التفت مالك وشعر بأن العالم كله قد توقف. كانت روح تقف أمامه، ليست على بعد أكثر من خطوات، وعيناها تحدقان فيه بحيرة عميقة، مزيج من الارتباك والألم الخافت الذي لم تفهم مصدره بعد. تجمد الدم في عروقه، وشعر بأنه عاري تمامًا أمام نظرتها الفاحصة. قال اسمها بصوت أجش، بالكاد خرج من حنجرته الجافة. "روح؟ قطبت روح حاجبيها، وتقدمت خطوة نحوه، عقلها يحاول ترتيب الكلمات التي التقطتها أذناها. "هي مين دي... اللي هتكون سعيد بسعادتها؟
لا تعرف لماذا لامست الغيرة قلبها كوخزة حادة لطالما كانت تتساءل في سرها عن تلك المرأة المجهولة التي ستمتلك قلب مالك يومًا ما، وتبعده عنها إلى الأبد. كانت دائمًا تعتبر قلبه ملكًا لها، بطريقة بريئة وأنانيّة، والآن يبدو أن هناك من جاءت لتطالب به. "انت... بتحب واحدة؟ رمش مالك بعينيه بسرعة، كمن يبحث عن مهرب في غرفة مغلقة. عقله كان يعمل بأقصى سرعة ليفتعل كذبة مقنعة، أي شيء يمحو هذه النظرة من عينيها. "لا... لا...
مفيش الكلام ده. أنا كنت بتكلم عن واحد صاحبي، كان بيحب واحدة وهتتجوز غيره. كنت بواسيه بس." لم تقتنع روح بحديثه. كانت هناك حقيقة أعمق في نبرة صوته، في ألمه الذي سمعته بوضوح. همت بتكذيبه، بفتح هذا الباب الذي شعرت بأنه سيغير كل شيء. لكن صوت عمها سالم الصارخ الذي دوى من داخل المكتب قطع عليهما اللحظة المشحونة. "انت بتجول إيه؟! هي مين اللي اتخطفت؟!
نظر مالك وروح إلى بعضهما بصدمة، ونسيا تمامًا حوارهما المتوتر. أسرع الاثنان إلى داخل المكتب، وفي نفس اللحظة، كان الجميع يتدفقون إلى الداخل على صوت الصياح، ليجدوا سالم واقفًا في المنتصف، يمسك الهاتف بقبضة بيضاء، ووجهه متجهم كعاصفة على وشك الانفجار. صاح سالم في الهاتف. "مين اللي عمل إكدة؟! صمت لثوانٍ مرعبة يستمع إلى الطرف الآخر. تشنج جانب فمه بغضب مكبوت، وقال بصوت جليدي. "استناني عندك، وأني چاي دلوجت."
أغلق الخط بقوة كادت أن تحطم الهاتف. أسرع إليه الجميع يسألونه بلهفة ورعب. "مين اللي اتخطفت يا سالم؟! في إيه؟! تطلع سالم إلى ليل ثم إلى ورد، ونظراته كانت تحمل وعدًا بالدمار. نطق بالكلمات التي حولت القصر إلى بركان. "ابن التهامي... خطف نغم." انقلب المكان رأسًا على عقب. شهقت ورد ووضعت يدها على فمها، بينما انهارت ليل تهز رأسها برفض هستيري، وكأنها تحاول نفي الحقيقة المروعة. "لاه... بنتي... بنتي لاه...
أسرعت إليها روح لتحتضنها، تحاول تهدئتها رغم أن قلبها هي كان يدق بعنف. "متخافيش يااما، متخافيش نغم هترجع." صاح عدي بغضب أعمى، وعيناه تقدحان شررًا. "يبجى هما اللي چنوا على نفسهم! همّ بالخروج من المكتب ليأتي بسلاحه، لكن يد مالك القوية أمسكت بذراعه، وأوقفته بحزم. "اهدأ يا عدي! الموضوع ده بالذات ميتخدش إكدة. لازم نتحرك من غير شوشرة." صاح به عدي محاولًا التخلص من قبضته. "إنت بتجول إيه؟! بجوا يخطفوا بناتنا ونسكت إياك؟!
صاح به مالك بصوت أعلى، صوت لم يكن غاضبًا، بل كان صوت القائد الذي يفرض النظام في خضم الفوضى. "لاه مش هنسكت! بس هنتحرك بالعقل! معنى إنه ياخدها من الچامعة بالنهار، يبجى كان تحت تهديد! مش ببساطة كدة هيروح يخطفها جدام زمايلها. هو استخدم العقل، إحنا كمان نستخدمه. من غير شوشرة هتودينا في داهية. هنروح أنا وأبوي وعمي، ونشوف هيرجعوها بالذوق، ولا نستخدم طريجة تانية." أيد حامد والد سند، رأي ابن أخيه بحكمة.
"مالك عنده حج. عين العقل. خلينا نروح نتكلم بهدوء لول. لو رفضوا، يبقى لكل حادث حديث." قال مالك وقد تحول تمامًا إلى رجل الأزمات. "دلوجت، أول خطوة هنروح على الچامعة، ونطلب نشوف الكاميرات. لازم نعرف هي خرچت معاه إزاي، ويكون معانا إثبات قبل ما نروح لهم." وافقه الجميع على الفور. تحولت الفوضى إلى خطة عمل منظمة تحت قيادته.
خرج الرجال بسياراتهم، وانطلقوا كالريح متجهين إلى الجامعة، تاركين وراءهم قصرًا يغلي بالقلق والخوف، وروحًا تقف في مكانها، تدرك أن الكارثة التي حلت بهم للتو، قد أنقذتها مؤقتًا من كارثة أخرى، كارثة شخصية كانت على وشك الانفجار بينها وبين مالك. *** كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وأشعتها الذهبية تتسلل عبر زجاج السيارة لتلقي بظلال طويلة على وجه نغم الشاحب.
لم تنطق بكلمة واحدة طوال الطريق، فقط كانت تنظر من النافذة إلى الشوارع التي تمر بها سريعًا، وكأنها تودع عالمها القديم الذي لن تعود إليه أبدًا. كل مبنى وكل شجرة وكل وجه عابر كان يثير في نفسها موجة من الحنين والألم. أما هو فكان يقود السيارة بهدوء تام، يده القوية تمسك بالمقود بثبات، وعيناه مركزتان على الطريق أمامه. لم يحاول أن يتحدث معها، ولم يلتفت إليها ولو لمرة واحدة.
كان صمته أشد وطأة من كلماته، صمت يوحي بالسيطرة المطلقة، وكأنه يقول لها: "لقد انتهى الأمر، أنتِ الآن ملكي". وصلت السيارة أخيرًا إلى بوابة حديدية ضخمة، فُتحت ببطء لتكشف عن ساحة واسعة تؤدي إلى منزل كبير، أو كما يسمونه في الصعيد "سرايا". كانت سرايا عائلة "التهامي" مهيبة، شامخة كأصحابها، لكنها بدت في عيني نغم كسجن مفخخ أسواره عالية وقضبانه من ذهب.
توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي. ترجل جاسر أولًا، ثم استدار وفتح لها الباب بحركة آلية خالية من أي مشاعر. قال بنبرة آمرة لم تتغير. "انزلي." نزلت نغم بخطوات مترددة، وشعرت بقدميها تلامسان أرضًا غريبة عنها، أرضًا ستشهد على بقية حياتها البائسة. ما إن وقفت حتى أمسك جاسر بذراعها مرة أخرى، ليس بقسوة كما في المكتب، بل بصلابة لا تسمح بالرفض، وسار بها نحو الداخل.
في بهو السرايا الواسع، كانت والدته تجلس بعيدًا وكأنها ترفض ما سيحدث من ولدها. كان صخر بجواره رجل وقور يرتدي جبة وعمامة، يبدو أنه المأذون. رفع صخر وجهه نظر إليهما فور دخولهما، وارتسمت على وجهه ابتسامة رضا باردة وهو يرى نغم تسير بجانب ابن أخيه. لم تكن هناك تحية أو ترحيب. كل شيء كان معدًا مسبقًا وكأنها صفقة تجارية تم الاتفاق عليها. أشار جاسر لوالدته التي تقف بعيدًا بأن تأخذ نغم. فقالت بعتاب.
"لساتك يا ولدي مصر علي في دماغك؟ رد جاسر بتحذير. "أمي." التزمت الصمت فليس بيدها فعل شيء. وأخذت نغم المستسلمة لها وقالت. "تعالي يا بتي." جلست على الأريكة وجلست بجوارها وأخذت تشاهد بعينيها إجراءات الزواج التي كان معد لها مسبقاً. الوكيل و بطاقتها وكل ما يتعلق بها. ولما لا فقد كانت بحوزته يومين كاملين. بدأ المأذون في تلاوة الإجراءات، وكانت كلماته تدوي في أذني نغم كأنها مطارق تدق آخر المسامير في نعش حريتها.
حتى انتهى بإمضاءه وطلب امضاء العروس. سخرت نغم من أي عروس يذكر ذلك المختل. ألا يرى حزنها. ألم يشك بأنها مرغمة على الزواج. أنه حتى لم يطلب رأيها. وها قد جاء ليجبرها على الامضاء أيضاً. "أمضي." رفعت بصرها إليه بسخط، قابله هو ببرود كالجليد. وكم أرادت في تلك اللحظة أن تمزق تلك الأوراق وتلقيها في وجهه وتلوذ بالفرار ويحدث ما يحدث. لكن لم يعد باستطاعتها ذلك ودخلت القضبان بقدميها. "أمضي."
ساد صمت ثقيل بعدها. رفعت نغم نظرها الفارغ نحو جاسر، الذي كان يراقبها بنظرة حادة كالصقر. كانت نظراته تحمل تهديدًا صامتًا، تذكيراً بما سيحدث لو نطقت بكلمة "لا". أخذت نفسًا عميقًا، وشعرت بمرارة تسري في حلقها. أغمضت عينيها للحظة، ورأت أمامها وجوه عائلتها، وجه أمها الحنون، وابتسامة أختها، ونظرة اولاد عمها المليئة بالأمل. من أجلهم فقط، ستفعلها. فتحت عينيها وأخذت القلم من يده بعنف وقامت بالامضاء.
وفور انتهاءها شعرت وكأن روحها قد غادرت جسدها. تم التوقيع على الأوراق، وظهرت ابتسامة خافتة من صخر، تلاها ابتسامة ليست للاحتفال، بل للتشفي والانتصار. وقف جاسر، وقال للمأذون ببرود. "ابعته على بيت أهلها، وبلغهم إن الفرح والدخلة الليلة." اتسعت عينا نغم بصدمة ورعب. "الليلة؟! هل جن هذا الرجل؟ كيف سيواجه أهلها هذا الخبر؟ كيف سيتحملون هذه الإهانة؟ ***
وفي خلال أقل من نصف ساعة، كان سند ومالك يقفان في غرفة المراقبة الصغيرة بالجامعة، وأعينهما مثبتة على شاشة تعرض تسجيلات كاميرات المراقبة. لقد طلبوا السرية التامة، فالأمر لا يحتمل الفضيحة، وكل ثانية تمر كانت كالجمر تحرق أعصابهم. مرت الدقائق كدهر وهم يراقبون الممرات والساحات، حتى وصلت اللقطة الحاسمة. رأوا جاسر يدخل المكتب بثقة، ثم نغم تدلف بعد فترة بتردد واضح. ثم...
اللقطة التي حطمت كل شيء. ظهر جاسر من الباب الخلفي، وخلفه نغم ويبدو عليها البكاء. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها زائغتين تسير خلفه كجسد بلا روح، كدمية خشبية تتحرك بخيوط لا مرئية. أدخلها سيارته الفارهة السوداء وانطلق بها كالبرق، مختفيًا عن الأنظار. قفز سند من مكانه، وقد تحولت عيناه إلى جمرتين مشتعلتين. صرخ في وجه والده الذي كان يقف خلفه، صرخة ممزوجة بالغضب والعجز. "أخدها، الكلب اخذها غصبت عنيها! شفت بعينك يا بوي!
شفت حالتها عاملة كيف! لم ينتظر ردًا. انطلق هو ووالده وعمه سالم الذي لحق بهم، نحو سرايا التهامي. كانت السيارات تشق الطريق الصحراوي بسرعة جنونية، والغبار يتصاعد خلفها كدخان معركة وشيكة، معركة شرف وكرامة. عندما وصلوا إلى بوابة السرايا الحديدية الضخمة، وجدوها مغلقة كحصن منيع. ترجل سند من سيارته، واندفع نحو البوابة وصاح بأعلى صوته، وقد بحّ صوته من الغضب. لكن لم يأتِ رد. فصاح سالم بغضب عارم. "يا جاسر لو راجل اطلع واجهنا."
بعد لحظات من الصمت الثقيل والمشحون، فُتحت البوابة ببطء وصوت صرير معدني حاد. لم يخرج جاسر، بل خرج صخر ونظراته كانت حادة كالسيف، وقامته المنتصبة توحي بقوة لا يستهان بها. وقف بثبات وقال ببرود مستفز. "صوتكم عالي ليه؟ جايين لحد بيتنا وتهللوا؟ تقدم والد سند وقال بغضب مكتوم. "ابنك خطف بت أخوي يا صخر وجايين ناخدها." ضحك صخر ضحكة ساخرة هزت أرجاء المكان ثم قال ببطء، وهو يرمقهم بنظرة متعالية. "خطفها؟
جاسر مبيخطفش. جاسر بياخد اللي ليه." في تلك اللحظة، ظهر جاسر على عتبة باب السرايا، ووقف بشموخ كأنه ملك منتصر. نظر إليهم ببرود، ثم قال الكلمات التي كانت بمثابة رصاصة الرحمة على آمالهم. "اللي جايين عشانها... مبجتش بنتكم... بقت مرتي." رفع يده وفيها وثيقة زواج رسمية. "كتبنا الكتاب من ساعة واللي ليه حق عند التاني ياجي ياخده." نظر سند إلى الوثيقة ثم إلى وجه جاسر المنتصر وشعر بدمه يغلي في عروقه. لقد تأخروا.
لقد حسم عدوهم المعركة قبل أن تبدأ، وحول عروسه المنتظرة إلى زوجته، وحول فرحهم القادم إلى مأتم أبدي. اشعلت عينا سند بنار الغضب وهو يصرخ. "بتردهالنا يا جاسر الكلب؟ فاكر إن ورقة زي دي هتخلينا نسيب حجنا؟ لم يهتز جاسر، بل رد ببرود أشد من برود الجليد وهو ينظر إلى سالم.
"حقكم ده كان زمان، جبل ما تعتدي على بيتنا، وتاخدوا بنت التهامية وتنسبوها عليكم غصب عنينا. دلوجتي الحج حجي، وأنا أخدته والبت اللي بتتكلموا عنها دي مرتي شرعًا وقانونًا، ومحدش له كلمة عليها غيري." تقدم عدي وقد بلغ غضبه منتهاه، وهم بالتهجم عليه وهو يقول بصوتٍ كالرعد. "هنشوف كلام مين اللي هيمشي يا ولد صخر. والله ما هتبات على ذمتك ليلة واحدة! امسكه مالك من ذراعه يمنعه.
وضحك جاسر بسخرية، ثم تحولت نظرته إلى جدية قاتلة وهو يرفع حاجبه. "وريني هتعمل إيه. السرايا دي مش سهلة للي يفكر يجرب منها، واللي هيمد إيده على حاچة تخصني... هجطعهاله." هنا تحدث مالك بتريس. "احنا چايين نتكلموا بالعجل، وانت محامي وخابر زين إن العقد ده باطل يعني تبله وتشرب مايته، فياريت تبعت بنتنا بالذوق." كمل سالم بقوة. "بنتكم اني مأجبرتهاش على الچواز مني، أني كنت رايدها وهي كمان رايداني ودخلت بيتكم من بابه."
تطلع إلى صخر وتابع. "افتكر زين وجتها انت عملت ايه؟ رفعت سلاحك عشان تجتلني لولا أبوك اللي منعك، مش حبًا فيا بس مكنش ينفع تجتلني في دارك، ولما أصريتوا تچوزوها غصبت عنيها هربت عشان تموت حالها، بس اني لحجتها وأخدتها دار عمي لحد ما كتبنا الكتاب." "كان بالتسامح بيناتنا يا ابن التهامي مش غصب عنيها زي ما عملتوا دلوجت. اني هكلمكم بالذوق خلي بتنا ترجع معانا ولو زي ما بتجول رايدها تاچي تخبط على بابنا."
ترجل صخر الدرج الفاصل بينه وبين سالم وقال بمغزى. "حسيت بمرارها دلوجت يا سالم؟ حسيت باللي احنا حسينا بيه وجتها؟ زي ما درينا ضهرنا ومشينا انت كمان تدير ضهرك وتهملنا، ومتخافش محدش في البلد هيعرف حاچة، طالما دخلت بيتنا يبجى سمعتها من سمعتنا. بس أوعى تفتكر إننا بجينا متعادلين. اتعادلنا بالعار بس التار لساته جايم يا رفاعية." هم عدي بالتهجم عليه لكن سالم منعه بذراعه وقال بأمر. "مش وجته." عاد بنظره لصخر وقال.
"مش متعادلين يا صخر، لأنكم أجبرتوها على الچوازة دي. أختك.... قاطعه صخر بهدر. "متجيبش سيرتها في البيت ده، لانها انجطعت من زمان، وشيدنالها جبرها اللي مستني يتاويها." ثار سالم ولم يعد يتحكم بغضبه عندما هدده بحبيبته. ورفع سبابته أمام وجه صخر وقال بتحذير هادر. "فكر تجرب منيها وأني أوعدك أمحيكم من على وش الدنيا." لم يترك جاسر مساحة لعمه بالرد وترجل درجة واحدة ليقف قبالة سالم وقال بثبوت.
"وزي ما هي چاتلك بالرضى بنتكم كمان چاتني بالرضا ولو مش مصدجني أجبهالك تعترفلك بنفسها." صاح سند بغضب. "انت كداب." "خلاص نچيبها تجولك بنفسها." عاد إلى الداخل فيجد نغم مازالت جالسة على الأريكة بانهيار كما تركهات. تقدم منها وقال بتهديد. "دلوجت أهلك عايزين يتأكدوا إذا كنتي چاية بمزاجك ولا أجبرتك، تطلعى دلوجت تجولي إنك چاية بخاطرك لإن لو غلطتي وجولتي الحجيجة متلوميش الا حالك ومحدش منهم هيخرج سليم."
رفع حاجبيه وتابع بتهديد مبطن. "هما چم لحد داري واتهجموا علينا جدام الشهود وده كان دفاع عن النفس ومهيكنش وراكم حد ياخد حجكم، فهمتي؟ كانت نظراتها مليئة بالازدراء كأنها تقف أمام شيطان لا تعرف الرحمة لقلبه سبيلا. "جدامي." قالها بأمر وحينها نهضت معه كآلة تسير كما يخطط لها. خرجت معه نغم وقد احمرت عينيها بلون الدم من شدة البكاء ووجهها شاحب شحوب الأموات. وقع نظرها من بين كل تلك الوجوه الغاضبة على وجه واحد: عمها سالم.
ذلك الأب الحنون الذي لم يفرقها يومًا عن أولاده، بل كان محبًا لها ويجعلها دائمًا في أولوياته. حنانه معها لم يكن يومًا مشروطًا، بل كان حبًا خالصًا كما كان حبه لأولاده. تسمرت في مكانها للحظات وكل العيون مصوبة عليها. عين مالك التي تخبرها بألا تخاف. عين عدي التي يملؤها الغضب. عين سند.. عين السند التي تغمرها بالرجاء ألا تخذله، فإن فعلتها سيدير ظهره لها ولن يلتفت. عين سالم هي التي تنظر إليها بعطف وخوف واعتذار.
دون إرادتها تحركت قدماها. توجهت إليه، تترجل الدرجات بثقل، كأنها تحمل فوق كتفيها كل هموم الدنيا، وصلت إليه ودموعها تنهمر من عينيها كشلال لا يتوقف. تمتمت باسمه، تشكو إليه كل ما حدث بكلمة واحدة حملت كل معاني الألم والضياع. "عمي... وحينها ألقت بنفسها بين ذراعيه، تبكي وتنتحب. شهقاتها تهز جسدها بالكامل، جعلت قلب سالم ينفطر عليها.
ضمّها سالم إلى صدره بحنان أبوي غامر، ويده القوية تربت على ظهرها المرتجف في محاولة يائسة لتهدئتها. تركها تفرغ ما في صدرها من حزن وألم، وشعر بدموعها الحارقة تبلل جلبابه، لكن كل ما كان يهمه في تلك اللحظة هو أن يمنحها الأمان الذي تبحث عنه في حضنه. لن يتركها بين أنيابهم مهما كلفه الأمر. ليس فقط لأنها أمانة أخيه، بل لأنها ابنته التي أحبها واعتز بها. لا ذنب لها بما حدث فيما مضى، ولن يتركها فداءً لأحد حتى لو كان هو نفسه.
سيحميها من براثنهم، وهذا وعد قطعه على نفسه في تلك اللحظة. بعد لحظات، أبعدها قليلاً عن حضنه، ومسح دموعها بأطراف أصابعه الخشنة، ثم نظر في عينيها مباشرة، وقال بصوت دافئ وحنون، صوت كان كطوق نجاة في بحر من اليأس. "نغم يا بتي، أنا أهنه چمبك. متخافيش من حاچة واصل طول ما أني عايش. مهما كان اللي حوصل، مش هسيبك أبداً. أنتِ خابرة مكانتكِ في جلبي. جولي الحجيجة وأوعدك إني هجف معاكي مهما كان جرارك، ومتخافيش من حاچة واصل."
أخذت نغم نفساً عميقاً متقطعاً، وحاولت أن تجمع شتات كلماتها، لكن صوتها كان ما يزال مختنقاً بالبكاء. نظرت إليه بعينين ملؤهما الاحتياج، وكم أرادت أن تخبره بكل شيء وتستنجد به لينقذها. فأن وجوده دائمًا كان هو الملاذ الذي تحتمي به دائماً من قسوة العالم. لكن لأجله لن تعترف بالحقيقة. نقلت نظرها إلى سند الذي كان ينظر إليها بقليل من الشك حتى سمعت صوت مالك القوي يقول بتشجيع.
"بكلمة منك هترجعي معانا. انتي وسط أهلك. متخليش حاچة تخوفك." اكمل عدي بلهفة. "متخافيش يا نغم كلنا معاكي." نظرت إلى سند مباشرة تلتمس منه الامان، تنتظر منه كلمة واحدة يثبت لها بأنها له ومعه ولن يتركها مهما حدث. لكن لم تجد منه سوى الترقب. كأن ترابطهم يتوقف على كلمة منها. قالت بصوتٍ ضعيف لكنه هز الجميع. "أنا هنا بإرادتي محدش خطفني." وقع كلامها كالصاعقة عليهم.
وتجمدت الدماء في عروقهم وهم ينظرون إليها بذهول، غير مصدقين ما سمعوه. لقد كانت طعنة أعمق من وثيقة الزواج، طعنة أتت من الشخص الذي جاؤوا لإنقاذه. همس والد سند بصوتٍ متحشرج. "بتجولي إيه يا بنت أخوي؟ إنتي واعية للي بتجوليه؟ أومأت برأسها بثقة، وعيناها مثبتتان على سند.
"أنا واعية لكل كلمة بجولها يا عمي. أنا اخترت جاسر، أني وهو نعرف بعض من زمان بس مجدرتش أصارحه بمشاعري، ولما انقذني من السواج اللي كان عايز يسرجني، ومن وجتها وأني مش جادرة أكمل حياتي من غيره." شعر سند وكأن الأرض انشقت وابتلعته. لم تكن هذه هزيمة، بل كانت إبادة كاملة. لم يخسر حبيبته لعدوه فحسب، بل اكتشف أنها اختارت عدوه عليه. انكسرت نظرته، وانسحب ببطء وهو يجر أذيال الخيبة والهزيمة. اغمضت عينيها بألم وهي تراه يتخلى عنه.
لن تلومه ولن تلوم نفسه. لم يحارب لأجلها وهي لن تحارب لأجله. كانت مستعدة لأن تتخلى عن كل شيء لو وجدته يرفض يعترض يجذبها إليه ويخبرها ويخبر الجميع أنها له وملكه. لكنه انتفض لكرامته تركها. بينما وقف جاسر يبتسم ابتسامة المنتصر، وقد أحكم قبضته على كل شيء. وما زاد اشتعال النار بداخله عندما تقدمت من جاسر لتقف خلفه وتابعت بانكسار. "أني چاية إهنه بإرادتي، ولو كنت اعرف انكم هتوافجوا مكنتش عملت إكدة."
أشار لها جاسر بالولوج للداخل فاطاعته تحت نظراتهم. فقال صخر. "عندك حاچة تاني رايد تجولها." لم يستطع أحد منهم الرد عليهم بعد أن قامت نغم بتصغيرهم بذلك الحجم أمام عدوهم. هم يعلمون تمام العلم بأنهم من أجبروها على قول ذلك، لكن أن تخشاهم في وجود أهلها كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. كما ان ذلك الرجل يعرف جيدًا ما يفعله وقد يستغل ما حدث ليشهر بسمعتهم. "لا مفش كلام تاني، بس جريب جوي هيكون فيه."
بنظرة واحدة من سالم إلى من معه جعلتهم يطيعوه إلى الذهاب معه بطاعة مخفضين رؤوسهم. *** كان الصمت ثقيلاً كالصخر، يملأ كل ركن في المنزل الكبير. جلس وهدان في صدر المجلس، ووجهه متجهم كليلة عاصفة، وبجانبه ابنيه وأحفاده الذين لم ينطقوا بحرف منذ أن غادروا أرض عدوهم. أما سند فكان يقف بجوار النافذة، ينظر إلى الفراغ بعينين زجاجيتين، كأنه تمثال للخيبة والهزيمة. عكس عدي الذي أخذ يفكر في حل يستعيد به نغم.
لن يتركها في أيديهم مهما حدث. سيضرم النار في منزلهم ويستعيده. لقد وافق وتحمل ان تكون لابن عمه لكنها أيضاً لن تبتعد عنه ولن تكون بين يدي عدوهم. قُطع هذا الصمت بدخول ليل، والدة نغم، التي هرولت إليهم بقلبٍ يرتجف من القلق. "فين نغم؟ فين بنتي؟ مجتش وياكم ليه؟ سألت بصوتٍ لاهث، وعيناها تتنقل بين وجوههم الجامدة بحثاً عن إجابة. لم يرد أحد. زاد قلقها وهي ترى حالتهم. "ساكتين ليه؟ جولولي بتي فين؟
هنا، لم يستطع سند التحمل أكثر. استدار عن النافذة، وظهر الألم واضحاً في كل ملامحه. "بتك اختارت عدونا يا مرت عمي. اختارت ابن التهامي." قالها بصوتٍ أجش، كل كلمة تخرج منه كأنها طعنة. شهقت ليل ووضعت يدها على فمها، غير مصدقة. لن تفعل ابنتها ذلك. محال أن تضع رأسهم في الطين وتختار ابن ذلك الرجل الذي قتل والدها. فقالت بعدم استيعاب. "كيف يعني اختارته؟ أنتو مش رحتوا عشان تجيبوها؟ نظرت لسالم وسألته. "فين بنتي يا سالم؟
فين وعدك ليا بإنك تحافظ على بناتي من الهوا الطاير زي ما كنت بتجول؟ تطلعت لمالك وتابعت جدلها. "وانت يا مالك، كيف چالك جلب تسيب بنت عمك وتاچي، مش دي نغم بنت عمك عامر اللي حزين عليه للنهاردة؟ فين ده؟ نظرت لسند الذي حاله ليس بأفضل من الجميع. "وانت كيف تسيب خطيبتك وسط الديابة وراچع ايد ورا وايد جدام؟ شملتهم بحديثها. "كيف جدرتوا تسيبوا لحمكم وسط الديابة وترچعوا؟
تحدث سالم أخيراً، ونبرته كانت تحمل مرارة لم تعهدها ليل من قبل. "رحنا يا ليل بس بتك وجفت جدامنا كلنا، ووراها جاسر وجالت إنها معاه بإرادتها. جالت إنها بتحبه، وإنها لو كانت تعرف إننا هنوافق مكنتش هربت." نظرت إليه بعتاب واستنكار. "وانت صدجتهم يا سالم؟! دي نغم اللي ربيتها على يدك تصدج انها تعمل إكدة؟ مفكرتش انه يكون هددها؟ هنا، تدخل وهدان بصوته القوي الذي يحمل ثقل السنين والغضب.
"وهي دي المصيبة يا ليل. المصيبة مش إنها راحتله، المصيبة إنها خافت منيه في وجودنا. كسرتنا جدام عدونا خلتنا صغار في عينه. رضخت لتهديده عشان حست إننا مش أمانها." كانت كلمات الجد كالسياط. لقد لخص المأساة الحقيقية. لم تكن خسارة نغم لعدوهم هي ما يؤلمهم فقط، بل الطريقة التي خسروها بها. لقد شعروا بأنهم خذلوها لدرجة أنها لم تعد تثق في قدرتهم على حمايتها. تحدث حامد بحيرة. "والفرح؟ هنعمل فيه ايه هنقول إيه للناس؟ هنودي وشنا فين؟
سمعتنا اللي بنيناها في سنين، هتضيع في يوم وليلة على ايد التهامية." ساد الصمت مرة أخرى وسؤال حامد كان هو السؤال الذي يدور في رأس كل واحد منهم. الفضيحة، والعار، وكلام الناس الذي سيكون أقسى من الرصاص. وقف عدي فجأة، وعيناه تشتعلان بنار الانتقام. "مفيش حل غير الدم. أني لازم اجتله بيدي." يصرخ فيه وهدان بصوتٍ هز أركان المنزل. "اجعد مكانك!
إياك تعمل حاچة تضيعنا كلنا. الراجل ده مش سهل، وهو مستني منينا غلطة زي دي عشان يبلعنا كلنا. هو عارف بيعمل إيه كويس." نظر سالم إلى أبيه، وقال بحيرة. "والعمل إيه يا بوي؟ هنسيب بتنا في إيده؟ وهنسكت على فضيحتنا؟ أغمض الجد عينيه وأخذ نفساً عميقاً، ثم فتحهما ببطء وقد ارتسمت عليهما نظرة دهاء ومكر. "الفرح هيفضل في معاده." نظر إليه الجميع في ذهول. أكمل الجد بنبرة هادئة ومخيفة.
"الناس كلها معزومة، ومستنية فرح بت الرفاعي والعروسة هتكون موجودة في فرحها... تركهم وهدان وذهب إلى غرفته دون أن يضيف كلمة واحدة وتركهم في حيرتهم. *** دلف سالم غرفته ليس ليستدعي راحته، فقد انتهت راحته منذ الآن. فقط ليرى تلك التي حبست نفسها داخل الغرفة منذ ما حدث. كانت قابعة في فراشها بحزن وانكسار. لم ترفع عينيها إليه بل ظلت خافضة لهما لا تستطيع مواجهته. تقدم منها ليجلس بجوارها وقال بهوادة.
"جاعدة لحالك ليه وسايبة ليل لوحدها." ردت بحزن دون النظر إليه. "اني آخر واحدة ممكن ليل تحتاجلها دلوجت." "ليه بتجولي إكدة، من ميتي وانتِ بتفكري التفكير ده يا ورد." "ذنبي إن دول أهلي، وذنبي اللي لحد النهاردة بتعاقب عليه إني اتچوزت اللي رايداه." تنهد سالم بحب وهو يرفع وجهها إليه برفق، لتلتقي عيناهما بعد طول غياب. مسح دمعة هاربة من عينيها بأنامله وقال بحنان.
"وهو ذنبا إننا عشجنا بعض وجولنا يمكن بچوازنا ده نفض التار ونمحيه من حياتنا، مكناش نعرفوا إن الجسوة في الجلوب مش العقول. يا ورد احنا بنينا حياتنا مع بعض لحظة بلحظة ومكنش في يوم واحد خلتيني اندم على اختياري." نظرت إليه ورد بعيون دامعة، وقد بدأ جدار الحزن الذي بنته حول نفسها يتصدع أمام كلماته الدافئة. قالت بصوت مختنق.
"بس اللي حوصل ده كان بسببنا، جاسر خطف نغم بنت أخوك لجل ما ينتجم مننا، ونغم بريئة ملهاش ذنب في كل ده، محدش منهم هيرحمها." أمسك سالم كفها وقبّله، ثم قال بنبرة ثابتة وقوية وهو ينظر في عمق عينيها ليجعلها تصدق كل كلمة. "اسمعيني زين يا ورد، أنتِ مش مسؤولة عن اللي عمله ابن أخوكي، اللي عمله جاسر ده هو جراره لوحده. هو اللي أختار يمشي في طريج الانتجام." هزت راسها بنفي.
"لا جاسر معملش إكدة إلا لما صخر ملى دماغه بالجسوة والكره، أبوه مات صغير وكان كيف العچينة في ايده، وللأسف شكله كيف ما هو رايد، وأول جلبه طاله هو جلب نغم." مسح سالم دموعها بأنامله وقال بحكمة.
"شوفي يا ورد ربنا مبيجبش لينا الا الصالح، ولو احنا غلطنا زمان من غير جصد، فحبي ليكي عمره ما جل لحظة واحدة، بالعكس كل مدى ما بيزيد، كل واحد فينا بيدي للتاني ومش منتظر منيه حاچة عشان إكدة احنا الاتنين مكتفيين ومحدش ناجصة حاچة عشان يعاتب التاني. انتِ كمان كنتي ضحية زي نغم، اتحبستي في الدار أهنه ومجدرتيش تخرچي منها خوفا من تهديدهم."
"كانوا رايدين يشوفوني مذلول جدامهم بعملتهم مع نغم بس مظهرتش حاچة جدامه وكل اللي كسرني صوح اننا مدنهاش الثقه اللي كانت محتچاها فينا، لإننا لو قد ثقتها فينا مكنتش خافت من تهديدهم." "يبجى انت ماخبرهمش، دول أهلي وأني خبراهم زين، مبيرحموش اللي يجع تحت أيديهم، وأديك سمعت اللي عمله كارم أخوي في مرته، ولولا أبوي عرف انها حامل بواد كان زمان جاسر بيتعاير بنسبه. خايفة على نغم منهم." طمئنها سالم بروية.
"نغم بنت أخوي أني مش خايف عليها، لإن نغم بطيبتها وأخلاجها تلين الحديد جدامها، وجاسر اللي واجف وعامل نفسه أسد ده ربنا جادر يلين جلبه عليها." شدّ على يدها وأكمل بهدوء يبعث على الطمأنينة. "متجلجيش على نغم، لو وعد ولا روح كنت تجلجي بصحيح انما نغم حاچة تانية."
أخيرًا، استسلمت ورد لمشاعره الصادقة، وألقت بنفسها بين ذراعيه تبكي بحرقة، لكن دموعها هذه المرة لم تكن دموع انكسار، بل دموع راحة وأمل، فقد وجدت في حضنه الأمان الذي كانت تبحث عنه، وبدأت كلماته تترسخ في عقلها، مزيحةً غيوم الذنب التي أثقلت روحها. *** في منزل التهاميبعد أن غادر رجال عائلة الرفاعي، تاركين خلفهم غبار الهزيمة، بقيت نغم واقفة في مكانها، جسداً بلا روح.
كانت نظرات الخدم تلاحقها، بعضها يحمل الشماتة وبعضها الشفقة على حالها وما ستلاقيه هذه الفتاة في ذلك المكان الملعون. في هذه اللحظة، اقتربت منها ونس والدته، تحمل ملامحها نفس ملامح جاسر، لكن عينيها تلمعان ببريق من الحنان المفقود. وضعت يدها برفق على كتف نغم التي انتفضت من اللمسة. قالت ونس بصوتٍ هادئ. "متخافيش يا بتي تعالي معايا." تأثرت والدته عندما لاحظت نظرات الخوف في عينيها فقالت بتأثر.
"متخافيش أني هطلعك الأوضة ترتاحي." كانت فعلا بحاجة للراحة بعيدًا عن تلك النظرات التي تراقبها. سارت نغم خلفها في صمت كأنها مسلوبة الإرادة. صعدت بها ونس الدرج الفخم، وسارت بها في ممر طويل قبل أن تتوقف أمام باب ضخم من الخشب الداكن. فتحته وأشارت لنغم بالدخول. "دي أوضة جاسر هتبقى أوضتك من النهاردة." رغم الرفض الذي ظهر بملامحها إلا إن ونس قالت بنصيحة.
"ادخلي يا بنتي وبلاش تعاندي جصاده، لإنك لو عاندتي انتي الوحيدة اللي هتعاني." خطت نغم إلى الداخل، وشعرت بأنها تدخل إلى كهف موحش. كانت الغرفة تجسيداً لشخصية صاحبها: باردة قوية، ومتناقضة. كان السرير ضخماً، مصنوعاً من خشب الصلب كصاحبه ومغطى بمفارش من الحرير الرمادي الداكن. على جانبيه، كانت هناك طاولتان صغيرتان، كل منهما تحمل مصباحاً بتصميم صناعي حاد.
سيطر اللونين الأسود والرمادي على المكان، مع لمسات من الخشب الداكن والمعدن. لم يكن هناك أي لون دافئ أو مبهج، مما أعطى الغرفة إحساساً بالقوة والصرامة، ولكنه أيضاً جعلها تبدو خالية من الحياة. على أحد الجدران، كانت هناك مكتبة ضخمة ممتدة من الأرض إلى السقف، مليئة بالكتب ذات الأغلفة الجلدية القديمة، وبجانبها كرسي جلدي أسود يوحي بساعات طويلة من التخطيط والتفكير.
أما الجدار المقابل، فكان عبارة عن واجهة زجاجية ضخمة تطل على حديقة المنزل، لكنها كانت مغطاة بستائر سميكة تحجب النور وتزيد من كآبة المكان. لم تكن هناك صور شخصية، فقط أغراض عملية تعكس رجلاً لا مكان للعاطفة في عالمه. وقفت ونس بجانب نغم، وهي ترى الانكسار في عينيها. أرادت أن تقول شيئاً، أن تواسيها، أن تخبرها بأن كل شيء سيكون على ما يرام. لكن الكلمات خانتها. كيف يمكنها أن تبرر ما فعله ابنها؟
وكيف يمكنها أن تعدها بالخير وهي تعلم أن هذه الفتاة هي وقود حرب الانتقام التي أشعلها ابنها؟ تنهدت بعمق، وشعرت بعجز لم تشعر به من قبل. كل ما استطاعت فعله هو أن تربت على كتف نغم مرة أخرى، ثم انسحبت بهدوء وأغلقت الباب خلفها، تاركة نغم وحيدة في الغرفة التي ستكون شاهدة على عذابها القادم. نظرت نغم حولها، إلى كل ركن في هذه الغرفة الباردة. لم تشعر إلا بالاختناق. كل شيء هنا يصرخ باسمه، بقوته، بقسوته.
جلست على حافة السرير الصلب، وضمت نفسها بذراعيها، وهي تشعر ببرد يتسلل إلى عظامها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!