الفصل 25 | من 27 فصل

رواية ظننتك قلبي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
17
كلمة
9,495
وقت القراءة
48 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

أتخبط برؤيتي الضبابية دون إدراك هل ما أراه حقيقة أم مجرد أحلام. فأحيانًا أتمنى أن يكون واقعي مجرد حلم. كم اختلط على الأمر ولم أعد أثق، فالملح يشبه السكر أحيانًا. ليت ما أراه حلمًا فيمكنني يومًا أن أصحو منه. مازال الليل لم ينتهِ والظلام قد أحلك خيوطه يغزلها برياح قوية وأمطار عاصفة. وبالرغم من تلك الأجواء القارسة، إلا أن فضول البعض جمعهم لمتابعة ما يحدث ببيت النجار. إضطر "بحر" للإنسحاب بعد طلب "نغم" منه الرحيل.

لكنه كان يشعر بالضيق والخزلان من تركها. من التعقل أن يضطر للإبتعاد لتصمت تلك المرأة ولا تزيد تطاولها وقذفهم باتهامات باطلة. لكن هذا الجمع صمت تمامًا حتى كاد يُسمع رذاذ الأمطار المتساقطة حين هتف هذا الصوت الجهوري من خلفهم. -أنا حتجوز "نغم". التفوا جميعًا يناظرون من هذا الذي يطلب الزواج من تلك الساقطة سيئة السمعة. لتتعالى صوت شهقة قوية صادرة من "صباح" تتبعها بضربة قاسية فوق صدرها. -يا مصيبتي! يعني إيه تتجوزها!

ملقتش إلا دي وتتجوزها يا "مأمون". وجهه المقتضب الثابت تمامًا دون الاكتراث بتلك العيون المحدقة باستنكار، خاصة والده ووالدته. ليشير تجاه الدرج بنبرة حادة حازمة للغاية. -مش عايز أي حد هنا، اتفضلوا على بيوتكم. (أنهى حديثه بصراخه بهؤلاء المتطفلين) يلااااا. أسرع المتجمعين للمشاهدة بهبوط الدرجات عائدين لبيوتهم القريبة. لتبقى فقط عائلة النجار جميعها.

وقفت "حنين" بالدور الأرضي تسترق السمع لما حدث وهي تشعر بالنشوة لصراخ "صباح" ببنات "زكية". ثم سعدت بتجمهر الجيران للتشفي بهؤلاء الفتيات وأمهن. حتى أنها سعدت للغاية بسماعها طلب "مأمون" الزواج من "نغم" لتهمهم بغبطة. -أحسن، أحسن، يا فرحتي فيكِ يا ست "ريهام" هانم، أهو "مأمون" حيتجوز ويكيدك. ويا سلام بقى لو تمم الطلاق قبل جوازته دي، ده يبقى يوم السعد. عيون "فريد" المترقبة كادت تخترق جسد "حنين" من خلفها.

فمازال أثر كذبتها يشعل وميض غريب بداخله، لكنه لا يقوى بعد على مواجهتها. لكنه يود بالفعل معرفة أين كانت دون علمه. فضول سيقتله وجبن سيقضي على رجولته. فقد وقع بين كفي الرحى، هل يقبل أن تتجول من دون إذنه ومعرفته أم يرفض ويثور؟ وهذا لن يكون بشكل هادئ مع شخصية متملكة كـ"حنين". لم يهتم "فريد" إطلاقًا بما يحدث بالخارج. ليدلف لغرفة النوم متظاهرًا بالنوم لينتهي تلك الليلة.

وقفت "راوية" منذ الوهلة الأولى تتطلع بصدمة لصياح والدتها وصراخها. تناظر بكاء "زكية" وخنوعها. لكنها بقيت صامتة تشاهد فقط من بعيد لبعيد دون تدخل. أكمل "مأمون" صعوده لدرجات السلم وهو يأشر لوالده بمرافقته. -تعالي يا حاج. (ثم نظر نحو والدته بنظرة يملؤها التحدي) اتفضلي يا ماما مينفعش نتكلم على السلم كدة. فغرت "صباح" فاها بلا استيعاب لما يفعله "مأمون". لتصرخ بإنفعال وهي تشير باتجاه شقة "زكية". -أجي فين؟ هناااا؟

إنت أكيد اتجننت! أنا أدخل شقة دي. بقولك إيه على الله تعمل اللي بتقول عليه ده! على الله تتجوز الـ***** بنت الـ***** دي. لم يثنِ "مأمون" طلبه بل تخطاها نحو الداخل قائلًا. -برضاكِ أو غصب عنك حتجوزها، تعالي أحسن. هاجت "صباح" واشتدت حدة صوتها لتهبط درجات السلم معلنة رفضها التام لتلك الزيجة مغمغمة بصوت مسموع. -وربنا ما يحصل ولا أخطى عتبة بيتها. بقى أنا "صباح الجزار" يحصل لي كدة؟

أنا بنت الحسب والنسب إللي عيالي أعلى الناس ييجي في الآخر وابني أنا يتجوز بنت الخدامة. هو إيه الزمن بيعيد نفسه تاني ولا إيه؟ يعني على آخر الزمن تبقى دي مرات ابني أنا. كانت قد دلفت لشقتها لتستأنف عويلها وهي تضرب فخذيها بحسرة. -اه يااااني! هو إيه أصله ده! هو أنا عاملة العمل عند الشيخ "كرامة" عشان هي تتحسر ولا أنا؟ يعني إيه "مأمون" يتجوز "نغم"! يعني إيــــــــــه؟ ما تفهميني يا أختي!

قالتها تنظر نحو "راوية" التي تناظر والدتها بذهول وقد اعتلت عيناها أحاديث كثيرة لم تنطق بأي منها. لتعقب بهدوء زاد من ثورة "صباح" وهياجها. -وأنا أعملك إيه؟ أنا مالي، كل واحد حر. رد فعل بارد أثار جنون "صباح" التي لم تعد تحتمل لكلمة بعد. لتضرب رأسها وجسدها بكفوفها تتمنى لو كان مجرد حلم وتفيق منه وأن ما حدث غير حقيقي. شقة زكية. من المفترض أن تكون تلك مجرد جلسة عائلية لكن كل النفوس بها مشحونة.

تجمع "زكية" وبناتها مع "فخري" و "مأمون". تعامل "فخري" مع الأمر بهدوء شديد لا يفهم منه هل هو يرضى بما حدث أم ينكره. ليبدأ "مأمون" حديثه. -أنا عند كلامي وعاوز أتزوج "نغم"، مكنتش بقول كدة وخلاص. تطلع به والده باستغراب لموقفه خاصة وهو يدري جيدًا ظروف زواجه من "ريهام" وأن بذلك يسدل على هذا الزواج ستار معلنًا النهاية. فـ"ريهام" لن تقبل وجودها مع زوجة ثانية. -تتجوز "نغم"! إنت واعي لكلامك يا "مأمون".

برد قاطع أجاب والده وهو ينظر تجاه "نغم" أردف. -واعي جدًا لكل كلمة. مش بتقولوا كلام عليها، أنا بقى جاي أقطع لسان كل الناس دي. جوازي من "نغم" حيخلي الناس تقفل بوقها ومتفتحوش تاني. هي بنت عمي وشرفي وأنا بقولكم أهو، مفيش حاجة ترفع رأسها تاني في الحتة غير جوازي منها. لم يكن لـ"فخري" نية للرفض. فعيناه تركزت على حبه القديم متسائلًا بتردد. -رأيك إيه يا "أم شجن".

ضيق نفسها المهتزة بعد أفعال "صباح" وتشويه سمعتها وسمعة بناتها أمام الناس جعلها تجيبه بنفس مهترئة راضخة باستسلام. -اللي تشوفه يا "أبو فريد"، يتجوزها. أومأ "فخري" بالإيجاب قائلًا لوالده. -خلاص يا "مأمون"، طالما إنت شايف كدة. كل تلك الأحداث لم تمر مرور الكرام على "شجن" التي فغرت فاها بلا تصديق لتلك الهراءات التي يتفوهون بها. حتى انتهوا من قرارهم لتزيغ عيناها تجاه والدتها المستسلمة لهم.

ثم طالعت أختها التي كانت بحالة هيام وسعادة تعلقت عيناها بـ"مأمون" بوله طفلة تحققت أحلامها للتو. نعم هي لا تتعدى طفلة لا تدرك الصواب من الخطأ. وهذه الزيجة هي الخطأ بعينه. لتنفعل "شجن" بقوة وهي تمد كفيها بصدمة واندهاش. -بس بس، جواز إيه و"مأمون" إيه! لأ طبعًا. (نظرت نحو والدتها تحثها على رفض هذا القرار الظالم) ما تتكلمي يا ماما، مينفعش، الجوازة دي متنفعش خالص. نكسَت "زكية" رأسها لتردف بضعف وخضوع.

-بس يا "شجن"، ده اللي حيسكت الناس. اتسعت عينا "شجن" بقوة تنهر والدتها من هذا الضعف. -يا ماما! ليه كدة؟ إحنا معملناش حاجة غلط، بقى يبقى أمه هي السبب وإحنا اللي نرضى بالوضع ده. أنهت عبارتها مشيرة نحو "مأمون" الذي انتفض بحدة. لينهض محذرًا "شجن" من التطاول. -"شجن"! خدي بالك من أسلوبك معايا. الحل ده أحسن حل لكل المشاكل دي، ولا أنا غلطان؟

نظر تجاه "زكية" لتجيبه بما يصمت "شجن" والذي لم تتباطأ "زكية" عن مجاراته لتهتف بـ"شجن" لتنهي هذا الجدال الذي لن يفيد. -"شجن" أنا قلت خلاص. نهضت "نغم" تحاول السيطرة على سعادتها المفرطة التي حلت على قلبها المتيم. فبين لحظة وأخرى تحول الأمر من اتهام قبيح دام قلبها للسعادة الكاملة بقرار زواجها من "مأمون" الذي لم تكن تتخيل أنه أمر يمكن حدوثه. إنه بالتأكيد حلم ما.

ابتلعت ريقها المضطرب تلملم ابتسامتها التي حلت فوق ثغرها قائلة. -خلاص يا "شجن"، ميصحش كدة. رفع "مأمون" رأسه بخيلاء وقد رسمت بسمة انتصار جانبية على ثغره. يطلب من والده. -يلا يا حاج. (ثم نظر تجاه "زكية" كمن يعطي الأمر لا أكثر) كتب الكتاب الجمعة الجاية يا مرات عمي، جهزوا نفسكوا. قالها ليغادر برفقة والده فلا داعي لنقاش الأمر لأكثر من ذلك. خرج كلاهما على مرأى ثلاثتهن. ليكتفي "مأمون" بموافقة والده دون المرور بوالدته مطلقًا.

ليترك أمر إبلاغها بزواجه على والده. الذي أخبرها دون الدخول بأية تفاصيل قد تسبب له الامتعاض لعدم تقبلها الأمر. *** بيت المستشار خالد دويدار. بموعده الثابت عاد "رؤوف" من الشركة مشتت الفكر. الذي لم تشغله سوى تلك الفاتنة الصغيرة التي سيطرت بالكامل على عقله منذ أن أخبره "حمدي" بعشقها له. مواقف عدة ولحظات متفرقة أخذ يستعيدها بذاكرته منذ زواج "غدير" من "عيسى".

كلما تذكر إحداها زادت من اتساع بسمته كما لو أنه أدرك للتو أن عشقها له لم يكن وليد اللحظة. قلب مضطرب وسعادة دبت بهذا الساكن ليشعر بشعور غريب لم يشعر به مع "نيرة". إن قلبه يدق وينفعل. كانت علاقته مع "نيرة" تقتصر على شكل محدد لرغبته ببناء أسرة سعيدة كأخيه "عيسى". وجد بـ"نيرة" فتاة رائعة تلائمه للغاية. أجبر نفسه على التعلق بها فهو بالنهاية شاب مستقيم يضع مشاعره بنصابها الصحيح وإن ظهر للبعض غير ذلك.

دلف لداخل الشقة بملامح حالمة سعيدة للغاية ليجد والدته تنتظر عودته بعيون يظهر بها بعض الضيق. بادر بتحيتها بلطافة. -ست الكل واقفة بنفسها مستنياني، ده إيه الهنا ده. رغمًا عن ضيق نفسها تبسمت مردفة. -شكل مزاجك رايق النهاردة. رفع حاجباه بحبور مجفلًا بعيناه لوهلة قبل أن يجيبها بنبرة حالمية للغاية. -أوي أوي أوي يا ماما. لم تكن تلك فرصة ملائمة لإبلاغه بقرار والده.

لتؤجل تلك المسألة للصباح وعليها تركه يهنأ أولًا بنوم هادئ ونفس سعيدة كما يبدو عليه. أجابته "منار" بدبلوماسية. -دايمًا يا حبيبي يا رب. شعر "رؤوف" أن والدته تخفي عنه أمر ما. يظهر بنبرتها المتضايقة ليتسائل بقلق. -مالك يا ماما، فيه حاجة مضايقاكِ؟ ربتت فوق كتفه بحنو لتردف بالنفي الكاذب. -أبدًا يا حبيبي، أنا بس قلت أطمن عليك قبل ما أنام، تصبح على خير. تركته "منار" ليتابعها بقلق وجهل بسبب ضيقها.

لكنه عاد لخياله الحالم بـ"مودة" متعجبًا من حاله وإنشغال فكره بها. كما لو أن "حمدي" سلط الضوء بقلبه عن شيء لم يكن يدري عنه شيئًا. ربما إعجاب مختبئ لها دون تدخل منه. *** شقة عيسى. انتهى اليوم عند الكثيرين لكنه لم ينته لهذا الغيور. بالكاد تحامل على نفسه دون أن يظهر ما بداخله. وها هي "غدير" سقطت غافية بعد إنهاك يوم طويل. تطلع "عيسى" نحوها يود لو يصرخ بها ليتأكد من هذا الذي كانت معه.

ولما لم تخبره عنه كما لو أنها أرادت إخفاء هذا الأمر. دماء ثائرة تسري بعروقه كاد لها أن يفجر رأسه من شدة تضاربها كأمواج البحر. ليته كان حلمًا ويستيقظ منه على واقعه الذي يحبه. أن يكون رؤيته لها مجرد كابوس سيستيقظ منه ليجد محبوبته قطعة الشيكولاته تتقد عشقًا وتبث به الحياة التي كاد يفقدها من شدة الاختناق. نظر نحوها مطولًا قائلًا. -مخبيه عني إيه يا "غدير"؟ ليه متكلمتيش عنه؟ مين ده وكنتم مع بعض ليه؟

أمسك برأسه المتألم مستطردًا. -دماغي حتفرقع، والشيطان دخل دماغي. (اعتدل يستعذ بالله من وساوس الشيطان التي بدأت تملأ رأسه تجاهها محاولًا تمالك نفسه وألا يترك له الفرصة بغلبته فهذا أقصى ما يتمناه، أن يفرق بينه وبين زوجته) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأ، لا يمكن أسمح للظن والشك يدخل ما بينا. دي مهما كانت "غدير"، هي الروح لحياتي، عمر ما قلبي يكذب عليا وأنا متأكد من حبها ليا، متأكد.

حاول من خلال كلماته الأخيرة أن يلتمس بعض الراحة والنوم. لتداعب رائحة اللافندر التي تفوح من حبيبته أنفه ليشعر بالسكينة ويستغرق بالنوم. *** بيت النجار (شقة زكية) من قال أن الغرقى بالبحر فقط. فإحساس الغرق يتملكني وأنا أنعم بالهواء حولي. لـيـتـنـي أستطيع العيش فقط، لكني أحارب، أحارب نفسي وظروفي وعقلية من يحيطون بي. أحارب كل ظن سيء واتهام باطل. ألم يخبركم الله ﴿إن بعض الظن إثم﴾. لم تظنون بنا ما ليس فينا وتصدرون أحكامكم.

وقفت "شجن" مشدوهة غير مصدقة ولا يستطيع عقلها استيعاب هذا الخنوع والخزلان. دنت تهتف بأختها تثنيها عما ستوقع نفسها به. -فوقي يا "نغم"، "مأمون" ده مينفعكيش. بطلي تكوني سطحيه كدة، انتِ كده بترمي نفسك في النار. "مأمون" مش أكتر من حب مراهقة عشان وقفته معانا في الفترة الأخيرة. إنها فرصتها ولن تهدرها. هكذا وقفت "نغم" تتشبث بزواجها من "مأمون" حب طفولتها وعمرها كما تحسب. -لأ يا "شجن"، انتِ فاهمه غلط.

أنا موافقة ومش حلاقي أحسن من "مأمون" صدقيني. "مأمون" ده راجل بمعنى الكلمة. التفت "شجن" تجاه والدتها فربما تستطع أن تثني تلك السطحية عن رأيها. -يا ماما، شوفيها، مينفعش كدة، كدة بترمي نفسها في النار. كلميها. بيأس تملك من نفسها أجابتها "زكية". -يا "شجن" إحنا دلوقتِ في ورطة، وحلها الوحيد هو إن "نغم" تتجوز "مأمون". الناس مبترحمش، ده موضوع جوازها ده جالنا نجدة من السما. ضربت "شجن" كفيها بصدمة من سلبيتهما التي لا توصف.

-انتوا إزاي كدة؟ مش معقول بجد؟ لازم يكون فيه حل تاني، نمشي يا ماما، نسيب البيت المقرف ده ونمشي من هنا. تشبث "نغم" ببقائهم ولأول مرة تعترض طلب "شجن" بالرحيل. -لأ لأ، بالله عليكِ لأ. تهدجت أنفاس "شجن" بقوة لاستسلامهن المثير لأعصابها. -حرام عليكم، هو إيه اللي لأ، "مأمون" ده حيفرق إيه عن أمه وإخواته، حتى عمي ميقدرش يقولهم لأ. ترمي نفسك بين العقارب ليه، إنتِ نسيتي إنه كمان متجوز وعنده ولاد؟

بثورة غضب لما ستفسده عليها أختها بعد عناء وصبر لتنال قرب من تحب. -"مأمون" غيرهم كلهم، وموضوع "ريهام" كلنا عارفين المشاكل اللي بينهم وإنهم حيتطلقوا. اقتربت منهم "زكية" تهدئ نفوسهم فكل ما ترضخ له فقط لسلامتهن وأمانهن. -خلاص بقى، كفاية كلام لحد كدة، نصيبنا كدة، حنعمل إيه؟ طالعتهم "شجن" بنظرات متحسرة لكنها تمااكت غضبها وانفعالها تحاول إقناعهم بهدوء. -بلاش يا ماما نضيع كل حقوقنا حتى بالسعادة وحياتنا اللي جايه.

ليه نرضى بحياة مكتوب عليها التعاسة والفشل، بالله عليكم فكروا تاني، يمكن يكون فيه حل. رغم إشفاق "زكية" على ما أجبرت عليه "نغم" إلا أنها ليس لديها حيلة أخرى. -يا ريت كان فيه! أمرنا لله، يلا كفاية كدة إحنا تعبنا، ادخلوا صلوا وادعوا لربنا يفرجها علينا وناموا. رضخت الفتيات لطلب أمهن لكن بقلب "شجن" أحاديث عدة. فتغيير المصير يجب أن يتبع بعمل وفقًا لإرادة الله وليس الأمور تتم بالدعاء فقط. فعلينا السعي وعليه التوفيق. ***

فيلا المراقبة. وبين قلب يتلهف ليخبرك وبين عقل يهمس بلا لن أتحدث. يتخبط العاشق بين حيرة متأرجحة بين قلب وعقل. ساعات تمر حتى لاحت خيوط الفجر لتعلن حلول ساعة الصفر. بجدية تامة ملأت الوجوه تخفي ما يكنه الصدور. وقف "معتصم" يحدد مجموعته بمهارة. -"عبد الرحمن" و "طه" دوركم دلوقتِ حيكون إبلاغنا بأي جديد يحصل في الفيلا، عنيكم زي الصقر متفوتش حاجة. (ثم التفت تجاه "عهد" و"حليم") وإنتوا لازم نتحرك حالًا لإسكندرية.

بدأ ثلاثتهم بالاستعداد للمغادرة واتخاذ حذرهم لتبدأ مهمتهم. تحرك "معتصم" أولًا تجاه السيارة التي سيقودها بينما لحقته "عهد" و "حليم". تذكر حين جاءوا وإصرار "عهد" بالجلوس بالمقعد الخلفي للسيارة. لتتقد مقلتيه بدهاء فهو أدرك أمر هام للغاية بطباع تلك المتوحشة. إنها دومًا تفعل عكس ما يطلبه منها. ليوجه حديثه لـ"حليم" بغرض استزاز "عهد".

-تعالى يا "حليم" أقعد معايا قدام أحسن حضرة الضابط "عهد" تقريبًا من النوع اللي بيتكسف، فنخليها ورا براحتها. بالفعل استطاع استزازها من أكثر من جانب. فهي لا تريد أن تعامل كالفتيات ويكون لها معاملة خاصة. فهي مثلها مثل الرجال. ومن جانب آخر هي لن تنصاع لأمره وعليها فعل ما يخالفه لتبث أنها لها شخصيتها المستقلة. وبالفعل وقعت "عهد" بشباك حيلة "معتصم". لتتقدم دون انتظار أي منهما لتجلس بالمقعد الأمامي للسيارة وإلى جوار "معتصم".

لو كانت قد ألقت بنظرها تجاه "معتصم" لرأت بسمة انتصار وتحقيق هدف رائع يحسب له. لكن انفعالها جعلها تجلس تناظر الطريق أمامها دون حياد. رغم استياء "حليم" لاندفاع "عهد" للجلوس بالمقعد الأمامي. إلا أنه جلس بالمقعد الخلفي فالأمر سيان بالنسبة إليه. فيما جلس "معتصم" خلف مقود السيارة لينطلق بطريقه نحو الإسكندرية. *** بيت النجار (شقة فخري) أسوأ الأعداء من يقابلك بعداوة دون أن ترى أسباب لها.

فالكل يرى بعين طبعه لكنه يظل ناقصًا يسعى للكمال بإيذاء الآخرين. لم يهنأ لها بال ولم يغمض لها جفن طيلة الليل. فعلى الرغم من خلاف "صباح" المستمر مع "مأمون" إلا أنها شعرت بالقهر لطلبه الزواج من ابنة غريمتها. أبعد كل ما تفعله بها تنتصر عليها وتأخذ أحد أبنائها بتلك السهولة. كالصقر الجريح أخذت "صباح" تتخبط هنا وهناك تدور بحركات عشوائية دون هدوء أو راحة حتى حل الصباح. ساعة تنتظرها منذ الأمس لترفع هاتفها لأذنها بعجالة.

-ألو، أيوة، بقولك إيه، عاوزة أشوفك دلوقتي حالًا، تجيلي بسرعة، أيوة فيه حاجة، ده فيه حاجات وحاجات، لازم تيجي بسرعة قولتلك، يلا. أنهت مكالمتها ولم تستطع حتى الجلوس للانتظار. فما حدث لا يمكن أن يمر بهذه السهولة. شقة زكية. لم ترضخ "شجن" كما فعلت أمها. ولن تستسلم كما فعلت جميع نساء عائلتهم. إنها مختلفة ذات طبع متمرد. لن ترضى بهذه المهانة. لن تضحي بسعادة أختها المغيبة عن مصلحتها. لن تتركها ولن تتخاذل.

علمت بأن "نغم" متشبثة كطفلة صغيرة بزواجها من "مأمون". وأمها سلبية ومستسلمة إلى حد بعيد. فكان عليها التصرف حتى لو بمفردها. خرجت "شجن" بهدوء لوجهة واحدة أيقنت أنها الحل الوحيد حتى إذا فرضت ذلك على كلتاهما. وصلت لمكتبة بحر تنظر للافتتها المعلقة بتمعن. ثم أخرجت هاتفها من جيب سترتها الطويلة لتدفع بإحدى خصلات شعرها القصير خلف أذنها كحركة لا إرادية حين تشعر بالتوتر.

دقت الأرقام المدونة بأعلى اللافتة على شاشة هاتفها لترفعه لأذنها تستمع للرد والذي لم يتأخر بالمرة. -السلام عليكم. صوت رجولي هادئ أدركت أن هذا صوت "بحر" بالتأكيد. لتجيبه "شجن" بنبرة سريعة تحمل بعض الانفعال لما يصحبها من أفكار منذ ليلة الأمس. -أستاذ "بحر". -أيوه، مين حضرتك؟ سحبت نفسًا طويلًا قبل أن تجيبه. -أنا "شجن" أخت "نغم". على الفور تبدلت نبرة صوته الهادئة لأخرى قلقة للغاية.

-طمنيني بالله عليكِ، أنا منمتش من امبارح، الست دي عملت إيه؟ برزانة شديدة أجابته "شجن". -مش حينفع في التليفون، أنا عايزة أتكلم معاك ضروري. كانت كمن أعطته الإذن بالتحرك ليردف بدون تردد. -حالًا حكون عندك، إنتِ فين؟ ناظرت "شجن" الشارع من حولها وخلوه من المارة بصباح يوم الجمعة. لتردف بنفس ضائقة. -أنا واقفة قدام المكتبة. أسرع "بحر" بتأكيد قدومه إليها على الفور. -دقايق وحتلاقيني قدامك، مش حتأخر.

لا يدري كيف تحرك ووصل للمكتبة بتلك السرعة التي ماثلت ضربات قلبه المتخوفة على "نغم" والتي أجفلت النوم من عينيه وتوجس قلبه قلقًا وخوفًا من تطاول تلك السيدة. وقف أمام "شجن" بأنفاس متهدجة فيبدو أنه قطع الطريق ركضًا يتلهف للاطمئنان على "نغم" ليبدأ حديثه على الفور. -كويس جدًا إنك كلمتيني، أنا كنت حتجنن من امبارح، وبأنب نفسي إني مشيت، بس كنت حاسس إني أنا اللي عملت المشكلة دي. نظرت نحوه "شجن" بنظرة جدية للغاية.

لم تهتم بمبرراته فقد رأت إلحاح "نغم" عليه بالرحيل بأعينها. لتردف بأمر مختلف تمامًا. -أستاذ "بحر"، أنا عاوزاك تتجوز "نغم". تيبس جسده بصورة مفاجئة مذهولًا من طلبها. لا ينكر أن قلبه تراقص فرحًا لكن يبدو أن الأمر يحمل بين طياته شيئًا آخر. ليتسائل بتوجس مستفهمًا. -أتجوز "نغم"؟ قصدك إيه بالضبط؟ قالتها صريحة بدون إخفاء أو تلميح.

-أنا عارفة ومتأكدة إنك بتحبها، وبتحبها أوى كمان، بس هي الغشاوة ماليه عينيها، والحل الوحيد إنك تتجوزها. تذكر "بحر" رفض "نغم" له لينكس عيناه تألمًا بضيق. -أنا فعلًا بحبها، بس هي مبتحبنيش. بفطنة لاحت بعيناها قبل شفتيها نطقت "شجن" بتساؤل أثار نفس "بحر". -مين قالك؟ "نغم" اختي وأنا عارفاها. هي السكينة سرقاها وفاكرة إنها مش بتحبك بس كلامها دائمًا عنك وعن كلامكم مع بعض في المكتبة بيقول غير كدة.

هي بس غبية ومش عارفه تحدد مشاعرها، المشكلة إنها فاكرة نفسها صح، وهي غلط غلط غلط. امتعض وجه "بحر" بدون فهم لمقصدها. -أنا مش فاهم حاجة، وبعدين حتى لو هي مش مدركة أنا بالنسبة لها إيه مينفعش أجبرها على الجواز مني بالشكل ده. أجابته بما صدمة لتحثه على التحرك ولا داعي للتراخي بهذا الأمر. -ما هي لو انت متجوزتهاش حتتجوز "مأمون" الجمعة الجاية. اتسعت عسيتاه بصدمة ولاح الفزع بمقلتيه لينفعل بقوة. -مين؟ "مأمون"؟ إزاي يعني؟

أخذت "شجن" تقص عليه ما حدث ليلة الأمس وموافقة "نغم" ووالدتها وإصرارهم على إتمام زواجها من "مأمون". وأنها رأت أن الحل الوحيد بين يديه هو فقط. ليجيبها بقوة. -مش حستنى ترمي نفسها في النار دي، أنا حتصرف، "نغم" لا يمكن تتجوز "مأمون" مهما حصل. بسمة ارتياح حلت بملامحها المقتضبة لتردف قبل تركه. -أنا حرجع البيت، وانت تعالى نخلص القصة دي. -تمام، أنا جاي.

عادت "شجن" لبيت النجار لتقبع بإنتظار مجئ "بحر" الذي سوف يخلصهم من زواج إجباري سوف يسبب لهم جميعًا التعاسة. *** بيت النجار (شقة فخري) عروش واهية تلك التي يبنيها الكذب. ففجأة تسقط من فوق السحاب لأسفل أرض تسحقك. ومن حفر بئر لابد أن يسقط به. ليل طويل وساعات قاسية قضتها "صباح" متأملة حلول الصباح لتجد حلاً لمصيبتها. دارت حول نفسها عدة مرات كثور هائج لا يدري طريقه.

تجنبت "راوية" والدتها الغاضبة وقبعت بشرفتها المحببة بعيدًا عن كل تلك الأحداث. فيكفيها ما تطاله من والدتها بالعادة ولا طاقة لها بتحمل غضبها الآن. خرج "فخري" بهدوء من غرفته مارًا بتلك المشتعلة. واكتفى بنظرة جانبية دون تعقيب. اتجه نحو باب الشقة للمغادرة. فحتى يوم الجمعة لا يحصل على تلك الراحة بالبقاء بالمنزل. فهو لا يطيق البقاء لأكثر من ذلك برفقة "صباح". أوقفته "صباح" قبل خروجه متسائلة باستنكار.

-إنت موافق يا "فخري" على الجوازة دي؟ حتسيب "مأمون" يقع الواقعة دي وتقف تتفرج؟ تنهد "فخري" بتملل. -والله ابنك راجل مش عيل صغير، وهو شايف كدة، أنا أعمل له إيه؟ أضربه على إيده! ضمت شفتيها الغليظتان بغضب ثم أردفت. -لأ يا أخويا، وقفه، هدده إعمل أي حاجة بس ميتجوزش بنت الخدامة. التف "فخري" نحوها باشمئزاز. -ابنك عندك، اتكلمي معاه، متوجعيش دماغي. خرج "فخري" مبتعدًا عنها فبالكاد يطيق وجوده بالبيت.

لا طاقة له بحديث معها والرضوخ لطلباتها وتحقيق مساعيها. خروجه بهذا الشكل المستفز جعلها تبحث عمن تفرغ بها شحنة غضبها. وبالتأكيد لم تكن سوى "راوية" لتتجه نحو الشرفة تبدأ بصراخها المعتاد الذي لم تعد "راوية" تكترث به. *** طريق السفر. بين كلمة قاسية نطقتها أردت بها (أحبك) وبين بُعدٍ قصدت به قربك. كانت تلك أنا معك، حياة التضاد تلك التي أحياها بقربك. فلا تصدقني لكني لن أخبرك بهذا.

بعد أن سار "معتصم" عدة ساعات بطريق سفرهم إلى الإسكندرية. رفع سوداوتيه تجاه المرآة العاكسة أمامه ليجد "حليم" قد سقط غافيًا بعد بقائهم متيقظين ليومين على التوالي. وجدها فرصة عظيمة للتحدث مع شرسته بمفردهما. فسار بمحاذاة الطريق حتى توقف تمامًا على جانبه. لتناظره تلك الصامته منذ بداية سفرهم بإستفهام مقتضب. -وقفت ليه؟ دون الإكثار من الحديث حتى لا يوقظ "حليم".

أشار إليها بعيناه نحو الخارج بشموخ غريب يدعوها للترجل دون النطق بذلك. فهمت "عهد" طلبه على الفور لتبقى للحظات دون الاستجابة له. لكنه ترجل من السيارة ليلتف حول مقدمتها ليقف بانتظارها بعيدًا عن السيارة. لتجد نفسها تلحقه مصطنعة الجدية والاعتزاز لمعرفة فيم يريدها الآن. وقفة شامخة نظر بها نحو الأفق البعيد واضعًا كفاه بجيبي بنطاله الأسود. يسحب شهيقًا بطيئًا بانتظار متوحشته لتنصاع لطلبه وتلحق به.

نظرة ثاقبة بتلك الجوهرتان السوداوتين تظن لوهلة أنه يخترق بها الأفق الخالي نحو الفراغ المبين أمامه. حتى شعر بقدومها. هزة لاحت بهذا الساكن بين ضلوعه تُشعره بنشوة سعادة اجتاحته. فيبدو أنه يدير الأمر لترويضها كما يجب. لم يكن منها إلا وقفة صامته إلى جواره تطالع بعسليتيها الفراغ المنبسط أيضًا. فلن تبدأ بسؤاله عما يريد، لن تتنازل ولن تتهاون. وقفة معتدة من كلاهما طال بها الصمت. فكلاهما عنيد معتد بنفسه شامخ و.. محب.

رغم ضربات قلوبهم التي تسارعت والتي تجاهلها كلاهما. إلا أن كل منهما تحلى بالثبات بانتظار خضوع الطرف الآخر. لكن أمر حل بكلاهما. فبداخل "عهد" تتشوق بشدة لمعرفة عما يريد التحدث به. وبداخل "معتصم" حماس لا يوصف لبدء حديثه معها. وبعد انتظار لبعض الوقت ظن كلاهما أن الآخر لن يتحدث. ليلتقيا بذات اللحظة بمواجهة الآخر. هنا فقط سقطت الحصون وتلاقت العيون الولهه لكل منهما. إنها الوحيدة التي صرحت بما يضمرانه بداخلهما.

فـعيونهما نطقتها بشوق ولهفة لكن جفت ألسنتهم عن ذلك. زاغت سوداوتيه بعينيها الناعستان. فلم يعد يطيق الصبر، ولن يخفي الأمر. إنه يحبها حبًا حقيقي ليس ظنًا أو خيال وعليه الآن معرفة هل تكن له ذات الشعور أم أنه قد فهم بالخطأ ذلك. تهدلت ملامحها المتجهمة بليونة أمام مقلتيه البراقتان النافذتان نحوها. لكنها سرعان ما أخفت ذلك خلف نبرتها الجافة متسائلة. -خير، عاوز مني إيه؟ لم يعد للأمر حاجة للإخفاء.

قرر التحدث ووضع كل النقاط بحروفها. -إنتِ ليه بتعملي كدة؟ تصنعت عدم الفهم وهي تتهرب بعينيها عن عينيه الكاشفتان لأمرها. -بعمل إيه يا فندم، هو فيه حاجة عملتها غلط؟ اتسع جفناه ببعض الحدة ثم أردف ينهرها. -"عهد"، بلاش الغباء ده لأنه مش لايق عليكِ. إنتِ فاهمه كويس أنا عاوز أقول إيه. ضمت شفتيها بتهكم معقبة متصنعة عدم الاهتمام. -مش مهم فاهمة ولا لأ، عادي يا قائد. زفر "معتصم" بقوة فهو لا يتحمل هذا الأسلوب المراوغ كثيرًا.

فهو محترف به ولن تحاول معه بما هو ماهر به. -إفهمي بقى يا "عهد"، أنا مكنش ينفع أقولك، ده مهما كان شغل وأوامر، حاجات مش جديدة عليكِ، لأن واحد زائد واحد يساوي اتنين. أنا لو كنت قولتلك على طبيعة المهمة كان ممكن تعرضي نفسك لخطر. أنا مكنش ينفع أخالف الأوامر. وجدت نفسها لا إراديًا تعاتبه بحدة وتتنازل عن قوقعتها وإخفاء الأمور بداخل نفسها. لأول مرة بحياتها تتخلى عن قناع تحلت به وتخرج مشاعرها المنفعلة تجاهه. -خطر!

يعني انت مكنتش عارف إن أنا كنت في خطر؟ انتشاء لحظي بإحساسه بتحطيمها لتلك الهالة الغير عابئة التي غلفت بها نفسها. ليستكمل موضحًا برغبة ملحة في توضيح الأمر وإنهاء سوء الظن. -"عهد" أنا كنت مأمنك أكتر من نفسي، صدقيني مكنش حيكون فيه أذى ليكِ ولو حصل حيكون ده بعد ما أفديكِ بحياتي الأول. لحظة من الصمت المندهش وهي تطالع عيناه المحبة. لمحات من مشاعر لا تعرفها. إحساس جديد لأول مرة تشعر بالارتجاف حين تدركه.

شيء مفرح ومخيف بذات الوقت. بل إحساس مفزع لنفسها حين لاحت الفكرة برأسها. لا لن تنساق بهاوية العشق. لن تصبح كنساء عائلتها الضعفاء. توجمت بتحفظ لتعقب بخفوت. -لا، لا مينفعش. تساءل لعدم وضوح مما ترفض. -هو إيه اللي مينفعش يا "عهد"؟ دون توضيح أجابته. -ولا حاجة، كمل. هو لا يسقط ببحور الهوى بسهولة. لكنه أيضًا تعلم انتهاز الفرص. حياته سلسلة من النجاحات والقبض على الفوز حين يلمحه.

وهي فرصة لسعادة قلبه ومشاعر لم يدرك أنه يحمل قلب مفعم بها. لهذا يتوجب عليه ألا يخسرها فهو الرابح بكل المعارك. وتلك المعركة بالخصوص لن يتوانى عن الفوز بها فهي جائزته التي حلم بها منذ زمن بعيد. زفر بقوة قبل أن يستطرد محفزًا نفسه على إخراج تلك الكلمات التي توقفت بحلقه. -لما عرفت من "طه" إنكم مخطوبين بعدت. لكن دلوقتِ أقدر أكلمك وأقولك على اللي جوايا بصراحة. تخوفت "عهد" من استكمال حديثه لتخطو جانبًا عائدة إلى السيارة.

لكنه استوقفها بخطوة جانبية ليقف حائلًا أمامها يمنعها من الفرار. -متهربيش، اقفي قدامي هنا، اسمعي مرة كلامي للآخر. رفعت عسليتاها الحائرتان ليقابلهما بنظرة نافذة اخترقت قلبها وأصمتت لسانها. ليكمل بإحساس مفعم بكل حرف ينطق به. -"عهد"، أنا بحبك، مش عارف إمتى وإزاي، لكن إنتِ بجد خطفتِ قلبي مني، حقيقي وبقولهالك، أنا.. بحبك. ابتلعت ريقها المتحجر وقد تيبست بموضعها. لتشعر بتوتر غريب لا يناسب شخصيتها القوية.

شعرت بالاهتزاز والارتجاف لكلماته. لتجيبه بما لم يكن ينتظر سماعه. -أنا مش ضعيفة، ومينفعش أكون ضعيفة، أنا طول عمري قوية عشان مكنتش منتظرة من حد إنه يحبني. أنا لا عايزة أتحب ولا عايزة حد يتحكم فيا. ضاقت عيناه بتجهم ليطالعها بنظرته الحادة غير المقتنعة بما تتفوه به. -يتحكم فيكِ! ومين قال إن اللي بيحب حد بيتحكم فيه ويخليه ضعيف. بالعكس، الحب بيديكِ القوة، الحب مش فرض سيطرة.

ضحكت "عهد" ضحكة تهكمية خفيفة قبل أن تردف بتساؤل ساخر. -يعني انت عاوز تفهمني إنك بشخصيتك دي مش حتتحكم وحتبقى متفاهم وكيوت وتسيب الحرية للبني آدمه اللي حتتجوزها. عاوز تفهمني إنك ملاك نازل على الأرض بجناحات. بلاش مثالية وكلام فارغ، كل ده عشان توصل لهدف، ووقت ما توصل له خلاص، كل الكلام ده بيتمسح، زي شخصيتي ما حتتمسح. لا يا "معتصم" باشا، أنا قوية، وحفضل طول عمري قوية.

أراد أن يثبت لها أنها تتفوه بما لا تشعر به كاشفًا مشاعرها أمام نفسها. -يعني أفهم من كده إن مفيش أي مشاعر ليا جواكِ؟ وإن لما كنا في الكوخ كل ده كان تمثيل في تمثيل، تبقي غلطانة، أنا متأكد إن اللي جواكِ و اللي بتحاولي تخبيه غير كلامك ده اللي بتقوليه. رفعت رأسها بشموخ تنفي فهمه لمشاعرها التي لا تدري كيف تأكد منها إلى هذا الحد.

-أيوة، مجرد تمثيل في تمثيل وإنت ولا حاجة بالنسبة لي، ويا ريت بقى نقفل على الموضوع ده أنا لا بتاعة حب ولا عواطف. أنهت عبارتها وأسرعت بخطواتها تجاه السيارة هاربة منه ومن نفسها الفزعة التي أدركت عشقه لها. لكن المخيف هو تيقنها أنها أيضًا تعشقه. جلست بمقعدها وهي تلمح "حليم" بطرف عينيها قبل جلوسها للتأكد أنه مازال نائمًا ولم يلاحظ توقفها مع "معتصم". هي رفضت الإفصاح عما تشعر به من عشق له.

بينما لاحت ابتسامة ماكرة فوق ثغره الممتلئ متيقنًا بأنها تبادله نفس الشعور. لكن عليه الآن جعلها تعترف بهذا العشق وتتدارك مخاوفها التي تثير فزعها بلا داعي. عاد "معتصم" للسيارة جالسًا بمقعد السائق لتدور برأسه عدة أفكار لجعل تلك المشاكسة تعلن الاستسلام والرضوخ للعشق. أدار محرك السيارة مستكملًا طريقهم للإسكندرية لإتمام المهمة. *** بيت المستشار خالد دويدار (شقة عيسى)

وسط صراع من نفسه تجاه ظنه، صراع بين النفس وشيطانها وبين الشك والألم. صراع يجعلنا نُدهَس بين كفي الرحى. يرضى بمن يتغلب لكن القوة بمن يغلب نفسه ويهزم شيطانه وظنه. بهدوء نفس رغم ما أثاره رؤية زوجته بهذا الوضع الغريب بالأمس. إلا أنه يدرك شيئًا وحيدًا أنها لن تخون، لن تُسقط ثقته بها. إنها أهل له ولقلبه. لهذا عليه فهم الأمر أولًا قبل أن يصدر أحكام. لكنها بالنهاية تبقى "غدير" القلب ومنبعه.

تحدثت عيناه المتسائله بينما التزم الصمت والمراقبة. حتى حين أخذت "غدير" تثرثر كعادتها كان يقابلها بهدوء صامت. -حتى يوم الجمعة يا "إيسوووو" صاحي بدري، عاوزة أنام يا أستاذ يا نشيط. تسائل بداخله دون التصريح به. -مين ده؟ وكنتي واقفة معاه ليه؟ رفعت "غدير" حاجبيها أثناء ميل رأسها الصغير بتعجب من صمته وعيناه الحائرة المسلطة عليها. -مالك؟ مبحلق لي كدة ليه؟ ما ترد عليا، نشاط أوفر الصراحة. قالتها وتعالت ضحكاتها الصاخبة.

لكنها ابتلعتها بعد قليل عندما لم تجد تجاوب من "عيسى" لمزاحها. لتقضب حاجباها بجدية قبل أن تجلس إلى جواره متسائلة بقلق. -"عيسى" مالك؟ حاجة مضايقاك ولا إيه؟ تطلع مرة أخرى بوجهه كما لو أنه سيكشف ما بداخله من مجرد نظرة عميقة من نظراته. نظرة جعلتها تشعر بالارتباك وعدم الفهم. ابتلعت ريقها ليصاحبها تهدج لأنفاسها بإضطراب قلقًا عليه. -"عيسى" مالك بجد؟ ساكت كدة ليه؟ زفر مطولًا قبل أن يخرج كلماته بصعوبة.

-مفيش يا "غدير"، نامي إنتِ أنا نازل تحت عند بابا وماما. نهض ببطء ليثير اقتضابه قلقها وتخوفها بداخل نفسها محدثه إياها. (ماله النهاردة، هو زعلان مني ولا إيه؟ مش عوايده خالص) تابعت تحركه حتى غادر الشقة بنظرات حزينة من أن تكون قد أغضبته أو قامت بفعل ما ضايقه. حتى أنها شكت بأنه قد رآها بالأمس لتهمس بنفي تام. -لأ لأ، أكيد مشافنيش، ده جه بعدها، ومقالش حاجة، اه، لو كان شافني مكنش سكت. أين ستجد النوم والراحة بعد ضيق "عيسى".

لن تشعر بالراحة وهو على هذا الحال لتبحث عن سبب مناسب لغموض ضيقه المفاجئ. -يمكن حاجة في القضية بتاعته شاغلة دماغه ولا حاجة! أه أكيد كدة عشان لو كان حاجة تانية كان قالي. وبين تخبط من كلاهما اتجه "عيسى" لشقة والديه مبتعدًا عن بقائه مع "غدير" لبعض الوقت. لم يكن الحال بأحسنه بين "خالد" و "منار" اللذين غلب عليهما التجهم والضيق. فيما دلف "عيسى" ملقيًا تحية الصباح. -صباح الخير، مالكم قاعدين ليه كدة؟

زمت "منار" شفتيها بامتعاض لتشير بعينيها تجاه "خالد" قائلة. -شوف باباك، عاوز يحدد معاد كتب كتاب "رؤوف" من غير ما يقوله. جلس "عيسى" وقد تجلت مظاهر التعجب من فرض والده رأيه عليهم. فهذا ليس من طبعه المتفاهم. -من غير ما يقوله! ليه يا بابا؟ مش متعودين منك فرض الرأي أبدًا، إيه اللي حصل؟ بدون توضيح يُريح قلب وفكر "منار" ألقى "خالد" اللوم على تصرفات "رؤوف" الراعنة. -مش شايف أخوك واللي بيعمله!

ده ميتسابش لنفسه، هو كدة يكتبوا الكتاب الجمعة الجاية ويشتروا العفش عشان حنتمم الفرح على طول. لم تتاح حتى الفرصة لـ"منار" للاعتراض فقد قطع حديثهم وقوف "رؤوف" بصدمة أمامهم. -إيه؟!!!!!! كتب كتاب مين؟ أنا؟ فجأة كدة من غير ما تاخدوا رأيي، ليه عيل صغير؟ ما خشيته "منار" قد حدث. وضعت كفها فوق فمها بفزع من معرفته ومن رد فعل "خالد" فيما بعد. كرد متوقع نهض "خالد" بملامح مقتضبة قاسية مردفًا بانفعال.

-أيوة صغير، لما تبقى في سنك ده ولسه بتغلط غلطات العيال الصغيرة يبقى لازم نفوقك ونوقفك. تهدجت أنفاس "رؤوف" بقوة حتى شعر بتوعك شديد بمعدته تقلصت لها ملامحه بامتعاض. -أنا يا بابا! ليه، اه، عملت إيه؟ تقوس ألمًا بسبب معدته الثائرة بينما أجابه "خالد" بضيق على وشك الغضب. -مشيك تعطف وتلطف مع البنات دي شوية ودي شوية خليت شكلنا وحش قدام خطيبتك وأهلها، مش مسترجل وجامد كدة.

إللي أعرفه إن الراجل لازم يكون جامد، ناشف، الكل يعمل له حساب. الحنية والنحنحة دي مش للرجالة، ولا إيه؟ هب "عيسى" يهدئ الأمر بينهما فلا داعي للغضب وإثارة حنق والدهم الذي يكنون له كل الاحترام والرهبة أيضًا. لحق "عيسى" بـ"رؤوف" قبل أن يقحم نفسه بجدال مع والده سيسبب له الضيق ويقلل من احترامه له.

-خلاص يا "رؤوف"، بابا شايف إنك تتجوز بسرعة أحسن، وهي كدة كدة "نيرة" محدش فارضها عليك عشان تعترض، يبقى الكلام ملهوش لزوم واللي كان حيحصل كمان كام شهر نقدمه شويه وتتجوزوا على طول. ابتلع "رؤوف" اعتراضه وضيقه ليدلف نحو غرفته. لا يدري لم الآن يشعر بالغضب والرفض لإتمام تلك الزيجة. هل لفرض والده عليه الموعد المبكر، أم لإحساس جديد ولد بقلبه دون إرادة منه. هل يرفض "نيره" أم احتلته "مودة" وشتت أفكاره وقراراته.

جلس فوق الفراش متوعكًا فتقلص معدته أخذ في التزايد. لكنه عاد لأمر ثابت بنفسه أنه لن يعارض والده ويغضبه وفي نفس الوقت لا ذنب لـ"نيره" بعشق وصل لقلبه متأخرًا سيظلمها به. ليرضخ رغمًا عنه لترتيب القدر الذي لم يظن يومًا أنه حين يحين ذلك سيصبح بهذه التعاسة. حاول "عيسى" تهدئة والده أولًا قبل أن يدلف لـ"رؤوف" يهدئ من نفسه وتقبله للأمر بطريقة دبلوماسية تجاوب معها "رؤوف" لإنهاء الأمر لا أكثر.

لكن بقى قلبه حزينًا لضياعه لفرصة متأخرة مع "مودة". فليته علم بذلك قبل الآن لكان استطاع تغيير الأمر بدون أزمات بين أهله وأهل "نيره". لكن الآن لم يعد للأمر بد وعليه تقبل الأمر الواقع. *** بيت النجار (شقة فخري) وصلة قاسية ولا مبالاة بها كان ذلك لقاء يومي بين "صباح" و "راوية" بشرفة منزلهما. لتنتهي "صباح" بسماعها صوت جرس الباب لتدلف مسرعة نحوه بخطواتها الثقيلة المترنحة. -"ريهام"، تعالي تعالي شوفي النصيبة اللي أنا فيها.

دلفت "ريهام" بتغنج هادئ غير مكترثة بانفعال "صباح". لتمتعض بشفتيها الرقيقتين قائلة. -خير يا حماتي، جايباني على ملا وشي كده ليه؟ يا ريت يكون حاجة مهمة بس في الآخر! دفعتها "صباح" بخفة نحو الداخل تفرغ ما بداخلها من انفعال. فلا أحد يكترث لأمر ضيقها. -شوفتي اللي حصل! "مأمون" حيتجوز. ببرود تام كما لو أن من تتحدث عنه ليس بزوجها. أطلقت "ريهام" زغرودة ممتعضة قبل أن تردف. -يا ألف بركة، وأنا مالي يا حماتي.

اتسعت عينا "صباح" باندهاش لتعقب باستياء من برود "ريهام". -هو إيه اللي، يا ألف بركة، هو ده مش جوزك ولا إيه؟ أجفلت "ريهام" عيناها بتملل لتردف ساخرة. -كان، كان جوزي، هو حر، يتجوز يطلق يغور، وأنا مالي. جلست "صباح" بذهول تام قائلة. -هو إيه أصله ده! إنتِ البعيد باردة! تحفزت ملامح "ريهام" الهادئة لتقتضب بحدة مردفة بانفعال. -إيه باردة دي؟ إنتِ بتتكلمي معايا أنا كدة؟

لاااا مش أنا يا حماتي، أنا محدش يشتمني ولا يقل مني أبدًا، فاهمة. انفعلت "صباح" صارخة بها. فهي لم تعد تتحمل منذ ما حدث بالأمس فأعصابها متوترة بشكل بالغ. -إنتِ بتزعقيلي يا بت "سعيدة"، أنا تزعقيلي وأنا جايباكِ خايفه عليكِ وعلى مصلحة عيالك وفلوسهم. وقفت "ريهام" مستكملة غضبها المحتد غير عابئة بقوة تلك المرأة. فهي تتحكم بها بما تعرفه عنها لتردف بنبرة تهديدية واضحة.

-لاااا عيالي وفلوسهم مينقصوش جنية، والحبة دول يتعملوا على حد غيري مش أنا. ابنك وإنتِ حره فيه أنا سيبتهولكم تشبعوا بيه، لكن فلوس عيالي وربنا ما حسكت. فهمت "صباح" تهديدها جيدًا لتنهض بتبجح ودون الاهتمام. فليس بالبيت سواها وتلك المنزوية بالشرفة ولن تسمع حديثهما مهما حدث. لتردف باستهزاء. -أعلى ما في خيلك، اركبيه، قولي اللي تقوليه أنا ميهمنيش. مَطّت "ريهام" شفتيها للأمام قبل أن تخرج ما في جعبتها تستكمل تهديدها لـ"صباح".

-خلاص طالما إنتِ مش خايفة، أنا حقول لعمي "فخري" مراتك الست "صباح" بتعمل لك أعمال عند الشيخ "كرامة" من سنيييييين عشان تفضل مكمل معاها ومتسيبهاش ولا تسيب البيت، وإنها بتحط الأعمال ليه في كل مكان وفي الأكل اللي بياكله، وكل ده عشان ميسيبهاش ويروح لغيرها، تحبي أقول أكتر ولا كدة كفاية، أقوله إنك مش بترضي تاكلي عند أي حد عشان خايفة حد يعملك عمل زي ما بتعملي للناس، ولا أقوله على أذيتك للناس وأي حد يزعلك.

رفعت "صباح" حاجبها بخيلاء لتعقب مهددة إياها. -قولي زي ما تقولي محدش هنا عشان يسمعك، وأنا بقولك أهو كلمة واحدة توصل لـ"فخري" يا ويلك مني، مش حتعرفي حيجرالك إيه، ومش حتشوفي مني مليم. صدمت "صباح" حين كان الرد آتيًا من خلفها وليس من "ريهام". فقد استمعت لصوت جهوري صارخ ينطق باسمها جعل الأرض تهتز من تحت أقدامها. -"صبااااااح". استدارت "صباح" لتتسع حدقتيها بفزع متمتمة بارتجاف. -فخري!!!!!!! *** شقة (زكية)

عادت "شجن" كما لو أنها لم تقم بشيء من الأساس. لتنتظر أن يأتي "بحر" وينهي تلك الأزمة وترتاح من داخلها لنهاية هذا الصراع الأزلي بين زوجة عمها ووالدتها بزواج إحداهن. لم يخيب ظنها لتسمع طرقات ببابهم. أسرعت نحو الخارج لتشاهد الأمر من بدايته. فتحت "زكية" الباب متفاجئة بوجود "بحر". لقد استطاعت حفظ ملامحه الهادئة بالطبع رغم رؤيتها له مرة واحدة. كانت مرة لا تُنسى، فغرت فاها بقوة وهي تشهق فزعًا لتكرار الأمر.

-يا لهوي، إنت تاني؟ على الفور كانت "نغم" تلحق بوالدتها المندهشة لتطالع وجوده بصدمة. تحرك رأسها رافضة استكمال ما حدث بالأمس لتردف مهاجمة دون انتظار. -إنت جاي تاني ليه؟ إحنا مش ناقصين مصايب تقع فوق راسنا. لم يكترث لرفضهم. فزواجها من "مأمون" لأمر مرفوض تمامًا ولن يضيع فرصته معها لمصلحتها أولًا وحياة له بالمقام الثاني. -أنا جيت في موضوع مهم مينفعش يتأجل.

تطلعت "زكية" بتخوف للسلم من خلفه خوفًا من مجئ "صباح" كما فعلت بالأمس. لتشير نحو الداخل بتردد تدعوه للدخول. -طب ادخل قبل ما حد ياخد باله. خوفها غير الطبيعي جعله يشعر بالاستياء. فلم تخشى تلك الوقحة لهذا الحد. إنها لا تقوم بأي فعل خاطئ لما التخوف إذن. إنصاع لها ليدلف نحو الداخل لتشجعه نظرات "شجن" المتحمسة لمجيئه. جلس بهدوء متابعًا تلك العيون المستاءة لوجوده. لكنه بدأ حديثه مباشرة.

-أنا حدخل في الموضوع على طول، أنا جاي طالب إيد "نغم". تطلعتا لبعضهما البعض بصدمة ثانية. لتجيبه "نغم" بعجالة خوفًا من ضياع فرصتها مع "مأمون". -أنا خلاص اتخطبت امبارح لـ"مأمون" ابن عمي. بإصرار شديد أكمل "بحر". -أنا بطلب إيدك عشان أنا فعلًا عاوزك وشاريكِ مش لإنقاذ موقف. "نغم" بلاش تسرع، "مأمون" مينفعكيش. بإصرار منها أجابته لتنهي الأمر كافة بلا رجعة. -"مأمون" طلبني وأنا وافقت، أنا بحبه ومش عاوزه غيره.

نظر نحو "زكية" يدفعها للتدخل. -اتكلمي يا طنط، أكيد الموضوع ده مش عاجبك، أنا عارف إنك وافقتي عشان مفيش حل غيره، لكن أنا بقولك أنا موجود وشاري بنتك وعاوزها. تغلب عليها خوفها. فبم ستخبر "مأمون" و"فخري" إذا وافقت. إنها لا حمل لها بمواجهتهم أيضًا. لتجيبه بنفس مهترئة. -خلاص يا ابني، القسمة والنصيب. سعدت "نغم" لموافقة والدتها لتهب "شجن" تنهرهما بحدة. -انتوا بتقولوا إيه؟

الراجل جاي أهو، وعاوز يخلصنا من الهم ده، تقولوله لأ ليه! بتعملوا ليه كدة؟ تخوفت "زكية" من أن يسمعها أحد لصوتها العال المحتد. لتهتف بـ"بحر". -بص يا ابني، خلاص، بلاش تيجي هنا وتعمل مشاكل، ابن عمها عاوزها وخلاص، إحنا مش ناقصين مشاكل معاهم، امشي يا ابني، ربنا ييسر لك طريقك. تطلع نحوهم بغضب مكتوم. فيما دفعته "زكية" بخفة نحو الباب بترجٍ. -أبوس إيدك امشي، أنا ما صدقت الدنيا هديت، سيبنا في حالنا، إحنا ناس مش بتوع مشاكل.

إعراض "نغم" عنه جعله يشعر بأن مكانه ليس هنا. ليخرج من الشقة. لكن مازال الأمر لم ينته بالنسبة له بعد. أغلقت "زكية" للباب من خلفه. ليكون بذلك إشارة لـ"شجن" بإخراج انفعالها المكتوم لسلبية أمها التي ستقضي عليهن. -ليه، بتعملي ليه كدة، تعالي نمشي ونروح فأي حته، بلاش ترخصينا كدة، بلاش تخلينا سلعة للي يسوى واللي ميسواش، بلاش الجوازة دي. اعترضت "نغم" وهي تقف بمحاذاة أمها كمن تدعمها للبقاء. فأخيرًا سيحقق أملها كما تظن.

-مالكيش دعوة يا "شجن"، إحنا راضيين، وبعدين حنروح فين، وليه، أنا عايزة "مأمون"، عاملاها مشكلة ليه؟ نظرت "شجن" بعيون متوسلة لأمها لتخلصهم من هذا العذاب. -يا ماما، دي هبلة ومش عارفه مصلحتها، "مأمون" إيه بس، قوليلها حاجة، فهميها إن حياتها معاه كلها عذاب، إنطقي وخلصينا، خلينا نمشي من البيت ده. زاغت عينا "زكية" الدامعتين بحيرة بين كلتاهما. فلأول مرة تختلفا بهذا الأمر. شعرت "نغم" بتردد والدتها لتردف بترجٍ.

-ماما، أنا بحب "مأمون" وعاوزاه، أنا مسؤولة عن اختياراتي، متضيعيش مني حلم عمري، خلينا هنا. بإشفاق على حال ابنتها وبرضوخ لحياة طالما عاشتها أجابت مطأطئة الرأس. -خلاص بقى يا "شجن"، أختك موافقة أهي، وكمان ممكن بعد جوازها من "مأمون" الأمور تنصلح و"صباح" تسكت. تهدلت ملامح "شجن" بصدمة تلي الأخرى. لا تصدق مدى الخنوع والاستسلام لهذه الوضاعة. لتردف بحدة وغضب لم يمر بها من قبل فلم تعد تقوى على تحمل تلك الحياة.

-أنا خلاص معدتش قادرة أستحمل كل الخوف والجُبن ده، أنا مش عارفه أعيش ولا أفرح، حياتي كلها مقضياها خوف ووجع قلب، عشان إيه! شقة في بيت عيلة كلها مشاكل وتُهَم وكلام محدش يتحمله. لأ، كفاية بقى، كفااااية، عايزين تقعدوا إنتوا براحتكم، أنا خلاص معدتش قادرة، أنا ماشيه وسايبة البيت ده، إنتوا أحرار، أنا مش حستني لما أترمي أنا كمان في حياة هباب غصب عني.

دلفت لغرفتها المشتركة مع "نغم" لتخرج بعد دقائق قليلة تحمل حقيبة صغيرة هاتفه بهم بثورة غاضبة. -أنا حمشي وحكسر التليفون، طول ما انتوا مستحملين القرف ده والله ما أنا راجعه. فتحت الباب بقوة لتخرج منه بخطوات سريعة منفعلة. بينما أخذت "زكية" تناديها بصوت متهدج يقطع القلوب. -لا يا "شجن"، يا "شجن"، "شجــــــــــــــــــــن".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...