الفصل 52 | من 54 فصل

رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
18
كلمة
6,811
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

عندما أُغلق الباب خلف آخر رجل من رجال العائلتين ساد صمت مطبق في المنزل. لم يكن صمتاً ثقيلاً كالذي سبق، بل كان صمتاً خفيفاً نقياً، كأنه هواء الفجر الأول بعد ليلة عاصفة. وقف جاسر وحيداً في بهو السرايا الواسع يستمع إلى هذا الصمت. لقد انتهى كل شيء. انتهت الحرب التي وُلد ليجد نفسه في قلبها، انتهى الثأر الذي شكل كل تفاصيل حياته، انتهى الخطر الذي كان يحوم كنسر جائع فوق رؤوس كل من يحبهم.

أغمض عينيه للحظة مستنشقاً هذا السلام الجديد. شعر وكأن حملاً يزن أطناناً قد أُزيح عن كتفيه، ليس فقط عبء المسؤولية، بل عبء الكراهية والغضب الذي عاش به لسنوات. أطفأ جاسر آخر ضوء في مكتبه وأغلق الباب خلفه بهدوء. كان الصمت يلف السرايا، صمتٌ ثقيل لم يكسره سوى صوت خطواته على الرخام البارد. شعر بثقل العالم على كتفيه بعد أن اتخذ قراره الأصعب: الإبلاغ عن عمه صخر.

كان يعلم أن هذا القرار سيفتح أبواب الجحيم على العائلة بأكملها، لكنه كان ضرورياً. عندما وصل إلى بهو السرايا الواسع توقف فجأة عند بداية الدرج العريض. وقفت شروق كظلٍ باهت تحت ضوء القمر المتسلل من النافذة الكبيرة. كانت تقف بصمت تام، ويداها متشابكتان أمامها ورأسها منحنٍ قليلاً. لم تكن تبكي بصوت مسموع، لكن دموعها كانت تنساب على خديها في خطوط فضية صامتة، ترسم مسارات الألم على وجهها الجميل.

للحظة تجمد جاسر في مكانه. رق قلبه لها رغم كل شيء. في النهاية هي ابنة عمه، لحمه ودمه. الفتاة التي كبرت أمامه. لم يرغب أبداً في أن يراها بهذه الصورة منكسرة وحزينة. تقدم نحوها بخطوات بطيئة وهادئة ووقف أمامها مباشرة. بحث عن كلمات مناسبة، عن جملة قد تخفف من وطأة الموقف، لكنه لم يجد. كل الكلمات بدت فارغة وبلا معنى. أخفض عينيه للحظة ثم رفعهما لينظر إليها مباشرة. وبصوتٍ خرج أجشاً ومتحشرجاً، قال الكلمة

الوحيدة التي استطاع نطقها: "أنا... أنا آسف." رفعت شروق رأسها ببطء ومسحت دموعها بكف يدها في حركة سريعة، محاولة يائسة لإخفاء انكسارها. نظرت إليه بعينين متورمتين تحملان ألماً يفوق الوصف، وابتسامة باهتة ومريرة ارتسمت على شفتيها. "لأ... متتأسفش. أنا اللي آسفة يا جاسر." صوتها كان مبحوحاً من البكاء المكتوم. تابعت وهي تجمع شتات نفسها بصعوبة: "أنا آسفة على كل حاجة. آسفة إني مشيت ورا أبويا وأنا عمياء...

وآسفة إني كنت بفرض نفسي عليك طول الوجت كأني مش شايفة رفضك ليا. كنت... كنت غبية." أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وواصلت اعترافها الذي كان يمزقها من الداخل: "آسفة إني حاولت أفرق بينك وبين نغم. هي... هي معملتليش أي حاجة وحشة بس أنا كنت بغيّر منها... بغيّر من وجودها في حياتك." توقفت للحظة وكأنها تسترجع شريط حياتها معه. "لما عرفت باللي أبويا بيخططله... لما فهمت إنه عايز يجتلك...

مفكرتش في أي حاجة تانية. مفكرتش في الراجل اللي كان بيهيني بنظراته وبيتعامل معايا كأني حمل مفروض عليه. كل اللي فكرت فيه هو ابن عمي... والدم اللي بينا." أغمضت عينيها بقوة وكأنها تستحضر شجاعة أخيرة لتقول الحقيقة الكاملة. فتحتهما مجدداً وكانت نظرتها مباشرة وصادقة بشكل مؤلم. "والأهم... إني فكرت في الراجل الوحيد اللي حبيته في حياتي." سقطت الكلمات بينهما كحجر ثقيل. تابعت بصوتٍ يرتجف:

"أنا عارفة إنك بتحب مراتك وعارفة إن نغم تستاهل كل الحب ده وأكتر. بس أنا... أنا هعيش على حبك ده باقي عمري. كان نفسي نكون في زمن تاني، بظروف تانية... يمكن... يمكن وجتها كنت حبتني. بس كله قسمة ونصيب." وقف جاسر يستمع إليها وقلبه يعتصر ألماً. ربما كانت على حق لو كانت الظروف مختلفة، لو كانت شخصيتها مختلفة، لو لم يكن والدهما صخر. ربما كان هناك فرصة. لكن قلبه لم يعد ملكه. قال بصوت هادئ وحاسم: "شروق.....

أنا حياتي كلها لنغم. قلبي ده هي اللي ملكته من أول يوم، ومبجاش فيه أي مساحة فاضية لحد تاني. يمكن فعلاً لو الظروف كانت غير، كان ممكن يحصل حاجة تانية. بس خلاص... نغم استولت على كل حتة في قلبي." اقترب منها خطوة ونبرته حملت دفئاً أخوياً. "هتفضلي بنت عمي، ومفيش أي حاجة في الدنيا هتغير ده. السرايا دي بيتك. هتعيشي هنا معززة مكرمة إنتي ومرات عمي، وكل طلباتكم هتكون مجابة."

صمت للحظة يستجمع قواه ليلفظ الكلمات التالية التي يعرف أنها ستكون كرصاصة تخترقها. "بس أنا... مش هقدر أكمل في دور الزوج اللي على الورق ده أكتر من كده. لازم... لازم نطلق." كلمة "نطلق" وقعت عليها كالصاعقة. اتسعت عيناها بصدمة ورعب، وارتجف جسدها بالكامل وكأنها تلقت صفعة غير مرئية. والدموع تتفجر من عينيها بلا توقف. نظر إليها جاسر نظرة أخيرة مليئة بالأسف ثم قال بكلماتٍ حاسمة ونهائية، وكأنه يقطع آخر خيط يربطهما.

"إنتي طالق يا بنت عمي." ألقى عليها قنبلته الأخيرة ثم استدار وسار مبتعداً بخطوات سريعة وثابتة دون أن يلتفت خلفه. لم يستطع أن يرى انهيارها، لم يستطع أن يشاهدها وهي تسقط. وما إن اختفى ظله في نهاية الممر حتى انهارت شروق تماماً. سقطت على ركبتيها فوق الرخام البارد وانفجرت في بكاءٍ مرير وموجوع. لم تعد دموعاً صامتة، بل كانت شهقات عالية ومتقطعة تهز جسدها النحيل.

كانت تبكي حباً ضائعاً وعمراً أهدر في انتظار سراب، وكلمة "طالق" التي حطمت آخر بقايا كبريائها وأملها. بعد أن ترك شروق منهارة خلفه واصل جاسر طريقه بخطواتٍ سريعة لم تتوقف إلا عند بوابة السرايا الحديدية الضخمة. وقف هناك للحظات مستنداً بيده على برودة المعدن وألقى نظرة أخيرة على الصرح الشامخ الذي كان يسمى "بيته". لم تكن نظرة حنين أو وداع، بل كانت نظرة غريبٍ يتأمل مكاناً لم يشعر بالانتماء إليه يوماً.

رأى في كل نافذة مضاءة خيالات الماضي الأليم، وفي كل زاوية من الحديقة صدى لمؤامرات وكلمات مسمومة. هذا المكان الذي كان من المفترض أن يكون ملاذه لم يرى فيه سوى الكره والحقد ينموان كاللبلاب السام، يلتفان حول كل شيء جميل ليخنقاه. شعر وكأنه سجنٌ فاخر قضبانه من ذهب وجدرانه من ضغينة. تنهد بعمق وشعر بأن هواء السرايا نفسه ثقيل، مشبع بالخداع والآلام.

في تلك اللحظة من الوحشة والبرود لمع في عقله وجه واحد فقط، وجه أعاد الدفء إلى روحه المتجمدة. نغم. اسمها تردد في صدره كأغنية دافئة. فجأة غمر قلبه حنين جارف لها، حنين قوي كاد أن يطرحه أرضاً. هي الحقيقة الوحيدة الصادقة في عالمه المليء بالزيف، هي النور الذي تسلل إلى حياته فجأة ليقضي على الظلمة التي كانت تملأ قلبه وتخيم على روحه. قبلها كان مجرد رجل يؤدي واجبه، يعيش في ظلال الماضي. لكن معها أصبح يعيش حقاً.

شعر للحظة أن روحه تنسحب منه مع كل نفس يأخذه بعيداً عنها. وأيقن أنها هي الوحيدة القادرة على أن تردها إليه بابتسامة واحدة، بلمسة من يدها. هي وطنه الحقيقي، وملاذه الآمن. دون تردد استدار مبتعداً عن السرايا دون أن ينظر خلفه مرة أخرى. ركب سيارته وأدار المحرك الذي انطلق بهديرٍ قوي كأنه يعلن عن بداية فصل جديد. انطلق بالسيارة بسرعة، تاركاً خلفه عالماً من الظلام والألم، ومتجهاً نحو النور الوحيد الذي يعرفه.

كلما ابتعد عن السرايا واقترب من بيت الجبل شعر بأن قيوداً غير مرئية تتفكك من حوله. الهواء أصبح أنقى والظلام أقل قسوة. كان الطريق الصاعد إلى الجبل بمثابة رحلة صعود من جحيم إلى جنة. ومع كل منعطف يقربه من بيته الصغير الدافئ، كان قلبه يبدأ في الخفقان بقوة أكبر، ليس من سرعة السيارة، بل من لهفة الوصول. بدأ يشم رائحتها في الهواء، رائحة عطرها الهادئ الممزوج برائحة القهوة التي يعرف أنها تحبها.

تخيلها وهي تنتظره، ربما تقرأ كتاباً أو تنظر من النافذة بقلق. هذا الخيال وحده كان كافياً ليرسم ابتسامة حقيقية على وجهه لأول مرة في تلك الليلة. شعر بالتعب يقتله ما أن دلفت السيارة دخل المنزل. ترجل منها وعينيه على غرفتهما المضاءة. لابد أنها تنتظره الآن. لم يعد مجرد رجل يهرب من مؤامرة، بل أصبح حبيباً يسرع الخطى للقاء حبيبته. طفلاً تائهاً وجد طريقه أخيراً إلى حضن أمه. كانت نغم هي كل ذلك وأكثر.

كانت بيته وسكينته ونبض قلبه الذي يدق باسمها. وفور دخوله. في تلك اللحظة سمع صوت خطوات سريعة، خطوات خفيفة تكاد تطير فوق الأرض. فتح عينيه فرآها. كانت نغم تسير نحوه بخطى لم تكن تمشي، بل كانت تندفع بكل ما أوتيت من قوة، كأنها فراشة تنجذب إلى ضوئها الوحيد. لم تكن هناك كلمات، لم تكن هناك حاجة لها. كانت عيناها تحكي كل شيء.

الخوف الذي اعتصر قلبها وهي تنتظر، القلق الذي كاد يقتلها، والراحة المطلقة التي غمرتها عندما رأتهم يغادرون بسلام. لم يتكلم. فقط فتح ذراعيه على وسعهما مستعداً لاستقبالها. ارتطمت بصدره ورمت بنفسها في حضنه بقوة. تشبثت به ودفنت وجهها في عنقه تستنشق رائحته التي كانت تعني لها الأمان المطلق. كانت ترتجف بين ذراعيه، ليس من الخوف، بل من فرط المشاعر التي انفجرت بداخلها دفعة واحدة.

لف جاسر ذراعيه حولها وضمها إليه بقوة كأنه يضم العالم كله إلى صدره. أغلق عينيه مرة أخرى وشعر بأن هذا الحضن، هذه اللحظة هي جائزته الحقيقية. هي السلام الذي كان يبحث عنه. "أخيراً... " همست بها بصوت مكتوم ممزوج بالدموع والضحكات. رفعت رأسها لتنظر إليه وعيناها تلمعان ببريق لم يره فيهما من قبل، بريق الحب الصافي الخالي من أي خوف أو شك. "أخيراً خلصت. كنت هموت من الخوف عليك."

مد يده ومسح دموعها بإبهامه وقال بصوت عميق دافئ، لم يعد يحمل أي أثر للجليد. "وأنا كنت عايش عشان اللحظة دي، عشان أرجعلك وأشوف النظرة دي في عينيكي. عشان أقولك إن الخطر راح، وإن محدش هيقدر يبعدك عني تاني أبداً." "بحبك." قالتها ببساطة كأنها حقيقة كونية لا تقبل الجدال. كانت هذه هي المرة الأولى التي تقولها بهذه القوة وبهذا اليقين. انحنى جاسر وقبّلها قبلة لم تكن كأي قبلة سابقة. لم تكن قبلة شغف أو رغبة، بل كانت قبلة حياة.

قبلة رجل وجد روحه وامرأة وجدت ملاذها. كانت قبلة تحمل في طياتها كل الألم الذي مرا به، وكل السعادة التي تنتظرهما. كانت ونس تقف عند مدخل الصالون، تراقب المشهد بابتسامة هادئة ودموع صامتة تتلألأ في عينيها. رأت ابنها، الرجل الذي كان جبلاً من القسوة والصرامة يذوب حناناً بين ذراعي زوجته. ورأت زوجة ابنها، الفتاة التي جاءت إلى هذا البيت أسيرة، وقد أصبحت هي سيدة القلب والروح.

أدركت أن كل ما مرت به من قلق وخوف كان ثمناً قليلاً لهذه اللحظة، لهذه السعادة التي تملأ أركان السرايا. لم تتقدم، لم ترد أن تقطع عليهما جنتهما الصغيرة. فقط استدارت بهدوء تاركة لهما مساحتهما، وقلبها يفيض بالرضا والسلام. عاد جاسر ليضم نغم إلى صدره مرة أخرى هامساً في أذنها. "كل اللي فات كان كابوس وإحنا دلوقتي صحينا منه، ومن النهاردة مفيش غيرنا إحنا وبس."

تشبثت به أكثر وشعرت بأنها أخيراً في بيتها، ليس فقط في بيت الجبل الذي جاءت إليه مكسورة، بل في حضن هذا الرجل الذي كان قدرها وحربها وسلامها الأبدي. ظلت بين ذراعيه تتشبث به كأنها تخشى أن يختفي لو أرخت قبضتها. رفع جاسر وجهها بيديه برفق وأجبر عينيها على ملاقاة عينيه. كان يريد أن يرى كل نظرة توصف مشاعرها. وهو يفتح لها قلبه بالكامل لأول مرة. "بحبك." قالها مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت مختلفة.

كانت أعمق وأكثر هدوءاً، كأنها حقيقة استقرت في روحه. ابتسمت نغم ابتسامة خجولة وقالت بصوت هامس. "وأنا كمان يا جاسر بحبك، بس عايزة أعرف... امتى؟ امتى يا جاسر حسيت بده؟ امتى نغم الأسيرة اللي كنت بتكرهها بقت نغم اللي بتحبها؟ تنهد جاسر تنهيدة طويلة وسافر بذاكرته إلى الوراء، إلى لحظة كانت نقطة تحول في كل شيء. "فاكرة يوم حادثة عدي؟ يوم ما ضحى بنفسه عشانك؟ اتسعت عينا نغم بدهشة. لم تتوقع أبداً أن تكون تلك هي اللحظة.

أكمل جاسر وهو يمسح على شعرها وعيناه تسبحان في الماضي. "يومها لما شفته بيرمي نفسه قدام النار عشان ينقذك، أنا اتجمدت مكاني. سألت نفسي سؤال واحد... مين دي؟ مين دي اللي واحد زي عدي يبيع عمره في لحظة عشانها؟ صمت للحظة كأنه يسترجع الشعور نفسه. "حسيت بغيرة. غيرة حارقة." "صحيح وجتها كنت بقول لنفسي إنها مجرد غيرة على حاجة ملكي، واحدة انكتبت على اسمي."

"بس الحقيقة كانت أعمق من كده. كانت بذرة صغيرة اتزرعت في قلبي في اللحظة دي، بذرة الشك في كل حاجة كنت مؤمن بيها." اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسهما تختلط. "كانت البداية... البداية لحاجات كتير أوي. أولها إن مفيش حاجة في الدنيا دي، لا تار ولا أرض ولا فلوس، تستاهل نقطة دم واحدة." "موت عدي فجّني خلاني أشوف الدمار اللي كنت عايش في وسطه وخلاني أعيد كل حساباتي." نظر في عينيها بعمق كأنه يرى روحه في انعكاسهما.

"وأول حساباتي كانت أنتِ. جلت لازم أعرف، لازم أعرف مين دي اللي تستاهل كل الحب والتضحية دي." "بدأت أراقبك مش بعين السجان، لأ بعين الراجل اللي عايز يكتشف سرك." "وكل يوم كنت بكتشف فيكي حاجة جديدة. قوتك، عنادك، طيبة قلبك اللي كنتي بتحاولي تخبيها ورا قسوتك." "كل تفصيلة فيكي كانت بتسقي البذرة الصغيرة اللي جوايا، لحد ما كبرت وبجت شجرة مجدرش أهرب من ضلها." لامست أنامله شفتيها برقة. "ولما اكتشفت، لقيت إن اللي عمله عدي...

قليل أوي عليكي. عرفت إنك تستاهلي أكتر من كده بكتير. تستاهلي الدنيا كلها تتحط تحت رجليكي." "عرفت إنك مش مجرد أسيرة في بيتي، لأ، أنتِ اللي أسرتيني. أنتِ اللي حررتيني من سجن الكره اللي كنت عايش فيه." لم تعد نغم قادرة على الكلام. كانت دموعها تسيل بصمت، لكنها لم تكن دموع حزن، بل دموع من غمرتها السعادة حتى فاضت.

انحنى جاسر ومسح دموعها بقبلاته، قبلة على كل خد، قبلة على جفنيها المرتجفين، ثم استقر أخيراً على شفتيها في قبلة طويلة دافئة تحمل كل اعترافات العالم. عندما ابتعد أسند جبهته على جبهتها، وهما يتنفسان نفس الهواء. "أنا بحبك يا نغم، بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا دي." "وأنا آسف... آسف على كل لحظة ألم سببتها لك." هزت رأسها ووضعت يدها على قلبه. "الألم هو اللي وصلنا لهنا، وأنا مستعدة أعيشه ألف مرة، عشان أوصل للحظة دي تاني."

ابتسم جاسر ثم حملها بين ذراعيه فجأة، فشهقت نغم بضحكة متفاجئة. "جاسر! أنت لسة تعبان، الجروح بتألمك. نزلني." نظر إليها بحب وقال وهو يبدأ في الصعود بها على الدرج. "جروحي بتتعافى لما بتكوني في حضني. والكابوس خلص ودلوقتي جه وقت نعيش حلمنا." صعد بها إلى غرفتهما وأغلق الباب خلفهما ليتركا العالم كله في الخارج، ويبدآ أول صفحة حقيقية في قصة حبهما. قصة وُلدت من رحم النار لتزهر في جنة الأمان.

-عاد أكمل إلى شقته لكنها لم تعد بيته. كانت مجرد جدران صامتة، باردة تردد صدى غيابهم. كل ركن فيها يصرخ باسم صبرة. كل صوت يذكره ببكاء قاسم. أصبح المكان سجناً جدرانه تقترب منه لتخنقه بالذكريات والوحدة. حاول أن يعمل، أن يغرق نفسه في أوراق القضايا، لكن كل الكلمات كانت تتشكل لترسم وجهها، وكل القوانين كانت تبدو سخيفة أمام قانون قلبه الذي ينبض شوقاً وألماً. لم يعد يحتمل.

وصل إلى حافة الانهيار، حيث لا المنطق ينفع ولا الصبر يجدى. في عز تعبه وإرهاقه استسلم لنداء قلبه اليائس. قام من مكانه، لم يغير ملابسه حتى، وانطلق بسيارته نحو بيت والدته. لم تكن في رأسه خطة، لم يكن هناك منطق. كان هناك دافع واحد فقط: أن يعيدها بأي طريقة، بالقوة، بالرجاء، بالدموع... المهم أن تعود إلى حضنه، أن يعود النبض إلى هذا البيت الميت. وصل إلى بيت والدته وطرق الباب بقوة وعصبية لم تعتدها منه.

فتحت له نسرين، وبمجرد أن رأت حالته، عيناه المحتقنتان والإرهاق الذي يرسم خطوطاً قاسية على وجهه، قلق قلبها. "أكمل؟ مالك يا ابني؟ دخل دون أن يجيب، وعيناه تبحثان في كل مكان. "هي فين؟ "مين يا أكمل؟ اهدى." "صبر فين يا أمي؟ تنهدت نسرين ووضعت يدها على ذراعه في محاولة لتهدئته. "جوه في أوضتها، بس بالراحة عليها يا أكمل، البنت لسه مجروحة منك. الجرح اللي في القلب مش بيلم بسرعة."

أغمض أكمل عينيه وأخذ نفساً عميقاً، محاولاً استجماع بقايا هدوئه. أومأ برأسه بصمت ثم اتجه نحو غرفته القديمة. وقف أمام الباب للحظة كأنه يستعد لمعركة، ثم فتحه بهدوء ودخل. كانت الغرفة شبه مظلمة، والضوء الخافت القادم من النافذة يرسم ظلالاً حزينة. كانت صبر مستلقية على السرير، تدير ظهرها للباب، وكتفاها يهتزان ببطء مع بكاء صامت مكتوم، أشد إيلاماً من أي صراخ. عندما رآها هكذا شعر وكأن سكيناً بارداً قد غُرس في قلبه.

كل الغضب الذي جاء به، كل العصبية، كل الإصرار على المواجهة تبخر في لحظة، ولم يترك خلفه سوى ألم حارق وحب جارف. أغلق الباب خلفه بهدوء واقترب من السرير وجلس على حافته برفق. لم تتلفت، لكنه عرف أنها شعرت بوجوده من تصلب جسدها. "صبر... قالها بصوت أجش يرتجف من فرط المشاعر المكبوتة. لم ترد. مد يده ببطء وتردد للحظة، ثم وضعها على كتفها. شعر بارتجافتها تحت لمسته. "أنا آسف." عندها لم تعد تستطع المقاومة.

استدارت نحوه ووجهها غارق في الدموع، وعيناها تحملان كل عتاب العالم وألمه. "آسف على إيه بالظبط يا أكمل؟ "على كل حاجة. آسف إني سمحتلها تدخل بيتنا. آسف إني سمعتلها." "آسف على الوجع اللي شفته في عينيكي." "آسف إني خليتك تشكي فيا لو للحظة." هزت رأسها وخرج صوتها متقطعاً من البكاء. "أنا مش شاكة فيك. أنا عارفة إنك متعملش كده. أنا عارفة إنك بتحبني، بس مش ده اللي قتلني." نظرت في عينيه مباشرة، وكلماتها كانت كشظايا الزجاج.

"اللي قتلني إنك سمحتلها تكون في مكان أنا بس اللي مسموحلي أكون فيه. اللي قتلني إنها قدرت تقرب منك بالطريقة دي." "لما شفتها... حسيت إن قلبي بيقف. حسيت إن الهوا بيتسحب مني. غصب عني يا أكمل... الصورة مبتتنسيش." اقترب منها أكثر ومسح دموعها بيديه. "دي كانت ماضي يا صبر. ماضي وانتهى من يوم ما دخلتي حياتي." "ولما بعدنا عن بعض... الماضي ده رجع. رجعتلها يا أكمل! صاح بها بألم رافضاً اتهامها الظالم.

"كنت يائس ومجروح منك، كنت بعاند نفسي ومكنتش عارف بعمل إيه، بس لما شوفتك نسيت كل حاجة ورجعتلك. بس دلوقتي هي اللي جات، وأنا كنت هطردها، كنت هقولها إن حياتي فيها أنتِ وبس. أنتِ اللي حكمتي عليا من غير ما تسمعي." "وأنت حكمت عليا قبل كده من غير ما تسمعني! عرفت دلوقتي الإحساس بيبقى عامل إزاي؟ عرفت يعني إيه تتهم حد بتحبه وهو بريء؟ صمت أكمل، لقد أصابت وتراً حساساً. لقد أعادت إليه جرحه القديم، لكنها جعلته يفهم جرحها هي.

تنهد بألم وقال بصدق كامل. "عندك حق. أنا دُقت نفس الكاس. وعشان كده، أنا مش هسيبك تدوقيه أكتر من كده." "أنا غلطت لما استقبلتها، غلطت لما ترددت لحظة، بس وحياة حبك في قلبي وحياة ابننا، اللحظة اللي دخلتي فيها كانت لحظة نهاية أي حاچة تانية في الدنيا." "أنتِ وبس يا صبر. أنتِ الحاضر والمستقبل." رأت الصدق في عينيه، رأت ألمه ورأت حبه الذي لا شك فيه. بدأت دفاعاتها تنهار. "أنا خايفة يا أكمل." "خايفة من إيه وأنا معاكي؟

"خايفة أخسرك." ابتسم أكمل ابتسامة حزينة، وسحبها إلى حضنه بقوة، ودفن وجهه في شعرها. "مستحيل تخسريني. أنتِ روحي، والواحد مبيقدرش يعيش من غير روحه." "أنا كنت بموت اليومين اللي فاتوا. البيت من غيرك وحش أوي والدنيا من غيرك صحرا. سامحيني." تشبثت به وبكت على صدره، لكن هذه المرة كان بكاء ارتياح، بكاء يغسل كل الألم. رفعت رأسها وقالت بصوت هامس. "مقدرش أعيش من غيرك." "ولا أنا." نظر في عينيها ثم انحنى وقبّلها.

كانت قبلة تحمل كل شيء: الأسف والشوق والألم والوعد. كانت قبلة تصالح، قبلة أعادت بناء كل الجسور التي تهدمت. سحبها معه أعمق، لتذوب بين ذراعيه، وتستسلم لبحور عشقه التي كانت ملاذها الوحيد، حيث يغسل الحب كل الخطايا، ويُصلح كل ما كُسر، ويعيد الحياة إلى القلوب المتعبة. -كان الليل قد انتصف وعادت السكينة لتخيم على سرايا الرفاعي. لكنها لم تكن سكينة عادية، كانت سكينة مُتعبة مُحملة بذكريات يوم طويل وحاسم.

في غرفتهما كانت ورد تجلس على حافة السرير شاردة، تنظر من النافذة نحو الظلام دون أن تراه حقاً. كانت تتخيل صورة أخيها صخر والأصفاد تلتف حول معصميه، لا تفارق خيالها. شعور غريب وممزق كان يعصف بداخلها، جزء منها يشعر بالراحة لأن الكابوس قد انتهى، وجزء آخر يشعر بحزن عميق على رابطة الدم التي تحولت إلى عداء ثم إلى جريمة. مهما فعل سيظل أخاها، قطعة من طفولتها وذكرى من بيت أبيها. شعر سالم بصمتها الحزين.

خرج من الحمام بعد أن غير ملابسه واقترب منها بهدوء. لم يتكلم، فقط جلس بجانبها على السرير ثم أحاطها بذراعيه من الخلف وسحبها برفق لتستند بظهرها على صدره. أسند ذقنه على رأسها ويده تضغط بلطف على يدها كأنه يبني حولها حصناً من الأمان. تنهدت ورد تنهيدة طويلة وخرج صوتها متعباً ومبحوحاً. "مش عارفة أفرح ولا أزعل. قلبي واجعني عليه يا سالم." "مهما كان ده أخويا، كنت بتمنى يتصلح حاله، مش ينتهي بيه في السجن."

أغمض سالم عينيه وهو يستشعر ألمها كأنه ألمه. "عارف يا روح سالم، عارف إن قلبك أبيض ومبيعرفش يشيل. وزعلك ده دليل على أصلك الطيب." "بس صخر هو اللي اختار طريقه، هو اللي فضل الحقد والغل على صلة الدم." صمت للحظة ثم قال بصوت عميق، يحمل ثقل سنوات من القلق المكتوم. "أنتِ عارفة أنا عشت السنين اللي فاتت دي كيف؟ نظرت إليه فرأت في عينيه تعباً لم تره من قبل. أكمل بنبرة لم يسمعها منها أحد غيرها، نبرة ضعف وخوف.

"كل يوم كنت بصحى من النوم، وأول حاجة بعملها إني أبص عليكي وأتأكد إنك لسه بتتنفسي." "كل مرة كنتي بتخرجي من باب السرايا، كان قلبي بيخرج معاكي، ومبيرجعش غير لما ترجعي." "كل غريب كان بيقرب من السور، كنت بشوف فيه رسول الموت اللي بعته صخر." "كنت عايش في كابوس يا ورد. كابوس إني ممكن في أي لحظة أرجع ملاقيكيش." شدد من احتضانها كأنه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها. "تهديده ليكي مكنش مجرد كلام."

"أنا كنت عارف إنه جاد وإنه مستني اللحظة المناسبة. كنت بنام وأنا صاحي وبصحى وأنا خايف. كنت مستعد أحارب الدنيا كلها عشان أحميكي، بس الخوف من غدره كان بياكل فيا كل يوم." شعرت ورد بصدق كلماته وارتجف قلبها، ليس من الحزن على أخيها، بل من حجم الحب والخوف الذي كان يحمله زوجها في قلبه من أجلها. استدارت بين ذراعيه لتواجهه ووضعت يديها على وجهه. "كل ده كان في قلبك وساكت؟ "كنت هقولك إيه؟ أقولك متخرجيش؟ أسجنك بإيدي عشان أحميكي؟

مقدرش." "كنت بدعي ربنا كل ليلة إنه يحفظك، وإنه يكشفه قبل ما يوصلك." ابتسم ابتسامة باهتة لكنها كانت حقيقية. "النهاردة... النهاردة بس يا ورد أنا اخدت نفسي." "النهاردة بس حسيت إن الكابوس خلص." "النهاردة بس هعرف أنام وأنا مطمن إنك جنبي وإن مفيش خطر هيطولك." انحنى وقبل جبهتها قبلة طويلة دافئة، تحمل كل معاني الأمان والراحة. "خلاص يا ورد الأمان رجع ومحدش هيقدر ياخدك مني تاني أبداً."

ذابت ورد بين ذراعيه وشعرت بأن كل أحزان العالم تتلاشى. صحيح أنها فقدت أخاً، لكنها ربحت رجلاً كان هو جيشها وحصنها، وأمانها. وفي حضنه لم يعد هناك مكان للخوف، فقط سلام عميق وحب لا ينتهي. -لم ينم وهدان في تلك الليلة. بعد أن انفض الجمع وعاد كل رجل إلى بيته وأسرته، ظل هو مستيقظاً. لم يكن أرقه قلقاً أو خوفاً، بل كان حالة من الصفاء العميق كهدوء السماء بعد أن تنجلي آخر سحابة من عاصفة مدمرة.

مع أول خيط من خيوط الفجر قام من فراشه بهدوء وتوضأ وصلى. ثم ارتدى جلبابه وخرج من السرايا وحيداً. لم يخبر أحداً بوجهته، لكن قلبه كان يعرف الطريق جيداً. سار بخطوات بطيئة وثابتة تخترق صمت القرية التي بدأت تستيقظ على غير عادتها. لم يكن هناك همس عن الثأر، ولا نظرات مشحونة بالتربص. كان هناك هدوء، هدوء حقيقي كأن القرية كلها قد تنهدت بارتياح.

وصل إلى مقابر العائلة وقف أمام قبر نُقش عليه اسم "عامر وهدان الرفاعي" وبجانبه "عدي سابم الرفاعي". أغمض عينيه، ولم تكن الصورة التي رآها هي صورة حفيده في كفنه، ولا صورة ابنه، بل صورتهم وهما اطفال يجريان في حقول الأرض، يضحكان وصوتهما يملأ الدنيا حياة. رآه شاباً قوياً يحمل ملامح عائلة الرفاعي وكبريائها. ثم شاباً آخر بدمٍ حامٍ لم يتحمل فراق حبيبة كتبت لغيره. تنهيدة طويلة مُحملة بألم السنين خرجت من صدر وهدان.

جلس على الأرض بجوار القبر ومرر يده الخشنة على ترابه البارد كأنه يمسح على شعر حفيده وابنه. "ارتاحوا يا أغلى الناس... " همس بصوت خفيض، كأنه يكلم روحاً تحوم في المكان. "الحج رجع والدم اللي راح عشانكم، وجف خلاص." نظر لحفيده وتابع. "صحيح أنت غالي... وغالي جوي. فراقك كان نار بتاكل في قلبي كل يوم. كنت ببص في وش أبوك وأشوف حسرته، وأبص في وش إخواتك وأشوف كسرتهم، وأقول نفسي... كل ده عشان إيه؟

"كنت عارف إن دمك حامي، بس تهورك يا غالي وجّع قلوبنا عليك." "طعت كتير لجل ما أحافظ عليكم، بس أنت خرجت عن طوعي وجتلتني وجرحت قلوبنا عليك." "قلتلك شيطان الكبرياء والثأر أعمى، بس أنت مطوعتش حد فينا." "الثأر عماّنا كلنا. جبلك وخلاّنا نصدق الكدبة ونعيشها ونموت فيها." صمت للحظة، ورفع رأسه لينظر إلى السماء التي بدأت تتلون بألوان الشروق. "بس ربنا كبير... كبير جوي." "صحيح هو خدك لحكمة يعلمها، بس موتك ده...

كان هو المسمار الأول في نعش الثأر. موتك هو اللي صحّى جاسر، وهو اللي خلانا كلنا نرجع نفكر. يمكن كان لازم واحد غالي زيك يروح، عشان الباقي يعيش في سلام." نظر لعامر وتابع. "الثأر خلص يا عامر، خلص خلاص." "عيلة التهامي وعيلة الرفاعي هيرجعوا جيران تاني." "الدم هيتغسل بالخير والأرض اللي كانت سبب العداوة هترجع للدولة شاهدة على نهاية الظلم." مد يده ومسح دمعة عنيدة تسللت من زاوية عينه. لم تكن دمعة حزن، بل دمعة راحة.

راحة الرجل الذي عاش عمراً كاملاً تحت وطأة ثأر لم يختره، وخسر فيه أغلى ما يملك، لكنه عاش ليرى نهايته. وقف على قدميه ونظر إلى القبر نظرة أخيرة، نظرة وداع ليس للحفيد والابن، بل للماضي كله. ثم استدار وبدأ يسير عائداً إلى السرايا وظهره مستقيم وخطواته أكثر ثقة. كان يسير نحو فجر جديد، فجر لا يحمل رائحة الدم، بل يحمل وعداً بالسلام. سلام اشتراه بقطعة من قلبه.

-في غرفتها الهادئة حيث كل شيء لا يزال يحمل عبق ذكرياته، أغلقت ليل الباب خلفها، لتختلي أخيراً بنفسها وبأشباح الماضي الجميل. لم تعد هناك حاجة للقلق أو الخوف. لقد انتهت المعركة ووصلت سفينتها أخيراً إلى بر الأمان. تقدمت نحو خزانة ملابسها القديمة وفتحت درجا صغيرا وأخرجت منه بعناية كنزا قديما، إطاراً خشبياً بسيطاً يحمل صورة باهتة لرجل في مقتبل العمر، عينيه تلمعان بذكاء وحياة، وعلى شفتيه ابتسامة واثقة. صورة عامر.

عادت وجلست على حافة السرير ووضعت الصورة في حجرها، ومررت أناملها برفق على زجاجها البارد كأنها تلمس وجهه. "عامر... همست باسمه وخرج الصوت محملاً بسنوات من الشوق والحنين. "شايف يا حبيبي؟ شايف اللي حصل؟ ابتسامة حزينة وراضية ارتسمت على شفتيها، ودمعة لمعت في عينيها لكنها لم تسقط. "الثأر اللي خدك مني... خلص. الكابوس اللي عشت فيه من يوم ما سبتني... انتهى. حقك رجع يا عامر." صمتت للحظة كأنها تستمع إلى صدى صوته في ذاكرتها.

"بس مش ده اللي جاية أقولك عليه. أنا جاية أطمنك على أمانتك. على بناتك... على حتة منك ومني اللي سبتهم لي في الدنيا." "بناتنا كبروا يا عامر وبجوا ستات زي القمر. فاكر لما كنت بتجولي خايف عليهم من الدنيا؟ الدنيا كانت قاسية عليهم جوي يا حبيبي، بس هما طلعوا أقوى منها، طلعوا شبهك، راسهم مرفوعة ومبيخافوش من الحج." "نغم...

بنتك الصغيرة اللي ورثت عنادك وقوة شخصيتك. جلبها اللي كان مجفول اتفتح، بجت في حضن راجل بيحبها وبيصونها. مالك شايلها في عينيه النهاردة شفتها بتبص له وهي بتضحك، نفس ضحكتك اللي كانت بتخطف قلبي. بجت أم يا عامر، جابت بنت زي الملاك، نورت دنيتهم." "ونغم... بنتنا الكبيرة، اللي كانت رقيقة زي النسيم. شافت كتير جوي يا عامر، شافت اللي محدش يستحمله. بس جلبها الصغير ده طلع من حديد. حاربت ووقفت وجاومت وفي الآخر...

حبها انتصر. جاسر الراجل اللي كان عدونا، بجى هو أمانها وحمايتها. لو تشوفه بيبصلها إزاي، لو تشوف الخوف عليها في عينيه كنت هترتاح وتطمن. حبهم اتولد من جلب النار عشان كده بجى أقوى من أي حاجة." أخذت نفساً عميقاً ورفعت الصورة لتنظر في عينيه مباشرة. "أنا النهاردة يا عامر... سعيدة، سعيدة بيهم وسعيدة عشانهم. كل واحدة فيهم لجت مرفأها، ولجت الراجل اللي هيكمل معاها الطريق. الأمان اللي كنت بحلم بيه ليهم اتحقق."

"الحمل اللي كنت شايله على كتفي لوحدي، خلاص مبقاش تقيل." "أنا وصلت الأمانة يا حبيبي. بناتك في أمان ودلوقتي، أقدر أقولك... ارتاح. ارتاح يا نور عيني، بناتي وبناتك وصلوا لبر الأمان." انحنت وقبلت الصورة قبلة طويلة، ثم ضمتها إلى صدرها بقوة مغمضة عينيها. لم تكن تبكي على فراقه، بل كانت تشاركه فرحتها وتخبره بأن تضحيته لم تذهب سدى، وأن بذرة الحب التي زرعاها معاً، قد أزهرت أخيراً، رغم كل العواصف.

-كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل بهدوء من بين ستائر غرفة النوم ترسم خطوطاً فضية على الجدران وتلقي بضوءٍ ناعم على وجه نغم. كانت مستلقية على السرير ورأسها يستريح على صدر جاسر ويدها تحتضنه بقوة وكأنها تخشى أن يختفي إذا أرخت قبضتها. أنفاسه المنتظمة والعميقة كانت الموسيقى الوحيدة التي تملأ الغرفة وصوت نبضات قلبه الثابتة تحت أذنها كانت أجمل لحن سمعته في حياتها. لم تكن نائمة. كيف يجرؤ النوم على سرقة لحظات كهذه؟

كانت عيناها مفتوحتين، تتأملان الفراغ بسعادة غامرة. شعور بالأمان المطلق يغمرها، شعور لم تعرفه من قبل. كل المخاوف التي كانت تسكنها، كل القلق الذي كان ينهش روحها تبخر واختفى. لم يعد هناك "شروق"، لم يعد هناك "صخر"، لم يعد هناك خطر يتربص بهما في الظلام. لم يعد هناك سوى هي... وهو. شعر جاسر بحركتها الخفيفة وبأنفاسها التي لم تهدأ بعد. فتح عينيه ببطء وابتسامة صغيرة تزينت بها شفتاه قبل أن يتكلم.

أحكم ذراعه حولها مقرباً إياها أكثر إلى حضنه الدافئ وهمس بصوتٍ ناعس وعميق. "لسه صاحية يا حبيبتي؟ رفعت نغم رأسها قليلاً لتنظر في عينيه اللتين كانتا تلمعان بحبٍ صافٍ. ابتسمت ابتسامة واسعة أضاءت وجهها بالكامل. "مش مصدجة... مش مصدجة إن كل ده خلص. حاسة كأني كنت في كابوس طويل وصحيت منه فجأة." مررت أناملها برقة على خده وتابعت بصوتٍ يملؤه العشق. "مش مصدجة إن الخطر راح، وإننا بقينا في أمان... وإنك... إنك بقيتلي أنا وبس."

ضحك جاسر ضحكة خافتة وعميقة اهتز لها صدره، مما جعلها تشعر بدغدغة لطيفة. نظر إليها بمكر، ورفع حاجبه في حركة مسرحية. "اممم... أنا شايف إنك بقيت شريرة شوية. عايزاني ليكي لوحدك؟ ضيّقت نغم عينيها في تحدٍّ لعوب واقتربت من وجهه حتى كادت أنفاسهما تختلط. قالت بنبرة جادة بشكل هزلي، لكنها كانت تحمل كل الصدق في العالم. "أي واحدة تفكر بس إنها تجرب منك هتلاقيها اتحولت لذئبة وهنهش لحمها."

انفجر جاسر ضاحكاً هذه المرة، ضحكة صافية خرجت من أعماق قلبه. يا الله كم يعشق هذه الغيرة الصريحة، هذا الحب المتملك الذي يعلن عن نفسه بلا خجل. إنها تحبه بنفس القوة، بنفس الجنون. "يا ساتر! للدرجة دي؟ لم تجبه بالكلمات. بدلاً من ذلك رفعت نفسها قليلاً وطبعت قبلة طويلة وعميقة على خده، قبلة تحمل كل الشوق الذي كتمته، وكل الحب الذي تملّكها. ابتعدت قليلاً، وعيناها تلمعان بتحدٍّ وحب.

"وأكتر من كده بكتير يا جاسر. أنت ملكي أنا وبس... فاهم؟ نظر في عينيها طويلاً ورأى فيهما عالمه كله. لم يعد هناك ما يقوله. جذبها إليه بقوة ودفن وجهه في شعرها مستنشقاً رائحتها التي أصبحت إدمانه. همس في أذنها بكلماتٍ كانت هي كل ما يحتاجه قلبها ليطمئن إلى الأبد. "وأنا ملكك إنتي وبس يا قلب جاسر." في ذلك الحضن وتحت ضوء الفجر الجديد، لم يكونا مجرد زوجين، بل كانا عالمين اندمجا معاً. روحين وجدتا أخيراً وطنهما الأبدي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...