الفصل 10 | من 54 فصل

رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل العاشر 10 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
19
كلمة
5,294
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

كانت شوارع القاهرة الصباحية قد بدأت تمتلئ بضجيجها المعتاد، واستقل أكمل سيارته متوجهًا إلى عمله، وعقله منغمس في تفاصيل القضايا المعقدة التي تنتظره. كان يحاول أن يغرق نفسه في العمل لينسى، ليهرب من الفكرة التي تلاحقه، من صورتها التي تأبى أن تفارق خياله. وفجأة، ودون أي سابق إنذار انحرفت سيارة لتقطع عليه الطريق بشكل جنوني.

لم يفصل بين السيارتين سوى سنتيمترات قليلة، ولولا رد فعله السريع وضغطه على المكابح بكل قوته حتى صرّت الإطارات على الأسفلت، لكانت الكارثة محققة. توقف قلبه للحظة، ثم اشتعل بالغضب. نزل من سيارته وهو يغلق الباب خلفه بقوة، وعيناه تطلقان شررًا وهو ينظر إلى السيارة التي كادت تودي بحياته، مستعدًا لتفريغ كل غضبه في وجه السائق المتهور. لكن غضبه تجمد وتحول إلى مزيج معقد من الصدمة والحنق عندما ترجلت هي من سيارتها. ليلى...

تقدمت منه بخطوات ثابتة، بينما هو ظل واقفًا بجانب سيارته، يحدق فيها وكأنه لا يصدق جرأتها. "انتِ اتجننتي؟ إزاي تقطعي عليا الطريق بالشكل ده؟ كنتي هتودينا في داهية! لم ترد على غضبه بغضب مماثل، بل تقدمت منه أكثر ونظراتها كانت تحمل عتابًا عميقًا وألمًا واضحًا. "ملقتش غير الطريقة دي يا أكمل عشان أكلمك. تليفوناتي مش بترد عليها، ورسايلي مبتتفتحش، وحتى الشغل بقيت بتتهرب مني فيه."

قال بحدة كان يغلفها عتاب أعمق، وهو يشير بيده إلى الطريق والسيارات التي بدأت تتجاوزهما ببطء. "تقومي تعملي كدة؟ تعرضي حياتك وحياتي للخطر عشان نتكلم؟ تقدمت منه خطوة أخرى حتى تقلصت المسافة بينهما، وقالت بصوت بدأ يرتجف باستعطاف، عندما لاحظت القلق الحقيقي في عينيه، القلق الذي يحاول جاهدًا أن يخفيه خلف قناع الغضب.

"وأكتر من كدة يا أكمل أعمل أكتر من كدة. انت متعرفش الأسبوع اللي بعدته عني ده كان عامل فيا إزاي. كل يوم بيمر كأنه سنة، والسكوت بتاعك بيقتلني أكتر من أي كلام ممكن تقوله." أشاح أكمل بوجهه بعيدًا عنها، ينظر إلى أي شيء إلا عينيها، لأنه كان يعلم أنها لن تستسلم. في محاولة جريئة، تقدمت أكثر وهمست بصوت ناعم يحمل كل الدلال الذي تعرف أنه نقطة ضعفه. "وبعدين، انت مش ملاحظ إن النهاردة يوم مميز؟

عيد ميلادي يا أكمل، ومسمعتش منك حتى كل سنة وانتِ طيبة." هنا ارتد أكمل خطوة كاملة إلى الوراء، كمن لدغته أفعى. فعلتها هذه أغضبته أكثر من قطعها للطريق. لقد استخدمت أقرب الأشياء إلى قلبه كسلاح ضده. استياؤه من فعلتها كان واضحًا، ورغم وجود مسافة لا بأس بها بينهما، إلا أنه شعر بأنها تخترق مساحته الشخصية، حدوده التي وضعها بينهما. "ليلى، إحنا في الشارع." رفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة، وقالت باستنكار وكأنها لا تفهم ما يعنيه.

"أكمل أنا بقولك عيد ميلادي وانت بتقولي إحنا في الشارع؟ انت شايفني بعمل إيه غلط؟ وبعدين انت اللي وصلتني للدرجة دي، وصلتني إني بقيت بفرض نفسي عليك عشان بس أسمع صوتك. اتأسفت مية مرة، وحلفتلك إن اللي حصل مش هيتكرر تاني، ومع ذلك لسه مخاصمني. أعمل إيه أكتر من كدة عشان تسامحني؟

تطلعت إليها أكمل طويلاً. كان بداخله بركان من الكلمات، قائمة طويلة من الأشياء التي يود منها أن تفعلها، أن تتغير، أن تفهم أن حبه لها لا يعني أن يقبل بأخطائها التي كادت تدمر كل شيء. لكنه تراجع. لن يطالبها بشيء الآن، ليس بهذه الطريقة، ليس في منتصف الطريق. فقال بهدوء مرهق. "متعمليش حاجة. أنا كل اللي طلبته تسيبيني فترة لحد ما أهدى مش أكتر." ردت بعتاب حارق، وصوتها بدأ يختنق بالدموع. "لحد إمتى يا أكمل؟

العمر بيجري وأنا مش قادرة أتحمل يوم كمان وانت بعيد عني بالشكل ده." لم يجبها. صمته كان أبلغ من أي كلام. أدركت أنها لن تأخذ منه شيئًا الآن، فلجأت إلى سلاحها الأخير. "على العموم، أنا هستناك النهاردة بالليل في الحفلة اللي عاملها عشان عيد ميلادي. وإن مجتش... يبقى انت كدة اللي بتحكم بنفسك، وبتنهي كل اللي بينا."

لم تنتظر رده. تركته واقفًا في مكانه، وتوجهت إلى سيارتها وانطلقت بها بسرعة، تاركة إياه تحت نظراته المستاءة، يصارع حبه لها وغضبه منها، والحقيقة المرة بأنها رغم كل شيء، ما زالت تملك مفاتيح قلبها. استقل سيارته وتوجه إلى عمله في سكون تام، لكن بداخله كانت تدور أعنف العواصف. ***

كانت قاعة المحاضرات تضج بأصوات الطلاب وهمهماتهم، لكن بالنسبة لنغم، كان كل ذلك مجرد ضجيج أبيض بعيد. كان عقلها شاردًا في مكان آخر، سجينًا في متاهة من الأفكار التي لا تهدأ، وفي مركز هذه المتاهة كان يقف هو: جاسر. الرجل الذي ظهر في حياتها كمنقذ، ثم تحول في ليلة وضحاها إلى كابوس يطاردها في صحوتها ومنامه.

لم تكن تعلم ما الذي يريده منها بالضبط، لكن نظراته الثاقبة التي تخترق الروح، وكلماته الغامضة، ورسالته الصامتة التي وصلت إلى عقر دارها، كانت تثير فيها قلقًا عميقًا أشبه بالرعب. انتهت المحاضرة أخيرًا، فجمعت نغم كتبها بسرعة وكل ما كانت تتمناه هو أن تختفي من هذا المكان بأسرع وقت ممكن. الفكرة الوحيدة التي كانت تمنحها شعورًا هشًا بالأمان هي أن سند ينتظرها الآن بالتأكيد أمام بوابة الجامعة.

وجوده كان درعها الوحيد في مواجهة هذا العالم الذي لم يعد آمنًا. وبينما كانت تشق طريقها بصعوبة وسط حشد الطلاب المتدفق خارج القاعة، أوقفها صوت عامل. "آنسة نغم عامر؟ عقدت نغم حاجبيها في حيرة وتوقفت. "أيوه، خير؟ رد الرجل بتهذيب واحترام. "الدكتور أحمد عايز حضرتك في مكتبه." انقبض قلبها على الفور. شيء ما لم يكن صحيحًا. الدكتور أحمد؟ لم يكن لديها أي تعامل مباشر معه من قبل. سألته بقلق حاولت إخفاءه. "متعرفش عايزني ليه؟

نفى العامل برأسه. "كل اللي قالهولي: 'ابعتلي آنسة نغم عامر فورًا'." شعرت بأن قدميها قد تجمدتا في مكانهما. كان هناك صوت في رأسها يصرخ بها لتهرب، لتتجاهل الأمر وتجري مباشرة إلى سند. لكن جزءًا آخر منها، الجزء المطيع الذي تربت عليه، منعها من ذلك. تبعت العامل في الممرات الطويلة وقلبها ينبض بعنف كطبل حرب. وكل خطوة كانت تبدو وكأنها تقودها إلى مصير مجهول. عندما وصلت إلى باب مكتب رئيس القسم، أشار لها العامل بالدخول ثم انصرف.

أخذت نفسًا عميقًا، وفتحت الباب. دخلت نغم المكتب الفاخر، وخطت بضع خطوات قبل أن تتوقف فجأة، وتتجمد في مكانها كتمثال من الشمع. كان هو. كان جاسر يجلس على أحد المقاعد الجلدية أمام مكتب الدكتور أحمد، يرتدي بذلة سوداء أنيقة تجعل هيبته أكثر طغيانًا.

كان يضع ساقًا فوق الأخرى بأريحية تامة، وكأنه صاحب المكان. وعيناه الثاقبتان تحدقان فيها ببرود قاطع، برود اخترقها حتى العظم. شعرت بقشعريرة جليدية تسري في جسدها، وبأن الهواء كله قد سُحب من الغرفة. كيف وصل إلى هنا؟ إلى هذا المكان تحديدًا؟ ولماذا؟ نهض الدكتور أحمد من مكتبه بابتسامة متكلفة، وقال بصوت بدا مصطنعًا. "أهلاً يا نغم، اتفضلي." في تلك اللحظة، رن هاتفه المحمول بصوت عالٍ ومفاجئ. تظاهر بالنظر إلى الشاشة بامتعاض.

"عفوًا، دي مكالمة مهمة من رئاسة الجامعة. ثواني هرد عليها بره وهرجع على طول." خرج الدكتور أحمد من المكتب بسرعة، وأغلق الباب خلفه دون أن يترك لها أي فرصة للاعتراض أو الهرب، تاركًا إياها وحدها معه في صمت ثقيل ومخيف. نظرت نغم إلى جاسر بغضب، محاولة يائسة أن تسيطر على رجفة يديها التي فضحت خوفها. همست بصوت خفيض، مشحون بالغضب والرعب، خوفًا من أن يسمعها أحد في الخارج. "إنت بتعمل إيه إهنه؟ وإزاي تچيني الچامعة؟

وكمان تعمل اللعبة الرخيصة دي عشان تتكلم معاي؟ ابتسم جاسر ابتسامة باردة، خالية من أي أثر للمرح. نهض من مقعده ببطء وتحرك نحوها بخطوات هادئة وواثقة كخطوات نمر يقترب من فريسته. "هو أني مش جولتلك إن اللي بينا لسه مخلصش؟ توقف على بعد خطوات قليلة منها، ووضع يديه في جيوب بنطاله وأمال رأسه قليلاً. "لسه لينا كلام مهم يا نغم. حديث هيغير حياتك كلها." كان صوته هادئًا، لكنه كان يحمل تهديدًا مبطنًا، وعدًا بعواقب وخيمة.

استجمعت نغم كل ما تبقى لديها من شجاعة، وقالت بحزم مصطنع رغم أن الخوف كان ينهش قلبها. "مفيش أي كلام بينا عشان يغير حياتي ولا غيره. اللي بينا وبينكم دم وتار، ومستحيل يكون في حاچة ثانية." ضحك جاسر بسخرية. ضحكة قصيرة جعلت الدماء تتجمد في عروقها. "أنتِ غلطانة، لإن في الحجيجة مفيش جدامك خيار غير إنك تسمعيني. وتوافجي على اللي هطلبه منك." اقترب منها أكثر، حتى أصبح قريبًا جدًا، واخترق مساحتها الشخصية تمامًا.

شعرت بأنفاسه الباردة على وجهها، ورائحته القوية تملأ حواسها مما أصابها بالدوار. انحنى قليلاً وهمس بجوار أذنها، بصوت لم يسمعه غيرها، صوت كان كحكم الإعدام. "في تار جديم بين عيلتنا، ولازم نخلصه. والتار ده... تمنه هيكون أنتِ." *** وقف مالك في حديقة المنزل الشاسعة، تحت سماء بدأت تتلون بألوان الغروب الدافئة.

كانت عيناه تنظران إلى الأجواء من حوله، إلى الأشجار العتيقة التي شهدت طفولته، وإلى الزهور التي كانت والدته تعتني بها بحب، لكنه لم يكن يرى شيئًا من هذا حقًا. كان يرى فقط الفراغ الذي استقر في روحه. "كيف؟ سأل نفسه بمرارة. "كيف فكرت لوهلة أن باستطاعتي العودة والبقاء هنا؟

لم يعد هنا ما يبقى لأجله. لقد بنى حياته كلها على فكرة أنه السند والحامي، أنه المسؤول. والآن، بنات عمه أمانته التي أقسم على حمايتها، أصبحن في كنف حضن آخر غير حضنه. روح... كانت هي البوصلة التي توجه قراراته دون أن تدري، والآن تحطمت تلك البوصلة، وتركته تائهًا في بحر من الخيبة. "چاعد لوحدك ليه يا مالك؟ التفت مالك على صوت جده الوقور. كان وهدان يقترب منه بخطوات هادئة، مستندًا على عصاه الخشبية التي كانت رفيقته الدائمة.

جلس بجواره على المقعد الحجري، ونظر إلى الأفق بنفس النظرة الشاردة التي كانت في عيني حفيده. رد مالك بابتسامة باهتة، محاولة فاشلة لإخفاء العاصفة التي تدور بداخله. "مش چاعد لوحدي ولا حاچة يا چدي. بس مستني مكالمة من ناچي، أصلي طلبت أتنقل لفرع ثاني ومستني رد المدير." نظر إليه وهدان نظرة طويلة، نظرة تخترق كل الأقنعة والدفاعات. "ولو مش مرتاح في الغربة يا ولدي ارچع مصر وخليك وسط ناسك وأهلك. الأرض دي تساعك وتساعى غيرك."

"ما أنا جولتلك يا چدي إن شغلي ده مكتوب عليه الغربة. طبيعته إكدة." "يبجى بلاش منيه خالص. اللي يتعبك ويخليك تدوج مرارة الغربة، ارميه ورا ضهرك. الرزق على الله." رد مالك بصوت خافت، كأنه يحدث نفسه، صوت مشبع بوجع لم يعد قادرًا على إخفائه. "يظهر إن انكتب عليا أعيشها غصب عني جوه وبره. ومفيش أمل أعاود منيها."

آلمه قلبه لى وهدان لرؤية حفيده القوي في هذه الحالة من الانكسار. لكنه كان يعلم أن الشفقة لن تفيده. عليه أن يقتلع هذا الوهم من جذوره، قبل أن يدمر حفيده. قال بلين وحكمة، وصوته كان كبلسم على جرح ملتهب.

"الأمل ده يا مالك ساعات بيكون وهم بنتعلق بيه عشان نهرب من الحجيجة. وساعات بيكون اختبار من ربنا عشان يشوف قوة صبرنا. ربنا مبيعملش غير الصالح يا ولدي. يمكن اللي بيحصل ده هو الخير ليك، يمكن ربنا شايلك الأحسن والأفضل في مكان تاني." صمت مالك لكنه كان يستمع بكل جوارحه، كالغريق الذي يتعلق بقشة نجاة.

"يمكن اللي نفسك فيه ده، لو كان من نصيبك، كان هيكون عذابه أكبر من العذاب اللي انت فيه دلوك. عشان إكدة ربنا بعده عنك. ويمكن نصيبك الحجيجي لسه مستنيك في مكان تاني، مع واحدة تانية تكون هي اللي ربنا كاتبها على اسمك، واحدة تشوفك أنت مش تشوفك اخ وسند وبس." لم يجب مالك، بل ظل صامتًا يستمع إلى مغزى حديث جده الذي لامس وتراً حساسًا في قلبه.

"الدنيا مش بتجف على حد يامالك. الچرح ده هيلم، والوجت كفيل يداوي كل حاچة. بص حواليك شوف النعم اللي ربنا أنعم بيها عليك. صحتك، أهلك اللي بيحبوك، بيتك اللي مفتوحلك. كل دي حاچات تستاهل إنك تشكر ربنا عليها كل يوم. وصدجني، ربنا لما بياخد حاچة بيعوض بأحسن منها ميت مرة. بس إنت لازم تؤمن بده، وتصبر، وتدعي ربنا يرزقك باللي فيه الخير ليك." تنهد مالك تنهيدة عميقة، خرجت معها كل ذرة ألم مكبوتة، وتمتم بصوت مكسور. "تفتكر يا چدي...

تفتكر هيكون فيه أمل؟ نظر وهدان إلى السماء، ثم إلى عيني حفيده، وقال بيقين لا يتزعزع. "الأمل في ربنا مبيخلصش يا ولدي. جوم اتوضى وصلي ركعتين لله، واشكيله همك. ادعي ربنا يريح جلبك ويهديك للخير. وسيب الباجي على ربنا. هو اللي عالم بالخفايا وهو اللي بيختار الأحسن لينا. يمكن اللي جاي أحسن بكتير من اللي فات، بس إنت لازم تكون مستعد ليه وجلبك نضيف عشان تستجبله."

نهض وهدان وربت على كتف مالك مرة أخيرة. لمسة كانت تحمل كل الدعم والحب الأبوي قبل أن يستدير ويدلف للداخل تاركًا حفيده وحيدًا مع كلماته التي كانت كالنور في نهاية نفق مظلم. ظل مالك جالسًا، يفكر في حديث جده، ولأول مرة منذ أيام شعر ببصيص من السكينة يتسلل إلى روحه المعذبة. *** تجمدت نغم في مكانها، وتحولت الدماء في عروقها إلى جليد. كانت عيناها متسعتين من هول الصدمة، تحدقان فيه وكأنها تراه للمرة الأولى. "تار؟

تار إيه اللي بتتحدت عنيه؟ مين اللي له تار عند التاني؟ كانت تجاهد كي يظل صوتها قويًا، كي تمحو تلك الرجفة الخائنة التي بدأت تهز كيانها بالكامل. ضحك جاسر بسخرية، ضحكة قصيرة ومريرة، وهو يتقدم منها خطوة، مقلصًا المسافة بينهما. "أنا... أنا اللي ليا تار عنديكم." تحولت نبرته فجأة من السخرية الباردة إلى قوة صلبة كالفولاذ، صوت يأمر فيُطاع.

"وأقسمت في يوم، قدام جثة أبويا وجدي، إن التار هيكون واعر. واعر لدرجة إني هخليكم تيجوا زاحفين عشان أرحمكم." شعرت نغم بالدوار يداهمها، وبأن الأرض تميد تحت قدميها. لم تكن تتخيل أبدًا أن حياتها الهادئة حياتها البسيطة، يمكن أن تنقلب رأسًا على عقب بهذه الطريقة الوحشية. زادت قوة نبرته وأصبحت حادة كالسيف وهو يكمل. "أبوي وجدي اللي ماتوا بحسرتهم، وسابو على كتافي مسؤولية واعرة جوي اسمها الانتقام."

اهتزت نظراتها أمام قسوة عينيه، التي أقسمت في تلك اللحظة أنها لم ترى بقسوتها طوال حياتها. كانت كبوابتين من الجحيم، لا تعكسان إلا الكراهية والتصميم. تقدم منها أكثر حتى قرب وجهه من وجهها وعيناه تلمعان بلهيب الغضب المكبوت منذ سنين. "ودلوجت، جه وقت أول فاتورة في الحساب. فاتورة عمتي اللي أجبرتوها تتجوز عمك عشان تداروا على فضايحكم، وحطيتوا راسنا وكرامتنا في الطين. أما الفاتورة التانية، فوجتها لساته مجاش."

اتسعت عيناها بصدمة ورعب، وقد فهمت أخيرًا ما يرمي إليه. سألته بصوت مختنق. "تجصد... تجصد إيه؟ راقت له نظرات الرعب الصافي التي ظهرت في عينيها. كانت كالموسيقى لأذنيه. تراجع خطوة إلى الوراء وعادت إليه برودة أعصابه القاتلة، وكأنه يستمتع باللعب بفريسته. "أقصد إن جه وقت الحساب. والحساب هو إنك... التزم الصمت لثوانٍ طويلة، يتلاعب بأعصابها المنهارة. يراقبها وهي تتأرجح على حافة الانهيار. ثم تابع بكلمة واحدة كانت كفيلة بتدميرها.

"تتجوزيني." رمشت نغم بأهدابها تحاول استيعاب ما يحدث لها. هزت رأسها برفض هستيري وضحكة مرتعشة خرجت من شفتيها. هو مؤكد أنه كابوس مزعج ليس أكثر. لكن كيف يكون كابوسًا وهو يقف أمامها بذلك الشموخ، بتلك الهيبة، وكأنه في موضع قوة لا يستهان بها، قوة هي من تجعله يتحدث بهذه الثقة المطلقة؟ لن تظهر امامه بضعف. عليها ان تتحمل وتظهر قوتها. رفعت إليه عيناها التي ظهر الوجل واضحاً بها فلم تستطع اظهارها في تلك القوة المرتسمة أمامها.

"ومين جال لك إن أهلي ممكن يوافقوا عليك؟ على واحد من أعدائهم؟ ضحك جاسر هذه المرة بعلو صوته، ضحكة دوت في أرجاء المكتب الصامت ثم رد بسخرية لاذعة. "ومين جال لك إني محتاج رأيهم أصلاً؟ قطبت جبينها بحيرة وعقلها يرفض أن يصدق ما تسمعه. "تجصد إيه؟ اعتدل في جلسته، وقال ببرود تام وكأنه يناقش صفقة تجارية. "أحصد إنك هتخرچي معاي دلوجت على المأذون، وهنكتب الكتاب، وهتاچي معاي على بيتي."

اندهشت من الثقة العمياء التي يتحدث بها وسألته في محاولة يائسة لإيجاد ثغرة في خطته. "وانت فاكر إني ممكن أعمل إكدة؟ أهرب معاك وأحط راس أهلي في الوحل؟ لم يجبها بل اكتفى بنظرة واحدة. نظرة تحمل ثقة تامة بقدرته على فعل ما يقول. وهذه النظرة هزت ثقتها هي بنفسها حتى الصميم. سألته بحيرة ويأس. "انت عايز إيه بالظبط؟ رد ببساطة جليدية وقد عادت نظراته الباردة كالصقيع. "متعودتش أعيد كلامي."

ازداد غضبها منه وشعرت بأن كرامتها هي الشيء الوحيد المتبقي لها. "الغلط عليا أنا عشان وقفت وسمعت الحديت الفارغ ده." سحبت حقيبتها واستدارت لتخرج لكن صوته الحازم القاطع كحد السيف أوقفها في مكانها وجمد الدم في عروقها. "اطلعي بره الباب ده، وأني أوعدك... إني هخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه." ثقة حديثه جعلتها تستدير إليه، تسأله بعينيها المرتعبتين: ماذا يقصد؟ عاد بظهره للوراء وتابع ببطء يتلذذ بكل كلمة.

"يا توافقي وتيجي معاي دلوجت زي ما جلت." زم فمه مدعيًا الأسف. "يا إما في خلال دقيقة واحدة، الجامعة كلياتها هتتكلم على بنت الرفاعية اللي عشجت ابن عدوهم، وكانت جاعدة لحالها معاه في مكتب رئيس القسم. حتى دخل عليهم العامل لقاهم في وضع... للأسف مؤسف." رفع حاجبيه وهو يردف. "ده غير طبعًا حكاوي البلد واللي هيقولوه، إنها كانت معاه في عربيته وداخت حبتين، خدها على المستشفى وللأسف... طلعت حامل."

كانت كلماته كالصاعقة التي ضربت نغم. هذا شيء لا يمكنها تحمله. شعرت بالاختناق، وكأن جدران المكتب تضيق عليها وتتحول إلى قبر. لماذا هي؟ ما الذي فعلته لتستحق هذا؟ نظرت إليه بعيون تائهة وتمتمت بصوت متقطع. "ليه؟ ... اشمعنى... أنا... رفع حاجبيه بلامبالاة قاسية. "عادي... تجدري تجولي نصيب... جدر... اللي تجولي عليه. بس في الآخر، اللي أني رايده هو اللي هيكون." سقطت على أقرب كرسي وشعرت وكأن كل قواها قد استنزفت.

نهض هو وتقدم منها ببطء واضعًا يديه داخل جيوبه، وتابع جلده لها بكلماته الباردة. "جولتي إيه؟ دكتور أحمد فاكر إننا جاعدين نشوف حل في علاقتنا، وهو وعدني إنه هيساعدنا على جد ما يجدر، نخليه يساعدنا... ولا نسيب الناس تقول اللي هي عايزاه؟ لم تستطع الرد. شعرت بأن الكلمات توقفت في حلقها تأبى الخروج، وازداد شعور الدوار وفوقه ضربات قلبها التي كانت عنيفة لدرجة أنها كادت تكسر أضلاعها. مال عليها ليتابع همسه القاتل.

"بس لو وافجتي، محدش هياخد خبر باللي حصل بينا. چوازنا هيتم، ومحدش هيدرى بيه غير أهلك وأهلي." استقام في وقفته، وتابع بمغزى عميق يضرب على وتر حساس يعرفه جيدًا. "أني راجل صعيدي، ومحبش واصل إن مرتي تكون حكاية على كل لسان في البلد والبلاد اللي جارها. جولتي إيه؟ كان يضع أمامها خيارين، وكلاهما يعني الموت. الموت السريع لسمعتها وشرف عائلتها، أو الموت البطيء لحياتها وحريتها بين يديه.

كانت الدقيقة التي منحها إياها تمر كأنها دهر، وكل ثانية فيها كانت تطحن بقايا روحها. كانت تنظر إلى الفراغ، وعقلها يصرخ في سباق محموم ضد الزمن، يبحث عن مخرج، عن ثغرة، عن أي بصيص أمل في هذا الظلام الحالك الذي أحاط بها. "انتهت الدقيقة." قالها جاسر بصوت هادئ، لكنه كان كصوت سقوط مقصلة. رفعت نغم رأسها ببطء، وجمعت آخر ما تبقى لديها من قوة وتحد. نظرت في عينيه مباشرة، وقالت بصوت يرتجف غصباً لا خوفاً.

"أنا مش هتچوزك ولو على الفضيحة، أهلي هيصدجوني أنا، مش هيصدجوا واحد زيك." ابتسم جاسر ابتسامة باردة، كأنه كان يتوقع هذا الرد. لم يغضب لم ينفعل، بل تراجع وجلس على حافة مكتبه وشبك ذراعيه أمام صدره في وضعية سيطرة كاملة. " أهلك؟ تفتكري أهلك هيصدقوكي لما رئيس قسمك بنفسه يشهد إنه شافكم سوا، وإنك اعترفتيله بحبكم؟ تفتكري هيصدجوكي لما العامل البسيط يحلف يمين إنه شافكم في وضع... يكسر العين؟

الناس يا نغم بتصدج اللي عايزة تصدجه، والقصص اللي زي دي، الناس بتعشجها." كانت كلماته كالحمض تذيب ثقتها بنفسها وبمن حولها. لكنها تشبثت بآخر خيط. " ولو حتى البلد كلها كدبتني، أنا مش هخاف. هجف جصادهم كلهم وأجول الحجيجة." هنا، ضحك جاسر ضحكة خافتة، لكنها كانت أكثر إرعاباً من أي صراخ. " شجاعة، أنا بحب الشجاعة دي. بس للأسف، شجاعتك دي هتكون على حساب ناس تانية." قطبت جبينها، لم تفهم ما يرمي إليه. "تجصد ايه؟ رد بثبوت.

"أجصد إن كلام واعر زي ده مش هيكون من فراغ. الكاميرات اللي صورت وأني شايلك في حضني وداخل بيكي المستشفى، وده غير الكاميرات اللي صورتك وانتي داخل المكتب دولجت والدكتور أحمد خرج عشان ناخد راحتنا." سقطت دمعة حارقة من عينيها، دمعة الهزيمة الكاملة. لقد حاصرها من كل اتجاه، لم يترك لها أي خيار، أي مخرج. كل الطرق أمامه كانت تؤدي إلى دمار من تحبهم. نهض من مكانه، واقترب منها ثم انحنى لمستواها، ومسح دمعتها بإصبعه بقسوة لطيفة.

" ليه توصليها لكده؟ أنا عرضت عليكي حل بسيط. حل يحفظ كرامتك، ويحمي أهلك. جوازنا." نظرت إليه من خلال دموعها، وقالت بصوت مهزوم، صوت امرأة لم يعد لديها ما تخسره سوى حياتها. " أنت شيطان." " ممكن. بس أنا الشيطان اللي ماسك في إيده مصيرك ومصير أهلك." استقام في وقفته، ومد يده إليها. "قومي. المأذون مستني." لم تتحرك. كانت قد تجمدت، روحها تحطمت بالكامل. ***

بعد أن تركه جده وحيدًا مع أفكاره، ظل مالك جالسًا في الحديقة، وعيناه تتابعان الشمس وهي تغوص في الأفق، تاركةً وراءها سماءً مصبوغة بألوان الشفق الحزينة. كان هدوء المكان يتناقض تمامًا مع العاصفة التي تدور بداخله. كلمات جده كانت كالنور، لكنها كشفت أيضًا عن حجم الظلام الذي يسكن روحه. "مالك! جاء صوتها فجأة، ناعمًا ومفعمًا بالحياة، كأنه وتر عُزف في وسط صمت مطبق.

التفت ببطء ورآها تقترب منه، ترتدي فستانًا بسيطًا يتمايل مع خطواتها السريعة، وابتسامة واسعة وصادقة تضيء وجهها، ابتسامة لم يرها منذ زمن. كانت روح. "أخيرًا لجيتك! چاعد لوحدك ليه هنا؟ قالتها وهي تجلس بجانبه على المقعد الحجري، دون انتظار دعوة، بحميمية وعفوية اعتاد عليها منها منذ كانت طفلة. لم يستطع منع ابتسامة باهتة من الظهور على شفتيه. وجودها كان دائمًا هكذا بسيطًا ومريحًا، ومؤلمًا الآن أكثر من أي وقت مضى.

"مش لوحدي ولا حاچة، بستمتع بالهدوء شوية." نظرت إليه بعينيها الصافيتين، وقالت بسعادة لم تحاول إخفاءها. "أنا مبسوطة جوي إنك رچعت يا مالك. البيت كله كان ضلمة من غيرك. وحشتني." كلمة "وحشتني" منها كانت دائمًا تحمل وقعًا مختلفًا في قلبه. كانت تعنيها كأخ، لكنه كان يسمعها كحبيب. "وإنتِ كمان وحشتيني يا روح." قالت وهي تضحك، وتدفع كتفه بخفة. "كداب لو وحشتك كنت رديت على رسايلي، ولا حتى كنت جعدت معايا زي زمان."

صمت للحظة يبحث عن مبرر، لكنها لم تمنحه الفرصة بل تابعت بحماس. "فاكر زمان لما كنت بتسافر القاهرة عشان الكلية؟ كنت بعد الأيام على صوابعي عشان ترچع." مثلت على صوابعها. "كنت بجولهم فاضل يوم ويوم ويوم ومالك يرچع. وكنت أول واحدة تستناك على باب البيت." ابتسم ابتسامة حقيقية هذه المرة، فالذكرى كانت واضحة في ذهنه. "فاكر وكنتِ بتعيطي لو اتأخرت يوم واحد عن المعاد اللي جولتلك عليه." ضحكت بصوت عالٍ ضحكة صافية كقلبها.

"كنت بخاف لتلاجي أصحاب هناك وتنساني ومترجعش تاني. كنت طفلة هبلة." "لم تكوني هبلة... كنتِ فقط لا تعرفين." قالها في سره ثم قال بصوتٍ عالٍ. "وفاكرة لما وقعتي من على العجلة ورجلك اتجرحت جامد؟ اتسعت عيناها وهي تتذكر. "يووووه ده كان يوم! فاكرة طبعًا جدي وأبويا وعمي كلهم كانوا عايزين ياخدوني عشان يطهروا الچرح، وأنا كنت بصرخ وماسكة فيك، ومكنتش راضية أخلي حد يلمسني غيرك."

مرر يده على شعره وكأنه يسترجع ملمس دموعها على قميصه يومها. " يومها جولتي إن محدش هيداويكي غيري. فضلت شايلك وجريت بيكي على الوحدة الصحية، وإيدك كانت ماسكة في قميصي ومكنتيش راضية تسيبيها حتى والدكتور بيخيط الچرح." تحسست إلى ركبتها، حيث لا تزال ندبة باهتة تروي قصة ذلك اليوم. "عشان كنت بثق فيك أكتر من أي حد. كنت عارفة إنك مش هتخليهم يوچعوني. كنت الأمان بتاعي يا مالك." "كنتُ... ترددت الكلمة في عقله بمرارة.

تابعت وهي غارقة في بحر الذكريات، غير مدركة للأثر الذي تتركه كلماتها عليه. "وفاكر مرة لما جبتلي في عيد ميلادي سلسلة دهب صغيرة عليها حرفي؟ أومأ برأسه. كيف ينسى؟ لقد أنفق عليها كل مصروفه في ذلك الشهر. "يومها فضلت أتنطط بيها في البيت كله، وأوريها لكل الناس وأقولهم: 'مالك اللي جابهالي'. فضلت في رقبتي سنين، لحد ما ضاعت مني وأنا بلعب. يومها عيطت كأني فقدت أغلى حاجة في الدنيا."

كانت تتحدث ببراءة تامة، تترجم كل تلك المواقف على أنها حب أخوي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...