تحميل رواية ظننتك قلبي بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
باغتته بجذبه من مقدمة قميصه الصوفي الباهت بقبضتها وهى تزمجر بوجهه بشراسة لم يرها من قبل بأعتى الرجال. زجرته بمقلتيها العسليتان بنظرة أرجفت ساقيه المتخبطتان بتخوف لتتسع حدقتاه بفزع شاعرًا بأن الهواء من حوله فرغ تمامًا ليبحث عن ذرة منه تحيي رئتيه اللاتى توقفت عن عملهما إثر خوفه الذى إكتسى روحه. هل يمكن لفتاة أن تدب كل هذا الهلع بنفس رجل من مجرد نظرة عين؟ بخشونة صاحت من بين أسنانها المتراصة البيضاء بصوت مخالف عن ذلك الصفاء المحيط بهم، يكاد يجزم بأنه قد سمع للتو صوت إصطكاك أسنانها فوق بعضها البعض ول...
رواية ظننتك قلبي الفصل الأول 1 - بقلم قوت القلوب
باغتته بجذبه من مقدمة قميصه الصوفي الباهت بقبضتها وهى تزمجر بوجهه بشراسة لم يرها من قبل بأعتى الرجال.
زجرته بمقلتيها العسليتان بنظرة أرجفت ساقيه المتخبطتان بتخوف لتتسع حدقتاه بفزع شاعرًا بأن الهواء من حوله فرغ تمامًا ليبحث عن ذرة منه تحيي رئتيه اللاتى توقفت عن عملهما إثر خوفه الذى إكتسى روحه.
هل يمكن لفتاة أن تدب كل هذا الهلع بنفس رجل من مجرد نظرة عين؟
بخشونة صاحت من بين أسنانها المتراصة البيضاء بصوت مخالف عن ذلك الصفاء المحيط بهم، يكاد يجزم بأنه قد سمع للتو صوت إصطكاك أسنانها فوق بعضها البعض ولهيب ناري قذف بوجهه مع كلماتها حين هتفت به بغضب هادر كما لو قتل أحد أحبائها للتو.
"فيه إيه على الصبح؟"
إرتجف بين يديها كفرخ دجاج مرتعش ليزدرد ريقه الجاف بخشونة قبل أن يجيبها بنبرة متلعثمة تقطعت لها حروف كلماته التى تبخرت بالهواء.
"كنت جاي أسألك يا هانم لو محتااااا... لو محتاجه حاجة ممـ من السوق."
شدت من جذبها لمقدمة قميصه تحدجه بنظرتها السامة قبل أن تطلق سراحه من بين قبضتها تدفعه نحو الحائط بقوة لا تليق بفتاة مطلقًا وهى تحقره برد متهكم.
"هانم...!!!! غور من هنا..."
لم تعطه الفرصة حتى لأى إيضاح بل صفقت الباب بقوة بوجهه لتدرك أن هذا ما هو إلا حارس العقار الجديد.
وقف متيبسًا للحظات قبل أن يدرك أنه حصل على حريته من قِبَّل يديها ليركض الدرج هابطًا نحو الأسفل بخطوات متعثرة قبل أن تلحقه تلك (المتوحشة) مدركًا أنه أخطأ حين أقدم على عرض خدماته لقاطني تلك البناية.
غمغمت (المتوحشة) وهى تعود لداخل شقتها تلعن هذا السفيه الذى طرق بابها بهذه الساعة المبكرة من الصباح بسخط.
"ربنا ياخدك يا بعيد قلقت منامي إلهي يقل راحتك."
أطلقت زفيرًا قويًا تعيد به إتزانها النفسي الذى أفسده هذا الغبي، ظلت ملامحها معقودة بقوة كما لو أن صدرها لا يتسع لهذا البراح من حولها، وما الجديد فتلك القتامة و ضيق النفس هى حياتها.
إنها "عهد مسعود" فتاة ثلاثينية حديثة العهد بعقدها الرابع فاليوم يصادف يوم ميلادها، وها هي تخطو خطوة جديدة تجاه مسمى ( عانس) ألا يكفيها تلك الألقاب والمسميات التى تطلق عليها لتزداد بلقب جديد.
برغم كل تلك الألقاب التى تعرفها والتى لا تعرفها عنها هى لا تكترث لكل ما يقال عنها، ربما هي ليست فتاة عادية كغيرها، وربما ليست محدودة الجمال بل هى حقًا جميلة تتمتع بملامح هادئة ذات أعين عسلية براقة، لكنها ترفض ذلك بشكل مطلق، ترفض أن ينظر إليها كفتاة جميلة فقط، بل أنها ترفض أن تُعامل كـ فتاة من الأساس فهي خشنة التعامل تمامًا كالرجال.
تعتمد إسلوبها الخشن وترفض كل ما يعاملها بنعومة، ترفض أن يدللها أحدهم أو يقضي عنها أمر أو حاجة، تمامًا كهذا الحارس الجديد للعقار الذى لا يعرفها ولا يعرف طبعها.
كيف يجرؤ على دق بابها بهذا الوقت ألا يعلم من هي "عهد مسعود".
❈-❈-❈
التظاهر بالقسوة ما هو إلا إدعاء مشاعر ليست متأصلة، فقط ليظهر عكس ما يبدى على المرء، لكن الخوف من أن يتحول هذا الإدعاء لحقيقة وتصل القسوة لأوردة القلوب فتتحجر.
(ترى هل أنتِ حقًا من أى فئة؟ !!)
بهدوء قاتل وأعين ساخطة تطلعت "عهد" بشاشة هاتفها قبل أن تغمض جفناها بغيظ من صاحبة تلك المكالمة لتجيبها بإسلوبها الجاف كتراشق الحجارة الذى تطلقه من فمها كلما تحدثت.
"خير يا "وعد" بتتكلمي ليه على الصبح، هي نقصاكِ إنتِ كمان؟"
رغم أن نبرة صوتها لم تكن بخشونة حديثها إلا أن مجيبتها على الطرف الآخر كانت على النقيض تمامًا، كان صوتها عذب رقيق للغاية، به شجن يلمس أوتار القلوب كسيمفونية عزف منفرد حزينة لكن تستوطن النفس.
"صباح الخير يا "عهد"."
أجابتها كما لو أنها لم تستمع لكلماتها الجافة منذ وهلة، ثم إستطردت بحنو.
"وحشتيني قلت أصبح عليكِ قبل ما تروحي الشغل، وإنتِ مبتحبيش تتكلمي في التليفون وإنتِ في الشغل."
بت گعاصفة عاتية بكل رياحها تطيح بكل حنو نطقت به "وعد" لتعنفها بقوة علي إتصالها، تلومها بشدة علي طريقتها اللينة.
"بلا وحشتيني بلا زفت علي دماغك، بطلي سهوكتك دى، طول ما إنتِ شغالة فى الحنين ده عمري ما عايزة أكلمك أو أعرفك، إنتِ أختي إنتِ ؟؟!"
سألتها مستنكرة كيف لها أن تكون متناقضة معها بكل شئ ثم إستطردت تستكمل توبيخها.
"لو كنتِ أختي بجد كنتِ عرفتي تردي علي كل بني آدم جه عليكِ وقلل منك وبهدلك، حنيتك دى متنفعش مع الأشكال إللى إنتِ معشراهم دول، إمشي يا "وعد" عصبتيني، ومن غير سلام..."
لم تمهلها حتى أدنى فرصة للحديث لتغلق المكالمة عند هذا الحد فقد ثارت نفسها للغاية بسماع صوتها.
لم تكتفي بإغلاق المكالمة لتغمغم بسخط أثناء إتجاهها للمرحاض لتتوضئ.
"بنت طرية، خايبة، حنينه زيادة عن اللزوم، مخليه الكل يستعبطها، لا وجاية عايزة تصالحني، وربنا ما أنا مكلماها إلا لما ترجع عن إللي عملته ده و إللى يحصل يحصل..."
فور أن دلفت لداخل المرحاض صفقت بابِه بقوة رغم أنها تعيش وحيدة للغاية ولا يشعر بعصبيتها وثورتها غيرها.
❈-❈-❈
ترقرقت دمعة حزينة مسحتها "وعد" بطرف إصبعها قبل أن ينتبه لها أحد، تشدقت بعيناها العسليتان التى تميل للون الأخضر والتى تشبعت بحمرة تستعطفها ألا تذرف دموع أكثر من ذلك فلم تعد تتحمل الحزن، فهي بطبعها كائن لطيف حنون للغاية بعكس أختها الكبري "عهد".
تتمتع بوجه مستدير صغير وشفتين رقيقتين، بل كل ملامحها تبعث الرقة واللطافة تشبه والدتها الراحله (عايدة) إلى حد كبير.
تهدج صدرها بإرتجاف تحاول السيطرة على دموعها التى لا تستطيع السيطرة عليها إذا بدأت بالبكاء، ذلك طبعها المرهف الذى يدعوها لترقرق الدموع بكل الأحوال سواء كانت سعيدة فَرِحة أو حزينة تَعِسة، تترقرق دموعها لأتفه الأسباب لكنها لم تكن يومًا ذات طبع نكد بل مرهفة الحس.
هذا الطبع الذى لم يتوافق مع زوجها "عاطف" الذى لا يسمح للعواطف بالإنسياق بدربها.
لم تغضب من "عهد" بل هي توافقها تمامًا لكن ما بيدها حيلة.
تطلعت نحو إبنها الصغير "زين" ذو الثلاث سنوات بتحسر، فهو عوضها الوحيد بتلك الزيجة ولن تستطيع فعل شئ سوى الصبر والتحمل عوضًا عن حمل لقب من تلك الألقاب الكريهة التى لن تتحملها خاصة لقب (مطلقة).
❈-❈-❈
ببهو تلك البناية التى تقطن بها "عهد" وصل الحارس بوجه قلق فمازالت مقابلته مع تلك (المتوحشة) تؤثِر به، تطلعت نحوه إحدى الفتيات المراهقات التى وقفت ببهو البناية تعدل من خصلات شعرها بالمرآة العريضة ثم تحدثت بنبرة ساخرة.
"إلحق يا "ميزو" شكل البواب الجديد عدى على دراكولا إللى ساكنه فوق..!!"
مال أخيها ذو الرأس النحيل والشعر الكثيف المنتفخ فوق رأسه كـ بالون المنطاد يطالع الحارس بنظرات ضاحكة قبل أن يعقب ساخرًا.
"أه صحيح..."
ثم أعلى من صوته بتساؤل ضاحك.
"مالك يا عم.. إنتَ كنت فى العاشر ولا إيه...؟!"
أومأ الحارس رأسه بالإيجاب دون حديث ليستكمل "ميزو" بذات الطريقة.
"هو فيه حد عاقل يروح للمجنونة دى برجليه على الصبح... إحمد ربنا إنها مأكلتكش..."
إتسعت عينا الحارس وقد بهت تمامًا يريد إستيضاح الأمر.
"هي تطلع مين دي..؟!!"
"دي يا دوب بسألها عايزة حاجة من السوق طبقت فى زمارة رقبتي كانت حتجيب أجلى..."
مطت الفتاة شفتيها وهي تستكمل تطلعها بالمرآة قائله.
"سيبك منها... محدش فى العمارة كلها بيتكلم معاها... لو خايف على نفسك خليك بعيد... عم (صبري) إللى قبلك عمره ما راح لها ولا كلمها..."
أومئ الحارس رأسه بقوة فهو بالفعل سيفعل ذلك ولن يقحم نفسه مرة أخرى ليدلف لغرفته قابعًا بها لحين إحتياج أحدهم له.
كانت جرأة هذا الشاب لا تتعدى الكلمات التى تفوه بها لينظر بإرتباك تجاه المصعد يحث أخته على التحرك.
"يلا يا "سارة" أحسن تنزل... مش بيقول لك صحاها أهو..."
مالت بأنفها بتقزز قبل أن تجيبه بلا مبالاة.
"أصبر بقى.. متخفش... دى ماشيه زى الساعة لا بتقدم ولا بتأخر مش حتنزل إلا في معادها متخافش..."
❈-❈-❈
بينما كانت "عهد" حديث الساعة بهذا الصباح إلا أنها حاولت إستعادة هدوئها گحبات رمل في مهب الريح، شقتها الواقعة بالدور العاشر بهذه البناية حديثة الطراز كانت تخلو تمامًا من كل مظاهر البهجة، كل محتوياتها تضج قتامة وضيق نفس، برغم نظافتها وترتيبها بشكل مبالغ فيه إلا أن ألوانه الممزوجة بين البني الداكن والأسود يتخللهم بعض اللون النبيذى المحتقن تبث في النفس الضيق والكآبة.
هذا السكون التام يشعرك للوهلة الأولي أن الشقة خاوية تمامًا، دلفت "عهد" لغرفتها بعد قضائها لصلواتها أولاً لتبدل ملابسها كروتين يومي إعتادت عليه.
أغمضت عيناها بعدم تحمل لسماعها لرنين هاتفها المزعج مرة أخرى ظنًا منها أنها أختها "وعد" تعيد الإتصال بها.
تحفزت "عهد" للغاية وهي تستدير بإنفعال حاملة هاتفها للرد لكنها وجدتها خالتها "زكيه" لتردف بإستنكار.
"هم مالهم كلهم بيكلموني على الصبح كدة ليه... الله..."
بنفس مشحونة بدون داعي أجابت "عهد".
"صباح الخير يا خالتي... فيه حاجة ؟!!"
صوتها الحنون الذى تعتبره "عهد" آخر ما تبقى لها من حياة اللين كان بمثابة طوق أمان لحياتها الرتيبة من وقت لآخر لتتذكر أن لها شخص ما يهتم لها.
"صباح الخير يا "عهد"... عاملة إيه... أنا بس بطمن عليكِ..."
لم تطل محادثتها مع خالتها لكثير من الوقت حتى لا تتأخر على موعد عملها، لم تخلو المكالمة من محاولة "زكيه" لمرة أخرى من تلك المرات العديدة بإقناع "عهد" بترك مسكنها و وحدتها والمجئ للعيش معها هي وبناتها، لكن كالعادة وجدت ذاك الحائط الفولاذي الرافض من قبل "عهد".
فهي عنيدة متشبثه لا يمكن تغيير رأيها بسهولة.
❈-❈-❈
بذلك الحى القديم من تلك الأحياء الشعبية التى يتضافر سكانها بقوة حتى تكاد تشعر بأنهم أسرة واحدة كبيرة، ورغم تهالك هذا البيت العتيق الطراز المتصدع إلا أنه مازال بيتًا شامخًا بوسط الحى، يترصد بقية قاطني هذا الحى الشعبي لأصحاب هذا البيت، ليس لسيطهم الذائع ولا لغناهم الفاحش فهم أبعد ما يكون من هذه الصفات، بل لأنهم عائلة كبيرة يقطن أفرادها بكل شقة أسرة منهم، لهذا سمى بـ (بيت النجار).
ذلك البيت الذى يتهكم عليه البعض گ( باب النجار ) بمقولة ( بيت النجار مخلع) فكل ما به متصدع حتى نفوسهم، وهذا أمر لا يدعو للإختلاف فمن وطأت قدمه هذا البيت لابد وأن يطاله هذا التصدع بشكل حتمى.
بغرفة المعيشة كانت "زكيه" تلك المرأة الخمسينية النحيلة التى مازال يظهر جمال تقاسيمها رغم كبرها فكم كانت كريحانة يانعة فى شبابها تمامًا كما كانت أختها الراحله، زفرت "زكيه" بقلة حيلة وهى تضع هاتفها جانبًا قبل أن تخرج كلماتها تحدث نفسها بضيق.
"وأخرتها معاكِ يا بنت "عايدة"، بس لو تبطلي عنادك ده..!!!!"
بخطوات خفيفة تقدمت فتاة عشرينية متوسطة الطول تميل إلى القصر ذات ملامح هادئة ووجه مستدير لها من العيون السوداء الواسعة ذات الأهداب الكثيفة ما يظهر وجهها الطفولي الساحر، أقبلت ترتدى إحدى المنامات القطنية المزركشة التى بهتت ألوانها من كثرة الإستخدام، كانت تحمل نعومة لا تتناسب وهذا البيت المتصدع ولا تلك النفوس المهترئة.
غُرتها السوداء التى غطت جبهتها الصغيرة أعطتها سحر من نوع برئ خاصة وقد عقصت شعرها الأسود كضفيرة على جانب كتفها لاقت بها بشدة.
تقدمت نحو والدتها التى أخذت توبخ نفسها وحظها التعس متسائلة.
"مالك يا ماما، زعلانة ليه تانى ؟!"
رفعت "زكيه" رأسها تطالع إبنتها الحسناء بتحسر فهي لا تدرى أتتحسر على حالها أم حال بنات أختها أم حال إبنتيها لتتنهد بإستسلام قبل أن تجيبها بنبرة خانعة ضعيفة.
"مفيش يا "نغم"، مش عارفة ألاقيها منين ولا منين ؟!"
ربتت "نغم" برفق على كتف والدتها وإكتفت بكلمات بسيطة للغاية ردًا على والدتها فهذا الحال تمر بتفاصيله كل يوم.
"خلاص يا ماما كفاية إللى إنتِ فيه.... متزوديهاش عليكِ بـ "عهد" بنت خالتي كمان، هي مش صغيرة وأكيد عارفة مصلحتها."
وضعت قبضتها تحت وجنتها لتجيب إبنتها بتساؤل.
"يعني هو ينفع تفضل عايشة لوحدها بطولها كدة، ما هو بعد ما أمها ماتت و "وعد" إتجوزت وهي عايشة لوحدها، ياما إتحايلت عليها تيجي تقعد معانا هنا وهي مش راضية، دماغها ناشفه أوى، بس حعمل إيه، أغصبها يعني ؟!!"
بتلك النقطة تمامًا وصلت "زكيه" لما تريد "نغم" إيضاحه لها لتردف بتأكيد.
"بالظبط يا ماما، هي مش صغيرة، ومش حنغصبها، هي مش عايزة تسيب شقتهم هناك، وإن جيتي للحق، هي معاها حق، حتيجي تعيش فى الوكسة إللى إحنا فيها دى، ده إحنا مش قادرين نعيش هنا، حنجيبها هي كمان تعيش معانا."
تنهدت "زكيه" بضيق ثم أردفت بإيمائه.
"عندك حق يا "نغم"، ده إحنا اللى فينا مش عند حد..."
إنتبهت "زكيه" لغياب إبنتها الكبري "شجن" لتهتف بقلق.
"الله، أمال أختك "شجن" فين ؟... مشفتهاش من بدرى؟"
إبتسمت "نغم" بخفة وهى تجيبها ببعض السخرية.
"نسيتي ولا إيه يا ماما، مش هي قايله لك إنها حتنزل بدرى تشوف شغل فى أى مستشفى ولا عيادة..."
تذكرت "زكيه" ذلك بالفعل لتتنفس براحة بعد لحظات من كتم الأنفاس.
"أه صح، هي قالت لى إمبارح وأنا إللى نسيت..."
ضيقت "زكيه" عيناها وهى تتمعن بطلة إبنتها الجميلة التى لها من جمال روحها ما يسر النفس أكثر من جمال وجهها البرئ ثم سألتها ببعض التمنى.
"وإنتِ مش عايزة تشتغلى زيها ؟!"
رفعت "نغم" حاجبيها وأهدلتهما بضيق نفس أخفته خلف تلك الإبتسامة الزائفة.
"من ناحية عايزة أشتغل، أنا نِفسى، بس إزاى ؟! هو بعد إللى حصل فى الحارة ده حد حيرضى يشغلني !!!! منها لله بقى..."
إجابة إبنتها جعلتها تردف بإنفعال وقلة حيلة.
"أشوف فيها يوم زى ما هى كاسرة فرحة بناتي وتاعبه قلوبهم..."
أمسكت "نغم" بكف والدتها تحثها على النهوض.
"طب يلا نشوف ورانا إيه، مش حنقعد طول اليوم نجيب فى سيرة إللى متتسماش دى..."
"يلا بينا..."
❈-❈-❈
(بيت النجار) لم يضم شقة "زكيه" وبناتها فحسب، فهي تقطن بشقة بالدور الثاني فقط، تقع أمامها شقة يطلق فيها الريح صافرته، فهي شقة خاوية مغلقة منذ سنوات طويلة.
لم تكن تلك الشقة هي المشكلة برغم ما حدث من خلاف عليها منذ أمد بعيد، لكن الكارثة الكبرى كانت بالشقة التى تقع بالطابق الذى أسفلها مباشرة، أو بالأدق الدور الأول العلوي كاملاً والذى يقطن به أخو زوجها وعم بناتها "فخري" وزوجته وأولاده.
نال التصدع من شقة "زكيه" كلوحة سريالية لفنان مغمور تتلاقى به ألوان الجدران مع تلك الترميمات الأسمنتية المؤذية للعين، لكن "زكيه" تقبلت كل ذلك برضا بالأمر الواقع.
لكن شقة "فخري النجار" أخو زوجها كانت مدعاة للفخر بما يظهر عليها من الثراء بوسط الحي، برغم ذوقها المتدني السوقي للغاية إلا أنه مازال ينم عن الثراء بعكس تلك الأسرة الفقيرة بالشقة العلوية.
ضربت تلك المرأة السمراء التى تخطت الخمسون ببضعة سنوات فخذيها بقوة لتصدر تلك الأساور الذهبية السميكة صوتًا رنانًا لتضج عيناها ببريق يحمل كُره وبغض زاد بإنفعال شديد حين هتفت بصوتها الخشن الذى يشبه أصوات الرجال.
"مش فاضل إلا الخدامين كمان يعدلوا علينا..!!!!"
إنها "صباح الجزار" زوجة "فخري النجار" إمرأة متسلطة قاسية الملامح سمينة الجسد الممتلئ بثنيات مترهلة وبالحلي أيضًا، رغم محاولاتها العديدة لتظهر بأنها صاحبة ذوق رفيع وعائلة محترمة يخشاها الجميع ويتمنوا قربها، هكذا تحاول الظهور لكن بقرارة نفسها هي تدرك أنها ليست كذلك ولا حتى تقربه.
ارتداؤها لكل هذا الكم من الأساور الذهبية والحلي المعلق برقبتها لتثبت أنها من صاحبات الثروات والمستوي المرتفع، تتفاخر دائمًا بحسبها ونسبها فوالدها "مفتاح الجزار" ذائع الصيت صاحب محلات الجزارة لبيع اللحوم بحيهم والأحياء المجاورة.
إمرأة كل مقوماتها أنها تملك المال لا أكثر ولا أقل، لكن هذا المال إبتاع لها بقية المقومات التى تريدها بحياتها إلا شئ واحد، حب زوجها "فخري" لها.
هذا الزوج الذى إستطاعت بمساعدة والدها ونقوده شرائه منذ زمن بعيد للزواج منها وتحقيق حلمها بالوصول إليه فهو عشقها الأوحد ونقطة ضعفها الوحيدة.
فقد تعدى عشقها له درجة الوله والتملك، إنساق "فخري" خلف أطماع الشباب بالوصول للثروة والمال بزواجه من (بنت الجزار) ليعيش بحياة رغدة ويحقق طموحاته وأحلامه، لكن ما أدركه بعد أن إنساق بتلك الهاوية أن المال ليس بكل شئ لكنه علم ذلك بعد فوات الأوان.
أعدلت "صباح" من جلبابها الأسود المطعم بزركشة ذهبية مبالغ بها لتصدر أساورها ضجيج محبب لنفسها مزعج للبقية، مصمصت شفتيها الغليظتين واللاتي زاد من غلاظتهم لون أحمر الشفاه فاقع اللون ثم نادت بصوتها الخشن.
"بت يا "راويه"، إنتِ يا بت، إنتِ فين جتك نصيبه..."
وكما يقول المثل الشعبي ( إقلب القدر على فمها ...) والذى إنطبق تمامًا على "راويه" إبنتها الكبري والوحيدة التى تشبهها إلى حد كبير كما لو كانت صورة بالمرآة لكنها نسخة مصغرة عنها.
بجلباب مزركش وأساور ذهبية وجسد ممتلئ تقدمت "راويه" تجاه والدتها والتى تسمع نادائها جيدًا إلا أنها لم تهتم بالإجابة.
سارت لبضع خطوات بطيئة بدلال شديد ثم جلست بالمقعد الذهبي بالصالون الأحمر الزاهي مردفه بإمتعاض.
"خير، عايزة إيه؟!"
جلست "صباح" فوق الأريكة تستريح بجلستها أولاً قبل أن توضح بتقزز.
"بت عمك المخفيه، رايحة تاني تدور على شغل، شفتي بقى قلة القيمة كل شوية!!!"
صمتت "راويه" لبعض الوقت بوجه ممتعض حين أخذت "صباح" تحثها على الإنفعال وشحن النفس.
"ما تردي يا بت، حنسكت لهم وهم طالعين داخلين يقلوا من قيمة عيلة (النجار)، ويوقفوا حالنا..."
تهدج صدر "راويه" بإنفعال فقد إستطاعت والدتها إشعال الحقد بقلبها بتلميحها المتكرر عن عنوستها والتى هي بالتأكيد سببها حُسن بنات عمها وسُمعتهم السيئة أيضًا.
"هم مش ناويين يجيبوها لبر، وأخرتها معاهم بنات "زكيه"..."
بنظرات ماكرة فقد وصلت "صباح" لمبتغاها أعدلت جزعها بأريحية تستكمل شحذ نفس "راويه" للقيام بما تفكر به.
"أبوكِ عمره ما حيسمع لي بعد آخر مشكلة، المرة دى بقى إنتِ إللى حتكلميه، ما هو إللى بيعملوه ده حييجي على دماغنا أول ناس..."
أومأت "راويه" بقوة وهى تردف بغيظ.
"مااااشى..."
❈-❈-❈
بوقت قياسي لم يستدعي التلكع سحبت "عهد" علاقة ملابسها من الخزانة بدون تفكير أو إختيار، فلم الحيرة فكل ملابسها متشابهة فهى لا ترتدى سوى الحُلل السوداء گتلك التى يرتديها الرجال بلا إختلاف مطلقًا، لا تعتمد ما هو ملفت للنظر فهى ليست بحاجة لأن تكون ملفته أو محط أنظار أحدهم.
بدقائق قليلة كانت قد إنتهت من إرتداء تلك الحُلة السوداء بمظهر رسمي للغاية، رفعت رأسها بنظرة خاوية گ حياتها تمامًا فهي كالإناء الفارغ يصدر أصوات رنانة بالرغم من الفراغ المتوغل بداخلة، فما يظهر منه غير ما يبطنه تمامًا.
عينان تائهتان بدنيا صاخبة ووجه صامت بدون روح أو حياة، فعليها بدء اليوم وإنتظار نهايته ككل يوم.
وقفت أمام المرآة ترفع خصلات شعرها الأسود ک ليل حزين يغطى رأسها المستدير تلملمه بقسوة إلى الخلف حتى إلتصق برأسها، فشعرها الحالك يتمتع بنعومة حريرية ومع جذبه للخلف ظهر ک لون يغطى رأسها بدون حياة ک نظرات عيونها العسلية تمامًا.
كانت تلك الدقائق هي فقط ما إحتاجته لتتجهز لمغادرتها لكن ينقصها شئ ما، نعم إنها تلك النظرة القاسية الكارهه لتسقط فوق عينيها وتصبح على أتم الإستعداد للتوجه للعمل فلا معني للإبتسامة بحياتها التى تشبه القطار الذى لا يعرف الحياد عن طريق سلك به.
❈-❈-❈
بحي راقي هادئ بصورة طالما إعتاد عليها سكانها، لم يكن ذاك البيت أو بمعنى أدق تلك البناية الراقية بيت يخص عائلة بعينها لكن هناك عائلة ما إعتبرته كذلك، إنها عائلة (دويدار).
إتخذ المستشار المتقاعد "خالد دويدار" من تلك البناية بيتًا خاصًا بعائلته رغم وجود سُكان آخرين يشاركونهم البناية.
فلهذا المستشار قوى الشخصية ثلاثة أبناء إبتاع لكل منهم شقة بخلاف شقته أيضًا ليصبح هو وأبنائه يطلقان على هذه البناية ( بيت عائلة دويدار).
قطن "خالد دويدار " بالدور الثاني بينما إتخذ الثلاث طوابق التالية له شقة لكل من أبنائه فالطابق يحتوي على شقة واحدة فقط.
بعادة صباحية ونشاط إعتاد عليه المستشار "خالد دويدار" لسنوات طويلة برغم إنتهاء مسيرته بالعمل ک مستشار بالقضاء العالى وتخطى عمر الستون عامًا ليصبح التقاعد حتميًا الآن، وهذا ما لم يعتاد عليه رجل بسطوته وسلطته التى دامت لسنوات مضت، بدأ "خالد" يومه بتفقد أحوال قاطني هذا البيت.
دق صوت جرس الباب لتتقدم الدكتورة "منار الهواري" زوجة المستشار ( إمرأة خمسينية أنيقة ذات وجه نحيل وشعر قصير للغاية بلونه الفضي الطبيعي لعمرها تعمل كطبيبة باطنية ماهرة ) قامت "منار" بفتح الباب وهي تطالع ساعة يدها أولاً.
"صباح الخير يا "بشير"، جبت كل إللى قلت لك عليه ؟!"
هكذا سألت "بشير" حارس العقار الذى طلبت منه جلب لها بعض الأغراض الضرورية التى تحتاجها، أجابها "بشير" بحماس فهو يدرك تمامًا المقابل السخي الذى سيحصل عليه الآن.
"كله تمام يا ست الداكتورة، جبت لك الفاكهة والخضار وكله.."
أخرجت "منار" من محفظتها الطويلة مبلغ مالي زاغت له عينا "بشير" بسعادة فكم كانت تلك السيدة كريمة سخية طوال الوقت، مدت "منار" يدها بالنقود مع بسمة شكر قائله.
"شكرًا يا "بشير" خد دول هات حاجة حلوة لولادك.."
برغم إنتظاره لهذا المقابل إلا أنه أردف بإمتنان.
"خيرك سابق والله.."
"شكرًا يا "بشير" تعبتك معايا.." (قالتها بلطف حين أصرت على إعطائه المال الذى وضعه بجيب بنطاله مستديرًا نحو المصعد لتغلق "منار" الباب).
حملت الأكياس متوجهة نحو المطبخ حين تابعها "خالد" مدققًا بكافة التفاصيل.
"مش كتير شوية الحاجات دى يا "منار"..؟!"
وضعت "منار" الأكياس على الحافة الرخامية بالمطبخ وهي توضح بدون تذمر فقد إعتادت على طبعه المُلم بكل التفاصيل الذى إعتاد عليه.
"عشان العزومة بتاعة بعد بكرة إنت نسيت ؟!!"
ألقت نظرة خفيفة بداخل الأكياس وهي تسأل زوجها.
"أحضر لك الفطار قبل ما أروح المستشفي، أصل "أم مجدي" واخدة أجازة كام يوم تزور بنتها فى بلدهم ومش جاية النهاردة..."
حياة التقاعد تلك لم يعتاد عليها بعد ليصبح التذمر والضيق سمة له بالآونة الأخيرة.
"إعملي لي فنجان قهوة وخلاص.."
ثم إنتبه بملامح مقتضبه وهو يشير تجاه خارج المطبخ.
"وهو "رؤوف" مش رايح الشغل ولا إيه، هو كل يوم يتأخر كدة !!!!"
زمت "منار" شفتيها بإستنكار ليوم راحة وحيد يتخذه ولدها بين الحين والآخر.
"يوم أجازة يا "خالد" مش حيحصل حاجة، إمبارح كان عندهم طلبية دوا إتأخر أوي عقبال ما إستلموها..."
غمغم "خالد" بسخط وهو يخرج من المطبخ بإنفعال.
"عيل ضعيف، مش جامد زى أبوة وإخواته كدة، خليكِ إنتِ يا أختي دلعي فيه كمان وكمان..."
ضحكت "منار" على طريقة زوجها الذى إنشغل بحياة الجميع بتدقيقه الزائد عن الحد لتلتف نحو الموقد تصنع كوبًا من القهوة لزوجها فهو يحب إرتشاف القهوة بكوب زجاجي وليس بفنجان.
كان ذلك آخر مهامها بالمنزل قبل مغادرتها بإناقة فهي رغم تخطيها لعامها الخامس والخمسون إلا أنها تحرص دومًا على أناقتها والحفاظ على مظهرها برقي فهي مديرة بأحد المستشفيات الخاصة ولها عيادة ک طبيبة باطنية متمرسة ماهرة للغاية، لكنها مع ذلك تفكر جديًا بمشاركة زوجها تقاعدة والتخلى مؤقتًا عن عملها بالعيادة ويكفيها عملها بالمستشفي لبعض الوقت لهذا قررت طرح عيادتها للبيع او للإيجار.
❈-❈-❈
سحابة سوداء تتطاير كالريح لا تخشي ما يعترضها بطريقها بل هي تتخذ طريقها ومن يخشي على نفسه فعليه أن يتجنبها.
تحركت "عهد" نحو المصعد بخطوات قوية ثابته للغاية، قتامة نظراتها وحُلتها السوداء حتى حذائها لم يختلف سواده عن بقيه ملبسها، شعرها المصفف بعناية معقوص بقوة جعلها مخيفه تبث الرهبة بالنفوس، فيا لها من فتاة تسبب زعزعة بالنفس لمجرد رؤيتها.
وهذا ما فعلته بالفعل حين فُتح باب المصعد لتخرج منه بخطواتها القوية السريعة متجهة صوب بهو البناية.
إلتصق "ميزو" وأخته "سارة" بالجدار وقد إتسعتا عيناهما بفزع لحظة رؤيتهم لـ "عهد" وهم يتابعون خطواتها ومرورها أمامهم ترمقهم بتلك النظرة النارية بتقزز من رعونتهم جعلت حناجرهم تتحجر بخوف وإرتباك.
لحظات من حبس الأنفاس حتى مرت من أمامهم وغادرت البناية عقبها زفير قوى من "ميزو" وهو يلوم أخته على تأخيرها لهم حتى تقابلا مع (المتوحشة).
"شوفتي، لو كنا مشينا بدري مكناش شوفناها، غاوية تعطلينا يا "سارة" !!!"
رغم إضطراب قلبها المتخوف من تلك الفتاة إلا أنها إبتلعت ريقها محاولة الظهور ببعض الثبات غير عابئة بلوم أخيها لتردف بإشمئزاز.
"أعوذ بالله، مش عارفة البنى آدمه دى مستحملة نفسها إزاى !!!!!"
إستدارت "سارة" تجاه أخيها تقلد والدتها تمامًا بنميمتها مع إحدى جاراتهم عن "عهد".
"أنا سمعت ماما وهى بتتكلم مع طنط "سهى" جارتنا وبيقولوا إن "عهد" دى ااااا...." (أنهت جملتها بحركة أصابعها بشكل دائري إلى جانب أذنها دلالة على وصفها بالجنون).
أثار وصف "سارة" إندهاش "ميزو" معقبًا.
"بجد.. مجنونة..!!!!"
طرفت "سارة" بعينيها لمعلوماتها الخطيرة مستطردة إيضاح حالة "عهد".
"ماما بتقول إنها عندها مرض نفسي بيخليها تتخيل حاجات مبتحصلش، بتعمل قصة في دماغها وتعيش فيها وتصدقها وممكن تعمل للناس حاجات تأذيهم، حتى لو الناس إللى بتعمل معاهم كدة لا شافوها ولا عرفوها قبل كدة.."
ليومئ "ميزو" بتفهم لتلك الحالة التى قد قرأ عنها بمادة علم النفس التى يدرسها قائلاً بشرود.
"ااااه، دى عاملة زى بناخده فى علم النفس، دى حالة إسمها.. ااا... ذُهان، إللى هو بيجيب هلاوس وتخيلات ده.."
"ايوووه بالضبط كدة.."
بتخوف من أن تؤذيهم يومًا قال "ميزو".
" خلينا بعيد عنها أحسن مش ناقصة إلا المجانين كمان... يلا حنتأخر على الدرس..."
رواية ظننتك قلبي الفصل الثاني 2 - بقلم قوت القلوب
فـ لتَكُفِي أيتها الحياة عن تقييد حريتي ووضعي بخانة المهزومة، فلن أنساق خلف أوهام إرضائِك على حساب نفسي، فقد أخذت عهدًا ألا أهتم أو ألتفت إلى الوراء. لن يشغلني رأى الحاقدين بي، يكفيني أننى أتنفس بحرية.
سواء إعتقد البعض بأنها مريضة نفسية أو لا، لم تهتم "عهد" يومًا بما يقال عنها من خلف ظهرها، فلو كان خصمها قويًا لواجهها وجهًا لوجه، ودون ذلك فهذا أمر لا يستحق حقًا حتى عناء التفكير به.
إستقلت إحدى سيارات الأجرة متجهة نحو مقر عملها لبداية يوم عمل جديد، فهذا بالفعل ما تكترث له أن تحقق ذاتها وتُعلى من شأنها وقيمتها بعملها الجاد.
توقفت السيارة أمام هذا الصرح الضخم لتدلف نحو الداخل بخطواتها الصارمة التى تجبر الجميع على التعامل معها کَ فرد قوى مثلها مثل زملائها من الذكور، فهي لا تقل عنهم جدية وصرامة وأيضًا قوة.
لم تتجه اليوم لمكتبها مباشرة بل إتخذت الرواق الطويل نحو مكتب مديرها الذى طلب برؤيتها فور وصولها لتطرق الباب بعدة طرقات قبل أن تستمع لصوت السيد "نظمى" يسمح لها بالدخول.
_ إدخل.
ولجت إلى الداخل برسمية للغاية ملقية تحية الصباح بهدوء.
_ صباح الخير يا فندم.
(لم تكثر بالحديث أو تتطرق لسبب إستدعائها فور وصولها بل إنتظرت أن يبدأ "نظمى" بتوجيه الحديث إليها).
أغلق "نظمى" أحد الملفات التى كان يطالعها رافعًا من رأسه يحدق بـ"عهد" للحظات قبل أن يستطرد حديثه كما لو كان يراجع قراره الذى إتخذه منذ قليل متأكدًا من أهليتها للقيام بذلك، ثم بصوت رخيم رد تحيتها قائلاً.
_ صباح الخير، إقعدي يا "عهد".
إتخذت مقعدها المقابل له وهي تستمع بإنصات شديد عن سبب هذا اللقاء المبكر فيما إستطرد "نظمى" مستكملًا.
_ شوفي يا "عهد"، طبعًا إنتِ من أكفأ الناس عندي هنا، عشان كدة وقع إختياري عليكِ إن إنتِ إللي حتسافري.
لم تكن "عهد" تعلم بعد عن كافة تفاصيل هذا العمل لكنها لم تُبدى أى رد فعل سواء بالقبول أو بالرفض الذى هو ليس من شيمها من الأساس، لكنها إستمعت لتوضيح "نظمى" للأمر حين لوح لها بملف أزرق قائلًا.
_ ده الملف فيه كل التفاصيل إللى إنتِ حتحتاجيها.
_ أكيد يا فندم.
مدت كفها تلتقط الملف المقدم لها دون أى إعتراض، وهذا ما ظنه "نظمى" بها فهي لا ترفض أى عمل يوكل إليها مهما كان درجة صعوبته.
_ أنا عارف إنك مش حتخذليني فى إللي مطلوب منك. الأمر بسيط جدًا وموضح لك كل حاجة فى الملف. فيه أى إستفسار تحبي تسأليني عنه؟
_ لأ تمام.
_ كويس أوى. الملف معاكِ إدرسيه كويس وإنتِ عارفاني مش بحب الأخطاء.
أجابته بإيمائة خفيفة دون أن تلقى حتى ولو نظرة خاطفة عن تلك المهمة الموكلة إليها بل كانت بقرارة نفسها تعلم قدرتها على إنجاز أى عمل مهما تطلب الأمر.
_ تمام.
أعاد "نظمى" جزعه للخلف وقد إرتسم على ثغرة الغليظ بسمة متكلفة ماكرة للغاية مدركًا أن "عهد" صاحبة المهام الصعبة، فهو يقحمها كل مرة بعمل أقسى مما قبله ليردف بتوضيح أقرب الغموض منه للإيضاح.
_ السفر بكره لسويسرا، وأحب أأكد عليكِ تاني... أنا مبحبش الأخطاء.
كلمة مقتضبة موجزة كانت هي نهاية لقائها بـ"نظمى" قبل مغادرتها لمكتبِه.
_ أكيد.
إتجهت مباشرة نحو مكتبها لتطلع على فحوى هذا الملف لتقرأ ما به من مهمة وكلت إليها حين وجدت أن الأمر ما هو إلا رحلة جيولوجية للجنوب السويسري لرسم خريطة لأحد المحميات الطبيعية كخبيرة جيولوجية برفقة مجموعة متدربة. لم يكن بالأمر الصعب عليها أدائه لكن ما أرّقها بالفعل هو تلك الأجواء الباردة بتلك البقعة ذات درجة الحرارة المنخفضة للغاية بهذا الوقت من العام. زاد على ذلك أن تلك الرحلة تقع فوق أحد أودية الجبال.
ربما لم تستحسن سفرها بهذا البرد القارس لكنها ليس لديها رفاهية الرفض.
فهي كما تقسو على الجميع تقسو أيضًا على نفسها، وبشكل مبالغ فيه، لا تعطي لنفسها ولو فرصة للتفكير بل دائمًا ما تقحم نفسها بكافة الأعمال دون حساب لما تشاء أو تأبى القيام به، كما لو أن نفسها شخص آخر تجبره نحو قرارات عقلها المتحجرة وعليها الإنصياع لنفسها دون أن تسمح بأى تدخل عاطفي من جانب لين مظلم بداخلها.
بعد أن إتطلعت على كامل تفاصيل الملف وطبيعة المهمة التى عليها القيام بها غادرت مكتبها لتتجه صوب شقتها البائسة لتحضير حقيبة سفرها فعليها السفر بالغد.
لم تدرى أن بتلك الأثناء كانت هناك عيون تتربص بها تنتظر مغادرتها ليدلف إلى مكتب "نظمى" بخطوات قلقة.
إنه "طه" شاب ثلاثيني طويل القامة نحيل الوجه، ذو أنف حاد وذقن مدببة، تتحلى عيناه البنيتان بفراسة وذكاء رغم ظهوره بعكس ذلك إلا أنه شديد الدهاء، ماهر بعمله للغاية حتى أنه يفوق "عهد" بقدراته وذكائه المتقد.
دلف "طه" إلى مكتب "نظمى" كما لو كان يستكمل حديثًا قد قطع للتو.
_ وافقت؟
رمقه "نظمى" بحدة بنظرة تحمل معنى لا تتدخل فيما لا يعنيك وأن هذا الأمر يخصه وحده بتكليفها بهذا العمل، ليردف بكلمات مقتضبة.
_ أيوة يا "طه" قلت لها. (ثم تحولت نبرته لحدة لاذعة) عندك إعتراض؟
تحول تجهم "طه" لإبتسامة مزيفة وهو يردف بنبرة يخفى بها الضيق الذى حل بنفسه.
_ لأ طبعًا يا ريس، هو فيه بعد كلامك كلام، أنا.. ا.. بس إفتكرتك غيرت رأيك أو ممكن تكون هي رفضت المهمة والسفر.
إحساس داخلي لا يخيب بداخله بأن "نظمى" تضايق من مراجعته لقراره بخصوص "عهد" لتتحول طريقة "طه" إلى التملق ليخرج من هذا المأزق.
_ دى "عهد" دى أنسب واحدة للمهمة دى، وحدانيه وتقدر تسافر فورًا، إختيار موفق يا ريس.
أومئ "نظمى" بلا إكتراث قبل أن يطلب من "طه" مغادرة المكتب فهو لا يحب أن يُعدل أحد على قرار إتخذه.
_ إتفضل إنت يا "طه" على مكتبك.
خرج "طه" مغمغمًا بسخط لتكليف "عهد" بتلك المهمة فكم كان يود لو يفسد هذا الأمر برمته.
***
بيت عائلة دويدار.
رغم أن مازال الوقت مبكرًا إلا أن الظهيرة قد أوشكت للغاية، وخاصة وأن هذا وقت يختلف تمامًا عن موعده الصباحي، فهو شاب ملتزم للغاية بحكم عمله كرجل قانون.
إنه (عيسى دويدار) الإبن البكر للمستشار "خالد دويدار" والذى يقطن بذات البناية مع والديه لكن بشقة منفصلة بالدور العلوي.
رفع سترة حُلته السوداء مستكملاً أناقته بها إستعدادًا لبداية يوم عمل متأخر فاليوم لا عمل لديه بالمحكمة، بل سيتجه مباشرة نحو مكتبه الخاص.
"عيسى" شاب خلوق قوي الشخصية بشكل ملحوظ، جاد الطباع كأبيه "خالد"، متوسط الطول والبنية، يتمتع بوجه محدب وعينان بنيتان وفم دقيق ووسامة هادئة، وبرغم جديته المعتادة إلا أن له إبتسامة ساحرة لا تظهر إلا لإستثناء واحد فقط.
رغم أن كل ما بحياته يسير وفق جدول زمني محدد وأفكار واضحة صفات توارثها من أبيه الملتزم الذى أنشأهم بحزم وجديه بحكم طبعه الجاد، إلا أن إستثناء حياته وقع بقطعة الشيكولاتة خاصته، زوجته "غدير" النائمة بعشوائية لا تتناسب مطلقًا مع حياته الدقيقة المرتبة.
فوضويتها هي أجمل ما بها، إنها استثنائية خارجة عن المألوف، هي الشئ المختلف الذى أكسب حياته الرتيبة معنى لكلمة (حياة)، فـ "غدير" عشق يروي أيامه الجافة مغدقًا حياته الذابلة.
إلتف بجذعه نحوها يتطلع بأعين مبتسمة تجاه تلك الفوضوية التى تغط بنوم عميق للغاية كالغارقة وسط الوسائد، حتى وجهها مغطى بأكمله بخصلات شعرها المموج.
دنا منها بروح مُحبة ليزيح بعض الخصلات عن وجهها الناعس مقبلاً وجنتها دون أن تشعر به ليبدأ من هذا الوداع بداية يوم عمل جديد، إستقام حاملًا حقيبته الجلدية متجهًا لمكتب المحاماة خاصته.
***
شقة المستشار خالد دويدار.
تصفح "خالد" أحد كتبه من مكتبته الخاصة يحاول به قضاء هذا الوقت بسأم بعد مغادرة "منار" منذ قليل. هو لا يتذمر لعملها الذى كان دومًا محفزًا لها به، لكن إقامته الكاملة بالمنزل أصبحت تزيد من ضيقته بعد تقاعدة الغير معتاد عليه.
خطوات بطيئة تحركت نحوه ليدرك أن ولده الأصغر "رؤوف" قد إستيقظ أخيرًا، أغلق كتابه لينظر من فوق نظارته الخاصة بالقراءة تجاه هذا الناعس الذى لا يشبهه إطلاقًا لا بملامحه اللطيفة ولا بصفاته الحانية.
_ إنت صحيت؟ إيه النوم ده كله يا "رؤوف"، ما تبطل كسل بقى يا إبنى ده مش باقي على الظهر إلا ربع ساعة.
تملل "رؤوف" بنعاس وقد إتسعت بسمته اللطيفة لتتوهج ملامحة لشاب عشريني ذو وجه مستدير وشعر مموج بخصلات عشوائية تدل على حياته الغير جدية كبقية رجال عائلته.
فقد تميز "رؤوف" بإختلافه عن الجميع، شاب محب للحياة والناس، حنون تلقائي إجتماعي بشكل لا يوصف، إقباله على الحياة كانت دومًا محط خلاف بينه وبين والده الجاد الحازم طيلة الوقت.
مع إتساع إبتسامته أجاب والده بلين وهدوء يثيران سخط "خالد" بشكل كبير.
_ أنا أجازة النهارده يا حبيبي، أنام لى شوية، حبة راحة يا "خالود".
ضرب خالد كفيه ببعضهما البعض متعجبًا من طريقة إبنه المستفزة لينهره بإسلوبه المتكرر.
_ يا إبنى إنشف شوية، إيه "خالود" دى، بلعب معاك فى الشارع أنا؟
بإبتسامة صافية وقُبلة حنونة أجابه "رؤوف".
_ وهو أنا أطول يبقى عندى صاحب قمر كدة يا سيادة المستشار.
إرسمت بسمة خفيفة فوق ثغر "خالد" فهو رغم رفضه لحياة اللين التى إتخذها "رؤوف" إلا أنه يستمتع بتعبير ولده له عن حبه بهذا الشكل ليزجه بخفة.
_ بس يا بكاش. إنت تعمل الحبة دول على أمك ولا خطيبتك، مش أنا.
_ وماله يا باشا، إنت و هم، هو أنا ليا غيركم.
إستدار "رؤوف" عائدًا تجاه غرفته لتبديل ملابسة حين إستوقفه والده قائلًا.
_ إبقى كلم "نيرة"، إتصلت بيك من شوية لقت تليفونك مقفول، كلمتنى، وعاوزاك تكلمها.
تذكر "رؤوف" موعده معها بالمساء مغمغمًا بنبرة منخفضة.
_ أوف... ده أنا نسيت إننا حنقابل النهارده. (ثم أعلى من صوته مجيبًا والده) تمام يا بابا. حكلمها.
دلف إلى غرفته موبخًا إحداهن.
_ ما هو لولا البنت السخيفة إللى طول الليل ترن دى مكنتش قفلت التليفون، ربنا يستر من زعل "نيرة" أنا مش قد عصبيتها، بس أعمل إيه فى قلبي الحنين.
عيبه الوحيد كلامه المعسول مع الجميع، خاصة الفتيات اللاتى يتهافتن عليه لطريقته الناعمة الحنونة معهم، لكن قلبه يبقي مع واحدة فقط، خطيبته "نيرة".
***
أوقات صامته للغاية، يكاد ينسى بها كيف هو صوت الكلمات، تلك هي حياتها صامتة باهتة قاتمة.
مع حلول المساء إنتهت "عهد" من تجهيز حقيبة سفرها ووضعت بها ملابس شتوية ثقيلة للغاية، فهي تكره البرودة، لكنها مضطرة لتلك السفرة فهذه مهمة عمل لا يمكنها رفضها.
كاد اليوم على الإنتهاء وحان خلع قناعها الشرس فلم يتبقى سواها والجدران من حولها، تنهدت بغصة فمن داخلها هشة للغاية بغير ما تدعى، أخذت تفكر بأن تتصل بأختها أو خالتها تخبرهم بسفرها لكنها فى النهاية تراجعت وجلست بهدوء تطالع عقارب الساعة وهى تتلاحق ببطء شديد فى إنتظار مرور الوقت.
مدت أصابعها الطويلة تجاه الهاتف لتخرج رقم "وعد" والتى لم تخاطبها بنفسها منذ قرارها الأخير الذى تراه "عهد" منتهى الجنون، أرادت عقابها لتتراجع عن تلك الهاوية التى ستلقى نفسها لها بمحض إرادتها.
ظلت تنظر للرقم بتردد هل تتصل بها وتودعها أم تبقى على موقفها منها، بكل مرة تمد إصبعها تتراجع باللحظات الأخيرة.
_ لأ.. مش حكلمك، طول ما إنتِ غبية كدة، مش حكلمك يا "وعد".
هي تحبها للغاية وتشفق على حياتها التى لا تستحقها، تتمني أن تثور وترفض هذا الخنوع، فـ"وعد" طيبة القلب لا تستحق أن تعيش بهذه التعاسة.
تظن أن بقسوتها على أختها ستتحرك وتأخذ موقفًا يبدل حياتها وتستعيد حياتها من جديد.
مطت شفتيها بتعاسة وهي تلقي نظرها بضيق نحو شاشة هاتفها قبل أن تطفئه متخذة قرارها بعدم الإتصال بها، لتكتفي بإنتظار مرور الساعات حتى يحل الصباح لتلحق بطائرتها.
***
بيت وعد.
ذلك المسمي بيت العائلة أيضًا، لكن هذا البيت يضم عائلة واحدة بالفعل، إنها عائلة زوجها "عاطف الأسمر"، الإبن الأكبر للحاج "محفوظ الأسمر" صاحب (تجارة الأسمر لبيع كاوتش السيارات)، رجل سوقي غير متعلم لكنه ذو سيط واسع وثراء كبير.
تزوجت "وعد" من إبنه البكر "عاطف" الذى لاحقها كثيرًا أثناء دراستها بالجامعة لتعلقه المتيم بها، فهي جميلة رقيقة للغاية، إستطاعت التمكن من قلبه بقوة ليسقط هائمًا بعشقها برؤيتها فقط حين تمر أمام تجارتهم لبيع الكاوتش بطريقها للجامعة.
قبلت "وعد" زواجها منه رغبة منها بالشعور بهذا الحب والإهتمام الذى كان يغدقها به، فهي كانت بحاجة ماسة لهذا الإحساس الذى تفتقره بحياتها مع أختها الوحيدة "عهد" خاصة وهم فتاتان وحيدتان منذ وفاة والدتهما منذ بضعة سنوات بعد صراع من المرض.
حياتهم خاوية قاتمة لا عطف ولا حنان ولا رعاية فيها، ظنت أن بزواجها من "عاطف" سوف تلتحق كفرد بأسرة كبيرة تعوض حرمانها من فقدانها لأسرتها منذ سنوات طوال.
لكن سرعان ما تحول عشق "عاطف" الحنون لحب للسيطرة والتملك، فقد حصل على مبتغاه بزواجه منها ووجودها كواقع ملازمًا له بحياته.
زاد الأمر سوءًا عائلته التى تعيش معهم بنفس البيت لما يحاولون فرض سيطرتهم عليها بشكل أنهك قواها الضعيفة، فهي ليست صلده ک "عهد" بل هي ضعيفة مرهفة للغاية.
نظرت نحو تيشرت بالخزانة أسود اللون لتهيم به متذكرة هذا اليوم منذ بضعة أشهر.
(فلاش باك)
مشطت "وعد" شعر ولدها الأشعث بفوضاوية كوالده بعد أن أنهي إغتساله للتو، كان يرتدي تيشرت وردي طبع عليه رسمة واضحة لأحد الشخصيات الكرتونية لفيلم خاص بالسيارت التى يحبها "زين" وبنطال قصير من اللون الأزرق القاتم.
إلتفت الصغير نحو والدته يحيطها بذراعيها الصغيران ويطبع قُبلة فوق خدها بلطافة لتنغمس "وعد" بأحضان هذا الحنون ذو الأربعة أعوام فهو الشئ الوحيد الذى يجعلها تتشبث بتلك الحياة وتتغاضى عن كل ما بها لأجلها.
فتحت "وعد" عيناها تنظر نحو "زين" قائله.
_ يلا بقي ننام، عشان مامي تنبسط منك.
مجرد كلمة قالتها بمداعبة لإبنها ببساطة لكن لاقت سخرية قاسية من "عاطف" الذى جلس يطالع التلفاز منذ فترة لا بأس بها بعد عودته من المتجر الخاص بوالده.
_ مامي!!!... بلاش عوج وكلمي الواد عدل.
إلتفت "وعد" تجاه "عاطف" مؤنبة نفسها من داخلها فأين كان عقلها حين أختارت هذا السوقى أبًا لإبنها، تنهدت ببطء ثم بررت كلماتها.
_كلمة يا "عاطف"، كلمة بدلع بيها الولد، عادى يعنى.
إعتدل "عاطف" لتظهر ملامحة تجاه وجهها بوضوح لشاب ثلاثيني خمري البشرة وعينان بلون العسل، له وجه مفلطح وسيم، يتمتع بشفاه عريضة تناسبت مع وجهه الرجولى، ذو شعر أشعث بلون بنى تتناثر خصلاته بشكل جذاب مع ملامحه الشرقية، له إبتسامة مميزة للغاية حين يضحك تظهر له أسنانه العريضة وحركة لا إرادية للسانه وهو يثنيه للأعلى حين تنتابه لحظة من لحظات السعادة.
لم يكن قبيح الوجه مغثى للنفس، بل كان على درجة وافرة من الوسامة والحُسن، ربما هذا ما جعله يعطي نفسه قيمة كبيرة تفوق حدها مما زاده غروره بما يملكه، خاصة مع إمتلاكه لمال والده ليصبح مطمع للكثير من الفتيات أيضًا.
لكنه يفتقر للذوق وحسن الخلق خاصة معها، فقد تبدلت طِباعه بشكل مقلق بعد زواجه من "وعد" وزاد لديه حب التملك والسيطرة فقد كانت ک نجمة عالية تمنى أن يطولها.
نجمة متلألئة بالسماء الوصول لها حلم من أحلام الكثير، قبض عليها بكفه القاسي ليفتتها لرماد تناثره الرياح لتبقى صخرة لا قيمة لها.
هكذا هي معه، مجرد صخرة لا تشعر ولا تثور على وضع خاطئ، فمنذ متى تخبئ النجوم بين الوحل وتُطالَب ببريق للحياة.
عقد "عاطف" حاجباه الغليظان بسخط وسأم مما تفعله "وعد" ليردف بإستنكار.
_ طريقتك مع الواد متنفعش، لازم يبقى جدع كدة زي أبوه وعمه، إنتِ ولا بتفهمي فى التربية من أساسُه.
إتسعت خضراوتيها بإستنكار قائله.
_ أنا يا "عاطف"، ده أنا حتى خريجة تربية، ولا نسيت كنت عجباك إزاى، وكنت بتحبنى إزاى؟
_ عشان مغفل. (قالها بتقزز ثم إستكمل محقرًا من ذوقها السيئ بإختيار ملابس إبنهما) وبعدين إيه اللي إنتِ ملبساه للولد ده؟ بمبي!!! فيه ولد يلبس بمبي؟
_ على فكرة لون حلو ولايق على وشه جدًا.
_ ولا حلو ولا نيله. دى ألوان بنات. ده ولد.. ولد.. ولا إنتِ مبتفهميش فى الأذواق؟
نشوة إعترته من تحقيرها ثم أكمل متباهيًا بأخته يحط من شأن "وعد" كما طالبوه جميعًا حتى لا تتعالى بظنها أعلى منه قدرًا وذوقًا فهو بالنهاية لم يستكمل دراسته وتعتبر هي أعلى منه بالمستوى التعليمي والفكري.
_ ده أنا لو أعرف إنك كدة، عمرى، عمرى ما كنت فكرت أتجوزك، أنا كان نفسى فى بت جدعة زى "عتاب" أختى.
نهض متجهًا نحو خزانة الملابس الخاصة بـ "زين" مخرجًا تيشرت باللون الأسود القاتم ثم ألقاه بوجه "وعد" ببرود.
_ خدى خليه يلبس ده. أشيك وأحلى وقلعيه هدوم البنات دى، ولا أقولك إديها لبنت "عتاب" أهى تنفعها.
ألا يكفيه مقارنتها بـ"عتاب" بل يزيدها ببروده والتحقير منها ومن ذوقها، إرتجف قلبها بإنفعال لتكتفى بذلك ردًا على تقليله من شأنها، فهى لا تستطيع الرد وأخذ حقها منه، لتجد دموعها إجابه له.
دموع كانت كفيلة بزيادة إنفعال "عاطف" قائلاً بسخط وهو يغادر الشقة.
_ وليَّه نكد. ليل ونهار عياط. عياط. أنا نازل عند الجماعة تحت. دى عيشة تقصف العمر.
خرج من باب الشقة ومن داخلة يشعر بالتأنيب ففى كل مرة يحط من شأنها يصيب قلبه الضيق، فهو لم ينسى أنه يعشقها بكل ذرة بكيانه، لكنه لا يود أن تشعره بالدونية كما أخبروه أهله بعد زواجهم.
مر بشقة والديه بالدور السفلي، تلك شقتهم الكبيرة التى تحتوى على غرف بكلا الجانبين يتوسطها بهو كبير فالطابق كاملًا مؤثث لوالديه، وجد "عاطف" والديه وأخته "عتاب" يتناولون طعام العشاء ليشاركهم طعامهم حين سألته "عتاب" بمكر.
_ إيه... شكلك واخد لك شبشب ونازل.
"عتاب الأسمر" الأخت الكبري لـ"عاطف" و "محب" إمرأة على مشارف الأربعين من عمرها ذات جسد متوسط الطول والوزن أيضًا رغم عشقها للطعام إلا أنها تحب أن تظهر بأنسب صورة.
ذات وجه محدب وعينان سوداوتين وأنف مدبب وفم صغير، مطلقة ولها ثلاثة فتيات تعيش مؤخرًا بعد إنفصالها ببيت والديها تهيمن بقوة على أى فرصة تُظهِر أنها صاحبة القوة والرأى الصائب.
ثار "عاطف" بصدر متهدج فهو لا يحبذ أن يظهر بصورة تقلل منه خاصة وهو محط إهتمام الجميع.
_"عتاااااب"... لمى نفسك. أنا "عاطف الأسمر" برضه.
ضغطت والدتها "قسمت" بأسنانها فوق شفتيها تمنعها من التمادى فيبدو أنه متضايق للغاية وهو المدلل لديها.
"قسمت الجويلي" إمراة طويلة نحيلة لا تهتم سوى بأبنائها ومصلحتهم خاصة مدللها "عاطف" حتى لو على حساب أى شئ أو شخص آخر.
مالت "عتاب" بفمها قليلاً متسائله.
_ أمال فين "محب" إتأخر ليه كدة؟
أجاب والدهم "محفوظ الأسمر" بخشونة وجمود كطبعه كرب أسرة متملك هو الآمر الناهي بها وله الكلمة الأولى والأخيرة، حتى أبنائه ينصاعون له ولأوامره وأعماله فالكل يعمل لدى "محفوظ الأسمر" والكل يعيش تحت كنفه ببيت العائلة.
_ "محب" راح يستلم دفعة الكاوتش ومش جاى إلا بكره.
أعلنت "قسمت" البدء فى تناول الطعام قبل أن يبرد، لكن لا تعلم أن المتوهج هو القلوب وليس الطعام.
_ يلا كلوا. مش حنستنى حد.
(كانت تقصد بالطبع "وعد" التى تأخرت عن موعد الطعام وعليها تحمل جوعها بشقتها فلا طعام إلا ببيت العائلة).
تذكرت "وعد" كلمات قوية تستطيع بها أن ترد على ما حط به "عاطف" من شأنها حلت بشفاهها وعقلها، لكن بعد فوات الأوان، فقد ألقى بكلماته اللازعة وتركها، وها هي الآن بعد مرور ما يقرب من الساعة تبادر لذهنها كلمات تصلح لرد كرامتها.
فمن "عتاب" التى يقارنها بها، فأخته سيئة الطباع غليظة المعشر، تكره كل من حولها، حتى أنها تكره نفسها، تود رؤية الجميع بلا وفاق، فلن يسعد الجميع وتبقى هي وحيدة تعيسة بينهم، كرهت "وعد" منذ أن خطت قدمها لبيتهم وحقدت على عشق "عاطف" لها وتدليله إياها، لتعلن عليها الحرب منذ أول ليلة لها بهذا البيت.
أيقارنها بـ"عتاب" التى أصبحت مثالاً بين الجميع بالخباثة والمكر، فحتى الثعبان بمكره إلا أن له جلد ناعم يخدع به عدوه، لكنها كالقنفذ لا نعومة من الخارج أو الداخل.
تنهدت "وعد" بضيق لتنهى ليلتها باكية تحتضن إبنها الوحيد وسبب بقائها فى هذا الشقاء.
عادت لواقعها وهي تدفع بالتيشرت الأسود بعيدًا عنها فيكفيها ذكري سيئة بسببه.
***
بهذا المساء إستسلم البعض لقَدَرِه وقبع ممنيًا نفسه بعجلة الإنتظار والتحمل، برضوخ نفس ضعيفة للغاية حتى لو إدعت تلك النفوس عكس ذلك.
لكن ببيت النجار كانت هناك ألسنة تشحذ أنصالها لتنال غايتها حين تجمع ثلاثتهم لتناول الطعام بشقة "فخري النجار"، حاوطت "راوية" و "صباح" مقعد "فخري" من الجانبين إستعدادًا لتناول طعام العشاء فهذا وقتهم المحدد بذلك كل مساء فور عودة "فخري" من محل العطارة خاصته.
وجبة عشاء أسطورية تتفنن بها "صباح" لتحضير تلك المأدبة لإرضاء زوجها الذى لم يشعرها بسعادته لوجودها، تتمنى بداخلها أن يعود كالسابق سعيدًا بزواجهم، الذى أصبح باهتًا للغاية لا يكترث لها ولا لوجودها، تشعر أنه يتوسط حياتهم من أجل أبنائه لا أكثر.
بحديث مقتضب ذو كلمات شحيحة للغاية بدأ "فخري" تناول طعامه، فيما أخذت "صباح" ترمق إبنتها السمراء بأن تخبر والدها بما فعلته بنت عمها اليوم.
ترددت "راوية" لبعض الوقت هل تخبر والدها بما فعلته "شجن" أم تنتظر قليلاً خوفًا من رد فعله فهو لا يريد إقحام نفسه بمشاكل مع "زكيه" أرملة أخيه.
تجهزت أخيرًا لإطلاق لسانها وتحفيز والدها على إبنة عمها كما تطالبها والدتها حين طرق الباب بعدة طرقات متتالية لتزم "راوية" شفتيها بضيق فهي تعلم من بالباب بهذا الوقت، فمن سيكون غيرهم.
دفعت بمعلقتها بقوة وهي تنهض متمتمة بسخط تسب من داخلها طارق الباب.
_ عالم مفاجيع مبيفوتوش وجبة. هم مفيش غيرهم.
فتحت "راوية" الباب متيقنة بأن هذا ما هو إلا أخيها "فريد" وزوجته المتعالية "حنين" وأبنائهم بالتأكيد.
_ سلامو عليكووو.
كانت تحية "فريد" الذى دلف مباشرة نحو الداخل متجهًا لطاولة الطعام، تلته تلك الماكرة بإبتسامتها المستفزة وهى تنحى "راوية" عن طريقها كما لو كانت هي صاحبة البيت و "راوية" ضيفة عندها.
تهدج صدر "راوية" بغيظ من تلك الحرباء المتلونه تود لو ترشقها بخناجر وليس بكلمات لتردف بتذمر.
_ ولما إنتوا ناويين تطلعوا تتعشوا مش كنتِ تيجي من بدرى تجهزى معانا الأكل يا "حنين"؟
بطريقة مستفزة إستطاعت بها "حنين" التعامل مع تلك العائلة بحنكة ليصبح لها الكلمة العليا.
_ والله يا "رورو" أخوكِ أهو يشهد عليا، إنى كنت تعبانه طول النهار ونايمة فى السرير ومكناش ناويين نطلع خالص، بس لما بقيت كويسة، قلت لازمن نعدى عليكم نطمن عليكم.
بدقائق بسيطة كان جميعهم يتخذ مقعده حول الطاولة حين أجابتها "راوية" بتهكم.
_ لا والحق يتقال إنتِ صاحبة واجب.
_ أمال إيه يا حبيبتى.
جلست "راويه" تكتم غيظها حين إستكملت "حنين" فرض وجودها كفرد هام بالعائلة.
_ إزيك يا حمايا. إزيك يا حماتى؟
بنهاية جملتها كانوا جميعًا يلتهمون الطعام بشراهة لتمصمص "صباح" شفتيها مغمغمة بسخط.
_ عالم جعانة.
رمقت "صباح" إبنتها لإستكمال ما كانت ستقوله، فيجب إخبار "فخرى" بما تفعله بنت "زكية"، لتومئ لها "راويه" مستطردة.
_ شفت يا بابا إللى عملته "شجن" بت عمى.
إنتبه "فخرى" لذكر إسم "شجن" ليرفع رأسه المستغرق بتناول الطعام متسائلاً.
_ خير؟
_راحت تدور على شغل برضه، بقى إحنا وش كدة؟
قبل أن يتفوه والدها بكلمة هتف "فريد" بإنفعال وغضب محتد لتطاول هاتان الفتاتان على كل ما يأمرانهما به لتهتز وجنتاه السمينتان اللاتى يشبهن وجنتى والدته السمراء.
_ إيه إيه. إيه إيه. ليه؟ ملهمش كبير ولا إيه؟ طب وربنا لطالع لهم وموريهم الصح يبقى إزاى.
أوقفته لكزه قوية من "حنين" بألا يتدخل بهذا الأمر، فهي لا تريد أن يتعامل "فريد" مع تلك الفتيات الحسناوات والتى كان يتمنى الزواج بإحداهن فى السابق لولا رفض والدته.
تلك اللكزه جعلته يتراجع على الفور تخوفًا من إغضاب "حنين" ليعود لمقعده قائلاً بصوت مهزوم.
_ وأنا مالى، يتحرقوا كلهم.
ألجمهم كلمات والدهم القليلة كأمر واجب النفاذ بأمر لا يتدخل إلا به فقط وبقية الأمور بيد "صباح".
_ سيبوهم فى حالهم، هم أحرار.
تهدجت أنفاس "صباح" بغضب تنهره عن تراخيه بقوة.
_ بقى بت مفعوصة زى دى هى وأختها حيحطوا راس عيلة النجار فى الطين وهم ماشيين على حل شعرهم ويقولوا بيشتغلوا، وإنت برضة حتسكت لهم يا حاج؟
_ أنا قلتها كلمة وخلاص خلصت، سيبوهم فى حالهم.
قالها بحزم لينهض تاركًا طعامه فلم يعد يحتمل تلك المرأة ومشاكلها التى لا تنتهى، مما جعل "صباح" تنفعل بقوة.
إمتعض وجه الجميع لطلب والدهم بترك بنات عمهم دون حساب خاصة "صباح" التى إستشاطت غضبًا فمازال "فخرى" يكِنُ لأرملة أخيه بعض المشاعر رغم رفضها للزواج منه بعد وفاة أخيه لتبقى أمًا عزباء متفرغة لرعاية بناتها وبقيت "صباح" تكِنُ لها الضغينة لتفضيل "فخرى" تلك الفقيرة عليها.
***
بالمساء تسكن الأجساد لكن من أين تأتى القلوب بالسكون والراحة.
بتلك الشرفة البسيطة ذات الجدران المتهالكة وقفت "زكيه" تنتظر عودة "شجن" ورافقتها أيضًا "نغم".
بأعين قلقة للغاية تشدقت "زكيه" لرؤية إبنتها عندما تقترب من بداية الحارة، حين هتفت "نغم" بصوت خفيض.
_ أهى يا ماما، "شجن" جت أهى.
مجرد رؤيتها بعثت بنفسها الراحة لتبتلع ريقها أولًا وهى تنظر نحو الشرفة بالدور السفلى بأعين قلقة قائله.
_ روحى إفتحى لها أحسن حد يحس بيها.
بعجالة دلفت "نغم" نحو الداخل تتسلل كما لو كانوا لصوصًا يسرقون وليس أصحاب هذا البيت.
أحلامنا بالحرية مقيدة بأغلال نظرات المجتمع، فأين متسع للتنفس بحياة سُلب منها الهواء، فلقد ألقيت أحلامنا ببئر يوسف وما عدنا نلحق بالقافلة.
هرعت "نغم" لإستقبال "شجن" التى بدورها صعدت درجات السلم بهدوء حَذِر حتى لا تشعر بها زوجة عمها وإبنتها.
مهمة خاصة عليها العبور بها وليس لصعود درجات السلم، تهلل وجه "نغم" بوصول أختها لبر الأمان كإنتصار مزيف بحياة مقفرة.
دلت تلك الحسناء والتى كان نصيبها كإختها وأمها من الدنيا، فثلاثتهم كل ما يملكونه حُسنهم و أخلاقهم العالية.
برغم وصولها لشقتهم بأمان إلا أنها تشعر بكل مرة بحنق على تلك الحياة التى يعيشونها، حياة باهتة يختبئون بالجدران خشية أى مواجهة.
وقفت "شجن" لبرهة تتطلع نحو والدتها بعيناها المعاتبتان وهي تضم شفتيها ذات اللون القرمزى الطبيعي ليتجلى وجهها المستدير و وجنتيها الممتلئتان المحاطة بشعرها القصير المميز بملامح تشبه أختها "نغم" أيضًا.
كانت تود "زكيه" لو تكتفي "شجن" بنظراتها فقط، لكن إرتجف قلبها حين بدأت إبنتها بمعاتبتها، فـ"شجن" تتمتع بطبع متمرد بخلاف "نغم" المستكينة طوال الوقت.
هتفت "شجن" برفض تام لحياتهم الذليلة بهذا البيت، لا تتمرد على فقرهم لكن تتمرد على هذا الخنوع ورضاهم بحياة ليست من حقهم.
_ هو ربنا مش حيتوب علينا من عيشة الحرامية دى، كل يوم تقفوا تستنوا فى البلكونة عشان تفتحوا لى الباب أحسن الست "صباح" تاخد بالها.
شاركت عيون "شجن" المعاتبه نظرات "نغم" المتحفزة لإجابة والدتها، فهي تجبرهم على تلك الحياة منذ وفاة زوجها، لتتحلى نظرات الخزى والرضوخ نظرات والدتهم قائله بنبرة مهتزه.
_ مش بإيدى يا بنات. حنروح فين بس. يعنى نسيب بيت أبوكم ونترمي فى الشارع؟
لحقتها "شجن" تحاول التأثير على "زكيه".
_ أنا حشتغل وأجيب حق إيجار شقة. و"نغم" كمان ممكن تشتغل فى المكتبة إللى جنب المستوصف. ونسيب البيت ده وربنا يتوب علينا من أصحابه.
_ ده مش حل يا بنتى، حنروح فى الرجلين وحق أبوكم يروح، وبعدين كل ده كلام مش مضمون، مهما كان ده بيتكم وحقكم.
شاركت "نغم" الضغط على والدتها ربما ترضى هذه المرة.
_ ويرضى مين إللى بيتعمل فينا كل شوية ده، لحد إمتى حنفضل مستحملين؟
تنهدت "زكيه" بقلة حيلة فقد تحملت الأسى لأجلهن لسنوات لحفظ حقهن ولن تتنازل عنه بهذه السهولة، سنوات من الرضوخ لتتحول لإنسانه سلبية تخشى من المجهول وترضى بالأمر الواقع.
_ خلاص بقى يا بنات مش كل يوم نفتح السيرة دى، يلا نتعشا وتحكى لنا عملتي إيه يا "شجن" في موضوع الشغل.
حاوطت "زكيه بناتها بحنان لتحتضنهم وتنسيهم بقلبها العطوف قسوة الأيام الجارحة.
***
بإحدى الكافيهات الفخمة للغاية، جلس "رؤوف دويدار" برفقة خطيبته الحسناء "نيرة" تلك الفتاة العشرينية النحيلة ذات الوجه المدبب والأعين الحادة، جريئة بمشاعرها وتصرفاتها، غيورة إلى حد بعيد مما جعلها كموقد نار تلتهب شعلته من مجرد شك بسيط.
خاصة مع إرتباطها بشاب هوائي ک "رؤوف"، شاب معسول الحديث يميل للتودد إلى جميع الفتيات لتتهافتن عليه بصورة تثير حنق "نيرة" الذى أصبح شغلها الشاغل هو البحث والتدقيق من خلف "رؤوف".
كانت جلستهم يغلبها محاولة "رؤوف" لإرضاء "نيرة" أو بمعنى أدق إقناعها أنه لم يكن برفقة سواها بالأمس وأن الأمر لم يتعدى عودته من العمل والخلود للنوم.
_ خلاص بقى يا روح قلبي، ده أنا حلفت لك إنى والله كنت نايم.
رمقته بنظرة حادة تكذبه تمامًا ثم أردفت بإنفعال.
_ ومكلمتنيش ليه؟ مش كنا متفقين تكلمنى لما تروح من الشركة؟
سحب "رؤوف" زهرة من تلك المزهرية الصغيرة الموضوعة أمامهم فوق الطاولة ليجيبها بحالمية وهو يقدمها إليها إعتذارًا ورجاء لمسامحته.
_ خلاص بقى. المرة الجاية حبقى أتصور الأول قبل ما أنام.
رغم أنها تعلم أنه لا يجد مبررًا مقنعًا إلا أنها أنهت تلك الحالة من شدة الأعصاب بقبول الزهرة وقد إرسمت بسمة ضعيفة فوق ثغرها قائله.
_ ماشي، قولى بقى حنروح نختار العفش إمتى، الفرح خلاص بعد أربع شهور.
_ زى ما حياتي تؤمر، وأنا من إيدك دى، لإيدك دى.
شعورها بفرض سيطرتها عليه جعلها تشعر بالرضا مستكملة قضاء سهرتهم سويًا قبل أن يقوم بإيصالها للمنزل ويتجه هو بدوره نحو بيتهم ( بيت المستشار دويدار).
***
بيت المستشار خالد دويدار.
بإرهاق شديد عادت الدكتورة "منار" إلى البيت بعد إنهاك طويل بالعمل بعيادتها الخاصة بعدما إنتهت من عملها بالمستشفي ليصبح اليوم مرهقًا للغاية لا يتناسب مع عمرها والإرهاق الذى تشعر به.
ليلوح وبقوة قرار عرض عيادتها للبيع أو الإيجار والإكتفاء بتلك المسيرة الطبية الزخمة ومشاركة زوجها فترة تقاعدة للإستمتاع سويًا.
توجست "منار" من أن يكون زوجها قد مل من الإنتظار لغيابها الطويل مما سيثير حنقه وعصبيته لتدلف بتوتر تهيئ نفسها لما ستلاقيه من توبيخ وعصبيه.
لكنها حين دلفت للداخل إتسعت عيناها بإندهاش وهى تستمع لتلك الضحكة الرنانة التى تصدح بأرجاء البيت كافة لتردف بتفاجئ.
_ إنتِ؟
رواية ظننتك قلبي الفصل الثالث 3 - بقلم قوت القلوب
بعد عودة "منار" من عيادتها، استمعت لصوت أنثوي مرح للغاية برفقة زوجها، هذا الزوج الذي توجست من غضبه لانتظاره الطويل، لكن تلك القهقهات هي تدركها جيدًا لتندهش "منار" بتفاجئ قائلة:
"إنتِ...!!!"
التفتت "غدير" تجاه والدة زوجها "عيسى" حينما سمعت صوتها عند عودتها.
تلاقت عيونهما المبتسمة، فوجود "غدير" أزاح عن كاهلها توبيخ "خالد" الليلة.
نهضت "غدير" بانتفاضة وحماس، فهي شابة تتمتع بحيوية ورشاقة كالفراشات تحلق بأجنحتها بين القلوب، تسرقها بضحكاتها الخلابة ومرحها الذي لا حدود له.
فتاة جميلة ذات ابتسامة واسعة وأسنان بارزة قليلاً أكسبتها ابتسامة فريدة للغاية.
تتمتع بشعر كستنائي يميل للحمرة مموج بشكل يناسبها تمامًا.
هتفت بسعادة فور رؤيتها لوالدة زوجها:
"منوووورة! حمد الله على السلامة يا دكتورتنا.. كل ده تأخير؟ إيه مفيش وراكِ "دورا" (تقصد نفسها) تأكليها وتشربيها وتدلعيها ولا إيه؟!"
"أحلى "دورا" في الدنيا،" قالتها "منار" وهي تدنو من "غدير" لتهمس بأذنها بنبرة خفيضة للغاية:
"كويس إنك جيتي قعدتي مع عمك "خالد"، كان حيفتح لي محضر الجلسة."
تعالت ضحكة "غدير" المقهقهة ذات الشهقات المتقطعة، تهتز لها كتفيها بقوة تبث السعادة وترسم الابتسامة بمجرد رؤيتها تضحك فقط، فكل ذرة بداخلها تضحك معها بضحكاتها التي لا تنقطع.
أردفت "غدير" وهي توسع مقلتيها عن آخرهما تعقب بمزاح:
"دي عملية انتحارية.. لازم آخد العمولة بتاعتي."
مدت "منار" كفها لتعابث بأصابعها بخصلات شعر "غدير" المموج، تظهر إعجابها بروحها المرحة التي تدب بهم الحياة، تمامًا كما تفعل بـ"عيسى".
ضمتها "منار" بمحبة أم، فكم تمنت أن يرزقها الله بفتاة، لكن يشاء أن يرزقها بثلاثة ذكور، لتجد بـ"غدير" تلك الفتاة التي طالما تمنت وجودها بحياتها.
كما عوضت "منار" زوجة ابنها بأم ثانية بعدما فقدت والدتها، لم تكن علاقة "غدير" بـ"منار" تقف عند حد أم زوجها، بل حقيقة اعتبرتها أمها، تمامًا كبقية تلك العائلة التي اتخذتها عائلة لها، فهي فتاة يتيمة الأبوين لا تملك سوى أخت واحدة هي كل عائلتها.
تابع "خالد" لقاءهم بابتسامة امتنان لوجود فتاة كـ"غدير" بحياتهم الرتيبة، فقد ملكت بقلبها النقي وبسمتها التي لا تفارق وجهها قلوب العائلة بأكملها.
"غدير" هي اسم على مسمى، فقد أصبحت شريان الحياة لهم جميعًا دون استثناء.
حملت "منار" حقيبتها وهي تأشر لـ"غدير" قبل أن تتجه لغرفتها قائلة:
"حروح بقى أغير هدومي وأرجع نتعشا سوا."
شهقة قوية تبعتها نظرة اندهاشية من عيونها الواسعة برد فعل مبالغ فيه اعتادوه منها رغم أن الأمر لا يستحق هذا الاندهاش، تبعته قائلة بنبرتها القوية:
"لاااااااااااا.. أبدًا ولا ممكن بُدًا، أنا حستنى "عيسى" أكله.... ااا... قصدى أكل معاه. بالهنا والشفا على قلوبكم من غيري."
كانت تلك طريقتها مودعة حماها وحماتها قبل أن تغادر لتصعد لشقتها، فقد أتمت مهمتها بمرافقة والد زوجها حتى لا يشعر بالملل حتى عودة "منار".
استدارت "غدير" وهي تسحب الباب لتطل برأسها فقط قبل مغادرتها، تلقي قُبلة بالهواء ثم أردفت بروحها العذبة:
"تصبحوا على خير يا قطاقيط، متعملوش شقاوة... هاااا."
كما لو كان وداعها لهم بتلك الليلة تاركة أثر ضحكة يدخرونها لبعض الوقت بعد تركهم، لتستمع لصوت ضحكاتهم أثناء إغلاقها للباب صاعدة نحو شقتها لانتظار عودة "عيسى" من مكتب المحاماة خاصته.
❈-❈-❈
البعض يرضى بالهدوء فقط لأنه قد أُنهك بزخم الحياة، وبعضهم يرضى بالهدوء كأمر واقع لا بديل له، لكن هناك هدوء مخيف، هدوء الترقب المحطم للأعصاب، إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
انقضت ليلة كغيرها من سائر الليالي، وما الجديد بتلك الحياة البائسة الساكنة التي تعيش بها "عهد"؟ فرغم انتظارها لحلول الصباح إلا أن الصباح كان أملًا بحد ذاته، فهي لا تتوق لشيء آخر.
قبل موعد الطائرة بوقت كافٍ كانت "عهد" على أتم الاستعداد للتوجه للمطار لاستقلال طائرتها برفقة بقية البعثة الجيولوجية التي سترافقها.
مجموعة جديدة كليًا عليها، لكن ذلك لا يمثل لها أي نوع من الضغط أو التوتر، فهي قادرة على التعامل مع أي عدد كان بفرض سيطرتها وقوة شخصيتها على المجموعة.
دلفت لداخل المطار لتقوم بإجراءات السفر المعتادة، لكنها لم تبالي بتلك العيون التي ترمقها من وقت لآخر بعدم تقبل لمظهرها الجاد وملابسها الرجالية ونظراتها الحادة.
لقد اعتادت على تلك الوجوه الرافضة لهيئتها حتى أنها أصبحت تتعمد تشدق رأسها للأعلى كما لو كانت تعيش بعالم بمفردها.
أنهت الإجراءات وجلست بانتظار موعد الصعود للطائرة.
لم تكن بمفردها تنتظر بصالة الانتظار، لكنها لم تندمج وسط تلك الأحاديث الثرثارة من حولها قبيل الصعود للطائرة.
تجاذب الجميع من حولها بموضوعات شتى لم تلفت انتباه "عهد"، بل شعرت بالنفور من هذا الاندماج الغريب، فكيف لهم بهذا التواصل ولم يقضوا على تعرفهم ببعضهم البعض ما يقل عن الساعة.
رغم التزامها الصمت، إلا أنها كانت تتطلع بمعظمهم من وقت لآخر بنفور من تفاهتهم، فما الداعي لكل تلك الثرثرة التي لا تفيد، فما يفعلونه ما هو إلا فكر سطحي ضحل للغاية.
أُعلن بالتوجه لصعود الطائرة، لتنهض باستعداد خشن كحياتها لتحمل حقيبة ظهرها السوداء، متخذة خطواتها الجدية نحو باب الخروج.
أغمضت عيناها بسخط وهي تتأكد من الرقم المدون بتذكرة سفرها للتأكد أن هذا المقعد حقيقة هو ما يخصها، لتغمغم بسخط، فلم يكن ينقصها سوى أن تقضي رحلتها إلى جوار اثنين من المحبين، فعلى ما يبدو أنهم زوجين حديثي العهد.
"شكلها رحلة ما يعلم بيها إلا ربنا.. باينة من أولها."
دفعت بحقيبتها بالمخزن العلوي لتلقي بجسدها فوق مقعدها، تتمنى أن تتحلى بالهدوء، فلا داعي لأن تجعل هذا الأمر يثير العاصفة بداخلها.
كتمثال شمعي خالٍ من الحياة جلست مرغمة، وقد تجسدت ملامح الامتعاض والتقزز على ملامحها المكفهره، فقد بدأت مرحلة الغزل بين هذين مغثي النفس إلى جوارها، فهي لا تتحمل مشاعر غرامهم الفياضة تلك.
لجأت لتصرف واحد، تصنع النوم ليمر الوقت حتى تحط الطائرة بسلام، متحاملة تلك الساعات التي ستقضيها إلى جوارهم بهدوء نفس مرغمة على ذلك، لتغمض عيناها مسندة رأسها للخلف بهدوء قاتل.
❈-❈-❈
بيت عائلة النجار.
ساعة صباحية كانت تتوقع بها "شجن" أن والدتها وأختها يغطان بنوم عميق، حين تفاجئت بأختها "نغم" تجلس فوق فراشها متسائلة:
"شجن.. بقولك إيه.. ما تسأليلي على شغل معاكِ.. أى حاجة أطلع بيها بره البيت ده.. أنا اتخنقت أوي."
خلعت "شجن" إسدالها بعد إتمام صلاة الضحى، تزم شفتيها باستياء من حال أختها أيضًا، لتجلس إلى جوارها قائلة:
"عارفة والله اللي إنتِ فيه.. بس مش عارفة المستوصف فيه شغل إيه يناسبك.. إنتِ خريجة آداب وقسم مكتبات كمان.. يعني مش عارفة حينفع ولا لأ؟!"
أكملت "نغم" بترجٍ حتى لا تُصرف أختها النظر عن البحث:
"أى حاجة والله.. المهم أطلع.. عارفة ممكن في الاستقبال أو في أي حاجة."
أومأت "شجن" رأسها بخفة قائلة:
"فيه مكتبة كتب جنب المستوصف وأنا راجعة النهاردة حسأل لك لأني تقريبًا شوفت إعلان عايزين حد يشتغل."
"يا ريت يا "شجن"، نفسي أطلع بره بيت النجار اللي حيجب أجلنا ده."
برغم أنها ليست مادة للسخرية، فهي تقصد ذلك حرفيًا، إلا أن "شجن" ابتسمت لحديث أختها.
انتهت من تبديل ملابسها وحملت حقيبتها المعتادة لتستعد للمغادرة، ذلك الأمر الذي يعتبر بمثابة عبور الحدود بين إحدى الدولتين.
سحبت باب الشقة من خلفها لتهبط الدرج بخطواتها الهادئة المعتادة رغم توجسها من ساكني تلك الشقة بالدور السابق.
بلمحة من عينيها دفعت بالهواء الساكن برئتيها حين لاحظت أن باب شقة عمها "فخري" مازال مغلقًا، لتلتف نحو الممر وقد تبقى درجات طابق واحد فقط وتصل إلى خارج البيت.
كـ بوق مزعج يخرج أصوات ضجيجه المنفره وصل لأسماعها صوت خشن قابض للنفس تدركه جيدًا، صوت مستهزئ جعل قلبها يهوى بقدميها، فيبدو أن هناك وصلة ستبدأ هي بغنى عنها اليوم.
رفعت "صباح" من صوتها الخشن تريد أن تجمع المارة والجيران تتلذذ بتعنيف تلك الفتاة وإثارة ضيقها:
"على فين يا صايعة يا فلتانة، عمالة تتسحبي زي الحرامية.. أيوة.. ما إنتِ مالكيش كبير تخافي منه وتعملي له حساب!!!! ما إنتِ لو بتخافي من عمك وولي أمرك ونعمتك مكنتيش ولا إنتِ ولا أمك ولا أختك مشيتوا في البطااااال."
كانت تتعمد التطاول وقذفهم بصفات وأفعال ليست بهم، هي من تشوه صورتهم وسمعتهم على الدوام، طريقتها السوقية وتطاولها أصبح شيء معتاد بين أهل الحي، فبمجرد سماع صوت "صباح" يدركون جيدًا أن واحدة من بنات "زكية" هي المقصودة، وربما تقصد "زكية" بذاتها.
وقفت "صباح" تتوسط خصرها يكفيها وهي تهتز بسخط تنتظر أي رد فعل من مناوشتها مع "شجن"، فهي تستمتع بذلك للغاية.
أغمضت "شجن" عيناها وهي تضغط بقوة على شفتيها تحاول كظم غيظها من تلك السيدة سليطة اللسان المثيرة للأعصاب والمشاكل، تذكرت توصية والدتها لها على الدوام بأن تتجنب تلك المرأة والرد عليها، لتزيد من صك أسنانها كما لو أنها تصم أذانها عن تطاولها بهذا الصباح.
تجاهلتها تمامًا لتستكمل خطواتها المغادرة مرة أخرى بعد توقفها كما لو أنها لم تستمع لشيء دون أن تلتفت إليها، هذا التصرف الذي أثار حنق "صباح" واشتعل الشرر بعينيها المخططتان بالكحل الأسود، فكيف لم تكترث لها ولم تتكلف عناء الرد عليها، لتزيد من صوتها الخشن بصراخ لا يحتمل وهي تعاود اتهامها بكذبة جديدة، فمن تلك التي تُعامل (الست صباح) بهذا التجاهل واللامبالاة، صراخ تريد به أن يصل لكل المارة ومن يستمع إليهم من الجيران دون مراعاة لأحد.
"إلحقواااا يا نااااس، البت بتشتمني وتمشي.. بقى أنا.. أتشتم يا تربية **** يا بنت الـ***."
ألفاظ يخجل المرء من سماعها تخرج من فم سيدة المفترض أنها تحتسب نفسها من أعلياء القوم، لكن منذ متى يعلى القوم بأموالهم دون أخلاقهم.
ذلك السيل من السباب والألفاظ النابية لم يكن بغريب عن مسامع "شجن"، فهي معتادة على ذلك من هذه المرأة، لكنها بكل مرة ترتجف كما لو أنها أول مرة تتعرض لهذه المناوشة من زوجة عمها.
توافد المارة بين مستمع ومشاهد وفضولي بدون أي تدخل، وهذا ما أرادته "صباح"، أن تسيء من سمعتهم بالحي، مع استمرار "صباح" بالوصلة الصباحية ضاق ذرع "شجن" من التحمل والصمت، لتلتف وقد لمعت عيناها ببريق غاضب مخيف وهي تتحرك بخطوات بطيئة باتجاه "صباح"، فليس كل هدوء مطلوب، فهناك هدوء ما قبل العاصفة التي تطيح بما تراه أمامها.
غضب "شجن" وتحركها تجاهها كان أمر غريب لم يحدث من قبل، فهي معتادة على إلقاء كلماتها كالخناجر دون أن تجيب إحداهن ولو بهمسة، مما جعل "صباح" تتخوف وتتراجع لبضع خطوات بتوجس من رد فعل غريب عليها.
قبل أن ترد "شجن" بأي صورة، وجدت أمها "زكية" تحول بينها وبين زوجة عمها، تمنعها من أي تصرف غير محسوب، لتدفعها برفق بالاتجاه المعاكس قائلة:
"روحي شغلك يا "شجن"، روحي شغلك وإمشي من هنا."
لم تكن نبرة "زكية" نبرة قوية مدافعة، بل كانت متخوفة ضعيفة مهتزة للغاية تنم عن هشاشة موقفها وقوتها، تطلعت "شجن" بوالدتها بنظرات معاتبة، فإلى متى ستكون بهذا الضعف والخنوع، إلى متى عليهم تقبل تطاول تلك المؤذية دون مواجهتها وإيقافها عند حدها، لتهتف بتمرد من تقبل هذا الوضع المقيت:
"يا ماما!!!! إنتِ مش سامعة بتقول إيه؟؟؟?"
بكفوف حانية دفعتها مرة أخرى للمغادرة، تكرر ذات الكلمات بنظرات متوسلة حتى لا تتورط ابنتها مع تلك المتوحشة.
"بقولك روحي، روحي شغلك وإمشي."
ضغطت "شجن" شفتيها بأسنانها بقوة تكتم غيظها من سلبية أمها وتطاول "صباح" معًا، لتستدير بقوة مغادرة البيت بحنق من تلك الحياة التي يعيشونها والتي لا تود "زكية" الخروج منها مطلقًا.
مواجهة لم تكن تتمناها "زكية" مطلقًا، لكنها اضطرت إليها، استدارت ببطء وهي تلعن حظها لمجابهة "صباح" اليوم، لكنها لم تكن لتترك ابنتها بمفردها تصارع تلك المؤذية.
بمجرد غياب "شجن" عن المشهد، استعادت "صباح" ثقتها وغرورها وقوتها، فهي الآن بمواجهة أضعفهم على الإطلاق.
وقفت "زكية" بإنحناء مطأطأة الرأس، فكم كانت ضعيفة كيمامة مكسورة الجناح لا تقوى على الطيران ولا قوة لها بمصارعة الثيران.
استغلت "صباح" ضعف "زكية" وسلبيتها لترفع ذراعها السميك ضاربة به الجدار من خلفها، لتصدر أساورها الذهبية رنين مفجع بنفس "زكية" المهترئة، لتطلق تلك المرة لسانها اللاذع وتفاخرها بما تملكه من قوة تفتقر إليها "زكية".
"ده لو "فريد" ولا "مأمون" ولادي شموا خبر باللي إنتِ ولا بناتك بتعملوه حيدفنوكم تحت الأرض، دول رجالة وميرضوش أبدًا بالمشي البطال بتاع بناتك."
بنفس مهتزة حاولت "زكية" الدفاع عن بناتها الشرفاء والتي لا تنفك تلك الخبيثة بإطلاق تلك السمعة السيئة عليهن.
"ليه كدة.. أنا بناتي زي الفل، أشرف من الشرف.. ما كفاية بقى يا "صباح"."
شهقت "صباح" بقوة من ذكرها لاسمها مجردًا من لقب يناسبه كما لو كانت "زكية" ارتكبت جُرم ما، لتعيد على مسمعها تفاخرها بأبنائها الذكور وإذلالها بإنجابها للفتيات.
"جري إيه يا إللي ما تتسمي، هو أنا عدمت رجالتي ولا إيه!!! مفيش حاجة اسمها يا (أم فريد) بتقوليلي اسمي حاف كدة.. ليه.. هو أنا إللي كانت خلفتي كلها بنات."
قالتها لتكيد بها، فلولا إنجابها للبنات فقط لكانت تملك إرثها من زوجها الراحل بدلاً من تحكم "فخري" و"صباح" بها، فهي حتى الآن ليست مالكة لشقتها بمفردها، فهم شركاؤها بها رغم عدم مطالبة أي منهم بتقسيم الإرث، فبعد وفاة زوجها بقي الوضع على ما هو عليه بدلاً من إلقائهم بالشوارع، فنصيبهم بالبيت لا يتعدى غرفة به، إلا أن "زكية" تحملت كل تلك الصعوبات والإهانات لأجل حق بناتها.
سنوات طويلة تعاملت بها كمتسولة هي وبناتها يشحذون حقهم من أخو زوجها لما تلقاه من معاملة سيئة من زوجته "صباح" وإشعارهم بأنهم لا يرتقون هي وبناتها بالانتساب لعائلة النجار.
بدفاع ضعيف عن بناتها استكملت "زكية":
"ومالهم البنات.. هو فيه زي خلفة البنات دول أحسن رزق في الدنيا."
ثم حاولت بشجاعة واهية إظهار مساوئ أبناء "صباح" خاصة "فريد".
"مش أحسن من ولاد بيهدلوا أهاليهم معاهم."
شهقة قوية تبعتها عقصة لحاجبي "صباح" قبل أن تردف بوقاحة:
"هم مين دول اللي مبهدلين أهاليهم.. قصدك إيه يا **** إنتِ.. لمي لسانك أحسن أقطعهولك وأفرج عليكِ إللي يسوى وإللي ميسواش."
فرصة جيدة لتبطش بها، فمن سيستطيع أن يخلصها من براثنها القوية، أسقطت ذراعها ليلوح بالهواء متخذًا طريقه لوجه "زكية" الممتلئ، الذي يشع بالحمرة من تلقاء نفسها، فما زال الزمن لم يترك بصماته عليها، فهي ما زالت تتحلى برونق وجمال يضيق بنفس "صباح" كلما رأتها.
تركت العنان لذراعها الثقيل سعيدة بإرسال صفعة قوية على وجهها، لكن كفها توقف قبل أن يصل لوجه "زكية" التي أغمضت عيناها لتلقى الصفعة التي لم تصل بعد.
لتفتح عيناها بعد لحظات باندهاش لتوقف "صباح"، لتتسع عيناها بتشدق ترافق نظرات الغيظ بأعين "صباح" تجاه من أمسك ذراعها بتلك القوة ليردعها عن التلذذ بصفعها.
❈-❈-❈
بين السحب المتكاثفة بفصل الشتاء والسماء الصافية من فوقها، اتخذت الطائرة طريقها بسكون وهدوء لبعض الوقت.
لم يمنع فصل الشتاء من هبوب بعض الرياح التي تزداد قوة ببعض المناطق عن غيرها مما يسبب بعض التقلبات الجوية المعتادة بالطبع، خاصة برحلة طيران.
فكما تحلق الطائرة بهدوء لبعض الوقت، تمر ببعض المطبات الهوائية بوقت آخر، ومع وجود ربان محترف لا يؤثر ذلك على الرحلة مطلقًا.
مع بداية بعض المطبات الهوائية والتي لم ينشغل بها أي من الركاب سوى هذان الزوجان اللزجان بنظر "عهد"، أخذت تلك العروس المدللة بالصراخ والتاؤه بشكل مبالغ فيه جعل "عهد" تطالعها بحاجب مرفوع وأنف معقوص، تحدقها بنظرات متقززة صارمة للغاية وهي تطالب زوجها المغوار الذي يجلس إلى جوارها.
"إلحقني يا روحي، أنا خايفة أوى."
أنهت عبارتها لتلتصق به برعونة اشمأزت لها "عهد" وهي تلقي برأسها الصغير كعقلها تمامًا فوق كتفه تحتمي به.
انتهز هذا الفرخ المرتجف الفرصة لينتعش وينتفض كالثور ليحمي محبوبته كأسد مغوار لن يفلتها مهما حدث.
"إمسكِ فيا يا نور عيني.. لا يمكن أسيبك أبدًا.. حتى لو كانت حياتي فداكِ يا روح قلبي من جوه."
ظلت تردد "عهد" جملة برأسها حتى لا تنفعل على هؤلاء مغثيي النفس قائلة (تماسكي يا "عهد"، تماسكِ).
ثم التفت تجاههم بانفعال، فهي لم تستطع تحمل هذا المزعجين لأكثر من ذلك، فقد فاض الكيل منهما لتبدأ حديثها بحدة تصارخ بهم.
"بس بقي إنت وهي، إيـــــــه... كفاية دلع ووجع بطن."
صراخها كان أشبه بصافرة النجدة لينتبه كل الركاب نحوها، خاصة بالطبع من خصتهم بانفعالها ليطالعانها باندهاش وقد تناسيا تمامًا أمر المطبات الهوائية.
أخذوا يتفحصونها بتفرس، فمن تلك المتشبهة بالرجال (المسترجلة) كما يقولون التي تتهمهم بالميوعة، قُلبت نظرات اندهاشهم لاستنكار حين هتف بها الشاب أولاً:
"مالك إنتِ ومالنا..؟؟!!!"
لحقته عروسه التي تبدل تغنجها ودلالها لخشونة الأسطى عبده الميكانيكي بلحظة، وهي تعقص أنفها بتقزز.
"جري إيه يا وليه.. ما تلمي نفسك.. حاشرة نفسك بينا ليه يا وليه يا حشرية إنتِ..!!!!"
استشاطت "عهد" غضبًا من تطاول تلك القصيرة عليها لتنهض من مقعدها ليظهر طولها المميز لتحدجهما بنظراتها المعتادة القاسية، تلك النظرات التي أربكتهما للحظات، ثم هتفت بحدة منفعلة.
"بقولكم إيه.. أنا بقالي ساعتين مستحملة تلزيقكم ودلعكم إللي يوجع البطن ده.. إتنيلوا أسكتوا شوية خلينا نرتاح لحد ما نوصل عالم تخنق."
لوت الزوجة فمها بامتعاض وهي تطالع "عهد" من أعلى رأسها لأسفل قدميها بنفور، ثم أجابت باستنكار.
"نعم نعم..!!!!"
ثم أومأت بقوة وهي تمصمص شفتيها بطريقة سوقية حين لاحظت عدم وجود محبس للزواج بكلا كفي "عهد" لتردف باستهزاء.
"عرفـــــــتك، إنتِ غلاوية.. غيرانة ومنكادة مني عشان جوزي بيحبني وبيدلعني.. (ثم أردفت باشفاق يحمل تهكم) ..محرومة يا عيني.. أكيد عانس من الدرجة الأولى..!!!"
كيف قلبت الأمر بلحظة، لم أقحمت زواجها من عدمه بدلالهما مغثي النفس، بدأ الجميع يقلب نظراته بين "عهد" وكفيها الخاويان كما لو أن وجود محبس للزواج شيء يزيدها مصداقية ويضعها بمرتبة أعلى.
قبل أن تطيح "عهد" بتلك المتطاولة أرضًا سمعت تعقيب الزوج الساخر حين وجد الطريق ممهدًا له.
"وهو مين اللي يرضى يتجوز (غفير)..!!!!"
كلمة أطلقها لتعالى الضحكات والسخرية من حولها، أطلق حديثهم الساخر وتهكمهم السليط عليها ثورة الدماء بداخل عروقها لترفع ذراعيها لتضرب من تناله يداها بدون تحديد.
أوقفها تكاتف الركاب لإبعادها عنهم وقد ملأت أعينهم بنظرات مستنكرة لطريقتها الفظة وحدتها الغير مبررة.
تدخلت إحدى مضيفات الطيران ببسمة سخيفة لحل الأزمة تطلب منها مرافقتها إلى الخلف.
"مفيش داعي يا آنسة، اتفضلي معايا فيه كراسي فاضية ورا، حتقعدي براحتك خالص، محدش هناك حيزعجك."
في الأغلب كانت "عهد" سترفض هذا العرض المشين وتتمسك بمقعدها، لكنها حين رأت تعاطف الجميع مع هذان الزوجان وتحديقهم بها كالمذنبة اضطرت لاتباعها والبقاء بهذا المقعد المنزوي بآخر الطائرة حتى نهاية الرحلة والتي قضتها تتطلع من النافذة تتابع السحاب الأبيض، ربما يصفي ذلك نفسها المشحونة بدون داعي.
بعد أن هدأت قليلاً أخذت "عهد" تلوم نفسها على تهورها ورد فعلها المبالغ به.
"وأنا مالي.. أنفعل عليهم ليه..!!! ما هم أحرار... عرسان جداد وبيدلعوا على بعض... ولو إنهم قلبوا لي معدتي برومانسيتهم الأوفر دي الله يوجع بطنهم... بس أنا برضة مكنش المفروض أتدخل."
هكذا هي حياتها وحدة وحرمان، لا تتلقي حتى كلمة حانية كتلك التي استمعت إليها منذ قليل، فحياتها قاسية قاتمة للغاية تخلو من كل بصيص من نور، فكيف هو إحساس السعادة فهي لم تذقه من قبل.
السعادة أمر نسبي تأتي فقط لمن يطلبها وينتظرها، فكيف تسعد وهي لم تستعد لها، كيف ستحلو حياتها وقلبها منهك بهذا الشكل، أغمضت عيناها بإنهاك لتغفو هذه المرة بالفعل حتى وصول الطائرة.
❈-❈-❈
بيت النجار.
تلك المشادة الصباحية التي وقعت بين "صباح" و"زكية" لم تنتهي بعد، فكلتاهما وقفت متسعة الأعين تطالع بصدمة من قبض بكفه القوي على معصم "صباح" ليمنع كفها العريض من أن يطال وجه "زكية".
طالعت "زكية" صاحب هذه الفعلة بامتنان شديد، فقد رحمها من ألم سيلحق بها ومهانة ستطالها بمشاهدة أهل الحي.
بينما تطلعت "صباح" بأعين متقدة يكاد لهيبها يصل إليه، لكنه رفع هامته بلا اكتراث لنظرات أمه التي كادت تلتهمه بغضبها وهي تهتف بحنق.
"مأمون..!!!!"
إنه "مأمون فخري النجار" ولدها الأوسط، شاب قمحي وسيم يتمتع بوجه مستدير وأعين سوداء كليل ساهر بهما حزن دفين، لكنها حادة قوية له شعر أسود ناعم ذو خصلات عشوائية تتساقط بعضها بدون ترتيب فوق جبهته لتعطيه سحر مميز، يختلف تمامًا عن ملامح أخته "راوية" وأخيه "فريد"، بل يشبه والده إلى حد كبير.
أهدل ذراع والدته الثقيل من يده القوية وهو يطالعها بنظرات حادة أرجفت عظامها، فبرغم تسلطتها وقوتها إلا أنها لا تخشى سوى "مأمون"، حتى زوجها وابنها البكر لا تخشاهما بالمرة إلا هو.
أكمل "مأمون" تعليمه بخلاف أخته وأخيه ليصبح ذو سلطة منفصلة وذكاء متقد، شب رافضًا لكل تلك الأوضاع المقلوبة بهذا البيت ليقف بمقابل كل تجاوز يقومون به، يفكر بشكل مختلف ليصبح دومًا معارضًا لهم على طريقتهم الهمجية بالوصول لغايتهم.
هتف "مأمون" بوالدته بصوت هادئ رزين كطبعه ليخرج كلماته المستنكرة من بين أسنانه.
"ادخلي جوه، كفاية فضايح."
تهدج صدرها بقوة، فرغم فعلته التي هزت صورتها أمام تلك الضعيفة إلا أنها لم تقوى على الرفض، لتلملم جلبابها المزركش لتدلف إلى الداخل وهي تغمغم بسخط وتدب الأرض بقوة.
تابعه "مأمون" وهي تبتعد ليزفر ببطء ليعود لهدوئه النفسي المعتاد وهو يطالع زوجة عمه قائلاً.
"أسف يا مرات عمي، امسحيها فيا المرة دي."
أسلوبه الهادئ، رُقيه وتحضره ورقته أحيانًا كلها أسباب تبعث بنفس "زكية" أنه ليس ابنًا لـ"صباح"، فكيف لمن ترضى بهذا الظلم يكون ابنها بهذه المثالية، كيف يخرج شاب مستقيم من بئر الخطايا الذي نشأ به، طأطأت رأسها بامتنان قائلة.
"تشكر يا ابني كتر خيرك."
"على إيه بس، اتفضلي إنتِ اطلعي."
انتهت مشكلة اليوم، لكن من يدري ما ستفعله بالغد وغيره، فقد اعتادت هي وبناتها على مثل هذه الافتراءات.
هي تدرك جيدًا أن "صباح" لن تتركهم بحالهم خاصة بعد وفاة زوجها ومحاولة "فخري" للزواج منها بحجة تربية بناتها، فمنذ ذلك الحين والمشاكل لا تنتهي برغم رفضها له حتى لا تقحم نفسها بمشكلة مع "صباح".
دلف "مأمون" لشقة والديه بوجه مكفهر ينم عن الغضب لما تفعله أمه بشكل متكرر.
"إنتِ مش حتبطلي بقي اللي بتعمليه ده..؟؟!!!! كل يوم مشاكل وفضايح بين الخلق..!!!"
ضربت صدرها لتصدر أساورها رنينها المعتاد قائلة.
"يا لهوي.. هو إنت كمان حتقف في صفهم.. مش كفاية عليا أبوك..!!!!"
"أبويا معاه حق على فكرة.. دى مهما كانت مرات عمي، ودول بنات عمي.. وسمعتهم من سمعتنا."
ضيقت حاجبيها بغضب مستنكرة وصفهن بأنهن مثلهم.
"هم مين اللي سمعتهم من سمعتنا.. هم فين وإحنا فين.. بقي عايز تقول إن الخدامة دي اللي عمك اتجوزها زيي أنا بنت الجزار على سن ورمح، ولا زي أختك "راوية" بنت "فخري النجار"."
"بطلي بقى طريقتك دي اللي مخليه "رواية" تفكر زيك وأهى قاعدة فى البيت محدش معبرها."
صكت أسنانها بغيظ، فهي تدرك أن "راوية" قد كبرت بالعمر ولم يتقدم لخطبتها أحد بسبب حُسن بنات عمها اللاتي يتوافدن الخطاب عليهن كالنمل على العسل، لهذا لن تتركهم يهنأن بزواج وابنتها تعنس إلى جوارها.
قبل أن يتفوه "مأمون" بكلمة أخرى لحقته والدته وهي تولول لتشتت انتباهه ويصمت عن إلقاء اللوم عليها.
"يا ميلة بختك يا "صباح".. ياللي محدش بينصفك من عيالك يا "صباح".. اه يا غلبانة ومحدش حاسس بيكِ."
بحاجب مرتفع ونظرات مندهشة طالعها "مأمون" متعجبًا من أمرها وقلبها للحقائق، زم شفتيه بضيق ليتساءل منهيًا هذا اللقاء.
"أبويا فين، عديت عليه في محل العطارة ملقتهوش، عايز أسافر أجيب البضاعة ومش عايز أتأخر."
بلحظة أنهت نحيبها وهي تأشر تجاه غرفة النوم.
"جوه.. ادخل له يا أخويا."
قالتها بامتعاض، لكنها لن تتركه دون أن تعكر صفوه كما أفسد متعتها بالتدخل بينها وبين "زكية".
"كنت عايزة "ريهام" ضروري.. لو كلمتها ابقى قولها."
لو كانت العيون تتحدث لكانت نظراته تلجمها بسوط من لهيب حين استدار نحوها ليرمقها بصمت، فهي والدته بالنهاية وهو يدرك جيدًا أن ما تفعله هو لتكدير صفوه لا أكثر.
تركها دالفًا لغرفة والده يلعن حظه بزواجه من "ريهام" التي ما زالت بينهم المشاكل والقضايا معلقة بالمحاكم، لكن قسوتها كانت بمنعه من رؤيته لأولاده الذين حرم منهم ومن رؤيتهم بسببها.
❈-❈-❈
أصوات ضجيج تعلن هبوط الطائرة بمطار (لوغانو) بسويسرا، وقفت "عهد" تعدل سترتها السوداء ثم حملت حقيبة ظهرها استعدادًا لمغادرة المطار.
طبعها الصعب كان بعيدًا كل البعد عن الاجتماعية، لكنها عليها مرافقة تلك البعثة الجيولوجية التي يجب عليها التواجد معها.
بآلية شديدة تحركت لخارج المطار ومنها إلى الفندق مباشرة عبر تلك السيارة التي كانت بانتظارهم.
لم تلتفت بأي من الاتجاهين، بل كانت تنتظر بترقب وصولهم إلى الفندق، بينما تابع بقية البعثة تلك الأجواء الباردة والسحب المتكاثفة والجبال الساحرة التي جذبت عيونهم جميعًا من خلال نوافذ السيارة.
عندما توقفت السيارة لم تنتظر دعوة منهم، بل ترجلت بخطواتها السريعة لتدلف إلى الداخل كما لو أنها تدرك المكان تمامًا وليست أول زيارة لها هنا.
خطواتها الثابتة الواثقة جعلت الجميع يتبعونها بصمت كما لو كانت قائد تلك المجموعة، فطبيعة البشرية هي الانسياق خلف القائد القوي الذي يثبت حضوره بهيبته وشخصيته دون الحاجة لطلب أو شرح.
بعملية شديدة لإدراكها للغة الفرنسية والإنجليزية كانت هي من تتعامل مع إدارة الفندق لإنهاء إجراءات التسكين بالغرف وتوزيعهم دون الرجوع إليهم، بل قامت بذلك بالأمر المباشر وكان عليهم بالسمع والطاعة.
ولطبعها غير الودود بقيت "عهد" بغرفة منفصلة، فهي لا تحب التواجد مع الغير.
مع صعودهم للغرف كاد اليوم على الانتهاء، ليقضي الجميع ليلته بهذا المكان الساحر وسط الطبيعة وجبالها الساحرة حتى حلول الصباح.
❈-❈-❈
رغم اختلاف المدن والناس من حولها، إلا أن "عهد" لا تتغير ولا تتبدل، بل تظل كما هي، بوقتها المحدد المبكر للغاية استيقظت "عهد" لتبدأ جولة اليوم الأول برفقة البعثة، حيث ينساق خلفها بقية الجيولوجيين لشخصيتها التي فرضت نفسها عليهم.
خرجت من الفندق وقد ارتدت العديد من الملابس الثقيلة والتي لم تظهر منها سوى وجهها فقط، حين ارتدت سترة شتوية ثقيلة للغاية باللون الأسود أيضًا ووضعت فوق رأسها غطاء صوفي بذات اللون ولفت حول رقبتها وشاح غليظ لم يختلف عن بقية ملبسها.
وضعت حقيبتها الكبيرة خلف ظهرها بها كافة المعدات والأجهزة التي سوف تحتاجها لتوضح باقتضاب لبقية البعثة خطة اليوم.
"إحنا حنطلع من طريق الغابة عشان نبدأ من هناك.. أى سؤال أو استفسار حنخليه لوقته.. يلا.. اتفضلوا."
تحركوا نحو بداية طريق الغابة لتتوقف الحافلة التي يستقلونها ليتحدث سائقها بالإنجليزية.
"هذا أقصى ما يمكنني الوصول إليه بالسيارة، وعليكم الترجل من هنا."
أجابته "عهد" بإنجليزية طلقة.
"حسنًا، انتظرنا هنا لحين عودتنا."
أخرجت جهازها اللوحي تتابع به خريطة الطريق والأحوال الجوية أيضًا لتبدأ متقدمة المجموعة والبقية من خلفها يتبعونها من طريق لآخر ومن ممهد لوعر وهم خلفها دون أي اعتراض أو تساؤل.
ساعات لم ينال أحدهم دقيقة واحدة للراحة حتى أنهكوا جميعًا لينادي أحدهم بـ"عهد" ملتمسًا بعض الراحة بصوت منهك القوى.
"يا أستاذة.. يا باشمهندسة.. ممكن نريح شوية..؟!"
التفتت بحدة تجاهه وهي ترمقه بنظرات مهينة تتهمه بالضعف لتصيح به بصوتها الناعم غير الملائم لهيئتها الخشنة والتي حاولت إكسابه بعض الخشونة حتى لا تقل مهابتها.
"نريح..!!! إحنا لحقنا.. إيه الرعونة دي..!!!!"
تحولت ملامح الشاب من الإنهاك للانفعال.
"يا ريت تتكلمي بإسلوب أحسن من كدة.. كلنا تعبانين.. مش ذنبنا إنك مش بتحسي."
كزت "عهد" على أسنانها بغيظ مردفة.
"النهاردة لازم نطلع الطريق الشرقي.. ولو... (ثم أكملت بتهكم) ريحناا... حنتعطل ومش حنلحق."
أشار الشاب نحو بقية المجموعة الذين خارت قواهم ينحنون يلتقطون أنفاسهم اللاهثة بصعوبة حتى أن بعضهم سقط جاثيًا فوق ركبتيه لينهي حديثه بقرار ساخرًا منها.
"الناس تعبت شوفي يا مدام......."
ثورة ألهبت مقلتيها لتحدجانه بغضب لا تدري هل سببه رعونته وتراخيهم أم تلك الكلمة التي لقبها بها الآن (مدام) لتهتف بحدة منفعلة.
"مدااااااام!!!!.... بقولك إيه... إحنا مش قاعدين على مسطبة بيتكم... أنا الأستاذة (عهد مسعود المدبولي)... فاهم..."
لمحت إرهاق المجموعة لتردف دون النظر إليهم.
"راحة نص ساعة عشان نلحق نكمل."
إرتمى الأغلبية منهم أرضًا بذات اللحظة لتتجه هي باتجاه شجرة عريضة مبتعدة عنهم لتجلس قليلاً، شعرت بألم شديد بساقيها فقد تجولت لساعات بين طرق الغابة لتلوم نفسها على إرهاقها وهم معها، فعلى ما يبدو أن هذا الشاب محق بالأمر.
بعد أن انتهت فترة الراحة التي حددتها وقفت "عهد" تحثهم على استكمال جولتهم.
"يلا نكمل."
رفع البعض أعينهم تجاه السماء التي اشتد قتامة سحابة وأعلنت الرياح ثورتها، أخذت تسري لها البرودة القاسية تنخز بالعظام ليهمهم الجميع بلا استثناء.
"ما كفاية كدة النهاردة يا أستاذة "عهد".. الجو قلب.. خلينا نكمل بكرة."
بضيق بالغ وتشبت شديد أجابتهم.
"لأ طبعًا... إنتوا فاكرين إن إحنا فى مصر.. إحنا فى سويسرا.. الجو كدة وحيفضل كدة.. إيه نقعد فى بيوتنا بقى طالما مش قد الشغل..!!!!!"
هكذا هي جافة صريحة لحد الوقاحة، لا تلين ولا تُقدر، متزمتة بشكل قاسي، عنيدة لأبعد الحدود، الدبلوماسية لا تعرف لها طريق، لها من الكلمات اللاذعة ما تترك له العنان قبل عقلها لتفسد كل علاقاتها بين الناس.
برفض قاطع أصر بقية البعثة على عدم الاستمرار والعودة للفندق.
"لأ مش حنكمل ونرجع الفندق."
بعصبية شديدة حملت حقيبتها منتفضة بقوة.
"إن شا الله عنكم ما كملتم.. أنا حكمل المهمة لوحدي.. غوروا في داهية.. ناس خرعه.. ده إيه البخت ده."
ولجت لأحد الطرق الجبلية الوعرة وهي تحمل جهازها اللوحي تستكمل طريقها بعناد، بينما عادت بقية المجموعة أدراجها نحو الفندق، خاصة بعدما اشتدت الرياح وأظلمت السماء بشكل مخيف وأسقطت الأمطار بغزارة معلنًا هبوب العاصفة.
رواية ظننتك قلبي الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب
نعم أنا طفلة، مهما اصطنعت القوة، فبداخلي طفلة تفتقر للحنان والأمان. من يتحمل عنادي وأخطائي؟ يا ليتني نضجت كما أظن، يا ليتني بأحضان أمي.
برودة قارسة وأمطار رعدية تتجلى بأصواتها التي ترجف القلوب، أضواء البرق المتلاحقة التي تغزو النفس وتدب الفزع بها. الجميع يلتزم البيوت يتمتعون بدفئه وأمانه، إلا تلك العنيدة التي أصرت على البقاء.
لمن الغلبة الآن؟ ماذا استفادت من عنادها لتبقى بمفردها بتلك الأجواء تواجه العاصفة وحدها وقد حل المساء؟ قوية القلب، لكن نقطة ضعفها هي خوفها من ضوء البرق وصوت الرعد، الذي كلما ضرب السماء ارتعدت ساقاها بهلع وهي تتلمس مكانًا جافًا تحتمي به.
لملمت "عهد" سترتها السميكة بأيدٍ مرتجفة، ففوق الجبال المشهد مختلف. تشعر بأنها قريبة من أهوال تلك العاصفة بطريقة لم تكن تحسب لها الحساب. لقد ظنت أن الأمر لا يتعدى موجة باردة وبعض الأمطار كما هي معتادة، لكن الوضع هنا مختلف، مفزع لنفسها الهشة التي تقحمها بما لا يناسبها بعنادها ورأسها اليابس. ها هي كالعادة، وحيدة، خائفة، لا يدري عنها أحد. تمتمت تحدث نفسها:
"أعمل إيه دلوقتِ؟ أنا مكنتش عارفة إن المطر هنا صعب قوي كدة. طب أرجع؟ لأ طبعًا، مينفعش أرجع. وحتى لو كنت عايزة أرجع... حرجع إزاي؟"
خطأ آخر تقترفه بعنادها وتشبثها بالأمور، لكنها الآن يجب أن تفكر بصورة مختلفة. لن تبقى تلوم على نفسها كالضعفاء، عليها البحث عن مكان آمن حتى تستطيع العودة.
***
بيت النجار...
رغم أن المساء قد أوشك بالفعل وأخذت "زكية" تترقب عودة "شجن" بتوجس، حتى لا تلاقي ما لاقته بالصباح، انتظرت "زكية" بالشرفة ترافقها ابنتها الصغرى "نغم" التي كانت تتطلع بالمارة هنا وهناك تبحث عن وجه واحد فقط بين الوجوه، لكنها كالعادة تبحث عن السراب.
بالشقة السفلية كانت "صباح" تعد لوجبة المساء برفقة ابنتها "راوية" التي تساعدها بتملل، تتمنى لو تخلص من تلك الحياة الرتيبة التي تتكرر يومًا بعد يوم.
"أنا طالعة البلكونة أشم شوية هوا..."
رمقتها أمها بجانب عينها وهي تزم شفتيها بسخرية. لا تدري هل هي تتشمت بها أم تتحسر على حالها.
"اقعدي اقعدي، محدش بيتخطب من وقفة البلكونات...!!!"
كزت "راوية" على أسنانها بغيظ.
"وهو كل حاجة في الدنيا إني أجيب عريس؟ مخنوقة... عايزة أشم الهوا... اوف...!!!"
استدارت تلك الممتلئة تجاه ابنتها الساخطة.
"أيوة كل حاجة في الدنيا إنك تجيبي عريس. وحفضل أقولهالك يا بنت "صباح". لازمن تتجوزي قبل المخفية اللي فوق هي وأختها. غير كده حتفضلي مكروهة طول العمر. هم اللي موقفين حالك. هم اللي بيطفشوا منك العرسان."
تشحن النفوس بمجرد كلمات، لو ندرك كم لها من أثر يقبع بالنفس وقدرة على تغيير الرؤية بأعيننا. مجرد كلمات جعلت "راوية" تشعر بالغيظ من بنات عمها دون داعٍ، لتُقبض ملامحها بعبوس تتمنى الخلاص منهن حتى تجد فرصتها بالحياة.
أشارت لها "صباح" لمساعدتها.
"قطعي البصل ده خلينا نخلص."
التفتت "راوية" بحنق تقطع البصل وهي تغمغم بسخط من حظها العاثر، فحتى الراحة والسكون لا تحصل عليهم بخلاف بقية الفتيات.
"هم ينبسطوا ويريحوا وأنا أقطع البصل، دي عيشة تخنق."
ثم انتبهت "راوية" لتهتف محذرة أمها.
"طب على الله بعد كل ده ولما نخلص العشا نلاقي الست "حنين" هانم جايه تاكل على الجاهز زي كل يوم."
مصمصت "صباح" شفتيها، فهي رغم عدم تقبلها لزوجة ابنها، إلا أنه الوحيد الذي يساعدها بمساعيها وتنفيذ رغباتها بعكس "مأمون"، لتهتف مداعبة ولدها البكر.
"تيجي متجيش مالكيش فيه. المهم أخوك "فريد" يكون مبسوط."
مالت "راوية" فاها بإمتعاض هامسة بسخط.
"طبعًا مبسوط... طول ما هي واكلة عقله وبتدلع عليه حيبقى مبسوط. بنت "السيد خلف" عارفة تمشيه مظبوط. لعبتها صح."
تساءلت أمها بإستنكار لعدم استيضاح ما تقوله.
"بتبرطمي بتقولي إيه يا بت...؟"
عادت "راوية" لتقطيع البصل.
"ولا حاجة، أديني بقطع البصل أهو."
بالدور الأرضي، تلك الشقة التي كانت ملك الجد "محمود النجار" والتي آلت لـ"فريد" بعد وفاة الجد والجدة، تلك الشقة التي تزوج بها منذ تسع سنوات.
خلال تلك التسع سنوات، لم تتقبل "حنين السيد خلف" ابنة صاحب البقالة هذه الشقة الرطبة عفنة الرائحة. وحتى مع تجديدها لابنها "فريد"، إلا أنها مازالت تتمتع بتلك الرائحة العطنة، فهي ضيقة للغاية محدودة التهوية. هي أساس بيت النجار، والتي بُني عليها بقية هذا البيت العتيق.
رغم مجاورة شقتهم لشقة أخرى مغلقة بهذا الطابق، إلا أنه لم يُسمح لهم سوى بتلك الشقة فقط ليسكنوا بها، وبقيت تلك الشقة مغلقة كمثيلتها بالدور الثاني بمقابل شقة "زكية". فكان من المفترض أن يقطن بها "مأمون"، الذي فضل أن يستأجر شقة خارج البيت بعد العديد من المشاكل بين زوجة أخيه وبين زوجته.
خللت "حنين" أظافرها الطويلة، والتي تهتم بعنايتها بشكل ملحوظ، بخصلات شعرها ترفعه للأعلى بعشوائية، قبل أن تتخذ جلستها بالمقعد العربي إلى جوار زوجها "فريد". وبطريقتها التي تفتقر لليونة، خاصة معه، بدأت تُملي عليه ما يجب عليه فعله بالفترة القادمة، فهي تعشق فرض السيطرة والقوة.
لم يكن "فريد" الرجل ضعيف الشخصية التي تنتظر أن ينساق خلف توجيهات زوجته، بل كان شخصية هوائية ذو تفكير سطحي، لا يتمتع بالطموح إطلاقًا، يتمنى فقط قضاء اليوم بيومه دون إشغال فكره بما سيحدث بالمستقبل.
ترك "فريد" عناء هذا التفكير لزوجته "حنين"، والتي لا تنفك من التفكير بكل التفاصيل التي تخص هذا المستقبل الذي لا يكترث له، سواء المستقبل القريب أو المستقبل البعيد.
مد "فريد" يده يحمل كوبًا من الشاي، يُقدمه نحو زوجته وهي تقلب أفكارها جيدًا، قبل أن تبدأ حديثها الذي ينتظره.
"ها... وصلتي لحاجة؟"
نطقها كالطفل الذي ينتظر التعليمات من أمه لإرشاده للتصرف الأمثل.
"فلوس أبوك وأمك دي مينفعش تفضل كدة. لو "راوية" ولا "مأمون" وصلوا لها مش حنقدر ناخد حاجة. أختك دي سهونة قاعدة مكوشة على تفكير أمك وأبوك. دي يتفات لها بلاد. وأخوك "مأمون" عامل فيها المتعلم الناصح اللي بيفهم في كل حاجة وواكل عقل أبوك."
"صح كلامك... مظبوط... طب والعمل يا "نونه"...؟"
زمت "حنين" شفتيها بتقزز قبل أن ترمقه بطرف عينيها لسطحيته وقلة تفكيره، قبل أن تستطرد حديثها.
"ما أنا عارفة طبعًا إن كلامي مظبوط."
ثم التفتت بكامل جسدها لتصوب وجهها بالكامل تجاه "فريد" تبث سمها بأفكاره.
"إنت ابنهم الكبير، يبقى لازم شغل محل العطارة يبقى تحت إيدك إنت، مش "مأمون". إنت لازم تقنع أبوك بكده. هو ليه حاطط أخوك اللي أصغر منك على الحجر وهو اللي ماسك الشغل والتوريد والفلوس والحسابات وإنت حا يالله بترتب لهم المخزن والعمال ويرمي لك الفتافيت في الآخر؟ ده حتى الشقة مرضيش ناخدها ونوسع علينا بدل الكتمة اللي إحنا فيها ما هي مقفولة من ساعة ما مرات أخوك ما حكمت تسكن بره بيت العيلة."
"صح يا "نونه" معاكِ حق... ده استخسر فينا الشقة وهو اللي ماسك الاستيراد كله وحسابات المحل والتجار."
وضعت كوبها فوق الصينية وهي تأشر بكفها اعتراضًا على هذا الحال.
"بس، يبقى لازم تروح لأبوك بكرة وتقول له الكلام ده كله. إنت مش صنايعي في المحل، إنت ابن صاحب المحل والكبير كمان. يعني المفروض تبقى مكانه وتعرف كل صغيرة وكبيرة هناك."
أومأ بالإيجاب وهو يرفع حاجبيه كمن التقط مهمة اليوم والتي عليه تنفيذها.
"صح يا "نونه"... ده اللي لازم يتعمل، أنا حروح له المحل وأقوله كل الكلام ده."
***
شقة المستشار خالد دويدار...
أخذت الدكتورة "منار" تقلب بجهازها اللوحي تريح قلب هذا المترقب من بعيد منذ أن اتخذت هذا القرار بإنهاء مشوارها الطبي بهذا الاعتزال الذي وجب وقته.
"خلاص أهو يا "خالد" الإعلان نزل، شوف كدة."
بأعين متفحصة لكل التفاصيل كما اعتاد بعمله تمامًا، فحياته المهنية كقاضٍ ومستشار بمحكمة الاستئناف قبل أن يصدر بحكم يحاسب به قبل صاحبه، أخذ يتمعن بكل ما كتبته زوجته بهذا الإعلان الذي وضعته بأحد الصفحات الشهيرة المتخصصة بهذا المجال لعرض عيادتها الخاصة للإيجار.
"أمَّم... أظن كدة تمام، كدة أحسن... عشان ترتاحي كمان."
"وإنت كمان ترتاح، وأهو نقعد بقى نتسلى مع بعض."
كالماء والهواء، هما معًا مختلفان بتفاصيلهما، لكن لا يمكن الاستغناء عنهما. يحتاجان دومًا لبعضهما البعض دون أن يدري كل منهما لم يحتاج الآخر.
بسمة لطيفة اعتلت ثغر "منار" بإيمائة إيجاب، بينما قابلتها بسمة رضا من هذا القوي الذي يدرك تمامًا أن سببًا كبيرًا من قرارها هذا هو فقط لإرضائه.
إنها سنة الحياة أن يقدم كل منهما دورًا بارزًا في المجتمع من حولهم، ثم يتحصلون على الراحة المناسبة وترك الفرصة لحديثي العهد باستكمال مسيرتهم واتخاذ أماكنهم لتدور الحياة بأدوارها، فمن يبقى على حاله إلى الأبد.
رغم الصمت الذي يحل على جلستهم، إلا أن هناك نوع من الانسجام لقضاء سهرتهم بمشاهدة فيلم تلفزيوني من نوعهم المفضل بهدوء وسكينة.
***
ليل طويل قاسٍ للغاية مر على تلك المرتجفة وسط العاصفة التي اشتدت مع مرور ساعات الليل الأولى، خاصة وهي لا تفضل هذا الإحساس البارد الذي يحيط بها، فهي دومًا تعشق فصل الصيف وتخشى بقوة من الشتاء وبرودته وأيامه الممطرة بشكل ملحوظ.
تجنبت "عهد" تلك الأضواء الكاشفة إثر ضربات البرق المخيف بداخل نفسها بالجلوس تحت شجرة كبيرة تتلحف بسترتها المبللة، تحاول البحث عبر جهازها اللوحي عن طريق يمكنها سلوكه، لكن الظلام حال دون ذلك، لتنتظر بزوغ الفجر لتتحرك باحثة عن مخرج.
حل الفجر البعيد القريب، لتستقيم "عهد" تتلفت حولها لتقيم الوضع أولاً قبل اتخاذ قرارها بأي اتجاه ستتحرك.
تلك الأمطار الغزيرة سببت سيلًا جارفًا قطع العديد من الطرق التي كان يجب عليها أن تسلكها، فقد كشرت الطبيعة عن أنيابها، وعلقت هي بالمنتصف.
اتخذت الطريق لداخل الغابة تحتمي بالأشجار من تساقط الأمطار، برغم وضعها لغطاء الرأس الحاجب للمطر فوق رأسها.
تهدجت أنفاسها الباردة وهي تضغط بجفنيها لتزيد من قدرتها على الرؤية بشكل أوضح، تتأكد مما تراه عيناها، كم تخشى أن يكون ما تراه هو مجرد سراب واهي بعقلها فقط.
بحرص شديد لخطواتها بتلك التربة الزلقة حتى لا تسقط أرضًا، تحركت "عهد" نحو الأمام تجاه هذا الكوخ الذي يقف بمنتصف الغابة، كما لو أنه ظهر من العدم.
كوخ خشبي يحمي من الخلف بجبل عالٍ، يظهر إليها كملاذ آمن من تلك العاصفة، حتى لو كان خاويًا.
وصلت تجاه الكوخ تحتمي بسقيفته العريضة التي تمتد أمامه، وهي تلتف بقوة بملابسها المبللة وارتجافها الشديد. لم تهتم بالنظر للكوخ بقدر اهتمامها بالدخول إليه، لكن عليها طرق الباب أولاً للتأكد، فربما يكون عامرًا بسكانه.
سكون تام يقطعه صوت المطر بعد انتظارها لبضعة دقائق بعد دقاتها الخشنة فوق الباب الخشبي للكوخ، ليفتح الباب بتؤدة. لتسلط "عهد" عيناها تجاه تلك الشقراء النحيلة جميلة الملامح بتفحص شديد، ككشف هيئة تقوم به لتقييمها لما تملكه من حسن ووجه رقيق ملائكي الطلة.
لم تكن سوى فتاة بالعقد الثالث من عمرها، متوسطة الطول بل تميل للقصر، شقراء طبيعية ذات أعين ملونة وفم وردي جذاب. إنها حقًا أنثى كم يجب أن تكون. زادت أنوثتها بإقتران هيئتها بنبرة صوت عذبة للغاية وهي تناظرها بتساؤل بالألمانية التي لم تستطع "عهد" إدراك مقصدها، فهي لا تتحدث الألمانية.
لتجيبها "عهد" بالإنجليزية:
"عفوًا، لا أتحدث تلك اللغة."
لتعيد الشقراء تساؤلها بالإنجليزية:
"هل يمكنني مساعدتك؟"
فاهت "عهد" بها للحظات، فكم هي ناعمة رقيقة لا تشبهها بالمرة. نفضت تلك الأفكار عن رأسها لتنتبه لما هو أهم، فعليها قضاء مصلحتها التي أتت من أجلها. رسمت بسمة باهتة غير معتادة على محياها، فيجب أن تظهر بمظهر ودود لطيف لتحظى بغايتها بالبقاء معها. ثم أكسبت تلك البسمة بنظرات مترجية مصطنعة لتبعث الاطمئنان لها.
"لقد علقت بالغابة، فبعد هبوب العاصفة قطع السيل الطرق ولم أستطع العودة للمدينة، فهل يمكنني البقاء هنا حتى تنتهي العاصفة...؟"
مدت الشقراء رأسها لخارج الباب تناظر السماء الملبدة بالغيوم والأمطار الغزيرة، والتي يبدو أنها تدرك للتو أن هناك عاصفة ما وسوء حال للطقس.
مالت "عهد" بفمها بسخرية من رد فعلها المتسم بالغباء قائلة بداخلها:
"مفيش حلاوة كاملة، أهي طلعت غبية."
عادت لبسمتها المتكلفة لثغرها مرة أخرى حين هتفت الفتاة قائلة:
"أوه، حقًا إن العاصفة شديدة للغاية."
غمغمت "عهد" بسخط رغم ابتسامتها الثابتة فوق شفتيها.
"وحياة أمك، أمال أنا بقول إيه!!!"
عقصت الشقراء أنفها بدون فهم لما قالته "عهد"، ثم أشارت نحو الداخل تدعوها للتقدم.
"تفضلي، مرحبًا بكِ."
أومأت "عهد" بخفة وهي تدلف نحو الداخل قبل أن تغلق الشقراء باب الكوخ من خلفها.
وقفت "عهد" تستقيم بجزعها للأعلى تلتمس الدفء، فالكوخ دافئ للغاية، فعلى ما يبدو أن أصحابه يستخدمون التدفئة بأرجائه كافة. شعور ممتع بعد ارتجاف كاد يصل لداخل عظامها. بلحظة تبدلت فكرتها التي كانت تحملها بمخيلتها عن الأكواخ، فقد ظنت أن الأكواخ ما هي إلا شقة بسيطة من الخشب أو ما شابه يلقون به بعض الأثاث البالي لقضاء أيام قليلة به كنوع من التغيير لروتين حياة اعتادوا عليه قبل عودتهم لحياة المدينة الصاخبة.
لكن هذا الكوخ كان مميزًا للغاية، بل إنه مبهر، مصمم بطريقة هندسية جميلة يتمتع بذوق رفيع استثنائي أيضًا. كان كتحفة فنية بكل تفاصيله، حتى هذا السلم الداخلي المصنوع من طبقات متتالية من جذوع الأشجار ذو حافة ديكورية مصممة بعناية.
كوخ ثري جميل حقًا، معزول بتدفئة بشكل لافت للنظر يجعل من يقطن به لا يشعر ببرودة الطقس من خارجه، بل إن الحياة بأكملها بداخله معزولة تمامًا عن خارجه.
التَمست "عهد" العذر لتلك (الغبية) كما أطلقت عليها، لعدم إدراكها لما يحدث بالخارج وهبوب تلك العاصفة القوية، فهي تعيش بعالم منفصل تمامًا.
قطع تأملاتها صوت الشقراء الناعم من جانبها لتنتبه "عهد" إليها.
"أنا "كاتينا"، مرحبًا بكِ."
أعادت "عهد" تلك البسمة المتكلفة خاصتها وهي تجيبها بتقبل.
"عهد، اسمي "عهد"."
"مرحبًا، "أهد"."
رفعت "عهد" جانب أنفها بإستنكار لطريقة نطق اسمها بتلك الطريقة المتغنجة التي لا تعتاد عليها، لتعيد التوضيح بالعربية ساخرة.
"أهد!!! اسمي "عهد" يا أختي مش "أهد" جتك هَدْه."
رمشت الفتاة بأهدابها القصيرة بدون فهم لمقصدها، خاصة وهي تتحدث تلك اللغة التي لا تعرفها، محاولة إدراك ما تتفوه به، حين أشارت إليها "عهد" ألا تكترث لها.
"لا عليكِ، لا عليكِ."
أومأت "كاتينا" بخفة وهي تدعوها للجلوس والاستمتاع بالتدفئة.
"اجلسي، تفضلي "أهد"."
غمغمت "عهد" بتذمر بنبرة منخفضة للغاية.
"يا دي "أهد" اللي مش حنخلص منها، شكلها حتبقى مرار."
جلست "عهد" فوق أريكة جلدية حمراء اللون مميزة للغاية ومريحة أيضًا بذات الوقت.
***
يموج الصباح بإشراقة شمس دافئة بفصل الشتاء أيضًا بهذه المدينة، ليبدأ يوم جديد، خاصة لتلك الأسرة الصغيرة التي بدأت حياتها منذ عدة شهور لا أكثر ببيت المستشار "خالد دويدار". خاصة بالشقة العلوية للابن البكر "عيسى" وزوجته المتوهجة "غدير" صاحبة أجمل ضحكة بهذا البيت.
ارتدى "عيسى" حُلته السوداء المنمقة وهو يتطلع بانعكاس صورته بالمرآة، لكن الفارق اليوم هو استيقاظ "غدير" بنشاط وحيوية على غير العادة، فهي محبة للنوم واستغراقها به.
وقفت من خلفه تهتف به وهي تضحك بضحكتها المعهودة التي تتميز بها، يهتز لها جسدها اللين بشقاوة لتجبر مشاهدها على الابتسام أيضًا رغمًا عنه، تلك المتوهجة التي دبّت الحياة بداخل "عيسى" ليقع أسيرها دون مقاومة.
"مينفعش تمشي سادة كدة...!!!"
استدار تجاهها وهو يقضب حاجباه دون فهم، برغم ضمه لشفتيه بقوة حتى لا تنفرج بتلك الابتسامة التي كادت تنقلب لضحكة قوية من مظهرها السعيد وفمها المفتوح بابتسامة تنبع من كل جوارحها وليست من شفتيها فقط، ليعقب بتساؤل.
"هو إيه اللي سادة؟ ده وصف يا "غدير"؟"
نطقها ببعض السخرية، برغم محبته لطريقتها العفوية المرحة بشكل غير معقول، توسعت حدقتاها عن آخرهما وهي تفغر فاها قائلة.
"لابس لي بدلة سوداء، وقميص أسود، وكرفتة سوداء، وشنطة سوداء، وشرب أسود، وجزمة سوداء، إيييه... قلم حبر رايح المحكمة!!! مالك سادة كدة؟ لازم تحط تاتش حلو كدة، عايز لبيسة للقلم."
أنهت عبارتها لتتعالى ضحكتها هي أولًا بقهقهة قبل حتى أن يضحك "عيسى" الذي بدوره أُجبر على مشاركتها ضحكتها، فلا شك أنها قادرة على خلق تلك الضحكة على وجهه، ليردف ببسمة منفردة.
"والمفروض أحط لبيسة شكلها إيه يا ست الفنانة؟"
لم يتوقف مزاحها عند هذا الحد، بل أطلقت كلماتها الساخرة قبل أن تنفجر قهقهتها الصاخبة وهي تخرج راكضة إلى خارج الغرفة.
"حط طحينة."
ركضت كطفلة سعيدة نحو الخارج، فهي تدرك أنها بذلك تثير روح الانتقام المازحة لديه، متوقعة أن يلحقها مستنكرًا، لكنه لا يقوى على الانفعال والغضب وهي تسخر منه بطريقتها المبهجة وروحها الشقية الخفيفة.
"إنتِ بتقولي إيه...!!! تعالي هنا."
رغم مراوغتها له، إلا أنها فاشلة تمامًا بالهرب، لتقع بين براثن يديه التي أمسكت بها دون عناء. انتقام لابد منه، إلا أنه فور أن قبض عليها بين يديه واستكانت حركتها أمامه كالعصفور الذي وقع بالشباك، وبدأت أنفاسها اللاهثة بالهدوء بعض الشيء، تبدلت تلك الروح الطفولية وتجلت الأنثى الشقية بعينيها الواسعتين.
تلك النظرات الولهة من عينيها التي أطلقت سهامها بقلبه المنتفض، قلبه الخائن الذي أصبح ملك لها، تقلبه بين يديها كما تشاء، هو من ظن أن قلبه ملكه وحده يتحكم به، حتى أطلت تلك الشقية بحياته لتقلبها رأسًا على عقب.
لحظة من التقاط الأنفاس كانت نتيجة لدفعته الخفيفة من يديه التي تحيط بها تجاه صدره، لتستكين بداخله مغمضة عينيها لوهلة، قبل أن يقبل رأسها هامسًا بعشق متيم.
"بحبك يا شعنونة، كفاية بقى حتأخر على المحكمة، خدي بالك من نفسك، ومن بابا وماما."
رفعت رأسها للأعلى ليظهر فرق طولهم الواضح، تنظر نحوه بعيون تمتلئ بتلك العاطفة التي سلبت قلبه، تلك القصيرة، ثم همست بهدوء.
"في عيني يا "سيسو" (عيسى). حأطمن عليهم الأول قبل ما أروح عن "مودة" أختي."
"تمام... خدي بالك من نفسك واركبي تاكسي بلاش زحمة ومواصلات. لولا ظروف "مودة" ما كنت رضيت تروحي لها كل يوم والتاني كدة."
"معلش يا "سيسو"... ما إنت عارف إنها عايشة لوحدها."
"أنا المهم عندي إنتِ. خدي بالك من نفسك ومتتأخريش عشان بخاف عليكِ."
رمشت بعينيها الباسمتين لتومئ بالإيجاب، وكيف ترفض حنان واهتمام قلب قلبها "عيسى".
"حاضر يا روحي... مش حأتأخر عشانك. متقلقش عليا."
بمحبة قبل جبهتها مغمضًا عيناه براحة واستكانة مودعًا إياها، فلو ترك العنان لنفسه لن يتركها ولن يغادر ولن يعمل مطلقًا، سيبقى فقط أسير تلك الـ"غدير".
أثار بأصابعه خصلات شعرها المموج الثائرة وهو يتحرك بخطوات متعجلة نحو الخارج حتى لا يتأخر عن موعده، لكن تلك الابتسامة التي رسمتها "غدير" فوق ثغره لم تتلاشى بسهولة، فهي أحلى بداية لهذا الصباح، لكنه حاول بقدر المستطاع العودة لشخصيته الجادة الهادئة المقتضبة التي يتصف بها، فمجال عمله لا يصح به المزاح.
***
سويسرا. الكوخ...
شعور الدفء ممتع ومريح بشكل تعشقه "عهد". بعد إرهاق ليلة طويلة شعرت بالراحة أخيرًا، خاصة فوق تلك الأريكة المريحة. واحتسائها لهذا المشروب من الكاكاو الساخن الذي أحضرته لها "كاتينا" منذ قليل بعد أن مرت عدة ساعات على تواجدها هنا.
فتحت عينيها المغمضتين بإستمتاع لهذا الهدوء على صوت "كاتينا" وهي تعلي من صوتها الناعم مناديةً باسم غريب، فيبدو أنها ليست بمفردها بهذا الكوخ.
"ماوصي... ماوصي... لدينا زائر."
قوست "عهد" شفتيها للأسفل بإمتعاض متعجبة من هذا الاسم، فهل تقصد به إنسان من بني آدم، أم إنه ربما اسم كلبها كما يحدث بالأفلام، لتنتظر بترقب ما هو هذا الـ"ماوصي".
سمعت بعد قليل وقع خطوات بأعلى درجات السلم، لترفع "عهد" عينيها بذات الاتجاه بفضول لمعرفة شكل هذا الكائن الذي قامت "كاتينا" بندائه.
بخطوات رزينة تقدم شاب طويل القامة ذو هيئة رياضية، يتمتع بعيون ظاهرة حادة ذات لون أسود قاتم لها بريق واضح متقد الذكاء والغموض أيضًا. شاب جاد متجهم يتحرك بصوبهم دون أي اهتمام بوجود غريبة معهم، لم يكن أبيض البشرة كـ "كاتينا"، بل كان يتحلى ببعض السمرة الجذابة، لاقت بكثرة مع حدة عينيه التي توحي بالذكاء والشراسة بذات الوقت.
دون التفوه بكلمة، شعرت "عهد" بأن هذا الـ"ماوصي" يتمتع بشخصية صلبة قوية لم تعهدها بأحد من قبل، فهيئته توحي بذلك.
وجهه المستطيل ولحيته الخفيفة النابتة والمحددة بشكل أكسبه جاذبية تطيح بالقلوب، كان لهما وقع خاص بتحديد طبع هذا الشاب بفراستها بقراءة الوجوه وتحديد الشخصيات. لكن أكثر ما لفت نظرها هو نظرته الحادة والجادة أيضًا.
بعد أن توقف أعلى الدرجات لبضع لحظات، طالع "عهد" بنظرة استنكار واضحة لوجود فتاة غريبة بينهم. تلك النظرات المتفحصة المتعجبة لوجودها. لم يكن وجهه مرحبًا كـ "كاتينا"، لكنه لم يكن رافضًا أيضًا.
لحظات من الصمت قضاها ثلاثتهم بترقب لهبوط "ماوصي" درجات السلم بهدوء وثقل، سبب بنفس "عهد" بعض الارتباك والقلق رغم صمته حتى الآن.
شعور لم تختبره من قبل، لم تشعر بأن هناك من هو يؤثر بها بأي شكل من الأشكال. لم يسبب حضور أي شخص لها بالاضطراب من قبل، بل إنها لم تهتم يومًا بوجود أحدٍ قربها على الإطلاق، بل إنها تشعر بالنفور إلى قربهم.
نفور كادت تجزم بأن بها شيء خاطئ لهذا النفور المستمر، حتى كادت تصدق أنها باردة المشاعر قاسية القلب "متوحشة" كما يطلق عليها الجميع، لا تنجذب مطلقًا للجنس الآخر. فماذا حدث لها اليوم لتشعر بأنها مضطربة، ضعيفة، ضئيلة للغاية بحضور حاد العينان هذا.
حبست أنفاسها للحظات لتعود مرغمة نفسها على الثبات النفسي الذي تتحلى به، فمن يكون هذا ليبعثر ثباتها القوي. إنه مجرد "ماوصي"، رجل أجنبي ربما زوج تلك الفتاة أو أخاها أو صديقها، لا تدري بعد.
لم يُسقط عينيه المتفحصة لتلك الكتلة السوداء التي تجلس فوق أريكته المحببة بإستغراب، وهو يدنو منهم بخطوات ثابتة حتى توقف إلى جانب "كاتينا" متحدثًا إليها بصوت أجش ذو بحة رائعة أطاحت بثباتها الواهي ودب الاضطراب بداخلها مرة أخرى، فنبرة صوته قوية مميزة للغاية.
"صباح الخير عزيزتي، ماذا حدث؟"
لم يوجه لها أي حديث مطلقًا، بل أشاح عينيه عنها محدثًا الشقراء كما لو كانت فراغًا أمامه. فبعد تحديقه تجاهها لفترة تحدث مع "كاتينا" دون تكلف لعناء انتباهه بوجودها.
رفعت "عهد" عينيها بإندهاش، فهل جميع قاطني هذا الكوخ مغيبون إلى هذا الحد. فهو أيضًا لا يدرك شيئًا عن هبوب العاصفة ويظن أنه مازال بالصباح، بالرغم من أن الساعة تخطت الثالثة.
أجابته "كاتينا" وهي تلتف بكتفيها بدلال، فاهت "عهد" بنفسها ما بال هذا الرجل.
"صباح الخير عزيزي، لقد هبت عاصفة، وستبقى تلك الفتاة معنا لبعض الوقت. أرأيت ما حدث، لقد قطعت الطرق بسبب غزارة الأمطار."
استدار "ماوصي" تجاه "عهد" وقد علت ملامح الرفض والغضب على ملامحه، مستنكرًا بقاءها بأي صورة، ليهتف بحدة وبدون لباقة ليُسمع "عهد" رفضه الصريح الذي أثار حنقها بعجرفته.
"بالطبع لا... كيف تسمحين لأي غريب بالبقاء معنا يا "كاتينا"؟"
بنظرات لطيفة بريئة للغاية تطلعت "كاتينا" بـ"عهد" أولاً، ثم نظرت تجاه "ماوصي" تترجاه بوداعة.
"ألا ترى كيف هي مسكينة تشعر بالبرد من شدة المطر...؟!"
مال "ماوصي" بأذن "كاتينا" يهمس بصوت لم يظن أنه يصل لمسامع "عهد".
"ألا يمكن أن تكون سارقة أو قاتلة متسلسلة؟ ألم أقص عليكِ العديد من تلك الحوادث التي أسمع عنها...؟!"
لوت "عهد" فمها بإمتعاض وهي تعقب بسخرية على أفكاره بالعربية ظنًا منها أن لا أحد منهم يفهمها.
"ولازمته إيه قطع الأرزاق ده، ما تنجزوا بقى."
استدار "ماوصي" برأسه تجاهها بصدمة وهو يطالعها بأعين متسعة حتى كادت مقلتاه تحرقانه من شدة اندهاشه، لتظهر لمعة بريق عينيه الحادة التي أربكتها دون النطق بكلمة واحدة، ليفاجئها بصدمته وهو يسألها بالعربية.
"إنتِ مصرية...؟!!!!!!"
صدمة جعلتها تشهق بقوة، فلم تظن لوهلة أنه يفهم اللغة العربية ويدرك أنها مصرية.
"إنت مصري...؟"
اعتدل "ماوصي" وهو يحدق بها بشكل متفحص يحاول إدراك بفطنته ماهية تلك الفتاة التي تقف قبالة، متفكرًا لوهلة، ثم أردف بسخرية وعدم تقبل.
"أهلًا... وسهلًا...!!!"
رفض مستهجن أثار نفورها لتناظره بإمتعاض لتستعيد شخصيتها الرافضة أيضًا لتجيبه ساخرة.
"ولما إنت مصري عامل فيها أجنبي ليه... ولاااا هم اللي بيقعدوا هنا لازم يبقوا أجانب بس؟"
طريقتها اللاذعة أثارت نقطة لم تثرها غيرها من قبل، لم تتحدث بتلك العدائية، أليس من المفترض أن تكون ودودة لطيفة لطلبها البقاء معهم. تطلع مرة أخرى لهيئتها الرجالية وملابسها الثقيلة السوداء التي بالكاد تظهر استدارة وجهها فقط، ثم زم فمه بلا مبالاة، بينما أخفى الفضول الذي اعتراه تجاه تلك الغريبة، ليردف بتعالٍ دون اهتمام كما لو كانت تشحذ منه.
"لا عادي، اقعدي."
قالها كمن يحسن إليها بفتات الخبز، لترفع حاجبها الأيمن عاقدة أنفها بضيق من طريقته التي يبدو أنها لن تريحها بفترة بقائها هنا.
نظر نحو رد فعلها بجانب عينيه وهو يميل ليحمل كوبًا من الكاكاو كمن لا يكترث بها، ليسألها دون النظر نحوها مباشرة.
"وإسمك إيه بقى؟"
رغم أنها ليست مضطرة لإجابته أو لتكون ودودة، إلا أنها وجدتها من قلة الذوق عدم إجابتها لسؤاله، لتردف برسمية.
"عهد... عهد مسعود."
رفع من قامته الطويلة وهو ينظر مباشرة بعسليتيها كمن يخترقها بنظراته النافذة، وهو يكمل تعارفه بها قائلاً بصوته الأجش.
"معتصم دويدار."
فور نطقه باسمه، رفعت أنفها بتقزز وهي تردف بإستهجان وتهكم.
"معتصم!!!!!!! أمال إيه "ماوصي" ده؟"
أراح ذراعه الطويل فوق كتف "كاتينا" يجيبها ببعض الغرور باللغة الإنجليزية حتى تتفهم "كاتينا" حديثه.
"عزيزتي "كاتينا" تحب مناداتي بـ"ماوصي"، لكن اسمي هو "معتصم". ألديك اعتراض؟"
قالها بندية كما لو أنها تتصارع معه وليست ضيفته بالكوخ الخاص به، لا يدري لم أثارت تلك الفتاة بداخله هذا الشعور، أخرجت من داخله تحديًا لطريقتها الخشنة اللاذعة.
ابتسمت "كاتينا" بنعومة لتفهمها بما يتحدثون بعد أن وقفت لبعض الوقت لا تدرك ما تحدثوا به بالعربية منذ قليل.
زوجان آخران سيسببان لها التقزز بدلالهما المغثي للنفس، لتشمئز متمتمة بصوت ملحوظ نوعًا.
"وربنا افتكرتها بتنادي على الكلب بتاعها من ساعة ما قالت..." (حاولت تقليد دلال "كاتينا" بصوتها الرفيع) "ماوصي..."
أهدل "معتصم" يده عن كتف "كاتينا" بعصبية من سخريتها منه، فكم هي صاحبة ردود لاذعة وقحة لا تتناسب ووضعها كضيفة ببيتهم، للحظة هتف بها بحدة جعلتها تخشاه بقوة، فله هيبة لا تدري من أين اكتسبها.
"إحترمي نفسك وصوني لسانك، ده إيه الدبش اللي بتنطقيه ده!!! متنسيش إن إنتِ في بيتي."
لملمت شفتيها بإضطراب فقد أخطأت حقًا بتطاولها المبالغ فيه، خاصة وهي ضيفة ببيته، لتومئ بخفة وتفهم دون أن تنطق بكلمة. إنه الوحيد الذي استطاع لجم كباح كلماتها المتراشقة كالحجارة، لكن نظراتها الشرسة نحوه لها رأي آخر، نظرات قابلها بأقوى وأعنف منها، فلم تتواجد بعد من تهزمه وتقدر عليه.
صراع نظرات حادة وتحدي بينهم، نظرات صامتة لم يشوبها سوى "كاتينا" التي شعرت بهذا الصدام الذي لا سبب له. ولوقف هذه الحدة الغير مبررة بين كلاهما تدخلت "كاتينا" قائلة.
"اتبعيني يا "آهد" لتبدلي تلك الملابس المبتلة بأخرى جافة."
سارت "كاتينا" أولاً ثم لحقتها "عهد" للدور العلوي لتبدل ملابسها وهي تؤنب نفسها بهذا الذي شغل فضولها بطريقته المميزة التي لم يصل إليها غيره من قبل، لكنه متعجرف حاد، فكيف يجرؤ على مجابهتها وكبح كلماتها اللاذعة بقوته الشرسة التي رأتها منه منذ قليل.
***
شقة المستشار خالد دويدار...
بذلك العمر فإن المحبة تعني السكون، أن يرافق روحان بعضهما البعض حتى ولو لم يتخلل جلستهم أحاديث عديدة مشوقة كالسابق.
كأصابع اليد الواحدة يحفظون بعضهم البعض، كظهر اليد لا يكل ولا يمل كلاهما من بعضهما البعض. زوجان شابا على المحبة والهدوء. جلست "منار" تتابع أحد البرامج التلفزيونية بتملل، بينما أخذ "خالد" يقرأ أحد كتبه في هدوء.
قطع هذا الصمت دقات مبتهجة بباب شقتهم، سرعان ما رسمت بسمة على ثغريهما، فهم يدركون تمامًا صاحبة تلك الدقات الشقية.
نهضت "منار" لفتح الباب، فمساعدتها السيدة "أم مجدي" لم تأت اليوم أيضًا.
بقفزة خفيفة طلت "غدير" بابتسامتها ذات الأسنان المميزة وقد انفرجت شفتاها عن آخرهما بروح مرحة.
"مساء الحلويات على عيون الحلوين."
"مساء الخير يا "دورا"، تعالي ادخلي."
هزت كتفها بشقاوة وهي تتخطى "منار" مؤكدة.
"طبعًا داخلة، فين سيادة المستشار، مش سامعة له صوت."
قالتها وهي تدلف تجاه غرفة المعيشة حيث يجلس "خالد" وهو يتطلع خلف نظارته الطبية لتلك الكتلة من الحيوية التي أهلت عليهم للتو، يرحب بها.
"إزيك يا "غدير"؟ تعالي أنا هنا."
جلست "غدير" تطالع اسم الكتاب وهي تمط شفتيها تتصنع الغباء.
"والله يا عمو إنت تاعب نفسك بكتب القانون دي... مفيش مرة قصة ولا رواية ولا حتى مجلة... مبعرفش أقرأ الكتب المكلكعة دي خالص!!"
نحى "خالد" كتابه جانبًا وهو يشرح بتلذذ فوائد كتب القانون خاصته، وهو ما أرادت "غدير" الوصول إليه، فمتعته هذا الرجل كانت تكمن بعمله الذي يفتقر إليه بالوقت الحالي.
"كتب القانون دي متعة في حد ذاتها... بتفتح آفاق في العقل مش مجرد كلمات مكتوبة ولا حفظ مرسل وخلاص."
تركت "غدير" يصف ويستمتع بتلك اللحظة بالحديث عما يستهويه وقد غرس به لسنوات عمله الطويلة، قبل أن تقطع "منار" حديث "خالد" بسؤالها العفوي.
"إنتِ جاية لنا مخصوص ولا رايحة مشوار؟"
وسعت "غدير" مقلتيها وهي تتشدق بحاجبيها بشقاوة.
"رايحة أتغدى مع "مودة" أختي... بقالي كتير ما رحتش."
ارتسمت بسمة لطيفة على ثغر "منار" ما بين مستحسنة ومشفق، بنفس الوقت، فكم تشفق على حال أختها اليتيمة التي تعيش بمفردها بعد زواج "غدير"، لتجدها فرصة جيدة بدعوتها هي أيضًا ليوم الغد.
"طب كويس أوي... أهو برضه تأكدي عليها إنها لازم بكرة تيجي تتغدى معانا في عزومة الجمعة دي."
تلك المرة ابتسمت "غدير" بهدوء امتنانًا لتلك السيدة التي احتلت بقلبها مكانة كبيرة خلفته أمها بفراغ بعد رحيلها، لتردف بهدوء.
"إن شاء الله حاضر... حأكد عليها."
نهضت بعجالة حتى تلحق بأختها والعودة قبل موعد عودة "عيسى".
"أنا يلا بيا بقى يا دوب ألحق الغلبانة دي وأرجع قبل ما "عيسى" يرجع من المكتب."
قبلتهم بقبلة بالهواء وهي تأشر بكفها ملوحة تودعهم.
"سلام يا قطاقيط... بلاش شقاوة لحد ما أرجع... ماشي..."
كريحة خفيفة بنسيم عابر تركتهم "غدير" كما أتت تمامًا، سريعة ولطيفة.
تعلقت بها عينا "منار" وهي تردف بارتياح وبتمني أيضًا.
"جميلة "غدير"... ربنا يرزق "معتصم" هو كمان بنت الحلال اللي زيها وزي "نيرة" خطيبة "رؤوف" وأطمن عليه هو كمان."
بضحكة متهكمة قصيرة أجابها زوجها.
"ابنك "معتصم" ولا بتعجبه أي واحدة في الدنيا. محدش مالي عينه... معندوش غير دماغه وشغله وبس."
جلست "منار" وهي تزم شفتيها بإيمائة موافقة حديث زوجها.
"صدقت والله... أنا غلبت أدور له على عروسة تدخل دماغه ومفيش ولا واحدة عاجباه. حنقول إيه... دماغه ناشفة زي أبوه."
رفع "خالد" حاجبه مستنكرًا ببعض المزاح.
"وماله أبوه بس... حتقلبي عليا ليه...؟"
ابتسمت "منار" معقبة.
"مبيعجبكش أي حاجة."
"بس لما اخترت... اخترت صح... ولا تنكري؟"
قالها بنوع من الغزل المتواري لتشعر "منار" بالسعادة والفخر بكلماته.
"في دي عندك حق."
***
سويسرا، الكوخ...
لم تنبهر عيون "عهد" بالغرف كثيرًا، فقد اعتادت على جمال التصميم لهذا الكوخ. وقفت بداخل غرفة صغيرة تتطلع بإزدراء لتلك القطع الخلابة من الملابس ذات الألوان الزاهية التي تضعها "كاتينا" أمامها لتختار ما يناسبها بينهم.
أغلب تلك الملابس كانت قصيرة ناعمة بشكل لا يتوافق معها على الإطلاق. أخذت تتطلع بإشمئزاز دون الاقتناع بإحداهن، لكن عليها الاختيار بدلاً من ملابسها المبللة.
بعد فترة من التمعن سحبت "عهد" كنزة صوفية رمادية واسعة وبنطال من الجينز الأسود كلون وسطي لما اعتادت عليه.
مظهر تلك القطع على "عهد" وطولها الممشوق اختلف تمامًا عن هيئته على "كاتينا" القصيرة، لكنها كانت تشعر بالضيق لمجرد تبدل ذوق ملبسها، فهل يمكن أن يعتاد المرء أمرًا يظنه لن يؤثر به ليصبح هو المسيطر عليه بتلك الصورة.
كانت لو أنها فتاة أخرى غير التي اعتادت عليها، حتى ملامحها باللون الرمادي شعرت بأنها مختلفة.
خلعت غطاء رأسها لتترك شعرها يتنفس لبعض الوقت، قبل أن تلملمه للأعلى مرة أخرى، لكن بعشوائية قليلاً، فهي لم تجد ما تمشط به شعرها.
ألقت نظرة طفيفة على جهازها اللوحي عبر شبكة الإنترنت التي ضعفت للغاية بفعل العاصفة، حتى أنها بالكاد ألقت نظرة خاطفة على برامجها المخصصة، حين عادت "كاتينا" تدعوها برقتها.
"هيا لتنضمي لنا لنتناول وجبة ساخنة سويًا، لابد أنكِ جائعة."
كم هي لطيفة بشكل مبالغ به، شيء لم تعتاده "عهد" بحياتها القاسية. رغم صعوبة الأمر، رسمت "عهد" ابتسامة على ثغرها بشكل مزيف، فهي حادة جافة دائمًا.
تبعتها "عهد" للأسفل لتقع عيناها على هذا الغامض بلقائهم الثاني، والذي بدوره رفع حادتيه تجاهها متبينًا ملامحها الجميلة التي كانت تخفيها خلف ملابسها الكثيرة السوداء منذ قليل.
نظرات ثابتة اخترقت صدرها أولاً ليصاب قلبها بارتجاف لم تعهده من قبل، اضطراب غير طبيعي بحضور هذا الـ"معتصم" يجعلها متوترة بدرجة كبيرة.
أعدل من وضع رأسه وهو مازال مثبتًا عينيه البراقتين نحوها وهي تتقدم نحوه بشموخ وقوة أثارت انتباهه بشكل ملحوظ.
رواية ظننتك قلبي الفصل الخامس 5 - بقلم قوت القلوب
قلوب متشابهة تنقسم من قالب واحد، لا تحمل ضغينة ولا خبث، فقط قلوب نقية. لكن لكل قلب قسمة وحظ، فهل كل نقي شقي، يعاني بأوجاع لا يعلمها إلا هو ونصفه الآخر. ليس بالضرورة أن يكون النصف الثاني غريب، بل ربما هو شق القمر بنصفيه.
حي قديم عتيق للغاية لا يشبه تلك المدينة الحديثة الأبنية، بل كان له ما يميزه ويكسبه طابع فريد للغاية، طابع حميم قريب للقلب. يدرك سكان الحي بعضهم البعض بشكل متقارب كبقية العائلة، يعلمون أفراحهم وأوجاعهم، يتشاطرون قسمتهم بكلا وجهي الحياة دون كلل أو سأم. ربما هذا ما طمأن قلب قطعة الشيكولاتة الفريدة "غدير" على أختها الصغرى "مودة" بالبقاء بشقة والديهما بهذا الحي بمفردها بعد زواجها منذ بضعة أشهر. كذلك، ففي البيت المجاور يقطن خالها "منير" وزوجته وأولاده، والذي يسأل بصفة دورية على "مودة" كما كان يفعل من قبل، فهاتان الفتاتان أصبحتا من مسؤوليته بعد وفاة أخته ومن قبلها زوجها.
فتاتان يتيمتان لا يملكان من حطام الدنيا سوى بعضهما البعض وشقة والديهما بعد رحيلهما. كتب للكبرى "غدير" الزواج من هذا المحامي البارع "عيسى" ابن المستشار المعروف "خالد دويدار" لتستقر حياتها وسط عائلة راقية محبة. بينما بقيت "مودة" تستكمل دراستها الجامعية بكلية الزراعة بسنتها النهائية، لكنها في النهاية وحيدة طوال الوقت، تعمل بمتجر لبيع مستحضرات التجميل بالصباح. لكنها تنتظر زيارة أختها نصف القمر خاصتها من وقت لآخر بتلهف وشوق.
صعدت "غدير" بخطواتها المتعجلة الدرج للحاق بأختها "مودة"، والتي تأخرت عنها كثيرًا اليوم. بخفة ورشاقة حتى بطرقات أظافرها عبر الزجاج المعشق لباب الشقة بعد دقها لجرس الباب تحث "مودة" على فتح الباب بطريقتها المبهجة.
كانت "مودة" أسرع استجابة لدقات أختها المميزة لتقفز فرحة تفتح الباب بهتاف شيق وروح مرحة كمن شقت لنصفين هي أيضًا.
"دورااااا" ... وحشتيني.
أحاطتها "غدير" بذراعيها تحتضنها بمحبة وهي تطبق فوق ظهرها بقوة تتمايل يمينًا ويسارًا اشتياقًا لها كمن غابت عنها لسنوات، لتنقشع شفتيها منفرجة بابتسامة عريضة أظهرت أسنانها العريضة غير المنتظمة ببسمة جذابة مميزة للغاية.
"مودتي" وحشاني يا بطتي.
يا سلاااام، وبتقولي شعر كمان.
طبعًا يا بنتي، ده أنا عليا جمل.
رقيقة ناعمة بيضاء تتمتع بملامح وعذوبة كالأطفال، كل ما بها دقيق ومنمق مريح للعين والنفس هي تلك العذبة "مودة"، ذات شعر ناعم أسود اللون وعيون تماثلها بها بريق ينم عن الشقاوة وخفة الظل تمامًا كأختها الكبرى. ملامح مختلفة قليلًا عن "غدير"، إلا أن من يراهم يدرك بذات اللحظة أنهما أختين نصفان لقمر واحد، حتى أصواتهما تتشابه لحد كبير كما تتطابق ضحكتهما المقهقهة التي تهتز لها جسدهما بالكامل بحيوية ولطافة.
رفعت "مودة" حاجبيها متصنعة الاستياء وهي تمط شفتيها بطريقة طفولية تكور بها شفتيها كحبات الكريز الزاهية.
إيه التأخير ده كله، ده بكره قرب ييجي!!!
وهو أنا أقدر برضة، ما إنتِ عارفه عقبال ما صحيت وعديت على طنط "منار" وعمو "خالد".
حركت "مودة" كتفيها تراقصهما بتفهم وهي تتشبث بكامل جسدها بذراع أختها قائلة.
مش مهم، هي غرامة وحتدفعيها.
اوك.
(ثم همست "غدير" بتهكم) هي الغرامة دي فيها طبيخ؟!!
استقامت "مودة" وهي تعدد بأصابعها البيضاء القصيرة دون توقف.
دي فيها طبيخ وحلويات وعصير وهدوم و...
أسرعت "غدير" تكتم فم أختها بكفها تمنعها عن الاسترسال لأكثر من ذلك.
خلاص خلاص، إنتِ فاكرة إيه لقيتيني في الشارع. إتجرى قدامي على المطبخ لما نشوف الورطة دي.
تقدمت "مودة" بخطوة أولى ثم استدارت نصف استدارة تجاه أختها قائلة.
مش حتنازل عن صينية مكرونة بالبشاميل، فاهمة.
تصنعت "غدير" الضيق من طريقة أختها تهربًا من صنع الطعام، فهي رغم حداثة زواجها إلا أن كلاهما لا تجيدان الطبخ بالمرة، فهما لم تتعلمانه بشكل جيد وتتهرب كل منهما عن صنعه بشتى الطرق.
فهمتها أختها على الفور لتهتف بكشفها لطريقتها المتهربة.
ااااه، إنتِ حتعملي لي زعلانة وحركات ملهاش لازمة بقى، قومي يا ماما على المطبخ، عايزة مكروووووونه.
لالاللاااااا، أنا مرضاش بالمعاملة المهينه دي أبدًا، أنا مروحه.
إيه إيه، إيه إيه.
(ثم أشارت "مودة" تجاه المطبخ) قدامي على المطبخ إعمليلي المكرونة الأول وبعدين روحي.
غمغمت "غدير" بسخط مازح بصوت مسموع.
عَلَقة، خفاااش، مش حتسيبيني إلا بالطبل البلدي أنا عارفة.
رفعت "مودة" حاجباها بإستنكار.
بقى كدة. طييب.
زجتها "مودة" من ظهرها لتركض "غدير" تجاه المطبخ بسرعة ثم لحقتها "مود" لتستكملا يومهما يصنعان الطعام ويتناولانه سويًا ويقضيان الوقت حتى المساء.
❈-❈-❈
شركة بيكو للأدوية.
أشار "رؤوف" بإصبعه السبابة يصمت رفيقه عن الحديث حين ضغط بوضع الهاتف فوق أذنه لسماعه صوت بداية المحادثة حين اتصل للتو بخطيبته "نيرة" التي وصله صوتها الرنان المستاء كالعادة.
ألو، إنتَ لسه فاكر ترن عليا يا "رؤوف"؟ ده أنا بقالي ساعتين من ساعة ما قلت لك كلمني!!!
بحلاوة حديثه العذب الذي يسرق به القلوب أجابها وهو ينهض خارجًا من مكتبه.
يا روح قلبي حقك عليا، أنا بس انشغلت في استلام طلبية دواء مرتجع طلعت روحي، بس برضة أنا غلطان، حد يبقى في حياته قمر الليالي ويدور على إللي يشغله عنه، سامحيني يا روحي.
بتراجع عن حدتها ككل مرة يستطيع أن يمتص غضبها أجابته "نيره".
طيب، كلتني بكلمتين زي كل مرة. (ثم أردفت محذرة) بس ده مش معناه إنك ضحكت عليا، أنا معدياها بمزاجي خد بالك.
طبعًا يا عيوني إنتِ، هو أنا أقدر، بقولك إيه عشان بس ورايا شغل كتير ويمكن معرفش أكلمك بقية اليوم.
بعصبية اعتاد عليها أجابته.
يعني إيه بقى؟ مش حتعرف تقابلني النهاردة كمان نروح نشوف معرض الموبيليا؟
غصب عني، نخليها يوم السبت، تمام.
طب بكره طيب، ليه نستنى ليوم السبت، هو إنت وراك إيه بكرة أهم مننا؟!!!
أجابها مذكرًا إياها بما أوصته به والدته قبل مغادرته اليوم.
بلاش بكرة ولا إنتِ نسيتي عزومة بابا وماما، أنا بكلمك عشان أأكد عليكي إنك حتتغدي معانا بكرة، إنتِ عارفة ماما بتحضر لعزومة يوم الجمعة دي بقالها إسبوعين.
هزمت "نيره" شفتيها بتقبل قبل أن تهدأ حدة حديثها قائلة.
خلاص طيب، عشان طنط "منار" وعمو "خالد" مش أكتر، إنما إنت لأ.
وأهون عليكِ برضه، ده أنا "أوفة" حبيب "نيرو".
طيب، سماح المرة دي، وعمومًا كدة كدة حشوفك بكرة ونتفاهم.
بحديثه المعسول رغم إتقانه له إلا أنه مازال مصطنعًا.
نتفاهم إيه بس، ده أنا تحت أمرك من غير ما تطلبي يا قلب قلبي.
طيب، باى.
سلام يا قلبي.
أنهى مكالمته ليعود لداخل مكتبه ناظرًا نحو تلك العُلب التي وضعت فوق مكتبه منذ قليل.
بلاش يا "حمدي" مش عاوز شيل الأكل ده، أنا بخاف من الأكل إللي معرفهوش؟!!
أجابه رفيقه الذي جلس طويلاً بانتظاره لتناول الطعام برفقته بوقتهم المستقطع خلال اليوم.
يا دكتورنا متخافش، نظيفة جدًا، هى دي أول مرة أجربهم!!! ده الفطاير والبيتزا عندهم رقم واحد، متقلقش.
معلش يا حبيبي سامحني المرة دي، أنا معايا الأكل بتاعي، بألف هنا على قلبك إنت.
طيب إللي تشوفه، أنا بس قلت تجربه ده حلو جدا ونظيف والله.
المرة الجاية يا حبيب قلبي.
تفهم صديقه رفضه لتناول الطعام، فهو موسوس للغاية من تناول الطعام خارج المنزل ليتناول طعامه برفقة "رؤوف" الذي أخرج طعامه الخاص به من حقيبته قبل استئناف عملهم الطويل بنشاط وقوة، فهو رغم شعوره بالجوع إلا أنه يتخوف دائمًا من مصادر الطعام مجهولة المصدر كما علمته والدته منذ صغره.
❈-❈-❈
مكتب طه قدري.
أخذ يطرق بأصابعه السمراء فوق سطح المكتب وهو يفكر بسبب يجعله يذهب لـ"نظمي" رئيسه بالعمل لمعرفة ما جديد "عهد" بعد سفرها. لكنه لم يجد فكرة مناسبة لذلك ليبقى محدثًا نفسه بضيق.
وأخرتها حفضل قاعد مش عارف أي حاجة كده، لازم ألاقى صرفة أعرف بيها كل التفاصيل، ما هو أنا مش أطرش في الزفة.
ليضم شفتيه بقوة طالبًا أحد مساعديه لاستكشاف الأمر دون أن يظهر تدخله فيما لا يعنيه.
ألو، مساء الخير يا "سامح"، بقولك إيه، ما تشوف لي آخر تطورات "عهد" إيه من غير ما حد يحس.
رغم توجسه من رد فعل "نظمي" إلا أنه يجب أن يعرف كل شيء وبدون تأخير.
❈-❈-❈
عطارة النجار.
محل تجاري كبير ذائع الصيت عُلقت أعلاه لافتة كبرى كتب عليها اسم "عطارة النجار"، تلك الحَسنة الوحيدة التي تلقاها "فخري" من زيجته بابنة "الجزار" فقد أغدقت عليه بمالها ليكون صاحب هذا المتجر الذي أدر عليه بالمال والغنى. لكن هذا المتجر أصبح الملاذ والمهرب الوحيد ليبقى بعيدًا عن مسببه.
حياة رتيبة لا يملك بها أي مصدر للسعادة يدفع بها ثمنًا لحلمه الطامع ببعض المال بقية عمره ليبقى هو والندم حليفان.
أخذ "فخري" يتابع بعينيه زائري المحل من هنا وهناك يتعامل معهم العاملون تحت أمره هو وولده "مأمون" الذي غاب اليوم لسفره لاستلام بعض شحنات العطارة التي استوردها من الهند.
بينما تقدم "فريد" تجاه والده وهو يتلفت بمقلتيه لهذا وذاك كمن يحسب بداخله المكسب وراء تلك الزبائن بنفس جشعة، لحق بوالده الذي جلس خلف المكتب دون اندهاش لرؤيته، فهو يلحق به بكل مكان ليس حبًا به بل طمعًا بما يملك.
ضحكة ساخرة أخفاها "فخري" وهو يرى صورة مصغرة من "صباح" بهذا الولد الذي يختلف عن "مأمون" كليًا وهذا ما جعله يبعده عنه ويترك له بعض الأعمال الفرعية حتى لا يرى شبح خيالها الذي يهرب منه بالبيت بالمحل أيضًا.
إزيك يا حاج. ده إيه العظمة دي.
قالها "فريد" ببسمة عريض وترحيب حار.
أهلا يا "فريد".
جلس "فريد" بالمقعد المقابل لوالده ليبدأ بما قد حفظه عن ظهر قلب وقد لقنته به زوجته "حنين" هذا الصباح ليبدأ بملامة معاتبة.
أنا واخد على خاطري منك يا حاج.
خير يا "فريد" ليه بس؟
(قالها "فخري" منتظرًا ما يخبئه ابنه في جعبته فهو أدرك بفراسة ما قد أتى به اليوم).
بقى يا حاج أبقى ابنك الكبير وسايب كل الحِمل على "مأمون" بس، وأنا رحت فين؟ مش المفروض ترمي حمولك عليا.
(ثم استطرد بإشفاق على والده بصورة ماكرة يتصنع المحبة) ده لحم كتافي من خيرك يا حاج ونفسي أشيل الحِمل عنك.
ود "فخري" لو يخرج ضحكته الساخرة من سذاجة ولده الذي يستخف بذكائه وقدرته على الظن بأنه سيخدعه بكلماته الملقنة من زوجته الخبيثة.
ومين اللي قال إنك مش شايل عني.
(قالها "فخري" يجاريه بحديثه معظمًا من دوره بالعمل معه) ده شغل المخازن هو أصل الشغل ولولا إني معتمد عليك كان زمان الناس أكلوني يا ابني، وخد بالك ده هو ده الأصل عشان كده أنا حطيتك هناك.
بطريقة والده المراوغة التي اكتسبها من عمله بالسوق أثبط محاولته بالتمكن من المحل وترك المخزن ليفسد بذكائه الأمر كافة.
زي ما تشوف يا حاج، أنا بس كان نفسي أريحك وأريح "مأمون" وأشيل الحمل التقيل عن كتافك.
عارف يا ابني هو أنا ليا غيركم.
حديث مشتت وضيق استحوذ على ملامح "فريد" فقد توقف عقله عن إيجاد طريقة أخرى لإقناع والده ليلازم الصمت فقد انتهت الوصلة التي حفظها من زوجته "حنين" برفض والده.
لم يجد سوى الإحباط مرافقًا له فإضطر "فريد" على العودة للمخازن وعليه التفكير بأمر آخر يجعله يتولى زمام تجارة المحل بدلاً من "مأمون" الذي سيطر على كل ما يخص تجارتهم ومالهم في الفترة الأخيرة.
❈-❈-❈
المستوصف.
أي حياة حتى لو كانت مثقلة متعبة هي بالتأكيد أفضل من حياتها ببيت النجار، خلعت "شجن" معطف الممرضات الخاص بها معلنة نهاية يوم عمل مرهق بهذا المستوصف الصغير الذي وجدت به فرصة سيئة للعمل بمجهود كبير وراتب ضئيل لكنه يظل أفضل من بقائها ببيت العائلة دون عمل.
سترضى بهذا القليل حتى تصل يومًا لغايتها، هكذا نصت نفسها وهي تستعد للمغادرة فقد أنهت عملها ليومها الأول.
حملت حقيبتها لتعود للبيت سائرة على الأقدام فقد اختارت هذا المستوصف القريب حتى لا تضطر لدفع نصف راتبها الضئيل كأجرة للركوب لعمل بعيد.
ألقت نظرة متعمقة بتلك المكتبة التي مازالت تفتح أبوابها للعامة قائلة لنفسها.
شكلِك ليكِ نصيب يا بت يا "نغم" أسألك على شغل، المكتبة لسة فاتحة أهي.
تقدمت "شجن" لتصعد الدرج البسيط الذي يتقدم المكتبة لتدلف نحو الداخل تبحث عن أحدهم لتسأله.
وقف شاب هادئ الملامح ذو وجه محدب ممتلئ الوجنتين ذو لحية خفيفة نابته أظهرت لون عينيه العسليتين وشعره القصير مزيج مريح للعين برغم صمته وانشغاله بترتيب بعض الكتب دون الانتباه لـ"شجن" التي دلفت للتو.
رغم ما تشعر به "شجن" من ضخامة إلى جوار أختها "نغم" إلا أن كلتاهما ضئيلتا الحجم إلى جانب هذا الشاب عريض الكتفين طويل القامة نوعًا بالنسبة لـ"شجن" التي وقفت خلف تلك الطاولة المستطيلة الطويلة تنتظر أن ينتبه لها هذا الشاب.
تحمحمت قليلاً قبل أن تبدأ حديثها.
إحم، السلام عليكم.
رفع الشاب عينيه تجاه تلك الزائرة التي حدق إليها لبعض الوقت مضيقًا عينيه كمن تذكر شيئًا أو يحاول التعرف على تلك الدخيلة التي اقتحمت هدوء المكان للتو.
رفع هامته وهو يرسم بسمة خفيفة جافة.
وعليكم السلام، تحت أمرك.
لو سمحت كنت عايزة أسأل لو محتاجين حد يشتغل معاكم هنا في المكتبة، أنا أختي خريجة آداب مكتبات وبتدور على شغل.
قالتها كلها بعبارة واحدة فلا طاقة لها بالسؤال والحديث بعد يوم منهك لتنتظر إجابة هذا المتشدق بعينيه تفاجئًا لوهلة وهو يتفكر قليلاً ثم أردف بهدوء رافقها بسمة شفتيه الجانبية.
خريجة مكتبات، طب تمام، خليها تيجي يوم السبت نشوف، ممكن يكون فيه شغل مناسب، بلاش بكرة عشان إحنا بنقفل الجمعة.
تفاجئت "شجن" بتلك السهولة لتتمتم بصوت خفيض للغاية.
شكلها متسهلة يا بت يا "نغم".
(لتعلي من صوتها بامتنان) عمومًا شكرًا، حخليها تيجي السبت، أقولها تيجي لمين بقى؟
قالتها لتحاول معرفة هوية هذا الشخص الذي وافق على عمل لأختها ليجيبها معرفًا بنفسه بذات الرزانة والهدوء.
"بحر". اسمي "بحر" صاحب المكتبة.
بإيماءة خفيفة وهي تقلب بمقلتيها داخل المكتبة الكبيرة التي تحتوي على العديد من الكتب تخفي اندهاشها لامتلاك هذا الشاب للمكتبة كاملة فقد ظنت أنه مجرد عامل بها فعمره لم يتجاوز الثلاثين بعد لتردف بالنهاية.
تشرفنا، السبت الصبح إن شاء الله حتكون أختي "نغم النجار" عند حضرتك. سلامو عليكوا.
وعليكم السلام.
أنهت جولتها القصيرة بسؤالها عن العمل لتعود للبيت فقد لاح النوم والإرهاق بها وحان وقت الراحة بعودتها.
❈-❈-❈
ماذا لو اختفت المتضادات وأصبح الانسجام وفاق، لكن كيف يتجاذب قطبي المغناطيس فمن شأنهما أن يتنافرا.
لكل طرف قوة وغرور طغت باكتساح على بقية صفاتهم ليبقى فقط المغالاة في القوة وإثبات الأحقية والصمود.
هبطت "عهد" درجات السلم الخشبي للكوخ لاحقة بالشقراء "كاتينا" وهي تتطلع بتمعن بهذا الوجه الذي يتفحصها بدوره دون إثناء لمقلتيه الباقتان عنها.
بها شيء من الغموض والقوة ما أثار هذا الذي لا يحركه ساكنًا، رغم استيضاح ملامحها الناعمة التي أخفتها من قبل خلف ملابسها السوداء وطريقتها الجافة ولسانها اللاذع إلا أن بعينيها العسليتين لمعة اخترقت شيء بداخله لا يدري ما هو بعد.
لم يكن "معتصم" يسترق النظر بل كان يحدق بقوة يحاول اكتشاف تلك الغريبة التي اقتحمت حياته وخلوته مع صديقته دون سابق إنذار.
شعرها أسود كليل لم يخاله القمر، بشرتها ناعمة رغم صلابة تعبيراتها، أنفها دقيق، ذات وجنتان عريضتان مثيرتان للغاية. تقدمت نحوه بهدوء لم تنحي هي نظرها كذلك عنه لتتحول نظرات الاستكشاف بين كلاهما لحرب ضارية كأشد المتنافسين دون بدء لأي تحدي أو مسابقة.
نفوسهم جعلتهم ينظر كلاهما للآخر بندية كمن بدأ الحرب بينهم للتو وعلى كل منهم إثبات قوته وشراسته للآخر.
حرب نظرات لم تعلم "كاتينا" عنها شيئًا وهي تتقدم "عهد" قبل أن تجلس بالمقعد الجلدي أولاً ثم تطلب من "عهد" الجلوس.
تفضلي "آهد".
بحركة فمها الممتعضة تمتمت "عهد" أثناء جلوسها.
هده لما تهدك يا بعيده.
رفع "معتصم" حاجبه مستنكرًا لذاعة لسانها التي لا تكف عنها مطلقًا.
هو إنتِ لسانك ده إيه، مبرد؟!!
عقصت أنفها بتقزز غير مبالية بنقده لكلماتها قبل أن تجيبه بنوع من الشراسة.
حد كلمك؟ أنا بكلم "كاتينا".
ده على أساس هي فاهمة إنتِ بتقولي إيه؟!!
قالها متهكمًا لا يرضى بأن يتقبل طريقتها المستفزة لتتحول "عهد" بابتسامة صفراء تجاه "كاتينا" قائلة.
سعيدة للغاية بوجودي معك "كاتينا".
(ثم التفت نحو "معتصم" ساخرة) ها حلو كده يا ..."ماوصي".
(قالتها باستخفاف من الاسم الذي تطلقه عليه "كاتينا") شخصية متفردة تستفزه بوجودها وكلماتها التي لا تتناسب مع نبرة صوتها العذبة، كيف يكون المرء نقيض نفسه، كيف لها أن تكون ناعمة وجافة، رقيقة ووقحة، كيف هناك فتاة استثنائية مثلها بالكون.
زفر بتملل وهو ينحي عينيه عنها ليرتاح صدره المضطرب من وجودها المستفز ليقطع صوت "كاتينا" الناعم تلك الأجواء المشحونة بين كلاهما بسؤالها لـ"عهد".
كيف أتيتِ إلى هنا "آهد"؟
بتذمر من نطق اسمها بتلك الطريقة.
يا دي "آهد" "آهد" مش حنخلص.
أعاد "معتصم" جزعه للخلف وهو يضع ساقه الطويلة فوق مثيلتها ثم لمس بسبابته ذقنه النابتة بطريقة خلابة للغاية كادت تفوه بها "عهد" لوسامته الخشنة ذات التعمق الرجولي الفريد ثم أطلق سخريته منها لتتناسى ما تراه من وسامته ليحل الغيظ مكانها.
معلش أعذريها، أصلها بنت وبتدلع، هم أصل البنات كده طريقتهم ناعمة.
بالعادة لا تتأثر بتلك الآراء والانتقادات التي توجه لها وسخرية البعض من خشونة وجفاءها، لكن لسخريته الآن مذاق مختلف، سخرية أثارت ضيقها وحنقها بصورة قوية، لتجعلها تدافع عن نفسها وأنها أيضًا أنثى كمثيلاتها ويمكنها أن تكون بتلك النعومة لتستطرد حديثها ببعض اللين.
لقد كنت برفقة البعثة الجيولوجية لدراسة طبيعة المنطقة هنا.
(لكن سرعان ما عادت لخشونتها باضطراب فمن هذا الذي سيخرج الأنثى من داخلها، فلا أحد يستحق ذلك) لكن الطقس فرق بيننا ولم أستطع الوصول إليهم، هذا كل شيء.
أومأت "كاتينا" بتفهم لتستكمل حديثها مع "عهد" أثناء تحضير الأطباق لتناول الطعام.
هل أنتِ خبيرة بالتربة وهكذا؟
أسئلة سطحية جاوبتها "عهد" باقتضاب مستكملة مجرى الحديث برفقة مستضيفتها لا أكثر، بينما التزم "معتصم" الصمت دون تدخل مما أثار بعض الارتباك لدى "عهد" على صمته منذ بداية حديثها مع "كاتينا" متسائلة من داخلها على سبب تراجعه عن هجومه والتزامه الصمت بهذه الصورة. هل قامت بشيء ضايقه ليتجنبها، أم هذا طبعه؟ لتسارع بنهر نفسها عن الانسيق خلف نظرة إعجاب أو انتظار تعلق ولو بالهجوم منه (فيه إيه يا "عهد"، يطلع مين يعني إللي تهتمي إنه يكلمك ولا ينتبه لك!!! فوقي لنفسك..).
قالتها رغم استراقها للنظر إليه من وقت لآخر تتأكد بأنه يستمع وينصت لحديثها مع "كاتينا"، بينما انشغل هو بتناول طعامه الذي وضعته "كاتينا" أمامه متصنعًا عدم الاهتمام.
ارتجافات عكسية بداخل نفس واحدة، لحظة تريد ما ترفض ولحظة ترفض ما تريد، متناقضة مترددة، بل مشتتة. اختبار قوى وضعت به لم تكن أبدًا تتجهز له، لقد اعتادت على حياتها القاحلة التي لا يجذب بها انتباهها لأي شيء، فلم فجأة أصبحت مهتمة بأن تسترق هذا الاهتمام، وممن؟ من هذا الرافض لوجودها والذي يراها متوحشة متطفلة بينهم.
دقائق بين تفكير ورفض وتردد وملامة لنفسها قطع سبيل هذا التشتت سؤال واحد تراود لذهنها، لماذا هما هنا سويًا؟ وماذا يقرب لتلك الشقراء ليسكنا هنا بمفردهما؟
حاولت التحلي بنفس الثبات وهي تسأل "كاتينا" لاستنباط مدى قربهما من بعضهما البعض.
آسفة حقًا على إزعاجكم، فأنتِ وزوجك بالطبع لم تريدا مشاركة وقتكما مع غريبة هنا؟
قالتها تتطلع لإجابة تريح فضولها الذي أثير بدون داعي لمعرفة وجه صلتهم ببعضهما البعض كما لو كانت تناست كل ما بحياتها وأصبح هو اهتمامها رغم أنها لم تعرفه سوى منذ بضعة ساعات.
قبل أن تجيب "كاتينا" أطلقت أولاً ضحكتها الرقيقة التي اشمئزت منها "عهد" لكنها أخفت ذلك خلف ابتسامتها المزيفة، ثم أجابتها وهي تنظر تجاه "معتصم" المدعي الانشغال بوجهه.
إننا لسنا زوجين، نحن صديقان فقط، جئنا برحلة واستأجرنا هذا الكوخ لقضاء عطلتنا، للتقرب أكثر من بعضنا البعض، ثم سنعود بعدها للمدينة، أليس كذلك يا عزيزي؟
بدورها التفتت "عهد" تتأكد مما تقول تلك المقززة بالنسبة إليها، تشدقت باهتمام أخفته على الفور قبل أن يلاحظه "معتصم" الذي مال ثغره ببسمة خفية سرعان ما أخفاها فقد عادت الكرة إلى ملعبه مرة أخرى لاستفزاز تلك الوقحة.
رغم أن تلك ليست طريقة تعامله مع "كاتينا" إلا أنه رفع مقلتيه اللامعتين بوجهه تجاه الشقراء التي كانت تطالعه بنظرات متيمة تكاد تتقافز القلوب من حولها، ليجاريها أيضًا باستفزاز لمشاعر تلك المترقبة كما لو كانت هي المقصودة من حديثه وليس صديقته.
بسمة أشرقت عن جاذبية تطيح بقلوبهن لتظهر وسامته بشكل طاغٍ زادها بنبرة حانية من صوته الشجي أطاحت ما تبقى من تماسك بقلب "عهد" حديث الرجفة الذي لم يعتاد على التعامل بالمشاعر والأحاسيس.
نعم حبيبتي، نحن بعطلة جميلة معًا لم يفسدها علينا سوى... زائرة العاصفة.
نالتها نظرة بنهاية حديثه يترقب بها ردة فعلها حين هدج صدرها بإنفعال وهي تكز على أسنانها بغيظ سحابة طبقها لتناول هذا الطعام الذي قد حضرته "كاتينا" لتفرغ به اضطرابها واستفزازه لها.
ابتسم "معتصم" بخفة وهو يطالع ضيقها الذي لاح بقوة على قسماتها، ليسند جذعه للخلف بغرور مستمتعًا بتلذذ بضربته الجديدة فيبدو أن تلك العطلة ستكون ممتعة للغاية منذ الآن فصاعدًا.
لم تنتبه "كاتينا" لكل تلك الضربات التي يسددها كل منهما للآخر واكتفت بتناول الطعام والتفكير بعطلتها مع "معتصم" بمنتهى السطحية.
انقلبت ملامح "عهد" بامتعاض وهي تلوك الطعام بفمها فمذاقه سيء للغاية لتغمغم بصوت يكاد يسمع.
عالم ملزقة وأكلكوا وحش، إيه القرف اللي بتاكلوه ده، ناقصة قرفكم هي، جاتكوا وجع البطن.
اعتقدت أن كلاهما لم ينتبه لما تتمتم به ما بين لقمة وأخرى بينما بالكاد استطاع "معتصم" إجبار نفسه على عدم إطلاق ضحكته على نفورها وامتعاضها من مذاق الطعام الذي يدرك مدى سوئه، فـ"كاتينا" ليست طباخة ماهرة وهو لا يدري شيئًا عن الطعام وإعداده ليتحمل مكرهًا تناول هذا الطعام.
لكنه مع ذلك استمتع للغاية بتلك الوجبة وهو يشاهد ملامح الامتعاض بوجه "عهد" التي سرعان ما توقفت عن تناول الطعام مدعية الانتهاء منه.
شكرًا.
(قالتها على مضض رغم تقوس شفتيها باستياء من هذا الطعم غير المستساغ، ثم أردفت) سأذهب للنوم.
بدون انتظار أو حتى تحية للمساء فيكفيهم ما صبرت له طوال هذا اليوم بتحمل البقاء لطيفة قدر الإمكان صعدت نحو الغرفة العلوية تاركة "معتصم" و "كاتينا" يقضيان سهرتهما التي مازالت لم تبدأ بعد.
لم تلاحظ تلك العيون التي تابعتها حتى اختفت أعلى السلم ليترك بسمته بارتياح على محياه دون سبب واضح لكنها بالتأكيد لها يد بذلك.
❈-❈-❈
بذات المساء وقد غطى ستار الليل الأسود لتبدأ ليلة شتوية جديدة، ليلة مازالت بأولها خاصة لتلك المعتادة للسهر.
ارتشفت "غدير" رشفة بإستمتاع من كوب الشاي بالنعناع كما تحب وهي تغمض عينيها تميل برأسها الصغير لتتمايل معه خصل شعرها الكستنائي المموج.
يا سلام عليكِ يا بت يا "دورا"، ده أنا عليا كوباية شاي ولا أجدعها قهوجي.
لحقتها "مودة" بارتشافها من كوبها تشاركها نفس الاستمتاع بنفس راضية قنوعة كأختها تمامًا فكلتاهما لا تتمنى أكثر مما هما به مجرد وجودهما سويًا يكفي.
والله في دي عندك حق، كوباية الشاي بتاعتك عظمة.
أمال يعني خالو "منير" مجاش النهاردة يطمن عليكِ؟
سؤال عفوي من "غدير" لاحظت له تكدير صفو ملامح "مودة" الناعمة لتجيبها أختها برفع كتفيها للأعلى ثم أهدلتهما وهي تقلب شفتيها ببعض الضيق.
ولا أعرف، بس إيه الجديد يعني!!!
ليه؟ هو مش المفروض بيعدي عليكِ كل يوم زي ما كان بيعدي علينا زمان قبل ما أتزوج؟
لم تشأ "مودة" أن تسبب ضيق لـ"غدير" وتخبرها أنه قد يمر عليها الأسبوع كاملاً دون أن يدري أحد عنها شيئًا وأن خالهما "منير" لا يمر بها كما كان بالسابق، لتكتفي باختلاق أعذار دون الاقتناع بها حتى لا تسبب قلق "غدير" عليها.
أصله مشغول شوية في الشغل وساعات بيسافر، بس وهو هنا بيعدي عليا على طول.
ببعض الطمأنينة أومأت "غدير" برأسها لتغير مجرى حديثها وهي تحرك حاجبيها لأعلى وأسفل بشقاوة.
طب سيبك من خالك وعياله ومراته دلوقتي، أنا افتكرت إني أقولك حاجة مهمة، حذري فزري هي إيه؟
إيه؟
قالتها "مودة" بقلة صبر، لتقتضب "غدير" بطرافة معقبة.
ما تفكري وتشغلي الرز بلبن اللي جوه دماغك ده.
فلطحت "مودة" شفتيها وهي تعيد جذعها للخلف ممدة ساقيها القصيرتان بتعجرف مازح.
مش عايزة أتعب أفكاري، قولي على طول.
بايخه. طيب أمري لله، إنتِ بكرة معزومة عن الداكتوووورة حماتي، هي أصرت تيجي عزومة الجمعة بتاعة العيلة.
هدج صدر "مودة" بقوة لتعتدل بسعادة تجلت بشكل ملحوظ على ملامحها البريئة.
قولي والله، أنا معزومة عند حماتك، وحقضي اليوم معاكم هناك.
أشفقت "غدير" على حال أختها ووحدتها، ألهذه الدرجة تشعر بالوحدة حتى تسعد بدعوة لتناول الطعام برفقة أهل زوجها.
اه يا بطتي، حتقضي معانا اليوم كله.
زمت "مودة" فمها الصغير بسعادة ليتراقص قلبها فرحًا لتلك الزيارة التي لم تكن متوقعة إطلاقًا، لترتشف بقية كوبها تخفي به اضطرابها وتوترها بسبب تلك الدعوة، بينما استعدت "غدير" للمغادرة فعليها العودة قبل عودة "عيسى" من مكتب المحاماة خاصته.
❈-❈-❈
مكتب عيسى للمحاماة.
بعد نهاية يوم عمل بدأ منذ الصباح الباكر بالمحكمة يتابع "عيسى" عمله بمكتبه الخاص حتى المساء بروتين يومي اعتاد عليه منذ سنوات.
أوشك اليوم على الانتهاء وهو يستكمل الاطلاع على أوراق إحدى القضايا التي وكل حديثًا للترافع عن صاحبها بتركيز شديد وجدية تامة.
هكذا هو "عيسى" شاب مستقيم جاد يتمتع بقوة وحزم جعل جميع من يتعاملوا معه يكنون له كل توقير واحترام رغم صغر سنه بمجال المحاماة والترافع بالمحاكم.
بذكائه وقدرته الفائقة على إيجاد الثغرات بالقضايا استطاع إظهار اسمه الخاص وذاع صيته بحقل المحكمة بعيدًا عن صيت والده أو أحد من أخوته فقط أعلى اسم (عيسى دويدار).
بدون انتباه سوى لما يقرأه فقط جلس بهدوء شديد خلف مكتبه يدون بعض النقاط بأحد الأوراق الخاصة بالملاحظات، لم ينتبه لتلك العيون المترقبة خارج المكتب تنتظر أي لفتة منه.
جلست "سندس" المساعدة بمكتب "عيسى" بهيام تستنشق عطره الذي دغدغ أنفها بوجهه تسارعت له ضربات قلبها لو ألقى إليها بكلمة لوقعت صريعة هذا الـ"عيسى" دون مبالغة لتستند بكفها فوق وجهها المستطيل الممتلئ لتظهر ملامحها بوجه مستطيل وأنف مستدير وعينان واسعتان باللون البني الداكن وشفتان عريضان للغاية.
تشدقت بآذانها تنتظر فقط دعوة منه إليها لأي مناقشة تسعدها بتواجدها إلى قربه، هل يمكن أن يميل القلب من طرف واحد، أم أنه يميل إليها أيضًا دون إظهار ذلك، لكن كل هذا لا يهم فيكفيها عذوبة هذا الإحساس الذي يجعل قلبها ينبض ويشعر بالحياة.
أستاذة سندس.
صدح صوته الشجي ينادي باسمها ليتراقص له قلبها طربًا حين خرجت حروف اسمها من بين شفتيه لتهيم به تذوب عشقًا بهذا الرجل الذي لا مثيل له قائلة لنفسها.
ما بلاش أستاذة دي.
(ثم أجابته تلبي ندائه على الفور) أيوة يا أستاذ "عيسى".
وقفت تتلمس تنورتها وكنزتها أولاً تطمئن على مظهرها قبل الولوج إليه تبعتها بترتيب لخصلات شعرها البنية بأطراف أصابعها قائلة بهمس.
(جيالك يا روحي).
تقدمت نحو داخل مكتب "عيسى" لتطرق الباب أولاً لكن خاب ظنها حين أجابها دون أن يرفع نظره تجاهها.
إتفضلي يا أستاذة.
زمت شفتيها باستياء فقد ضاع تأنقها اليوم سدى فهو لم ينظر حتى الآن إليها فقد اختارت اليوم تلك الملابس الضيقة التي تبرز جسدها المكتنز ربما تلفت نظرة ولو لمرة واحدة لكن كل ذلك يضيع كدخان في مهب الريح ككل مرة.
لكن ذلك لن يثنيها عن المحاولة مرة تلو المرة فهي أحق به من تلك الـ"غدير"، حتى لو تقاسمته معها فهي لن ترفض ذلك مطلقًا، فقط يأشر لها بالموافقة وستسارع هي بمشاركتها إياه.
حاولت الترقق من نبرة صوتها قائلة.
أمرك يا أستاذ "عيسى".
عايزك تحضري لي العريضة دي قبل ما أمشي عشان أراجعها، ويا ريت ميكونش فيها أخطاء زي إللي فاتت.
قالها دون رفع نظرة نحوها لتحاول جذبه بذات النبرة الناعمة.
أكيد حاضر.
ثم مالت بجذعها للأمام قليلاً قائلة.
تؤمر بحاجة تانية؟
شعر بالميوعة بتصرفاتها ليرفع وجهه المتجهم تجاهها يرمقها بنظرة لاذعة محدقًا إياها بقوة قبل أن يردف بحدة.
يا ريت نتعدل شوية.
طريقته الحادة جعلتها تضطرب لتعتدل بوقفتها وهي تؤمئ بالإيجاب.
تمام. بعد إذنك.
كلمات مقتضبة ونظرات لاذعة هي ما تتلقاها منه لكنها تعشقها وتطلب منها المزيد فهي رغم ذلك يخصها بها وحدها فقد تملكها هذا الحاد حتى بجموده.
رواية ظننتك قلبي الفصل السادس 6 - بقلم قوت القلوب
شعور يبقى بداخلي فقط لا يجب عليه التحرر
شعور يجب أن يستوطن القلب والقلب فقط
لا يمكنه الظهور
فليكتب عليه الموت بداخل تلك الضلوع بإرادتي
فأنا من أسيطر عليه
فهذا قلبي أنا
لكن إن توجب عليه الظهور فلتذكرني بأنه لا يمكن
هدوء عم أرجاء غرفة "عهد" الجديدة بهذا الكوخ
بعد أن دلفت إليها منذ قليل تاركة "معتصم" و "كاتينا" يقضيان سهرتهما الطويلة
لتتقدم بخطوات متباطئة بملامح مختلفة
ليست تلك "عهد" التى تعتادها
بل هي "عهد" تظهر بوحدتها فقط
طفلة تتمنى من يمد لها يدًا حانية
نعم لديها قلب وشعور وإحساس لا تظهرهم إلا لنفسها فقط
زفرت نفسًا مطولاً قبل أن تتقدم تجاه المرآة
تنظر لنفسها بإنعكاس صورتها وملامحها الجامدة المقتضبة
لحظات من التردد قبل أن ترفع كفها تجاه عُقدة شعرها لتسحبها نازعة إياها
لينفلت خصلات شعرها الناعمة كسيل من موج أسود يغطي جنبات وجهها المستدير
لحظة تغيرت بها ملامحها لأنثي جميلة فاتنة للغاية
أظهر شعرها المنسدل عيناها الناعستان قليلًا وأحاط وجنتيها مبرزًا حمرتهما الطبيعية
تمعنت بملامحها الناعمة التى تخفيها خلف هذا القناع المُهلك
ببعض من الإعجاب بنفسها وأنها أنثى مثلها مثل تلك الشقراء
رفعت جفناها بحركة ناعمة مدللة تشعر بخيلاء من جمالها البارز المختلف بلحظة نعومة مسروقة من حياتها القاحلة
سرعان ما أدركت تصرفاتها المتمايعة لتنهر نفسها بقوة
_ إيه إللي إنتِ بتهببيه فى نفسك ده
ثم أخذت تلوم نفسها على ما تفعله وما أصابها به هذا الغريب
_ حيكون مين ده إللي يأثر فيكِ للدرجة دى عشان تتغيري بالشكل ده عشانه
إنتِ إتجننتي يا "عهد"
إبتلعت ريقها وهي تسخر من نفسها التى تحدثها وتلومها وربما تغضب وتنفعل عليها
_ لا ... ده أنا إتجننت رسمي ، بكلم نفسي ، من يوم واحد شفته فيه بقيت أكلم نفسي
حركت رأسها نفيًا بقوة تستعيد جمودها الذى تعرفه جيدًا
_ لا يمكن ، ولا هو ولا غيره يكون السبب إني أتغير ، أنا برضه "عهد مسعود" ولا يمكن أتغير أبدًا عشان أى حد
كفاية عليه البت الصفرا إللي تحت
اه .. أنا هنا فى شغل وبس
زمجرت بقوة وهي تلقى بنفسها فوق الفراش تتمالك نفسها التى كادت تميل بهذا المنحدر الذى ترفضه وبشدة
فلن تترك لمشاعرها أن تسوقها بل يجب أن تكون هي المتحكمه بها وليس العكس
سحبت غطائها لتتدثر به جيدًا سرعان ما غطت بنوم عميق فهي مرهقة للغاية دون أن تدرى
❈-❈-❈
بيت النجار ، شقة "زكيه"
بعد إنتظار مقلق لـ"زكيه" و"نغم" بالشرفة وهم ينتظران عودة "شجن" من عملها بالمستوصف
خاصة عند ملاحظة "زكيه" لوقوف "راوية" بشرفتهم بالدور السفلي جعل قلبها يتخبط خوفًا من أن تُبلغ "صباح" وتعاد مشادة الصباح مرة ثانية
لكن هذه المرة "مأمون" ليس هنا ليخلصهم من أمه سوداء القلب
تهدج صدر "زكيه" بتخوف وهي تهمس بأذن "نغم"
_ "راوية" واقفة فى البلكونة هي كمان ، يا رب ما تقول لأمها
أسقطت "نغم" رأسها تتطلع بعيناها الواسعتان اللتان يظهران من أسفل غرتها المتدلية فوق عينيها بنعومة
ثم رفعت وجهها تجاه أمها بإمتعاض
_ واقفة فعلًا ، ربنا يستر منها ومن أمها
مصمصت "زكيه" شفتيها وهي تردف بإمتنان
_ كتر خيره "مأمون" إبن عمك ، لولاه كان زمان أمه بهدلتني الصبح
برودة سارت بجسدها للحظة وقد زاغت عيناها تتجول بين واجهات المحلات أمامها ثم أردفت بتشتت
_ أه والله ، كتر خيره
ضيقت أمها حاجبيها بقوة وهي تنظر بنفس الإتجاه الذى تنظر به إبنتها بتعجب
_ بتبصي على إيه
إضطربت "نغم" وهي تنكر بحثها بأعينها الواسعة
_ لا ولا حاجة ، بشوف "شجن" جت ولا إيه
"شجن" جات أهي ، حروح أفتح لها الباب
دلفت "نغم" إلى الداخل بتعجل تستقبل أختها التى عادت للتو
لحقتها "زكيه" بعدما إرتاح قلبها بعدم إبلاغ "راوية" لأمها بعودة "شجن" لا تدرى هل "رواية" لم تنتبه لها أم أنها لم تلحق بإخبار "صباح" لكن بالنهاية فقد مر الأمر بسلام وعادت "شجن" للبيت
_ حمد الله على السلامة يا حبيبتي ... تعالي ، تعالي
بنهاية يوم عادي بحياة غيرهن إلا أن روتين الحياة العادية وهدوئها يمر بحياتهم بصعوبة للغاية خاصة بوجود زوجة عمها التى تلاحقهم بكل الأوقات
جلست ثلاثتهن يتناولن الطعام لتزف "شجن" خبر فرصة عمل لأختها كمن إقتنص لها فرصة لا يمكن تكرارها
_ لا وإيه ، من بكرة أنا و"نغم" حنشتغل يمكن ربنا يتوب علينا ونطلع بره بيت العيلة بقى
بوجه قلق من رغبة إبنتها جلست "زكيه" ملتزمة الصمت لكن بداخلها رفض لما تتمناه إبنتها فلن تترك حقهم ببيت النجار لتهنأ به "صباح" فهو كل ما يملكونه من حطام تلك الدنيا
بينما علت وجه "نغم" إبتسامة سعادة لحصولها على فرصة عمل أخيرًا
_ المهم إني حشتغل وبعدها نبقى نشوف قصة البيت وقعدتنا ده
تنهدت "شجن" بتحسر
_ طيب
❈-❈-❈
كعجلة تدور فى الهواء تستنفذ طاقة عظيمة لكنها بالنهاية تدور فى الهواء ويضيع جهدها سدى
تمامًا كتلك المعادلات الرياضية التى بالنهاية محصلتها صفر
فإلى متى ستنفذ الطاقات فى هواء يتطاير مع الريح دون جدوى
إلى متى سأظل أتحمل ما لا أريده فقط لفكرة وضعتها بمخيلتى أن أخشى من الخسارة
وهل نفسى لا تعتد خسارتها من أولوياتي بعد
ها هى ساهرة بإرادتها تناظر الساعة التى تخطت الثالثة صباحًا
لا تشعر بالنعاس ولا الإرهاق ليس كمثل هذا اليوم الذى كانت تشعر برغبة قوية النعاس
أرادت لو أن لها الإختيار بموعد نومها وإستيقاظها كما هي الآن
لكن وقتها كانت مجبرة على السهر برغم رغبتها الملحة بالخلود للنوم وتناول قسط من الراحة
(فلاش باك)
ضغطت "وعد" عيناها بقوة قبل أن تفتح جفناها المرهقان تحاول إستعادة بعض النشاط والبقاء متيقظة قدر الإمكان رغم تخطى الساعة الثالثة صباحًا
تنهدت ببطء فقد أعياها هذا السهر خاصة وهي تستيقظ مبكرًا للغاية مع ولدها "زين" الذى أصبح يستيقظ مبكرًا للغاية بالآونة الأخيرة
كم كانت تود لو تغفو قليلاً ويكون لها الحرية في ذلك
لكنها تشعر بأنها مقيدة بكل تصرفاتها حتى بوقت راحتها ونومها فهي رهن إشارة بيت العائلة
عادت لتجلس بمقعدها بغرفة المعيشة الكبيرة بشقة والدى زوجها "عاطف" بهدوء تحاول تجنب أى نوع من المشاكل خاصة بوجود أخت "عاطف" الكبرى "عتاب"
تلك المرأة التى شارفت على عامها الثالث والأربعين والتى تحظى بمعاملة خاصة بهذا البيت كونها مطلقة تعيش ببيت والديها بحرية تتحكم بكل شئ به حتى بها أيضًا
_ هاتي يا ماما الريموت إللي جنبك ده
نطقت بها "عتاب" لتتولى أيضًا فرض رأيها على الجالسين لمتابعة ما تهواه هي فقط
"عتاب الأسمر" سيدة أربعينية نحيلة الجسم لها وجه محدب طويل وشفتان غالبًا ما تميلان بإمتعاض لكل ما يدور حولها فهي لا تستحسن شئ بالمرة
متسلطة كارهة للجميع برغم إظهارها لإهتمامها بكل ما يخصهم جميعًا كما لو كانت كبيرة تلك العائلة تعشق فرض السيطرة والشعور بالقوة
مدت أمها "قسمت الجويلي" يدها بالريموت كنترول تجاه إبنتها قائلة
_ أهو يا "عتاب" ، ما تخلي الفيلم ، ده حلو والله
رفعت "عتاب" ساقيها لتعقدهما أسفلها بنظرات متحكمة
_ لأ ، بايخ ، حشوف لكم فيلم حلو
لاحت نظرات إشفاق من أعين "وعد" تجاه ولدها الوحيد "زين" والذى تمدد أرضًا تغلُب عيناه النعاس وهو يلعب برفقة بنات "عتاب" الثلاث لتهتف به تنبه البقية لما توده لكنها كانت توجه حديثها لولدها بقصد إيصال طلبها بطريقة غير مباشر لوالدة زوجها
_ قوم يا حبيبي ننام فوق ، شكلك تعبان خالص
زمت "عتاب" أولاً فمها بإمتعاض من طريقة "وعد" الحانية وطلبها المرفوض رفضًا تامًا
_ هو إيه إللي قوم ننام فوق ؟!!! مش لما أبوه وجده وعمه يرجعوا من المعرض ويتعشوا سوا ؟!!! إنتِ حتعملي لك نظام لوحدك ولا إيه ؟!!
(ثم إستدارت تجاه والدتها تحفزها على الرد ).. ولا إيه يا ماما ؟؟؟ (ثم عادت تشير تجاه بناتها المستغرقات باللعب ) ... ما هم بيلعبوا وزى الفل ، بلاش سهوكتك الزيادة عن اللزوم دى ، دة ولد مينفعش تربيه بمياعتك دى !!!!
لحقتها "قسمت" تستكمل إستهجان طريقة "وعد" كما فعلت إبنتها
_ متخليش الواد يتعود على كدة ، لازم يطلع راجل ناشف زى أبوه ، وبعدين إزاى ينام وأبوه لسه مشافهوش ، ده طول اليوم بره
قلبت "وعد" خضراوتيها بين كلتاهما وبين ولدها الذى سقط نائمًا دون إكتراث لما تقولانه فهو طفل لا يتحكم بما يريده الجميع بل بشعوره بالإرهاق والتعب فقط
لتنهض حاملة إياه فوق كتفها ممتثلة لطلبهم دون مجادلة
_ طب هو نام ، خليه على السرير فى أوضة الأطفال جوه لحد ما يرجعوا
أشرت لها "قسمت" بالإيجاب لتميل "عتاب" على أذن أمها بعد أن دلفت "وعد" تضع ولدها بالفراش حتى عودة والده
_ هي مش حتبطل سهوكتها دى ، بتغيظني يا ماما ، دى واكله عقل "عاطف" مش بعيد تخليه يخرج عن طوعنا كلنا وإنتِ فاهمه
رفعت "قسمت" حاجبيها وأهدلتهما بمكر
_ طب إستني عليا ، إما خليت ليلتها سوداء على دماغها النهاردة ، قال تطلع تنام قال ، وإحنا فين هنا لما الهانم تطلع تنام وتسيبنا كلنا قاعدين نِخَدّم على جوزها عشان يتعشى ... ( ثم توعدت لها بأعين متحجرة وبريق قاسي ) .. صبرك عليا يا بت "عايدة"
وضعت "وعد" إبنها بالفراش ودثرته جيدًا متذكره حديث أختها "عهد" الذى تؤنبها به بكل لقاء بينهم لرضاها بحياتها الباهته مع عائلة محفوظ لتردف بتحسر
_ غصب عنى يا "عهد" ، أمال أسيب بيتى وجوزى وأرجع للوحدة تانى ، ولا يطلع عليا لقب مطلقة طول عمرى
سأمت من الإنتظار لكنها مجبرة فهذه حياتها ببيت عائلة زوجها وعليها التأقلم على ذلك
لم يمر وقت طويل حتى أُعلن عودة كبير العائلة برفقة ولديه بعد إغلاق المعرض وإنتهاء يوم عملهم بالتأكيد
خرجت "وعد" من الغرفة لإستقبال زوجها ووالده وأخيه
تقدمهم ببضع خطوات الحاج "محفوظ الأسمر" والد زوجها والذى دلف ملقيًا التحية أولاً
_ سلامُ عليكم
ترددت أصداء التحية ردًا عليه فيم بدأت "عتاب" بطريقتها المتملكة
_ وعليكم السلام يا بابا ، إتأخرتوا يعني النهارده ؟؟
جلس الحاج "محفوظ" يلتقط أنفاسه ويستمد بعض الراحة
_ "محب" كان بيجيب بضاعة وإستنيناه لحد ما العمال حطوها فى المخزن
نظرت "عتاب" نحو أخيها "محب" تود لو تستطلع كل التفاصيل عن العمل وتلك البضائع التى إبتاعها اليوم
_ هي البضاعة كانت كتير أوى كدة يا "محب" ؟؟
إبتسم "محب" وهو يطالعها بصمت للحظات طالت وهي تحدق بعيناها السوداوتين بملامحه الوسيمة لوجهه الدائرى ولحيته الخفيفة التى زادت من إشراقة وجهه الهادئ بخلاف ملامحها القاسية
إنتظرت بشغف مغلف بفضول أن ينطق موضحًا لكنه إكتفى بتلك الإبتسامة التى جعلتها تموج من داخلها بغيظ من طبعه الكتوم الذى يتخذه كلما سألته عن أى شئ
"محب الأسمر" هو الأخ الأصغر لتلك العائلة شخص هادئ للغاية محدد لأهدافه وأعماله دون التطرق لأى مواضيع جانبيه تثير الجدل من حوله
كتوم للغاية وغامض بشكل مثير للأعصاب
لا يوضح أى أمر بالمرة بل يترك الأمور على ما فُهمت عليه
لا يكثر من الحديث أو إيضاح ما يفكر به
له شخصية مختلفة مستقلة تمامًا
لكنه رغم ذلك يعمل مع والده بالمعرض الخاص بقطع غيار السيارات مشاركة مع أخيه الأكبر "عاطف"
صمت أثار حنق "عتاب" لتهتف به بضيق
_ الله ، ما تقول يا "محب" هو سر ؟!!!!
غمز "محب" بعينه اليسرى قبل أن يجيبها وهو يدلف نحو داخل الشقة
_ لأ ، إسالي "عاطف" ، أنا داخل أغير هدومي لحد ما تحضروا العشا
زمت فمها جانبيًا وهي تردف بتملل
_ طب يا أخويا ، خد بالك "وعد" دخلت تنيم "زين" على السرير جوه فى أوضة العيال
رفع حاجباه وأهدلهما بإدراك دون الرد ليستكمل طريقه نحو غرفته ليتقابل مع "وعد" التى خرجت للتو لإستقبالهم
_ إزيك يا "محب"
( قالتها وهي تعبر من جواره نحو الخارج دون حتى إنتظار رده الذى لم يكن سوى إيمائه خفيفه لم تنظر حتى "وعد" إليها )
خرجت "وعد" لملاقاة "عاطف" الذى كان يجلس إلى جوار والدته لتحاول شق إبتسامة مرهقة فوق شفتيها
_ حمد الله على السلامة يا "عاطف"
عقص "عاطف" أنفه مظهرًا استيائه فيبدو أن والدته لم تتروى ببث سُمها فتلقته فور دخوله على الفور
ليُظهر "عاطف" أمامها أنه رجل ذو خشونة يفرض سيطرته على زوجته أمام الملأ ليطالعها بداية الأمر بإزدراء ثم بدأ سلسة إهاناته المعتادة
_ لا والله ، لسه فاكره يا *** **** تيجي تشوفي جوزك ...!!!
تهدج صدرها بقوة إثر سُبابه دون داعي فقط ليرضي والدته التى إعتلى ثغرها تلك البسمة الشامته
هي لا تقبل الإهانة ولم تعتادها بحياتها
لم عليها أن تتقبل هذا الإسلوب المهين الذى يتعامل به معها بعدما تزوجا
لم يكن هذا طبعه الذى أحبته
لقد كان لطيفًا ذو خلق
ماذا حدث ليظهر هذا الوجه المقيت المغثى لروحها
رغمًا عنها ولحساسيتها الزائدة إختنق صوتها بشدة وغامت خضراوتيها بدموع حاربت ألا تخرج الآن لكنها أبت الإنصياع لها
_ فيه إيه يا "عاطف" بس ، ده أنا يا دوب نيمت "يوسف"
إستقام "عاطف" ليظهر طوله إلى جوارها متشدقًا برأسه ليظهرها أدنى من أن تصل إليه ويجعلها ترفع من رأسها بصورة ملحوظة ليستكمل بزمجرة
_ وهو ده وقته تنيميه ، هو أنا مش جاى عشان نقعد سوا ... ( حدجها بمقلتيه الحادتين ببريق مخيف جعلها تنكمش أكثر من رد فعله المنفعل ) ، ولااااا لازم تمشي إللي في دماغك ...!!!!
رفعت كتفيها للأعلى بقلة حيلة
_ هو نام ، مش أنا إللي نيمته ، أعمل إيه ، ده طفل أربع سنين يعنى
قبض زندها بقوة تخللت أصابعه الطويلة بداخله وهو يكز بأسنانه بغضب
_ مش بمزاجك ، ولا بمزاجه على فكره ، غوري يا *** ***** صحيه
يبدو أن لسانه إعتاد على تلك الشتائم والسباب بدون داعي لكن أذنيها لم تعتادها بعد لتخفض عيناها بتيهه منكسرة من إنفعاله وسُبابه خاصة أمامهم جميعًا لتضطر للإنسحاب لداخل الغرفة لتحضر "زين" وتهرب من تلك العيون السعيدة بمشاهدتها وهي تُعَنَف من إبنهم الفارض لقوته أمامهم
إشرأب بعنقه بخيلاء وهو يعود لمقعده بعد تحرير "وعد" من بين يديه يلقى بنظرة تجاه والدته تفيد بـ (أرأيتي فأنا رجل قوى وأستطيع كسر أنفها ) ثم علت ثغره بسمة إنتصار وتلذذ قابلتها ما تماثلها بثغر "قسمت" و "عتاب"
خرجت "وعد" حاملة "زين" الذى كان مستاءًا للغاية فهو لم يستغرق بالنوم لحقهم "محب" الذى دار بعيناه بوجه الجميع يحاول فهم ما حدث والسبب به لكنه لن يتدخل بين "عاطف" و "وعد" حتى لا تطاله كلمة غير مسؤولة من أخيه الأكبر بعدم التدخل بينهم
تناول الجميع طعامه ليصعد "عاطف" و "وعد" و"زين" شقتهم بينما خلد البقية للنوم
رغم خطأه بطريقته الفظة لإرضاء والدته وأخته إلا أنه لم يحبذ أن يتطاول عليها بتلك الطريقة لكنه لن يعترف بخطئه أو يعتذر منها فهو بالنهاية "عاطف الأسمر" الذى تسعي كل بنات حواء لإرضاءه وعليها هي أيضًا البحث عما يرضيه
هكذا قالها لنفسه لينهي الليلة بكبر نفس وضيق غير مبرر رغم محبته لها
كم تمنت لو أن تلك الليلة إنتهت بكلمة أسف حانية لكان الأمر تبدل تمامًا
لكانت تغاضت عن تطاولة وإهانته لها
لكانت أحبته
صدع بداخل نفسها كان سببه "عاطف" ولم تستطع ترميمه أو تخطيه فقد بدأ بهدم أول حجر بعلاقتهما سويًا دون أن يدرى
❈-❈-❈
ليل عاصف طويل لم يخلو من أصوات الرعد وتلك الومضات التى لم تتوقف من أنوار البرق الذى يدب بقلب "عهد" المرتجف فهي لا تخشى سوى أصوات الرعد كصرخات ينتفض لها جسدها
لم يحميها من تلك الأجواء سوى وجودها بهذا الكوخ
وبساعات الصباح الباكر إستيقظت "عهد" بموعدها دون تلكؤ أو تأخير تمامًا كما لو أن هناك منبه طبيعي يدق برأسها
لملمت شعرها الحريرى بقسوة حتى لا تضايقها خصلاته التى تنفلت من وقت لآخر لكنها مازالت ترتدى الكنزة الرمادية الخاصة بـ"كاتينا" منذ الأمس
هبطت الدرج تقلب أرجائه بمقلتيها الساخطتان من هذا الهدوء الذى يعم أرجاء الكوخ فيبدو أن أصحابه كالوطاويط ينامون نهارًا ويستيقظون فى الليل فيا لهم من كسالي لتغمغم بنبرة خفيضة
_ أتاريهم بيقولوا لبعض صباح الخير العصر ، ناس مغيبه
قالتها ترفض حياتهم ورعونتهم كما لو أنها عُينت وصية عليهم وعلى تصرفاتهم وليست ضيفة بهذا المكان
رغم أن حياتها لا تختلف عن هذا الهدوء الذى يحيطها الآن إلا أن كسلهم إستفز روحها من داخلها خاصة هذا الرجل
أطاحت بتلك الأفكار جانبًا لتتجه نحو زاوية الطبخ محدثه نفسها
_ وهو أنا حفضل لحد ما يقوموا جعانة كدة ، مش كفاية القرف اللي أكلهولي إمبارح ، لا أنا حشوف حاجة أكلها
إتجهت نحو تلك الزاوية التى صممت كمطبخ مفتوح لتلقي نظرة تفحصيه داخل المبرد كما لو كانت تملك المكان وليست ضيفة به
شعور بالرضا دق بداخلها حين وجدت بعض المعلبات ومنهم علب الفول الذى اشتاقت له لتسحب إحداها وتبدأ بصنع إفطار مصري أصيل من عدة أصناف تعوض به نفسها عن تلك الوجبه السيئة التى تناولتها بالأمس
أنهتها بصنع مشروب الشاي بالنعناع الذى لا تستغنى عنه ببداية يومها
وضعت الأطباق فوق الطاولة وقد أعدت وجبتها الشهية لكن ينقصها فقط الخبز
عادت للمبرد تبحث عنه فهي لا تعلم أين يحتفظان به
صوت أرجف قلبها قبل جسدها لتلتفت بأعين متسعه وهي تزدرد ريقها الذى جف للحظة وهي تطالع صاحبه الذى وقف من خلفها
_ العيش فوق ، ومتنسيش تعملي حسابي
إستقامت بصمت تناظره وقد علت قاتمتيه عن نظرة مبهمة غير مفهومة بالنسبة لها
نظرة كمن يستكشف ما بداخلها بإختراق لكل حصونها وهي عاجزة عن ردها
إنتهت بجلوسه بمقعد حول الطاولة وهو يطالع الأطباق بتلذذ
_ الواحد وحشه الأكل المصري وطبق الفول
إرتشف رشفة من كوب الشاي خاصتها ثم أغمض عيناه بإستمتاع لمذاقها الطيب
تعالت ضربات قلبها بقوة وما تعجبت له هو تلك الإبتسامة التى حاولت تشق طريقها فوق ثغرها لتنتبه لنفسها وتستعيد تماسكها وخشونتها مرة أخرى لتخرجه من تلك الحالة الهائمة بإستمتاع تناوله لطعامها وإحتساء كوب الشاي خاصتها لتهتف به بضراوة
_ حاسب حاسب ، ده فطاري يا أخ إنت ... أنا جعااانة
أخرجته خشوتها من حالة التلذذ الذى كان يهيم بها ليفتح جفناه ممتعضًا بتهكم
_ طوبة بتتكلم ، ده بيتي ده إللي إنتِ مبرطعه فيه
قالها بإستفزاز ليحث ثورتها على الخروج فكم كان مستمتعًا بالأمس من إثارة أعصابها وحنقها
بإقتضاب لوجهها وعقص أنفها أجابته بإستهزاء
_ حدفع لك تمنه يا أخويا ، وروح خلي العصفورة بتاعتك تعمل لك عك من بتاعها تاكلوا ، ربنا يوجع بطنكم زى ما وجعتوا بطني
أجابها وقد قُلبت ملامحه بتذكره لطعام "كاتينا" سئ المذاق
_ الله يسامحك يا "كاتينا" ...( ثم تطلع نحوها بطرف عيناه ليكمل بإثاره غيظها ) ... أكلها وحش بس هي زى القمر
بإيمائه تمثيليه توحي بالتقزز وهي تشمئز بأنفها وتخرج طرف لسانها عقبت "عهد"
_ خليها تنفعك
قالتها وهي تسحب الأطباق لجانبها تحرمه من تذوق طعامها
بينما شعر "معتصم" بشئ يدغدغ مشاعره تجاه تلك الوقحة التى تطلق الكلمات كطلقات الرصاص
طريقة جافه لكنها جذبت إنتباهه بقوة
غريبة قوية فريدة من نوعها
لم ينكر أنه إنجذب إليها دون سيطرة منه على نفسه لكنه أخفى ذلك خلف قناع النفور وهو ينحى بعيناه بالإتجاه المقابل
أعاد وجهه تجاهها متحدثًا بقوة يعقد معها إتفاق بإسلوب إسترق إنتباهها وكيانها معه
_ حنتفق إتفاق ، الأكل ده بتاعي ، وإنتِ إللي عملتيه نبقى خالصين ، واحدة بواحدة، ناكل سوا ونرتاح شوية من أكل "كاتينا" بس المهم ميبقاش فيه أكل مشطشط ، لأن أنا بتعب منه
طريقته أعجبتها للغاية لتزم فمها ببعض الإنتصار وهي تومئ بالموافقة قبل أن تدفع بالأطباق مرة أخرى لمنتصف الطاولة قائله
_ موافقه
مشاكسة لطيفة إنتهت بتناول الطعام
رغم إجتياح هذا الاضطراب الغريب كليًا عليها إلا أنها حاولت أن يكون كل همها هو تناول الطعام
بينما إنهمك "معتصم" بتناوله بشهية فقد ذكره مذاق هذا الطعام بما كانت تعده والدته "منار" فهي طباخة ماهرة رغم كونها طبيبة ذائعة الصيت أيضًا
رغم هذا الصمت وبعد تناول الوجبة إختفى "معتصم" تمامًا عن مرآى "عهد" فيبدو أنه خلد للنوم مرة أخرى
بـنظافتها المثالية أعادت "عهد" كل شئ لموضعة تمامًا قبل أن تحمل ملابسها التى جفت لتعود لغرفتها لتبديلها فهي لا تشعر بالإرتياح بغير ملابسها لتعود للونها الذى يطابق شخصيتها
اللون الأسود
❈-❈-❈
بيت عائلة دويدار
عرف الكرم بأهله ما بال أهل الكرماء
لم تكن تلك العزيمة مجرد طعام يصنف بأشهى أطباقه لكنها المحبة التى تولد بهذا القرب
لم يكذب من قال أن العيش والملح وثاق القلوب
وهذا ما تفعله "منار" وزوجها
فقدر المستطاع يجب أن يتجمع أبنائها وزوجاتهم بالمستقبل بوليمة تقربهم منهم ويشعرون بها بحميمية العائلة
تلك الحميمية التى ينقصها "معتصم" الغائب بعمله عنهم
إستيقظت منذ ساعات تحضر بتلك الأصناف الشهية من الطعام لأجل عزيمة غذاء اليوم
دفء وروائح شهية مختلطة زجت بأنف "خالد" الذى وقف بباب المطبخ مقتضب الوجه مشفقًا على تلك التى أفنت وقتها بداخله
_ لزومه إيه ده كله ، بتتعبى نفسك على الفاضي يا "منار" ، طب كنتِ أجلتي العزومة دى لما ترجع "أم مجدي"
رغم إرهاقها إلا أنها إبتسمت مجيبة إياه بمحبة أم متفانية
_ يا سلام ، ما نتجمعش عشان "أم مجدي" ، وبعدين أنا مبسوطة وإحنا متجمعين النهاردة ، عقبال ما يرجع "معتصم" هو كمان ويتلم معانا
ضحك "خالد" لتلك المفارقة
_ "معتصم" !!! هو إبنك ده بقينا نشوفه ، ده شغله واخد وقته كله ، ده غير إنه رافض موضوع الجواز ده ، يعنى عمره ما حييجي ويتجمع معانا ومعاه مراته ولا خطيبته
_ "معتصم" شخصية متعبة ، ومش أى واحدة تعجبه ... المهم ، محدش من الولاد جه ؟!
أشار "خالد" تجاه الخارج قائلاً
_ رؤوف هنا كدة كدة ، بس لسه ولا "عيسى" ولا "غدير" نزلوا ، ولا حتى "نيره" جت
_ متنساش كمان "مودة" أخت "غدير" أنا قلت لها تيجى
رغم طبعه القاسي إلا أنه إستحسن تلك الفكرة قائلاً
_ كويس إنك عزمتيها ، البنت دى بتصعب عليا أوى ، عيشتها لوحدها كدة تصعب عليكِ
_ صدقت والله ، من يوم جواز "عيسى" و"غدير" وهي لوحدها خالص
دق جرس الباب بصورة مزعجة للعديد من المرات المتتالية لكنهم لم يتضايقوا بالمرة فتلك الدقات تُعرف صاحبتها بالتأكيد
_ دى أكيد "غدير"
نظر "خالد" تجاه باب المطبخ قبل أن يخرج مؤكدًا ذلك
_ طبعًا هي ، زمان "رؤوف" فتح لها
دلفت "غدير" بجلبتها المحببة
_ إيه الروايح إللي تفتح النفس دي ، أموت أنا
عقبت "منار" بعفوية
_ بعد الشر عنك ... تعالي يا "دورا" أحسن أنا تعبت من بدرى
قضبت "غدير" حاجبيها بتصنع للضيق
_ ما هو إنتِ نشيطة أوى زيادة عن اللزوم بصراحة ، حد يصحى الفجر يطبخ يا دكتورتنا ، ده كلام
_ بطلي غلبة وخدى البطاطس قشريها
أوسعت "غدير" من حدقتيها وهى تمد كفيها تعجبًا
_ بطاطس إيه !!! إحنا متفقناش على كدة ( ثم إستدارت تجاه "خالد" بإندهاش ) .. إلحق يا عمووو ، المدام عايزاني أقشر البطاطس ، أنا جايه آكل ، أملا كرشي بنجاح ... إنتوا بتستغلوني ولا إيه
رغم مزاحها إلا أن "خالد" طلب من "منار" ألا تتعب "غدير" بمساعدتها
_ خلاص يا "منار" ، بلاش تتعبي "غدير"
عادت "غدير" بإندهاشها تجاهه ممازحة إياه
_ إيه يا سيادة المستشار ، حتوقعني مع حماتى ولا إيه ، خلاص نقشر والأمر لله وأهو كله بثوابه
رفعت وجهها تجاه "منار" و"خالد" المبتسمان من طريقتها التى لا يتخيلوا يومهم بدونها لتجلس خلف الطاولة تقشر حبات البطاطس قائله
_ صوروني بقي فيديو عشان أنزله على النت وأقول حماتى مصحياني من النجمة عشان أقشر لها البطاطس
قهقهات عالية صدحت بالمطبخ من طرافتها وخفة ظلها لتتعجب من ضحكتهم كما لو أنها تتحدث بجدية
خرج "خالد" ليعود لغرفة المعيشة يتصفح أحد كتبه حتى ينتهوا من تحضير الطعام
دلف "خالد" لغرفة المعيشة مستمعًا لنهاية مكالمة "رؤوف" مع "نيره"
_ نازلك حالاً يا "نيرو" ، إركني بس عربيتك وأنا حالاً يا قلبي حتلاقيني قصادك
فهم "رؤوف" نظرات والده التى تتهمه بالضعف ليردف بتعجل
_ حبيبي وحبيب الكل ، حنزل أجيب "نيره" من تحت ، دقايق وراجع لك
رفع "خالد" حاجباه بإستنكار لحديث ولده اللين مع الجميع فيما تركه "رؤوف" راكضًا ليستقبل "نيره" التى وصلت للتو
صفت "نيره" سيارتها الصغيرة لتلاحظ من خلف نظارتها الشمسية "رؤوف" الذى وصل لإستقبالها
نشوة إعترت نفسها وهي تلمح إبتسامته الواسعة وتلهفه لها
شعور بنوع من الغبطة والخيلاء لهذا الإهتمام الذى يخصها به
ترجلت بهدوء من سيارتها لتجده يرحب بها بحديثه المعسول الذى يتصف به
_ نورك غطى على نور الشمس يا نور حياتي
_ ده واضح إن المزاج عالي النهاردة ؟!!!( قالتها "نيره" ببعض التهكم تستحثه على المزيد )
_ لازم يبقى عالي ، مش حنقضى اليوم كله مع بعض النهاردة
تلك فرصة لن تتركها لتؤكد عليه محذرة
_ أنا عديتها النهاردة ، بس بكرة لازم نروح معرض الموبيليا تمام
أشار إليها باسطًا كفه نحو مدخل البناية وهو ينحني بطريقة تمثيلية إستعراضية
_ تحت أمر مولاتي ، إتفضلي بقي
تقدمته بخطواتها الرنانة إثر دق كعب حذائها العالِ كما لو كانت تسير على السجادة الحمراء بزهو سببه حبيبها الذى يضعها بمكانة خاصة عالية للغاية
فور صعودها إلى شقة والديه همس لها "رؤوف" منبهًا إياها
_ ماما و"غدير" في المطبخ ، تحبي تروحي لهم ولا تقعدي معايا أنا وبابا شوية
رغم إمتعاضها لمساعدة والدته التى لا تحبذها لكنها قررت المرور بها بدلا من بقائها مع والد "رؤوف" فهو جاد للغاية وتشعر بالحرج من حديثها معه
_ طيب نسلم عليهم وبعد كدة أقعد معاك ومع عمو "خالد"
_ حبيبي إنتِ
وقف "رؤوف" بباب المطبخ منبهًا والدته بحضور "نيره"
_ ماما ، "نيره" جت
إلتفتت "منار" نحو خطيبة ولدها بإبتسامة واسعة لترحب بها بحفاوة
_ "نيرو" حبيبتي ، منورة طبعًا ( قبلتها بسلام حميمي ثم إلتفتت نحو "رؤوف" معاتبة) ... كدة برضة تجيبها على المطبخ كدة ، كنت ناديني وأنا آجي أسلم عليها
أجابتها "نيره" بدبلوماسية
_ أنا إللي قلت له يا طنط ، وأهو أساعدكم شوية
_ جميلة إنتِ يا "نيرو" ، إحنا خلاص قربنا نخلص ، متتعبيش نفسك
_ أهو أقعد معاكم شوية
_ لو كدة تنورينا
أشارت لها "منار" بالجلوس على المقعد المجاور لـ"غدير" التى وقفت لتحية "نيره" منذ أن دلفت للمطبخ الكبير
دنت "نيره" تحيي "غدير" التى تقبلت تحيتها بروحها الطيبة وهي تأشر لها بمشاركتها بالجلوس معهم
_ تعالي يا "نيرو" ، المطبخ يساع من الحبايب ألف
ثم بدأت بمزاحها المعتاد وتجاذب أطراف الحديث من هنا وهناك
لم تكن "نيره" قادرة على مواكبة كل تلك الموضوعات التى تتطرق إليها "غدير" فكانت تكتفي ببعض الردود البسيطة أو إبتسامات وتعجبات من حين لآخر حتى دق هاتف "غدير" برقم "مودة" تخبرها بقدومها لتنهض "غدير" قائله
_ حروح أجيب "مودة" وجايه على طول ، معلش بقي البنت مكسوفة تدخل لوحدها
أومأت لها "منار" بالتفهم لتستكمل حديثها مع "نيره" وهي تنتهي من اللمسات الأخيرة للطعام
لحظات وقد عادت "غدير" بصحبة "مودة" للمطبخ وبعد تحية خفيفة من "مودة" التى تشعر بالحرج إكتفت بجلوسها على آخر مقعد حول الطاولة فيما وقفت "غدير" تشاهد تذوق "نيره" لشئ ما
قضبت "نيره" ملامحها قليلاً وهي تنظر لـ "منار" كخبيرة بالتذوق قائله
_ محتاج ملح يا طنط
_ متأكدة ، أنا خايفة أزود له ، بس شوفوا ذوقكم إنتوا اللي حتاكلوا
_ اه طبعًا ، باين خالص
أشارت "منار" تجاه "غدير" قائله
_ تعالي إنتِ كمان يا "دورا" ، أنا قلت لـ "نيره" تدوق الخضار تشوف الملح ، شوفي كدة إنتِ كمان عاوز ملح ، إنتِ عارفة إحنا بناكل بملح قليل عشان الضغط ، شوفوا إنتوا محتاج زيادة ولا إيه ؟!!.
هبت "غدير" للتذوق رغم خبرتها القليلة بهذا الأمر لكنها متذوقة بارعة
_ أشوووف
تذوقت القليل لتهتف بحماسها
_ ده فله ، شهد مكرر ، يا خرااابي مفيش زيه ، ولا غلطة يا "منوره" تسلم الإيد اللي طبخت والبوق اللي أكل
تعليقها الساخر أطلق قهقة خفيفة من "منار" لتعقب
_ يا بكاشة
ضمت "نيره" شفاهها بضيق وهي تطالع "غدير" بنفس مشحونة لما تتمتع به شخصيتها من سرعة الإنفعال
_ يعني أنا كدابه ... ؟؟! ولا مش بعرف أدوق ؟!!
إلتفت "غدير" تجاهها لتعقب بنفسها المرحة
_ ده يمكن عشان إنتِ سكر ومن كتر الحلو حسيتي إنه عايز ملح ، بس إنتِ إللي سكر أصلا ..( لم تدع مجالاً لضيق نفس "نيره" بعد تعليقها الأقرب للمدح لتكتفي بذلك دون داعي لأى ضيق من هذا الأمر البسيط )
إكتفوا جميعًا من وجودهم بالمطبخ ليخرجوا نحو غرفة المعيشة الكبيرة لمشاركة "رؤوف" و "خالد" حتي مجئ "عيسى" لتناول الطعام جميعًا
❈-❈-❈
روسيا، الكوخ
فاصل زمني طويل بين وقت تناول فطورها بالصباح ورؤيتها لأصحاب الكوخ مرة أخرى
تمللت "عهد" من التجول بأرجاء الكوخ لمدة لا بأس بها وتصفحها لجهازها اللوحي لبعض الوقت
وأخيرًا أهلت "كاتينا" تتقدم نحوها كهولاء العارضات بخطوات رشيقة للغاية
ترتدي منامة وردية ناعمة دبت الغيره لترجف كيانها فهل سيراها "معتصم" بتلك المنامة القصيرة التى تبرز ساقيها النحيلتين
إحساس نهرت نفسها عليه لكن سرعان ما عللت ذلك لنفسها بأن "كاتينا" ليست بزوجته ليراها بتلك الصورة الخليعة
أرادت لو أن تنقض عليها كثور هائج تجرر تلك الشقراء تمسح بها أرضية الكوخ لحظة أن وقعت عيناها عليها
لكنها تداركت نفسها وكظمت غيظها قائله بهمهمة
_ سحلية صحيح
هزت "كاتينا" رأسها بعدم فهم لترد بظنها أن "عهد" تحييها تحية الصباح
_ صباح الخير لكِ أيضًا عزيزتي
رفعت "عهد" فوق ثغرها تلك البسمة المتكلفة قائلة بصوت مسموع
_ لا وغبية ما شاء الله
أومأت "كاتينا" كما لو كانت تفهم لغة "عهد" لتردف بحماقة
_ أها ... شكرًا
أشارت "عهد" بإبتسامة تجاه الأريكة مستمتعة بغباء "كاتينا" وعدم فهمها ما تقول
_ أقعدي يا أم سحلول ... أقعدي
جلست "كاتينا" لفهمها إشارة "عهد" رغم عدم إدراكها لما تقول
رفعت "كاتينا" عيناها أولًا تجاه الدرج تتأكد بأن "معتصم" لم يأتي بعد لتعود تحدث "عهد" بنبرة هامسه وسط حماسها المفرط
_ أود أن أخبرك شيئًا ما ، وأتمنى مساعدتك طالما ستبقين معنا لبعض الوقت
برغم أن المساعدة ليست من طبعها إلا أن الفضول إعتراها لمعرفة ما تخبئه تلك الضئيلة بجعبتها لتردف بتعاون شديد
_ بالتأكيد ، سأساعدك بالطبع ... لكن بما سأساعدك ...؟!!
لملمت "كاتينا" إبتسامتها العريضة المتحمسة مستكملة
_ إن غدًا عيد ميلاد "ماوصي" وأود أن أحضر له مفاجأة
غمغمت "عهد" بتهكم
_( يا دي "ماوصي" ...كأنك بتتكلمي عن فار مش راجل قد الحيطة ... قال "ماوصي" قال ...!!! )
هزت "كاتينا" رأسها بعدم فهم
_ معذرة .. ماذا تقولين ؟!!
_ أقول يا لحظ "ماوصي" .. أكملي أكملي ...
قالتها بإبتسامة تشنج لها وجهها فهي لم تعتاد أن تظل مبتسمة طوال هذا الوقت من قبل
إستطردت "كاتينا"
_ سأصنع كعكة عيد ميلاد له وأود منكِ أن تشغلي "ماوصي" حتى تصبح مفاجأة ، هل يمكنكِ ذلك ؟!!
إبتسمت إبتسامة حقيقية تلك المرة وهي تردف بالعربية أولا
_ أول مرة تقولي حاجة عليها القيمة ...
ثم أجابتها بالإنجليزية حتى تفهمها
_ على الرحب والسعة ، لا تشغلي بالك بهذا الأمر ، فقط دعيه لي
بإمتنان بالغ هزت "كاتينا" رأسها لقبول "عهد" مساعدتها بهذا الأمر
إنتبهت كلاهما على وقع خطوات "معتصم" أعلى الدرج ليتابعاه حتى إقترابه منهم وهو يقول بتكاسل
_ صباح الخير
أجابته "كاتينا" بهيام
_ صباح الخير "ماوصي"
بينما أجابت "عهد" بغلظة
_ هو إنت الصباح عندك كام مرة ...!!
عقد أنفه وهو يتشدق بحاجبه الأيمن بإستنكار من تلك فظة الحديث
_ عشرة ، ليكِ فيه .. ؟!!
ثم أكمل ساخرًا من ملابسها السوداء مقارنة بما ترتديه "كاتينا" الناعمة
_ خير يا حاج "فتحي" رايح عزا ولا إيه ؟!!!
إرتفع وجهها بصدمة لتعلو ملامحها الضيق والغضب من تطاولة لتجيبه بهجوم شرس كضبع قد إنقض على فريسته بشراسة
_ ده إحترام يا أخويا ، ما إنت صحيح واخد على المهزقين
ثم رمقت "كاتينا" بإزدراء تقصدها بحديثها ليستكمل هو مناوشته معها بإستمتاع
_ أقله دي بنت يا حاج "فتحي" مالك إنتَ ومال البنات بس
أثار حنقها بسخريته منها بشكل يفوق تحملها لتنهض بإنفعال تدب قدميها بالأرض بقوة أثاء صعودها الدرج متجهه نحو غرفتها
من يظن أن الفولاذ طيع سيتبدل ويتلوى
منذ متى تتغير الثوابت
متى تهتز الجبال
إنه ذلك البركان الذى إستطاع بسهولة إشعال ثورته ليتفتت هذا الفولاذ كسيل منصهر
أو ربما لم تكن فولاذ فقط تتصنع التحلي به ومن داخلها هشة كورقة متخبطة برياح الشتاء العاتية
أغلقت "عهد" الباب من خلفها بصفق قوى ليتعالى صدرها صعودًا وهبوطًا بإنفعال غاضب
ثائرة من سخافته وتعليقاته التى لا تشبهها
دلفت تدور حول نفسها بداخل الغرفة تغمغم بسخط
_ أنا ؟!!!! أنا يقول عليا الحاج "فتحي" .. ؟!! ليه !! مشبهش يعني ...؟!!
لمعت عيناها ببريق تحدي لا تدرى أنها بهذا تتغير وتتبدل لأجله
هي التى لم تكترث ولم تبالي يومًا بمثل تلك التعليقات السخيفة
لكنها الآن تريد أن تثبت له أنها مختلفة
قادرة على أن تكون ما لا يمكنه تخيله
_ طيييب ، وربنا لأوريك مين هي "عهد مسعود"
أسرعت نحو الخزانة حيث وضعت "كاتينا" لها بعضًا من ملابسها لتقلب بينهم بضجر فرغم كونها تريد إظهار أنها ليست رجلاً جافًا إلا أن تلك الملابس مازالت لا تناسبها
بالنهاية أخرجت فستان قصير باللون الأبيض المموج باللون الأخضر والأصفر وهي تزم شفتيها ساخرة
_ فستان الأوزعة دي يا دوب ييجي عليا بلوزة ...!!!
لتعتبر هذا الفستان بمثابة قطعة علوية فقط لتبحث عن بنطال يناسبه
لم تبحث كثيرًا فقط وجدت بنطال من اللون الأبيض الضيق ربما يصلح لهذا الفستان
خلعت سترتها السوداء وتلك الكنزة التى تماثلها لترتدى هذا الفستان يعلو البنطال الضيق الذى وصل طوله لمنتصف ساقها الطويلة
تطلعت بهيئتها الجديدة بالمرآة وهي تسحب عقدة شعرها الذى شعر بحريته أخيرًا مناسبًا بنعومة فوق كتفيها
نظرت لوجهها الذى تبدلت ملامحة بلحظة لتظهر عيونها الناعسة المثيرة ووجنتها العريضة وجمالها المختفي خلف السواد لسنوات مضت
أكسبها لون الفستان المبهج نعومة وإثارة من نوع خاص
نوع لم يمر بها من قبل
مالت تحدق بعيناها كما لو أنها تطالع صورة متحركة لشخص آخر
فتاة جميلة لا تعرفها والغريب أنها تتمتع بأنوثة لم تكن تظن أنها تتمتع بها خاصة مع طول قامتها الممشوقة
لأول مرة تبتسم لنفسها برضا وإعجاب عن هيئة أنثوية لها لتهمس بتحدى
_ وريني بقى فين الحاج "فتحي" ..!!!
بتلك العبارة أنهت مهمتها بالغرفة لتخرج منها بغرور من نوع آخر تتوق لرؤية نظرته إليها الآن
تعمدت إصدار صوت بقدميها أثناء هبوطها لتجذب إنتباههم نحوها وبالطبع نجحت بذلك
سلطت عيناها عليه هو ، وهو فقط تود إقتناص تلك النظرة من عيناه حين إستدار ينظر بإتجاهها
بخطوات بطيئة متعمدة تحركت فوق درجات السلم الخشبي تتلاقى عيونها الباحثة عن غائرتيه
رفع "معتصم" عيناه بعد إلتفاته نحو الخلف بعدما إستمع لوقع أقدامها المعلنة عودتها بشغف للقاء جديد مع الوقحة
لكن ما لم يحسب حسابه هو ما وقعت عيناه عليه الآن
ويبقى للأحداث بقية
انتهى الفصل السادس
رواية ظننتك قلبي الفصل السابع 7 - بقلم قوت القلوب
الحياة خطوات تبعُد وتقترب، خطوة تدفعنا نحو السعادة وأخرى تزجنا في الهاوية، لكنها تبقى مجرد خطوات تبدأ دومًا بالخطوة الأولى.
تلك الخطوة التي إذا تخطيتها لم يعد هناك مجالًا للتراجع، خطوة تنزلق بعدها أقدامنا بالطريق الذي اخترناه.
فياليت الخطوات تُقرب المسافات بين القلوب، فلو كانت المسافات تُباع لكنت اشتريت أقربها إليك.
بيت المستشار خالد دويدار.
بعد الانتهاء من تجهيز كل تلك الأصناف الشهية من الطعام، والتي قامت "منار" بتحضيرها دون مساعدة بالطبع، إلا من لمسات بسيطة من الثلاث فتيات اللاتي ملأن الأجواء بانتعاشة وليونة غير معتادة على هذا البيت الذكوري البحت.
خرجن من المطبخ وكلا منهن تتحدث بأريحية تامة، بينما كانت "مودة" أكثرهم هدوءًا وصمتًا، ليس لأن تلك عادتها، فهي بعيدة عن ذلك تمامًا، بل لأن ما تشعر به هو بُعد المسافات بينها وبين من سرق قلبها بلا منازع، لكن للأسف رغمًا عنها.
رغم بساطتها وروحها المرحة واستقامتها المشهود لها كأختها تمامًا، إلا أن هذا العشق الذي أحيا قلبها مرفوض تمامًا من عقلها ومن المجتمع ككل، رغم عدم تصريحها به لأي مخلوق، حتى "غدير" لم تخبرها بالأمر مطلقًا، فهي تعلم مسبقًا رد فعلها إذا علمت بذلك.
لتخفي عشقها بأسوار قلبها المنيع وتستجدي عقلها بالتصرف، فهذا القلب الذي يهوى لا تملكه بين يديها، بل سرقه منها هذا الواقف بغرفة المعيشة دون سابق إنذار.
تطلعت "مودة" بعيون يملؤها الشوق لرؤية "رؤوف"، الذي اتسعت ابتسامته المرحبة بحفاوة بوجود أخرى، نظرات لا تشملها بل تتجه نحو من تستحقها "نيره"، فهي خطيبته والتي من المفترض أن يتم زواجهم بعد شهور قليلة.
دقات متضاربة داخل صدرها يعلن اشتياقها وحبها له، لكنها عادت ونكست عيناها تنشغل بأي شيء حولها حتى لا تفضحها نظراتها العاشقة المتيمة.
كم هو مؤلم قاسٍ شعور المحب من طرف وحيد، كمن أمسك الجمر بيداه ليغرسه بقلبه متعمدًا، وكيف متعمدًا، بل هو مجبر على ذلك دون إرادته.
تابعت بصمت حديث المحيطين من حولها دون التدخل، تؤثر البقاء هادئة حتى لا تظهر أي مشاعر تجاه "رؤوف"، الذي بدأ حديثه.
التجمع ده مخلي البيت حاجة تاااانيه، ما تبقوا تيجوا كل يوم.
قالها بغمزته اللطيفة التي سرقت قلبها لتبتسم لطفه وحديثه المنمق، لكن الرد كان من "نيره".
أنا لولا طنط "منار" وأونكل "خالد" مكنتش جيت النهاردة، إنما إنت تؤ لأ.
قالتها تستفزه بحديثها الذي يشوبه بعض الجدية رغم ما تظهره من مزاح، لتكون إجابته برومانسية تمثيلية دبّت بغيرة بقلب "مودة" وهي تطالعهما معًا.
وأهون عليكِ برضة، ده أنا "أوفه"، حبيبك.
(أنهى جملته بغمزته التي أطلقت ضحكة "نيره" برضا)
يعني شوية.
ثم أوضحت ببعض التحذير: شوية صغيرين وبس، وإنت فاهم.
أمال بجذعه نحو الأمام بإيمائة مسرحية وهو يسند كفه فوق صدره ليقوم بالتحية والإنصياع لأمرها.
وإحنا نطول، تحت أمرك يا فندم.
قطع حديثهم صوت "خالد" الذي تقدم نحوهم للتو.
مش كفاية رغي ولا إيه؟
ثم وجه حديثه لـ"منار": هو إحنا مش حنتغدي، أنا جوعت.
أمالت "منار" رأسها قائلة:
حالا أهو، يلا يا بنات نحط الأكل.
خرجت "غدير" عن صمتها باتساع حدقتيها برفض تام.
لاااااا، ولا يمكن أبدااا، "عيسى" لسه مجاش، مش واكله من غيره أنا.
تطلع "خالد" تجاه ساعة الحائط التي اقتربت عقاربها على الخامسة.
الساعة خمسة، هو منزلش ليه لحد دلوقتِ؟ ولا هو غاوي يأخرنا وخلاص.
رفعت "غدير" إصبعها وهي تتراجع نحو باب الشقة بعجالة.
ثواني بس، حروح أجيبه من قفاه وجايه، إوعوا تاكلوا، ده أنا أصور لكم قتيل هنا، أنا جايه على طول.
فتحت الباب لتخرج راكضة درجات السلم، بينما تعالت ضحكات الجميع على روحها المازحة خفيفة الظل.
دَلفت "منار" نحو المطبخ مرة أخرى لتتبعها "نيره" التي تورطت بمساعدتها رغمًا عنها لغياب "غدير"، بينما تناست "مودة" نفسها وهي مازالت متحجرة تطالع ابتسامة "رؤوف" التي أظهرت مقدمة أسنانه بشكل طريف للغاية.
لم ينحِ "رؤوف" عيناه عنها أيضًا، فهي ضيفتهم وأخت زوجة أخيه اللطيفة، كما أن طبعه المجامل معسول الحديث لن يترك فرصة مع فتاة جميلة كـ"مودة" دون انتهاز تلك الفرصة، خاصة بعد عودة والده لداخل الغرفة بانتظار تحضير الطعام.
عامله إيه يا "مودة"؟
تسارعت ضربات قلبها بقوة فقد خصها بحديثه، إنه يتحدث معها، يا لسعادتها الآن، تشعر بأن قدميها لا تلمسان الأرض فقد كادت تطير من فرط سعادتها، لقد تقدمت بخطوة في طريق يجمعهما معًا، كلماته التي سببت لها اضطرابًا جعلتها تدفع بخصلة شعرها الأسود الناعم خلف أذنها بارتباك.
أنا... أنا كويسة، كويسة خالص.
إنتِ آخر سنة في الكلية السنة دي صح؟
أيوة، آخر سنة، بس ممكن أعمل دبلومة بعد ما أخلص.
جلس فوق مسند أحد المقاعد العريضة وهو يسند ذراعيه أحدهما فوق الآخر بجاذبية فاهت لها "مودة" بقوة، ليستكمل حديثه معها بلطافة لم تماثلها شيء بحياتها من قبل.
دبلومة؟ ده إنتِ شاطرة بقى، وعايزة تعملي الدبلومة في إيه؟
نطقتها بعفوية فهي تتمنى أي شيء يدفعها لقربه.
في الأدوية، المجال ده بحبه أوى، ممكن أخد الدبلومة دي في كلية علوم، نفسي أوى أشتغل في مجال الأدوية والحاجات دي.
حلو أوي، ده حتى ممكن ساعتها أدور لك على شغل في الشركة معانا.
نطقتها بروحها قبل عقلها، لو تمعن قليلًا لأدرك عشقها الذي يفيض من قلبها وعيونها التي هامت به دون سيطرة.
يا ريييت.
خلصي إنتِ بس وسيبي موضوع الشغل ده عليا، ماشي يا جميلة.
قالها معتادًا على حديثه المعسول وطريقته المغازلة الطبيعية دون أن يخصها بذاتها، لكن وقع كلمة (جميلة) على مسامعها جعل شفتيها تنشقان عن ابتسامة عريضة فقد رآها جميلة، لقد لفتت نظره إليها لتنكس عيناه بخجل.
ميرسي.
أهلت "نيره" بعينان تدقان شررًا وغيرة من حديث "رؤوف" مع "مودة" واستماعها لآخر كلماتهما، لترمق "مودة" بنظرة احتقار واشمئزاز جعلتها تنتفض بوقفتها لتعتذر من وجودها قبل أن تنسحب مسرعة نحو المطبخ.
بعد إذنكم أااااا... أساعد طنط جوه.
دَلفت "مودة" بارتباك شديد تلوم نفسها على انسياقها خلف قلبها الذي أصبحت لا تسيطر عليه برفقة هذا الشاب، بينما عادت "نيره" بنظراتها الغاضبة تجاه "رؤوف" تحدجه بقوة متسائلة باستنكار.
إيه اللي بيحصل هنا ده؟
أجابها بدون إدراك لمقصدها فهو كان يتحدث بطبيعته.
بيحصل إيه؟ مالك؟
وضعت الأطباق التي كانت تحملها عن يدها فوق طاولة الطعام ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي ترفع حاجبها الأيمن باستنكار شديد.
قعدتك إنت والهانم بالشكل ده، وكلامك معاها، إيه يا "رؤوف" مش حتبطل طريقتك ونحنحتك دي مع كل بنت تشوفها؟
رفع كفه مندهشًا من حديثها.
إنتِ بتقولي إيه؟ أنا بتكلم معاها عادي يعني، متنسيش إنها أخت "غدير"، باخد وبدي مع ضيفة في بيتنا، ولا لازم أبقى قليل الذوق؟
لا يا حبيبي، إنت متبقاش قليل الذوق، يا سلام، بنت وفي بيتكم تسيبها في حالها، إزااااى؟
قالتها بتهكم من تصرفاته الراعنة التي ضاقت لها ذرعًا.
بلحظة شعر بغضبها وحدتها التي ستقضي على الصفاء بينهم ليسترسل بحديثه الناعم ليثنيها عن أفكارها الغاضبة.
إنتِ غيرانه يا روحي، هو فيه زيك إنتِ في قلبي يا قلبي، ده إنتِ كِريمة حياتي وسكر أيامي كلها.
رغم ميلها للتغاضي عن أفعاله لطريقته الناعمة معها إلا أنها أجابته باشمئزاز.
ما إنت اللي طفس، بتسيب الكِريمة وتروح للمخلل.
وأنا أقدر برضه.
يا خوفي منك، إنت رهيب وأنا تعبت منك، إيه، مبتفوتش أبدًا، لازم كل بنت تشوفها تسبِل لها كدة؟
حبيبة قلبي، أنا بس بجامل مش أكتر.
ثم غمز غمزته قائلًا بتغزل: إنتَ اللي فى القلب.
ثم أطلق قبلة في الهواء جعلها تخجل من تصرفاته المراهقة فربما يراهما أحد.
"رؤوف"!!!! بس.
عيون "رؤوف".
إيه... مش كفاية زعيق زعيق، مفيش شوية حنان لـ"أوفه"؟
بس يا "رؤوف".. أنا مش بتاعة المياعه دي.
❈-❈-❈
بالطابق التالي لشقة "خالد دويدار"، فتحت "غدير" باب شقتها بمفتاحها الخاص لتدلف بخطواتها الرشيقة السريعة نحو الداخل تبحث بعيناها الواسعتان عن "عيسى" والذي لم يظهر بعد بعزيمة والديه بشقتهم.
لم تنتظر رؤيته بل أطلقت ندائها الشقي باحثة عنه.
"إيسوووووووووو".... "إيسوووووووو". إنت فين يا "عيسى"؟ إنت فيـــــن؟ "دورا" بتدور عليك، يااااا "عيــــــــسى".....
أقبل نحوها خارجًا من غرفة المعيشة والتي تحتوي على مكتبته الخاصة التي يحتفظ بها بكتبه وأوراقه الهامة، علت ملامحه تلك البسمة بارتياح شديد لرؤية تلك المنتعشة التي تخرجه من توتره وتحجره لعالمها الملئ بالحيوية والحياة.
أنا هنا يا "دورا".
لو كانت الدنيا خالية تمامًا إلا منه هو فقط فهذا يكفيها، لقد أصبحت حياتها كلها "عيسى" وهو فقط، لا تهتم لسواه ولا تعشق سوى رؤيته، لا تتلذذ بطعم الحياة إلا وهو قريب منها.
أسرعت تجاهه يملؤها الشوق لغيابها عنه لتلك الساعات القليلة بشقة والديه لتركض كطفلة صغيرة تبحث عن أمانها وسكنها، لم يكن منه سوى استقباله لمالكة قلبه وكيانه وهو يفتح ذراعيه عن آخرهما يلتقطها بينهما يحيطها بتشبث مغمضًا عيناه براحة حين سكنت بين أحضانه بهدوء.
تلك الحالة الوحيدة التي تستكين بها "غدير" بوداعه، لحظات تغنيها عن العالم بأسره، لحظات يتمناها "عيسى" لتربت على حياته القاتمة بوجودها.
فتح عيناه متسائلًا ببسمة خفيفة.
وحشتيني.
رفعت عيناها تجاهه وهي تحاول أن تتشدق بعنقها لربما تصل لكتفيه ثم أجابته بنظرات هائمة بعيناه الجذابتين.
إنت وحشتني أكتر.
ثم قلبت شفتيها بدلال معاتبة إياه: لو كنت وحشتك كنت نزلت من بدري تقعد معانا!!!
أنا مش عايز أقعد مع حد غيرك، عايزك إنتِ وبس.
شعرت "غدير" بنبرة حزينة بصوته الرخيم لتنتفض بقلق تجول بمقلتيها بداخل خاصتيه لعلها تستكشف ما سبب ذلك الحزن.
مالك يا "عيسى"؟ إيه إللي مزعلك؟
مسح رأسها بحنان يزيح خصلاتها المموجة عن جبهتها متعمقًا بعيناها اللاتي تضيئان حياته ثم أردف بغموض معتاد.
عمري ما أزعل وإنتِ معايا، إنتِ بس وحشتيني.
مش مصدقاك، قول على طول متلعبش بأعصابي.
تنهد "عيسى" من كاشفة أمره، هي الوحيدة التي أصبحت قادرة على قرائته ككتاب مفتوح مهما حاول إخفاء ما بداخله.
شوية أحلام بقالي كام يوم بحلمها مش عايز أحكيها، بس مضايقاني أوى.
فهمت قصده بعدم قص تلك الأحلام المزعجة حتى لا تحقق، فالأحلام على جناح طائر تفسر كما تقص لتبدل الأمر بمزاحها لتخفف عنه أفكاره وإحساسه بالضيق.
بتحلم بمين من ورايا يا "إيسو"؟ إوعى تكون بتخوني بتخوني يا عم حسام.
قهقه "عيسى" بخفة لكنه مازال قلقًا من تكرار تلك الأحلام بالفترة الأخيرة والتي كانت كلها تشير لأمر واحد بُعده عن "غدير".
هو إنتِ عمرك ما حتتكلمي جد؟
وأتكلم جد ليه، خلينا نفرح وننبسط، هو إحنا لازم نشيل للدنيا هم، طول ما إحنا مع بعض خلاص مفيش حاجة تانية مهمة ولا تزعل ولا نعمل لها حساب.
غاص هائمًا بقطعة الشيكولاتة خاصته مدركًا تمامًا أن ما تتفوه به هو الحقيقة كاملة ليومئ بالإيجاب.
عندك حق، المهم إن إنتِ معايا، أنا مش عاوز غير إن إنتِ تبقي معايا.
أنا معاك عمري كله ولا يمكن أسيبك لحظة.
ثم أدركت تأخره بالفعل لتتسائل بفضول: بس بجد إيه إللي أخرك كدة؟
كان فيه ورق قضية جديدة كنت بقراها وأشوف إيه إللي فيها.
جذبته بقوة نحو باب الشقة بشقاوتها.
ده وقت شغل، يلا ننزل حيخلصوا الأكل.
إنساق معها بدون تفكير وقد اتسعت ابتسامته لطرافة زوجته نسمة هوائه العليلة.
❈-❈-❈
روسيا، الكوخ.
وقفت بكل شموخ تطالع عيونهم التي تحدق بها من أعلى درجات السلم وهي تدرى أنها مختلفة للغاية، لا تكترث بالمرة للعيون الزرقاء لتلك الملونة، لكنها تابعت نظراته هو حين اعتدل بداية بلفتة خفيفة من رأسه يناظر تلك التي عادت مرة أخرى.
تبدلت اللفتة إلى استدارة كاملة بأعلى جسده وقد استرقت "عهد" انتباهه الكامل ليطالعها بنظرة غامضة طويلة للغاية لم تستشف منها إن كانت أثارت إعجابه أم سخريته حين ظهرت تلك البسمة الخفيفة فوق ثغره سرعان ما أخفاها خلف قناع اللامبالاة الذي يبدو أنه بارع بارتدائه.
هبطت الدرج ومازالت تتواصل معه بذات النظرة الطويلة من كلاهما، هي تفخر بنفسها وما تظهر به وهو بنظرته الغير مفهومة بالنسبة إليها.
أخفى ابتسامته لكن عيناه مازالت تتحدث بلغة لم تفهمها "عهد" ولم يفهما هو بذاته، بلحظة رؤيتها بتلك الهيئة الجديدة كانت لو أنها فتاة مختلفة عن تلك الوقحة الخشنة التي أتت إليهم بالأمس، كانت جميلة تتحلى بأنوثة وسحر جذبه دون وعي، لكنها كانت قوية أيضًا، كيف جمعت بين أنوثة فتاة وقوة وشموخ لم يرها بمثلها من قبل.
رآها مميزة ومختلفة بصورة جعلته مسحورًا فقد سلبت عقله بحضوره المميز.
تابع تحركها حتى دنت منهما ومازالت نظراتهما متصلة بوصل عجيب، هو "معتصم" لم تجرؤ إحداهن على تخطي تلك المنطقة المظلمة بداخله، ها هو يهتز برؤية الغريبة تجذبه بحديثها وتصرفاتها برغم خشونتها، سحرته بطلتها الأنثوية رغم رؤيته لجميلات كثر، إنه متيقن تمامًا أنها فريدة بشكل لا يمكنه نفسه بوصفها.
تحمست "كاتينا" لرؤية "عهد" بهذه الملابس لتهتف بإعجاب.
رائع، إنكِ جميلة للغاية يا عزيزتي.
شكرًا لكِ.
قالتها "عهد" بإيمائة خفيفة وهي تسترق بنظراتها الجانبية لهذا المحدق بتفاصيلها.
زاغت عينا "معتصم" مدركًا لما فعلته به هذه (الوقحة) ليتسارع تنفسه قليلًا ليسرع بإخراج هاتفه يعبث به متصنعًا الانشغال وهو ينهر نفسه بقوة، فكيف ينجذب لفتاة بهذه الطريقة، كيف يترك لقلبه السيطرة على نفسه، لا... هو أقوى من ذلك ويستطيع السيطرة على نفسه وقلبه، فلم تخلق بعد من تهز "معتصم دويدار" مهما كانت ومهما فعلت.
تغاضيه عن مظهرها الجديد أثار حنق "عهد" وضيقها فقد فعلت ذلك لأجل جذب انتباهه لكنه لم يظهر حتى إعجابًا ولو مجاملة وكذبًا لتمتعض بشدة، لكنها مضطرة للجلوس فقد حضرت للتو لمشاركتهم.
بدأت "كاتينا" بالثرثرة و"عهد" بالمجاملة لبعض الوقت رغم ضيق "عهد" من هذا الغير مبالي بها.
سأحضر لكم مشروب مميز جدًا، أنا مشهورة بصنعه.
قالتها "كاتينا" وهي تنهض تجاه زاوية المطبخ لتجدها "عهد" فرصة سانحة للتحدث مع "معتصم" قائلة بفضول.
يعني مسمعتش صوتك؟
لتكمل بخشونتها التي لم تبدلها مع ملابسها الجديدة: إيه... المفاجأة خرستك؟
بضحكة عالية أظهرت وسامة قاتلة لهذا الجذاب أطاحت ببقايا التحمل بداخل زائفة القوة التي تحاول الصمود بقوتها التي تتحايل على بقائها.
مهما تعملي لسانك هو هو... إنتِ فاكرة لما تلبسي حلو ولا تغيري شكلك حتبقي حد تاني يا...
ثم أردف بسخرية متعمدة لإثارة ضيقها الذي أعجبه: حاج فتحي.
نظرات متألمة أو ربما معاتبة لكن حقيقتها لاذعة ساخطة على طريقته بالسخرية منها كلما تحدثت معه، غصة علقت بحلقها من رده القاسي جعلها تنتفض من جلستها للمغادرة فلم تتحمل حديثه وإظهارها بهذه الدونية رغم ما تنازلت عنه وحاولت به جذب انتباهه، فهي ليست تلك الفتاة التي تسعى لإرضاء أحدهم، هذا التشتت والتخبط الذي أصاب نفسها منذ مجيئها لهذا الكوخ.
غادرت بدون تعقيب بدون أن تنطق بحرف مما جعله يهب واقفًا يلحق بها فيبدو أنه زاد الأمر معها، لقد ظن أنها سترد بطريقتها الجافة ويتطرقا لمشادة لذيذة أخرى لكنها غضبت، تضايقت من طريقته المتكررة.
أسرع بخطواته ليقف بمواجهتها حائلًا بينها وبين صعودها للسلم ليقف بصدر متهدج وأنفاس متضاربة ليبدأ باعتذاره أولًا.
إستني بس... آسف.
حاولت المرور لأكثر من مرة لكنه ظل يعترضها حتى تستجيب له وتتقبل أسفه وتطاوله الذي زاد عن الحد، وقفت بالنهاية تحدجه بنظرات غاضبة ليقابلها بصوته الرخيم.
آسف... شكلي زودت فيها... أنا فعلًا كنت بهزر معاكِ.
كلماته البسيطة هدأت قليلًا من انفعالها لتزيغ عيناها عن خاصتيه اللاتي لم تنكسا عنها لتردف ببعض من المرارة التي شعر بها.
لا عادي... أنا متعودة على كدة.
شعر بأنها حقيقة مختلفة، فتاة بعيدة عن تلك الخشنة التي تتشبه بقوة بالرجال وخشونتها، رأى بفطنته فتاة هشة تختبئ خلف قناع متوحش، عيناها التي تطالعان الفراغ هاربة من مواجهتها معه جعلته يرى ملامحها عن قرب.
ملامح بسيطة هادئة ناعمة للغاية أخفتها خلف ملابسها السوداء وشعرها المعقوص، حزن عميق توغل بمقلتيها العسليتان جعله يضطرب بحضورها، رجفة قوية دبت بقلبه وهو يطالع استكانة تلك القطة الشرسة التي تحولت بلحظات لقطة وديعة حزينة ربما.
شعر بالضيق لكونه سبب بإضافة حزن جديد لها فيبدو أن حياتها ممتلئة بها بالفعل، أردف بنوع من الترضية.
ممكن تقعدى بقى ومتزعليش.
ثم استكمل ممازحًا: وتبطلي الدبش بتاعك ده.
لما تبطل إنت تزق في الكلام.
حتى بمراضاته لها تدفعه لمناوشتها ليردف بتعجب.
أنا إللي بزق يا طوبة.
رفعت هامتها بغرور وهي تعود لطبيعتها الأولى.
أنا طوبة يا دبشة.
ضرب كفيه بعضهما ببعض غير مصدق لتلك الفتاة التي لا تتخذ الهدنة مطلقًا.
ده إنتِ لسانك ده عايز قطعه، ده بدل ما تقولي حاضر، نعم.
نعامة لما ترفسك.
عاد لمقعده وقد تملكه الضحك من تلك المتطاولة سليطة اللسان، لكنه من داخله شعر بأنها قد عادت لطبيعتها مرة أخرى.
أستغفر الله العظيم... ده إنتِ بلسانين.
عادت "عهد" لمقعدها وهي تستكمل سخريتها منه فقد شعرت بنشوة لهذا الحديث والمناوشات بينهم.
إسم الله عليك... بلسم!!!!
قابل تهكمها ببسمة جعلتها تشعر بالسعادة حتى حضرت "كاتينا" تحمل أكوابًا ممتلئة بمشروب أزرق اللون قطعت به وصالهما المميز.
لقد إنتهيت... تفضلوا.
ارتشف "معتصم" رشفة صغيرة من هذا المشروب ليسعل بعدها بقوة لمذاقه السيء بينما لم تستطع "عهد" ابتلاعه لتبصق به خارج فمها بتقزز.
إيه ده يخرب بيتك.
لم يتمالك "معتصم" ضحكته لتنفجر قهقهته بصوت مسموع لتعليق "عهد" الساخر على مشروب "كاتينا" ثم سأل "كاتينا".
ما هذا المشروب يا "كاتي"؟ ماذا وضعتِ به؟
اتسعت عينا "كاتينا" ببراءة لتردف بضيق.
ألم يعجبكم؟
أجابها "معتصم" بمجاملة.
بالطبع أعجبنا... لكننا نود معرفة مكوناته الرائعة.
جلست "كاتينا" بزهو وهي تردف بتفاخر.
لا... لن أقول لكم... لقد قلت لكم إنه مشروبي المميز الخاص بي... ومكوناته سر لن أخبر به أحد.
تمتمت "عهد" بسخط.
ده إنتِ تخليص ذنوب... الله يقرفك.
مدت "كاتينا" رأسها باتجاه "عهد" متسائلة بعدم فهم.
معذرة...؟
ابتسمت "عهد" بسمة عريضة تشنجت لها عضلات وجهها.
رااااائع... ليتنا نعرف هذا السر.
ضحك "معتصم" للمرة الثانية وهو يضع الكوب عن يده قبل أن ينهض مستكملاً ضحكته لتردف "عهد" متحدثة إليه.
يا إبن المحظوظة... عملتها حجة وسبت عصير ديل الكلب ده... طب أنا أعمل إيه دلوقتِ؟
زاد تعليقها من ضحكاته ليسرع نحو غرفة مكتبه مبتعدًا عنهم حتى لا يظهر لـ"كاتينا" سخريتهم من مشروبها، اضطرت وقتها "عهد" لاستكمال المشروب وهي تتحدث مع "كاتينا" لترتيب ما سيفعلانه في الغد كما قالت لها منذ قليل.
❈-❈-❈
بيت النجار.
حتى بيوم العطلة التي يقضي بها كافة العائلات وقتهم برفقة أحبائهم طيلة اليوم إلا أن "فخري" لا يعترف بالعطلات والإجازات، فكل يوم هو يوم عمل بمحل العطارة خاصته، حتى أبناؤه "فريد" و"مأمون" كلاهما أصبحا يتبعانه بهذا الأمر ويقضيان كل الأيام كبعضها البعض لا تمتلئ سوى بالعمل.
وقفت "راوية" تلتهم قطعة كبيرة من الكعك تبث بها غيظها وضيقها، فالطعام هو متنفسها الوحيد كلما زاد ضيقها أكثرت من تناول الطعام وخاصة الحلويات.
كانت تستمع لحديث "حنين" زوجة أخيها مع والدتها دون التدخل، فقط ترمقهم بين الحين والآخر لا تصدق كلاهما.
والله يا ماما... زي ما بقولك كدة، يا دوب بقول لأمي قالت لي مش حيحالهالك إلا الحاجة "صباح".
رفعت "صباح" من هامتها المكتنزة بتفاخر فقد استطاعت "حنين" كالعادة استقطاب والدة زوجها بطريقتها الخبيثة لاستدراجها لأمر ما تسعى إليه.
هي قالت لك كدة؟ فيها الخير.
أمال طبعًا، هو إحنا لينا غيرك.
ثم انتهزتها فرصة للتقليل من "راوية" لشعورها أنها تنفرد ببقائها معهم للاستيلاء على أموالهم: مش كدة ولا إيه يا "راوية"؟ ما تسيبي الأكل يا حبيبتي بقيتي قد الدبه، هو مفيش وراكِ غير أكل أكل.
رمقتها "صباح" بسخط لتنهرها بإسلوبها الفظ.
ما تبطلي حشر زي العِجلة ليل ونهار، قومي شوفي الطبيخ إللي على النار.
دفعت "راوية" بكفيها بقوة تضربان فخذيها قبل أن تنهض وهي تحدج "حنين" بنظرات نارية فهي السبب لإثارة حنق والدتها عليها ثم أردفت.
قايمة، يمكن ترتاحوا.
ثم ألقت بكلماتها التي أشعلت البركان بينهما بكيد لما تفعله "حنين": وهي الست الوالدة مقالتش إن الحل بفلوس، وفلوس كتير كمان، وإنهم ميحتكموش على جنيه واحد، فقالت لك لزقيها في حماتك وهي تحلها وتديكِ من تحت البلاطة؟
دَلفت "راوية" للمطبخ تاركة "صباح" تصيح بزوجة ولدها تعنفها عن طمعها والأخرى تدافع عن نفسها متهمة "راوية" بالكذب.
وربنا ما حصل يا ماما... دي هي إللي عايزة تولعها بيني وبينك.
ثم أعلت من صوتها تسمع "راوية" بالداخل: غلاوية وقلبها إسود.
يعني يا روح *** إنتِ مش جايه تاخدى فلوس؟
تراجعت "حنين" عما كانت تسعى إليه حتى لا تثبت حديث "راوية" وقد تملكها الغيظ من تلك الفتاة التي تحبط أعمالها كلما سعت لذلك.
لا يا حبيبتي لا... ولا جه في فكري أصلًا... يوه... إنتِ حتصدقي "راوية".
ثم همست كالأفعى بأذن "صباح": هي بس عشان عانس ومش وراها غير المشاكل شاغلة دماغها بتقول كدة وبتوقع بيني وبينك.
شعرت "صباح" بغصة لتأخر ابنتها عن الزواج ليتحول وجهها الأسمر بصورة مكفهرة، خشيت لها "حنين" أن تسبب لها الضيق وتطردها إلى شقتها كما تفعل كلما تضايقت منها لتردف بأسى وتحسر.
عيني عليها، بختها قليل... والله صعبانه عليا.
اكتفت "صباح" بهز رأسها بتحسر دون الرد ليزيد ذلك من شعورها المتعاظم بالحقد على بنات "زكية" اللاتي يتوافد عليهن الخطاب، لكنها دومًا تدفع بهم لعدم الاقتراب بكل السبل حتى لا يتزوجا وتبقى "راوية" هي العانس الوحيد بتلك العائلة.
❈-❈-❈
بيت دويدار.
مع حضور "عيسى" كان ذلك إعلان بسماحهم لتناول الطعام، امتلأت طاولة الطعام بمتناوليها ببهجة تحف الجميع لم ينقصها سوى وجود "معتصم" بينهم.
جلست "مودة" إلى يمين "غدير" ليتخذ "عيسى" مقعده إلى يسارها بينما قابلهما "رؤوف" و"نيره".
نظرات "نيره" تجاه "مودة" كانت حادة للغاية تمنعها من التطفل على حياتها وممتلكاتها الخاصة، "رؤوف" الذي لن تسمح لأي مخلوقة بالاقتراب منه حتى ولو على سبيل السياق الاجتماعي البحت، ستقطع السبل قبل أن تتواجد من الأساس.
بدأت "نيره" بهجومها على تلك الوديعة التي التزمت الصمت والنظر بطبقها فقط.
إنتِ بتشتغلي في محل كدة اااا... فكريني إنتِ بتشتغلي فين؟
محل مستحضرات تجميل.
أكملت "نيره" تحقر من "مودة" وعملها بطريقة متعمدة.
اه... أيوة أيوة افتكرت... ويا ترى بيقبضوكِ كويس؟ أصلنا عندنا ستور (محل) كبير وبشغل فيه ناس كتير زيك كدة، لو تحبي أشغلك عندي يمكن مرتبنا أكبر من المحل إللي بتشتغلي فيه ده؟
تهدج صدر "مودة" بقوة لضيقها من طريقة "نيره" التي تحقر منها لتتلاشى كل كلماتها وتترقرق دمعة خفيفة بمقلتيها فلم تكن تريد أن تطالع بتلك النظرات الدونية أمام "رؤوف" خاصة.
شعرت بها "غدير" لتجيب "نيره" بطريقتها الدبلوماسية التي لا تتسبب بإغضاب أحد.
"مودة" دى قمر... مش بتشتغل عشان الفلوس، دى بس عشان تقضي الوقت بدل قعدتها لوحدها، بتخاف يا "نيرو" تقعد في الشقة لوحدها كتير.
ثم استطردت تقص كذبًا قصة خيالية لتغير مجرى الحديث والتركيز على عمل أختها التي تحتقره "نيره" دون افتعال مشكلة.
تعرفوا مرة قمت من النوم على صوت باب شقتنا بيتقفل جامد، قمت جرى أشوف فيه إيه ملقتش "مودة" أتاريها لما سمعت صوت خبطة عند الجيران افتكرته عفريت فتحت باب الشقة ونزلت جرى.
ضحكت بصوت رنان جعل الجميع يضحك بلطافة على طريقتها المازحة، بينما استرقت بنظرة لأختها وهي تقبض كفها بين يديها بقوة من أسفل الطاولة كرسالة تقول لها بها (لا تحزني فأنا معك).
قابلتها "مودة" بنظرة امتنان لقطع تحقير "نيره" منها، وقبل أن تستطرد "نيره" حديثها مرة أخرى نهضت "مودة" ببسمة تخفي بها دموعها بصورة فاشلة للغاية.
بعد إذنكم أصل أنا إتأخرت وخالي مستنيني أعدى عليه.
بتفهم أومأ الجميع لتتحرك "مودة" نحو الباب تبعتها "غدير" لتحدثها بهمس.
متزعليش يا "دودا".. هى بس طريقتها ناشفة شوية، بس قلبها أبيض.
رغم ضيقها إلا أنها تعلم سبب هجومها بهذا الشكل وربما إن كانت بمحلها لفعلت ما هو أكثر من ذلك، لكنها للأسف ليست بمحلها وعليها تقبل أن "رؤوف" ليس لها وأنها محقة بما تفعله لتردف بتفهم.
مش زعلانه يا "دورا" أنا بس عندي كلية الصبح وعايزة أروح عشان انام بدري.
ماشي يا "دودا"... طمنيني أول ما توصلي.
حاضر.
عادت "غدير" بعد توديع "مودة" لتجدهم انتهوا جميعًا من تناول الطعام وستبدأ جلستهم بغرفة المعيشة.
جلسة حميمية لتلك العائلة المحبة اخترقتها "غدير" بخطواتها السريعة متجهة نحو مالك قلبها "عيسى" لتجلس فوق ذراع المقعد العريض الذي يجلس عليه.
أنا حقعد هنا.
ما تقعدي هنا يا "دورا" المكان واسع.
قالتها "منار" بحبور لتميل "غدير" بخصلات شعرها الثائرة تتعلق بذراعيها برقبة "عيسى" وهي تميل فوقه بعشق ظهر جليًا لم تخجل من التعبير عنه.
لأ... أنا لازقة فى حبيبي "عيسى".
تلاقت بسمات محبة لتلك العفوية، بينما شعرت "نيره" بالحرج والنفور من تعبير "غدير" عن حبها لزوجها أمامهم جميعًا، كيف تظهر مشاعرها بتلك الصورة، ألا تخجل من ذلك.
ميصحش يا "غدير"، تعالي جنبي وجنب طنط "منار".
رفعت "غدير" حاجبيها بشقاوة ترفض عرض "نيره".
لأ يا جنب "إيسووو" يا بلاش.
استسلموا جميعًا لرغبتها بينما امتلأ كيان "عيسى" بنشوة محببة وهو يضغط بكفه فوق ذراعها المحيط برقبته بنظرات تهيم عشقًا بشريان حياته الذي تمده بالسعادة لوجودها إلى جواره.
دق هاتف "منار" بوصول بعض الإشعارات لتنتبه له وتطالع المستجدات به لتهتف نحو زوجها الذي انتابه الفضول لسماع تلك الدقات المميزة بهاتف زوجته.
فيه حد بيسأل عن العيادة أهو يا "خالد".
طب كويس... ردي عليه.
تساءلت "نيره" بدون فهم فهي لا تعلم شيئًا عن موضوع العيادة هذا، وهي بطبعها فضولية للغاية.
عيادة إيه يا طنط؟
أجابتها "منار" بإيجاز لانشغالها بالرد على الرسالة.
العيادة بتاعتي.
أوضحت "غدير" باستفاضة فهي تعلم كافة التفاصيل.
أصل "منوره" عرضت العيادة للإيجار أو البيع، عشان تتفرغ لعصفور الكناريا في البيت.
قالتها وهي تحرك حاجبيها بشقاوة لوالد زوجها تقصده بحديثها، هذا الجبل الصامد الذي لم يقاوم ضحكته للطافة "غدير" التي ملكت قلوبهم.
كناريا!!! ده إنتِ عليكِ كلام.
قالها "خالد" لتسترسل "غدير" بمحبة.
طبعًا، ومين يقدر يقاوم سيادة المستشار "خالد دويدار" على سن ورمح.
ماشي يا "دورا".
التفت نحو "منار" يتابع ردها على هذا المتسائل: ها... قالك إيه؟
عايز يتفرج على العيادة الأول... ححدد معاه معاد... ربنا يسهل الحال.
تابعت "نيره" حديثهم باهتمام لتردف باقتضاب بدون اقتناع لما تفعله "منار".
ليه يا طنط؟ العيادة خسارة جدًا، كملي شغلك فيها.. هو أونكل "خالد" حيخاف يقعد لوحده يعني... ده شغلك وإسمك معروف ومشهور.
أجابتها "غدير" قبل أن تتفوه "منار" التي انشغلت بالرد على هاتفها.
إنتِ مش فاهمة يا "نيرو".. هي كمان عايزة ترتاح ويونسوا بعض.
تضايقت "نيره" من تدخل "غدير" بكل الأحاديث بدون أن يوجه لها أحدهم يخصها به، وزاد ضيقها تقبلهم للأمر بسعادة أيضًا لتهتف بحدة.
هو إيه إللي مش فاهمة، حسني كلامك معايا، أنا فاهمة طبعًا بس مستخسرة مجهودها ده كله يترمي في الأرض.
ثم تحولت حدتها لهجوم شديد ربما كان لـ"مودة" جزء به فهي أختها: وإنتِ حتفهمي الكلام ده إزاي صحيح ما إنتِ كل إللي همك الأكل والنوم، لا وراكِ شُغله ولا مَشغله.
تلك المرة لم تكن الإجابة من "غدير" بل من هذا المحامي البارع الذي لا يقبل مطلقًا أي تطاول من أي نوع على حبيبته ومالكة قلبه ليهتف بحدة وقد لمعت عيناه ببريق غاضب حينما انتفض واقفًا بهامته الطويلة.
إنتِ إزاى تكلميها كدة، وهي "غدير" محتاجة شُغل فى إيه، غدير ملكة تتدلع وترتاح وبس، كفاية علينا وجودها في حياتنا، لو سمحتِ يا "نيره" بلاش طريقتك دي ومع "غدير" بالذات، تمام، ولا إنتَ إيه رأيك يا "رؤوف"؟
قالها "عيسى" وهو يرمق أخيه ليصمت "نيره" عن ثرثرتها وحديثها الحاد بدون داع على زوجته.
أومأ "رؤوف" بارتباك وهو يبتلع ريقه المتحشرج فهو لا يحبذ الحدة والمشاكل ليردف من بين أسنانه.
كفاية يا "نيرو" مفيش داعي للحدة دي، "غدير" مقالتش حاجة، وماما حره تعمل إللي هي عايزاه.
رغم ضيقها من دفاع الجميع عن "غدير" وظهورها بصورة مسيئة لهم وأنها جافة المشاعر حادة الطباع اضطرت "نيره" لالتزام الصمت رغم عصبيتها التي حاولت إخفائها فلا داعي للمشاكل بيوم كهذا.
خلاص... حصل خير.
تركت "منار" هاتفها لتلطف الأجواء التي شحنت بدون داع.
مالكم يا ولاد، إتحسدتم ولا إيه... إهدى يا "عيسى" هو حد يقدر يزعل من "دورا" ولا يزعلها، دي حبيبتنا كلنا، وإنتِ يا "نيرو" أنا فاهمة قصدك كويس، بس عمك "خالد" طلع معاش وأنا كمان لازم أقعد وأرتاح بقي، ولا إيه.
جلس "عيسى" يتمالك حدته ووالده ووالدته يقومان بالتحدث وتلطيف الأجواء لتتلاقى عيناه ببنيتاها وهي تشعر بالعزة مما فعله من أجلها، أسهم غرام مشتعلة بين كلاهما تهدج لها قلبيهما بدقات قوية لعشق لا يوصف بكلمات، فكان للصمت لغة بينهما تنظر نحوه بهيام، يقابلها نظرات لن أتهاون لمن يمسك بسوء فأنتِ مالكة فؤادي وهواي.
انتهت تلك الزيارة حينما حل المساء واتفق "رؤوف" و"نيره" على التقابل في الغد بعد انتهاء عملهما ليمرا ببعض معارض الأثاث لاختيار أثاث شقتهما فموعد الزفاف يقترب لم يبق عليه سوى بضعة شهور.
صعد زوجان الحب اللطيف لشقتهما بعد انتهاء عزيمة "خالد" و"منار" لتنتهي تلك الليلة أيضًا بلقاء دافئ لقلوبهم المحبة واستكانة لأرواحهم.
❈-❈-❈
روسيا.
سهرة طويلة انتهت بخلود كل من "معتصم" و"كاتينا" كل في غرفته لتلقي بعض النوم كما اعتادوا بتلك العطلة.
عيون ساهرة فلم تشرق الشمس بعد.
تسللت "عهد" خارجة من غرفتها بأطراف أصابعها حتى لا يشعر بها أحد فقد عقدت العزم على تنفيذ مخطط فكرت به بعناية.
خطت بقدميها العاريتين فوق أرضية الكوخ لتهبط درجات السلم الخشبية بحرص شديد خشية إيقاظ أحد.
تلفتت حولها بضعة مرات حتى وصلت لمبتغاها تمامًا، ركن المطبخ.
مع اتفاقها مع "كاتينا" بالأمس استطاعت معرفة ماذا ستفعل بالتفصيل للاحتفال بعيد ميلاد "معتصم" وأنها سوف تقوم بإعداد كعكة القطيفة الحمراء التي يفضلها مع إضافة صوص الفراولة أيضًا.
أخرجت "عهد" مسحوق الإعداد لتلك الكعكة وقد رسمت على ثغرها بسمة ماكرة لتنفيذ ذلك المخطط الذي توصلت إليه بأول خطوة بمهمتها الجديدة التي حددتها لنفسها.
مدت يدها لتعيد خلط مكون القطيفة الحمراء بوضعها لما يحتويه هذه العبوة التي ستقضي تمامًا على تفرد "كاتينا" وتصبح هي متملكة الأمر وسيسير الأمر كما تريد تمامًا.
انتهت تمامًا من خلط المكون لتعيد كل شيء كما كان قبل أن تعود لغرفتها بخطواتها الخفيفة المتسللة دون أن يشعر بها أحد، فقد أتمت مهمتها على أكمل وجه وعليها غدًا انتظار النتيجة.
ويبقى للأحداث بقية.
رواية ظننتك قلبي الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب
ظننتك قلبي الفصل الثامن
خيال أم حقيقة، تلك حياة أتوهم بها أنني سعيدة، لكنني لا أدري هل أنا بالفعل أحيا وأستحق تلك الحياة، أم أنني بالوهم أعيش.
طال الحديث عن كوني لست طبيعية، مريضة متوهمة أعيش بالخيال، لكني لا أدرك هل أنا أتوهم أم أن هذا هو الواقع بعينه، وأن ما أمر به حقيقي وليس أوهامًا بعقلي، فليخبرني أحدهم أنني على صواب لأحيا تلك الحياة التي كنت أترقبها.
لكن ما أعرفه جيدًا أنه قد واتتني الفرصة للحياة، وسوف أقتنصها، سوف أحظى بما حلمت به وكان مجرد حلم بخيالي.
لن أضيع تلك الفرصة من يدي، لن أتنازل عنها مهما كلفني الأمر.
***
لاح الصباح وأشرقت الشمس معلنة بدء يوم جديد، حتى بوسط تلك الغيوم السوداء الكثيفة والتي أخفت هذه الإشراقة الزاهية لضوء الشمس، سواد يحجب هذه الانتعاشة كنفوس مبهمة تضل طريقها.
استيقظت "كاتينا" بحماس لإعداد كعكة عيد ميلاد "معتصم"، فاليوم يوم ميلاده وعليها تحضيرها كمفاجأة له، لكن أولًا عليها انتظار "عهد" حتى تساعدها في إشغال "معتصم" كما اتفقتا بالأمس.
ادعت "عهد" النعاس لتهبط للدور السفلي كما لو أنها قد استيقظت للتو، لتدنو من "كاتينا" بأعين ناعسة وتثاؤب مصطنع قائلة:
- صباح الخير.
غمزت لها "كاتينا" بخفة تذكرها باتفاقهما قبل أن تردف:
- صباح الخير "أهد"، هل أنتِ مستعدة؟
- بالطبع.
قالتها "عهد" بقوة، فهي بالفعل مستعدة لقضاء اليوم مع "معتصم".
وقع خطوات ثالثهما جعلتهما ينتبهان لقدومه، في حين بدأ هو يقلب قاتمتيه بينهما متسائلًا بشك:
- ما بكما؟
- لا شيء يا "ماوصي"، مجرد حديث فتيات.
هكذا أجابته "كاتينا" ليجلس هو بغروره المعتاد، يرفع شاشة حاسوبه ليتطلع بشاشته وهو يعقب:
- لا أشعر بالارتياح لقربكما معًا.
أشارت "كاتينا" لـ "عهد" برأسها وحركة عيناها لتبدأ خطتها، لتقابلها "عهد" بإيمائة تفهم، لتدنو هي من المقعد المجاور لأريكته المحببة، تبدأ حديثها الذي ستشغل به "معتصم" عن "كاتينا":
- لم تقول ذلك؟ نحن لا نفعل شيئًا.
برغم سماعه لنبرة صوتها تجيبه، إلا أنه تصنع عدم الاهتمام وظل على وضعه منشغلًا بشاشة حاسوبه.
جلست "عهد" وهي تتمعن بهذا الرجل الغامض المثير لأعصابها وأفكارها منذ حضورها، ارتدائه أيضًا لهذا اللون الأبيض الناصع أظهر لونه الخمري الساحر وأبرز عيناه القاتمتان البراقتان بنظرتهما الحادة المميزة، هو لا يبدو عليه السهولة، بل هو شخص صعب المراس معقد الفهم، ليس واضحًا كغيره، استطاع أن يلعب بأفكارها ويجذب عقلها بحضوره المميز.
عدم اهتمامه لوجودها أو إظهاره لهذا كان سببًا بتفجير الفضول من داخلها للاقتراب أكثر من هذا الغامض.
باغته بسؤال بطريقتها التي جذبته بقوة من أعماقه، ذلك الأسلوب المستفز الذي يجعله متأهبًا للرد حتى لو كان رافضًا للتحدث بالمرة:
- إلا قولي، إنت بقى بتشتغل ولا عواطلي معاه قرشين؟
رفع حاجبيه تجاهها كإجابة لسؤالها المستفز، حين رمقها بقوة وهو يجيبها بحدة وصرامة أرجفتها قليلًا:
- ده مش ظرف، دي وقاحة؟
قالها يؤدبها عن طريقتها الوقحة، لتبتلع ريقها باضطراب وهي تشرئب بعنقها بشموخ، فلن تتركه يهنأ بإحساسه بالتغلب عليها أو فرض قوة سيطرته الحادة، فهي ليست سهلة السيطرة، بادلته نظراتها المتعالية تتحدى صرامته.
عاد بجذعه للخلف بأريحية، ثم رفع ذراعه يسنده على حافة الأريكة، متشدقًا بحاجبه الذي يحلق بثقة وغرور فوق عينه اليمنى، كادت تلاحظ بسمة عينيه القويتين وهو يناظرها لوهلة، قبل أن يمض شفتيه الممتلئتان بجاذبية تثير أعصاب تلك المترقبة، ليستطرد قائلًا:
- عمومًا أنا حأجاوبك، أنا خبير تقنيات وتكنولوجيا، يعني كل شغلي على الكمبيوتر، بصمم برامج وبشغلها، يعني حاجات زي كده.
حركت رأسها بخفة متفهمة طبيعة عمله المعقدة، والتي أظهرها للوهلة الأولى بأنها أمر يسير للغاية، بطبعها الجاد العملي عادت لنفسها الأولى المعتدة بنفسها، وهي تحاوره بلباقة وثقافة أذهلته بشكل ملحوظ، فقد تبدلت من أنثى متحفزة مستفزة غريبة الأطوار لأخرى تتكلم بقوة وإدراك وإلمام بتفاصيل دقيقة للغاية، أنثى أخرى لفتت انتباهه بداخلها، أنثى لم يتعامل معها من قبل، الأنثى الذكية اللماحة، استكملت حديثها بعد عدة نقاط بسؤال:
- أعتقد إن شغلك ده لازم يكون فيه إنترنت قوي، صح؟ كمان شبكة الإنترنت عندكم هنا ضعيفة قوي عشان العاصفة.
- لأ، مش شرط، فيه برامج بصممها وده مش محتاج إنترنت في البداية، لكن طبعًا حأحتاجه بعد كده، وعمومًا الجو مش كده طول الوقت، وأكيد حيتحسن بسرعة.
أسئلة متوالية وحديث شيق تناسوا به وجود "كاتينا"، حتى أنهم استغرقوا وقتًا طويلًا للغاية دون الانتباه إليها.
شعرت "كاتينا" بإحساس غريب يجتاحها، إحساس بالضيق من تجاوبهم وحديثهم الطويل دون حتى الالتفات نحوها، أهو شعور بالغيرة؟
أهذا هو "معتصم" قليل الكلام والابتسام معها، أيتحدث طوال هذا الوقت مع "عهد" بلغتهم الغريبة وبهذا الحماس أيضًا؟
رغم ضيقها من حديثهم معًا وتذكرها بأنها هي من طلبت ذلك من "عهد"، أكملت "كاتينا" صنعها للكعكة وهي تسترق النظر إليهم من وقت لآخر بضيق بالغ.
نظرات نافذة غامضة للغاية كان "معتصم" يخص "عهد" بها، نظرات لم تفهم "عهد" معناها مطلقًا، كمن يود قول شيء ما أو يخفي شيئًا ما، فيا له من شخص مربك لعقلها محير لنفسها، تود أن تخترقه لتتفهم طبيعته كما يستطيع هو أن يستشف ما بداخلها بغائرتيه بسهولة.
سواد عيناه عميق للغاية، كسرداب مظلم لا تدرك نهايته أو حتى ترى موضع قدميك، لا يظهر منه إلا ما يوده فقط، لكنه مع ذلك يأسرُك بداخله ويدفعك للتوغل بأعماقه، به غموض ساحر، غموض ممتع شتت ثباتها بحديثه وكلماته ونظراته المبهمة.
غير مفهوم وغير واضح لكنه ساحر آخاذ طاغٍ بحضور لم تعتاده، نادر حقًا هذا الياقوت الأسود.
استكمل "معتصم" حديثه قائلًا:
- أنا مصمم برامج صعب جدًا حد يعملها.
- ده غرور بقى.
ضحك "معتصم" بخفة ليعلو بريق جذاب بملامحه الآسرة، كيف يضيء الياقوت لتسحر عيناها بمجرد ضحكة رسمها فوق شفتيه، دقات قلبها الصغير جعلت نظراتها تزيغ بالفراغ حتى لا تهيم به وتخسر سيطرتها على نفسها، أجابها بصوته الرخيم:
- لا مش غرور، ده ثقة في شغلي، تعالي معايا المكتب وأنا أوريكِ حاجة منهم.
قالها "معتصم" بدعوة منه لمشاركته غرفة مكتبه الخاصة، ليستقيم واقفًا دون الرجوع لـ "عهد" أو انتظار لموافقتها، قالها كأمر واقع واجب النفاذ، استكمل بقوة قائلًا لـ "كاتينا":
- نحن بغرفة مكتبي يا "كاتي"، ربما تنضمين إلينا بعد انتهائك من صنع الطعام.
أومأت "كاتينا" بخفة وهي تطالع تحرك كلاهما تجاه غرفة المكتب، فحتى "عهد" انصاعت بسهولة لأمره لترافقه بتقبل شديد، تابعت "كاتينا" بحنق لوجه "عهد" وعيناها التي لم تنحِ عن "معتصم"، ليدب بقلبها توجس وحيد، فهي امرأة وتدرك تمامًا كيف تكون نظرة إعجاب امرأة أخرى.
قبضت "كاتينا" ملامحها بقوة فقد رأت بـ "عهد" أمرًا ليس بريئًا بالمرة، بل هي ماكرة طامعة بما هو ليس بحقها، إنها تطمع بـ "معتصم"، إنها ليست طبيعية، إنها بالتأكيد مريضة.
***
شقة عيسى دويدار...
أرفق على روحي التي تعلقت بك، وأعطف على قلب أنت تسكنه، فدونك الحياة لا أبغي بقاءها ولا للقلب دقات تطمئنه.
شهقات مرتفعة يدركها جيدًا كانت سببًا في انتفاضة "عيسى" مذعورًا تجاه غرفة المعيشة، بقلب متألم وأنفاس متلاحقة جثى فوق إحدى ركبتيه ليجاور تلك المتعثرة بأنفاسها بخوف، فكيف يشعر هو بألم لم يدب بصدره بل بصدرها هي؟
هي الهواء والمتنفس له، يؤلمه حقًا رؤية آلامها، ضيق عظيم حين يشاهدها فقط بتلك الحالة التي تصيبها، ليت كل الأوجاع تصيبه هو ولا يصيبها مكروه.
بصعوبة بالغة أخذت "غدير" تسحب بعض الهواء الذي انغلقت لها رئتيها بقوة، حتى نسمات الهواء استحالت عليها، ضاق صدرها وامتقع لونها للون الأزرق وهي تصدر صوت استغاثة تطلب بعض الهواء بصوت متحشرج:
- إلحقني يا "عيسى".
حاوطها "عيسى" بذراعه من خلف ظهرها وهو يطالعها بعينين متخوفتين:
- إيه يا "غدير"؟ حاولي ترفعي راسك لفوق.
لم تقدر على إجابته لتكتفي بتحريك رأسها نافية، تلك الحالة التي تتكرر معها كثيرًا لأزمتها التنفسية لإصابتها بمرض الربو، تلك الأزمات التي تعلو بها شهقاتها المتحشرجة وشعورها بألم بصدرها وسعال قوي لا تقدر على تحمله، ألم تمنى "عيسى" أن يحمله بدلًا منها، لكن للأسف فإن ذلك خارج عن إرادته.
تركها برفق ليستقيم بسرعة متجهًا نحو أحد الأدراج ليخرج منها جهاز التنفس الخاص بـ "غدير"، ثم وضع به أحد الأقراص وهو يركض عائدًا لها، جثى مرة أخرى إلى جوارها يسندها بذراعه وهو يضع الجهاز فوق أنفها الدقيق.
تعلق عيناها المتعبتان به، فكم هي محظوظة بوجوده إلى جوارها، نظراته القلقة زادت من عشقها له، بينما أخذ "عيسى" يطالع عبوس وجهها الذي لا يعتاد عليه، يريد رؤية ابتسامتها السعيدة تشق وجهها من جديد لتضيء حياته كما تفعل.
بدأ سعالها يتضاءل حدته حتى وجهها بدأ بالراحة قليلًا، إنها مريضة وعليها التأقلم على ذلك، ألم متكرر لا يسعها سوى تناول علاجها فقط، هي كالقمر ليس بكاملٍ طوال الوقت، انتظام تنفسها جعل جسد "عيسى" يشعر بالراحة والاسترخاء قليلًا ليعتدل بجلسته إلى جوارها ليجذبها نحوه لتستكين برأسها المتعب فوق كتفه ثم تنهد براحة فقد أقلقته للغاية.
- خوفتيني عليكِ، بخاف قوي ساعة ما بتجيلك الأزمة دي.
بوجه مرهق وأعين مغمضة أجابته بإسكينة وهي تهدأ بداخل أحضانه، فهو علاجها الوحيد، قد يظن البعض أن راحتها بالدواء، لكن "عيسى" هو علاجها الذي لا تريد الاكتفاء منه، أجابته بهمس:
- طالما خدتني في حضنك خلاص حبقي كده كويسة قوي.
نظر نحو أدوات النظافة التي تعم غرفة المعيشة، ثم أردف بنبرة ملومة:
- ممكن تبطلي شغل النظافة ده وتهدي شوية، وتأجلي كل حاجة لما تيجي "أم مجدي" تعملها وخلاص زي ما اتفقنا.
كطفلة مخطئة تدرك أنها قد أخطأت، طأطأت "غدير" رأسها مبررة:
- البيت كان متبهدل وعايز ألحق أخلص بسرعة عشان عاوزة أنزل أروح لـ "مودة" أطمن عليها بعد عزومة امبارح.
اتسعت عيناه بذهول وهو يبتعد عنها قليلًا ينهرها عن إهمالها لصحتها بهذه الصورة:
- تروحي فين؟ إنتِ مش نازلة من البيت النهارده، ولا حتنـزلي ولا حتكملي نظافة.
(ثم أكمل بنبرة عاشقة قلقة)
- أنا مش مستغني عنك.
ظهرت ابتسامتها المميزة والتي انفرجت عن أسنانها العريضة لتردف بسعادة رغم إعياءها:
- خايف عليا يا بطوطي؟
رغم استنكاره لدلالها له بتلك الكلمة إلا أنه أكمل بجدية وصدق:
- طبعًا خايف عليكِ.
(تنهد صدره بوله مستكملًا بتأثر)
- "غدير" إنتِ لو جرى لك حاجة أنا ممكن أموت، إنتِ الهواء والمياه بالنسبة لي، من غيرك مقدرش أعيش.
لتخفيف وطأة أزمتها ومرضها على قلبه القلق أجابته بمزاح رغم إعياءها وسعالها الذي لم يكف بعد:
- مياه مسمومة بعيد عنك، بس فقرى، مش كنت شربت لك عصير أحسن لك، قال مياه قال، فين السكر والعسل، فين الحلويات والشرباتات، تقول لي في الآخر مياه.
ابتسم وهو يضغط بكفه فوق رأسها يعيدها لداخل أحضانه معقبًا ببعض الراحة لعودتها لطبيعتها ولو بمقدار قليل:
- إنتِ إللي خليتي لحياتي طعم وسكر، المهم وجودك مش مهم إنتِ إيه.
سألته بفضول عن بقائه اليوم بالبيت ولم يخرج للعمل كعادته:
- إنت مرحتش المحكمة ليه النهاردة، ولا خلاص حتقضيها شغل من منازلهم؟
- معنديش حاجة مهمة النهاردة، حبقي أروح المكتب وخلاص.
- الحمد لله إنك كنت هنا النهاردة وإلا مكنتش عارفة حيجرى لي إيه لو كنت لوحدي.
- فعلاً، الحمد لله إنها جت على قد كده.
***
بيت محفوظ الأسمر...
تحركت "وعد" بخطوات متخبطة تتملل من الوقت الطويل الذي تقضيه بهذا المكان لكنها مضطرة لذلك، حاولت قضاء بعض الوقت بالترتيب ربما تمر الساعات الثقيلة عليها فقد سأمت بقاءها بمفردها هنا.
دَلفت نحو غرفة نومها لتفتح الخزانة الكبيرة ترتب الملابس المصفوفة بعناية بداخلها، أمر لا أهمية له لكنها لا تدري ماذا تفعل الآن.
وقعت عيناها على العلبة الصدفية الموضوعة برف الخزانة لتلتقطها بين كفيها لتحملها برفق وتخوف بذات الوقت، فتلك العلبة تخص "عاطف".
جلست بطرف الفراش واضعة العلبة أمامها وهي تدفع بأصابعها المضطربة نحو غطائها لتكشف عن محتواها.
مجرد ما فتحت الغطاء تهَدَّج صدرها بارتجاف رغم أنها لا تحتوي على شيء يسبب لها ذلك، فهي علبة عادية تمامًا، فبها بعض الأوراق المطوية وساعتين وبعض الخواتم الفضية التي تخص "عاطف"، فهو من محبي ارتداء الخواتم الفضية ذات الأشكال المميزة.
تذكرت أحد الخواتم التي كان يرتديها "عاطف" بأحد الأيام، ذلك الخاتم المميز المصنوع خصيصًا له، فهو خاتم ليس اعتياديًا فبه مجسم لشكل نحلة بارزة على مقدمته، خاتم فريد لم تر مثله من قبل.
أخذت تبحث عن هذا الخاتم لكنها لم تجده، لكنها تذكرت أول يوم ارتدائه به "عاطف".
﴿ فلاش باك ﴾
نظرت "عتاب" نحو بناتها الثلاث بسخط وهي تغمغم تحدث نفسها:
- إيه العيشة اللي تخنق دي، نقوم من النوم عشان نأكل ونرجع ننام، أوووف.
هتفت ببناتها بحدة وعدم تقبل لوجودهن:
- بس إنتِ وهى وطوا صوتكوا جبتوا لي صداع.
هدأت أصواتهن خوفًا من عصبية أمهن لكنها بقيت تتطلع نحوهم، فهؤلاء هم نتيجة زيجتيها الأولى والثانية، لم تحظ بفرصة للسعادة مطلقًا، بل كل ما حصلت عليه هو ثلاث فتيات معلقات برقبتها دون أب يسأل ويهتم.
- يا ميلة بختي أنا، كل الناس عايشة ومتهنية في بيوتها، وأنا الوحيدة اللي مرمية بتلات بنات، إلا ما فيه واحد من اللي اتجوزتهم بيسأل عليا ولا عليهم.
تزوجت "عتاب" زوجها الأول والذي كان بعمر والدها يعمل كتاجر سيارات ذائع الصيت والغني أيضًا، كانت طامعة بحياة رغدة، لكنها لم تجد منه سوى قصر اليد والشح الشديد وخوفه من أبنائه الذين كانوا يعترضون زواجه بهذا العمر، تملصت على الفور من تلك الزيجة التي لم تجد بها مرادها لتتفاجأ بصدمة حملها بإبنتها الكبرى "هنا" لينتهي زواجها بولادة ابنتها مع راتب شهري ضئيل للغاية.
طموحها لحصولها على حياة مرفهة لم يكتفِ عند هذا الحد لتزج نفسها بتجربة ثانية وزواج جديد من ذات الوسط الذي يعمل به والدها وإخوانها بالتجارة، خمس سنوات قضتها كزوجة ثانية لرجل مطلق رزقت منه بابنتيها (سما وتقى)، كان مختلفًا بعطائه لكنه كان سليط اللسان لاذع الطباع، زاد الأمر وجود أبنائه من زواجه الأول بعدما ألقت طليقته حملها عليه ولم تستطع "عتاب" بطبعها الأناني المتسلط تحمل مسؤولية هؤلاء الأولاد لتحصل على طلاقها الثاني.
توجب عليها العودة لبيت والديها تحمل عبء ثلاث فتيات ونفس سيئة، منذ عودتها لهذا البيت أخذت تتعامل وكأنها صاحبة البيت لها الأمر والطاعة الذي يجب أن يسري على الجميع.
لم يقف قبالها سوى تسلط والدها والسلطة التي يمنحها لأخيها "عاطف" ذو الشخصية النرجسية المحبة لنفسه والبحث عن أفضل صورة تظهره بالقوة ورجاحة العقل.
برغم قدرته المالية التي تصل لحد الثراء إلا أن "محفوظ" لم يتخل عن طبعه السوقي وتسلطه على عائلته وإجبارهم جميعًا على السير وفق ما يحب ليتبعوا فكره وعمله، ببنطال بني وقميص مخطط من الصوف وقف "محفوظ" يحدث "عتاب" بنبرة خشنة تتسم بالجفاء:
- شوفي أمك فين يا "عتاب" عايز أفطر، إحنا مستعجلين النهارده.
مطت "عتاب" شفتيها باستياء متسائلة:
- وهي أمي لوحدها ولا إيه؟ أمال فين "وعد" هانم؟ مش دي اللي بتنام بدري وتصحى بدري؟
قالتها بسخرية وهي تثير حنق والدها على زوجة أخيها كما تفعل دومًا، ليجيبها والدها بلا مبالاة من حديث النساء هذا، فهذا أمر لا يهمه:
- أنا عاوز أفطر، متدخلنيش في كلام الحريم ده، قومي يلا.
دبت "عتاب" قدميها بالأرض بقوة وهي تدلف نحو المطبخ لتجد والدتها تحضر الطعام بمفردها لتبدأ وصلة جديدة بشحن النفس:
- صباح الخير يا ماما، أمال فين الست "وعد"، مش المفروض تصحى تفطر حماها وحماتها ولا هي مش زي بقية الخلق؟
وضعت "قسمت" بعض الأطباق على عجالة:
- رجلها اتلوت من شوية وراحت أوضة التليفزيون مع "عاطف"، خليني بقى أخلص الفطار أحسن أبوكِ على آخره.
ضاق صدر "عتاب" باهتمام "عاطف" بـ "وعد" لتبث سمها بحديثها الحاد كالشفرات المسننة:
- نعم؟ وهي محتاجه ممرض ولا إيه؟ هي فاكرة نفسها مين بنت "عايدة"، وهو "عاطف" حيشتغل لها دلدول؟ مش يشكم مراته اللي جاية تدلع علينا؟
(ثم زادتها بقنبلتها التي فجرتها بنفس أمها)
- لأ وإيه بكرة يدخل في دماغه ويقوله تعزل لوحدها، ما هي مش لاقية حد يلمها؟
التفتت "قسمت" بعينين تتقد شررًا تاركة ما بيدها قائلة:
- تعزل؟ أهو ده اللي ناقص، طول عمرنا في بيوت عيلة، معندناش حد يعزل، لو مش عاجبها الحال تقعد فوق ولا ليها أكل ولا مصاريف.
راحة شعرت بها "عتاب" فاليوم أيضًا لن يمر مرور الكرام وستنال تلك السعيدة الهانئة ما يعكر صفو يومها بعد حديثها هذا.
لم تكتفِ بهذا القدر بل اتجهت صوب الغرفة الخاصة بمشاهدة التلفاز لتختلس النظر لما يفعلانه بالداخل.
تقدم "عاطف" حاملًا علبة مستطيلة للإسعافات الأولية وقد لمع بريق خاتمه الفضي ذو النحلة بعيني "وعد" المتأوهة بألم:
- مدي رجلك يا "وعد"، أنا جبت لك الرباط الضاغط أهو.
قبضت ملامحها بألم وهي تدفع بساقها قليلًا نحو الأمام:
- بالراحة بالله عليك يا "عاطف" أحسن مش قادرة أحطها على الأرض.
- معلش، معلش، استحملي، أنا حربطهالك أهو، عشان تلحقي تقومي تحضري الفطار مع ماما و"عتاب".
برغم ألمها الشديد إلا أن وقع ما يخبره به ألمه أشد، اتسعت عيناها الخضراوين باندهاش:
- أحضر الفطار؟ هو ده كل اللي يهمك؟ إني أحضر الفطار؟
برغم شعوره بالتألم لرؤيتها متوجعة بهذه الصورة إلا أنه يرفض فكرة الاهتمام والحنان حتى لا يظهر كالضعيف أمامهم خاصة وهم بشقة والديهما.
- جرى إيه يا "وعد" الأمر بسيط يعني، بلاش تكبريها.
غصة دومًا أصبحت تتعلق بقلبها فصدماتها المتتالية من جفائه وردود أفعاله أصبحت لا تمر على قلبها الحالم مرور الكرام، يومًا بعد يوم يزداد قساوة وتحجر، كل يوم يخطو خطوة بطريق البعاد.
لو كان بالذكاء الكافي لكان فهم من نظراتها الجوفاء له بأن قلبها ترك يده وبدأ يتخذ طريقًا مجهولًا لا تدرك بدايته ولا نهايته.
حملقت به لبعض الوقت بتلك النظرة الخاوية تتساءل بداخلها هل هذا هو من اخترته لبقية حياتي لأبقى معه؟ إنه أصبح أسوأ اختياراتي على الإطلاق.
وجدت نفسها تنكس عينيها الدامعتين بعيدًا عنه لتسقط على "زين" الذي يتشبث بجلبابها خوفًا عليها حين رأى تألمها.
بسمة رضا شقت حزنها، فلولدها قلب رقيق كقلبها، لا يشبه قلب والده المتحجر، إنه عوضها عن حرمانها من الحنان والراحة.
نهض "عاطف" من جلسته بعدما أنهك لوضع تلك اللفافة حول قدم "وعد" ليشعرها بأنه قد فعل لها جميلًا لا ينسى، أردف يمن عليها بمساعدته لها:
- شايفه، أنا ربطت رجلك أهو، عشان تعرفي إن أنا زوج مافيش زيه في الدنيا أبدًا.
ضحكة خفيفة تهكمية حلت فوق شفتيها وهي تمسح دمعتها المتعلقة بأهدابها قائلة:
- إنت حتقولي، ده مافيش زيك في الدنيا؟
أشار لها بحركة رأسها ليدعوها للخروج من الغرفة:
- يلا نطلع عشان نفطر، وتساعدي ماما و"عتاب".
ضغطت متحاملة ألم قدمها وهي تعرج بقوة تتبعه حين خرج أولًا رافعًا من هامته ليظهر بخيلاء وعنجهية فارغة قدرته على إجبارها على انصياعها لأمره مهما تحججت وتألمت.
فور شعور "عتاب" بتجهزهم للخروج من الغرفة أسرعت مبتعدة حتى لا يلاحظون اختلاسها النظر لهما لتسرع تجاه والدتها التي أثلج صدرها برؤية "عاطف" ومن خلفه "وعد" تنصاع لأمره مكرهة لتبدأ بمساعدتهم رغم تألمها.
كان التساؤل الوحيد حين هتف "محب" باقتضاب:
- هو فيه إيه؟ مالك يا "وعد"؟
تلقائيًا رفعت "وعد" نظراتها تلوم بها "عاطف" قبل أن تردف بانهزام:
- مفيش حاجة.
لحقها "عاطف" ببرود ممزوجًا بالغرور:
- هو إحنا حنقضيها مالك ومالكيش؟ يلا يا أخويا نفطر ورانا شغل.
التفوا جميعًا حول الطاولة لتناول الطعام ليتجهوا نحو تجارتهم، بينما بقيت "عتاب" و"قسمت" يسخران من "وعد" بشماتة لما قام به "عاطف":
- عشان تعملي لنا فيها بنت السفير، أهو هو ده مقامك يا بنت "مسعود" سيد الرجالة!
أنهت "عتاب" عبارتها بتهكم وهي تطالع "وعد" بنظراتها الوقحة تستمتع برؤية دموعها التي حاولت إخفائها لكن رغمًا عنها لا تتوقف.
عادت "وعد" لواقعها متمنية بأنها لم تخطو قدمًا هذا البيت ولم ترض بزواجها من "عاطف"، تنهدت بصمت على حالها الذي بالطبع تراه أفضل من أن تحمل لقب مطلقة وتصبح مثل "عتاب".
***
الكوخ...
دلف "معتصم" أولًا لغرفة مكتبه والتي تخطوها "عهد" لأول مرة، غرفة مرتبة أنيقة بها مكتبة صغيرة ومكتب خشبي مميز موضوع عليه حاسوب آخر خاص بـ "معتصم"، وضع حاسوبه الذي يحمله إلى جوار قرينه ثم استدار نحوها بنوع من التحدي الذي لاح بعينيه القاتمتين قائلًا:
- بتعرفي تلعبي شطرنج؟
نبرة تحدي ورفعة واثقة من حاجبه الأيمن كان تعبيره وهو يحدق بمقلتيه داخل خاصتيها التي جعلتها تتشدق برقبتها بغرور تقبل تحديه ومنافسته لتجيبه بقوة:
- طبعًا، ده لعبتي.
مال بجذعه للأمام وهو يستند على مكتبه بكفيه بحركة جذابة للغاية ليناظرها بتحدي وقد لاحت بسمة طفيفة فوق ثغره:
- حنشوف.
أخرج علبة مطعمة بالصدف واضعًا إياها فوق طاولة خشبية صغيرة تتقدم المكتب ليردف بذات النبرة:
- يا أنا، يا إنتِ، بس خدي بالك، أنا مبتغلبش.
قالها بغرور وثقة أثارت تلك المتحفزة لتهتف به بمواجهة وتحدي ملوحة بذراعها في الهواء:
- يبقي إنت متعرفنيش، مش "عهد مسعود" اللي تتغلب، وسع كده، أنا بلعب بالأبيض.
بأعين مندهشة تطلع بتلك المتوهجة القوية ليردف بتعجب:
- كمان؟ ده إيه الثقة دي؟
- هو أنا كده، مش زي أي حد، يلا، وريني اللي عندك.
استفزت كل كيانه بتحديها وغرابتها المتفردة، استحوذت على كامل انتباهه وهو الذي لا يلفت انتباهه أحد، جلس "معتصم" على المقعد المقابل لها قائلًا ببسمة خفيفة:
- ماشي، لما نشوف.
جلست بمقابله لتبدأ بوضع القطع كل بمكانها بحرفية شديدة لتبدأ أولى جولاتهم وتنافسهم الشرس، فكلاهما متمكن من تلك اللعبة ويتمتع كلاهما بذكاء متقد ظهر بكل خطوة وحركة خلال هذا التنافس.
زَاغت عينا "عهد" وهي تبحث بين القطع عن حركة ذكية تهزمه بها لترفع ذراعها دون انتباه تحل عقدة شعرها الأسود المعقوص بقوة لينسدل بنعومة على جانبي وجنتيها بصورة ساحرة، خللت أصابعها بحركة لا إرادية بداخل خصلاتها تتمعن بالتفكير باللعبة بتركيز شديد ثم لملمت شعرها مرة أخرى بعشوائية، قامت بهذا بعفوية دون الانتباه لما تفعله، بينما استرقت حركاتها انتباه "معتصم" الذي هام بحركتها دون قصد.
لحظات استرق بها النظر إليها وهي تتحرك بعفوية وتركيز شديد دون الانتباه له وهو يحدق بها يتأمل حركاتها وتفاصيلها التي دبت له ضربات قلبه بانتفاضة غريبة غير مفهومة تجتاحه لأول مرة.
أصابته بتشتت لم ينتابه من قبل لدرجة تناسي ما يفعله بحضورها، أخرجته من واقعه ليتفحص بأعين مسحورة ملامحها الناعمة وتركيزها الشديد باللعبة، نشوة رائعة أصابت قلبه المضطرب حتى عندما مدت أصابعها الطويلة لتمسك بالقطعة تحركها بخطوة جديدة بلوح الشطرنج وقد رسمت على ثغرها تلك البسمة الشقية السعيدة، وجد نفسه لا إراديًا يبتسم معها لرؤيته لبسمة حقيقية لاحت بشفتيها دون وعي منها.
انتبه لنفسه ليزيح سحرها الذي غلبه للحظات ليعيد تركيزه المشتت للعبة ليبدأ بحركة مضادة.
ظن أن اللعب معها ما هو إلا فوز سهل سيكون ذريعة لهجوم لذيذ آخر عليها، لكنها كانت ندًا قويًا، كادت أن تتغلب عليه للعديد من المرات، حتى انتهت تلك اللعبة بوقوف شاه كل منهما بمقابل الآخر لتعلن النهاية بالتعادل، فإما سيفوزان معًا أو سيخسران معًا.
- ما كنت أعرف إنك ذكية كده.
- وإنت فاجئتني بصراحة.
بفضول لمعرفة المزيد عن تلك الغريبة سألها بذكاء:
- بتعرفي تلعبي ألعاب تانية؟
- يمكن، بس معنديش وقت كتير.
قالتها باقتضاب خشية أن يفهم أنها وحيدة لا تجد رفيقًا يؤنسها لتتبادل معه الألعاب والأحاديث.
صمت قليلًا وهو يناظرها بتلك النظرة المبهمة الغامضة التي تراها دومًا بعينيه، نظرات ثاقبة تقتحم روحها وتستشف ما تخبئه بداخلها داخل أسوارها المغلقة.
قلب مغلق أسواره على ما فيه فقد تأذيت أكثر مما استحق، ليته يظل صامدًا على ثباته وقوته، ليته يبقى وحيدًا لا يأبه لتلك الثورات التي تطرق أسواره، فلـتـظل بعيدًا عن خاصتي، فقلبي معتاد وحدته.
سيل من النظرات الصامتة لم تدرك بعد مقصدها لكنها تربكها للغاية، هي من ظنت أن لا مثيل لها بقوتها وثباتها، أتى هذا الياقوت ليطيح به بنظرة عين.
نظرات أبلغ من كلمات ظلت واصلة بين كلاهما حتى قطعها صوت "كاتينا" الناعم يقتحم استرسالها، تقدمت "كاتينا" تحمل قالب الكعكة بين يديها وهي تقلب عينيها بينهما بفضول شديد وغيره قاتلة، تود معرفة ماذا يفعلان طيلة هذا الوقت بمفردهما.
تطلعت نحو "عهد" بنظرات ساخطة لم تعطِ لها "عهد" بالًا مطلقًا، بينما صاح "معتصم" بتفاجؤ:
- أوووه، أهذه لي؟ شكرًا لكِ عزيزتي لقد تذكرتي يوم ميلادي.
ضيق شديد لاح بملامح "عهد" لاهتمام "معتصم" وسعادته بما فعلته "كاتينا"، لكنها تذكرت ما فعلته ليلة الأمس وأن مفاجأتها ستُفسد بالتأكيد لتهتف بسعادة مصطنعة:
- إنها رائعة، سأحضر الأطباق حالًا لتناولها.
خرجت "عهد" من غرفة المكتب متجهة نحو ركن المطبخ لتحضر الأطباق فيما تابعت "كاتينا" خروجها لتضع الكعكة عن يدها فوق الطاولة وهي تشير تجاه الخارج بيدها فقد غلبتها غيرتها وضيقها من "عهد" لتتحدث بنبرة حادة للغاية لم يعتدها "معتصم":
- إنني لا أشعر بالارتياح لتلك الفتاة.
- لم يا عزيزتي؟ إنها لم تفعل شيئًا.
بتوتر شديد وانفعال ملحوظ استطردت "كاتينا":
- إنها غير طبيعية، إنها بالتأكيد مريضة أو شيء من هذا القبيل، ألم ترى كيف تنظر إليك؟
قبض حاجباه متسائلًا دون إدراك لمقصدها:
- ماذا تقصدين؟
زفرت بضيق وهي تستكمل بانفعال، فهذه المتطفلة التي تحاول التوغل بنفس "معتصم" عربية مثله وربما تستطيع التقرب إليه أكثر منها:
- إنها تكن لك مشاعر، إنها منجذبة إليك.
استقام بقامته مندهشًا مما تقوله ليشعر ببعض النشوة بداخله، أيسعد لهذا الأمر حقًا؟ ثم انتبه لأمر ما جعله يتفكر مرة أخرى أن الأمر ليس كما يبدو، كما أن كونه صديقًا لـ "كاتينا" فيجب أن يكون رد فعله مختلفًا تمامًا ليجيبها بغرور مشتتًا لانتباهها:
- ومن لا ينجذب لـ "معتصم دويدار"؟ إهدئي يا عزيزتي، لا شيء مما تظنينه مطلقًا، إطمئني.
زمّت "كاتينا" شفاهها بضيق فهو لا يفهم غيرتها وتطفل "عهد" وتوغلها بينهم بأقل من يومين فقط مكثتهما معهم.
***
سجين أفكاري وحياتي القاحلة، وسأظل أحيا بسجني طالما لم يفهمني أحد، فهل سيعطيني أحدهم العذر يومًا ويفهم مقصدي.
الكوخ...
حملت "عهد" الأطباق بعجالة تتمنى رؤية وجه "معتصم" عندما يدرك أن "كاتينا" قد حضرت له هذه الكعكة، فلابد أن هذا الاحتفال سيفسد تمامًا كما خططت له بالأمس:
- لقد أحضرت الأطباق، هيا لنتناول هذا الكعك الشهي.
لم تنتظر "عهد" تقطيع "كاتينا" للكعكة لتبدأ هي بتقسيم القطع ووضعها بالأطباق، بينما أخفت "كاتينا" امتعاضها من "عهد" فقد شعرت بأنها أخطأت حين سمحت لها بالبقاء، فيبدو أنها تفسد كل شيء.
حمل "معتصم" طبقه ليبدأ بوضع أول قطعة بفمه وسط ترقب أعين "عهد" تتوق لرؤية وجهه الآن وهي تجاهد ظهور تلك الابتسامة فوق ثغرها ضاغطة بأسنانها فوق شفتيها بقوة لتمنعها من الظهور.
امتقع لون "معتصم" للون الأحمر بقوة وبدأ بسعال مخيف جعلها تنتفض من جلستها قائلة بقلق:
- مالك؟
إحساس قوي بالتهاب حلقه ولسانه وشفتيه زادهم ضيق تنفسه هذا لا يعني سوى أمر وحيد، أنه قد تناول الفلفل الحار (الشطة) ذلك المسحوق الذي يؤذيه بقوة، أسرعت "عهد" تناوله كوب الماء ليرتشف منه قليلًا يهدئ من هذا الإحساس المميت.
فور هدوئه قليلًا انفعل بحدة موجهًا حديثه لـ "كاتينا":
- أهذا مقلب أم ماذا تقصدين؟
اتسعت عينا "كاتينا" بذهول قائلة:
- ألم تعجبك؟
- تعجبني؟
(قالها مستنكرًا ليزداد حدة وانفعال قائلًا)
- إنها سيئة للغاية، إنها ممتلئة بالفلفل الحار، هل تنوين قتلي؟ أنتِ تعلمين جيدًا أنني أمرض عندما أتناوله.
تهَدَّجت أنفاسها بقوة وهي تدافع عن نفسها:
- بالطبع لا، لم أفعل ذلك، لقد صنعتها كما تحب فقط.
استدارت نحو "عهد" الصامتة والتي كانت تطالع "معتصم" بعينين قلقه من تحسسه الزائد للفلفل الحار لتهتف "كاتينا" باتهام لها:
- إن الأمر لم يخرج عن تلك الفتاة، إنها لابد وأن تكون هي من فعلت ذلك لتفسد المفاجأة.
ثم استدارت بكامل جسدها تحدثها بانفعال شديد:
- أنتِ، أنتِ من فعلتها، لا غيرك.
اتهام "كاتينا" لـ "عهد" حول انتباه "معتصم" لها وأخذ يطالع ثباتها الشديد وهدوئها المثير حين تشدقت برأسها بثقة ثم أعلت من هامتها دون تأثر ليظهر طول قامتها وضآلة "كاتينا" أمامها ليثيره ردها الهادئ:
- لا، لم أفعل شيئًا.
تقدمت "كاتينا" بانفعال لتقف بمجابهة "عهد" قائلة بذات الحدة:
- لا، إنتِ من فعلتها، أنتِ من تريدين إفساد مفاجئتي، لقد رأيتك، لقد رأيتك كيف تنظرين إليه، كيف تنجذبين له، رأيت اهتمامك به وإعجابك بـ "ماوصي".
ثم رفعت رأسها تهددها بوجه مقتضب للغاية:
- لا تنسين نفسك، إنكِ مجرد زائرة غريبة غير مرغوب بها، "ماوصي" لي وحدي وليس لأحد غيري.
اتهامها لها على الملأ باهتمامها بـ "معتصم" وانجذابها نحوه حطم كبرياءها وبعثر من كرامتها وإظهار ما فعلته للحصول على اهتمامه، أثارت حنقها بما تفوهت به أمامه لتتسع عسليتيها ببريق فلن يمر الأمر بسهولة وتربح تلك الضئيلة.
شعور يطيح بها لأول مرة، أن يتهمها أحدهم بالانجذاب لرجل، شعور لم يمر بها من قبل، حتى وإن كان لا أصل له لكنها شعرت بالإهانة والحنق، يجب أن تدافع عن نفسها وتثبت أن لا شيء يؤثر بها، لكن كيف وسوف تفسد كل ما فعلته؟
لن تتركها تظهر بمظهر البريئة التي لم تفعل شيئًا، لن تتركها تتهمها بهذه الفظاعة حتى لو كانت تبحث من داخلها عن فرصة للحياة، إحساس يجب أن يبقى ويظل بداخلها فقط.
يجب أن تظهر ما عليها إظهاره فقط، يجب أن تستكمل ما بدأته.
لمعت عيناها ببريق هجوم ضاري على الشقراء فلن تتركها تفلت بهذا التطاول والاتهام، لكنها بذات الوقت لن تضيع ما قامت به بالأمس لتهتف بنبرة صارخة اهتزت لها "كاتينا":
- أنتِ أيتها الوضيعة تقولين لي هذا الكلام.
(ثم أكملت بما أطلق الذهول بعيني "معتصم" و"كاتينا" معًا فعليها قول ذلك)
- من تكونين لتفرضي عليه من يختار؟ لم تتحكمين به وفرض نفسك عليه؟
فاه "معتصم" بذهول لاعتراف "عهد" بما فعلته وأن "كاتينا" كانت على حق، أمعنى ذلك أنها منجذبة إليه؟
حدق بـ "عهد" لفترة مذهولًا غير مصدقًا لما سمعته أذناه قبل أن يجيب عما تفوهت به.
ويبقى للأحداث بقية.
انتهى الفصل الثامن.
رواية ظننتك قلبي الفصل التاسع 9 - بقلم قوت القلوب
خطوات تسلك طريقًا نحو الحياة، خطوات متباطئة وخطوات مندفعة، لكن كيف يتحتم علينا أن نخطوها بالظلام.
الفرصة الوحيدة للتقدم هي إنقشاع الظلام، فأنا لست بأعمى.
***
بيت النجار.
بقلب مرهف وتخوف مستمر، ودعت "زكية" بناتها حين حان وقت عملهن. بعدما اطمأنت من خروجهن من باب البيت، عادت لمحفظتها القديمة تتطلع نحو بعض الأوراق المالية الزهيدة الموضوعة بداخلها، تتمنى لو تكفي معها لبداية الشهر الجديد دون الحاجة للإقتراض هذا الشهر أيضًا.
تنهدت بقلة حيلة، ثم دلفت نحو المطبخ لتبدأ أعمالها اليومية حتى عودة "شجن" و"نغم" من عملهن.
***
شقة فخري النجار.
أسرعت "صباح" بخطواتها المتثاقلة نحو الداخل، وقد انتابتها نوع من الثورة العصبية وهياج شديد، فقد خرجت بنات "زكية" من البيت دون أن تقتنصهم بحديثها الجارح.
"ااه... فلتوا مني بنات الخدامة."
أسرعت نحو "راوية" التي مازالت تغط بنومها لتفرغ بها شحنات غضبها وغيظها، لتدلف لغرفة ابنتها تقذفها بإحدى الوسائد هاتفة بصراخ:
"قومي... قومي قامت قيامتك... أهو ده اللي انتِ فالحة فيه... الأكل والنوم."
رفعت "راوية" جسدها الثقيل لتجيبها بأعين مغمضة وصوت ناعس:
"يا فتاح يا عليم على الصبح... ايه اللي منرفزك بدري كده... وجاية تطلعي غلك فيا!!!"
أكملت "صباح" بهياج أكبر، فقد أثارت كلمات ابنتها حنقها بدلًا من أن تهدئ من ضيقتها:
"غل إيه يا أم غل... قومي وانتِ عاملة زي الجاموسة كده... قومي بدل ما أطلع عفاريتي عليكِ بجد... أوف."
عادت "راوية" بجذعها للخلف لتستلقي مرة أخرى، تاركة والدتها تستشيط غضبًا من كسلها وهي تتمتم بلا مبالاة:
"روحي طيب وأنا جايه أهو."
أكملت عبارتها بصوتها الناعس لتستكمل نومها الذي قطعته عليها والدتها، لتدفع "صباح" بقدمها تدبها بالأرض بإنفعال، تاركة تلك الكسولة لتجلس بغرفة الصالون خاصتها تفكر كيف تتصيدهن بعودتهن من العمل.
***
أحاسيس مزيفة لا نفهم ماهيتها، فقط نتخبط بسرداب عميق دون فهم، هل تلك المشاعر حقيقية أم أنها مجرد كذبة. ما هي إلا وهم عشنا بداخلها بإرادتنا ودونها أيضًا.
رفعت من رأسها بسمو غريب، لا يناسب وضعها، بعدما أقرت "كاتينا" وأظهرت ما تكنه "عهد" من إعجاب بـ "معتصم". ثقة أربكت من حولها، فهل هي تصدق ذلك حقًا أم أنهم مخطئون.
كلمة ألقتها على مسامع كلاهما جعل "معتصم" ينظر نحو "عهد" بذهول وبعض الحيرة، فاعترافها بما فعلته أظهر أن "كاتينا" كانت على حق. أمعنى ذلك أنها منجذبة إليه.
حدق "معتصم" بـ "عهد" لفترة مذهولًا غير مصدقًا لما سمعته أذناه، قبل أن يجيب عما تفوهت به.
لحظة جديدة من الحيرة وقع بها، فرغم أن بداخله شعور غريب يدغدغ إحساسه وينجرف إليه قلبه الصامت لسنوات، إلا أن عليه مناصرة إحداهن. وبالتأكيد لن تكون الزائرة الغريبة التي لا يعرفها بعد. وأنه مجبرًا على اختيار صديقته.
تطلع بـ "عهد" بنظرات غامضة لم تفهمها، ثم تجهم هاتقًا بحدة لم تتوقعها "عهد" بالمرة:
"ماذا تقولين أنتِ؟ أظن أنه من غير اللائق بقائك هنا. لقد تحسن الطقس وعليكِ الرحيل."
قالها بعقلانية شديدة أظهرت لها "عهد" تفاجئًا بشكل ملحوظ، تفاجؤ صادم ظهر باتساع مقلتيها بقوة، كما لو أن علاقتهم أقوى من مجرد زائرة عابرة ومستضيف كريم معها.
تفاجؤها الغريب جعل "كاتينا" تتيقن بأن هذه الفتاة تعاني من مرض نفسي بالتأكيد، فهي بالكاد تعرف "معتصم". أكملت "عهد" رد فعلها الصادم بردها القوي:
"لأ... مش حمشي من هنا."
(ثم أشارت نحو الخارج بحجة فرض بقائها رغمًا عنهم).
"الطرق مقفولة."
وقف "معتصم" يواجهها رأسًا برأس مقضبًا حاجباه بقوة لتظهر قاتمتيه القويتين بحدة يتقصد إثارة حنقها:
"أظن هذا يكفي... أأنتِ مريضة أم ماذا؟ أنتِ بالتأكيد تتوهمين أشياء غير موجودة. سوف تتسببين بإفتعال المشاكل مع 'كاتي'. من فضلك عندما يُفتح الطريق عليكِ المغادرة فورًا."
ضمت "عهد" شفتيها بقوة تحاول السيطرة على انفلات أعصابها التي أوشكت بالفعل على ذلك، فلن تضيع جهدها سدى لأجل بعض الضغط الذي لا يتناسب مع شخصيتها الثائرة التي لا تتحمل أن تهان كرامتها بأي صورة. لكنها مضطرة على استكمال الأمر. بأنفاس متهدجة ونفس مشحونة خرجت "عهد" من غرفة المكتب بإنفعال بعد طلبه الذي أشعل النيران بنفسها، لكنها لم تدرك أن عيناه لم تنكسا عنها وظل يلاحقها حتى غابت عن مرئاه.
تريد الانتهاء وأن ينمحي كل شيء وتنسى وجودها بهذا المكان، وتريد البقاء فقد دق هذا الصخر المسمى قلبها لأول مرة. حيرة واضطراب يجوبان داخلها، لكن عليها البقاء بأعصاب ثابتة دون إظهار أكثر مما ظهر.
عادت "كاتينا" لغرفة المكتب بنعومة لا تقاوم، فهي فرصة سانحة للتقرب لـ "معتصم":
"أسفة عزيزي فأنا السبب بوجودها من الأساس."
تقدمت نحوه بدلال يسرق القلوب لتستكمل بنبرتها الناعمة وهي تدنو منه لتتودد إليه بلمسة من أصابعها الناعمة نحو وجنته القوية:
"لقد أوقفتها عند حدها... لقد فعلت ذلك من أجلي."
عيناه كانت معلقة بذات الاتجاه الذي سارت به "عهد"، ليعود بناظريه نحو "كاتينا" ليطالعها بحدة، فرغم مواجهته لـ "عهد" إلا أن ذلك لا يسمح لها بالتودد إليه بهذه الطريقة.
شعور بالإشمئزاز من هذا الدلال والتغنج، لا يتقبل تلك النعومة المغثية للنفس.
نظرات مشتتة مغيبة عن حضورها أمامه، بل كان جسدًا بلا عقل، فقد سلبت تلك الغاضبة عقله معها حين تركت المكتب.
دفع بيد "كاتينا" وسط تشتته الظاهر على محياه، فمن ينظر له يظن لو أنه يهتم لأمر تلك المتطفلة التي خدعتهم لتفسد حياتهم، وليس أنه طلب منها للتو أن ترحل.
غريب الشعور بالتضاد بذات الوقت، تريد الشيء ولا تريده، إنه طيف من الجنون بالتأكيد. قلبه أم عقله أم اختياره الثابت دائمًا. عمله.
تنفس ببطء ليعود لتركيزه المشتت وإكمال تفكيره بالمنطق، منحياً قلبه الذي مال دون إذنه بالاتجاه المعاكس.
عاودت "كاتينا" التقرب من "معتصم"، لكن تلك المرة كانت واضحة بطلبها بشكل مخجل، لتهمس بدلال شديد:
"أريدك أن تبقى اليوم بغرفتي يا 'ماوصي'... الليلة فقط."
استقام "معتصم" ينهض من مقعده كمن لدغه عقرب، قاضبًا عيناه بقوة وهو يرمقها بنظرة حادة، يشعر بالنفور من عرضها المنحل، فقد كان الغرض من رحلتهم هو التقرب كأصدقاء وزيادة قربهم الفكري فقط.
لقد كان واضحًا من قبل حين أخبرها بأنه عربي مسلم له قواعد أخلاقية والتزام ديني لن يتهاون بهما، فلم تعرض هذا الأمر اللا أخلاقي عليه الآن.
بنبرة حادة من صوته القوي، غاضبًا من تلميحها المرفوض شكلًا وموضوعًا، هتف بها بنبرة تحذيرية:
"كاتينا... لقد أخبرتك من قبل... إن ما تفكرين به لن يحدث مطلقًا... تلك عقيدتي ولن أخسرها لأجل أي شيء آخر... هل تفهمين؟!"
رفعت زرقاوتيها بتملل لتشبثه بأفكاره، لتزيغ عيناها بصورة دائرية بأرجاء المكتب أولًا، ثم أظهرت إعجابًا غير حقيقي بمبادئه، لتردف تفتخر به:
"اوووه... يا لك من شخص مستقيم... إنني أعشق الشخص المستقيم."
تمهلت بحديثها لوهلة قبل أن تستطرد قائلة:
"ماوصي... ألن تعلمني ما طلبته منك قبل مجيئنا إلى هنا؟" (ثم أشارت تجاه أجهزة الحاسوب الخاص به) "ها هي الأجهزة متاحة، ألن تخبرني بأسرار مهارتك حتى أستطيع العمل معك؟"
أجابها بذهن مشتت وضيق حل به:
"ليس الآن 'كاتي'... ليس الآن... هيا لنخرج لغرفة المعيشة فالجو هنا باردًا قليلًا."
مالت "كاتينا" بفمها باستياء، ثم أومأت بخفة لتتبع "معتصم" إلى خارج غرفة المكتب ليتابعا أحد الأفلام بالخارج عوضًا عن بقائهم بمفردهم بالداخل.
***
شجن ونغم.
تسللت الفتاتان هربًا من مواجهة سيئة مع زوجة عمهن لينالا حريتهما بوصولهما باب البيت. هذا هو ملاذهن الآمن. خطوات مظلمة تصل بهن لطريق النور.
بسعادة بالغة أكملتا الطريق تجاه عملهن، حيث اتجهت "شجن" نحو المستوصف بينما اتخذت "نغم" طريقها نحو المكتبة.
بدأت "شجن" عملها بروتينية دون تغيير لتبدل ملابسها مرتدية معطفها الأبيض، تنتظر قدوم أي حالات مرضية بهدوء. فهذا المستوصف هادئ للغاية لا يحتوي على إمكانيات علاجية كبيرة، فهو محدود العمل والإمكانيات. جلست "شجن" بهدوء برفقة زميلتها في انتظار أي حالة ترد إليهم.
وقفت "نغم" أمام المكتبة تتطلع نحوها بعينيها الواسعتين، لتصعد درجات السلم الصغيرة لتدلف نحو الداخل.
جالت أرجاء المكتبة بقاتمتيها تتفحص تلك الكتب المصفوفة بعناية فوق الأرفف، رائحة ذكية محببة لنفسها وهي تهيم بعالم الكتب، فكم تمنت هذا اليوم منذ فترة طويلة، أن تعمل بمجال دراستها وشغفها.
وقفت كالتائهة بين أكوام الكتب هنا وهناك، ولقصر قامتها كانت أشبه بطفلة بريئة وسط حقول الأزهار تنبهر بجمالها، لكنها متيبسة الخطوات لا تدري إلى أين تتجه وما يتوجب عليها فعله.
عيونها الواسعة، غرتها السوداء التي زينت جبينها بسحر فاتن أظهر بشرتها البيضاء وفمها المعقود، جميلة ساحرة نقية للغاية.
دقائق صمت وانتظار وأيضًا ضياع شعرت بها عندما وجدت نفسها بمفردها بداخل المكتبة الكبيرة. ربما عيناها المشتتان تشعران بالتيهة، لكن عيناه كانت تعلم طريقهما جيدًا، فمنذ أن دلفت لم ينحِ نظراته عنها. خطفت بصره بدون سابق إنذار، فقط من طلتها الساحرة فور أن خطت قدميها داخل المكتبة.
كان "بحر" منحنيًا يرتب أحد الأرفف السفلية ذات المستوى الأرضي، حين أهلت "نغم" لداخل المكتبة. وقعت عيناه عليها دون أن تنتبه هي له.
رفع مقلتيه تجاهها ليجدها تقف بمنتصف مدخل المكتبة ترفع رأسها متطلعة نحو الأرفف العلوية وهي تستدير ببطء تتمتع بأشكال الكتب المصفوفة بعناية.
ابتلع ريقه المضطرب وهو يراها حقيقة متجسدة أمامه. بالتأكيد هي ليست كمثل البشر، فالبشر لا يظهرون بهذا السحر بعالم الأحلام.
بالتأكيد هو حلم يسبح به ببحور الخيال ليطير عقله وقلبه معًا. هل بتلك السهولة تأسر قلبه وتخطفه من بين ضلوعه بمجرد أن لاح طيفها بالمكتبة.
لؤلؤة لامعة تشع بريقًا وسط صفحات وصفحات من الكتب، لا يسعك حين تقع عيناك عليها سوى الهيام فقط. وهذا ما بدر من هذا الشاب الذي توقف به الزمن يطالع تلك الحسناء.
نهض من غفلته وزمنه المسروق ببطء ليُظهر نفسه تدريجيًا حتى استقام، فظهر طوله الفارع الذي فاق طولها بمراحل، ليرحب بها من خلف الحاجز الخشبي القصير للمكتبة:
"أهلاً وسهلاً."
انتفضت "نغم" لتتفاجئ بوجود أحدهم بالمكتبة، لتتسع حدقتاها السوداوتين بقوة وهي تكور شفتيها لتتمالك قلبها المتفاجئ بحركة لا إرادية:
"بسم الله... صـ... صباح الخير."
ضغطت بكفها فوق صدرها لتطمئن قلبها المنتفض قليلًا. بريئة بشكل سلب عقله ليبتسم بجاذبية، ابتسامته الهادئة كطبعه تمامًا وهو يجيبها:
"صباح النور."
"أستاذ 'بحر'...؟!"
قالتها بتساؤل لتتأكد أن هذا هو الشخص الذي أخبرتها عنه أختها "شجن"، حين أجابها بإيمائة خفيفة ومازالت بسمته معلقة فوق شفتيه:
"أيوة أنا."
خطت بضع خطوات تجاهه وهي تتفادى موضع الكتب التي مازالت موضوعة بالأرضية، قائلة:
"أنا 'نغم النجار'... أختي كانت جت لحضرتك امبارح عشان الشغل."
بكل كلمة تنتهي منها تضم شفتيها بطريقة ملفتة للغاية، طريقة مميزة لم يرها بأحد من قبل. شعور بالاستمتاع لطريقة حديثها وصوتها الرفيع الذي يعزف كسمفونية تشنف الآذان. صدق من أسماها "نغم"، فهي قيثارة بحد ذاتها.
لم يسعه السيطرة على قلبه الضعيف بقربها لينظر نحوها بتركيز شديد ليضطرب بقربها. انتبه لصمته فترة طويلة من الزمن ليردف ببعض التلعثم:
"أه... أكيد... أهلًا بيكِ يا آنسة 'نغم'."
أجابته بدبلوماسية وهي ترفع حاجبيها وتهدلهما معًا دون فهم، ما هو بطيء في الاستجابة والرد عليها، فهل هو غليظ الفهم لا يدرك للوهلة الأولى ما تتفوه به.
"شكرًا... ممكن أعرف طبيعة الشغل هنا إيه... والمواعيد وكده...؟"
انتبه "بحر" لبلاهته معها ليستدير خلف الحاجز الخشبي ملتفًا تجاهها وهو يستجمع تشتته ليجيبها بعملية:
"تصنيف وترتيب الكتب دي... وبرضه فيه جانب ترويج على النت لها... يعني أكيد تخصصك زي ما فهمت من أختك... وده شيء سهل بالنسبة لك ولا إيه؟"
عند نهاية كلمته الأخيرة كان قد وصل لمنتصف المكتبة وأصبح بمقابلتها، لتتضارب دقات قلبه بقربها مرة أخرى. فماذا فعلت به تلك الصغيرة بلحظات. هل تسرق القلوب من مالكيها بهذه السهولة. أليس هذا هو قلبه. لم سرقته دون أدنى مقاومة منه.
التف بعينيه تجاه داخل المكتبة مشيرًا نحوها هاربًا من تلك الموجة التي زلزلت رسوخ أقدامه تجاهها، فقد بعثرته منذ حضورها. أشار نحو أصناف الكتب المختلفة موضحًا ما عليها فعله برزانة إلى حد بعيد. قابلتها "نغم" برسمية شديدة:
"هنرتب الأول المجموعات دي في الأماكن اللي هقولك عليها لأن دفعة الكتب الجديدة لسه واصلة زي ما انتِ شايفة... وبعد كده هنعمل فهرس وسجل لكل ركن."
"اه فهمت."
حاول "بحر" تناسي الأمر ليكمل العمل بحرفية ومهنية، فاليوم أول يوم لها ولا داعي لأن يصيبها بالذعر.
***
مكتب عيسى للمحاماة.
وصلت "سندس" منذ قليل تتهيأ بانتظار مجيء "عيسى" للمكتب والذي اقترب موعده للغاية. مالت بخفة على ملابسها الأنيقة اليوم لتعدل من خصلات شعرها استعدادًا للقائه، كما لو أن هذا اللقاء هو موعد بين المحبين وليس انتظار رب عملها.
جلست بمقعدها لتضع قدميها على مقعد آخر بأريحية شديدة بلا مبالاة بما يدور حولها، فقط تريح قدميها المتعبتان.
تقدم نحوها رجل خمسيني متوسط القامة أسمر البشرة قائلاً بحبور:
"حمد الله على السلامة يا أستاذة... أعمل لحضرتك القهوة؟"
أجابته بغرور كمالكة لهذا المكتب وليست عاملة به مثله تمامًا:
"ما انت شوفتني دخلت المكتب.. وأنا قايلالك.. أول ما أدخل المكتب تجيب لي قهوتي على طول.. مش ناقصة غباء يا 'شاكر'."
تغاضى عن عنجهيتها ليردف بتواضع:
"حاضر يا أستاذة... ثواني وقهوة حضرتك حتكون قدامك."
لم تبالي بهذا الرجل لتخرج من حقيبة يدها محفظتها الصغيرة لتفتحها وهي تقضم شفاهها بحركة توتر لا إرادية، تنظر لصورة "عيسى" التي توسطت محفظتها، عشق تخطى الجنون، تتمنى لو أن يقبلها بحياتها بأي وضع، فيكفيها قربها منه وستنتظر تحقيق هذا الأمل مهما طال انتظاره.
بعد قليل من الانتظار وصل "عيسى" للمكتب بعدما أصرت "غدير" على أن يتركها ويذهب لمباشرة عمله بالمكتب وأنه لا داعي لتواجده إلى جوارها، فيكفيه بقاؤه معها منذ الصباح.
دلف بجديته المعهودة وملامحه الساكنة نحو مكتبه، ملقيًا التحية على تلك المتشدقة بتلهف لقدومه:
"السلام عليكم."
نطقها دون الالتفات إليها لتجيبه بحبور وسعادة برؤيته، فقد ظنت أنه لن يأتي اليوم لتأخره عن موعده:
"أهلا يا أستاذ 'عيسى'... أنا افتكـ..."
قبل أن تتم عبارتها قطعها "عيسى" بعملية:
"اطلبي من عم 'شاكر' يعمل لي فنجان قهوة وحضري لي مذكرة قضية سرقة الماكينة وهاتيها لي المكتب عشان ألحق أراجعها."
"على طول يا أستاذ 'عيسى'... حالًا."
دلف مباشرة لداخل مكتبه ليتابع عمله دون الإكثار من تبادل الحديث مع "سندس"، فهو بطبعه يغلق كل الأبواب التي قد تصدر إزعاجًا له من قبل فتحها.
***
عطارة النجار.
وضع "مأمون" لفافات من الأوراق المالية فوق المكتب الخاص بوالده وهو مقتضب كعادته:
"دول عربون من الحاج 'سليم' هو جه أخد جزء من البضاعة وقال بالليل حييجي يشيل الباقي."
مسح "فخري" ذقنه بكفه وهو يناظر النقود الموضوعة فوق المكتب، ثم أردف بنفس ضائقة:
"ماشي... انت عامل حسابك على الأسعار الجديدة طبعًا."
"أيوة أكيد يا 'حاج' ودي حاجة تفوتني."
إنها حياته الرتيبة والتي عليه إكمالها رغم بغضه لها، فحتى تلك التي يطمع بها البشر لا تستطيع شراء له بعض السعادة. نقود كثيرة كما كان يتمنى، لكن القلب قد فقد شغفه بالحياة، بل لا يدري لم يستكمل هذه الحياة المقيته. ربما لأن هذا عقاب طمعه بشبابه دون الوعي بما سيجنيه عليه هذا الطمع.
"إبقى خد بالك يا 'مأمون' إن 'سليم' عليه باقي فلوس من آخر بضاعة.. بتاعة البخور لو تفتكر."
بضحكة تهكمية خفيفة، فعقله مرتب للغاية بما يخص العمل ولن يغفل عن أمر كهذا:
"ودي تيجي يا بابا... ما انت عارف الحاجات دي مبتعديش عليا."
بسمة فارغة ليس لها طعم الحياة علت ثغر "فخري" ثم أردف مؤكدًا حديث ولده:
"اه صح.. نسيت إنك مخك كمبيوتر."
خطوات مظلمة تخطو تجاه جلستهم، لا يمكن للظلام أن يكون بما تراه الأعين فقط، بل هناك ظلام يتوغل بالنفوس البغيضة دون أن ندري.
تقدم "فريد" من مكتب والده دون أن ينتبها لحضوره، تعلقت سوداويته بلفافات المال لتشتعل ببريق طامع يتمنى لو أن ينقض على هذا المال، أليس هذا من حقه أيضًا أم كتب فقط على "مأمون" الاستمتاع به.
انتبه "مأمون" بجانب عينيه تقدم أحدهم بقربهم ليدرك أن هذا ما هو إلا "فريد"، ليضع كفه بعجالة فوق المال قائلاً لوالده:
"ما تشيل الفلوس في الخزنة يا حاج.. أحسن حاجة تتنطر كده ولا كده."
شعر "فخري" باقتراب "فريد" ليومئ بإيجاب مجيبًا "مأمون":
"عندك حق."
وقبل أن يصل "فريد" ليتمتع بقربه من المال فربما يناله بعضًا من سخاء والده، كان "فخري" أسرع بوضع المال بالخزانة الموضوعة بجانبه، ليزفر "فريد" بضيق، فما بين هذان الاثنان يود لو يقتحم عقولهم ليدرك بما يتفكرون، لكنه تمالك غضبه مردفًا بنعومة الثعابين:
"يا مساء الأنوار... وانا بقول الوكالة منورة كده ليه... أتاريكم انتوا الاتنين هنا."
رفع "مأمون" ساقه فوق الأخرى بتعالٍ ليرفع حاجبه بتهكم وعدم تصديق لما يراه أخيه:
"يا رااااجل..." (ثم أشار نحو المقعد الذي يقابله قائلاً) "اقعد اقعد يا 'فريد'... عاوزك."
جلس "فريد" يخفي حقده على أخيه الأصغر الذي بدأ يتحكم بكل الأمور حتى بوجود والدهم:
"خير يا أخويا."
لفلف "مأمون" لسانه داخل فمه أولاً يثير أعصاب "فريد" قبل أن يتحدث إليه قائلاً:
"عمال مخزن الشونة."
زاغت عينا "فريد" كمن يخفي جرم فعله ليتساءل بنبرة مترددة يشوبها بعض التخوف:
"مالهم؟"
ثبت "مأمون" نظراته نحوه لبرهة كما لو يخبره بأنه يدرك كل ما يفعله من خلف ظهورهم، لحظات حطم بها أعصاب "فريد" بصمته قبل أن يستطرد:
"بيشتكوا منك... بيقولوا إنك ااا...."
تهدج صدر "فريد" بانفعال متخوفًا أن تكون سرقاته من المخزن فضحت أمامهم ليردف بحدة للعبة بأعصابه:
"فيه إيه يا 'مأمون'... متتكلم على طول وبلاش تنقيط... خليك دغري وبلاش اللف والدوران ده."
رغم إدراكه لسرقات أخيه من المخزن، إلا أنه تغاضى عن الأمر حتى لا يطالب بوجوده هنا بالوكالة ذاتها ويحقق بذلك أطماعه بالقرب من حركة البيع والشراء والتجار، لهذا أجابه "مأمون" بأمر آخر بهدوء شديد بعدما أتلف أعصابه منذ قليل:
"بالراحة بس على نفسك... ده أنا قصدي إنهم بيشتكوا إنك شديد أوي معاهم."
زفر "فريد" الهواء دفعة واحدة براحة ثم أردف بغرور:
"ما هو لازم نشد عليهم... أمال الشغل يمشي إزاي... ده من غيري الدنيا تقع."
أوقعه "مأمون" بدهائه فيما يود الوصول إليه ليردف مؤكدًا ذلك:
"ما هو ده اللي أنا بقوله... مش كده يا حاج... أنا بقول المخازن من غير 'فريد' تقع... مينفعش انت تسيب هناك أبدًا.. ده انت الوحيد اللي عارف تمشي العمال صح."
ضربة بمقتل ضربها به "مأمون" وأوقعه بشباكه بدهائه المعهود، ليقضم شفتيه بغيظ فقد انساق ببلاهة خلفه دون أن يعي مقصده، ليناظره بعينان مغتاظتان بقوة، لكنه لم يجرؤ على الإقرار بعكس ذلك ليردف بالإيجاب رغمًا عنه:
"أيوة... مظبوط كلامك."
بسمة منتصرة علت ثغره هدمها رنين هاتفه ليظهر رقم "ريهام" يتوسط شاشته، ليتطلع نحوها بضيق وهو يضغط زر رفض المكالمة، فلا طاقة له بحديثها الثرثار وطلباتها التي لا تنتهي.
تكرر الاتصال لعدة مرات وفي كل مرة يرفض المكالمة، لكنها ظلت تدق وتدق حتى مل من الأمر ليمسك بهاتفه مبتعدًا عن والده وأخيه الشامت به، فتلك المكالمة ستسبب له ضيقًا لفترة لا بأس بها.
"حروح أرد عليها."
ابتعد لخطوات عنهما ليظهر الضيق والاقتضاب على ملامحه الحادة وهو يحدثها حتى انتهت مكالمتهما ليعود لجلسته مرة أخرى بصمت وغضب.
"كانت عايزة فلوس برضه؟"
تساءل "فخري" ببعض التيقن:
"وهي بتكلمني في حاجة تانية... هي مش عايزة غير فلوس... لكن إن أنا أشوف العيال... لأ... لازم تدوخني عليهم في المحاكم.. لكن في طلب الفلوس تفضل تزن زي ما انت شايف."
"ربنا يهديها.. أنا مش عارف إيه اللي غيرها أوي كده... كنتوا متفاهمين وكويسين... إيه اللي قلب حالها بالشكل ده؟"
رفع "مأمون" عينيه نحو الفراغ، فليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فإن كان نصيبه كوالده مزدهرًا بالمال زهيدًا بالسعادة.
"نصيب يا حاج... نصيب."
***
سويسرا (الكوخ).
بين حقيقة وسراب يتأرجح العقل، ترى ماذا هي الحقيقة بالأمر، هل يصدق ما ظنته "كاتينا" أم أن الأمر برمته سراب يكمن خلف سبب آخر.
وقت يمر لم ينال "معتصم" منه سوى التفكير والانشغال بما حدث اليوم، حتى مع غياب "عهد" عن المشهد والتزامها غرفتها منذ مواجهته معها، إلا أنه يشعر بعدم الراحة.
بدأت البرودة تتسلل للكوخ بشكل غير مسبوق، حتى أنهم لملموا ملابسهم بقوة تجنبًا لشعورهم بالبرد، إلا أن "معتصم" انتبه لحديث "كاتينا" بعد فترة طويلة من الصمت:
"'ماوصي'... إن الطقس أصبح باردًا بشكل غريب... أليس كذلك؟"
رفع "معتصم" رأسه تجاهها وهو يضيق جفنيها متمعنًا بحديثها ثم أجابها:
"يبدو أن أجهزة التدفئة المركزية تعطلت مرة أخرى... سأذهب لأرى ما الأمر."
نهض "معتصم" مغادرًا الكوخ ليتفحص جهاز التدفئة المتواجد خارج الكوخ، لكنه سحب معطفه أولًا ليرتديه قبل خروجه بهذا الطقس القارس.
وجدها فرصة للبقاء بعيدًا عن "كاتينا" ليتفكر بأمر "عهد" ويعيد ترتيب أفكاره المشتتة قبل عودته.
***
بيت عائلة دويدار.
أخذت "منار" تجوب المطبخ تبحث بين أدراجها على إحدى العلب البلاستيكية لتضع بها قطع الحلوى (الحجازية) التي صنعتها منذ قليل. بقيت بالمطبخ لبعض الوقت تحضر بعناية تلك العلبة.
جلس "خالد" بغرفة المعيشة منشغلًا بقراءة أحد كتبه بتركيز تام، حين دق هاتفه برقم غريب. وضع نظارته الرفيعة الخاصة بالقراءة جانبًا بهدوء قبل أن يرفع هاتفه تجاه أذنه ليجيب صاحب الاتصال:
"السلام عليكم... المستشار 'خالد دويدار' معايا؟"
"أيوة يا فندم... مين حضرتك؟"
سأله "خالد" بلباقة ورزانة ليجيبه المتصل معرفًا بنفسه بحبور:
"أهلًا أهلًا 'خالد' باشا... معاك 'فوزي خلاف' من شركة عسرانكو للاستيراد والتصدير."
رغم جهله بهذا المتصل وسبب اتصاله به، إلا أن "خالد" رحب به بدبلوماسية ولياقة:
"أهلًا يا فندم... أقدر أساعدك في حاجة؟"
"والله يا 'خالد' باشا حضرتك قيمة وقامة... وإحنا في الشركة يسعدنا إنك تنضم لينا كمستشار قانوني للشركة... ولو حضرتك وافقت حيكون من حسن حظنا وجودك معانا."
صمت "خالد" لوهلة يحاول استيعاب الأمر بتفكير أكثر شمولية، فهو لن يلهث وراء أي وظيفة تعرض عليه ليتساءل باستفسار عن طبيعة هذا العمل وصاحب الشركة ومجالاتهم وتصنيفهم بالسوق، فهو ليس بالتدني ليعمل لدى أي شركة لمجرد العمل بعد التقاعد.
أسئلة عديدة وكثيرة للغاية ظلت تحكم المكالمة بينه وبين "فوزي"، ليجيبه بالنهاية:
"عمومًا يا أستاذ 'فوزي' زي ما اتفقنا أمر عليكم في الشركة الأول وأفهم التفاصيل قبل ما أقول موافق ولا لأ."
كانت إجابة "فوزي" تحمل إلحاحًا كبيرًا حين أردف:
"بإذن الله توافق... ده إحنا نتشرف بوجودك معانا والله.. وإحنا في انتظار تشريف حضرتك."
"بإذن الله خير."
أنهى "خالد" مكالمته متفكرًا بالأمر ليجدها ربما تكون فرصة جيدة لبداية جديدة بمشواره المهني. دلف تجاه غرفة نومه يبدل ملابسه بأخرى أنيقة للغاية ليخرج بعد مرور بعض الوقت وقد ارتدى حلة رسمية أنيقة للغاية من اللون الرمادي الداكن، يقف بمنتصف الصالة الخارجية يضبط من وضع زر قميصه الأبيض الذي تظهر مقدمته من رسغه بعناية.
خرجت "منار" من المطبخ حاملة علبة الحلوى (الحجازية) بيدها تطالع زوجها المتألق بلمحة من الإعجاب باهتمامه مرة أخرى بمظهره المتألق:
"انت خارج؟"
قالتها "منار" بفضول ليجيبها "خالد" برزانته وصوته الهادئ:
"أيوة... ورايا مشوار كده وهعدي على 'عيسى' وأنا راجع نرجع سوا."
"طيب كويس... أنا كمان طالعة لـ'غدير'... البنت تعبانة من الصبح وزمانها عايزة تاكل أي حاجة حلوة... هطلع أقعد معاها شوية."
ثم تذكرت أن تخبره بأمر قبل أن تنسى:
"اه صحيح... 'أم مجدي' جت... وقولتلها تعمل لنا عشا لينا كلنا لما ترجعوا بقى من بره ويكون رؤوف هو كمان رجع... ونبقى ناخد الأكل فوق عند 'عيسى' عشان 'غدير' مش هتقدر تنزل."
تطلع "خالد" نحو ساعة يده باندهاش:
"أه صحيح... هو 'رؤوف' اتأخر كده ليه؟"
أجابته "منار" مذكرة إياه:
"ما هو قالك حيطلع من الشغل يقابل 'نيرة' عشان يروحوا معارض الموبيليا ينقوا العفش.... انت نسيت ولا إيه؟"
"اه صحيح... هو قالي... راح عن بالي خالص."
ضحكت "منار" ممازحة إياه:
"أيوة ما هو طول ما انت متشيك كده الواحد يقلق يا 'خالد'."
أجابها بجدية تميل للضيق من تهكمها ومزاحها:
"ده العادي يا 'منار'... ولا إكمني من ساعة ما طلعت على المعاش وأنا مجرجر في البيت."
"خلاص طيب... انت زعلت... أنا طالعة لـ'غدير' وانت كمل مشوارك مش هعطلك... اه.. متنساش بكرة معادنا مع الدكتور اللي عاوز يأجر العيادة."
أومأ بتفهم قبل مغادرته أيضًا:
"مفيش مشكلة... بكرة نقابله سوا... يلا عشان منتعطلش."
غادر كلاهما كلا يتجه بصوب في انتظار تجمعهم بالمساء.
***
شقة عيسى.
رغم استمرار سعالها المتقطع ورفضها أن يبقى "عيسى" إلى جوارها وإصرارها بأن يذهب لمكتبه ليتابع عمله، جلست "غدير" بمفردها لبعض الوقت قبل أن تدق "منار" بابها للاطمئنان على زوجة ابنها بقلب أم حنون:
"عاملة إيه دلوقتي يا 'دورا'... الأزمة لسه تعباكِ؟"
رفعت "غدير" حاجبيها بتشدق وقد اتسعت مقلتاها ببريق تجاه العلبة التي تحملها "منار" بين يديها:
"أزمة إيه بس... إيه اللي معاكِ ده؟ إوعى يكون اللي في بالي."
ابتسمت "منار" بمحبة فقد صنعت (الحجازية) خصيصًا لها، فهي تعلم كم تعشقها "غدير" لتومئ بالإيجاب الذي جعل "غدير" تتناسى ألمها وإعياءها هاتفة بحماس طفلة أحضرت لها أمها الحلوى المحببة:
"الله عليكِ يا 'منوره'... يا جااااامد... هو ده الكلام... اعمل لنا بقى كوبايتين شاي بلبن ونضرب الحجازية مع بعض... يا لهوي... ده أنا بحبك حب."
ربما قالتها بمزاحها الشقي، لكنها كانت تقصد ذلك بالفعل، فهي تكن لها محبة بقلبها كما لو كانت أمها حقًا.
ألقت نفسها بين أحضانها أولًا قبل أن تركض تجاه المطبخ لتصنع كوبان من الشاي والحليب الساخن ليتمتعا بجلسة محبة يتجاذبان بها أطراف الحديث أثناء تناولهما، لتتوغل "غدير" بروحها المحبة لداخل قلوب كل العائلة.
***
الكوخ.
حل المساء وغطى الليل بأستاره سماء المدينة الملبدة بالغيوم. قضى "معتصم" وقت طويل للغاية خارج الكوخ بعد أن أصلح التدفئة. ظن أنه بحاجة لتلك الهدنة مع نفسه والبقاء بمفرده يعيد أفكاره لمسارها، فقد كان اهتمامه الأوحد هو العمل وعليه العودة لنفس المسار حتى لا يخسر كل تقدم وصل إليه، فأي شيء يخرجه عن مساره الآن هو تشتت وضياع. خطوات نحو الظلام وعليه البقاء بطريقه المضيء.
زادت الأجواء برودة فاضطر للعودة إلى الكوخ ليمكث بالداخل يستمتع بالدفء الذي بالتأكيد يعم أرجائه الآن.
تطلع لمرة أخيرة بشاشة هاتفه الذي كان يحمله بيده قبل أن يغلقه ويضعه بجيب بنطاله ليتبعه بوضع كفيه في كلا جيباه ليسير بخيلاء تليق به وبشخصيته القوية الغامضة.
تقدم بخطوات متباطئة هادئة للغاية تجاه باب الكوخ الذي فتحه ليقف مندهشًا مما يراه. أو ربما مندهشًا مما لا يراه، فقد كان الكوخ مظلمًا للغاية، معتم بشكل مقلق، فليس هناك مصباح وحيد مضيء فالظلام عم كل الأنحاء بصورة غريبة.
تقدم بخطواته التي لا يدري أن موضعها بداخل هذا الظلام وهو يحدث نفسه بتعجب:
"غريبة أوى... راحوا فين دول؟"
تجول بقاتمتيه وقد حجبت الرؤية تمامًا عن عينيه فالظلام غير طبيعي بالمرة، لم يكن بطبعه خائفًا بل متوجسًا من هذا الظلام وسببه، خاصة وقد بدأ يشعر بوجود شخص ما بالقرب منه.
وقف بثبات وهو يحدق باحثًا بكل الاتجاهات بذات الوقت ليهتف "معتصم" بانزعاج:
"مين؟"
سرعان ما أدرك أنه يتحدث بالعربية ليهتف بالإنجليزية:
"من أنت؟"
إحساس يصل لدرجة اليقين بأن هناك من هو قريب منه لكنه لا يستطيع تحديد موضوعه ومعرفة هويته وماذا يقصد بالتخفي بهذا الظلام.
حاول التحدث مرة أخرى فهذا ليس مزاحًا ولا طريفًا بالمرة:
"من هناك؟ هل هذا أنتِ يا 'كاتي'... 'عهد'... أين أنتم وماذا يحدث هنا؟"
لم يتلق إجابة عن سؤاله، لكن شعوره تعاظم بقرب أحدهم منه بخطوات خفية تقترب في الظلام، خطوات متسللة مظلمة غادرة.
تحفز لحماية نفسه من هذا القرب الذي لا يفهم ماهيته ليتجه أولًا تجاه زر الإضاءة لمعرفة من هذا الذي يتربص به، لكن قبل أن تصل يده لزر الإضاءة سمع صرير قوي يلوح بالهواء كما لو أن أحدهم يحمل شيئًا معدنيًا قويًا سينهال به عليه.
بخفة وليونة رغم انعدام رؤيته لهذا المعتدي الذي ينوي إيذائه، استطاع "معتصم" أن يتفادى هذه الضربة التي لاحت فوق رأسه بصعوبة.
لم يكاد يتملص من تلك الضربة إلا وقد حاول هذا المعتدي بسرعة مفاجئًا إياه بصرير قوي مرة أخرى تعلن ضربة قوية قادمة لا محالة. تيقن "معتصم" بأن هناك من يتربص للفتك به حين سمع صوت الصرير ينهال تجاهه، لكنه لم يستطع تفادي هذه الضربة بل…。
ويبقى للأحداث بقية.
رواية ظننتك قلبي الفصل العاشر 10 - بقلم قوت القلوب
الحقيقة قد تؤلمنا لكن إدراكها لا يسمح لنا بالبقاء مغفلين طويلًا
قائمة سوداء هي التي أحتل دومًا صدارتها
فأنا محط كل الاتهامات والظنون
أنا السيئة بكل الروايات
لا يلتمس لي أحد الأعذار مهما حدث
أنا التي لا يُقدر أسبابي
فأنا دائمًا موضع الشك
طالما تمنيت أن أكون بمقدمة قائمة أخرى
أن أكون بصدارة الاهتمام وليس الاتهام
لكنه القدر
لا يسوق لي سوى أسوأ ما فيه
هل سيحين اليوم الذي تتغير به أقداري وأحيا حياة سعيدة
سواد أعظم ومحاولة قتل وتحفز شرس
هكذا كان "معتصم" يقف بمقدمة الكوخ يستمع لصرير شيء ما يلوح بالهواء من حوله
ليتفادى الضربة الأولى التي جعلته متيقنًا أن هناك من يحاول قتله والترصد به
التف بجسده بمرونة وقوة ليقف باستعداد للدفاع عن نفسه تجاه هذا المجهول
لكن صوت الصرير الذي يلوح بالهواء جاء مسرعًا هذه المرة مستغلًا انعدام الرؤية
ليهوي باتجاه رأس "معتصم" دون معرفة من أين يتلقى الضربة
صوت لابد وأن يتبعه فقدان للإحساس
لكن ما حدث كان مغايرًا تمامًا
فهو مازال يعي كل ما حوله
بل إنه لا يشعر بالضربة أو بالألم
لقد حال شيء آخر مجهول دون تلقي تلك الضربة المباغتة
انعدم صوت الصرير وتعالى صوت اصطدام شيء صلب بالأرضية
فيبدو أن أحدهم اعترض سلاح المترصد ليسقط من يده أرضًا
هناك من ساعده وأنقذ حياته من هذا الغدر
بقفزة رشيقة أسرع "معتصم" تجاه زر الإضاءة
لينقشع السواد وتقطع أضواء المصابيح الظلام
لتتسع حدقتاه ذهولًا وهو يرى "كاتينا" تقف بمواجهة "عهد" تهتف بها بحدة وانفعال
"ماذا تريدين منا؟"
"يكفي إيذاء لنا"
"إننا لم نفعل معك شيئًا"
ضيق "معتصم" جبهته بقوة وهو يطالع بأعين ثاقبة انفعال "كاتينا" وحدتها مع "عهد"
التي كانت تقف بثبات وشموخ دون أن يهتز لها شعرة
وقع عيناه على سكين كبير ملقى أرضًا بينهما
فبالتأكيد هذا السكين الذي كانت تحمله وحاولت به قتله
عيناه الصامتتان الثاقبتان كانتا تحملان الكثير من الحديث دون التفوه به
برغم تلك النظرة الغامضة غير المفهومة التي تعتلي مقلتيه حين يخص "عهد" بها
ترك الحديث لـ"كاتينا" التي انهارت قواها وعلى بكائها المرتجف بتخوف شديد مما حدث
هوت بصورة مفاجئة بجسدها الضئيل فوق صدر "معتصم" المتيبس
والذي علق عيناه بـ"عهد" فقط
بنشيج مرتجف تحدثت "كاتينا"
"تلك المتوحشة كادت أن تقتلك حبيبي"
"لقد دفعتها بقوة لتبتعد عنك"
(رفعت وجهها تجاه "معتصم" المتيبس الذي لم يتخذ أي رد فعل تجاه كلاهما ثم استطردت)
"أرجوك يا 'ماوصي' إجعلها تتركنا وترحل"
ظل على وضعه مثبتًا عيناه الغامضتان تجاه تلك الشامخة بشكل لا يصدق
قوية بشكل مخيف
حاول أن يستشف هل حاولت حقًا قتله
لكن تعبير وجهها المتحجر لم يظهر ذلك كما كانت بالأيام السابقة
فبعد أن كان يستطيع النفاذ لداخلها وإدراك ما حقيقتها التي تخفيها أصبحت صعبة جدًا اليوم
كما لو أنها تبدلت تمامًا
أخذت "كاتينا" تحثه على التصرف معها فهذا ليس وقت الصمت
"'ماوصي' لقد فعلت ذلك بالتأكيد لأنك فضلتني عليها"
"وأنك طلبت منها الرحيل"
"إنها مريضة متوهمة بلا شك"
"كيف تجرؤ على فعل ذلك؟"
"كيف تحاول إيذائنا؟"
هل ينطق الحجر؟
هكذا كانت "عهد" قوية بغرور لا متناهي
لم تدافع عن نفسها ولم تقر به أيضًا
بل تعاملت مع الأمر كأنه واضح ولن ترهق نفسها بعناء التوضيح
حديث دفين داخل عيناها الناعستان لكنه حديث غامض غير مفهوم لـ"معتصم"
وبعض صمت طويل أجابت بكلمتين فقط
"لا... لم يحدث"
تفوهت بها لتزيد حيرة "معتصم"
لتجول بعيناه نظرات شك
لكن هذا لا ينفي أن أحدهم حاول قتله والترصد به في الظلام وقد كتب له عمر جديد
انتفضت "كاتينا" تعتدل بوقفتها وهي تمسح عيناها الدامعتان وأنفها المتوهج
لتواجه "عهد" بتعجب من إنكار "عهد" لما فعلته
"هل أنتِ مجنونة؟"
"كيف تنكرين ذلك أمام عيناي؟"
"لا يوجد سوانا هنا"
"كيف تكذبين؟"
"إنكِ لست طبيعية بالمرة"
"كل الأدلة تشير لأمر واحد منطقي وحقيقي"
"أنها حاولت قتله"
ليخرج وقتها "معتصم" عن صمته بعد تفكر بالأمر
"من الواضح إنكِ تنكرين الأمر لكن ليس هناك غيرنا لتكذبي عليه"
"لابد أن عقلك مريض"
"لقد حاولتِ قتلي"
"لهذا أطلب منكِ رجاءً إرحلي من هنا"
علت ضحكة تهكمية غريبة صدرت من "عهد"
لتقلب شفتيها باستهزاء منهما قائلة بسخرية
"أنا عقلي يوزن بلد"
"ده إنتوا في الكنافة"
"شوفوا نفسكوا الأول"
تطلع بخفة نحو "كاتينا" ليعيد بصره تجاه "عهد" محاولًا إظهار ضيقه وعدم تحمله لتصرفاتها
أظهر "معتصم" امتعاضًا لرد "عهد" المتعجرف قائلًا
"لا داعي لهذا الجنون"
"وجودك أصبح غير مرغوب به"
"رجاءً إرحلي"
"والآن"
أومأت "كاتينا" بحماس تشير نحو الخارج
"نعم... غادري المكان"
"اخرجي من حياتنا"
تطلعت نحوهم "عهد" باستنكار شديد وعدم تقبل لطلبهما
لتتراجع بخطوات واثقة نحو الأريكة
ثم جلست بأريحية تثير حنق متابعيها بدون اكتراث لهم
لتضع ساقها الطويل فوق الآخر بغرور مردفة
"أنا قاعدة هنا... ومش حروح في حتة"
صدح صوت الرعد ينهي تلك الحالة الغريبة
فرغمًا عنهم عليهم تقبل بقائها حتى انتهاء العاصفة
ليهتف "معتصم" من بين أسنانه
"معاكِ لحد الصبح وتكوني مشيتِ من هنا"
"ساعتها الجو يكون اتحسن"
"فهمتِ"
تطلعت به "عهد" بنظرة تحدي بجولة جديدة ترى من سيكون بها فائز
اضطرت "كاتينا" لتقبل وجود "عهد" على مضض حتى الصباح كما أخبرها "معتصم"
مازال المساء طويلًا ولم تنتهي الليلة بعد
بوسط المدينة حيث تزدحم بسكانها وصل "رؤوف" للتو لإصطحاب "نيره" من أمام متجرها الخاص ببيع مستحضرات التجميل
حيث انتظره ليهتف بحديثه المنمق
"مساء الجمال على أحلى بنت في مصر"
رفعت "نيره" حاجبيها باستياء وهي تشيح بوجهها الممتعض عن "رؤوف" قائلة
"في مصر بس؟"
دلاله لها هو غاية بحد ذاته بالنسبة لها
شعورها بأنها محط الاهتمام والدلال والإغداق بكل ما هو غالي ونفيس لأجل إرضائها شعور لذيذ تتوق دائمًا للإحساس به
كلما قل اهتمام "رؤوف" بها بأي حال افتعلت "نيره" أمرًا ليعود ليسترضيها ويحاول تملقها وإكسابها شعورًا بالأهمية بحياته
تصنعها الضيق من مجاملته لها جعلته على الفور يحاول كسب ودها ورسم السعادة على محياها
ليهتف بنعومة أرادت بالفعل الوصول إليها
"هو حبيبي زعلان ولا إيه؟"
"ده أنا مع أجمل بنت في الكون كله"
"بس الكون بيضلم لما بيزعل"
ابتسمت "نيره" بغرور بعد أن سعدت بتملقه لها
ليعاود "رؤوف" قائلًا
"أيوه كده خلى الدنيا تنور"
"يلا بينا"
حركت رأسها بخفة مجيبة إياه
"يلا"
"وخلي عربيتي هنا جنب الستور (المحل) ونرجع ناخدها لما نخلص لفتنا"
"اللي يشوفه القمر"
التف "رؤوف" تجاه مقعد السائق ليحرك السيارة بعدما اتخذت "نيره" المقعد المجاور له
ليتجها نحو بعض معارض الأثاث لاختيار المناسب منها
بيت محفوظ الأسمر
"أنت كل أشيائي التي أحبها"
"وأنت أيضًا نقطة ضعفي وسبب انهزامي"
هكذا نظرت "وعد" لطفلها "زين" وهو يشب بأطراف أصابع قدميه يحاول الوصول لقنينة العصير التي وضعت فوق طاولة المطبخ
كم كان مزيجًا ساحرًا بين ملامحها اللطيفة وبين هيئة والده "عاطف"
حتى أنه يحمل لون عيناه العسليتان
حاول بكل جهده الوصول لمبتغاه لكنه فشل بالنهاية
ليتحول ببصره نحو والدته لمساعدته بالحصول على بعض من العصير الذي يحبه
"عاوز عصير من ده يا ماما"
طلب بمنتهى اللطافة والأدب جعلها تلتف نحو الخلف تناظر أولًا قنينة العصير الأحمر
لتدنو ببسمة ضعيفة لتحملها بين يديها تضع بعضًا منها بالكوب البلاستيكي المغطى الخاص بـ "زين"
تناول الكوب من بين يديها ليستمتع بارتشافه فهو يعشق عصير الفراولة
بينما ظلت "وعد" تحدق بلون العصير الأحمر
عصير الفراولة المحبب لنفسها ولابنها
لتتذكر عصيرًا آخر مختلفًا تمامًا
فلاش باك
﴿ كعائلة ثرية لا يهمها فيما تنفق أموالهم فقط يهتموا بأن ما يطلبونه يجدونه
خاصة هذا الأناني الذي اعتاد على الحصول على مبتغاه بأي شكل وصورة
لا يهمه كيف يحصل عليه بل كان من النرجسية ليطغى بغرور للحصول على ما يريد بأي وقت وبأي شكل
كان نهارًا عاديًا للغاية حين استفاق "عاطف" من نومه بنعاس وتكاسل
ليعبث بخصلات شعره الثائرة يشعر بالراحة والاستمتاع لاسترخائه لفترة من الزمن بعد نوم طويل مستغرق بالأحلام
راحة ونشوة لابد وأن يتبعها ما يكمل به تلك الحالة من السعادة الخيالية التي رسمها لنفسه
طلب مناديًا "وعد" ليستكمل حالته النفسية المنعشة
"'وعد'... يا 'وعد'"
"هاتيلي عصير الكيوي بتاعي"
تقدمت "وعد" تجاه باب الغرفة تناظر هذا المتكاسل وهو يتمطى بسعادة وقد علت بسمة بلهاء فوق ثغره
حالة لم تمر أمامها من شهور عديدة
فـ"عاطف" هادئ البال ومبتسم
أقبلت ببسمة منها لعلها تجد سبيلًا للتفاهم وكم تتمناه وتتوق لأن تعود حياتها للاستقرار والهناء
"شكلك رايق النهارده"
تلكأ "عاطف" وهو يتملل بفراشه لا يود النهوض من نومته ليجيبها من موضعه
"الصراحة آه... وماليش مزاج أتعكنن"
"أنا بقولك أهو"
جلست إلى جواره تحدثه بنبرتها الهادئة الناعمة التي تميزها
"أنا ولا أحب العكننة ولا عايزة أشوفها"
"وإنت متأكد إني مش نكدية أبدًا"
رفع رأسه ناظرًا نحو وجهها المستدير بتتمعن كمن غاب عنها لزمن طويل
فملامحها تغيرت قليلًا وأصبح وجهها أكثر استدارة زاده جمال
وظهر لون عيناها الخضراوتان بسحر فاتن
ليحدثها بمحبة اشتاقت لها منذ زمن بعيد
"إنتِ إحلويني كده ليه؟"
"فيكِ حاجة متغيرة"
نظرت لنفسها بتعجب قبل أن تجيبه مستنكرة تلك الملاحظة الغريبة
"متغيرة... متغيرة إزاي؟"
"أنا زي ما أنا"
ثم حاولت أن تبدأ بمعاتبته
فكم حياة تبدأ بعتاب قلوب محبة
أمل جديد يشرق بحياتها الرمادية
لا تصل للسواد أو للبياض فيها
تلك المنطقة العالقة بالمنتصف تمامًا كاللون الرمادي
"مش يمكن إنت اللي مش واخد بالك مني؟"
"بقالنا فترة يا 'عاطف' بعيد عن بعض أوي"
زم شفتيه العريضتين بحنق وهو يعتدل مردفًا باختناق
"بدأنا النكد"
"ما قلت لك بلاش نكد أنا مزاجي رايق النهارده وماليش نفس أتعكنن"
بعيون محبة ونظرة عتاب دنت إلى جواره مستطردة بهدوء صوتها الحنون
"هو عشان بقولك إننا بقالنا فترة بعيد عن بعض يبقى بنكد عليك؟"
"يا 'عاطف' أنا نفسي نرجع زي زمان"
"فاكر؟"
"فاكر كنت بتحبني إزاي؟"
"ولا خلاص... دلوقتي الحب ده راح"
رفع كفيه يدفع بهما خصلات شعره العشوائية بامتعاض من توالي عتاب "وعد" وإظهاره بأنه مقصر تجاهها
ألا عليها أن ترضى بقبوله بها
ذلك الإحساس بأنه أكثر مما تستحق
"يووه... أيوه... راح"
"معدش فيه حب ولا بطيخ"
"احمدي ربنا إني اتجوزتك"
"وبقيتي حرم 'عاطف الأسمر' أغنى شاب في المنطقة كلها"
"'عاطف' اللي أول ما يتسمع اسمه الحتة كلها تقف على رجل وبنات أحلى وأجمل منك بكتير يتمنوا لي الرضا أرضى"
لو كان فقط احتواها بكلمة حنونة لكانت ألقت الدنيا تحت قدميه ولم تهتم لأي مشاكل سببها أهله
لما شعرت بأنها كزهرة وسط الرمال الجافة
ربما لو كان أقل أنانية مما هو فيه لكانت أحبته وفضلته حتى على نفسها
غصة علقت بقلبها مرة أخرى من نرجسيته وتعاليه وحبه لذاته الذي لا ينتهي
ضمت شفتيها بحنق تبتلع بقية كلماتها المعاتبة
فحتى العتاب هو لا أهل له
طالعته بنظرة يملؤها اللوم والاتهام بالأنانية
لكن ماذا تفعل التلميحات مع قلب ثقيل الفهم والإحساس
صمتها المتألم كان راحة وصفاء له ليعود مستمتعًا بالصمت والهدوء
لكن غلفه بطلباته المستفزة
"هاتي لي عصير الكيوي بتاعي"
"وإنزلي عند ماما هاتيلي الفطار بتاعي هنا"
"ماليش مزاج أفطر معاهم تحت"
"أنا مش رايح المعرض النهارده"
شهقت "وعد" بتخوف قائلة
"فطار إيه اللي حنزل أجيبه؟"
"مامتك مش حترضى تديني الأكل أبدًا"
"دي حتفتكر إني حاكله أنا لوحدي هنا"
"أو يمكن تفتكر إننا حنعزل عنهم"
"لا يا 'عاطف'... بلاش"
نهض بعصبية وهو يزيح الغطاء عن جسده متمتمًا بغيظ
فقد حاولت حتى نجحت في إفساد لحظته السعيدة الهانئة بتذمرها وطريقتها التي تخرجه دومًا عن شعوره
"ارتحتي يا 'وعد'؟"
"أنا خلاص قمت أهو ومزاجي اتعكر"
"يا رب تكوني مبسوطة"
"دي العيشة معاكِ بقت تقصف العمر"
"أنا عارف إنك في يوم حتجيبي أجلي بهمومك اللي مبتخلصش دي"
باندهاش لما قلبه من حقيقة للتو
فبدلًا من أن يشعر بمدى الذل الذي تشعر به بأقل طلب لحق صغير من حقوقها وهو تناول الطعام برفقة زوجها بحرية أو حتى تناول الطعام بشقتها بوجه عام لتحكم والدته ووالده بأن كل شيء هم يسمحون به أو يرفضونه
كل ما يخص حياتها لابد وأن يخضع لأهل زوجها وعليها السمع والطاعة فتلك الحياة ببيت العائلة
بلحظة أصبحت هي المخطئة والتي تثقله بهمومها وحزنها وطبعها النكد كما يرى
كيف استطاع قلب الحقيقة بهذه الطريقة
لم تجد سوى كلماتها الضعيفة تدفع به ظلمه لها قائلة
"أنا يا 'عاطف'... أنا همومي مبتخلصش"
دفعها من كتفها بقوة فلم يعد يود رؤيتها أمامه قائلًا بجفاء
"غوري هاتي لي العصير"
"وعلى الله تجيبي لي الفراولة دي"
"مبحبهاش"
"أقولك... أنا مش حجيبها تاني في البيت ومن هنا ورايح هو عصير الكيوي وبس"
ضحكت بتهكم ثم أردفت بضيق
"حتى الحاجة الوحيدة اللي بيحبها 'زين' وبتجيبهاله مخصوص مش حتجيبها تاني؟"
"اه... هو كده واللي عندك إعمليه"
"مش عاجبه عصير الكيوي ميشربش خالص"
أنهى عبارته ليصفق باب المرحاض من خلفه
تاركًا إياها تتابعه بعينان متسعتان من الاندهاش من جموده الذي يزداد يومًا بعد يوم
ليمُّر وقت طويل حينها فقط أتى الرد برأسها بعد انتهاء الأمر تمامًا
فياليت الردود المتأخرة تدرك بأي وقت تتجلى فقد أهدرت حقوق لتأخرها
لم تجد سوى نفسها بعد وقت طويل لتردف
"ابنك يا 'عاطف' مش شبهك"
"ابنك عمره ما حب اللي إنت بتحبه"
"ولا يمكن أجبره يكون نسخة منك"
"'زين' لازم يكون حد تاني لكن مش 'عاطف'"
﴾ عادت لواقعها وهي تضع قنينة العصير بالبراد الذي امتلأ بعصير الفراولة فقط ولم يتواجد به زجاجة واحدة من هذا الكيوي بعد الآن
يوم عمل طويل يكفي إرهاقه المتكرر
يتوق المرء لنهاية دوامه ليتخذ طريق عودته حيث الراحة والاسترخاء
بعكس "رؤوف" الذي بدأ إرهاقًا من نوع آخر بعد مقابلته لـ"نيره" لبحثهما عن أثاث مناسب لشقتهم
بنفس طيبة كان ليتحمل هذا الإرهاق
لكن "نيره" كانت تتمتع بذوق مختلف صعبة الإرضاء
فقد باءت جولتهم منذ ساعات بالفشل فلم يتحصلا على غرفة واحدة ترضي ذوق "نيره" الصعب
بأعين زائغة مرهقة وقف "رؤوف" بأحد زوايا معرض الأثاث
يدفع بعيناه الناعسة للبقاء متيقظًا
فهو يبدأ يومه منذ الصباح الباكر ويغلبه النعاس مبكرًا أيضًا
استدارت نحوه "نيره" وهي تحدجه بنظرة حادة أثناء حديثها مع أحد الموظفين بهذا المعرض
لتهتف به بإنفعال
"إنت واقف هناك وسايبني أختار لوحدي"
"أوووف"
تحرك "رؤوف" يجر ساقيه المتعبتان ينقل بصره بين الموظف تارة وبين "نيره" المنفعلة تارة أخرى
حاول رسم بسمة على شفتيه لكنها خرجت مرهقة متكلفة للغاية
إحساس متعاظم بالتعب لم تقدره "نيره"
بينما شعر به الموظف لما وجده من شخصية "نيره" المتطلبة
فهي بالتأكيد شخصية مرهقة بالتعامل معها
حاول "رؤوف" السيطرة على انفعالها بحنانه المعتاد
"يا روح قلبي أنا سايبك تختاري اللي تحبيه"
"دي مملكتك إنتِ"
"وإنتِ لازم تكوني مبسوطة وسعيدة فيها"
عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تجيبه ببعض التحكم وفرض الرأي
"ولو... لازم تكون معايا"
"أنا مش حقعد فيها لوحدي"
"أينعم أنا ذوقي حلو... بس لازم تكون معايا"
حرك رأسه بخفة منصاعًا لها
فهي معها بعض الحق بذلك لينصت لما سيعرضه عليهم الموظف حين استكمل موضحًا
"وعندنا كمان أوض النوم المودرن دي زي ما حضرتك شايفه كده"
ألقت "نيره" نظرة سريعة بنوع من التقزز نحو الجانب الذي أشار إليه
لترفع كتفها وتهدله بعدم تقبل وقد امتعض وجهها بنفور قائلة
"لأ... مش قد كده"
"شوف... أنا عايزة شكل معين"
"حاجة كده واو... مش أي حاجة والسلام"
"لو عندكم كتالوجات أحب أشوفها وممكن أقولكم على تصميم معين تصمموهولي وبالألوان اللي أطلبها"
"تحت أمرك يا فندم"
"أجيب لحضرتك كتالوجات بالتصميمات المتاحة"
تركهم الموظف ليعود بعد قليل حاملًا بعض الكتيبات التي تحمل تصميمات لغرف عديدة
أخذت "نيره" تقلب بين صفحاتهم بتملل وهي تطالع الصور لتلك التصميمات
لتمتعض برفض لما تراه قائلة
"لأ لأ... مفيش فيهم حاجة عجباني"
"كلهم ذوقهم وحش أوي"
(ثم التفتت نحو "رؤوف" الذي أصابه الملل والإرهاق يحلم باللحظة التي يعود بها لفراشه ليغط بنوم يتوق إليه بالفعل
حين وجهت له "نيره" حديثها)
"يلا يا 'رؤوف' نشوف مكان تاني"
"مش عاجبني حاجة هنا"
حلقت مقلتيه بتشتت وهو يردف بهمس منهك القوى
"مش قادر يا 'نيرو'... كفاية كده النهارده"
"إحنا لسه حنروح مكان تاني؟"
نفخت "نيره" بضجر من تصرفات "رؤوف" التي تسبب لها الضيق
لتهتف به بإنفعال دون اكتراث لوجود الموظفين من حولهم
"مش معقول كده...!!"
"كل يوم تأجيل تأجيل"
"هو إنت مينفعش تكمل حاجة كويس لحد الآخر؟"
"كل حاجة لازم تبوظها وتخليها دمها تقيل؟"
وضعه كفه بدهشة فوق صدره متسائلًا بتعجب وانزعاج
"أنا يا 'نيرو'... أنا؟"
حملقت بقوة تجاهه وهي تستكمل بذات الحدة كما لو تعنف طفلها الصغير
"أيوه إنت... إنت كده على طول... مفيش وقت إلا ولازم تزعلني فيه"
سحب "رؤوف" نفسًا عميقًا مطولًا قبل أن يزفره دفعة واحدة محاولًا التروي قبل أن يجيبها
ليتغاضى عن حدتها ويحاول إرضائها حتى إن كان ذلك على حساب راحته وإرهاقه الذي تمكن منه
"خلاص حبيبي... زي ما تحبي... يلا نكمل... ولا تزعلي"
هو ليس عديم الشخصية بل هو يؤثر ألا يسبب لها الضيق بمواقف يمكنه أن يتغاضى عنها أو يتحمل لأجلها ولأجل إسعادها
فهي عروس ومن حقها بعض الدلال باختيار ما تحب حتى لو على حساب نفسه
ليتخذا طريقهما مستكملان مرورهم بالمعارض بحثًا عما تحبه "نيره" ويرضيها
مكتب عيسى للمحاماة
تفاجأ "عيسى" بحضور والده لمكتبه
ليرحب به بحفاوة شديدة وقد اتسعت بسمته حين نهض من مقعده لتحيته
رسخ "خالد" بأبنائه جميعًا أخلاقًا عالية ومحبة برغم شخصيتهم القوية
كنز تأصل بنفوسهم هو محصلة عمر طويل من العمل والأخلاق والالتزام
ربما لم يورثهم المال لكنه على الأقل يشعر بالرضا لما بثه بنفوسهم من تربية صالحة وأخلاق عالية
رغم تبدل خصلات شعر "خالد" للونها الأبيض المخلوط ببعض الشعيرات السمراء التي مازالت تحتفظ برونقها بعد
إلا أن له مهابة مرجفة خاصة بنفوس أبنائه لم يكنون له احترامًا وهيبة وقوة
تلك الرجفة التي أصابت "عيسى" بحضور والده ليهتف
"بابا...!! أهلًا يا بابا... اتفضل"
دلف "خالد" بخطواته الرزينة لداخل المكتب قائلًا
"أنا قلت أعدي عليك نروّح سوا... مش خلصت شغلك ولا لسه؟"
أشار "عيسى" نحو أحد المقاعد الجلدية بتأدب وتوقير لوالده أولًا
"اتفضل أقعد الأول... أنا باقي لي حاجة بسيطة أوي ونروح على طول"
أومأ "خالد" بتفهم ليجلس متفحصًا أرجاء المكتب بعيناه المتجولتان
متطلعًا نحو المكتب وترتيبه المنظم للغاية يشبه "عيسى" تمامًا
"حلو ترتيبك الجديد للمكتب"
إثناء والده عليه لهو بمثابة شهادة تقدير ذات قيمة عالية ليسعد "عيسى" بذلك مردفًا
"حسيت إن كده أفضل والملفات أوضح بالنسبة لي"
ثم تطرق لسؤاله عمن تشغل قلبه وعقله ينبوع حياته
"'غدير' نزلت لكم يا بابا... أحسن أنا قلقان عليها أوي؟"
"لأ متقلقش... والدتك طلعت لها قبل ما أنزل... وكمان عملت لها الحجازية اللي بتحبها"
اطمئن بالًا ليهتف بنوع من المزاح
"طالما فيها حجازية يبقى كده 'غدير' حتبقى تمام التمام"
دلت "سندس" تقطع حديثهم بابتسامة أظهرت شفتيها العريضتان متحدثة بنبرة ودودة للغاية وهي تميل بصينية وقد وضع عليها فنجانين من القهوة
"اتفضل قهوتك يا سيادة المستشار"
لم تلق "سندس" الترحيب المرجو من طريقتها الودودة وتقديمها للقهوة بنفسها
بل لاقت ضيق واقتضاب بوجه هذا المسبب للاضطراب بنفسها
"قهوة؟!"
"أنا مطلبتش قهوة يا... أستاذتنا"
رمقها "عيسى" بضيق ثم سألها بنبرة حادة
"إنتِ جايبه القهوة بنفسك يا أستاذة؟"
وأصر "عيسى" على نطق كلمة (أستاذة) بتلك الحدة للالتزام بحدود عملها بالمكتب
ثم استكمل متسائلًا
"لو كنا عاوزين قهوة كنا طلبناها من عم 'شاكر'"
ابتلعت ريقها باضطراب وهي تملس على شفتيها الجافتين بطرف لسانها ترطبه قليلًا قبل أن تردف بتوتر
"وهو يعني سيادة المستشار أي حد؟"
أمسك "خالد" بالفنجان الذي تقدمه نحوه لينهي هذا الوضع غير المستساغ بالنسبة إليه
فيما تقدمت بخطوات قليلة لتناول "عيسى" فنجانه
حين استمر بالتطلع نحوها بذات النظرة الغاضبة ثم هتف بحدة
"شكرًا... مش عاوز"
استقامت "سندس" وهي تلملم نفسها المهتزة بفعل كلاهما والذي كادت أن تظهر تملقها الزائد لوالد "عيسى"
لتتراجع نحو مكتبها بالخارج بنفس مضطربة كمن يحاول سرقة ما ليس له وأمسك بالجرم المشهود
وضع "خالد" فنجانه جانبيًا محدثًا "عيسى" بذات الغموض
"شاطرة أستاذة 'سندس'... مش كده؟"
تساؤل يحمل عدة معانٍ أراد بها "خالد" معرفة سبب عملها بمكتب "عيسى" منذ فترة طويلة
ولم هي بالخصوص وليس غيرها
خشية أن يكون الأمر يتعدى مساعدة له بالمكتب ويكون هناك علاقة لا يعلمها بين كلاهما
رفع "عيسى" رأسه تجاه والده ليجيبه بنفس الذكاء الذي ورثه منه بصورة تلقائية
ألقت الاطمئنان بقلب "خالد" حين أجابه بهدوء وحزم
"'سندس' محامية شاطرة... وذكية جدًا... وده رغم عيوبها... إلا إن ده اللي مخليها مستمرة معايا"
لم يكتف بذلك السبب للإيضاح فطبيعته المتسائلة كقاضي جعلته يبحث دومًا عن اليقين
كما أن اعتبارهما "غدير" ابنة لهم جعله يتحرى الأمر كما لو كان بهذه اللحظة والدها هي وليس "عيسى"
"يعني شغلها ده مفيش غيرها يقدر يعمله؟"
(ثم استكمل بذكاء)
"أصل إنت عارف البنات مش لازم تتأخر بالليل كده!!"
تلقائية "عيسى" وثبات نبرته بالإجابة كانت بمثابة دليل على صدقه كما يرى والده
"هي مشتكتش قبل كده"
"ويمكن يكون طبعًا حد شاطر زيها لكن للأسف أنا لحد دلوقتي مقابلهوش عشان يساعدني هنا في المكتب"
لثقته بوضوح واستقامة ولده بدل "خالد" سياق الحديث لآخر فيكفي أسئلة بهذا الأمر حتى لا يأخذ أكثر من حده
"أنا لسه جاي من شركة عسرانكو للاستيراد والتصدير"
"عرضوا عليا شغل معاهم كمستشار قانوني"
"والصراحة لقيتهم شركة كويسة والفرصة مناسبة جدًا ليا"
بإنبهار متفاجئ بما يخبره به والده استطرد "عيسى"
"بجد... دي فرصة كويسة جدا يا بابا... مبروك"
بإيماءة خفيفة استقبل "خالد" تهنئة "عيسى" له
ليردف بنبرة حازمة
"طب مش يلا بينا ولا إيه؟"
"كده الوقت اتأخر"
"أكيد... أنا خلاص كفاية كده النهارده"
أغلق "عيسى" الملفات ليضعها بدرج مكتبه أولًا قبل أن ينهض مغادرًا برفقة والده ليعودا إلى البيت لتناول وجبة عشاء لطيفة برفقة "منار" و"غدير" التي شعرت بالامتنان لوجودهم حولها وتعويض ما فقدته من دفء أسري فكم هي محظوظة إلى جوارهم
الكوخ
بين أمواج من الأفكار وصمت لاح في الأفق تشتت دون يقين هل ما أحسست به هو شعور بالسعادة أم هروب من عقلي لتجنب الوحدة والحزن
تنهدت "عهد" وهي ترى ما آلت إليه الأمور وبقيت جالسة بالبهو وحيدة
فوق تلك الأريكة التي تتوسط الأرجاء جلست محاولة البقاء واعية فلن تترك نفسها تسقط في راحة النوم
عليها أن تبقى سواء مخيرة أم مسيرة
عبثت بهاتفها لبعض الوقت وهي تسترق النظر بين الحين والآخر تجاه غرفة المكتب الخاصة بـ"معتصم"
حيث جلس هو و "كاتينا" يتجنبونها حتى يحل الصباح
كانت أشبه بالرقيب عليهما
وجودها خارج غرفة المكتب جعلهما حبيسين الداخل
حتى الحديث قد قطع تمامًا فهي لم تسمع أصواتهم منذ مشادتهم وطلب "معتصم" منها الرحيل وجلوسها بعناد ترفض ذلك
وجبة عشاء أخرى منهكة القوى قام بها "رؤوف" برفقة "نيره" بعد تجول دام لساعات للبحث عن واقع ملائم لخيال "نيره" بأثاث بيتهم الجديد
انتهى بهم المطاف بأحد المطاعم لتناول الطعام كما أصرت "نيره"
فـ"رؤوف" من النوع المتخوف من تناول أي طعام خارج البيت لشعوره بعدم نظافته وأنه لابد أن يكون ملوث
وسوسة تشعره بعدم الارتياح لكنه مجبر الآن حتى لا تظن "نيره" أنه بخيل كما تنعته دائمًا
فهو موضع خلاف آخر بينهما
قلبت "نيره" نظرها بإنزعاج من تأفف "رؤوف" من طعامه لتنهره بحدة
"ما تاكل كويس يا 'رؤوف'... ولا الأكل مش عاجبك برضه؟"
"هاه... لآ أبدًا باكل أهو يا 'نيرو'... إنتِ عارفه مش بحب الأكل بره البيت أوي"
تذكرت "نيره" عزيمة والديه لتكز بأسنانها بغيظ مردفة بسخط
"آآآه... قول كده بقى... بتحب أكل البيت... ومياصة الناس اللي في البيت؟!"
هز رأسه بدون فهم لمقصدها مردفًا بتساؤل
" قصدك إيه؟"
رفعت حاجبيها وهي توضح باستياء
"قصدي الست 'غدير' وأختها دي اللي اسمها 'مودة'"
لم يدرك ما الرابط بين تناولهم العشاء وبين زوجة أخيه وأختها لتسائل بعدم فهم
"مالهم بس... دخلتيهم في العشا ويومنا ليه؟"
هتفت وهى تدنو برقبتها للأمام وقد ظهرت أسنانها بإنفعال من بين شفتيها لتخرج كلماتها نبرة غاضبة مشحونة النفس بغيظ شديد منه ومنهن
"ليه؟... أقولك ليه... لأنك واحد عينك زايغة... وهم كمان... بيحشروا نفسهم كأنهم بيفهموا اللي محدش بيفهمه"
تذكر هجوم "نيره" على "غدير" ومن قبلها "مودة" بالأمس
ليضطر بإسلوبه اللطيف امتصاص غضب "نيره" وغرورها لشعورها بأنها لابد وأن تكون الأفضل
فهو لن يتحمل مشكلة جديدة منها ليردف بلطافة
"سيبك منهم يا قلبي... هو فيه زيك إنتِ ما شاء الله عليكِ... عبقرية"
"عارفه كل حاجة... مش شايفه ذوقك في العفش عامل إزاي؟"
(ثم أكمل مغيرًا مجرى الحديث بذكاء)
"دي الشقة حتبقى تحفة فنية... حاجة كده مجاش ولا قبلها ولا بعدها"
تملق ذوقها الراقي جعلها تتراجع عن حدتها لتشعر بالزهو من نفسها وذوقها مردفة بغباء حيث انساق خلف ما أرادها التوجه إليه
"بجد عجبك ذوقي؟"
"تحفة"
قالها وهو يعيد جذعه للخلف فقد وصل لما يوده وانتهت مشكلة كانت على وشك البدء
أردفت "نيره" بغرور وتباهي
"عشان تعرف إن 'نيرو' مش أي حد ولسه لما تشوف الفرش كمان حتبقى الشقة واو"
"مش زي شقة أخوك 'عيسى'"
بهت من انتباهه بأنه مازال أمامه شوط طويل للغاية باختيار ما تتحدث عنه لتأثيث الشقة
ليكتفي بإيماءة مشتتة وبسمة مصطنعة تخفي هذا العناء الذي ينتظره مع "نيره" صعبة المراس
ليل طويل يسير بطريقه ليتبعه بداية يوم جديد
يوم روتيني على البعض
يترقبه آخر كمن ينتظر حلول الصباح بنفس متشوقة
مكتب طه قدرى
بوجه قلق وملامح مكفهرة أخذ "طه" يتحرك بعشوائية وهو يستدير بجسده النحيل نحو أحدهم يخرج ما به من ضيق بوجهه دفعة واحدة
"يعني إيه يا 'سامح'... يعني إيه مش عارف"
"أنا لازم أعرف كل التفاصيل"
أجابه رفيقه بتملل من تكرار طلبه الصعب للغاية
"آخر المعلومات اللي عرفتها إنها وقت العاصفة انفصلت عن المجموعة والإتصالات صعبة من وقتها"
"ومش عارف حاجة غير كده"
مال "طه" قليلًا وهو يشير بذراعه كاملًا باتجاه الباب قبل أن يكز بأسنانه بحنق
"ما هو اللي أصر إنها تطلع... شغلانة زي دي أنا قلت إنها متنفعهاش"
"أعمل إيه دلوقتي؟"
مسح وجهه المنفعل محاولًا التحلي ببعض الهدوء والروية بالتفكير
ليستطرد بعد أن زفر بعض الهواء الذي أثقل رئتيه
"تقب وتغطس تجيب لي كل التفاصيل عنها"
"أنا مش حفضل قاعد هنا ومش عارف حاجة"
"فاهم؟"
"كل حاجة لازم أعرفها"
أومأ "سامح" بتفهم ليجيبه بعملية
"أنا حعمل اللي أقدر عليه... بس أنا رأيي تريح نفسك في الحكاية دي"
برفض قاطع أجابه "طه"
"لأ... لا يمكن أبدًا... مش هو اختارها تسافر... ومسمعش كلام حد فينا"
"يبقى لازم أكون عارف باللي بيحصل خطوة بخطوة"
زم "سامح" شفتيه بامتعاض من إصرار "طه" على تعقب "عهد" بتلك الصورة دون علم رئيسهم "نظمي"
ليردف بتملل
"ماشي... حاضر"
الكوخ
نعاس يغلب عيناه القاتمتين دون السماح له بالتملك منه
هكذا قضى "معتصم" ليلة طويلة للغاية بغرفة مكتبه خاصة وقد شاركته بها "كاتينا" لمَ أظهرته من تخوف من "عهد" لتبقى نائمة فوق أحد المقاعد بينما بقى هو ساهرًا متعبًا لم يغمض له جفن
بأعين مرهقة انتظر استيقاظ "كاتينا" لتحضر له بعضًا من مشروب القهوة لتساعده على البقاء صحوًا وتزيل من بعض ألم رأسه الذي حل به
فتحت "كاتينا" عيناها الناعستان لتقع زرقاوتيها على "معتصم" الذي مازال يعبث بحاسوبه
تمللت بنومتها لتستند محاولة الاعتدال من تلك النومة السيئة فوق المقعد
لتردف بنبرة ناعسة ناعمة للغاية
لولا قدرته على التحكم بنفسه القوية وأخلاقه التي لا تسمح له بالانحراف أو التدني عن طريق الاستقامة
لكان فاه بنعومتها التي لا تقاوم
"صباح الخير 'ماوصي'... هل مازالت متيقظًا منذ الأمس؟"
أجفل جفناه لوهلة بإرهاق وهو يجيبها بإيماءة خفيفة من رأسه
"نعم... هل يمكنك صنع لي بعضًا من القهوة فرأسي يؤلمني للغاية"
وقفت ببطء وهي تمطئ جسدها النحيل قائلة
"بالطبع 'ماوصي'... لا عليك إنه أمر بسيط للغاية"
أوقفها "معتصم" بسؤال قلق
"'كاتي'... هل تظنين أن بقاءنا هنا مع 'عهد' أصبح آمن؟"
التفتت إليه "كاتينا" بوجه قلق لتتفكر قليلًا قبل أن تجيبه وهي تقلب شفتيها بعدم إدراك
"لا أدري... لكنها ليست إنسانة متزنة بالتأكيد وعلينا الحرص منها قدر الإمكان"
"لقد كادت تقتلك بالأمس"
زم "معتصم" شفاهه بخفة وهو يوضح لها المأزق الذي يحيط بهما
"أعلم ذلك... لكن إلى أين يمكننا الذهاب؟"
"إن الطرق مقطوعة والجبال تحيط بنا من كل الاتجاهات"
"إن الأمر متأزم للغاية... حتى أنني لا أجد حلًا للأمر"
تنهدت "كاتينا" بتشتت ولاذت بالصمت لبرهة قبل أن تجيب حيرته
"حقيقة لا أعلم... لكن بالتأكيد سنجد مخرجًا"
"سأصنع القهوة أولًا ثم أعود إليك"
خرجت "كاتينا" من غرفة المكتب متجهة نحو ركن المطبخ لتحضير القهوة
لكنها مرت أولًا من أمام "عهد" التي مازالت مستيقظة هي أيضًا منذ الأمس
فيبدو أن النوم زائر بعيد لم يصاحبهم بالأمس
نظرات نارية حاقدة بين كلتاهما
لترمق "كاتينا" بحدة تخص "عهد" بنظراتها المتقززة
بينما أعلت "عهد" من هامتها
تنظر باحتقار لتلك الضئيلة
قطة شرسة تماسكت رغمًا عنها عن الانفلات والانقضاض على تلك الشقراء
لكنها لن تكون بهذا الضعف ويجب عليها التحلي بالحكمة والتصرف بعقلانية حتى لا تفسد الأمر كافة
لكن الأمر لم يخلو من تلك النظرات التهديدية من عيناها القويتين
مع حركة "كاتينا" لإعداد القهوة شعرت "عهد" بثقل يجذب جفناها بقوة
لتغمض عيناها بدون إرادتها بين غفوة واستيقاظ
نوم متقطع وأعين زائغة ذلك ما حصلت عليه ببقائها هنا بالبهو
أفاقت "عهد" بعد مرور بعض الوقت لتشعر بألم قوي يجتاح رأسها إثر غفوتها الغير مريحة
ضغطت جفناها بقوة تجبرهما على الاتساع ومحاولة التركيز
لكنها كانت مرهقة مشتتة للغاية
نهضت متجهة نحو ركن المطبخ لتتخطى تلك الحالة باحتسائها لفنجان من القهوة التي حضرتها "كاتينا" منذ قليل
فيبدو أنها غفت حين أنهت تحضيرها
وقفت بذهن مضطرب وبدون تركيز تتجول بعيناها الزائغتان بتشتت
ثم اتجهت نحو أحد الأركان تناظر أحد الأرفف والذي وضعت عليه قارورات الأدوية وبعض العلب المختلفة
لتحاول التقليب بينهم لاختيار أحدهم فلابد أن بهم علاج لهذا الصداع
سحبت قارورة صغيرة وقد دون عليها (منوم قوي للغاية)
(قرص واحد منه كفيل للتسبب بالنوم العميق لكن إن زادت الجرعة فهو مميت بالتأكيد)
أخرجت محتوى العلبة وهي تناظر ما براحتها من أقراص بأعين متسعة وبريق مندهش
فقد أدركت للتو ما عليها فعله
ويبقى للأحداث بقية