الفصل 51 | من 54 فصل

رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
18
كلمة
7,218
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي قاد أكمل سيارته إلى بيت والدته وهو يشعر بثقل العالم على كتفيه. لم ينم طوال الليل وظل يتقلب في سريرهما الفارغ، وصورة صبر وهي تغادر تطارده كشبح. كل سيناريو ممكن كان يدور في رأسه، وكل كلمة كان يجهزها ليشرح الموقف كانت تبدو باهتة وضعيفة أمام حجم الكارثة. وصل إلى البناية وصعد الدرج بقدمين ثقيلتين، وقف أمام الباب للحظة وأخذ نفساً عميقاً، ثم ضغط على الجرس.

فتحت له والدته الباب، وهي تحمل قاسم الصغير بين ذراعيها. ما إن رأى أكمل ابنه حتى شعر بوخزة حنين مؤلمة. لقد غاب عنهما ليومين فقط، لكنه شعر وكأنه دهر. "صباح الخير يا أمي." قالت نسرين بهدوء. "صباح النور يا ابني." مد أكمل ذراعيه وأخذ ابنه من والدته، ضمه إلى صدره بقوة، ودفن وجهه في عنقه الصغير يستنشق رائحته التي كانت تمثل له رائحة البيت والأمان. أغلق عينيه للحظة كأنه يحاول أن يستمد القوة من هذا الجسد الصغير.

بعد لحظات رفع رأسه ونظر إلى والدته. "هي فين؟ "في أوضتك من امبارح وهي قافلة على نفسها ومبتاكلش." تنهد أكمل بألم وأعاد قاسم إلى والدته. "خليه معاكي أنا هدخلها." توجه نحو باب غرفته القديمة وأدار المقبض ببطء ودخل. كانت تجلس على حافة السرير ظهرها للباب، وترتدي نفس الملابس التي كانت ترتديها بالأمس. كانت تنظر أمامها إلى الحائط الفارغ لكن نظراتها كانت ضائعة في عالم آخر، عالم من الألم والصدمة.

لم تتحرك قيد أنملة عندما دخل كأنها لم تشعر بوجوده. أغلق الباب خلفه بهدوء واقترب منها وجلس بجانبها على السرير. ظل صامتاً للحظات لا يعرف من أين يبدأ. "صبر... لم ترد، لم تلتفت. "أنا عارف إن أي كلام هقوله دلوقتي ملوش قيمة وعارف إني جرحتك جرح كبير أوي. بس لازم تسمعيني لازم تعرفي الحقيقة." بدأ يحكي لها كل شيء بالتفصيل بصوت هادئ يائس. حكى لها كيف تفاجئ بوجودها، وكيف حاول أن يطردها وكيف أغلقت الباب وكيف بدأت تتحدث عن الماضي.

شرح لها الموقف كلمة بكلمة محاولاً أن يرسم لها الصورة الحقيقية، لا الصورة المشوهة التي رأتها. "أقسم بالله يا صبر أنا كنت هرميها بره في اللحظة اللي دخلتي فيها. أقسم بالله ما لمستها ولا فكرت حتى ألمسها هي اللي كانت بتحاول... التزم الصمت لأنه لم يستطيع الشرح أكثر من ذلك. ساد صمت طويل ثم ولأول مرة تحركت. التفتت إليه ببطء ونظرت في عينيه. كانت عيناها حمراوين متورمتين من البكاء لكنهما كانتا خاليتين من أي تعبير.

"مش محتاج تبرر." قالته بصوت مبحوح خافت. "أنا عارفة إنك متعملش كده عارفة أخلاقك كويس وعارفة إنك بتحبني." شعر أكمل ببصيص من الأمل يتسلل إلى قلبه. "بس ده مبيغيرش اللي حصل." تلاشى الأمل بالسرعة التي ظهر بها.

"اللي قتلني مش إني شكيت فيك اللي قتلني إنك سمحت لها تدخل بيتي وأنا مش موجودة. اللي قتلني إنك وافقت تقعد وتسمع لها، بدل ما تطردها من على الباب. اللي قتلني إنك اديتها فرصة تقرب منك للدرجة دي انت فتحت لها باب كان المفروض يفضل مقفول ومتربس من يوم ما اتجوزتني. انت سمحت لشبحها يدخل بيننا تاني. وده اللي أنا مش قادرة أسامحك عليه." مسك يدها وكانت باردة كالثلج. "طب أعمل إيه عشان تسامحيني؟

قوليلي أي حاجة وأنا هعملها بس متعمليش فيا وفي نفسك كده." سحبت يدها من يده برفق. "سيبني." "لأ مش هسيبك." "سيبني دلوقتي يا أكمل أنا محتاجة أبقى لوحدي محتاجة أفكر." "مش هسيبك وإنتي بالحالة دي." نظرت إليه نظرة أخيرة، وفيها يأس وتحذير. "البيت ده هو المكان الوحيد اللي أقدر أهربله، لو ضغطت عليا أكتر من كده هضطر أسيبه، وأرجع البلد. وساعتها مش هتشوف وشي تاني."

كانت كلماتها بمثابة رصاصة أدرك في تلك اللحظة أنه لو استمر في الضغط سيفقدها إلى الأبد. تراجع ببطء وشعر بالهزيمة تسري في جسده. "حاضر يا صبر هسيبك بس مش هتخلى عنك هفضل مستنيكي لحد ما تهدى ولحد ما قلبك يصفى من ناحيتي." نهض ووقف عند الباب للحظة، ينظر إليها وهي تعود إلى جلستها الصامتة ظهرها له كأنها جزيرة معزولة لا يستطيع الوصول إليها. ثم خرج وأغلق الباب وشعر بأنه أغلقه على قلبه هو أيضاً.

بعد أن انفض الجمع وعاد الهدوء ليسود أرجاء السرايا مرة أخرى، صعدت نغم إلى جناحهما. كانت لا تزال تشعر ببرودة تسري في أوصالها كلما تذكرت نظرة صخر المليئة بالحقد، خاصة النظرة التي وجهها لزوجة عمها ورد. لقد أدركت في تلك اللحظة أن هذا الرجل ليس مجرد خصم، بل هو شر خالص لا يتورع عن فعل أي شيء. وهذا الشر الآن كله موجه نحو جاسر. دخلت الغرفة بهدوء لتجد جاسر يخرج لتوه من الحمام. كان قد خلع قميصه وبقي بسروال منزلي مريح.

قطرات الماء كانت لا تزال تلمع على صدره العريض وكتفيه وتنساب على آثار الجروح التي بدأت تلتئم. كان يبدو قوياً مهيباً، لكنها كانت ترى ما لا يراه الآخرون. كانت ترى الإرهاق خلف قناعه القوي، وترى الألم الذي يتحمله بصمت. ما إن رآها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لكنها لم تصل إلى عينيه التي كانت تحمل بقايا عاصفة المواجهة. لم تقل شيئاً، تقدمت نحوه بخطوات هادئة ووقفت أمامه مباشرة.

رفعت نفسها على أطراف أصابعها وطبعت قبلة رقيقة دافئة على خده الخشن. لم تكن قبلة شغف بل كانت قبلة مواساة، قبلة تقول "أنا هنا"، "أنا أشعر بك". أغلق عينيه للحظة مستمتعاً بلمستها التي كانت كالبلسم على جراحه الخفية. ثم وضع يديه على خصرها وقربها إليه أكثر. "خوفتي؟ همس بصوته العميق وهو يعرف الإجابة بالفعل. لم تجب مباشرة بل رفعت يدها ومررتها برفق على صدره، متجنبة أماكن الجروح.

"أنا مشوفتش في حياتي كره زي اللي شفته في عينيه النهاردة. نظراته ليك... ونظراته لمرات عمي... كانت نظرة واحد مستعد يقتل بدم بارد." رفعت عينيها إليه وكانت مليئة بالقلق الصادق. "أنا خايفة عليك يا جاسر." ابتسم ابتسامة باهتة. "وأنا خايف عليكي." تفاجأت من اعترافه الصريح. "عليا أنا؟ هو مش شايف غيرك."

"بالظبط وعشان مش شايف غيري وعارف إنه مش قادر يوصلي مباشرة هيدور على نقطة ضعفي. وإنتي نقطة ضعفي الوحيدة يا نغم. وجودك هنا النهاردة وسط عيلتك بيحميكي وبيحميني بس ده بيخليه يتجنن أكتر." ضمه إليها بقوة ودفن وجهه في شعرها يستنشق رائحتها التي أصبحت مركز أمانه. "أنا مقدرش أخسرك مقدرش أعيش من غيرك لو حصلك أي حاجة بسببي... أنا هموت." تشبثت به بقوة وشعرت بصدق كلماته يهز كيانها. لقد اعترف بخوفه بضعفه وهذا جعلها تشعر بقوة غريبة.

لم تعد مجرد الطرف الذي يحتاج للحماية بل أصبحت هي أيضاً مصدر قوته وحمايته. "مش هيحصلي حاجة طول ما أنت معايا وإنت كمان لازم توعدني إنك تاخد بالك من نفسك. بلاش تهور وبلاش تستخف بيه الراجل ده شيطان." ابتعد عنها قليلاً وأمسك وجهها بين كفيه وأجبرها على النظر في عينيه. رأى الخوف الحقيقي يسبح في بحر عينيها العسليتين.

"بصيلي هنا أنا مش شيطان زيه بس أنا أعرف أتعامل مع الشياطين كويس جوي. كل اللي عمله النهاردة ده كان مجرد استعراض جوة فارغ لأنه حس إنه بقى لوحده، وإني بقيت أقوى بالناس اللي حواليا. هو دلوقتي محاصر والحيوان المحاصر هو أخطر حاجة. وأنا عارف ده كويس." مسح بإبهامه على خدها برفق. "متخافيش أنا وعدتك إني هحميكي ووعدي لسه زي ما هو." بدأ يقترب منها ببطء وتغيرت نظرته من الحنان المطمئن إلى الشغف الحارق. "ودلوقتي...

كفاية كلام عن الشياطين." همس قبل أن تلامس شفاهه شفتيها. "أنا وحشني الملاك بتاعي." وقبل أن تتمكن من الرد ابتلعت قبلته كل كلماتها وكل مخاوفها. لم تكن مجرد قبلة بل كانت جولة جديدة من جولاتهم الخاصة، جولة يمحو بها كل أثر للعالم الخارجي ويؤكد فيها ملكيته ويجد فيها سلامه.

سحبها معه نحو السرير ورغم التعب ورغم الألم، ورغم الخطر الذي يحوم حولهما، لم يكن هناك في تلك اللحظة سوى رجل وامرأة يجدان في حضن بعضهما البعض، القوة لمواجهة كل حروب العالم. كانت غرفة نوم مالك وروح غارقة في ضوء أصفر دافئ قادم من الأباجورة بجانب السرير. في منتصف الغرفة على سجادة فارسية ناعمة كان مالك يجلس على الأرض وقد تحول إلى طفل كبير. كان المشهد يفيض بالحب النقي، مشهد أب غارق في عشق ابنته.

خرجت روح من الحمام وقد لفت جسدها بمئزر (روب) من الحرير الناعم، وشعرها المبلل ينسدل على كتفيها. توقفت للحظة تتكئ على إطار الباب وتراقب المشهد بابتسامة سعيدة. كان قلبها يذوب وهي ترى زوجها الرجل القوي يتحول إلى كتلة من الحنان بين يدي طفلتهما. تقدمت بخطوات هادئة وجلست أمام المرآة الكبيرة وبدأت تمشط شعرها الطويل ببطء وعيناها في المرآة لا تراقبان انعكاسها، بل تراقبان انعكاس زوجها وابنتها.

كانت سعادتها تامة لكنها شعرت برغبة طفولية في القليل من الدلال. بعد أن انتهت قامت من مكانها واقتربت منهما وجلست بجانب مالك على السجاد، واضعة رأسها على كتفه. "الله... الله... شكلها واخدة كل الحب والاهتمام." قالتها بنبرة دلع مصطنعة وهي تنظر إلى نور التي كانت تتمسك بأصابع والدها. "الظاهر إن فيه ناس هنا اتنسوا خالص من ساعة ما الأميرة الصغيرة دي شرّفت." نظر إليها مالك وابتسم وفهم على الفور لعبتها اللطيفة. "انتي شايفة كده؟

أومأت مؤكدة. فقام بحركة رشيقة وحمل نور بين ذراعيه ووضعها برفق في سريرها الصغير بجانب سريرهما، بعد أن تأكد أنها بدأت تغط في النوم. ثم عاد إليها لم يجلس بجانبها. جذبها من يدها وجعلها تقف قبالته قريباً جداً. انحنى نحوها وعيناه تلمعان بخبث ومرح. "بتجولي إيه؟ مسمعتش كويس صوتك كان واطي جوي." ابتسمت روح وقد بدأ قلبها يخفق أسرع قليلاً من نظراته المركزة. "بقول... إنك مبقتش تحبني زي الأول كل حبك بقى لنور وبس."

لم يرد بالكلمات بل رفع حاجبيه مندهشاً بتصنع واقترب منها أكثر وطبع قبلة رقيقة على خدها الأيمن. "إنتي قولتي "مبقتش"؟ ثم قبلة أخرى على خدها الأيسر. "وجولتي "تحبني"؟ ثم قبلة خفيفة على جفن عينها اليمنى المغلقة. "وجولتي "زي الأول"؟ كانت أنفاسه الدافئة تلفح وجهها ورائحة عطره الرجولي تملأ حواسها. بدأت ترتبك تحت تأثير هجومه الحنون. "بتغيري منها للدرجة دي؟ شعرت بالحرارة تتسلل إلى خديها. "أيوه... أنا... أنا بغير منها."

قالتها بصوت هامس شبه مسموع وقد اعترفت أخيراً بمشاعرها الطفولية. ابتعد عنها مالك قليلاً لينظر في عينيها مباشرة، ورسم على وجهه تعابير الجدية المصطنعة. "بتغيري من بنتك؟ أومأت برأسها بخجل فتابع بمكر. "يا خبر! يبجى أنا كده غلطان جوي. غلطان جداً. ولازم أصلح غلطتي دي فوراً." وقبل أن تستوعب ما يعنيه، جذبها إليه بحركة واحدة سريعة وحملها بين ذراعيه متجهاً بها نحو السرير.

"شكلي هحتاج ليلة كاملة عشان أثبتلك إن حبي ليكي مبيتقارنش بأي حب تاني في الدنيا." همس في أذنها وهو يضعها برفق على السرير، ويأخذها معه إلى عالمهما الخاص. عالم لا يوجد فيه سوى رجل يعشق زوجته وامرأة تذوب في تفاصيل حبه الذي لا ينتهي. مرت الأيام ثقيلة قاتلة على أكمل. كانت شقتهما التي كانت يوماً عشاً دافئاً قد تحولت إلى قبر صامت بارد. كل ركن فيها يصرخ باسمها، كل شيء يذكره بغيابها وغياب ضحكات ابنه.

كان يعود من عمله كل يوم على أمل أن يجدها قد عادت، ليجد فقط صمتاً أعمق وفراغاً أكبر. حاول مراراً وتكراراً، كان يذهب إلى بيت والدته كل يوم يراها من بعيد يحاول أن يتحدث معها، لكنها كانت تتهرب منه ببرود مؤلم. كانت ترفض حتى النظر في عينيه. كانت والدته تحاول التوسط، لكن صبر كانت قد بنت حول نفسها جداراً من الجليد لا يبدو أن شيئاً قادراً على اختراقه. في ذلك اليوم وصل أكمل إلى نقطة الانهيار. لم يعد قادراً على التحمل.

دخل إلى بيت والدته كالإعصار وعيناه تبحثان عنها. وجدها في الشرفة، تقف شاردة كعادتها. توجه نحوها مباشرة. وقفت والدته تراقب بقلق تشعر بأن شيئاً سيئاً على وشك الحدوث. "صبر." قالها بنبرة حادة مختلفة عن كل محاولاته السابقة. نبرة لم تعد تحمل رجاءً بل نفاد صبر. التفتت إليه وعلى وجهها نفس الجمود البارد. "عايز أتكلم معاكي." "مفيش بينا كلام يتقال."

"لأ فيه فيه كتير كمان، أنا حياتي اتشلت من غيركم. مش قادر أعيش في البيت ده لوحدي. مش قادر أركز في شغلي مش قادر أعمل أي حاجة." اقترب منها وصوته يرتفع تدريجياً. "لازم ترجعي معايا النهاردة." نظرت إليه ببرود. "مش هرجع." كانت هذه هي الكلمة التي فجرت كل شيء. انفجر فيها بغضب لم يكن يتخيل هو نفسه أنه يملكه. "ليه؟! عملت إيه عشان أستاهل كل ده؟! قتلتلك قتيل؟! خنتك؟! عملت إيه بالظبط؟! أنا كنت بطردها من بيتي! بيتي وبيتك!

إيه اللي في الموقف يخليكي تحكمي عليا بالإعدام بالشكل ده؟! لأول مرة تغيرت ملامحها الجامدة وظهر عليها الألم والغضب. "عايز تعرف أنت عملت إيه؟ طيب بدل الموقف. تخيل إنك رجعت البيت ولقيتني واقفة مع خطيبي القديم في شقتنا وواقفة قدامه بلبس البيت وهو واقف قريب مني والباب مقفول علينا. كنت هتعمل إيه يا أكمل بيه؟ كنت هتقف تسمعني وتديني فرصة أبرر؟ كانت كلماتها بمثابة صب الزيت على النار.

مجرد تخيل المشهد، مجرد سماعها تنطق بهذه الكلمات، أفقده صوابه تماماً. "إنتـــــــــي بتقولــــــــــي إيــــــــــــه؟! صرخ فيها بصوت جعل والدته تنتفض في مكانها. تقدم نحوها كالثور الهائج، وأمسك ذراعها بقوة. "إزاي تفكري مجرد تفكير تقارني نفسك بيا؟! إزاي تتخيلي أصلاً موقف زي ده؟! شعرت صبر بالألم في ذراعها لكنها نظرت في عينيه بتحدي وألم. "شوفت؟ شوفت مجرد الكلمة عملت فيك إيه؟

مجرد التخيل جننك أهو ده بقى اللي أنا شفته بعيني. حقيقة مش خيال عرفت دلوقتي قسوة الموقف اللي أنا كنت فيه؟ كان الغضب يعميه لم يعد يرى شيئاً. كل ما يراه هو صورتها التي رسمتها في خياله، وهذا يقتله. هنا لم تعد نسرين قادرة على الصمت. تقدمت نحوهما بسرعة. "أكمل! سيبها! إنت اتجننت؟! التفت إليها أكمل وعيناه محمرتان من الغضب. "متدخليش يا أمي، لو سمحتي متدخليش." كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي يكلمها فيها بهذه الطريقة.

كانت أول مرة ترى ابنها الهادئ الرصين، بهذا الشكل المرعب. أدركت أنه لو استمر الموقف هكذا سيحدث ما لا يحمد عقباه. هم بجذبها بالقوة لكن والدته منعته. قالتها بصوت حاسم قوي فيه أمر أم لا يمكن رفضه. "أكمل.... سيبها وأنا أوعدك هي هترجع معاك بس سيبها دلوقتي." نظر أكمل إلى والدته ثم إلى صبر التي كانت تنظر إليه بخوف حقيقي لأول مرة. رأى الخوف في عينيها فأدرك إلى أي وحش تحول في لحظات.

أرخى قبضته عن ذراعها ببطء، كأنه يستيقظ من كابوس. تراجع خطوة إلى الوراء وهو يمرر يده في شعره بعصبية، ولا يزال يتنفس بصعوبة. "أنا... أنا زهقت." قالها بصوت غاضب ثم استدار وغادر الشقة بأكملها صافعاً الباب خلفه بقوة تاركاً خلفه امرأتين ترتجفان، وحطام علاقة لم يعد أحد يعرف كيف يمكن إصلاحها. ما إن انغلق الباب خلف أكمل بقوة هزت أركان الشقة حتى شعرت صبر بأن ساقيها لم تعد قادرة على حملها.

تراجعت بضع خطوات وانهارت على أقرب مقعد وانفجرت في بكاء مرير، بكاء لم يعد صامتاً بل كان مليئاً بالشهقات المتقطعة التي تعبر عن حجم الألم والخوف الذي شعرت به. تقدمت نسرين منها بسرعة وجلست بجانبها ووضعت ذراعها حول كتفيها المرتجفين. لم تقل شيئاً في البداية فقط تركتها تفرغ شحنة الألم التي كانت تكبتها لأيام. بعد دقائق هدأت شهقات صبر قليلاً وتحولت إلى أنين خافت. هنا تحدثت نسرين بصوتٍ حنون لكنه يحمل عتاباً رقيقاً.

"شوفتي وصلتي الأمور لفين؟ شوفتي حولتي ابني الهادي العاقل لإيه؟ رفعت صبر وجهها المبلل بالدموع وقالت بصوتٍ متقطع. "أنا... أنا آسفة يا ماما مكنتش أقصد." "أنا عارفة إنك مش قصدك بس زودتيها أوي يا صبر اللي بتعمليه ده غلط. أكمل بيحبك، وعمره ما يفكر يخونك إنتي بنفسك عارفة كده." قالت صبر وهي تمسح دموعها بظهر يدها كالأطفال. "غصب عني والله غصب عني. أنا شفتها...

شفتها وهي قريبة منه أوي لدرجة اللي يشوفهم من بعيد يقول إنهم حضنين بعض. أنا واثقة فيه وعارفة إنه مستحيل يعملها بس فكرة إنه يدخلها بيتنا ويقفل الباب عليهم... الفكرة دي صعبة أوي قتلتني." تنهدت نسرين وأمسكت بيدها وقالت بعقلانية الأم الحكيمة. "وطالما إنتي واثقة فيه يبقى ليه بتدي للشيطان فرصة يدخل بينكم ويخرب بيتكم؟ ليه بتعاقبيه على حاجة هو معملهاش؟ ليه بتعاقبي نفسك وبتعاقبي ابنك؟

هنا انفجرت صبر مرة أخرى لكن هذه المرة لم يكن بكاء ضعف بل بكاء قهر وألم دفين. "عشان تعبت! نظرت إليها نسرين باستغراب فأكملت صبر بصوتٍ يرتجف من فرط المشاعر. "أنا طول عمري مفروضة على اللي قدامي. كنت مفروضة على أبويا ومراته، كنت باكل وأشرب وأنام في بيتهم غصب عنهم. ولما اتجوزت أكمل... اتجوزته وأنا مفروضة عليه اتجوزته عشان يستر عليا وينقذني. هو عمل الصح عمل اللي يمليه عليه ضميره وأصله، بس أنا كنت عبء عليه."

نظرت إلى حماتها بعينين تائهتين كأنها تكشف عن أعمق جرح في روحها. "أنا عايزة ولو لمرة واحدة بس في حياتي... أحس إن حد اختارني. أحس إن حد بيحاول عشاني. عايزة لما أبعد حد يجي ورايا ويترجاني أرجع، مش عشان ده الصح ولا عشان ده المفروض، لكن عشان هو مقدرش يعيش من غيري، عايزة أحس إني مرغوبة مش مجرد واجب." صمتت للحظة وأخذت نفساً عميقاً. "ولما شفته معاها...

حسيت إني رجعت تاني لنقطة الصفر. حسيت إني مجرد "الواجب" اللي في حياته، وإن "الاختيار" ممكن يكون أي واحدة تانية. أنا عارفة إن تفكيري غلط، وعارفة إني بظلمه... بس ده إحساس أقوى مني." فهمت نسرين الآن كل شيء. لم تكن المشكلة في ليلى، ولم تكن غيرة زوجة عادية. كانت المشكلة أعمق من ذلك بكثير. كانت صرخة روح مجروحة تبحث عن قيمتها في عيون من تحب. ضمتها نسرين إلى صدرها بقوة ومسحت على شعرها بحنان أمومي خالص. "يا حبيبتي...

يا بنتي كل ده في قلبك وساكتة؟ أكمل مش بس اختارك، ده حارب الدنيا عشانك. حارب أبوكي وحارب أفكاره هو نفسه وحارب الماضي كله عشان يكون معاكي. لو مكنتيش اختياره مكنش في قوة في الدنيا قدرت تجبره، كان سابك من زمان. هو بيحبك حب محدش حبه لحد. بس إنتي اللي لازم تصدقي ده لازم تصدقي إنك تستاهلي الحب ده كله." ابتعدت عنها قليلاً وأمسكت وجهها بين يديها.

"اسمعيني كويس. أكمل دلوقتي خرج وهو غضبان ومكسور. سيبيه يهدا شوية وبكرة الصبح هتلمي هدومك وهدوم ابنك، وهتروحي لجوزك وبيتك وهتفتحي قلبك ليه زي ما فتحتيه ليا دلوقتي. هتقوليله على كل مخاوفك دي. صدقيني هو الوحيد اللي هيقدر يداوي الجرح ده. هو الوحيد اللي هيقدر يثبتلك كل يوم إنك مش واجب... إنك روحه اللي ميعرفش يعيش من غيرها." نظرت صبر في عيني حماتها وشعرت لأول مرة بأن هناك أملاً.

ربما كانت مخطئة في طريقتها لكنها الآن عرفت أصل الداء وربما... ربما كان أكمل هو الدواء الوحيد. كانت الخطة التي وضعها جاسر ومالك وأكمل محكمة ودقيقة، تعتمد على استدراج صخر إلى الفخ بنفسه وجعله يعترف بكل شيء وهو يظن أنه يحقق انتصاره النهائي. كانت الطاولة قد أُعدت في مكتب جاسر القديم في سرايا التهامي، وهو المكان الذي شهد بداية كل المؤامرات.

تم إيهام صخر بأن جاسر قد انهار تماماً بعد مواجهته الأخيرة، وأنه قرر التنازل عن كل شيء والسفر خارج البلاد، وأنه يريد مقابلته لتسوية الأمور وتوقيع الأوراق النهائية التي تمنحه السيطرة الكاملة على الأرض والممتلكات. كان الطُعم مثالياً لغرور صخر الذي لا حدود له. وصل صخر إلى السرايا ومعه ذراعه الأيمن وشريكه في كل الجرائم هاشم. دخلا إلى المكتب ليجدا جاسر يجلس وحيداً خلف المكتب، وعلى وجهه قناع من الهزيمة والإرهاق.

كانت الأوراق مبعثرة أمامه في مشهد يوحي بالاستسلام الكامل. "أخيراً يا ابن أخويا أخيراً عرفت حچمك وعرفت إنك مش جدي." قالها صخر بابتسامة منتصرة وهو يجلس أمام المكتب، وهاشم يجلس قبالته بانتصار. نظر إليه جاسر ببطء وقال بصوت مهزوم. "خلاص يا عمي أنا تعبت ومش رايد أكمل في البلد دي، كفاية لحد كده. أنا هاخد امي ومراتي وأسافر." تحدث صخر أولاً بصوت يقطر شماتة ونشوة انتصار.

"اني مكنتش رايد الأمور توصل بينا لىىإكدة، بس انت اللي وصلتها يا ولدي. طول عمري واني عاملك دراعي اليمين بس انت اللي دمرت كل حاجة. لو كنت سمعت الكلام من الول مكنش حصل أكده. تيتى بس أنت حبيت تلعب لعبة أكبر منك." مد جاسر يده إلى الأوراق وقال بصوت مهزوم، بالكاد يُسمع. "دي كل التنازلات بس قبل ما أمضي، عايز أفهم حاجة واحدة بس. ليه؟ ليه كل ده؟

إحنا كنا عيلة. إيه اللي يخليك تدمر أخوك، وتدمر ولده وتولع نار بين عيلتين بجالها سنين؟ شعر صخر بنشوة النصر وبدأ غروره يدفعه للكلام ليتفاخر بذكائه ودهائه أمام خصمه المهزوم. "عشان أنا اللي أستاهل كل ده، مش أبوك. جدك الله يرحمه كان دايماً بيفضله عني في كل حاجة. الأرض الكبيرة ليه، التجارة المهمة ليه حتى الاحترام كان ليه. وأنا كنت مجرد ضل. كان لازم أكسره، وأكسر كل حاجة تخصه." "لدرجة إنك تصنع تار مش موجود؟

"ومين قال إنه مش موجود؟

أنا اللي أوجدته. كانت حكاية بسيطة. شوية كلام هنا على شوية إشاعات هناك. قصة الأرض من البداية كانت ملك جدي، وبما إنه كان صديق لرضوان الرفاعي، فقالوا إنهم هيقسموا الأرض بينهم. جدي ورث الأرض وهو بتعبه وشغله فيها. لما مات جدي أبوي طالب بحقه في الأرض كلها، بس الرفاعية رفضوا وجالوا إن في عقد بينهم إن لهم النص فيها. بس أبوي رفض وجالهم إن تعبهم خدوه في الخير اللي دخلهم من وراها. رضوان رفض وجال إن الأرض دي هو اللي تعب فيها، والأرض عرض واللي يتنازل عنها ميستاهلش يعيش. هو وعمي رفعوا سلاحهم على بعض بعدها التار بدأ."

هنا شعر هاشم بالضجر فقطع الحكاية بحدة. "أنا مش جاي أسمع حكاوي، أنا جاي آخد العقود وأسلمكم الفلوس وأمشي." تطلع إليه جاسر بنظرة حيرة مصطنعة كأنه غافل تماماً. "بس في حاجة برضك شغلاني. إيه اللي يخليك تدفع مبلغ زي ده في أرض مش مسجلة ولا قانونية، وكمان تحارب كل السنين دي عشانها؟ ابتسم هاشم بسخرية معتقداً أنه يكلم رجلاً مهزوماً. "مبقاش يخصك أنت، اتنازلت وسلمتنا العقد وانتهت القصة بالنسبالك." في لحظة تغير كل شيء.

سحب جاسر الأوراق من أمامه بحركة خاطفة، واختفى قناع الهزيمة ليحل محله قناع من الجليد والقوة المطلقة. نهض واقفاً وقال بصوت كأنه هدير رعد مكتوم. "جبل ما أسلم أي شيء، لازم أعرف الحقيقة الأول." "وإيه يجبرني أقولك؟ وإيه اللي شاغلك في حاجة زي دي؟ "لأنها أرضي، ومن حقي أعرف كل حاجة. يا تعرفني كل شيء يا إما رجالتك اللي جايبهم معاك بره دول، مش هيخرجوا على رجلهم." انفعل هاشم. "انت بتهددني؟ أكد جاسر بثقة.

"أنا مبهددش أنا بنفذ، وأظن إنك عارف كده زين." كانت قوة جاسر ونظراته الحادة قد جعلت هاشم يرضخ له. "عايز تعرف إيه؟ رد جاسر بلهجة رغم هدوئها إلا أنها تحمل قوة لا يستهان بها. "الحقيقة كاملة، لأن على جد فايدتها على جد تمنها." "بس أنا اتفاقي كان مع عمك وسعر الأرض كان على الأساس ده، ومش هزود جنيه تاني." صاح به جاسر بقوة جعلت صخر نفسه يلتفت إليه بذهول.

"اتفاقك مع عمي غير اتفاقي معاك. دلوقتي مش أنا اللي أطلع مغفل وأبيع أرضي زي اللطخ، يا تشاركوني معاكم وتدخلوني في لعبتكم، يا إما تاخد شوية العيال اللي متكتفين بره دول وتمشي من هنا." قطب هاشم جبينه بغضب. "أنت بتجول إيه يا ولد المحروس انت؟ رجالة مين اللي متكتفين؟ أكد جاسر بثقة مطلقة وهو يشير برأسه نحو النافذة. "رجالتك أنت ولو عايز تتأكد شوف بنفسك." نهض هاشم بسرعة ونظر من النافذة ليرى المشهد الذي جمد الدم في عروقه.

كان رجاله العشرة جاثيين على الأرض في الحديقة مكبلين وتحت تهديد أسلحة رجال جاسر الذين ظهروا من العدم. نظر إلى جاسر بحنق وغمغم بتهديد. "أنت عارف نتيجة عملتك دي إيه؟ أومأ جاسر بثقة وهو ينهض من مكتبه ويتجه نحوه ليقف قبالته بشموخ وقوة كاسحة.

"خابر عشان أنا مش أقل منك ولما باخد خطوة ببقى خابرها ودارسها زين. دلوقتي هكون شريك تالت معاكم، ومش هتنازل لأي سبب. هنجعد دلوقتي وتعرفوني كل حاجة من الأول ولعلمكم أني أكتر واحد هقدر أساعدكم." أمام قوته وإصراره وأمام حقيقة أنهم أصبحوا محاصرين رضخ هاشم أخيراً. "لأن الأرض دي عايمة على كنز، كنز حقيقي." نظر إليه جاسر بتركيز. أكمل هاشم بمرارة كأنه يكشف عن سر يؤلمه أن يشاركه.

"الأرض دي تحتيها مقبرة فرعونية كاملة محدش لمسها جبل كده. مقبرة لواحد من كبار الكهنة في الدولة القديمة. ورضوان الرفاعي لما عرف كان عايز يمنعنا بس إحنا اتخلصنا منه ومن عم صخر بطريقة تبين أن رضوان اللي بدأ وهو اللي قتل الأول. وكدة شغلناهم بالتار من سنين وإحنا بنشتغل في صمت، بنطلع جطع بسيطة ونهربها عن طريق رجالتنا. جطع صغيرة تمنها ملايين. كنا بنجهز لأكبر عملية نفتح فيها المقبرة الرئيسية، ونطلع التابوت الذهبي والكنوز اللي معاه. الصفقة دي كانت هتخلينا ملوك مش بس في الصعيد في البلد كلها."

تطلع إليه جاسر بثبات كي لا يشك أحد منهم بشيء وسأل عمه. "يعني كل التار والدم ده عشان خاطر شوية دهب مدفونين من سنين؟ "كمل يا عمي." أشاح صخر بوجهه. "معنديش حاجة أكملها." صاح به جاسر. "لأ عندك، عايز أعرف أبوي؟ ليه سيبتوه يتعدم وهو بريء؟ بعد اعتراف هاشم لم يعد هناك شيء يخفى.

"لما أهل البلد وقفوا قصادنا وأمروا بوقف التار والأرض تتجسم. أبوي وافق بس أني خططت بطريقة تانية. لأن الجسمة إن نص أرضهم هيكون فيها المقبرة الكبيرة. فمكنش ينفع نفض التار. حطيت عمتك في طريق سالم لجل ما يعشقها ووجدتها هيبقى هما اللي اتعدوا علينا في حريمنا وأرجع التار من تاني وأشغلهم به. بس معملتش حساب إن هي كمان تعشجه وتهرب معاه وتجبلنا العار. وجتها البلد كلها ووقفت مع سالم وجالوا إن النسب ده هو اللي هينهي التار وإن ورد

بجيت مش بس في حماية الرفاعية دي كمان في حماية البلد كلها. مكنش ينفع أسكت. أقنعت أبوك إن عامر الرفاعي بيحوم ورانا بيطمع في أرضنا، وأقنعت عامر بالحديث من ناس تبعنا إن أبوك عايز يخطف مرته قصاد اخته اللي أخدوها. شوية غضب على شوية كبرياء وولعت. الناس في الصعيد مبتستناش تتأكد، بتمشي ورا كرامتها وبس."

كان جاسر يستمع بهدوء، لكن عينيه كانتا تسجلان كل كلمة. "وقتل عامر الرفاعي؟ هنا نظر صخر إلى هاشم بابتسامة ماكرة. "دي كانت ضربة المعلم. كارم أخويا كان شاب دمه حامي بس متهور وسهل جوي تسخنه بكلمتين." تطلع إليه هاشم باتهام.

"هاشم عرف إزاي يلعب في دماغه، وجاله أنه لازم يتخلص منه عشان نقدر نرفع راسنا في البلد بعد اللي عملوه مع أخته. أقنعناه أنه مينفعش يقتل سالم لأننا رايدين نعذبه بموت أخوه. كارم راحله وهو اللي بدأ معاه بالحديث واتغزل في مرته جدام الناس وده اللي أكد لعامر إن كارم عايز يخطف مرته صح." أكمل هاشم الحديث بصوت أجش كي لا يلقي صخر التهمة عليه.

"عامر رفع سلاحه عشان يهدده بس مكنش هيقتل وأبوك اخدها فرصة وطلع سلاحه بس كنا واثقين انه ممكن يتراجع أو ميقدرش يعملها او حتى الناس تمنعهم وعملنا حساب حاجة زي دي. بس عمك كان زارع رجالتة في كل اتجاه وفي اللحظة اللي رفع فيها سلاحه، طلعت طلقة من مسدس واحد من الرجالة، طلقة واحدة خلصت الحكاية." تطلع إليه صخر بحنق وابعد التهمة عنه.

"كانت رجالتى صحيح بس أخدوا الأوامر منك انت مش مني، لو كنت أعرف ان أخويا هيروح فيها مكنتش وافجت." سخر هاشم منه وبدأ الاثنين يلقوا على بعضهم التهم وهذا ما كان يريده جاسر. شعر جاسر بغصة في حلقه لكنه حافظ على تماسكه. "مش هتفرج يا عمي، بس أنا دلوقتي رايد أعرف أبوي؟ رد هاشم ببرود قارس. "بريء من إيه؟

هو اللي راح وهدد وبعدين، كنت محتاج حد يلبس التهمة عشان التار يولع أكتر. ضغطت عليه وقلتله إن دي هيبة العيلة وإني هخرجه منها زي الشعرة من العجين. وهو صدقني ووثج فيا ولما لقى حبل المشنقة حوالين رقبته، حاول يصرخ ويقول الحقيقة بس كان الأوان فات. ومحدش كان هيصدجه واحد محكوم عليه بالإعدام، بس موته مكنش هدفنا." أومأ جاسر بتصنع. "وانتوا بقى فاكرين ان بعد حديثكم ده ممكن أقبل أشعاركم في حاجة." ضيق هاشم عينيه بشك.

في هذه اللحظة ضغط جاسر على زر صغير مخبأ تحت المكتب. فجأة انفتح باب جانبي للمكتبة وخرج منه سالم وحامد ووهدان، شيوخ عائلة الرفاعي، وعلى وجوههم صدمة وغضب لا يوصفان. وفي نفس اللحظة انفتح الباب الرئيسي للمكتب ودخل منه قوة من الشرطة بقيادة ضابط كبير، ومعهم أكمل الذي كان يحمل في يده ملفاً ضخماً. تجمد صخر وهاشم في مكانهما واتسعت أعينهما بالرعب وعدم التصديق.

نظر صخر إلى جاسر ورأى أن قناع الهزيمة قد اختفى، وحل محله قناع من الجليد والانتصار البارد. "إيه ده؟ ده فخ؟ قال الضابط بصوت حاسم وهو يتقدم نحوهم. "لأ دي النهاية. كل كلمة قلتوها متسجلة صوت وصورة اعتراف كامل بكل جرائمكم من أول التحريض مروراً بالقتل وانتهاءً بتضليل العدالة." نظر سالم إلى صخر بنظرة تحمل كل ازدراء العالم.

"سنين طويلة وإحنا عايشين في نار أنت اللي ولعتها. سنين من الدم والكره بين عيلتين كانوا أهل، كل ده عشان طمعك وحقدك." حاول هاشم أن يتحرك، لكن رجال الشرطة كانوا قد أحاطوا به وبصخر ووضعوا الأصفاد في أيديهما. صرخ صخر وهو ينظر إلى جاسر بجنون. "أنت اللي عملت فيا كده. أنا هقتلك يا جاسر هقتلك." لم يرد عليه جاسر فقط وقف ونظر إليه وهو يُقتاد خارج المكتب، خارج السرايا خارج التاريخ الذي حاول أن يزيفه.

نظر إليه وهو يرى نهاية حقبة من الظلام وبداية فجر جديد. فجر تم شراؤه بثمن باهظ من الألم والدموع، ولكنه أخيراً قد أشرق. بمجرد أن خرجت الشرطة وهي تقتاد صخر وهاشم، ساد صمت ثقيل ومُهيب في المكتب. لم يكن صمت مواجهة بل صمت رجال يستوعبون للتو نهاية كابوس امتد لعقود. كابوس شرب من دمائهم وسمم أرواحهم. كانت رائحة الخيانة والدم لا تزال عالقة في الهواء لكن الآن بدأ يتسلل إليها عبق الحقيقة النقي، حقيقة مُرة لكنها شافية.

كان سالم وحامد ووهدان يقفون، وعلى وجوههم مزيج معقد من المشاعر: غضب بارد من حجم الخديعة وحزن عميق على سنوات العداء الضائعة، وألم على الأرواح التي أُزهقت ثمناً لكذبة وراحة خفية لأن العدل قد أخذ مجراه أخيراً. تقدم سالم بخطوات بطيئة نحو جاسر الذي كان يقف بهدوء، يراقب من النافذة ظلال رجال الشرطة وهي تختفي كأنه يرى فصلاً من الجحيم يُغلق أمامه. وضع سالم يده على كتف جاسر، وقال بصوت يحمل كل وقار السنين وثقلها.

"اللي عملته النهاردة يا جاسر... محدش كان يقدر يعمله غيرك. أنت مش بس رجعت حق أبوك... أنت رجعت حق عيلتين كاملين. رجعت شرفنا اللي اتمرمغ في الوحل سنين بسبب كذبة وحقد." التفت جاسر إليه، ينظر إليه بنظرة خالية من أي تحدي أو دفاع. نظرة رجل لآخر يجمعهما الآن جرح مشترك. "أنا معملتش كل ده لوحدي. أنا كنت القوة بس العقل والقلب كانوا في مكان تاني." وهنا التفت جاسر ونظر بامتنان حقيقي إلى مالك وأكمل الواقفين بجانبه.

أكمل مالك الذي كان يقف كعادته هادئاً لكن عينيه تلمعان بذكاء حاد. "جاسر هو اللي رسم الخطة الكبيرة. أنا كنت مجرد عينيه اللي بتشوف في الضلمة. بجمع المعلومات، وبوصل الخيوط ببعضها. كنت براقب تحركاتهم وبوصل لجاسر كل همسة وكل خطوة، عشان يقدر يبني عليها جراره." ثم تقدم أكمل الذي حول القضية الشخصية إلى قضية عامة، صوته كان هادئاً لكن كل كلمة فيه كانت تحمل وزناً قانونياً قاطعاً.

"وأنا كنت بحول المعلومات لأدلة. كل تسجيل كل ورقة كل شاهد، كنت بوثقه وببني بيه قضية متكاملة. الخطة مكنتش مجرد فخ عشان يعترفوا، كانت شبكة قانونية كاملة بتتقفل عليهم من كل اتجاه. حتى لو مكنوش اعترفوا النهاردة الأدلة اللي جمعناها كانت كافية تحبسهم باقي عمرهم، اعترافهم ده كان مجرد المسمار الأخير في نعشهم." نظر حامد بإعجاب حقيقي إلى الشابين.

"شهادة حق تتقال. ذكاء مالك في جمع الخيوط، وحنكة أكمل في القانون هما اللي خلوا خطة جاسر تنجح. لولاكم كانت القوة لوحدها ممكن تبقى تهور. أنتم التلاتة كل واحد فيكم كان ركن أساسي في اللي حصل النهاردة." أما عن مصير الأرض، فقد أوضح أكمل الأمر بحسم.

"بالنسبة للأرض الموضوع منتهي قانوناً. العقد القديم اللي كان بين جدودنا، قانون وضع اليد الحالي لغاه. والأهم من كل ده، بمجرد إثبات وجود مقبرة أثرية الأرض تنزع ملكيتها فوراً وتصبح ملك للدولة. ده حق البلد ومحدش فينا يقدر ياخده. الكنز ده مش بتاعنا ده بتاع التاريخ." أضاف وهدان بحكمة. "وده أحسن، الأرض دي اتشربت دم كتير، مينفعش حد فينا يزرع فيها تاني. خليها ترجع لأصحابها الحقيقيين أصحاب التاريخ وتكون شاهدة على نهاية التار."

ساد الصم مرة أخرى لكنه كان صمتاً يحمل تفاهماً عميقاً. كسر جاسر الصمت بصوت ثابت يحمل قراراً لا رجعة فيه. "الدم اللي سال بينا، مفيش حاجة تقدر تمحيه بس نقدر نوقفه. نقدر نخليه آخر دم." نظر إلى أعمام نغم. "بكرة مع شروق الشمس هنجيب رجالتنا ورجالتكم، وهنقف كلنا على حدود الأرض دي. مش عشان ناخدها. عشان نسلمها للدولة قدام البلد كلها وهنعلن إن تار التهامي والرفاعي... انتهى وإن اللي فات مات."

أضاف سالم بقوة وهو ينظر إلى أكمل ومالك ثم إلى جاسر. "وهنعلن إن شباب العيلتين دول، هما اللي طفوا النار. هما اللي بعجلهم وجوتهم عرفوا يرجعوا الحق وينهوا زمن الجهل والدم. المستقبل ليهم هما مش لينا إحنا اللي عشنا عمرنا في الكره." أومأ جاسر برأسه موافقاً وهو يشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة بأن حملاً كالجبال قد أزيح عن صدره. لم تكن نهاية سهلة ولن يكون المستقبل بسيطاً، لكنها كانت البداية.

بداية حقيقية مبنية على أنقاض الماضي، وعلى أرض صلبة من الحقيقة والعدل وبقيادة جيل جديد أثبت أن العقل والحق، أقوى من أي سلاح.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...