جلس سند في سيارته، ينظر في ساعته للمرة العاشرة. لقد أخبرته بأن محاضرتها الأخيرة ستنتهي في الواحدة تمامًا، والساعة الآن تعدت الواحدة والنصف. بدأ القلق يتسرب إلى قلبه كسم بطيء. ترجل من السيارة، وأسند جسده القوي عليها وعيناه مثبتتان على البوابة الحديدية للجامعة، ينتظر خروجها بفارغ الصبر. أما هي، ففي الداخل، كانت تعيش جحيمًا آخر.
ظلت جالسة في صمت مطبق، جسدها متصلب كتمثال من الجليد، ودموعها تنزل بغزارة على خديها دون أن تشعر بها. كانت كل دمعة تحمل معها جزءًا من روحها التي تتآكل. كان هو جالسًا أمامها بكل أريحية، يراقب انهيارها ببرود جليدي، يستمتع بعذابها وكأنه يشاهد مسرحية أعدها بإتقان. لم يكن مجرد رجل، كان قدرًا أسود، إعصارًا يقتلع كل شيء جميل في حياتها، وكأن الدنيا خلقت لأجله، أو هكذا يريد أن يوهمها.
لم يرحم ضعفها، بل استقوى عليه أكثر. نظر في ساعته ببطء متعمد، حركة محسوبة لتزيد من ضغطها النفسي، ثم قال ببرود قاطع، كصوت حجر يسقط في بئر صامت: "أخدتي وقت طويل، وأني مش متعود على طولة البال. يا تقولي قرارك، يا إما أنفذ اللي جولت عليه." أخذت نغم نفسًا عميقًا ومتقطعًا من بين شهقاتها، في محاولة يائسة لتهدئة الرعب الذي يشل أطرافها ويجعل الهواء ثقيلًا كالرصاص في صدرها. أدركت أن الصمت لن يفيدها الآن.
لقد أصبحت بين نارين، كلاهما أشد من الآخر. إما أن توافق على الزواج من هذا الغادر وتعيش ما تبقى من عمرها في ذل وانكسار، عبدة في قصر انتقامه، أو ترفض، فتتقاذفها ألسنة الناس هي وعائلتها بلا شفقة ولا رحمة، وتتحول إلى وصمة عار في جبين عائلتها، عار لن يُمحى مهما مرت السنين. إذًا، ليس هناك سوى حل واحد، حل أخير ومريع. الموت. نعم، ذلك هو الحل الوحيد الذي سيحررها من هذا الكابوس، ويحمي أهلها من فضيحة لم يرتكبوها.
مسحت دموعها بكف يدها المرتجفة، ورفعت رأسها. اختفت نظرة الهزيمة من عينيها وحل محلها بريق غريب، بريق من وصل إلى أقصى درجات اليأس، حيث لا يعود هناك شيء ليخسره. نظرت إليه بعيون يملؤها الازدراء، وقالت بقوة مفاجئة، قوة ولدتها من رحم نهايتها المحتومة: "الموت أهون عليا من إني أربط حياتي وسمعتي بواحد زيك." اعتدل في جلسته، مستندًا بمرفقيه على ساقيه، وسألها بفتور قاتل، وكأنها تقترح عليه شرب كوب من الشاي، لا إنهاء حياتها:
"تخصدي يعني تموتي حالك؟ رفع حاجبيه كأنه يفكر في الفكرة بجدية ثم أومأ موافقًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة شيطانية خفيفة: "وماله... فكرة مش بطالة، حتى تبجى جات زي ما أنا عاوز بالظبط." أسند ظهره على المقعد خلفه، وقال ببساطة مرعبة وهو يرسم سيناريو نهايتها بكلمات كانت أشد فتكًا من أي سلاح:
"اعمليها، وأني جادر أثبت وبالطب الشرعي، إنك كنتي حامل، وقادر أثبت برضك إنه كان ابني، وإن أهلك لما عرفوا الحقيقة، جتلوكي عشان يغسلوا عارهم." "ووقتها، كل عيلتك هتتعفن في السجن، وأولهم عريسك سند، اللي هيتهموه إنه حرض على القتل عشان يخلص من فضيحته." "وابن عمك مالك، اللي راجع من السفر مخصوص عشان يحضر فرحكم، هيرجع تاني بس عشان يزورهم في السجن." لاح الغضب في عينيه وهو يتابع بحقد دفين، كأنه يفتح جروحًا قديمة:
"يا تجيبلي بجوازك مني، يا إما متلوميش غير حالك على اللي هعمله فيكي وفي أهلك." كانت كل كلمة سكينًا يغرسه في قلبها. لم يعد يهددها هي فقط، بل أصبح يهدد بتدمير حياة كل من تحبهم، وتحويلهم من ضحايا إلى مجرمين في نظر العالم. لقد أغلق أمامها حتى باب الموت، لم يترك لها أي مخرج، أي مهرب. شعرت بأنها في غرفة مغلقة، جدرانها تقترب منها ببطء لتسحقها، والهواء ينعدم شيئًا فشيئًا.
نظرت حولها في يأس، تبحث عن أي شيء، أي أمل، لكنها لم ترى سوى عينيه الباردتين، اللتين تراقبان احتضارها بمتعة سادية. هل تقبل؟ هل تسلم روحها وجسدها لهذا الشيطان، لتشتري سلامة أهلها؟ أم ترفض، وتجرهم معها إلى جحيم لا قرار له، جحيم سيحرق الأخضر واليابس؟ كان الصمت يصرخ في أذنيها، وقلبها يخفق بعنف كطائر مذبوح. نظر إليها ورأى الصراع النهائي في عينيها. رأى روحها وهي تتأرجح على حافة الهاوية، فاقترب بصوته الهامس،
ليعطيها الدفعة الأخيرة: "الوقت بيجري يا نغم، والبلد كلها مستنية تسمع الحكاية. حكايتك أنت... أو حكاية أهلك أنت... اللي هتختاري." اتسعت عيناها بذهول ورعب من ذلك الحقد الأسود الذي يتحدث به. كيف يمكن لإنسان أن يحمل كل هذه الكراهية؟ تطلعت إليه ببغض وهي تسأله بعدم استيعاب: "انت كيف بتنام وچواك الحقد ده كله؟ هز كتفيه ببساطة، وكأنه يشرح حقيقة كونية: "مكدبش عليكي وأجولك إني بنام عادي.
أصل اللي له حق عند الخسيس، مينامش إلا لما يأخذه." طفح بها الكيل ولم تعد تستطيع التحمل أكثر من ذلك، فصاحت به بكل ما تبقى فيها من قوة: "مين فينا اللي له حق عند التاني؟ أبوك هو اللي جتل أبويا وحرمني منيه! بسرعة الفهد، كان قد نهض من مكانه وانقض عليها. وجدت عنقها بين قبضته الفولاذية، وكانت عيناه الحادتان تقدحان لهيبًا يكاد أن يحرق وجهها. وغمغم من بين أنفاسه الساخنة التي لفحت بشرتها:
"أبويا لو كان لجى عدل، مكنش خد يوم واحد حبس، بس جريبكم الملعون ده، جدر يخلي الدفاع عن النفس جريمة كاملة وراح فيها أبويا." "أبويا اللي اتشنق ظلم، كان بيدافع عن حاله لما أبوكي طلع طبنجته وكان هيجتله، بس أبوي لحق حاله وطخه كدفاع عن النفس! ترك عنقها فجأة، واستدار موليًا إياها ظهره، وقد عاد إليه فتوره الجليدي وكأنه لم يكن يقذف شهبًا نارية من عينيه قبل وهلة:
"هتيجي معاي دلوجت، وهنخرج من الباب التاني. هنروح على بيت العيلة نكتب الكتاب، ونبعت لأهلك عشان يجوا يباركوا." صرخت به نغم بقهر ويأس: "انت طلعتلي منين؟ استدار وهو ينظر إليها بسخرية، وقال بتلميح مهين: "والله انتِ اللي رميتي حالك في طريجي، ومتنسيش لولا وجودي، كان زمانك... لا قدر الله........ لو كانت النظرات تقتل، لكان الآن صريعًا غارقًا في دمائه، لكن نظراتها الكارهة لم تحرك فيه ساكنًا. هزت رأسها برفض لذلك المصير المدمر،
وقالت بكره صاف: "مستحيل... لو السما انطبقت على الأرض، مستحيل أكسر عيلتي عشان انتجامك مننا." أيد جاسر رأيها بكل هدوء، لكن بتهديد مبطن كان أشد فتكًا من أي صراخ: "حقك بس، وجتها متجيش تبكى." أمسك هاتفه ووضعه على أذنه، ثم تحدث بصوت آمر: "ثواني، وتكون الجامعة كلها جدام المكتب." وجه نظره إليها، وتابع ببرود: "عشان يشوفوا فضيحة الموسم."
أغلق الهاتف ونظر إلى ذهولها بكل هدوء، وكأن ما يفعله هو شيء اعتيادي، وليس تدميرًا لسمعة فتاة وعائلتها. ارتعبت أكثر عندما سمعت همهمات بدأت تتعالى أمام باب المكتب، وأصوات تتداخل: "في إيه؟ " "بيقولوا في مشكلة جوه." "دكتور أحمد مشي، جايين هنا ليه؟ وضعت يديها على أذنيها وهي تهز رأسها بانهيار تام، فتابع جلده لها دون رأفة: "متطلعي؟ جاتك الفرصة إنك تهربي مني وتتحامي في زمايلك."
ليتها تستطيع فعلها، لكن إذا خرجت الآن معه أمامهم فلن يرحمها أحد، حتى أهلها لن تنطلي عليهم خدعته، ولن يصدقها أحد. فانطوائيتها التي عاشت بها في الجامعة جعلت الجميع يظن أنه تكبر منها. لن يتوانى ثانية واحدة عن العبث بسمعتها إذا جاءتهم الفرصة. وضعت رأسها بين يديها لا تعرف ماذا تفعل. الثقة التي يتحدث بها تؤكد لها أنه يعرف كيف يخطو، وأنه قد رتب كل شيء. أغمضت عينيها بانهيار، وتمتمت باستعطاف كان آخر ما تملكه: "أرجوك...
متعملش فيا إكدة." رد بغرور وهو يعيد الهاتف إلى سترته: "أني معملتش حاجة. أي واحدة مكانك كان زمان الفرحة مش سايعاها عشان هيتربط اسمها باسمي. وزي ما جولتلك، لو وافجتي فأني أكتر واحد وجتها هخاف على سمعتك، مش عشانك، لا عشان سمعة ولادي، والناس متجولش إن أمهم هربت مع أبوهم.... توقف لحظة يتلاعب بها: "إلا إذا رفضتي، وجتها هسيب الناس هي اللي تجول اللي هي عايزاه." نظر في ساعته مرة أخيرة، وتابع بحزم نهائي لا رجعة فيه:
"جدامك دقيقة واحدة، يا تجولي موافجة، يا تخرجي بره المكتب ده، وسيبي الباجي عليا." كانت أشعة الشمس تتسلل عبر نوافذ جناح سند ونغم الجديد، تضيء ذرات الغبار المتطايرة في الهواء وتنعكس على الأثاث الخشبي الفاخر الذي تم اختياره بعناية. وقفت روح مع وعد في منتصف الغرفة، تضعان اللمسات الأخيرة على مملكتهما القادمة.
كانت روح تثرثر بحماس، تعلق على لون الستائر، وتقترح مكانًا أفضل لمزهرية كرستالية، بينما كانت وعد تتحرك كآلة صامتة، يداها تقومان بالعمل المطلوب لكن روحها كانت في مكان آخر تمامًا. كل قطعة أثاث كانت سكينًا يغرس في قلبها. هذا الفراش الكبير الذي سيحتضنهما معًا... هذه الخزانة التي ستجمع ملابسهما جنبًا إلى جنب... هذه الشرفة التي يشربون فيها قهوة الصباح...
كل تفصيل كان يصرخ في وجهها بخسارتها، يذكرها بأن حلمها الأبدي أصبح حقيقة لامرأة أخرى. كانت تجاهد بكل ما أوتيت من قوة كي تخفي دموعها، كي تبتلع تلك الغصة التي تشل حلقها. كانت تشعر بأنها لو سمحت لدمعة واحدة بالنزول، فإنها ستتحول إلى فيضان لن يتوقف.
بين الحين والآخر كانت تتحجج بالمرحاض، تهرول إلى الحمام وتغلق الباب خلفها، وهناك فقط كانت تسمح للدموع الحارقة المتعلقة بأهدابها بالانهمار بصمت، تمسحها بسرعة وترسم ابتسامة باهتة على وجهها قبل أن تعود إلى مهمة عذابها. عندما انتهيا أخيرًا من جناح سند، انتقلتا إلى غرفة روح المجاورة، والتي يتم تجهيزها لزواجها من عدي. قالت روح بغيظ مصطنع وهي ترمي بوسادة حريرية على السرير:
"اتحججت بالجامعة عشان تهرب منينا وتسيب كل حاجة على دماغنا، شايفة الأنانية؟ ردت وعد بابتسامة صافية كصفاء قلبها، ابتسامة كانت قناعًا مثاليًا يخفي حطام روحها: "سيبيها يا روح، انتِ خابرة من وقت اللي حصلها وهي مش بحالها، الخضة ما كانتش سهلة." تنهدت روح بتأثر، وتلاشت ملامح الغيظ من وجهها ليحل محلها القلق الحقيقي:
"أنا فعلًا ملاحظة عليها سرحانة طول الوقت، وعينيها فيها حزن، بس بكرة لما تبجى في حضن سند، هينسيها كل حاجة، حبه ليها هيكون الدوا بتاعها." كل كلمة من روح كانت طعنة جديدة. "حضن سند"... "حبه ليها"... "الدوا بتاعها". أومأت وعد برأسها بصمت، عاجزة عن النطق بأي شيء، وأخذت تستمع إلى روح الحالمة عن مستقبلها مع عدي، بينما كانت أذناها لا تسمعان إلا صدى خسارتها. انتهتا أخيرًا، ودخلت ليل والدة نغم عليهما. "خلصتوا يا بنات؟
نظرت لوعد وتابعت بامتنان: "معلش يا وعد تعبتي معاهم." ردت وعد بصوت حاولت جاهدة أن تجعله طبيعيًا: "آه يا مرات عمي، خلصنا، ما فيش تعب ولا حاجة." "طيب يلا، الغدا جاهز تحت وسند ونغم زمانهم على وصول." هنا، لمعت عينا روح بلهفة طفولية وسألت بسرعة: "مالك... مالك نزل؟ أجابت ليلى بابتسامة: "آه يا حبيبتي، نزل وقاعد في المكتب مع عمك سالم." قالت روح بحماس وهي تهرول خارجة من الغرفة: "محدش يجوله! أنا هغير هدومي وأنزل أفاجئه وأجوله."
نظرت وعد إلى طيف روح السعيد وهي تختفي في الرواق، ثم نظرت إلى الغرفة التي تم تجهيزها لتكون قفصها الذهبي مع عدي. "لقد سمعت حواره مع جدها وكانت تود أن تخبرها لكنها تراجعت، لربما يشعر بحبه لها بعد الزواج." وقفت وحيدة في الغرفة، وسقط القناع أخيرًا. انحنت وأسندت جبينها على عمود السرير البارد وأغمضت عينيها، وسمحت لدمعة واحدة ثم أخرى بالنزول ببطء على خديها.
لم تكن تبكي على زواج سند، بل كانت تبكي على حلمها الذي مات، وعلى قلبها الذي سيظل ينبض باسم رجل لن يكون لها أبدًا. *** وقف مالك في شرفة المكتب الواسعة، مستندًا على سورها الحجري، وظهره للباب، كان يتحدث في الهاتف، وصوته الهادئ يحمل نبرة من الإرهاق الذي تجاوز مجرد تعب الجسد. كانت نسمات الهواء الباردة تداعب خصلات شعره، لكنها لم تفلح في تبريد الحمم التي تغلي في صدره.
"كتب الكتاب بكرة إن شاء الله، مش محتاج دعوة يا أكمل، ده بيتكم." جاء صوت أكمل من الطرف الآخر، عمليًا كعادته، لكنه يحمل دفئًا أخويًا. "أكيد طبعًا، مع إني مشغول حبتين اليومين دول، بس هفضي نفسي وآجي عشان بالمرة أقنع جدي يرجع معايا القاهرة." رسم مالك شبه ابتسامة ساخرة على وجهه. "لااا، مظنش إنه يوافق، انت عارفه متمسك بالبلد جد إيه." "لا، المرة دي مش هسيبه، لازم أقنعه بأي شكل، المهم، أنت هترجع إمتى؟
"مش عارف، أنا اشترطت على المدير النقل لفرع الجديد، لو ما وافقش، هضطر أسيب الشركة كلها وأشتغل هنا." أيد أكمل رأيه بحماس. "يبقى عين العقل، بلدك هنا محتاجة للي زيك، بلاش قدراتنا دي تكون للغير." تنهد مالك تنهيدة عميقة، خرجت من أعماق روحه المعذبة، نظر إلى الأفق البعيد، وقال بصوت خافت كأنه يبوح بسر لنفسه أكثر مما يتحدث إلى أكمل. "عندك حق، وخصوصًا إن الهرب معدش له لازمة، هي خلاص...
هتبقى من نصيب غيري وده بقى أمر واقع، ولازم أرضى بيه." صمت أكمل للحظات، مدركًا ثقل الكلمات التي نطق بها صديقه، ثم قال بحذر. "أتمنالهم السعادة وخلاص، أكيد سعادتها تفرق معاك." أغمض مالك عينيه، وتخيلها للحظة في ثوب الزفاف الأبيض، تقف بجانب أخيه، تخيلها تضحك وتخيلها في أحضانه. شعر بطعنة حادة تخترق قلبه، لكنه أجبر نفسه على النطق بالكلمات التي يجب أن يقولها. "أكيد...
أكيد سعادتها تفرق معايا، ولو سعادتها معاه، أكيد هقف جنبها وأعمل المستحيل عشان تكون سعيدة... حتى لو على حساب سعادتي." "ربنا يريح قلبك يا صاحبي، طيب، أسيبك دلوقت ونتقابل بكرة." "إن شاء الله، سلام." أغلق مالك الهاتف وظل واقفًا للحظات، يحاول أن يستجمع شتات نفسه قبل أن يعود لمواجهة العالم، أخذ نفسًا عميقًا، ثم استدار ليدخل المكتب... فتجمد في مكانه. توقفت الأرض عن الدوران، توقف الزمن. توقف قلبه عن النبض.
كانت تقف هناك، عند عتبة الشرفة، ليست على بعد أكثر من خطوات قليلة منه، كانت روح. لم تكن روح السعيدة المبتسمة التي يعرفها، كانت تقف كتمثال من الشمع، يداها بجانبها، وعيناها متسعتان في صدمة مطلقة. لم تكن مجرد نظرة مفاجأة، بل كانت نظرة من رأى شبحًا، من انكشفت له حقيقة كانت مدفونة فغيرت كل ما يعرفه. لقد سمعت، سمعت كل شيء.
شعر مالك بأن الدم كله قد هرب من وجهه، وبأن الأرض تحته أصبحت هشة كقشرة بيضة على وشك التحطم. للحظة، لم يستطع التنفس، أراد أن يتكلم، أن يبرر، أن ينكر، أن يقول أي شيء يمحو تلك النظرة المصدومة من عينيها. لكن لسانه كان قد شُل تمامًا. فتح فمه ليقول اسمها، لكن لم يخرج أي صوت.
كل دفاعاته، كل أقنعته التي بناها على مدى سنوات انهارت في لحظة واحدة تحت وطأة نظرتها. لقد انكشف سره الأعمق، جرحه الذي كان يخفيه عن العالم كله، وأصبح الآن عاريًا أمام الشخص الوحيد الذي لم يكن يجب أن يعرفه أبدًا. *** دقيقة واحدة... ستون ثانية فقط، كانت هي كل ما يفصل بين ماضيها الذي تحطم، ومستقبلها البائس الذي يُبنى الآن على أنقاضه.
نظرت نغم حولها في ذعر، عيناها تتفحصان الغرفة وكأنها تبحث عن طوق نجاة في محيط هائج، لكنها لم تجد سوى جدران صامتة وفاخرة، تردد صدى تهديداته القاسية، وتضخم صوت دقات قلبها المذعور حتى كاد يصم أذنيها. الأصوات في الخارج تتعالى، كل همسة، كل ضحكة خافتة، كانت كسهم مسموم يخترق قلبها المرتجف. هل يرونها الآن؟ هل يتخيلون ما يحدث بالداخل؟ هل يرسمون في أذهانهم سيناريوهات مشينة بطلتها هي، الفتاة التي كانت دائمًا مثالًا للشرف؟
لقد حاصرها كلاعب شطرنج محترف، أغلق أمامها كل منفذ للهروب، وتنبأ بكل حركة ممكنة لها، ووضع أمامها فخًا محكمًا. الموت لن يخلصها، بل سيزيد الطين بلة، سيحولها من ضحية إلى مدانة، وسيلطخ سمعة عائلتها إلى الأبد. الرفض سيفجر قنبلة لن تقتلها وحدها، بل ستتطاير شظاياها لتصيب والدتها، وإخوتها وسند، ومالك، وكل من تحب، سيحول حياتهم إلى جحيم لا يطاق. لم يترك لها خيارًا، لم يترك لها حتى شرف الاختيار، لقد
وضعها أمام حقيقة واحدة: التضحية بنفسها، أو التضحية بالجميع. أغمضت عينيها بقوة، في محاولة يائسة لحجب صورته الباردة، لحجب واقعها المرير. استسلمت كل خلية في جسدها، كانت تصرخ بالرفض، تتمرد على هذا الظلم، لكن عقلها الذي شلّه الرعب كان يدرك أن الموافقة هي التضحية الوحيدة التي يمكن أن تبني جدارًا بين أهلها وبين جحيمه. إنه ثمن باهظ لخطأ لم ترتكبه، وثأر لا ذنب لها فيه سوى أنها تحمل اسم "الرفاعي".
فتحت عينيها ببطء، كانتا فارغتين، انطفأ بريقهما تمامًا، وماتت فيهما كل مقاومة. تحولت دموع القهر إلى نظرة زجاجية، نظرة استسلام مطلق، نظرة من حُكم عليه بالإعدام وقبل مصيره. رفعت رأسها نحوه، وبصوت مبحوح، صوت غريب لم تعرفه من قبل، صوت خرج من بين شفتيها المرتجفتين، همست بكلمة واحدة حسمت كل شيء، كلمة كانت بمثابة توقيعها على صك عبوديتها: "موافقة."
لم تتغير ملامحه الباردة، لم يرمش حتى، وكأنه كان يتوقع هذا الرد منذ البداية. لم تظهر على وجهه أي علامة للانتصار أو الفرح، بل مجرد تأكيد لخطته التي سارت بدقة متناهية، كآلة لا تخطئ. أومأ برأسه ببطء، ثم أمسك بهاتفه مرة أخرى وضغط زرًا واحدًا. تحدث بهدوء آمر، صوت السيد الذي يأمر فيطاع. "كله يمشي حالًا، ما فيش حاجة."
وكأن كلماته كانت عصا سحرية، بدأت الأصوات في الخارج تخفت تدريجيًا، وتلاشت الهمهمات، حتى ساد الصمت المطبق مرة أخرى. صمت كان أثقل وأشد رعبًا من الضجيج. وقف جاسر، ونفض سترته الأنيقة بحركة خفيفة، وكأنه يزيل عنها غبار معركة حسمها بسهولة ودون أي عناء. نظر إليها من علو، وهي لا تزال منكمشة على الكرسي، وقال ببرود قاطع. "قومي."
لم تتحرك، ظلت جالسة كتمثال من جليد، عقلها يرفض أن يرسل الأوامر لجسدها المنهار. كرر أمره بحزم أكبر، بنبرة لا تحتمل أي تأخير. "جولت قومي." تحاملت على نفسها، واستجمعت آخر ذرات القوة المتبقية فيها، وقفت على قدمين بالكاد تحملانها، شعرت بالدوار يهاجمها وكأن الأرض تميد بها، فتشبثت بحافة المكتب لتمنع نفسها من السقوط.
تقدم نحوها خطوتين، وبدون أي مقدمات، بدون أي لمسة مواساة أو حتى نظرة تفهم، أمسك بذراعها بقوة، قبضته كانت كالكماشة الفولاذية. سحبها خلفه نحو باب خلفي للمكتب، باب خشبي داكن لم تكن قد لاحظته من قبل، باب يقود إلى المجهول. لم يلتفت لينظر إليها، لم يهتم بدموعها الصامتة التي ترسم خطوطًا على وجهها الشاحب، أو بجسدها الذي يرتعش من الخوف والمهانة. كانت تسير خلفه كالمسلوبة الإرادة، كدمية خشبية تتحرك بخيوط هو من يمسك بها.
كل خطوة تخطوها كانت تبعدها عن حياتها التي تعرفها، عن ضحكاتها، عن أحلامها، وتقربها من جحيم لا تعرف له قرارًا. لقد وافقت ليس حبًا فيه، ولا خوفًا منه على نفسها، بل تضحية لحماية من تحبهم من أنيابه. كانت هي الكبش الذي سيُذبح على مذبح ثأره. وهكذا خرجت نغم من ذلك المكتب، ليس من الباب الذي دخلت منه، بل من باب خلفي مظلم، تاركة وراءها كل شيء: أحلامها، كرامتها، حبها، ومستقبلها.
خرجت لتدخل إلى سجن بنيت جدرانه من حقد رجل قرر أن يجعل من حياتها ساحة لانتقامه. كان سند يستند إلى سيارته وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. لم يكن ينتظر حبيبته فحسب، بل كان ينتظر عروسه، المرأة التي سيعقد قرانه عليها غدًا، والتي ستشاركه اسمه وحياته وأحلامه.
كل دقيقة تمر كانت تقربه من حلمه الأبدي، حلم بناء عائلة معها، حلم رؤيتها كل صباح بجانبه. كان يتخيلها وهي تخرج من بوابة الجامعة، بابتسامتها الخجولة التي تذيب قلبه، وكيف سيحتضنها ويخبرها كم اشتاق إليها في هذه الساعات القليلة. لكن الدقائق بدأت تتحول إلى وقت طويل ومقلق. نظر في ساعته للمرة العاشرة، وقد اختفت الابتسامة ليحل محلها تقطيب قلق على جبينه. تأخرت نغم أكثر من اللازم، وهذا ليس من عادتها أبدًا.
هي تعرف أنه يكره الانتظار، وتعرف أنه يقلق عليها من نسمة الهواء. حاول الاتصال بها بشكل تلقائي، لكنه تذكر بضيق أن هاتفها قد سُرق منها في ذلك الحادث المشؤوم. زفر بحدة، وشعر بوخزة قلق حادة تخترق صدره. لم يعد يستطع الانتظار مكتوف الأيدي. هذا الشعور بالجهل بما يحدث لها كان يقتله.
أغلق سيارته بقوة، ودخل إلى حرم الجامعة بخطوات سريعة وواسعة، وعيناه الحادتان تمسحان المكان، تبحثان عنها في كل زاوية، بين كل مجموعة من الطلاب، على أمل أن يلمح طيفها. لكنها لم تكن في أي مكان. صادف مجموعة من صديقاتها يضحكن بالقرب من الكافتيريا. اقترب منهن بسرعة. _السلام عليكم، مشفتوش نغم؟ نظرت الفتيات لبعضهن بارتباك واضح، وتلاشت ضحكاتهن. أجابت إحداهن بتردد.
_وعليكم السلام، شفناها من فترة داخلة مكتب دكتور أحمد، رئيس القسم. بس هو مشي من زمان، وهي افتكرناها روحت معاك. أضافت أخرى بصوت يحمل نبرة من التشفي والنميمة. _أني شوفتها من شوي خارجة من الباب التاني للمبنى. شعر سند بأن قلبه ينقبض. الباب الثاني؟ لماذا تخرج من هناك؟ سألها بحدة لم يستطع السيطرة عليها. _كان حد معاها؟ أومأت الفتاة بسرعة، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال لتلقي بقنبلتها.
_أيوه أني كنت شايفة جاسر التهامي معاها، مخبراش صدفة ولا عادي. تجمد الدم في عروق سند عند سماع الاسم. جاسر التهامي. مجرد سماع هذا الاسم كان كافيًا لإيقاظ كل شياطين الماضي والحاضر. كل مخاوفه، كل غيرته، كل كراهيته، تجسدت في هذين الاسمين. ماذا يفعل عدو العائلة وعدوه اللدود هنا؟ وماذا يريد من نغم؟ كيف يجرؤ على الاقتراب منها مرة أخرى بعد تحذيره؟
ركض سند نحو مبنى الإدارة، لم يعد يمشي، بل كان يركض وقلبه يدق بعنف كطبول حرب في صدره. وجد مكتب رئيس القسم مغلقًا، والفناء المحيط به هادئًا بشكل مريب. رأى حارس أمن عجوز يقف على مقربة، فاندفع نحوه. _يا عم، محدش خرج من المكتب ده؟ هز الرجل رأسه ببطء، وقال بصوت رتيب. _الدكتور أحمد خرج من بدري يا ولدي وبعده بشوية، خرج جاسر بيه ومعاه بنية، بس خرجوا من الباب الخلفي اللي بيطل على الشارع التاني. "معاه بنية؟!
كرر سند الكلمة في عقله، وشعر بالأرض تهتز من تحته، وبأن الهواء أصبح ثقيلًا ولا يمكن استنشاقه. لم يعد هناك أي مجال للشك. لقد فعلها. لقد أخذها. انطلق كالريح نحو سيارته، وشعر بعجز رهيب يشل أطرافه. كيف لم يحميها؟ كيف سمح لهذا الذئب بالاقتراب من حملة الوديع؟ أخرج هاتفه بيدين مرتعشتين، واتصل بوالدته. _أمي... نغم رجعت البيت؟ جاءه صوتها القلق على الفور. _لا يا ولدي، لسه مرجعتش في إيه؟ إيه اللي حوصل تاني؟ قلبنا واكلنا عليها.
لم يستطع أن يشرح، لم يستطع أن ينطق بالجملة التي ستحرق قلب والدتها. أنهى حديثه بحدة يائسة. _بعدين يا أمي... بعدين. أغلق الخط وشعر بالاختناق، كأن يدًا خفية تعتصر رقبته. لقد أخذها. هذا الحقير قد أخذها. ابتلع ريقه بصعوبة، وأجرى اتصالًا آخر، هذه المرة بعمه سالم. كان صوته أجشًا ومكسورًا عندما تحدث، صوت رجل تحطمت أحلامه في لحظة. _أيوة يا عمي... نغم... نغم اتخطفت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!