الفصل 19 | من 27 فصل

رواية ظننتك قلبي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
18
كلمة
7,552
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

أحيانًا نتمنى ألا نفهم، أن نترك الأمور على سجيتها. يُفهم ما يُفهم ويُترك ما يُترك. أن نتغافل عن الثقوب والأخطاء وأن نبقى على سكوننا بدون أي رد فعل، كما لو أن رد الفعل سيمحو الضرر الذي سيلحق بنا. إدراكنا للحقيقة مجهد للعقول، مؤلم للقلوب، مؤذٍ للنفس. ففي بعض الأحيان نفضل ألا نصدق. *** المخابرات العامة...

ليس من السهل أن يمر بهذا التخبط. هو من لا يهزمه شيء يشعر بالألم والانهزام. خرج "معتصم" من مكتب "نظمي" هاربًا من وجوده مع "طه"، هذا الذي أعلن دون إدراك فوزه عليه وحصوله على قلب وفكر "عهد". (إنها ليست له) هكذا قالها لنفسه بألم شديد. دلف لداخل مكتبه المغلق منذ فترة طويلة لينعزل عن البقية، مغلقًا بابه تاركًا لتعبيراته المتألمة بالظهور أخيرًا على ملامحه الجامدة.

لحظة من عدم التصديق، مغمضًا عيناه بقوة. فإحساسه بالنجاح والافتخار بما وصل إليه تلاشى تمامًا فور سماعه خبر زواجها. لم يجد سوى نفسه ليتحدث معها. "يعني إيه؟ مخطوبة؟ حتتجوز؟ طب إمتى؟ وإزاي؟ واللي أنا حسيته منها في الكوخ؟ كان إيه؟ وهم؟ أنا شفت الألم في عنيها، شفت الإهتمام في روحها. معقول كل ده كان عشان المهمة وبس؟ بصدر منفعل وقلب مفعم بالانكسار وقف "معتصم" بذهول مستكملًا.

"ماشي يا 'عهد'، أنا حشوف أخرتها إيه معاكِ. ومع إللي إسمه 'طه' ده كمان. مش خلاص حتبقوا تحت قيادتي؟ مش حعدي الحكاية دي بالساهل." توعده لها ولـ"طه" لم يكن سوى رد فعل عنيف لشعوره بالضيق والألم الذي حل بقلبه الذي لم يحصل على فرصته بإحساس العاطفة والحب لأول مرة. خُذل قلبه وانتهت قصته قبل أن تبدأ. انتبه لطرقات تدق بابه ليتراجع عن تلك اللحظة الانهزامية ويعود للامبالاة وجموده المعتاد. "ادخل."

دخل شاب متوسط الطول ذو وجه دائري وشعر أسود خشن وشارب عريض غطى على بقية ملامحه اليونانية، متقدمًا بابتسامة. "سيادة الرائد، حمد الله على السلامة." انتبه له "معتصم" مرحبًا. "عمر! إيه اللي جابك عندنا؟ تقدم "عمر" تجاه الداخل وهو يغلق الباب من خلفه بإحكام. "وحشتني، قلت أجيلك." تطلعت به "معتصم" بفراسة وارتياب مازحًا. "وحشت مين؟ هو أنا مش عارفك؟ إخلص، قول جاي ليه؟ ضحك "عمر" من طريقته المكشوفة مع "معتصم" ليردف بإيضاح.

"لأ بجد، أنا كنت جاي أرتب شوية شغل هنا. عرفت إنك رجعت، قلت أسلم عليك." جلس "معتصم" فوق حافة المكتب ليسند يديه مخالفتين فوق ساقه، بحركة مميزة واثقة للغاية. "قول كدة، ما هو إنت مش بتاع عواطف ووحشتني والكلام ده." جلس "عمر" فوق الأريكة بجانب المكتب بارتياح قبل أن يستطرد حديثه. "هو شغلنا ده فيه عواطف؟ بس ميمنعش إنك لك وحشة والله." أرخى "معتصم" يديه ليلحق بصديقه جالسًا إلى جواره. "متشكرين يا حضرة الضابط."

اعتدل "عمر" بجدية محت تمامًا هزلته منذ قليل قائلًا. "لما ترتاح وتبدأ، عاوزك في عملية. الموضوع كبير ومحتاج مننا شغل تعاون بينا وبينكم." تناسى "معتصم" ما شغل فكره منذ قليل ليتسائل بمهنية واحترافية شديدة. "من غير راحة، ادخل في الموضوع على طول." "أقولك يا سيدي." بدأ "عمر" بإيضاح محتوى ملفه الذي يعرضه عليه وما يتوجب من تعاون مشترك بين جهاز الشرطة والمخابرات العامة لتتضافر جهودهما لمصلحة الوطن بالنهاية. ***

أنت أكبر أخطائي، بل أنت جميعها. إن غاب الصبر فلا يلومنني إن أحرقت الموانئ لا السفن. سكوني وهدوئي لم يبشرا بالجنون الذي لاح بي، فلم يتوقع أحد ثورة امرأة ناعمة. انتفضت "عهد" في ذهول مما سمعته أذناها للتو. لحظات صامتة صادمة للغاية كان رد فعلها قبل أن تعيد ما قالته "وعد" منذ قليل بغير تصديق. "إنتِ إللي قتلتي 'عاطف'؟ إزاي ده؟

لم تقدر "وعد" على تمالك انهيارها. فعندما تتساقط حصونها، لا تتمالك القوة إلا بعد وقت طويل، فقلبها مرهف للغاية. بدأت "وعد" بإيضاح الأمر بكل تفاصيله لأختها التي لا تعلم عما حدث مطلقًا. "بعد وفاة حمايا عم 'محفوظ'، 'عاطف' اتغير خالص. بقى يشرب ويسكر ويسهر. بقى يخوني يا 'عهد'. ويا ريته حتى يخوني مع حد عليه القيمة. لأ، دول ستات كلهم شمال. استحملت كلامهم ورسايلهم ليا. عارفة ليه؟

بأعين مندهشة، حركت "عهد" رأسها بالنفي لتستكمل "وعد" دون انتظار رد "عهد". "عشان أنا قلبي اتقفل من ناحيته. مبقتش قادرة أحبه. مبقتش شايفاه راجل وسند. مبقاش يهمني. أنا اتقفلت من ناحيته. عارفه، أنا مش بس بقيت مش بحس ناحيته بأي حاجة. لأ، أنا بدأت أكرهه." أثار إحساسها تساؤل "عهد" متعجبة بشدة. "ولما إنتِ كرهتيه ومش طايقاه وهو خاين وتعامله معاكِ هو وأهله زي الزفت، قعدتي ليه؟ قبلتي الإهانة وقلة القيمة ليه؟ فهميني ليه الضعف ده؟

بارتجاف لم يتركها، أكملت "وعد" باستسلام. "عشان 'زين'. عمرهم ما كانوا حيسيبوني أمشي بيه. 'زين' روحي يا 'عهد'، مقدرش أعيش يوم من غيره." لم تستطع "عهد" أن تشفق عليها لأكثر من ذلك لتردف بحدة. "وبعدين طيب، عملك إيه تاني؟ سحبت "وعد" نفسًا طويلًا ثم أجابتها.

"أنا بقيت عايشة في شقتي مليش دعوة بحد. حتى هو مبقتش طايقة أقرب منه ويقرب مني. منعت نفسي عنه كأني في دنيا غير دنيته. هو كمان بعد. مكانش بيتكلم معايا أو بيتعامل معايا. اتنين أغراب جمعهم مكان واحد." سحبت نفسًا مطولًا قبل أن تستطرد مستكملة بألم. "لحد الليلة السودا دي. لقيته داخل عليا يتطوح وريحه نفسه تقرف من الهباب اللي بيشربه ده. وقف قدامي وهو بيبص لي بنظرة غريبة أوي خفت منها.

لقيته داخل بيهددني ويقولي: 'أنا خلاص حتجوز'. أنا مهمنيش حاجة، ولا حتى حسيت إني زعلانه. بالعكس. لكن لما قالي إنه حياخد مني 'زين' وإن اللي حتربيه الست اللي عاوز يتجوزها دي وإن أنا ماليش لازمة في حياته، كنت حتجنن. محستش بنفسي. جسمي كله كان بيتنفض من الخوف. كله إلا 'زين' يا 'عهد'. كله إلا ابني." عقبت "عهد" باستنكار لضعف أختها. "كان يتجوزها ويغور، طالما إنتِ مش طايقاه."

هنا تذكرت "وعد" ما حدث بعد ذلك وتسبب بوفاته لتنهار ببكاء هستيري. "أيوة أنا قلت له كدة. قلت له أنا لا طايقاك ولا عايزاك. لما لقاني مش متأثرة بموضوع جوازه ده، قالي إنه كان بيعمل كدة عشان يستفزني ويغيظني. أنا عشان بعدت عنه ومنعت نفسي عنه، بقى مش قادر يستحمل كده. قالي إنه عمل كل ده عشان بس أتحرك وأغير عليه. ساعتها بس قالي إنه بيحبني. لكن أنا كنت خلاص مش عاوزاه."

هدأت أنفاسها بقوة وهي تستعيد استحضارها للمشهد وانفعال "عاطف" عليها وقد أثارت غضبه وثورته، فقد لمعت عيناه بجنون ليدفعها نحو الخلف متمسكًا بمرفقيها ليصرخ بها بانفعال شديد. "قرب مني ومسكني جامد من دراعي وقعد يقولي إني باردة مش بحس. أنا خوفت منه أوي يا 'عهد'. وبعدين هو يفيد بإيه بعد كل الإهانة دي ييجي يقولي بيحبني؟ كان فين الحب ده لما كنت محتاجاه؟ جه متأخر أوي." زاغت عيناها لوهلة تتمالك بعض دموعها المنهمرة ثم أكملت.

"قعد يضغط عليا، إننا لازم نرجع زي زمان وننسى كل حاجة. بس أنا حسيت إني خلاص مش قادرة أستحمل أكتر من كده. لقيت نفسي مرة واحدة بطلب منه يطلقني." لمعت عينا "عهد" بوهج لاستفاقة "وعد" أخيرًا من غفلتها. "أخيرًا. كويس. وقالك إيه؟ ارتعشت شفتي "وعد" بتأثر مجيبة إياها.

"اتعصب أكتر وقعد يصرخ فيا ويضرب برجله في أي حاجة يطولها. قعد يزعق ويقولي لأ، لأ يمكن أسيبك. إنتِ بتاعتي أنا. لأ يمكن أطلقك مهما حصل. ومن كتر انفعاله قعد يضرب فيا مبقتش عارفة الضرب جاي منين ولا منين. لا قادرة أحوشه عني ولا قادرة أحمي نفسي منه ولا قادرة أوقفه. خوفت. خوفت أوي أوي يا 'عهد'." أشارت نحو الفراغ بينما أخذ جسدها ينتفض بقوة كما لو أن الأمر حدث بالأمس.

"زقيت إيده وجريت على باب الشقة وفتحته عاوزة أهرب منه بس لحقني ووقف قدامي عشان مهربش. ملقتش قدامي إلا إني أصرخ يمكن أمه ولا إخواته يلحقوني. رفع إيديه لرقبتي عشان يخنقني. عينيه كانت بتلمع بشر يخوف. حسيت إن اليوم ده آخر يوم في عمري. لكن... انتبهت لها "عهد" فيبدو أن تلك هي اللحظة الحاسمة لتستطرد "وعد". "لكن غصب عني زقيته. مفوقتش من اللي عملته إلا لما وقع من فوق السلم. مقدرتش ألحقه. مقدرتش."

أخفت "وعد" وجهها بين كفيها لتجهش بالبكاء النشيج القوي. "مات. ماااات يا 'عهد'. أنا قتلت 'عاطف'. أنا اللي قتلته." صمتت "عهد" تطالع أختها بوجه مقتضب، فما زالت لم تفهم بعد لم اتخذت هذا القرار الغبي. *** حي النعماني (المكتبة) ... تدب كل الأصوات بسمعي إلا صوتك فقط يدق في قلبي. جميلة أنتِ كلؤلؤة تتلألأ وسط الرمال القاحلة، فريدة مميزة، سارقة للأنظار والقلوب.

أنهى "بحر" تدوين أسماء الكتب بالفهرس الخاص بها ليجلس بهدوء متابعًا "نغم" التي انهمكت بكتابة فهرس آخر كان قد كلفها به. أراد لو يجد فرصة مناسبة ليوضح لها مشاعره تجاهها، لكنه لم يدري أنه ينثر مشاعره سدى، فمحبوبته قلبها مشغول بآخر. نظر "بحر" للفهرس خاصتها قائلًا. "تحبي أساعدك؟ رفعت وجهها الطفولي الناعم تجاهه مجيبة إياه بامتنان. "شكرًا يا أستاذ 'بحر'. أنا تقريبًا خلصت."

أثار بها موضوعًا جديدًا ليستمع لصوتها العذب مرة أخرى. "باقي حوالي أسبوع على بداية الشهر الجديد. حتعملي إيه بقى بأول مرتب؟ وضعت الورقة عن يدها لتجيبه بتلقائية دون تفكير. "معروفة يعني. حاخد المرتب أديه لماما. أصلها استلفت فلوس من جارتنا عشان نكمل الشهر. ولازم طبعًا نرد الدين." أشفق على ضيق حالهم، فهو له قلب رقيق لا يتحمل التأزم والمشاكل. "لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يجعلكم دائمًا سند لها."

"عارف. ماما دي جدعة أوي. بس برضه خوافة أوي." تمنى لو يعرفها عن قرب ليردف بفضول. "نفسي أقابلها جدًا. لو ممكن أبقى آجي أزوركم وأتعرف عليها." اتسعت عينا "نغم" السوداوتين بتخوف لتردف برفض قاطع. "لأ لأ. إوعى. إوعى تيجي عندنا، إحنا مش ناقصين مشاكل." باستغراب شديد عقب "بحر". "مشاكل عشان أزوركم؟ ليه؟ زاغت عيناها بتوتر لتجيبه بتهرب. "هاه. لا يعني. هو كده وخلاص. متجيش عندنا أبدًا. أبدًا."

أراد لو يستكمل حديثه معها، لكن كالعادة هلت "صبا" مرة أخرى إلى داخل المكتبة تتصيد فرصة أخرى للتقرب من "بحر" لتقطع حديثهم بوجودها. قابلها "بحر" بوجه قاسٍ جامد حين هتفت "صبا". "صباح الخير يا أستاذ 'بحر'." تطلع نحوها "بحر" للحظات بجمود قبل أن ينهض مستأذنًا للمغادرة. "صباح الخير. بعد إذنك يا 'نغم'. أنا عندي مشوار مهم وراجع." أومأت له "نغم" بتفهم لتستكمل هي طلب "صبا" بدلًا منه. "أفندم يا آنسة 'صبا'. محتاجة حاجة؟

لوت "صبا" فمها باستياء قائلة بضجر. "لأ مفيش. شكرًا." غادرت "صبا" المكتبة، فلم يعد لها حاجة بداخلها بدون "بحر". لم تهتم "نغم" بها أو به لتستكمل كتابة الفهرس دون الشعور بتلك المشاعر الفياضة التي حاول أن يشعرها بها، لكنها كانت في غياهب غرام آخر. *** المستشفى... كوقت راحة اتخذته "شجن" من عملها بالمستوصف ذهبت به لزيارة لـ"أيوب" كمرور اعتادت عليه بالأيام الأخيرة الماضية.

دَلفت لغرفته بعد استئذانها بوجه بشوش وبسمة عريضة قائلة. "صباح الخير يا عم 'أيوب'." أشرق وجه هذا الكهل حتى ظنت "شجن" أن تجاعيد وجهه تلاشت بالفعل حين وقعت عيناه عليها. "صباح الخير يا بنتي." تقدمت "شجن" لتدنو من فراشه المدد عليه بسكون ثم جلست بخفة متسائلة. "عامل إيه النهارده؟ شكلك رايق خالص." أجابها برضا كطبعه المتقبل. "نحمده. في نعمة يا بنتي." مالت برأسها المستدير حتى تحركت خصلات شعرها القصيرة المميزة قائلة بفضول.

"برضه مكلمتش حد من أهلك يا عم 'أيوب'؟ لازم تقولهم إنك في المستشفى؟ سحب "أيوب" نفسًا طويلًا محبطًا للغاية. "يا بنتي أنا ماليش حد. كل قرايبي بعيد عني. محدش بيحب يجيلي أو يسأل عليا. أنا بقالي سنين طويلة عايش لوحدي." فهمت "شجن" أن هذا الرجل الوحيد يبدو أنه ليس لديه زوجة ولا أولاد. رق قلبها بشفقة على حاله ووحدته لتردف بتأثر. "مفيش حتى جار ولا صاحب؟ أي حد ياخد باله منك؟ كان سؤالها إشارة لما يود أن يخبرها به، ليردف بتوجس.

"مفيش يا بنتي. عشان كده... أنا كان ليا عندك طلب. وفكري فيه كويس قبل ما تردي عليا." "طلب إيه؟ ألقى بكلماته دفعة واحدة حتى لا يترك مجالًا للتراجع عما يريده منها. "الصراحة أنا عاوزك تيجي تشتغلي عندي وتقعدي معايا وتونسيني. مش إنتِ ممرضة برضه؟ وأنا محتاج ممرضة تعيش معايا بعد حالتي دي. ها قولتي إيه؟ صدمت "شجن" بعرضه للعمل معه وطلبه منها الإقامة معه لتردف برفض تام.

"لأ طبعًا صعب أوي يا عم 'أيوب'. أولًا لأن إنت ساكن بعيد زي ما قولت لي. ثانيًا أنا مقدرش أسيب أمي وأختي لوحدهم." تأثر "أيوب" بحزن لرفضها ليترك لها فرصة للتفكير ربما تغير رأيها، فهو بالفعل بحاجة لها لتهتم له وترعاه وتؤنس وحدته. "بلاش ترفضي من دلوقتي، فكري بالراحة ومعاك رقم تليفوني. لو غيرتي رأيك في أي وقت كلميني. أنا محتاجك أوي يا بنتي." رغم رفضها القاطع إلا أنها أومأت له بالموافقة إرضاء له ولحزنه الذي تجلى على ملامحه.

"ماشي يا عم 'أيوب' حفكر. بس موعدكش إني حوافق." "يمكن يا بنتي تغيري رأيك. بين يوم ويوم يتأتي عجايب." بإشفاق على حاله رددت. "أنا نفسي أساعدك بجد. بس مش حعرف خالص." "والله يا بنتي أنا ارتحتلك زي ما تكوني بنتي تمام. شوفي ظروفك يمكن تعرفي." تفكرت قليلًا بصمت قبل أن تجيبه. "وإنت كمان والله بتفكرني ببابا الله يرحمه. بس مش حقدر أسيب ماما وأختي أبدًا. يا ريت يبقى لها حل."

"يا ريت. عمومًا خدي وقتك ولو عرفتي تيجي في أي وقت كلميني. أنا محتاجلك جدًا يا بنتي." "حفكر يا عم 'أيوب'." ضمت "شجن" بسمتها ببعض التوجس، فهي تود بالفعل مساعدته لكن أمر سفرها معه لأمر مستحيل للغاية، فكيف ستترك والدتها وأختها وسط أعاصير "صباح" وأبنائها دون حماية، فهم أبسط وأضعف من مواجهتها. بينما كان "أيوب" يأمل أن تغير "شجن" رأيها وترافقه لبلدته. *** بيت النجار...

لا خير في ود متلون يميل حيث تميل الرياح. إدراكنا للخطأ ينبع أولًا من إحساسنا وليس بإدراك الصواب والخطأ. على عجالة دلفت "حنين" لداخل شقتها تطمئن على أن أولادها لم ينتبهوا لغيابها لتدور بين أرجاء الشقة تتأكد بأن كل شيء على ما يرام. ألقت بوشاحها فوق المقعد وهي تزفر براحة. "كويس أوي. كل حاجة تمام." جلست فوق المقعد لتخرج محفظتها من حقيبة يدها الصغيرة لتتطلع نحو تفاصيلها الخاوية وهي تمصمص شفاهها تحسرًا.

"عيني على بختي. دايمًا كده." رفعت حاجبها باستعلاء وهي تنظر تجاه السقف كما لو أنها أدركت أمرًا لتهمس بمكر. "هي الست حماتي. أطلع لها يمكن أعرف أطلع منها قرشين بدل الفلس اللي أنا فيه ده." على الفور غادرت شقتها متجهة نحو شقة والدا زوجها بالدور العلوي، تاركة باب شقتها مفتوحًا كالمعتاد. شقة فخري...

انتهت مهمتها بجلب ما تحتاجه والدتها لعمل هذا السحر لتكتفي بذلك وأسرعت "راوية" بالهرب من نفسها أولًا ومكثت بموضعها المحبب بالشرفة تتابع القادم والآتي، فهناك حياة الحرية التي تتمنى يومًا أن تحظى بها، وكأن الحياة تكمن خارج جدران هذا البيت. أحضرت "صباح" لفافة كبيرة ووضعت بها الحقيبة البلاستيكية التي تحتوي ملابس "زكية" وبناتها حتى لا تثير شك من يقع عيناه عليهم حتى ذهابها للشيخ "كرامة".

طرقات مزعجة دقت بابها لتمتعض بفمها تذمرًا، فعليها التحرك نحو باب الشقة فـ"راوية" انزوت بالشرفة كالعادة. "طيب طيب. ما بالراحة ياللي تنشك في إيدك. هي الدنيا طارت." فور أن فُتح الباب وطلت "حنين" بوجهها النحيل أمامها، وقد رمقتها "صباح" بسخط قائلة بإنزعاج. "حنين! جرى إيه على الصبح؟ إيه الخبط والرزع ده؟ بابتسامة مزيفة أجابتها "حنين". "جيت أصبح عليكِ يا غالية يا أم الغالي."

استدارت "صباح" بجسدها الثمين دون الاهتمام لحديث "حنين" وتملقها قائلة أثناء تقدمها نحو الداخل. "اقفلي الباب وراكِ وإنتِ داخلة. بيتي مش زي الزريبة اللي إنتِ عايشة فيها تحت فاتحاها على البحري ليل ونهار." عقصت "حنين" ملامحها بنفور وهي تدفع بكفيها في الهواء بسخط من تلك المرأة من خلف ظهرها، ثم أغلقت الباب كما طلبت تمامًا، لكنها تحدثت بود شديد غير ما تشعر به من بغض تمامًا. "وهو أنا حخاف على إيه تحت؟

لكن إنتِ واعية يا ماما 'صباح'." لم تصدق "صباح" تملق "حنين" لكنها تتلذذ بسماعها له، جلست فوق مقعد الصالون خاصتها مستطردة. "أمك جابت الإسورة الدهب اللي خدتها منك في الفرح ولا ضربت عليها؟ إهانة ضمنية لها فقد تكرر الأمر مع والدتها التي دائمًا ما تقترض منها أغراضها الثمينة ولا تعيدها. غضب داخلي جعلها تزداد بغضًا لتلك الوقحة، لكن عليها التغاضي عن ذلك لأجل مصلحتها الآن.

"طبعًا يا ماما 'صباح'. وهي تقدر تتأخر. ده حتى جابتلك معاها شوية حلويات بالسمنة البلدي إنما إيه. حالاً حنزل أجيبلك أجيلهم لك." لم تكن "صباح" ذات ذكاء متقد، لكنها تستطيع فهم مكر "حنين" بسهولة، فربما تجد نفسها وشبابها بها. حدجتها من أعلى رأسها لأسفل قدميها ثم عقبت باشمئزاز. "اقعدي اقعدي. هو أنا من إمتى باكل من إيد أي حد؟ خصوصًا أمك. قال سمنة بلدي قال. دي آخرها زيت العربيات."

ابتلعت "حنين" إهانة والدتها للمرة الثالثة لأجل حاجتها فقط. عادت للجلوس إلى جوار "صباح" مرتدية قناع الطيبة والتذلل. "بقولك إيه يا ماما 'صباح'. البت 'شهد' عاوزة تجيب شوية حاجات للمدرسة وإنتِ عارفه يعني الفلوس اللي 'فريد' بياخدها من عم 'فخري' بتكفي بالعافية. والدنيا بقت غالية نار. وأهي برضو حفيدتك حبيبتك. الفلوس مش حتروح لحد غريب."

رفعت "صباح" طرف أنفها باحتقار ثم أجابتها بهجوم شرس، كاد لون بشرتها الأسمر يشتعل توهجًا من شدة انفعالها. "نعــــــــــــم!!! فلوس؟ أنا مبديش حد فلوس. روحي يا أختي لجوزك إنتحنحي له وإتمرقعي عليه وخدي اللي إنتِ عاوزاه. ماليش فيه. قال فلوس قال. جاية تقلبني بنت 'لواحظ'." لمعت عين "حنين" بغيظ مكتوم لم تستطع إظهاره، أنقذها من شلال الإهانات التي كانت ستتلقاه طرقات أخرى على باب شقة "صباح".

قفزت "حنين" بخفة مبتعدة عن "صباح" ولسانها السليط لتلبي الطارق ظنًا منها أنها بذلك تهرب من ضيق نفس بوجودها إلى جوارها، لكنها فوجئت بمن يكتم أنفاسها كمن يسحب الهواء من حولها. رفعت "حنين" حاجبيها واتسعت عيناها بذهول قبل أن تفغر فاها قائلة. "ريهام!!!! *** (نيره إستور) لمستحضرات التجميل... جمال الشيء يكمن في بقائه سرًا، وليس علينا البوح بكل ما يحدث لنا، ولا يبقى لأنفسنا حلاوة نخفيها عن الأعين والآذان.

فقضاء حوائجنا يجب علينا أن نستعين بالكتمان. حياتنا الخاصة سميت خاصة لأنها تخصنا وحدنا، لا دخل للمحيطين بها. بجلسة معتادة بين "نيره" و"إسراء" بالمتجر الخاص بـ"نيره"، أخذت "نيره" تقص على مسامع صديقتها كل ما حدث بالأمس بالتفصيل بينها وبين "رؤوف" وكيف غضبت منه ومحاولته لإرضائها. دفعت "إسراء" خصلة شعرها الصفراء المصبوغة للخلف بتفكير قبل أن تجيب صديقتها.

"حلو جدًا. بس إوعي اللي حصل ده يخليكِ تسمعي الكلام ومتروحيش الشركة عنده تاني. لأن هو ده اللي هو عاوزه. عمل الزعلة دي مخصوص عشان تخافي تروحي له هناك تاني." كالمغيبة تمامًا أردفت "نيره" باقتناع، فقد أصبحت الآن كالقطة الوديعة التي تنصت لكل ما تقوله "إسراء" بينما تعترض كل ما يقوله "رؤوف" طيلة الوقت. "معاكِ حق. هو كده هيتطمن. لأ، أنا لازم أروح. عشان يبقى عامل لي حساب في كل مكان." "برافو عليكِ. خليكِ واعية كده."

دارت "إسراء" بعينيها الجاحظتان قبل أن تتردد في سؤالها. "بس إنتِ مقولتيليش، أمه وأبوه أخبارهم إيه معاكِ؟ الناس دي لازم تكسبيها." امتعضت "نيره" قليلًا، فهي ليست ذات شخصية محبة اجتماعيًا لتردف بثقل. "عمو 'خالد' مشغول في الشركة اللي بيشتغل فيها. وطنت 'منار' ما بين المستشفى والبيت. بصراحة أنا مش ببقى عارفة أقول إيه يخليهم يحبوني." (ثم لوت فمها باستياء مستكملة) "كفاية عليهم حبيبتهم 'غدير'، واكلة عقلهم بصورة غريبة."

أجابتها "إسراء" بتحفيز. "لأ. لازم تبقي زيها وأكتر. لازم يحبوكِ أكتر منها." "طيب قوليلي أعمل إيه؟ تفكيرت "إسراء" قليلًا ثم أجابتها. "نفكر." *** شركة بيكو للأدوية... سيكون الانتظار غايتي إلى أن يقسم الله لنا أن نلتقي، فقربه يعني لي الحياة والحياة هي هو فقط. بقلب مضطرب وأحاسيس مربكة دلفت "مودة" بخطوات متباطئة لداخل الشركة تبحث عن وجه وحيد تكتفي به من الدنيا كلها.

كقطة وديعة أخذت تطالع الأجواء من حولها ببعض المكاتب وأرفف الأدوية وبعض الشحنات المغلقة لعقاقير أخرى. موظفون هنا وهناك، وجوه عديدة ليس بهم وجه من تأمل رؤيته. نجمة لامعة وسط ليل طويل وقفت بتشتت لبعض الوقت دون إدراك إلى أين تتجه. تقدم نحوها شاب متوسط الطول وقد ملأت إحدى ابتساماته المتصيدة لتلك الحسناء قائلًا بلباقة. "تحت أمرك يا آنسة." تطلعت "مودة" بوجهه، فليس هو من تقصده، لكن ربما يساعدها للوصول إليه. أجابته بهدوء.

"لو سمحت، كنت عايزة الدكتور 'رؤوف دويدار'." سنحت له فرصة حديث مع فتاة جميلة ليجيبها الشاب بتساؤل مازح. "'رؤوف'؟ مكنتش أعرف إن له معارف حلوين كده." هي ليست ساذجة لتدرك أن هذا الشاب يتغزل بها. نظرت له مطولًا بصمت لتجعله يضطرب من نظرتها التي أشعرته بحقارة تصرفه ليتنحنح مستطردًا. "إحم... أسف. 'رؤوف' في المكتب بتاعه. اتفضلي من هنا."

أشار نحو أحد الاتجاهات بتعقل لتتخذ "مودة" طريقها نحو المكتب الذي أشار إليه ليتبعها بدافع الفضول لمعرفة هوية تلك الحسناء ذات الشخصية المتفردة. طرقت "مودة" باب المكتب لتسمع صوته الحماسي من الداخل يرحب بالزائر. "اتفضل... اتفضل." دَلفت "مودة" وقد تغيرت نظرتها الجدية لأخرى متشوقة للغاية، فهو دقات القلب وحنينها. "صباح الخير." انتفض "رؤوف" بحماس مهللًا فور رؤيتها ليتقدم مرحبًا بقدومها. "'مودة'!

أهلًا أهلًا نورتي. تعالي إدخلي." تقدمت بهدوء تتأمل تفاصيل ملامحه التي تعشقها وتذوب بعذوبته ولطفه. "أنا جيت في المعاد زي ما 'غدير' قالت لي." تمسك "رؤوف" بظهر أحد المقاعد الجلدية يطالبها بالجلوس. "طب مش نقعد الأول ونرتاح كده وبعدين نتكلم في الشغل؟ هو ينفع الجميل يفضل واقف على الباب؟ كم تعشق أسلوبه الساحر وضحكته المشرقة. نظرت بتعمق لوجهه المرحب وهي تبتسم بخفة لتجد نفسها لا إراديًا تجلس حيث أشار دون إثناء عيناها عنه.

"شكرًا." التف "رؤوف" تجاه صديقه الذي مازال واقفًا بالباب يتابع استقبال "رؤوف" لزائرته الحسناء. "مالك يا 'حمدي'؟ واقف زي العمود كده ليه؟ ما تدخل." كانت تلك إشارة لمشاركتهم جلستهم ليتجه صوب المقعد المقابل لـ"مودة" متأملًا بصمت وجهها الطفولي الساحر وبراءة عيناها السوداوتين. "أوي أوي." بدأ "رؤوف" بتعريف بعضهما البعض.

"ده بقى 'حمدي الكاتب' زميلنا هنا في الشركة. دي بقى 'مودة'. أخت 'غدير' مرات 'عيسى'. حتشتغل معانا من النهاردة." هلل "حمدي" باستحسان وحماس شديد. "هو ده الكلام. نورتي الشركة يا آنسة 'مودة'." لم تستساغ "مودة" طريقة هذا الرجل، لكنها أومأت بخفة مجاملة له. "شكرًا."

أحضر "رؤوف" إحدى علب العصير ثم مد يده تجاه "مودة" التي ترددت لقبولها، فهي لا تحب أي من المأكولات والمشروبات الغريبة خاصة تلك المعلبة، لكنها أول شيء يقدمه لها، فحتى لو لم تتناوله ستأخذه من يده. "اتفضلي يا 'مودة'. دي حلاوة أول يوم. تخيلي بقى لو كل يوم معانا." تمنت أن تهتف بسعادة (يا ليت) لكنها اكتفت بابتسامة خجولة.

خجلها وابتسامتها العذبة سرقا قلب "حمدي" الذي كان يترصد بردود أفعالها الرقيقة، بينما أخذ "رؤوف" بإيضاح عملها وما يتطلب منها. كادت أن تحلق بسعادة لقربها منه واختصاصها بحديث حتى لو عن العمل. *** شقة عهد... لم تكن لحظة غضب، بل كان تراكم من الكتمان. اهتزاز وارتجاف وأصوات صاخبة تمامًا كبركان ثائر بداخل نفسها. لكن آن الأوان لأن تهدأ وتخرج ما أخفته بقلبها، فاليوم يوم الاعتراف.

صمت لاح بين كلاهما بعد انهيار "وعد" وانتظار "عهد" لفهم كل شيء. فرصة للهدوء سمحت بها "عهد" أخيرًا حتى تستطيع فهم ما سبب قرار "وعد" الأعمى. بعد أن هدأت نفسها قليلًا، نظرت "وعد" تجاه تلك العينين العسليتين اللتين تحدقان بها تتوق لإدراك ما يثور بداخلها. لأول مرة منذ سنوات طويلة "عهد" تستمع بإنصات دون انفعال ودون غضب. جلست بهدوء تنتظر صافرة البدء وعيناها معلقتان بأختها المنهارة تمامًا. ضمت "وعد" شفتيها المرتعشتان قائلة.

"خليكِ جنبي يا 'عهد'. أنا ماليش غيرك." لم يرهف قلبها لها الآن؟ أليست هي القوية؟ ألهذه الدرجة تغيرت دون أن تدري؟ هي من تتعامل بالصواب والخطأ وإعمال العقل، أصبح قلبها يرهف لبعض المشاعر والشفقة! هدأ صدرها ببطء وهي تومئ بخفة شديدة، ربما تخشى أن يلاحظ لينها الذي لم تعتاده، لكن أختها تستحق ذلك، تستحق أن تشعر ببعض الأمان. هنا أردفت "عهد" بيقين تام.

"أنا معاكِ في أي حاجة حتعمليها. بس فهميني. لما إنتِ خلصتي من البني آدم ده وربنا فكك منه، بتعملي في نفسك ليه كده؟ إنتِ غاوية عذاب وتعب؟ استطردت "وعد" توضح الأمر من بقية الجوانب لها حتى تتفهم لم اتخذت هذا القرار. "ساعة ما 'عاطف' وقع، أنا خوفت أوي. حسيت إن قلبي وقع معاه. أنا فاكرة اليوم ده كأنه إمبارح. مش من خمس شهور." تذكرت "وعد" المشهد كاملًا أمام مرآها كما لو كانت تعيش تلك المأساة مرة أخرى. *** بيت النجار (شقة فخري)

... لمعت عين "حنين" بغيظ مكتوم لم تستطع إظهاره، أنقذها من شلال الإهانات التي كانت ستتلقاه طرقات أخرى على باب شقة "صباح". قفزت "حنين" بخفة مبتعدة عن "صباح" ولسانها السليط لتلبي الطارق ظنًا منها أنها بذلك تهرب من ضيق نفس بوجودها إلى جوارها، لكنها فوجئت بمن يكتم أنفاسها كمن يسحب الهواء من حولها. رفعت "حنين" حاجبيها واتسعت عيناها بذهول قبل أن تفغر فاها قائلة. "ريهام!!!!

منذ بدأ خلافاتها مع "مأمون" لم تخطئ "ريهام" بيت العائلة. بل ظنت "حنين" أنها تخلصت نهائيًا من وجودها ورؤيتها، تلك المتعالية التي كادت تسرق كل الأضواء منها، فما الذي أتى بها إلى هنا اليوم؟ بطرف عينيها الواسعتين رمقتها "ريهام" بتقزز لتعبر من جوارها دون الاكتراث حتى بإلقاء السلام عليها.

خطوات متمايلة متغنجة وهي تدلف نحو الداخل لتميل برأسها في خيلاء لتتحرك خصلات شعرها العسلية المموجة تكيد بجمالها تلك الواقفة إلى جوار الباب من خلفها. شابة تتمتع بحسن طبيعي، بيضاء البشرة وفم رفيع وأعين صغيرة، لكنها تتمتع بجاذبية شديدة لدلالها وتغنجها الدائم. فهي معجبة بحسنها لدرجة الغرور، تدرك أن الأبصار تتجه صوبها فور تواجدها بأي محل تنزل به.

تقدمت نحو "صباح" الجالسة بالصالون لتلقي تحيتها وهي تجلس دون دعوة صاحبة البيت لها. "صباح الخير." اعدلت "صباح" جسدها المائل باهتمام بالغ لم تظهره يومًا لغير تلك المرأة. "'ريهام'!!! إزيك يا حبيبتي." ضمت "ريهام" شفتيها الرقيقتين وهي تلقي بنظرة أخيرة على "حنين" كما لو كانت تخبرها أن وجودها ليس مرغوبًا به لتعود ببصرها الكامل تجاه "صباح" لتجيب تحيتها. "كويسة... أوووى."

قالتها تكيد بـ"حنين" صاحبة المشكلات والاستفزاز لها حينما كانت تقطن هنا بهذا البيت. لم تتحمل "حنين" وجود "ريهام" فحتى مع غيابها إلا أنها تظل الأجمل وسارقة كل الاهتمام رغم المشاكل والقضايا بينها وبين "مأمون"، هتفت "حنين" بعجالة دون انتظار. "طب أنا حنزل أشوف العيال تحت. حبقى أجيلك بعدين يا ماما 'صباح'." خرجت على الفور وهي تسحب الباب من خلفها فقد فشلت مساعيها اليوم وانتهى أيضًا برؤيتها لغريمتها زوجة "مأمون" السابقة.

بحفاوة غير معتادة أخذت "صباح" ترحب بـ"ريهام" بشدة. "ليكِ وحشة والله يا 'ريهام'. بس مش كنتِ تقولي إنك جايه عشان نحضر لك غدا محترم." أعادت "ريهام" جذعها للخلف بعنجهية وهي ترفع ساقها فوق الأخرى قبل أن تجيب. "وهو أنا غريبة؟ أنا صاحبة بيت يا حماتي." بسمة مهتزة احتلت ملامح "صباح" وهي تردد كما لو كانت مجبرة على الترحيب بها. "طبعًا يا حبيبتي... طبعًا." دارت "ريهام" بعينيها بداخل الشقة تكشف ما بها متسائلة.

"أمال فين 'راوية' وعمي 'فخري'؟ "عمك 'فخري' في الوكالة. و'راوية' في البلكونة. أناديها لك؟ أنهت عبارتها وهي تدفع بجذعها الثقيل تحاول النهوض من فوق الأريكة، لكن كف "ريهام" أوقفها قائلة بلا اهتمام. "لالالالأ... خليها خليها. أنا جيالك إنتِ." توجست "صباح" من زيارتها لتهتف بترقب. "خير؟ أجفلت "ريهام" بعينيها الصغيرتين بتعالي ثم أردفت تطلب ما جاءت لأجله بنبرة آمرة.

"عايزة فلوس. 'مأمون' كل ما أكلمه يطنش. فقلت آجى لك. أنا عايزة فلوس. كتير. الولاد عايزين حاجات ضرورية أوي. ومش حستنى لما المحكمة تحكم." هبت "صباح" تلبي طلبها والذي رفضت مثيله منذ قليل، لكنها لا تقوى على رفض طلب "ريهام". "بس كدة؟ من عيني. ثواني ورجعالك." دَلفت لغرفة نومها لتخرج بعد قليل من الوقت تحمل رزمة من الأوراق المالية تأشر بها تجاه "ريهام". "خدي يا حبيبتي. كله إلا ولاد 'مأمون'. وأمهم حبيبة قلبي."

بسمة متكلفة علت ثغر "ريهام" وهي تضع المال بحقيبتها الحمراء قبل أن تقف استعدادًا للمغادرة فقد تمت مهمتها ولا داعي لبقائها هنا. "طيب... سلام بقى." رغم توجهها لباب الشقة إلا أن "صباح" هتفت مجاملة. "ما تخليكِ نتغدى سوا." أجابتها "ريهام" بتعجل. "لأ... بعدين. سلام يا حماتي." تنفست "صباح" الصعداء بعد مغادرة "ريهام" فهي الوحيدة التي تحسب لوجودها ولطلباتها ألف حساب.

انتبهت لأن الوقت يمر بها وعليها الذهاب للشيخ "كرامة" قبل عودة "فخري" من الوكالة لتدلف لغرفتها لتبدل عباءتها بأخرى لتقضي هذا الأمر بعجالة. *** (نيره إستور) لمستحضرات التجميل... جمال الشيء يكمن في بقائه سرًا، وليس علينا البوح بكل ما يحدث لنا، ولا يبقى لأنفسنا حلاوة نخفيها عن الأعين والآذان. فقضاء حوائجنا يجب علينا أن نستعين بالكتمان. حياتنا الخاصة سميت خاصة لأنها تخصنا وحدنا، لا دخل للمحيطين بها.

بجلسة معتادة بين "نيره" و"إسراء" بالمتجر الخاص بـ"نيره"، أخذت "نيره" تقص على مسامع صديقتها كل ما حدث بالأمس بالتفصيل بينها وبين "رؤوف" وكيف غضبت منه ومحاولته لإرضائها. دفعت "إسراء" خصلة شعرها الصفراء المصبوغة للخلف بتفكير قبل أن تجيب صديقتها. "حلو جدًا. بس إوعي اللي حصل ده يخليكِ تسمعي الكلام ومتروحيش الشركة عنده تاني. لأن هو ده اللي هو عاوزه. عمل الزعلة دي مخصوص عشان تخافي تروحي له هناك تاني."

كالمغيبة تمامًا أردفت "نيره" باقتناع، فقد أصبحت الآن كالقطة الوديعة التي تنصت لكل ما تقوله "إسراء" بينما تعترض كل ما يقوله "رؤوف" طيلة الوقت. "معاكِ حق. هو كده هيتطمن. لأ، أنا لازم أروح. عشان يبقى عامل لي حساب في كل مكان." "برافو عليكِ. خليكِ واعية كده." دارت "إسراء" بعينيها الجاحظتان قبل أن تتردد في سؤالها. "بس إنتِ مقولتيليش، أمه وأبوه أخبارهم إيه معاكِ؟ الناس دي لازم تكسبيها."

امتعضت "نيره" قليلًا، فهي ليست ذات شخصية محبة اجتماعيًا لتردف بثقل. "عمو 'خالد' مشغول في الشركة اللي بيشتغل فيها. وطنت 'منار' ما بين المستشفى والبيت. بصراحة أنا مش ببقى عارفة أقول إيه يخليهم يحبوني." (ثم لوت فمها باستياء مستكملة) "كفاية عليهم حبيبتهم 'غدير'، واكلة عقلهم بصورة غريبة." أجابتها "إسراء" بتحفيز. "لأ. لازم تبقي زيها وأكتر. لازم يحبوكِ أكتر منها." "طيب قوليلي أعمل إيه؟ تفكيرت "إسراء" قليلًا ثم أجابتها.

"نفكر." *** شركة بيكو للأدوية... سيكون الانتظار غايتي إلى أن يقسم الله لنا أن نلتقي، فقربه يعني لي الحياة والحياة هي هو فقط. بقلب مضطرب وأحاسيس مربكة دلفت "مودة" بخطوات متباطئة لداخل الشركة تبحث عن وجه وحيد تكتفي به من الدنيا كلها. كقطة وديعة أخذت تطالع الأجواء من حولها ببعض المكاتب وأرفف الأدوية وبعض الشحنات المغلقة لعقاقير أخرى. موظفون هنا وهناك، وجوه عديدة ليس بهم وجه من تأمل رؤيته.

نجمة لامعة وسط ليل طويل وقفت بتشتت لبعض الوقت دون إدراك إلى أين تتجه. تقدم نحوها شاب متوسط الطول وقد ملأت إحدى ابتساماته المتصيدة لتلك الحسناء قائلًا بلباقة. "تحت أمرك يا آنسة." تطلعت "مودة" بوجهه، فليس هو من تقصده، لكن ربما يساعدها للوصول إليه. أجابته بهدوء. "لو سمحت، كنت عايزة الدكتور 'رؤوف دويدار'." سنحت له فرصة حديث مع فتاة جميلة ليجيبها الشاب بتساؤل مازح. "'رؤوف'؟ مكنتش أعرف إن له معارف حلوين كده."

هي ليست ساذجة لتدرك أن هذا الشاب يتغزل بها. نظرت له مطولًا بصمت لتجعله يضطرب من نظرتها التي أشعرته بحقارة تصرفه ليتنحنح مستطردًا. "إحم... أسف. 'رؤوف' في المكتب بتاعه. اتفضلي من هنا." أشار نحو أحد الاتجاهات بتعقل لتتخذ "مودة" طريقها نحو المكتب الذي أشار إليه ليتبعها بدافع الفضول لمعرفة هوية تلك الحسناء ذات الشخصية المتفردة. طرقت "مودة" باب المكتب لتسمع صوته الحماسي من الداخل يرحب بالزائر. "اتفضل... اتفضل."

دَلفت "مودة" وقد تغيرت نظرتها الجدية لأخرى متشوقة للغاية، فهو دقات القلب وحنينها. "صباح الخير." انتفض "رؤوف" بحماس مهللًا فور رؤيتها ليتقدم مرحبًا بقدومها. "'مودة'! أهلًا أهلًا نورتي. تعالي إدخلي." تقدمت بهدوء تتأمل تفاصيل ملامحه التي تعشقها وتذوب بعذوبته ولطفه. "أنا جيت في المعاد زي ما 'غدير' قالت لي." تمسك "رؤوف" بظهر أحد المقاعد الجلدية يطالبها بالجلوس. "طب مش نقعد الأول ونرتاح كده وبعدين نتكلم في الشغل؟

هو ينفع الجميل يفضل واقف على الباب؟ كم تعشق أسلوبه الساحر وضحكته المشرقة. نظرت بتعمق لوجهه المرحب وهي تبتسم بخفة لتجد نفسها لا إراديًا تجلس حيث أشار دون إثناء عيناها عنه. "شكرًا." التف "رؤوف" تجاه صديقه الذي مازال واقفًا بالباب يتابع استقبال "رؤوف" لزائرته الحسناء. "مالك يا 'حمدي'؟ واقف زي العمود كده ليه؟ ما تدخل."

كانت تلك إشارة لمشاركتهم جلستهم ليتجه صوب المقعد المقابل لـ"مودة" متأملًا بصمت وجهها الطفولي الساحر وبراءة عيناها السوداوتين. "أوي أوي." بدأ "رؤوف" بتعريف بعضهما البعض. "ده بقى 'حمدي الكاتب' زميلنا هنا في الشركة. دي بقى 'مودة'. أخت 'غدير' مرات 'عيسى'. حتشتغل معانا من النهاردة." هلل "حمدي" باستحسان وحماس شديد. "هو ده الكلام. نورتي الشركة يا آنسة 'مودة'." لم تستساغ "مودة" طريقة هذا الرجل، لكنها أومأت بخفة مجاملة له.

"شكرًا." أحضر "رؤوف" إحدى علب العصير ثم مد يده تجاه "مودة" التي ترددت لقبولها، فهي لا تحب أي من المأكولات والمشروبات الغريبة خاصة تلك المعلبة، لكنها أول شيء يقدمه لها، فحتى لو لم تتناوله ستأخذه من يده. "اتفضلي يا 'مودة'. دي حلاوة أول يوم. تخيلي بقى لو كل يوم معانا." تمنت أن تهتف بسعادة (يا ليت) لكنها اكتفت بابتسامة خجولة.

خجلها وابتسامتها العذبة سرقا قلب "حمدي" الذي كان يترصد بردود أفعالها الرقيقة، بينما أخذ "رؤوف" بإيضاح عملها وما يتطلب منها. كادت أن تحلق بسعادة لقربها منه واختصاصها بحديث حتى لو عن العمل. *** شقة عهد... لم تكن لحظة غضب، بل كان تراكم من الكتمان. اهتزاز وارتجاف وأصوات صاخبة تمامًا كبركان ثائر بداخل نفسها. لكن آن الأوان لأن تهدأ وتخرج ما أخفته بقلبها، فاليوم يوم الاعتراف.

صمت لاح بين كلاهما بعد انهيار "وعد" وانتظار "عهد" لفهم كل شيء. فرصة للهدوء سمحت بها "عهد" أخيرًا حتى تستطيع فهم ما سبب قرار "وعد" الأعمى. بعد أن هدأت نفسها قليلًا، نظرت "وعد" تجاه تلك العينين العسليتين اللتين تحدقان بها تتوق لإدراك ما يثور بداخلها. لأول مرة منذ سنوات طويلة "عهد" تستمع بإنصات دون انفعال ودون غضب. جلست بهدوء تنتظر صافرة البدء وعيناها معلقتان بأختها المنهارة تمامًا. ضمت "وعد" شفتيها المرتعشتان قائلة.

"خليكِ جنبي يا 'عهد'. أنا ماليش غيرك." لم يرهف قلبها لها الآن؟ أليست هي القوية؟ ألهذه الدرجة تغيرت دون أن تدري؟ هي من تتعامل بالصواب والخطأ وإعمال العقل، أصبح قلبها يرهف لبعض المشاعر والشفقة! هدأ صدرها ببطء وهي تومئ بخفة شديدة، ربما تخشى أن يلاحظ لينها الذي لم تعتاده، لكن أختها تستحق ذلك، تستحق أن تشعر ببعض الأمان. هنا أردفت "عهد" بيقين تام.

"أنا معاكِ في أي حاجة حتعمليها. بس فهميني. لما إنتِ خلصتي من البني آدم ده وربنا فكك منه، بتعملي في نفسك ليه كده؟ إنتِ غاوية عذاب وتعب؟ استطردت "وعد" توضح الأمر من بقية الجوانب لها حتى تتفهم لم اتخذت هذا القرار. "ساعة ما 'عاطف' وقع، أنا خوفت أوي. حسيت إن قلبي وقع معاه. أنا فاكرة اليوم ده كأنه إمبارح. مش من خمس شهور." تذكرت "وعد" المشهد كاملًا أمام مرآها كما لو كانت تعيش تلك المأساة مرة أخرى. *** فلاش باك...

﴿ إختل توازن "عاطف" ليسقط من فوق درجات السلم يتخبط هنا وهناك حتى إختفى عن أعينها. وقفت مذهولة متيبسة دون حراك كما لو أنها أصبحت تمثالًا من صخر. إرتعد جسدها فزعًا لكن دون حركة. لم تفق من شتاتها إلا بسماعها صرخات من "عتاب" بالأسفل لتحرك ساقيها المتيبستين تهبط درجات السلم بتخوف وتشتت. مالت "عتاب" على أخيها الساكن بلا روح وهي تصارخ ببكاء يهز جوف "وعد" الفزعة. "آآآه يا أخويا... اااه... يا حبيبي يا 'عاطف'...

اااه يا 'عاطف'... صرخاتها كانت كفيلة بإيقاظ الغافلين حولهم لتقف "قسمت" أسفل الدرجات تنظر بهلع نحو ولدها الساكن وابنتها الصارخة لتفهم ما حدث على الفور، فقد مات "عاطف" ولدها البكر وأحب أبنائها لقلبها. لم تقوى على التقدم أو الابتعاد كما لو أن الزمن توقف هنا. ما تراه حقيقة بعينيها يصعب عليها تصديقه، فإن تحملت وفاة زوجها لا تقوى على تحمل فقدان ابنها الغالي.

سقطت "قسمت" أرضًا فقد انهارت حصونها القوية معلنة الاستسلام والهزيمة. رفعت "عتاب" رأسها نحو "وعد" التي تتطلع نحو "عاطف" بصدمة وقد بهت لونها الأبيض حتى كادت تشبه الأموات. صرخت بها "عتاب" بكلماتها القاسية الجارحة ووجه متعنت متوعد لها. "قتلتيه!!! قتلتي أخويا."

سُحب الهواء من رئتي "وعد" وارتجف جسدها الضعيف لتتسند بالجدار الذي يجاورها لتتهاوى جالسة وقد اتسعت خضراوتيها بغير تصديق. حركت رأسها بعنف تنفي تصديقها لما حدث لتشاهق بالبكاء وقد ارتعد جسدها بقوة تخفي بكفيها هول ما تراه بعينيها. قبعت "عتاب" و"وعد" إلى جوار "عاطف" بينما مازالت "قسمت" ملقاة أرضًا لا تدري عن الواقع شيئًا. خطوات رزينة تقدمت نحوهم ليطل "محب" بوجه مقتضب دون فهم. "إيه اللي حصل؟ ماله 'عاطف'؟

بوجه بريء تمامًا رفعت "عتاب" رأسها لتظهر دموعها الغزيرة التي غطت وجنتيها النحيلتان قائلة بحسرة. "أخوك مات... ماااات يا 'محب'." لم تكتف بحديثها المشؤوم بل استطرت مستكملة اتهامها لـ"وعد". "هي اللي موتته. هي اللي زقته من فوق السلم."

قلب "وعد" الضعيف لا يتحمل رؤيته بهذه البشاعة فكيف ستتحمل فكرة أنها السبب بفقدانه حياته. رفعت "وعد" رأسها تجاه "محب" تود لو تنفي ما حدث وأن ليس لها علاقة، لكنها لا تقدر. شهقاتها اليائسة كانت إجابة عما حدث. أسرع "محب" تجاه "عاطف" محاولًا إسعافه فربما مازال هناك أمل، لكن قدر الله قد نفذ ليشيح بوجهه الحزين المتجهم، فخلال شهور قليلة فقد أبيه وأخيه فما أقسى مصابه وأصعب فراقهم.

حاولت "وعد" أخيرًا النطق فقد تلاشت منها الكلمات وجف حلقها تمامًا. "والله ما... أقصد... غصب عني... هو... هو... كان بيخنـ... بيخنقني... بعدته عني... وقع... والله ما قصدت... ووو... والله ما قصدت." تركت "عتاب" رأس "عاطف" لتهب تجاه "وعد" تعنفها بقسوة وهي ترجها من بين يديها كعصفور مرتعد.

"لأ تقصدي. إنتِ لا بقيتي طايقاه ولا عايزاه. هو ياما اشتكى لي منك. إنتِ كنتِ عايزة تخلصي منه. إنتِ زقيتيه بالقصد. إنتِ قتلتيه يا مجرمة. أنا حبلغ الشرطة. لازم تتسجني. لازم تدفعي تمن اللي عملتيه في أخويا." تشتتها بين "عتاب" و"عاطف" الملقى أرضًا جعلها تنتحب بقوة، فما تقوله "عتاب" سيجعلها تُحاسَب على جريمة لم تقصدها، ستخسر حياتها وابنها.

لاح صوت جهوري غير معتاد أخرس كلتاهما حين صدح صوت "محب" بنبرة مغايرة تمامًا لما اعتادوه منه. "خلاص... انتهى. اطلعي شقتك يا 'وعد'. وإنتِ خدي أمك اللي واقعة في الأرض دي ودخليها جوه. وعلى الله أسمع الكلام ده تاني. أخويا وقع قضاء وقدر. لا حد زقه. ولا حد وقعه. الكلام منهي. مفيش شرطة ولا بلاغات. أخويا مات قضاء وقدر."

حدجهما بنظرات قوية لازعة تلجمت لها ألسنة كلاهما لتصعد "وعد" راكضة نحو شقتها بينما حاولت "عتاب" حمل والدتها بصعوبة نحو الداخل تاركين الأمر لـ "محب". ليلة عصيبة انتهت بهدوء لم تتوقعه "وعد" وقضى الأمر بأنه حادث قضاء الله وقدره ولم يوجه لـ"وعد" أي اتهام كما قال "محب". عادت "وعد" لواقعها برفقة "عهد" التي كانت تنتظر مرة أخرى إجابة عن تساؤلها الذي لم تجيبه "وعد". "أيوة...

برضه أنا مش فاهمة. 'عاطف' الله يرحمه مات من خمس شهور. والحكاية خلصت قضاء وقدر زي ما قولتي ومحدش اتهمك بحاجة. إنتِ ليه برضه مكملة في بيتهم؟ وليه حتعملي المصيبة اللي عاوزة تعمليها دي؟ نكست "وعد" عينيها لتجيبها بصوتها الناعم الحزين. "يمكن وقتها محدش اتهمي بحاجة وده عشان 'زين' طبعًا. عشان ميخسرش أبوه وأمه مرة واحدة. لكن كان دايمًا الاتهام بأني أنا اللي قتلته. والتهديد إنهم حيبلغوا الشرطة عني."

بفراسة استطاعت "عهد" فهم كيف دار الأمر بعد ذلك لتعقب هي متخيلة بقية الأحداث ببراعة اندهشت لها "وعد" على الفور. "آه... فهمت. يبقى عشان خوفك على 'زين' هم استغلوا النقطة دي وبقوا يهددوكِ يا إما تمشي على مزاجهم وتعملي اللي يقولوا لك عليه. يا إما يبلغوا عنك. صح؟ بس يا ترى مين فيهم اللي أجبرك؟ حماتك؟ لأ... حماتك من يوم ما 'عاطف' مات وهي في دنيا غير الدنيا ومش حاسة باللي حواليها. 'محب'؟

لأ مظنش برضه لأن دي مش دماغه. يبقى مفيش غيرها الحقودة الغلاوية 'عتاب'. هي اللي هددتك صح؟ أومأت "وعد" بالإيجاب باندهاش من ذكاء وفراسة أختها مجيبة إياها باستكانة. "أيوة... مظبوط." وقفت "عهد" ليظهر طولها وهي تشد من تشدقها للأعلى قائلة بجدية. "بس أنا مش عاوزاكِ تخافي. مهما حصل. سيبي لهم الدنيا كلها وتعالي أقعدي هنا. أنا قادرة أحميكِ." اضطرب تنفس "وعد" ولاحت علامات التخوف على ملامحها الرقيقة لتردف مجبرة.

"مش حينفع يا 'عهد'. أنا الأسلم لـ'زين' إني أوافق على اللي قالولي عليه." جذبتها "عهد" من مرفقها لتفيقها من غفلتها. "متخافيش. مش لازم توافقي. مش حيقدروا يعملوا حاجة." سكنت "وعد" بعينيها بترجّ. "اللي أنا عاوزاه إن إنتِ بس متزعليش مني. أنا مش عاوزاهم ياخدوا 'زين' مني. أنا عشان خاطره أعمل أي حاجة." هتفت بها "عهد" بإشفاق لكن نبرتها كانت جافة للغاية. "عشان ابنك... ترمي روحك في النار؟ عشان ابنك... تتجوزي 'محب'؟!!!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...