاوزة اتعبك .. اقعدى انتى ارتاحى .. او اقولك اطلعى احسن معاهم بره.
سحبت سمر مقعد وجلست عليها قائلة بأرهاق وتعب مصطنع
: لاا انا هقعد معاكى هنا اسليكى لحد ما تخلصى ..معلش بقى مش قادرة اقف واساعد ... انتى عارفة بقى الحمل وتعبه.
دوى صوت سقوط احدى الاطباق بعد ان انزلق من بين اصابع فرح المرتعشة وقد شحب وجهها بشدة من خبث كلماتها وقد سقطت فوقها كالمطرقة اخلت بتوازنها وهى تكمل بنبرة عادية كأنها لا تعى تأثير كلماتها على فرح
: انا كنت بقول المرة دى هتبقى اسهل .. زى ما انتى فاهمة كل ما بتحملى ورا بعض ومبتخليش فرق بين كل مرة والتانية الموضوع بيكون اسهل .. الا المرة دى تعبها مش عاوزة اقولك اد ايه .. وحسن كل اللى عليه يقولى انه نفسه فى ولد كمان .. علشان دول اللى هيشيلوا اسمى واسم ابويا من بعدى مع انه خايف وقلقان عليا اووى .
كانت فرح قد التفت للناحية الاخرى تعطى لها ظهرها حتى لا ترى تأثير كلماتها المسمومة عليها برغم انها لم تكن تهتم بما تقول الا ان طريقتها فى الحديث وتعمدهاجرح مشاعرها جعلتها تتأثر رغما عنها تغمض عينيها وتاخذ عدة انفاس سريعة تهدء من ثورة مشاعرها وقد كان اقربهم للسطح الغضب والذى جعلها ترغب بأن تطيح بها من فوق مقعدها .
لكنها وبكل هدوء التفت اليها قائلة وعلى وجهها ابتسامة مستفزة
: عندك حق .. الاحسن فعلا انك تجيبى ولادك ورا بعض.. انتى سنك بيكبر وسنة ولا التانية ومش هتقدرى تعمليها تانى .. ده غير تربية العيال بتخلى الست تبان اد عمرها تلات اربع مرات.. واكيد حسن واخد باله من حاجة زى دى ومقدرها برضه.
جاء الدور على سمر ليشحب وجهها بشدة تفر الدماء تتركه ابيض تمام ثم تعاود الدماء للضخ به بسرعة وقوة جعلته محتقنا بشدة وقد برزت شرايين عنقها بطريقة جعلت فرح تخشى عليها من ان تنفجر فى اى لحظة تراها تهب من مقعدها بعنف فتسقطه أرضا .
تفتح فمها كأنها ستلقى بالحمم من داخله ولكن ولدهشة فرح اسرعت تغلقه مرة اخرى كان شيئ ما اوقفها ترمى فرح بنظرة حارقة مغلولة ثم تسرع فى مغادرة المطبخ فورا دون ان تنطق بحرف بطريقة جعلت فرح تطلق ضحكة عالية منتصرة من المؤكد قد وصلتها وهى فى طريقها للخارج .
وبعدها فوراً اندفع هو للداخل كأنه ادرك بحدوث خطب ما لكنه سرعان ما استرخى مستندا فوق اطار الباب ينظر اليها بأعجاب غامزا لها بعبث مزاح قائلا
: انا شايف ان الوحش بتاعى ظهر من تانى واخد حقه مش كده ولا ايه!
اخذت تهز حاجبيها له وفى عينيها نظرة خبيثة قائلة
: طبعا يا قلب الوحش .. اخدته وبزيادة كمان.
فى تلك اللحظة خرجت سمر كأنها الشياطين تطاردها وهى تدمدم بحنق وغضب ولكنها وقفت خطوتين من مكان تجمع العائلة اسرعت برسم ابتسامة صافية مزيفة وهى تجلس بجوار زوجها والذى سألها فورا
:عملتى اللى قولتلك عليه يا سمر.. وصفيتى الامور بينك وبين فرح وكله تمام ؟
سمر بتأكيد وجدية
:طبعا ياخويا وهو انا اقدر ازعلك .. بعدين البت فرح طلعت جدعة وقلبها ابيض وكله بقى تمام وزى الفل .
ابتسم حسن بغبطة لها يربت على كفها استحسانا ولكنه لم يكن يدرك عن تلك النار والتى تنهشها من الداخل حتى كادت ان تتفحم اعضائها من الكمد والغضب بعد رد تلك الداهية عليها وقلبها الامر عليها ، لتخرج هى منه ضعيفة منهزمة تخشاها وتضع من الان لتلك الصغيرة الف حساب.
-------------
رواية ظلمها عشقا الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم فرح صالح
بعد مرور عدة أيام عادية وهادئة ودون أحداث، اجتمعت عائلة الحاج منصور لمناقشة طلب هذا الخاطب ليد ابنته ياسمين.
ليهتف حسن، عاقداً حاجبيه بقلق، بعدم علمه بهويته:
"بس يا حاج، بسمع عنه وبيقولوا عليه بخيل ومش بيهون عليه يطلع قرش من جيبه."
ياسمين، وهي تطلق شرارات الغضب والحنق نحو أخيها رفضاً لحديثه، قالت له بتحدٍ ودون خجل:
"بس أنا موافقة يا حسن.. وعرفت بابا بكده."
نهض حسن عن مقعده، صائحاً بغضب وحنق:
"يعني إيه يا حلوة؟ كلامنا ملهوش لازمة عندك ولا إيه؟"
رمت ياسمين بنظرة مستهزئة، وضعت بها ردها على سؤاله، ومعها ابتسامة مستفزة جعلت حسن ينهض من مقعده بعنف. وقد استفزته ما تراه عيناه منها، يهم بالانقضاض عليها صارخاً بحنق يسبها، ولكن تأتي صيحة والده حتى وتوقفه في مكانه مرة أخرى، قائلاً:
"جرى إيه يا حسن، أنت هتمد إيدك عليها وأنا قاعد ولا إيه؟"
ارتبك حسن، يتراجع إلى الخلف باضطراب، ولكن ما زال وجهه محتقناً، قائلاً بخفوت:
"أنت مش شايف يا حاج كلامها ردها عليا عامل إزاي؟"
أسرعت انصاف تتحدث، قائلة في محاولة لتهدئة الأجواء:
"هي يا حبيبي.. تقصد إنها شايفة إنه عريس حلو وكويس وبتعرفك أنت وأخوك برأيها زي ما عرفت أبوك.. بس طبعاً الرأي رأيكم أنتم وأبوكم واللي تشوفوه صح هي اللي هتعمل."
زفر حسن بقوة في محاولة للهدوء، وهو يعاود الجلوس في مقعده مرة أخرى. يتلتف إلى صالح الجالس منذ بدء الحديث صامتاً وهادئاً، يضع سبابته فوق فمه وهو ينظر إلى ياسمين بتفكير. يسأله بنفاذ صبر:
"إيه رأيك يا صالح.. ولا أنت هتفضل قاعد ساكت كده؟"
صالح، وما زالت نظراته فوق ياسمين، يتطلع إليها. وقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يجتمع بها في مكان واحد منذ ما حدث منها آخر مرة. يسألها بصوت رصين هادئ:
"قوليلي يا ياسمين، بعيد عن إنه بخيل ولا لأ.. مش شايفة إن عشرين سنة فرق ما بينكم كتير أوي؟"
أجابته ياسمين بنبرة ذات مغزى ومعها ابتسامة خبيثة:
"وده عيب بالنسبة لك يا صالح إن يبقى فيه فرق كبير بين أي اتنين هيرتبطوا.. مع إنه مكنش كده يوم ما فكرت تتجوز فرح وهي من نفس سني ويمكن أصغر كمان سنة.. ولا هو حلو ليك وعيب عند غيرك."
توتر المكان في الحال بعدها. ينهض الحاج منصور ويندفع نحوها يهم بضربها هو هذه المرة، لولا أسرع صالح والوقوف كحاجز بينهم وإيقافه عن فعلها. يهدئه هو وحسن بعد أن انتفخت عروقه واحتقن وجهه، يوجه لها السباب والشتائم. يحاول الإفلات منهم حتى ينالها. وقد احتضنتها انصاف بين ذراعيها بحماية خوفاً من بطشه بها. حتى استطاعوا أخيراً تهدئته وإجلوسه فوق مقعده، صارخاً بها بعدها بشراسة:
"خلاص يا بنت ال****، كده مفيش كلام تاني في الموضوع ده.. وأنا هبلغ العريس ده إننا مش موافقين."
انهارت ياسمين في البكاء، قائلة بصعوبة وبكلمات مبعثرة غير مفهومة:
"بس.. أنا موافقة.. أنا عاوزة.. حرام عليكم.. أنا عاوزة.. أخرج من الحارة المخروبة دي."
نظرت إلى والدها ووالدتها بتضرع ورجاء:
"يا بابا ده مهندس ومن عيلة.. وعنده شركته.. ترفضوه ليه؟ أنتوا عاوزينى أفضل قاعدة جنبكم كده مستنية عريس من جوة الحارة العرة اللي عايشين فيها دي.. اللي أنضف ما فيها كان محامي ميسواش رضيت بيه سد خانة.. وفي الآخر هو اللي مش عاجبه وفسخ الخطوبة وقال مش عاوز ض.. قولولي هستنى إيه تاني؟"
ساد الصمت التام المكان بعد كلماتها، إلا من شهقات بكائها. ويتطلع إليها الجميع، حتى تقدم منها صالح ببطء، ووجه غير مقروء التعبير. تتابعه هي بنظراتها المرتاعبة ظناً منها أنه سيعاقبها على ما قالته. لكنه جلس على عقبيه أمامها، ينظر إليها بثبات وهدوء للحظات، تحدث بعدها قائلاً:
"الفرق اللي بيني وبين فرح 13 سنة مش عشرين، وأنتي عارفة ده كويس.. وكونك عاوزة تتجاهلي الفرق ده فده حاجة ترجعلك.. بس لسانك لو طول عليا مرة تانية هقطعولك، وأظن قدام الكل أنا عديت ليكي كتير."
"أما بالنسبة للمحامي اللي ميسواش ورضيتي بيه سد خانة.. مش انتي أختي وهو صاحبي، وبس هو عندي أحسن ألف مرة من واحدة من عينتك.. وبجد ربنا نجده ورحمة إنه موقعش حظه في واحدة زيك أنانية ومدلعة وعمرها ما كانت هترفع، بالعكس كانت هتهد فيه، وأظن إحنا شوفنا عينة صغيرة من اللي تقدري تعمليه لما كان خطيبك."
شحب وجهها من شدة إهانته لها. تراقبه وهو يعاود الوقوف على قدميه، يلتفت نحو والده قائلاً بحزم:
"وافق يا حاج على العريس زي ما هي عاوزة.. أنا كنت خايف عليها وشايف إنه مش مناسب لها؛ بس الظاهر ده عند بنتك حاجة غلط.. وافق بدل ما تشيلك وتشيلنا ذنبها طول العمر."
وبعدها وفوراً تحرك مغادراً، يغلق خلفه الباب بعنفه، ارتجت له أرجاء المكان. فينهض والده بعد عدة لحظات صامتة، قائلاً بوجوم وملامح أسف:
"أخوكي عنده حق في كل كلمة قالها.. الظاهر إن دلعنا فيكي خسرك ومبقاش منك رجا.. يا ألف خسارة على الخلفة اللي زيك."
سأله حسن مستنكراً باستغراب:
"يعني إيه يا بابا هتوافقها وتمشي كلامها علينا؟"
والده وهو يحني رأسه في الأرض قائلاً بأسف:
"آه يا بني هوافق وهي اللي اختارت.. وزي ما أخوك قال بدل ما تشيلنا الذنب طول العمر."
حدق حسن نحوها بغيظ، يراها وقد تبدل حالها تماماً، تبتسم بسعادة وعينيها تلتمع بانتصار، كأنها قد ملكت الدنيا بفوزها بهذه الزيجة. فيدرك بأن لا حديث سيجدى معها نفعاً.
وقفت في مطبخها تحضر الغداء وهي تتمايل في وقفتها، وهي تدندن إحدى الأغنيات القديمة بصوت حنون رقيق، كأنها تعني كل كلمة تقولها منها:
"عمري ما دقت الحب غير لما حبيتك
ولا شوفت راحة قلبي إلا وأنا في بيتك
تسلم تسلم تسلم لقلبي.. وتعيش لحبي
تسلم لقلبي يا حبيبي.. تسلم لقلبي."
ضحكت بسعادة ودلال حين شعرت به خلفها يلف خصرها بذراعه ويقربها لصدره، هامساً بحب وهيام في أذنها:
"تسلمي لقلبي أنا.. يا فرحته وكل مناه."
وببطء شديد انحدرت شفتيه من أذنها بقبلات بطيئة ناعمة فوق بشرة عنقها، لتهمس له بأنفاس لاهثة متسارعة تهمهم باعتراض واهٍ:
"صالح كده الأكل هتحرق ومفيش غدا النهاردة."
صالح وهو ما زال منشغل فيما يفعله:
"لأ ماهو كده أو كده مفيش غدا هنا النهاردة... علشان هنروح لسماح ونتغدى معاها."
شهقت وعينيها تتسع بعدم تصديق، تلتف لمواجهته، تقاطع ما كان يفعله صارخة بسعادة قائلة:
"بجد يا صالح هنروح؟ طيب شوف هي ثواني... وهكون لابسة وجاهزة حالا."
وبالفعل كانت في طريقها إلى الخارج، تتركه مكانه مذهولاً، قبل أن تلتفت إليه قائلة:
"معلش اطفى بقى على الأكل ده... على ما ألبس... آه واقفل الغاز... و..."
وأخذت تعدد له عدة أشياء بسرعة لم يكن قادر على مجاراتها واستيعابها، ثم اختفت من أمامه حتى تعد نفسها. وما هي سوى دقائق قليلة وكانت أمامه مستعدة، فرحة كأنها طفلة وفي طريقها لنزهة طال انتظارها لها، بطريقة جعلته يبتسم لها بحنان. يتقدم نحوها وهو يشير لها بأن تتقدمه.
لتقفز بفرحة قائلة له:
"سماح وحشتني أوي.. من يوم ما كريمة مشيت وهي يا قلب أختها قاعدة لوحدها.. أكيد هتفرح أوي لما نروح ونتغدى معاها النهاردة."
عقد صالح حاجبيه يتظاهر بالحزن:
"ماشي يا ستي.. ماهي أول ما سيرة سماح جت نسيتي كل حاجة حتى أنا."
جرت عليه ترتمي في حضنه، تقبل وجنته بنعومة قائلة له بحزم:
"أنت مفيش حاجة في الدنيا ممكن تشغلني عنك ولا تخليني أنساك لحظة.. أنا بس..."
قاطعها بسرعة وعيناه تلتمع بعشقها:
"متقوليش حاجة.. أنا عارف إنتي عاوزة تقولي إيه.. بس أنا اللي بحب أسمعها منك كل شوية."
تتلاقت الأعين في حديث صامت بينهم للحظات، قيل فيه كل شيء تنطق به قلوبهم. حتى تنحنح قاطعاً اللحظة قائلاً بتذمر:
"بقولك إيه تعالى نتحرك ونخرج من هنا.. بدل ما والله أقفل الباب عليا وعليكي وما نشوفش الشارع ولا حد لمدة شهر أكون خلصت فيه كل اللي عاوز أقوله وأسمعه."
ابتعدت عنه وهي تضحك بتدلل، تتراجع للخلف وهي ترفع كفيها أمامها باستسلام وموافقة، قبل أن تسبق طريق للخروج بسرعة تتظاهر بالخوف من أن ينفذ تهديده.
وما هي سوى دقائق معدودة وكانت بالفعل تجلس مع شقيقتها فوق الأريكة في صالة الشقة الخاصة بهم. تسألها سماح بسعادة:
"طب ما طلعش معاك ليه؟ مش بتقولي هنتغدى سوا."
أجابتها فرح قائلة:
"راح يجيب حاجة سريعة نتغدى بيها.. علشان متتعبيش نفسك."
سماح باستنكار:
"طب ليه كده يا فرح تكلفيه، ده أنا حتى عاملة أكلة النهاردة حلوة أوي وهتعجبكم."
ربتت فرح فوق كتفها قائلة:
"خليها لبكرة.. إحنا جايين نقعد معاكي مش نتعبك."
حضنتها سماح بشوق قائلة:
"وحشتيني أوي يا بت، عاملة إيه معاهم، بيعملوكي إزاي بعد اللي عمله المنيل خالك."
أسرعت فرح تقص عليها كل ما حدث في الأيام القلائل الماضية، حتى أتى ذكر زواج ياسمين الوشيك. ليتبدل حال سماح، تسألها بسعادة لم تستطع إخفاءها:
"يعني مش هترجع لعادل تاني؟"
عقدت فرح حاجبيها تسألها بذهول:
"هو أنتِ كنتِ بترفضى عادل كل ده علشان فاكراه لسه بيحب المخفية دي وإنه ممكن يرجع لها تاني؟"
اشتعل وجه سماح خجلاً قائلة بتلعثم:
"آه.. أقصد لأ.. أنا أصلاً ميهمنيش... بعدين أنا كنت خايفة عليكي لصالح يزعل منك وهو وأهله... لما يعني..."
قاطعتها فرح بحزم:
"سماح إنتي بتحبيه.. وبتحبيه أوي كمان."
أخفضت سماح رأسها قائلة بحزن:
"بحبه بقى ولا مبحبوش، مبقتش تفرق.. أهو راح لحاله... وبعدين بيني وبينك هي ماكنتش تنفع من الأول.. لا جوزك كان هيوافق ولا أهله كمان."
فرح بشدة وقد أغضبها أن تتخلى شقيقتها عن سعادتها حتى ولو في سبيلها:
"اللي يزعل يزعل.. معلش يعني هما شافوا بنتهم واللي عملته.. وأظن إنك ما كنتيش السبب دي عمايلها السودا هي...."
قاطعتها سماح تنهض واقفة قائلة باضطراب:
"خلاص يا فرح ملهوش لازمة الكلام.. أنا رفضت وسمعته كلام أظن عمره ما هينساه ليا وزمانه شاف بنت الحلال اللي تسعده غيري."
صمتت فرح لا تعلم كيف تقنعها، ولكنها قررت عدم تخليها عن الأمر بعد أن علمت بمشاعر شقيقتها، عاقدة العزم على إيجاد حل ما.
تعالت طرقات خفيفة فوق الباب، لتسرع فرح واقفة تسرع نحوه، وقد علمت هوية الطارق. تفتح الباب فوراً دون أن تضع حجابها. ليهتف بها فور رؤيته لها:
"مش تسألي مين الأول؟ مش يمكن حد تاني غيري؟"
رفرفت له برموشها قائلة بدلال ونعومة:
"لأ عارفة إنه أنت.. قلبي قالي وأنا قلبي عمره ما يكذب عليا.. وهو طلع أنت زي ما قالي."
تنحنح صالح يلتفت خلفه بحرج، قبل أن يقترب منها هامساً:
"طب ادخلي حطي حجابك على شعرك وعرفي سماح إن معايا ضيف.. وابقي تعالي."
اتسعت عينيها بصدمة، تتراجع للداخل على الفور، وقد اشتعل وجهها بخجل. تدخل الغرفة معها شقيقتها، والتي سألتها عن هوية الزائر. لتخبرها بأنها لم تلمحه حتى. وبعد أن أصبحت هي وشقيقتها بمظهر لائق، خرجتا من الغرفة في اتجاه غرفة الاستقبال، لتتسمرا مكانهما بذهول. حينها ووجدتا عادل وهو زائر صالح. والذي قال فوراً ودون لحظة تردد واحدة:
"سماح عادل جاي يطلب إيدك مني النهاردة.. قلتي إيه؟"
تعاقبت المشاعر فوق وجهها، حتى سيطرت الصدمة والذهول أخيراً عليها. تفتح فمها وتغلق عدة مرات، وعينيها تتطلع إليه، لتجد واقف مكانه مضطرب، خائف، يتوسلها بنظراته أن توافق ولا يكون رفضها مصير طلبه. لكنها لم تستطع قولها، ينعقد لسانها وهي تلتفت نحو فرح تسألها المساعدة.
لتهتف فرح فوراً وبابتسامة سعيدة وصوتها يتهلل من الفرحة:
"وهي موافقة.. نقول مبروك.. ونقرأ الفاتحة."
ودون أن تمهل أحد الفرصة لاعتراض، أسرعت تطلق الزغاريد الواحدة تلو الأخرى بطريقة جعلت صالح يهز رأسه بعدم تصديق، وعلى وجهه ابتسامة سعيدة أصبحت تلازمه منذ أن دخلت حياته وأنارتها.
بعد مرور عامين على تلك الأحداث، جلست تتحدث مع شقيقتها في الهاتف داخل شقتها، وهي تنهد بحزن قائلة:
"خايفة أوي يا سماح، الشهر اللي فات كان أنا السبب وتعبت وكل حاجة باظت... المرة دي قلبي مقبوض وخايفة يحصل حاجة تاني."
حاولت سماح التهوين عليها قائلة لها:
"هو يعني انت كنتِ قاصدة، دي حاجة غصب عنك... وأظن صالح عارف كده."
عند سماعها لاسمه، لانت ملامحها، واللمعت عينيها بحبها وعشقها له، قائلة بحنان:
"تعرفي إنه طول طريق رجعونا من عند الدكتور وهو بيطيب خاطري، ولا كمان أخدني يفسحني، وبليل وهو راجع واشترى ليا خاتم يجنن يفرحني بيه.. بس ده خلاني أحس بالذنب أكتر وأكتر."
زفرت سماح تهتف بحنق مصطنع:
"فرح يا ملكة الدراما، بقولك إيه كل حاجة وليها أوانها.. وعوض ربنا كبير وكرمه عالي."
اختنق صوت فرح بغصة البكاء، لكنها حاولت تمالك نفسها وهي تقول وبدون مقدمات:
"سمر حامل تاني..."
شهقت سماح بذهول وعدم تصديق قائلة:
"تاني؟ دي لسه بنتها مكملش السنة ونص، حرام عليها نفسها."
ابتسمت فرح بمرارة قائلة:
"عاملة زي اللي داخلة مسابقة، أول ما عرفت إن أخت صالح ياسمين حامل شهر والتاني وحملت هي كمان، فاكرة إنها بكده بتربط حسن بعد ما المشاكل بينهم زادت وكل شوية يقول عاوز أتزوج، ولولا أبوه وصالح كان عملها من زمان."
أنهت حديثها تتوقع ردة فعل من شقيقتها على ما قالت، لكن قابلها الصمت من الطرف الآخر. لتهمس تناديها باستفهام، ليأتي صوت سماح المرتبك. تجيبها لتكمل فرح حديثها رغبة في تفريغ همومها الجاثمة فوق صدرها قائلة:
"أنا والله مش زعلانة بس...."
سماح بصوت خفيض متعاطف:
"عارفة وحاسة بيكي.. وحاسة بصالح كمان.. بس كل حاجة بأمر ربنا.. إنتي بس حاولي متفكريش في أي حاجة وسلمي أمرك لله علشان النفسية ليها تأثير على الحاجات دي."
أومأت فرح برأسها، تنفس بعمق، تحاول العمل بنصيحة شقيقتها. تسرع في تغيير الموضوع، تسألها بجدية:
"سيبك بقى من الكلام عني.. وقوليلي عاملة إيه مع الولية حماتك لسه عقربة زي ماهي؟"
ضحكت سماح بمرح تهتف بها:
"يا بت لمي لسانك.. وبعدين الست عندها حق، أي أم مكانها هتعمل كده."
فرح وهي تعتدل في مكانها بتحفز قائلة:
"ليه ياختي هي كانت تطول عروسة حلوة زيك.. ده إنتي حتى هتحسني لهم النسل بلا خيبة."
لم تستطع سماح مقاومة الضحك مرة أخرى على كلماتها تلك، وهي تكمل:
"أنا ساكتة عنها بس عشانك وعشان ابنها.. بس لو عملت فيكي حاجة ولا كلمتك نص كلمة ابعتيلي وأنا ليا صرفة معاها الحيزبونة دي."
سماح بكلمات تخرج بصعوبة من شدة ضحكاتها:
"ماشي يا عم جامد.. بس برضه الست ليها حق."
ثم تغيرت طبيعة صوتها للجدية قائلة:
"واحدة لقيت ابنها المحامي ابن الناس عاوز يتجوز سماح بنت أخت مليجي اللي..."
قاطعتها فرح بحزم:
"واللي برضه من أجمل وأطيب بنات الحارة.. إنتي مش قليلة يا سماح ولا إحنا ضربنا ابنها عشان يجي يتجوزك، ده ابنها حب عشان ترضي بيه."
سماح بصوت متردد خافت:
"هي اتغيرت خالص معايا عن الأول كتير وبقيت بتتعامل معايا كويس خصوصاً بعد... بعد..."
فرح وهي تحثها على الكلام، تلمع عينيها بفضول:
"بعد إيه يا بت ما تنطقي.. عملت فيكي حاجة؟"
سماح بصوت مرتعش كأنها في طريقها للبكاء:
"لأ.. أصل أنا أنا... أنا حامل في الشهر التاني... أنا والله ما كنت عايزة دلوقتي ولا عادل كمان بس والله..."
قاطعتها فرح تنهض بسرعة وهي تسألها بفرحة طاغية:
"بجد يا سماح بجد؟ طب معرفتنيش ليه بقى كده تخبي عليا؟"
سماح وصوتها يزداد ارتعاشه:
"كنت عايزة أقولك أول ما عرفت على طول بس قلت أستنى لما إنتي كمان ربنا يرضيكي بس مقدرتش أخبي عليكي أكتر من كده عشان عايزة أكون فرحانة معاكي."
فرحة ودموع الفرحة تتسابق فوق وجنتها، تهتف بسعادة:
"أنا حاسة إني طايرة من الفرحة ونفسي آخدك في حضني دلوقتي."
ثم فجأة تغير وجهها للحزم والشدة، تهتف بها:
"بنت تاخدي بالك من نفسك وتأكلي كويس.. وأشربي لبن.. آه ولو عايزة حاجة ابعتيلي وأنا ثواني هكون عندك بس إنتي ترتاحي خالص."
أجابتها سماح بالموافقة على جميع أوامرها وهي تبكي على الأخرى. يتكلمان سوياً لعدة دقائق أخرى، ثم أنهت المكالمة بينها وبين شقيقتها، تجلس مكانها وهي تحتضن الهاتف لصدرها وعينيها تنطق بالفرحة والسعادة الطاغية.
حتى سمعت صوت فتح الباب، لتسرع نحوه تلقي بنفسها بين ذراعيه كعادتها في استقباله، ولكن هذه المرة أطالت من لحظة احتضانه وجسدها يستكين بين ذراعيه براحة. ليسألها بحنان وهو يقبل رأسها:
"إيه يا قمرى.. عاملة إيه.. لسه تعبانة!"
هزت رأسها بالنفى ببطء قائلة بصوت خافت:
"أنا كويسة بعد ما أخدت المسكن اللي كتبه ليا الدكتور عليه بعد الحقنة."
أبعدها عنه ببطء يسألها وعيناه تدور فوق وجهها بقلق، يسألها بعدها بتوجس:
"فرح إنتي كنتِ بتعيطي.. لو حاسة بوجع إحنا ممكن نروح لدكتور ولا أقولك بلاش منه الموضوع ده خالص."
أسرعت تهز رأسها بالنفى تهتف له مؤكدة:
"لأ.. أنا كويسة يا صالح صدقني.. أنا بس كنت بكلم سماح من شوية وقالت ليا إنها...."
قاطعها صالح وأنامله تمتد تزيح الباقى من أثر دموعها، هامساً بحنان ورفق:
"قالت لك إنها حامل مش كده!"
اتسعت عينيها بذهول تسأله:
"إنت كنت عارف.. طيب مقولتش ليا ليه يا صالح؟"
لم يجيبها، بل أمسك بيدها يتجه بها نحو الداخل، حتى وصل إلى الأريكة فيجلس ويجلسها فوق ساقيه. يحيط وجنتيها بكفيه، يقربها منه، ثم يقبلها بتهمل شديد ونعومة أذابتها وأذابت أي مشاعر أخرى سوى لفتها له.
هامساً يجيبها بعدها بتهمل وحنان:
"خفت تزعلي.. أنا عارفة نفسيتك تعبانة من آخر مرة كنا فيها عند الدكتور ومحببتش أزودها عليكي.. كفاية مهرجان الحمل اللي انطلق عندنا في البيت."
ضحكت رغماً عنها من مزحته، بينما يكمل هو يتنهد بطريقة مسرحية حزينة:
"ولسه المهرجان مخلصش.. ياسمين أختي جاية وجايبة معاها زعابيب أمشير بتاعت كل مرة... وطالبة الطلاق من جوزها للمرة المليون من يوم ما اتجوزت."
استقامت في جلستها بانتباه تسأله بفضول:
"وليه تاني المرة دي... ده لسه راجعة بيتها مكملتش أسبوع."
تنهد صالح، وجهه ترتسم عليه أمارات الأسف:
"هي جوازة غلط من الأساس.. بس هقول إيه اختيارها وتتحمله بقى.. دي لسه لحد النهاردة مش عاوزة تعترف إنها غلطت ولسانها بيحدف دبش لأي حد بيحاول ينصحها."
تنهد مرة أخرى بنفاذ صبر، ولكنه أسرع بعدها يسألها كأنه أدرك أنه قد ابتعد عن حديثهم الأساسي، يسألها بحزم:
"سيبك بقى من الناس والعالم ده كله... وقوليلي القمر بتاعي كان بيعيط ليه... عشان عرفتي إن سماح حامل؟"
سألها سؤاله الأخير وعيناه تنطق بالخوف والتوتر، لتسرع تجيبه فوراً قائلة بابتسامة فرحة سعيدة:
"لأ طبعاً.. ده أنا طايرة من الفرحة عشانها.. مع إن العبيطة كانت فاكرة إني هزعل لو قالت ليا.. شفت العبط بتاعها."
سكن صالح في جلسته وعيناه تلتمع بعشقها بعد إجابتها تلك عليه. يشعر كم هو محظوظ بها وبوجودها المشع بالبهجة في حياته. يحيط بوجنتيها مرة أخرى، يقربها منه هامساً بحب وارتجافة العشق في صوته:
"لأ... بس شوفت قد إيه إنتي جميلة.. وإني ربنا عوضني بيكي عن الدنيا كلها.. وإني أنا مش عاوز من دنيتي دي غير إنتي وبس."
قبلها فوراً، يحتضن بشفتيه شفتيها، يبثها من خلال قبلاته كل ما يعجز لسانه عن نطقه في لحظاتهم تلك. يزداد شغفه وجنونه بها إلى أبعد حد، والذي أطار بعقله وتفكيره تمام. حتى جذبته هي بصوتها الضعيف المرتعش من داخل أعاصير المشاعر التي عصفت به، تحاول الاعتراض بضعف:
"صالح.. مش هينفع.. الدكتور قايل.. بكرة."
أخذ يتنفس بصعوبة وهو يدفن وجهه في منحنى عنقها، يحاول السيطرة والعودة لطبيعته مرة أخرى. للحظات طوال قال بعدها بطاعة:
"حاضر هسمع كلام الدكتور... وربنا يصبرني لحد بكرة وإلا هبقى شهيدك وشهيد أوامر الدكتور."
وبالفعل التزم التزام تام بتعليمات الطبيب طيلة تلك الأيام التالية. ومع كل يوم يمر عليهم، يدعو من أعماق قلبهما أن تتحقق لهما هذا الشهر حلم ورغبة طالما اشتاقا لها بجنون.
رواية ظلمها عشقا الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم فرح صالح
فرح مش هتقومي. الجماعة تحت بعتوا عشان مستنينا على الغدا.
تمطت في الفراش ثم عادت لاحتضان الوسادة مرة أخرى تهمهم بصوت ناعس:
شوية كمان وحياتي يا صالح... اصل النوم حلو قوي.
هز رأسه بقلة حيلة وهو ينظر نحوها مبتسمًا بتسامح. ثم فجأة لمعت عيناه بالتسلية والخبث هاتفا بصوت عالٍ صارم:
ايه ده يا فرح؟ ينفع كده اللي حصل ده؟
فزت من الفراش فزعة فورًا، أن وصلها صوته تلفتت حولها بخوف واضطراب قائلة بتلعثم:
اسفة... اسفة... متزعلش خلاص.
دوى ضحكته العالية بصخب في أرجاء المكان. فتدراك هي مزحته تنظر له بعتاب هامسة:
حرام عليك يا صالح... دي حركة تعملها؟ طب أنا زعلانة منك.
عاودت الاستلقاء على جنبها تعطيه ظهرها. فيسرع نحوها يستلقي بجوارها قائلاً وهو يقبل كتفها:
وأنا مقدرش على زعلك يا قلب صالح من جواه...
هزت كتفها بتدلل قائلة له:
برضه زعلانة ومخاصماك ومش هكلمك خالص النهاردة.
انحنى على أذنها يهمس بخبث وبصوت عابث:
طيب تراهني؟ واللي يصالح الثاني الأول يبقى هو الخسران وعليه ينفذ أي طلب تقال له عليه.
التفتت إليه تهتف له فورًا وبثقة:
اتفقنا... وأنا موافقة بس هتنفذ اللي هقولك عليه.
غمز لها بعبث وهو ينهض من جوارها قائلاً:
مش لما تفوزي الأول تبقي تتشرطي...
تحرك في اتجاه الباب يكمل قائلاً:
أنا هسبقك على تحت... متتأخريش عليا... عشان نبتدي رهاننا.
غمزها مرة أخرى ثم غادر الغرفة فورًا. لتبتسم بحنان وعشق وقد أدركت ما يحاول فعله معها ومحاولته صرف اهتمامها إلى شيء آخر بعيدًا عن التوتر والاضطراب والذي أصبح ملازمًا لكل زيارة شهرية للطبيب.
وقد مرت بهم الأيام ببطء شديد حتى حان أخيرًا موعد الطبيب المقرر يوم الغد. لا يريد لها قضاء وقتها في التفكير والقلق فيحاول صرف تفكيرها بمزاحه وعبثه معها. لكن الأمر ليس بهذه السهولة عليها. إلا إذا قامت الآن بـ...
لمعت عيناها بفكرتها تلك تسرع فورًا في تنفيذها. فقد تنهي بها ساعات من الخوف والقلق حتى وإن كانت نتائجها مخيبة، لكنها سترحمها من من توتر ورهبة الانتظار.
بعد ذلك كانت تجلس بجواره داخل شقة والديه بعد انتهائهم من الغذاء. ومازالت تلك الابتسامة السعيدة البلهاء مرتسمة فوق شفتيها. لا تستطيع السيطرة عليها وبذهنها الشارد كانت تجيب على الأسئلة الموجهة لها كأنها في عالم آخر. تطفو فوق السحاب وعيناها تتعلق به هيام بكل لمحة أو لفتة منه كالمسحورة به.
حتى سمعت همسه الناعم لها وهي يسألها بمرح:
بقى ده شكل واحدة مقموصة مني وزعلانة... ده انتي ناقص تقومي تاخديني في حضنك وتصرخي قدام الكل وتقوليلي بحبك.
اقتربت منه هي الأخرى وقد اختفى العالم من حولهما. تهمس بهيام ودون مقدمات:
طب ما الكل عارف إني بحبك مش محتاجة أقولها... بس لو تحب أقوم أصرخ بيها دلوقتي أنا معنديش أي مانع.
صالح وقد سطع وجهه بالسعادة يسألها:
طب وبخصوص مقموصة منك وزعلانة اللي كانت فوق من شوية دي؟
هي وبنفس ابتسامة الهيام المرتسمة على شفتيها:
مقموصة منك بس بحبك وبعترفلك أهو إني خسرت الرهان من قبل ما يبدأ حتى.
كاد أن يلتهمها بنظراته. تتسارع أنفاسه وهو يهمسه بلهث وصوت أجش من عصف مشاعره:
وأنا بقى كسبت حبك ووجودي في قلبي وحياتي... يا فرحة حياتي.
ابتسم لها يغمزها خفية يكمل وهو يشير الناحية الأخرى:
ما تيجي نطلع فوق... وأقولك كسبت إيه كمان.
شهقت تتصنع الصدمة تهتف به تنهره بدلال:
صالح اتلم... الناس حوالينا يقولوا علينا إيه؟
ضحك بصخب جعل كل العيون تنتبه إليهم في تلك اللحظة باهتمام. تسرع أنصاف قائلة لهم بمرح:
طب ما تضحكونا معاكم إحنا كمان.
صالح وعيناه معلقة على سارقة قلبه يبتسم بخبث جعل عيون فرح تتسع محذرة له. وقد أدركت نيته لكنه تجاهلها يجيب والدته قائلاً ببطء عابث:
أصل كنت بقول فرح يعني إننا.....
قاطعته فرح تنهض من مكانها قائلة بخجل وتلعثم:
أنا هروح أعمل لينا عصير... وراجعة حالا.
ثم أسرعت باتجاه المطبخ فورًا دون أن تضيف شيئًا آخر هربًا من إحراجها. ولكن لم تمر سوى لحظات حتى اتبعتها تلك التي كانت تجلس تتابعهم بنظراتها الحاقدة.
وهي تتحسر بداخلها على زيجتها الفاشلة وزوجها البخيل في مشاعره قبل ماله. تتلظى بنيران غيرتها وهي ترى كل هذه المشاعر والعواطف الجياشة بين شقيقها وزوجته.
فبرغم الظروف التي يمرون بها إلا أن اكتفائهم ببعضهم البعض يصيبها بالغضب والكره لتلك الحياة التي تحياها. وهي تتمنى ولو ترى يومًا واحدًا فقط من تلك المشاعر والتي تراها دائمًا في نظراتهم لبعضهم البعض في عيون زوجها وللمرة... لمرة واحدة فقط.
تندم كل يوم ألف مرة لتصميمها على تلك الزيجة ودفن نفسها حية مع هذا الزوج متبلد وقاسي المشاعر. لذا لم تجد سوى متنفس واحد لتلك النيران والتي تتأكلها الآن سوى أن تهرع خلفها تدخل المطبخ تتطلع نحوها بنظراتها المغلولة الحاقدة. ثم تفح من بين أنفاسها قائلة:
مش شايفة إنك زودتيها بقى؟ مش همك حد خالص من اللي قاعدين وإنتي شغالة شغل مسخرة وقلة أدب. مكانه شقتك فوق مش هنا.
زفرت فرح تعلم ما تحاول ياسمين جرها إليه. لذا ابتسمت لها بهدوء مصطنع قائلة بطاعة:
حاضر يا أبلة يا ياسمين... هروح آخد جوزي وأطلع شقتنا فوق ونتمسخر فيها براحتنا عشان حضرتك ما تضايقيش... تأمري بحاجة تانية؟
وبالفعل تحركت من مكانها نحو الباب تنوي للمغادرة. تمر من جوارها تلك المشتعلة من وقاحة ردها عليها. تمسك بذراعها فجأة توقفها عن التحرك تصرخ بها:
أما أنت صحيح قليلة أدب مش متربية... بس هقول إيه مانتِ تربية مليجي رد السجون ولبيبة الخدامة... هستنى إيه غير كده منك.
هنا وانتهت قدرة فرح على التظاهر بالهدوء والتعقل بالانتهاء. تشتعل بالغضب وهي تجذب ذراعها منها بقوة. ثم تدفعها في كتفها بقسوة قائلة:
لمي لسانك أصل كلمة زيادة منك وهعرفك مقامك إيه... ولا انتي نسيتي علقة زمان ونفسي أفكرك بيها.
تطلعت لها ياسمين بذهول ممزوج بالغضب قبل أن ترتفع ابتسامة خبيثة قائلة باحتقار:
أنا بقى اللي هعرفك قيمتك ومقامك هنا في البيت ده إيه. ثم فجأة وبدون تحذير صرخت عالية صرخة متألمة وهي تمسك ببطنها تنادي على والدتها بصوت أجادت صنع الألم والذعر به. وفي لحظات كان الجميع داخل المكان يلتفون حولهم يتساءلون عما حدث لتصرخ ياسمين باكية وهي تشير نحو فرح المصدومة المتجمدة في مكانها.
عاوزة تسقطني... فرح كانت عاوزة تسقطني.
ابتسمت سمر تتراجع للخلف وتتابع الموقف دون تدخل. وجد وجدتها فرصة لتشفي في غريمتها والتي أخذت تنفي عن نفسها هذا الاتهام قائلة بذعر:
والله ما حصل ولا لمستها... دي هي اللي...
ياسمين صارخة وهي مازالت تمسك ببطنها بألم ترتعش شفتيها بالبكاء قائلة:
كدابة... دي ضربتني في بطني مرتين عشان بقولها مينفعش الضحك والمرقعة هنا قدام الناس الكبار... راحت ضرباني فجأة عاوزة تسقطني.
ثم ارتمت فوق صدر والدتها باكية والتي كانت مذهولة مما سمعت لا تجد القدرة على التفوه بحرف. لتسرع فرح نحو صالح قائلة برجاء وصوت باكي:
محصلش حاجة من دي خالص... صدقني يا صالح وحياتك عندي ما حصل.
ربت صالح فوق وجنتها يبتسم لها بطمأنينة وحنان جعلت النار تشتعل أكثر في تلك العقربتين. قبل أن يرفع نظرات نحو ياسمين يسألها بتمهل وهدوء كأنه في انتظار إجابة ما منها:
وفرح عاوزة تسقطك ليه يا ياسمين؟ يعني إيه يخليها هتفكر تعمل حاجة زي كده وهي عارفة إننا كلنا قاعدين بره.
أسرعت ياسمين تجيبه وعينيها تشتعل بغلها وغيرتها وهي قائلة:
عشان غيرانة طبعًا... شايفة الكل معاه إلا هي.
أسرعت فرح تقاطعها تهز رأسها بالنفي سريعًا تهتف دون تفكير:
وأنا هعمل كده ليه... مانا كمان حامل.
ساد الصمت التام. يتجمد صالح مكانه وعيناه تعود إليها سريعًا يسألها التأكيد مما سمع كأنه يخشى التحدث فيتبدد الحلم طالما اشتاق إليه في صحوه ومنامه. فاخذت تؤمئ له بالإيجاب تؤكد له برغم ما ينطق به لسانها:
أنا عملت اختبار النهاردة الصبح مقدرتش أستنى لما نروح للدكتور بكرة بس برضه أنا مش متأكدة...
اختفى الباقي من حديثها حين جذبها إلى ذراعيه يحتضنها إلى صدره بقوة كأنه يود لو يخفيها داخل ضلوعه بحماية. تسمع منه شهقة بكاء خافتة كانت لها كألم في ضلوعها وهي تراه بهذا الضعف تلعن نفسها لعدم تمهلها والتفكير قبل أن تلقي بهذه القنبلة المدوية عليه دون أن تراعي أو تفكر فيه وفي ردة فعله.
تبتعد عنه عيناها تتطلع في عينيه الملتمعة بدموعها الحبيسة تهمس قائلة برجاء وتلعثم وكلماتها غير مترابطة أو مفهومة:
صالح... أنا... مش عاوزة... إحنا... طيب نستنى... كلام... الدكتور الأول.
أومأ برأسه لها بالموافقة يبتسم بفرحة طاغية قبل أن يمسك بيدها يجذبها خلفه قائلاً بلهفة:
يبقى بينا نروح له حالًا... مش هقدر أستنى لبكرة.
وبالفعل جذبها وخرج بها من المكان. لتعلو شهقات أنصاف الباكية بفرحة ومعها دعاء الحاج منصور وتوسله لله بالدعاء حتى حسن أخذ يردد هو الآخر الدعاء لشقيقه أن يمن الله عليه بالفرحة. ألا سمر والتي شحب وجهها شحوب الموتى تنظر أمامها بصدمة كمن ضربته صاعقة.
و ياسمين والتي لم تحتمل أن يتم تجاهل ما قالت وانشغالهم عنها بهذه الحقيرة وبأخبارها تصرخ بهم بحنق:
انتوا صدقتوه... دي كدابة وبتقول كده عشان تخرج نفسها من اللي عملته.
أسرعت تكمل وقد أعمها غضبها وحقدها لاتراعي أن من تتحدث في حقه هو شقيقها الأكبر صارخة بغل:
بقولكم كدابة... كلكم عارفين إن صالح مش بيخلف ولا عمره هيخلف. انتوا بس اللي عاوزين تنسوا ده و......
قاطعته صرخة ألم كلماتها المسمومة بعد أن هوى والدها فوق صدغها بصفعة قوية أطاحت بها حتى كادت أن تسقط أرضًا لولا أسرع والدتها لإسنادها. يندفع حسن هو الآخر من مكانه للامساك بوالده قد عاود الهجوم عليها مرة أخرى صارخًا بها:
القلم ده كان المفروض ينزل على وشك مش النهاردة. لا لا ده من يوم ما غلطتي في أخوكي مرة واتنين قدامي وأنا أعديلك بس يا بنت الـ**** من هنا ورايح ملكيش عندي غير ده... عاوزة تقعدي هنا يبقى بأدبك مش عاوزة يبقى تخفي على بيت جوزك وما أشوفش وشك هنا تاني.
ياسمين بذهول وألم وهي تضع كفها فوق وجنتها المطبوعة بالاحمرار من أثر الصفعة قائلة:
بتطردني يا بابا من بيتك عشان صالح ومراته... مراته بنت لبيبة الخدامة وبتضربني عشانهم؟
صرخ منصور بغضب وشراسة يهم بالهجوم عليها مرة أخرى لولا إمساك حسن به:
تاني يابنت الـ**** بتغلطي تاني؟ طب يمين تلاتة مانتش قاعدة فيها... وتمشي حالًا على بيتك وما أشوفش وشك هنا تاني.
حاولت أنصاف استعطافه هي وحسن حتى يعدل عن قراره لكنه زاد تصميمًا يهتف بحسن بحزم غاضب:
خد بنت الـ**** رجعها بيتها... واقعد مع جوزها وشوف إيه الموضوع وحله... تلاقيها سمت بدنه بكلامها اللي زي السم ودلعها الماسخ.
لم يجد حسن أمامه سوى أن يومئ له بالموافقة قائلاً:
حاضر يا حاج اللي عاوزه هيحصل بس اهدى كده وكل حاجة هتمشي زي ما انت عاوز.
أخذ منصور يتنفس بعمق وقوة محاولًا الهدوء يطاوع حسن في الحركة وهو يخرجه من المكان. لتنفجر ياسمين بالبكاء بهستيرية تلقي بنفسها بين ذراعي والدتها والتي أخذت تحاول تهدئتها. لتتحدث سمر بعد خروج حسن كأنه الأذن لها بالانطلاق لبث سمومها تهتف بغل:
كله من الصفرا اللي اسمها فرح... كدبت الكدبة والكل جرى وراها وصدقها... وهي الغلبانة دي اللي هتدفع التمن.
نهرتها أنصاف بصوت حاد غاضب توقفها:
سمر الليلة مش ناقصاكي روحي لعيالك شوفييهم وخرجي نفسك من الموضوع ده خالص... ولا تحبي حسن يدخل فجأة ويسمع كلامك ده.
شحب وجهها بشدة تهز رأسها بالنفي تسرع بالمغادرة فورًا تنفيذا لأمر. فهي ليست في حاجة لخلاف آخر معه يكفيها ما تلقاه منه.
رفعت ياسمين تسأل والدتها بصوت باكي ومنكسر بعد خروج سمر من المكان:
هتروحيني يا ماما زي بابا قال.
هزت أنصاف كتفها بقلة حيلة قائلة:
أبوكي حلف... وإنتي عارفة الحاج منصور لما يحلف ولو مين اترجاه عمره ما هيرجع في كلامه أبدًا.
انفجرت ياسمين في البكاء تهرع هاربة من المكان لتهمس أنصاف بحزن:
زودتيها يا بنت بطني... وهي جأت على دماغك إنتي في الآخر... يا ريت يكون ده درس يفوقك ويهدي نفسك شوية.
***
جلسا هي وهو معًا أمام الطبيب والذي أخذ ينظر نحوهما بثبات قائلاً:
شوفوا يا جماعة إحنا كنا بنحاول الحمل بالطريقة الطبيعية قبل ما نضطر نلجأ للوسائل الثانية والظاهر كده....
شحب وجههم بشدة كأنهم كانوا يخشون هذه الكلمات منه. تتشابك أيديهم معًا بمساندة يشدا من أزر بعضهم البعض في انتظار الباقي من حديثه وانتهاء الحلم. وقد لفتت هذه الحركة منهم نظر الطيب والذي ابتسم فور وعيناه تشع بالسعادة لهم يكمل قائلاً:
والظاهر كده إننا مش هنحتاج ليها... مبروك يا جماعة الحمل تم وكل الأمور ماشية تمام.
لم يصدر عنهما ردة فعل بل جلسا في مكانهما كأنه لم يكن يوجه إليهم الحديث ينظرون نحوه بذهول وصدمة. ليكرر الطبيب كلامه ولكن هذا المرة ببطء وقد وعى لما يعانوه في هذه اللحظة يتمهل في شرح الأمر لهم.
فجأة وكأن الحياة قد عادت لجسده ينهض صالح عن كرسيه يخر على ركبتيه أرضًا ساجدًا لله. تتعالى شهقات بكائه كأنه كان ينتظر كلمات الطبيب لها لإفراج عن تلك الدموع والتي طالما سجنها في مقلتيه بصوت تقطع له قلبها وهي تخر على ركبتيها هي الأخرى جواره وتحتضنه بين ذراعيها. وقد أخذ يردد بهستيريا وذهول:
هبقى أب يا فرح... خلاص ربنا كتب لي أشيل حتة مني بين إيديا... أخيرًا ربنا عوضنا وعوض صبرنا وأشوف ابن لينا.
ثم أخذ يردد الحمد والشكر لله كثير وهو يحتضنها بين ذراعيه. لا تستطيع هي الأخرى فعل شيء سوى البكاء بشدة وتردد بكلمات الحمد والشكر. للحظات تأثر لها الطيب حتى استطاعوا أخيرًا تمالك أنفسهم يتطلعون إلى بعضهم بسعادة. ليسرع الطبيب قائلاً لهم بتحشرج:
لا مش كده يا جماعة أنا عاوزكم تتماسكوا وتهدوا... كده مش هتخلوني أقولكم باقي الأخبار اللي عندي.
تفهما الاثنان معًا بحدة إليه بتتعالى إمارات التوتر على ملامحهم وجسدهم يتجمد قبل أن يسأله صالح بتوجس ولهفة وهو ينهض واقفًا ومعه فرح:
خير يا دكتور... فرح عندها أي مشاكل... الحمل في خطر عليها... لو كده أنا مش عاوزة... أنا أهم حاجة عندي فرح.
الطبيب وابتسامة تقدير على شفتيه قائلاً بنبرة ذات مغزى:
بسهولة كده هتستغنى... لا لا الظاهر المدام عندك غالية قوي.
فورا ضم صالح فرح لجانبه بحماية قائلاً بحزم تأكيد:
طبعًا... مفيش عندي أهم منها ولو الحمل فيه ولو نسبة واحد في المية خطر عليها فأنا...
قاطعه الطبيب قائلاً وهو يتراجع في مقعده قائلاً بابتسامة هادئة:
لا ياسيدي مفيش أي خطر عليها... ونقعد كده ونهدى عشان لسه عندي ليكم كلام وتعليمات لازم تنفذ بالحرف.
ثم أخذ يعد لهم تعليماته بعد أن ألقى عليهم بقنبلته والتي جعلتهم يجلسون فاغرين أفواههم بصدمة وذهول. واستمر معهم حتى بعد عودتهم للمنزل وإخبار الجميع بأخبارهم السعيدة والتي تم استقبالها مابين مهنئ وسعيد وفرحة طاغية. وبين حاقد مغلول ونفوس ضعيفة يتمنى زوال هذه النعمة منهم عدم اكتمال تلك الفرحة لهم. ولكن كانت إرادة الله ومشيئته فوق كل شيء وهو يمن على هذا الثنائي بنعمه ويحفظهم من حاقد وغادر.
رواية ظلمها عشقا الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم فرح صالح
♡ الفصل _ الرابع والثلاثون ♡
♡ الأخير ♡ 🔥
استلقت فوق فراشهم تراقبه بحنان ويديها تربت فوق بطنها الممتد امامها برفق وهى تراه يدور حولها فى الغرفة بتوتر وبحركات مضطربة يقوم بعدة اشياء ليس لها داعى مثل اخراجه للحقيبة المعدة ليوم ولادتها يقوم بأخراج الاشياء من داخلها ثم ويراجعها للمرة الخامسة حتى الان وهو يسألها بقلق
: انا خايف نكون نسينا حاجة كده ولا كده.. طيب ايه رأيك انزل اجيب تانى من ال....
قاطعته تحدثه بصبر وهى تعتدل جالسة فى الفراش قائلة
: ياحبيبى متقلقش كل حاجة جاهزة... وبعدين انا مش عارفة انت قلقان كده ليه.. هو انا اول ولا اخر واحدة هتولد..اهدى انت بس وخير ان شاء الله.
توقفت يديه عن الحركة ترتجفان بشدة وهو يرفع عينيه يتطلع اليها فترى القلق والخوف يرتسمان داخلهما عليها وعلى اطفالهم مما جعل قلبها يهفو اليه تسعى على الفور لبث الطمأنية اليه تشير له بحنان حتى يقترب منها وفورا ترك ما بيديه يهرع نحوها ويلقى بنفسه بين ذراعيها الممتدة اليه بترحاب دافنا وجهه فى عنقها مرتجفا بشدة وهو يهمس بتحشرج
: خايف اووى يافرح.. لا انا مش خايف انا مرعوب من بكرة.. انا عمرى فى حياتى ما كنت خايف كده...
لم تستطيع البوح له بأنها تخشى هى الاخرى من يوم غد بل يكاد قلبها ان يتوقف رعبا منه لكنها اسرعت باجابته بصوت مرح خفيف
: ليه يعنى دى حاجة كل الستات بتعملها كل يوم..ده حتى سماح اختى سبقتنى وعملتها وبتقولى هتصحى من النوم هتلاقى النونو جنبك.... وبعدين انا مش خايفة من كده انا خايفة من حاجة تانية خالص.
رفع وجهه اليها سريعا بأستفهام لتكمل مع ابتسامة مرحة
: لما يعرفوا اللى الدكتور قاله لينا... اظن بعد كده مش هنعرف نخبى تانى...والعيلة كلها والحارة كمان هتعرف .
شدد من احتضانه لها يلقى برأسه فوق كتفها قائلا بحزم
:محدش ليه عندنا حاجة وبعدين ابويا وامى عارفين وكده كفاية دول هما حتى اللى قالوا منعرفش حد .
ساد الصمت لعدة لحظات قبل ان تتحدث قائلة بخشية وتردد
: طيب اخوك ومراته.. مش هيزعلوا اننا خبينا عليهم.. خصوصا ان سماح اختى عارفة و....
ابتعد عنها صالح جالسا بأعتدال يقاطعها قائلا بنزق
: اللى يزعل يزعل.. انا مش هدوش دماغى بحد دلوقت... كفاية قلقى عليكى.
نهض واقفا يكمل قائلا بحزم
: انا هقوم احضرك الاكل.. وانتى ارتاحى خالص وريحى دماغك وتفكريش فى حد غير نفسك وبس.
حاولت الاعتراض فهذه هى المرة الثالثة والتى يقوم بأطعامها فيها خلال ساعتين لكنها قررت الصمت بعد ان وجدته وقد تحرك بالفعل مغادرا الغرفة تعلم ان لا فائدة من اعتراضها ذاك تتبعه بنظراتها الهائمة وهى تبتسم ابتسامة صغيرة عاشقة له و سعيدة بأهتمامه بها تربت فوق بطنها بحنو هامسة بعد خروجه
: ابوكم حنين اووى ياعيال...هو انا بحبه وبعشقه من شوية وبكرة لما توصلوا بالسلامة هتشوفوا اد ايه هو احسن واجدع واحن راجل فى الدنيا .
شردت بعينيها للبعيد ومازالت تلك البسمة الحنونة فوق شفتيها تتذكر يوم تأكيد الطبيب لحملها وفرحة صالح الطاغية لكن لم يكن الطبيب قد انتهى من اخباره كلها حين تحدث اليهم يكمل لهم بصوته الهادئ ولكنه كان يحمل نبرة مازالت تتذكرها حتى الان قائلا
:طبعا احنا لما كملنا رحلة العلاج الخاصة بيك يا استاذ صالح والحمد لله الامور مشيت تمام.. هنا كان دور مدام فرح.. وابتدينا معاها بالحقن المنشطة علشان نقصر من فترة الانتظار وكمحاولة كمان قبل ما نلجأ للحل التانى بس الظاهر ان....
قاطعه صالح بعدم صبر وتوتر يسأله
: يا دكتور انت عرفتنا الكلام ده قبل ما نبتدى معاك.. فمن فضلك قول فى اى ايه لانك كده هتموتنى من القلق على فرح .
ابتسم الطبيب يهز رأسه بتفهم قائلا بصدر رحب
: مااشى هدخل فى المفيد.. شوف ياسيدى الحقن المنشطة اللى اخدتها المدام كانت سبب فى ان الحمل ميكنش فى جنين واحد...
هتف الاثنين معا بذهول ممزوج بالفرحة وبصوت واحد يقاطعانه
: تؤام... تقصد حصل حمل فى توأم ..!
هز الطبيب رأسه بالنفى ليعقد صالح وفرح حاحبيهم بعدم فهم سرعان ما تحول لاتساع العينين ذهولا وافواه فاغرة من شدة وقع كلماته عليهم وهو يتحدث قائلا بتمهل كأنه يعلم وقع كلمات تلك عليهم
:الحمل حصل فى كسين..كيس فيه جنين واحد.. اما الكيس التانى فحصل فيه حمل فى.. اتنين.
صدرت عنها ضحكة خافتة وهى تتذكر وقتها حين ظلت هى وهو يتطلعان الى الطبيب كأنه قد نبتت له رأس اخرى فجأة ودون تحذير يستمعا الى باقى تعليماته كأنه يتحدث بلغة اخرى غير مفهومة لهما يظلا على حالة الصدمة والذهول تلك حتى خروجهما من عنده ليلتفت اليها صالح يسألها بصوت مرتجف غير مترابط
:بت يافرح هو اللى سمعته جوه ده حقيقى ولا ده عقلى وبيضحك عليا..وبيسمعنى اللى نفسى اسمعه.
التفتت اليه بعيون ممتلئة بالدموع قائلة بصوت باكى يرتجف هو الاخر من شدة الفرحة تؤكد له
: حقيقى يا صالح...ربنا حب يجازينا على صبرنا وعوضنا بكرمه .
لم يبالى بعدم خلو المكان من الناس او انهم مازالوا داخل عيادة الطبيب يحتضنها بين ذراعيه فجأة وعلى غفلة ويدور بها وهو يهتف بفرحة جنونية
: انا هبقى اب لتلاتة... يعنى انا مش بحلم يافرح مش كده؟!
اخذت تضحك وتبكى فى آن واحد تشاركه سعادته وفرحته معهم ايضا نظرات الجمع من حولهم ووجوههم المتهللة بالفرحة و تصحبها ضحكات البهجة والسعادة لهم.
تتم بعدها رحلة العودة بهم سريعا الى المنزل ليجدوا والديه يجلسون فى انتظارهم وعلى وجههم اللهفة والامل ليسرع صالح اليهم وهى يصرخ بفرحة
: حصل يابا.. حصل ياما...وهبقى اب لتلاتة والله.
حتى الان لا تتذكر ما حدث فور نطقه بهذا الاخبار اليهم كل ما تتذكره انه حدث هرج ومرج وصرخات فرحة واحضان كثيرة ومتبادلة حتى ساد الهدوء أخيراً وتسرع انصاف قائلة بعدها بتحذير وصوت باكى
: اوعوا يا ولاد حد يعرف... بدل ما تاخدوا عين من الحارة واللى فيها... خلى فرحتنا تكمل على خير كده بأذن الله. ولا ايه رأيك يا حاج.
اسرع منصور يومأ برأسه بالايجاب مؤكدا على حديثها فورا قائلا
: الحارة وغير الحارة... محدش هيعرف غيرنا احنا الاربعة وبس.
نظر الى انصاف نظرة فهمتها على الفور ومن ثم الى صالح والذى هز رأسه فوراً موافقا بعد ان تفهمها هو الاخر و فرح ايضا قد فهمتها لكنها لم تعلق تلقى اليهم بموافقتها على كلامهم.
لكنها و فوراً ان اختلت الى صالح داخل شقتهم حتى نادته برقة وتردد فيلتفت اليها صالح مبتسما بتفهم وحنان
:قوليلها يافرح...انا عارف انك مش هتقدرى تخبى عليها..فانا بقولك اهو قولها وعرفيها...بس اياك حد تانى يعرف انا بقولك اهو...وانا هبقى اعرف عادل وانبه عليه هو كمان.
اسرعت نحوه تلقى بذراعيها حول عنقه هامسة
: حبيب قلبى يا ناس...اللى بيفهمنى من غير حتى ما اتكلم .
انحنى على جبينها يقبله بحنان هامسا
: انتى اللى حبيبة قلبى.. ونور عينى... ودنيتى كلها يافرح... واى حاجة تطلبيها او نفسك فيها تتنفذ فوراً بس انتى تطلبى.
وقد كان فمنذ حملها اصبحت مدللة الجميع هو وابويه يهرعون لتلبية احتياجتها فورا دون كلل او تعب حتى اخيه حسن قد كان يأتى مساء كل يوم بعد العمل للسؤال والاطمئنان عليها يمزح ويتحدث بلهفة عن استعدادته هو ووالديه لاستقبال مولود اخيه الاول لدرجة قد بعثت الشك فى نفس فرح فى البداية ..
ولكن مع مرور الايام كانت ترى فرحته الصادقة فى عينيه ونظرة الحب والتقدير التى يتطلع بها الى صالح حتى بعد ان رزقه الله بمولودته الاخيرة وتنبه تحذيره الطبيب من حمل زوجته مرة اخرى لم يبالى او تنقص فرحته لهم برغم نظرات زوجته المغلولة الدائمة لها ومراقبتها تعامل صالح الحنون معها فى مرات اجتماعهم القليلة بعيون تنطق بالحقد وسؤالها المتكرر عن نوع الجنين وعينيها تكاد تخترق بطنها بحثا عن اجابة لم تنالها حتى الان .
اما شقيقته فلم تراها سوى مرة واحدة وحدثت قبل سفرها مع زوجها لاحدى الدول العربية للعمل بها بعد اصراره على ان تصحبه الى هناك برغم اعتراضها الشديد والذى لم تجد له اهتماما من احد لترضخ فى النهاية للامر وتنجب طفلها هناك.
وقد علمت من والدة زوجها بعدها وهى تفضفض وتشتكى اليها من معاملة زوجها الجافة والسيئة لها وان السبب اصراره على سفرها معه انه قام بجعلها تعمل هى الاخرى هناك بل انه يستولى على اجرها كاملا بحجة الادخار والعمل على مستقبل طفلهما وقد شعرت فرح وقتها ان حماتها تتندم وتشفق على حال ابنتها بعد زيارة شقيقتها لها ورؤيتها لكيفية معاملة زوجها لها وخوفه الشديد ومراعته وحبه الواضح لها فى كل تصرف يقوم به نحوها تمزج بصوت حزين يومها قائلة ان لا احد ينافس عادل فى اهتمامه بزوجته سوى صالح فقط .
ابتسمت فرح رغما عنها بسعادة وهى تتراجع بظهرها الى لوح الفراش تسند عليه فقد كانت محقة فلم يكن بالفعل هناك من ينافس عادل فى صفاته سوى فارسها وعشق صباها وزوجها الرائع .
تتذكر احدى المرات والتى تلاعبت بها هرمونات الحمل فأخذت فى بالبكاء دون سبب وقد فشلت جميع محاولاته لتهدئتها او معرفة كيف له ان يرضيها ليتركها فى النهاية ويذهب مغادرا دون ان يضيف كلمة واحدة لتنهار فى البكاء بشدة وقد وجدت أخيراً سببا لسكب دموعها عليه وهو ذهابه بعد ان اصابه الملل منها لكنه عاد مرة اخرى بعد فترة من الوقت يحمل معه عدة حقائب للتسوق كبيرة الحجم يتجه فوراً نحوها ويده تمتد الى عينيها يزيح عنها دموعها وهو يتحدث قائلا برفق
: كفاية دموع بقى وتعالى شوفى انا جبتلك ايه.
هزت كتفها له بالرفض كطفلة صغيرة مدللة وهى تضم شفتيها باعتراض لتمتد يده الى احدى الحقائب يفتحها قائلا بتشويق
: طيب شوفى ولو مش هيعجبوكى هرميهم ياستى واجبلك حاجة تانية غيرهم..بس شوفيهم الاول.
اخرج من داخل الحقيبة احدى الشخصيات الكرتونية والتى تعشقها على هيئة لعبة محشوة بالقطن تلتمع عينيها بالانبهار والفرحة شاهقة وهى تختطفها من يده ثم تحتضنها بفرحة الى صدرها لكنه لم يكتفى بذلك يمسك بالحقائب الواحدة تلو الاخرى يخرج من داخلها العديد والعديد من الالعاب كانت تستقبلهم الفرحة ذاتها حتى اصبحت محاطة بالكثير منهم حتى حان اوان فتحه الحقيبة الاخيرة ليهتف لها بتشويق واسلوب مسرحى زاد من فضولها ولهفتها
: والان مع المفأجاة الاهم والاحلى.. ولعيون ام ولادى وبس..
مد يده داخل الحقيبة يخرج منها ثلات قطع من ملابس الاطفال بحجمها الصغير المحبب تخطف قلبها ودقاته بألوانها الزاهية والرائعة وهى تتطلع اليها بأنبهار سرعان ما تحول لشهقات بكاء مرة اخرى جعلته يعقد حاجبيه بقلق وقد ظن انهم لم يحوزا على اعجابها يهمس لها بحنو ورقة وهو يقوم بجذبها لصدره محتضنا اياها
: طيب ولا تزعلى نفسك ولا يهمك خالص...احنا نرمى الهدوم ام ذوق وحش دى ونجيب غيرهم وعلى ذوقك انتى وبس يافرحتى...بس المهم انتى متزعليش.
رفعت وجهها اليه تهز رأسها بالرفض قائلة بصوت متحشرج ملهوف
: لا..انا عوزاهم..دول حلوين اووى وعجبنى.
ابتسم بحنو وانامله تزيح دموعها برفق قائلا
: خلاص نخليهم انتى بس تأمرى...بس ممكن اعرف ليه بقى بتعيطى .
ارتمت على صدره تحتضنه بقوه قائلة وصوتها يختنق بالبكاء مرة اخرى
:علشان بحبك..وبحبك اكتر من الدنيا كلها...
مرر كفها على ظهرها صعودا وهبوطا بلمسات مهدئة قائلا بصوت جاد حازم برغم الابتسامة فى عينيه
:لاا كده يبقى عندك حق... انت تعيطى زى مانت عاوزة وانا قعد ساكت خالص... لو تحبى كمان اعيط معاكى انا....
صدر عنها صوت رافض تقاطع به حديثه وهى تهز رأسها بشدة تدفن وجهها فى عنقه يتراجع بها الى الخلف حتى اصبح مستلقيا على الاريكة وهى فوقه يربت بحنان على ظهرها للحظات قضاها على هذا الوضع حتى سقطت أخيراً فى النوم تنعم بدفئه وقربه منها والذى اصبح كالادمان لها لا تستطيع الاستغناء عنه ابدا.
انتبهت وافاقت من افكارها على دخوله الغرفة يحمل بين يديه صنيه محملة بالعديد من اطعمة لتهتف به معترضة
: صالح انا مبقتش قادرة اكل تانى.. انا هشرب العصير بس .
صالح وهو يضع الصنية بينهم ثم يجلس مقابلها قائلا بحزم
: واللبن كمان.. وقبلهم هما الاتنين الاكل ده.. يلا فرح بلاش دلع كلها ساعة وهتبتدى صيام زى ما الدكتور قال.
تذمرت تضم شفتيها بامتعاض لكنها لم تجروء على اعتراض كلامه تفتح فمها له بطاعة وهو يقوم بأطعامها بيده حتى انتهى اخيرا يقوم بابعاد صنية الطعام ثم يساعدها على الاستلقاء قائلا
: يلا نامى انتى... وانا هروح ارجع الحاجة دى المطبخ وارجعلك على طول.
تشبثت بيده بلهفة وعينيها تتطلع له برجاء هامسة
: لاا خليكى جنبى لحد ما انام.. انا مش عارفة هجيلى نوم اصلا ازى .
ابتسم لها يربت فوق وجنتها بحنان قبل ان يستلقى بجوارها هو الاخر يضمها اليه يستريح رأسها فوق كتفه تهمس له
: كلمنى بقى لحد ما اروح فى النوم .
اجابها بعد ان طبعت شفتيه قبل رقيقة فوق قمة رأسها قائلا بمرح
: طب ما اغنيلك احسن... دانا حتى صوتى حلو واظن انتى جربتى قبل كده .
ضحكت بنعومة لتلك الذكرى فيومها كانت غاضبة منه لامر ما وترفض الحديث فأخد يحاول بشتى السبل حتى تغفر له وتسامحه لكنها كل محاولاته بائت بالفشل حتى هداه تفكيره أخيراً تلتمع عينيه بالخبث والعبث ثم يشرع فى غناء احدى الاغنيات الشعبية المرحة وهو يتراقص امامها بحركات خرقاء مضحكة حتى لم تعد تستطيع مقاومة الانفجار بالضحك تتوسله للتوقف لكنه استمر فى الغناء يحيطها بذراعيه يرقصها معه لتندمج معه هى الاخرى معه تجاريه ما هى سوى لحظات حتى تعالى صوت غنائهم سوا بمرح صاخب ملئ المكان من حولهم .
ابتسمت تعود للحاضر تجيبه وهى تزيد من ضم جسدها اليه قائلة بصوت مرهق يتخلله النعاس
:لا خليها بعد ما اولد علشان اعرف انافسك واقدر كمان اغلبك.
اجابها صالح بخفوت بينما كانت انامله تتلاعب بخصلات شعرها بحنان وبحركاتها مهدئة جعلتها تسقط فى النوم سريعا ولكن لم يكن سريعا كفاية حتى سمعت وهو يتحدث بصوت اجش مرتجف
: وانا هستناكى..بعمرى كله هستناكى يافرحة حياتى..وحب عمرى...ام ولادى .
*******************************
اتى يوم التالى واستعد الجميع للذهاب معهم الى المشفى وبرغم التوتر والخوف السائد بين الحميع الا ان الامور قد تمت على خير وخرج اولادهم للنور صبيان وفتاة شديدي الصغر والجمال وسط فرحة ودموع الجميع حتى صالح لم يتمالك نفسه عن البكاء تغرق الدموع وجنتيه وهو يقف امام الزجاج المخصص لغرفة الحضانة والتى مكث بداخلها اطفاله يراقبهم من عدة لحظات بعد اطمئنانه على حالة فرح واستقرارها داخل غرفتها يتطلع اليهم بحب وفرحة حتى ربت شقيق فوقه كتفه قائلا بسعادة
: ها نويت تسمى ايه يابو العيال .
التف اليه صالح قائلا بصوت اجش سعيد
: فرح هسمى البنت فرح اما الولاد حمزة وادم.
ضحك الجميع بصخب ومرح يسرع عادل قائلا بمزاح
: كان لازم اتوقع انك هتسميها كده من غير ما نسأل .. بس بقولك اهو من اولها يا ابو فرح انا حاجز للواد ابنى كريم البرنسيسة بنتك ولا عندك اعتراض.
حسن بصوت مهدد يمزاحه
: طبعا يا استاذ عادل فى اعتراض.. عيب لما يبقى ولاد عمها موجودين وهى تتجوز من بره.. ولا ايه يابا..؟
ضحك الحاج منصور يؤيد هو الاخر حديث ولده الاكبر تقوم بينهم مناقشة حامية يتخللها المزاح والضحك كان عنها صالح فى عالم اخر وهو يقف يتطلع الى ابنائه بشوق ولهفة لا تمل عينيه ولا تكل من مشاهدتهم وعينيه مازالت ممتلئة بالدموع شارد فى مراقبتهم حتى تصاعد صوت رنين هاتفه يخرجه من تلك الحالة يسرع و يجيب اتصال سماح والتى قالت فور ان اجابها
: صالح.. تعال حالا.. مرات اخوك جت عندنا هنا فى الاوضة ومصممة تعرف منى انتوا جيبتوا ايه... وانا مش عارفة اقولها ايه.
صالح بهدوء يسألها اولا عن حال فرح لتيجيبه بأنها قد فاقت الى حد ما الا انها مازالت تحت تأثير البنج اغلق الهاتف بعد ان اجابها بحضوره حالا ثم التفت الى الجمع قائلا
: خليكوا انتوا مع الولاد.. وانا هروح اشوف فرح علشان فاقت .
اومأ له الجميع بالايجاب ليهرع من المكان بخطوات سريعة حتى وصل الى الغرفة يدخل فجأة ودون استئذان فيصل اليه صوت سمر المغلول وهى تتحدث بصوت عالى النبرات غير متحكمة به
: علشان كده بتخبوا مش راضين تقولوا... بس معلش يا ابلة سماح كنتى هتفضلى انتى واختك تخبوا لحد لامتى.. مانا وبسؤال بسيط عرفت اهو من الممرضة كان لازمتها ايه بقى الاسرار الحربية دى...بس ليكم حق ماهى اختك دى قادرة ومن مرة واحدة عملت اللى فضلت انا اعمله فى عشر سنين جواز...
اسرعت تكمل بغل غافلة عن ذلك الواقف خلفها بهدوء وعينيه تطلق شرارات غضبه يحاول السيطرة عليه بصعوبة حتى لا يهجم عليها يمزقها بيديه وهو يسمعها تكمل
: انا برضه قولت ان دى استحالة بطن شايلة عيل واحد ..وهو طلع عندى حق وطلعوا تلاتة مرة واحدة.
:وانتى ايه دخلك بالموضوع ده....وجاية هنا ليه من الاساس؟!
التفتت خلفها بوجه شاحب مرتعب بسرعة وهى تشهق حين وجدته يقترب منها ببطء يعيد عليها سؤاله مرة اخرى بصوت قاسى اجابته عليها بعد عدة لحظات حاولت فيها ان تزدرد فيها لعابها قائلة بتلعثم تحاول تمرير الامر
: بقى كده يا صالح الحق عليا جاية اعمل الواجب مع مراتك واطمن عليها تقوم تقولى كده .
كتف صالح ذراعيه فوق صدره يشير بعينيه نحو الباب قائلا بهدوء ما قبل العاصفة
:واجبك وصل ومن زمان يا مرات اخويا...واظن اللى جاية علشانه عرفتيه وخلصنا .. يبقى ملهاش لازمة تطولى فى الزيارة اكتر من كده ولا ايه..؟
شحب وجهها اكثر واكثر تلتفت نحو سماح لتجدها تخفض وجهها أرضا بأجراح فأخذت تفرك كفيها معا بحركات مضطربة تحاول الخروج من موقفها المحرج هذا بأقل خسارة قائلة بعد حين
:عندك حق انا فعلا لازم امشى اصل سايبة العيال مع امى وكمان...
قاطعها صالح بنبرة ذات مغزى
: اظن ان حسن ميعرفش بالزيارة دى.. على حسب ما فهمت منه انه منبه عليكى انك تيجى هنا المستشفى ..بس على العموم هو زمانه راجع من اوضة الولاد ... يبقى ياخدك يروحك معاه .
فور قوله ذلك تحركت من مكانها بسرعة وخطوات مرتبكة كادت ان تسقطها أرضا وهى تتحدث بتلعثم وخوف
: لاا على ايه خليه براحته ...انا عملت الواجب وماشية .. وهو الحق اجيب العيال من عند امى .
فتحت الباب هاربة من الغرفة دون ان تغلقه خلفها لكن استوقفها صوت نداء صالح الصارم لها تلتفت نحوه وببطء واضطراب تتطلع لملامحه الشرسة والعنيفة وهو يتحدث اليها بهدوء شديد عكس ما تراه على وجهه
: من هنا ورايح ...فرح وولادى خط احمر.. يوم ما اعرف انك بس نطقت بكلمة اونظرة واحدة ضايقتهم مش هيكفينى فيها عمرك كله... وهتشوفى منى وش تانى ادعى انك فيوم متشفهوش.. مفهوم !
اسرعت تومأ بسرعة ورعب ترتجف بشدة من نبرة صوته الامرة الحادة تهرع هاربة فوراً من المكان بتعثر وخطوات مرتبكة يسود الصمت التام المكان بعدها حتى تنحنحت سماح تجلى صوتها من اثر تأثرها الشديد ورغبتها بالتصفيق فرحا مما رأته الان تتجه نحو الباب قائلة
: انا هروح اشوف الولاد واتطمن عليهم...انت خليك مع فرح.
اومأ لها ينتظر مكانه حتى خرجت من الغرفة تغلق الباب خلفها ليتجه فورا للفراش يجلس بجوارها ينحنى عليها يهمس فى اذنها بحب
: فرح... مش هتفوقى بقى وحشتينى اووى.. عاوزة احكيلك عن ولادنا واوصفهم ليكى...
همهمت بضعف فى استجابة ضعيفة له ليكمل قائلا بسعادة
:الحمد لله كلهم طالعين حلوين زيك كويس ان مفيش حد فيهم شبهى كنت هزعل اوى.
ارتجف صوته يكمل لها هامسا
: علشان بحبك وبموت وبعشق كل حاجة فيكى نفسى ولادنا كلهم يطلعوا شبهك انتى وبس.
هزت رأسها له كأنها تعى كلماته وتصل اليها برغم الضباب المسيطر على حواسها الا انه اخذ ينقشع ببطء جعلها تستطيع ان تهمس له بصوت خافت ضعيف غير مترابط
: وانا كمان بحبك... وبعشقك.. وبموت فيك.
--------------------------
♡ تمت ♡