تحميل رواية ظننتك قلبي بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
باغتته بجذبه من مقدمة قميصه الصوفي الباهت بقبضتها وهى تزمجر بوجهه بشراسة لم يرها من قبل بأعتى الرجال. زجرته بمقلتيها العسليتان بنظرة أرجفت ساقيه المتخبطتان بتخوف لتتسع حدقتاه بفزع شاعرًا بأن الهواء من حوله فرغ تمامًا ليبحث عن ذرة منه تحيي رئتيه اللاتى توقفت عن عملهما إثر خوفه الذى إكتسى روحه. هل يمكن لفتاة أن تدب كل هذا الهلع بنفس رجل من مجرد نظرة عين؟ بخشونة صاحت من بين أسنانها المتراصة البيضاء بصوت مخالف عن ذلك الصفاء المحيط بهم، يكاد يجزم بأنه قد سمع للتو صوت إصطكاك أسنانها فوق بعضها البعض ول...
رواية ظننتك قلبي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم قوت القلوب
في بعض الروايات ودون علم منك تصبح أنت بطلها الشرير، لكنني اليوم أعلم أنني هذا البطل بل أتقن هذا الدور ببراعة أيضًا، فدور المحب لم يعد يليق بي.
على الانعطاف بهذا الطريق وإن كان قاسيًا، فبعض المنعطفات حتمية لمواصلة الطريق، وإن لم أستطع التجاوز فيجب علي أن أفسد الأمر برمته.
الكوخ...
من طبعه الغموض، فهذه سمة مميزة لشخصيته وتعبيراته التي تظهر جليًا على ملامحه، لا أحد يستطيع التنبؤ بما يفكر به ويحدد انطباعه عن الأمر، هكذا هو "معتصم".
لكنه على خلاف ذلك أظهر بوضوح اندهاشه وهو ينظر تجاه شاشة حاسوبه حين وردته إحدى الرسائل الإلكترونية للتو، فور أن دلفت "كاتينا" تحمل أكواب القهوة.
- غريبة...!
انتبهت له "كاتينا" متسائلة:
- هل قلت شيئًا "ماوصي"...؟
رفع رأسه تجاهها وما زالت تلك النظرة المندهشة تعلو عيناه القاتمتان قائلًا:
- لقد وصلت لي رسالة غريبة الآن... لقد عرض علي أحدهم عرضًا سخيًا للغاية لشراء برنامجي... إنه عرض لم أحلم به حتى.
باهتمام بالغ وفضول اعتري ملامحها الباهتة، تساءلت:
- وماذا عرض عليك...؟
تقوست شفته السفلى قليلًا ببعض التعجب وهو يجيب "كاتينا":
- إنهم يودون شراء برنامجي الذي قد أخبرتك عنه بمقابل خيالي.
تهللت "كاتينا" بحماس وهي تهتف بسعادة بالغة:
- رائع يا "ماوصي"! إنها فرصة رائعة لا يمكنك رفضها.
مال برأسه للجانب قليلًا وهو يمط شفته الممتلئة بتفكر وتردد:
- أظنين ذلك...؟ أخشى أن أخسر شيئًا لا أفهمه بعد، فعرضهم مثير للريبة بشكل غريب.
حملت كوبًا من القهوة لتقدمه له وهي تحثه على قبول العرض الذي لا يرفض مطلقًا:
- ولم لا... إنها فرصة لا تعوض للثراء! لقد صممته من قبل لبيعه، فلم الرفض الآن!!!
حمل "معتصم" الكوب بيده اليمنى ليدق فوق لوحة المفاتيح الخاصة بحاسوبه بكفه الأيسر ببراعة ليشير إليها تجاه شاشته:
- انظري... كم هو رائع وجاهز للعمل... لم يتبق سوى خطوة واحدة للانتهاء منه.
لمعت عينا "كاتينا" ببريق انبهار لمهارة "معتصم" التي لا مثيل لها:
- إنك ماهر للغاية يا "ماوصي"... هيا.. اقبل هذا العرض، إنها فرصة رائعة لا يمكنك هدرها.
نظرة مطولة دون إجابة محددة، فقد عاد لغموضه مرة أخرى، ولم تستطع أن تستشف إن كان وافق على البيع أم لا.
رفع كوب القهوة ببطء تجاه شفتيه، وقد لامسهما بالفعل، لكن قبل أن يرتشف رشفة منه، تفاجأ بهجوم "عهد" عليه لتضرب الكوب بكفها، ليسقط أرضًا محدثًا صوت تهشم قوي، تبعه لون القهوة المنسكب ببقعة كبيرة تزيد في الاتساع.
تحفز "معتصم" بغضب وقد قضب حاجبيه بقوة، يرمق "عهد" بنظراته الجارحة القوية ليهتف بها بحدة وانزعاج من تصرفها الأهوج:
- إيه ده... إنتِ اتجننتِ...؟!!
اتسعت مقلتاها العسليتان بتلك الصورة، وقد علاهما نظرة ثابتة جافة للغاية، لكن بها قوة وحدة غريبة الشكل، هيئتها تجعلك للوهلة الأولى تتيقن بأنها ليست طبيعية وأنها بالتأكيد مريضة نفسية سوف تنقض عليهم وتفتك بهم.
شراسة مخيفة ظهرت بملامحها الناعمة بتضاد مقلق، خاصة لـ"كاتينا" التي تراجعت بضع خطوات للخلف وهي تطالع "عهد" بأعين مذعورة.
مدت "عهد" يدها بكوب آخر من القهوة مردفة بنبرة غريبة لم يتيقن من مقصدها، فعل هي تلقائية بسيطة أم أنها نوع من التهديد؟ فقد عادت "عهد" لتلك الشخصية المحيرة التي أربكت عقله بالبداية، مسببة له حيرة غير منطقية للتضاد الكبير مما تظهره الآن عما كانت بالأيام السابقة.
فبعد أن كانت مشاكسة تقابل مناوشة بقلب متقبل سعيد، وربما يرى ميلها وانجذابها نحوه كما قالت من قبل، أصبحت الآن قاتمة، مخيفة، قوية إلى حد بعيد، ترفض تمامًا أن تكون تلك الشخصية الضعيفة المحبة التي تنساق خلف قلبها.
فلم تبدلت؟ أم أنها هكذا من البداية وهو لم يدرك ذلك إلا الآن...؟
أسرعت "كاتينا" إلى جوار "معتصم" وهي تنهر "عهد" بقوة:
- إنكِ جننتِ على الأخير... أكُل هذا لأنني أنا من صنعت القهوة لـ"معتصم"...؟!!! يا لكِ من غريبة الأطوار!!!
كالعادة كان رد فعل "معتصم" ثابتًا، صامتًا تمامًا كمن ينتظر من "كاتينا" المواجهة للدفاع عنه. تابع بهدوء وتحفز بذات الوقت جدال "كاتينا" مع "عهد" التي رفعت شفتها بتهكم قائلة بالعربية التي لا تفهمها "كاتينا":
- مالكيش فيه يا سكر.
طأطأ "معتصم" رأسه قليلًا يحدق بتلك المتطاولة التي عادت لسانها السليط مرة أخرى، ثم أردف بحدة:
- أظن أن الأمر زاد عن حده... لن ننتظر تحسن الطقس أو غيره... اخرجي حالًا من هنا... اذهبي إلى شخص آخر يتحمل جنانك هذا.
أغمضت عيناها لوهلة تسحب بها نفسًا طويلًا لتبقى على ثباتها النفسي قبل أن تردف ببسمة ساخرة فوق ثغرها المنمق تجيبه بإصرار:
- ده بُعدَك. (ثم أردفت بالإنجليزية لتفهمها "كاتينا") لن أُبرِح مكاني هنا مطلقًا... فلترتاحا... إن هنا مكاني ويناسبني للغاية.
ضرب "معتصم" كفيه بعضهما ببعض يناظر "كاتينا" التي لملمت شفتيها الباهتتان بغيظ واشتعل وجهها الأبيض بحمرة انفعال، بينما كانت "عهد" باردة الأعصاب تمامًا مستكملة بإصرار على بقائها معهم بطريقتها المريبة المثيرة للقلق.
أطلقت "كاتينا" غضبها بوجه "عهد" متحدثة بهياج شديد:
- اخرجي من هنا.... ما هذه المصيبة...؟؟!
ببرود تام كان لقاء تلك الكتلة من الجليد بنيران انفعال "كاتينا" المتوهج:
- أنتِ المصيبة.
توهجت عينا "عهد" ببريق وهي تدفع بكوب القهوة التي أحضرته تجاه "معتصم" بنبرة قوية:
- إشرب.
دفع "معتصم" بالكوب بعيدًا عنه ثم أردف بقوة تماثلها:
- لأ.
زمجرت بقوة تظهر شراستها، فها هي تعود لـ"عهد" التي اشتاقت إليها، تتحداه بنظراتها القوية والتي لاقت ذات الحدة والقوة وهو يدني وجهه قبالها ليظن البعض أن لقائهما سيشعل وهجًا قويًا بتنافرهما كقضبي المغناطيس.
انتهى هذا اللقاء بجلوس "عهد" على أحد المقاعد متشدقة بعنقها للأعلى تناظرهما بنظرة انتصار، فلم يُخلَق بعد من يجبرها على القيام بأمر ترفضه.
مال "معتصم" بأذن "كاتينا" قائلًا بهمس خفيض للغاية:
- إنني لن أتحمل تلك الفتاة لأكثر من ذلك... إنها مخيفة للغاية ولن تتركنا بهذه السهولة... أخشى أن تقتلنا حقًا... إن علينا الرحيل بالفعل... إن حياتنا هنا بخطر.
تفكرت "كاتينا" قليلًا قبل أن تجيبه بذات النبرة الهامسة:
- أعرف مكانًا جيدًا... قريبًا من هنا أيضًا.... مكان لن تستطيع هي الوصول إليه.
- إذن علينا خداعها حتى لا تكتشف الأمر وتتبعنا.
رفع "معتصم" رأسه بزهو للأعلى ليوجه حديثه بنبرته الشجية المميزة تجاه "عهد" والتي كانت تراقب حديثهم وهمهمتهم غير المسموعة:
- حسنًا يا "عهد"... لقد اتفقت مع "كاتينا" أن نعطيكِ فرصة أخيرة... أليس كذلك يا "كاتي"...؟
أومأت "كاتينا" رأسها عدة مرات ثم رسمت ابتسامة عريضة على وجهها الضئيل مؤكدة حديث "معتصم":
- بالطبع... لقد اتفقنا ليبقى ثلاثتنا هنا.
استطرد "معتصم" بالعربية:
- مبسوطة؟
بحركة فكها المنتصرة هزت "عهد" رأسها بخفة ثم أردفت بإعجاب:
- تعجبني سيطرتك.
وقفت بخفة لتدنو نحو الصينية الموضوعة فوق المنضدة والتي قد أحضرتها "كاتينا" منذ قليل لتحملها بين يديها:
- دي بقى ملهاش لازمة عشان ننام بدري.
خرجت من غرفة المكتب نحو المغسلة لتسكب القهوة كلها، ثم اتجهت بنفس هادئة نحو غرفتها لتغفو قليلًا، فلم تعد تتحمل البقاء كل هذا الوقت مستيقظة.
انتهز "معتصم" تلك الفرصة بغياب "عهد" ليهمس تجاه "كاتينا" قائلًا:
- ستخلد إلى النوم... هيا لنحضر أهم أغراضنا لنهرب من هنا... سأحضر بعض الملابس والحاسوب الشخصي الخاص بي فقط.
- حسنًا "ماوصي".
صعدت "كاتينا" لإحضار بعض الأغراض بحقيبة ظهرها كما فعل "معتصم"، ليحمل كل منهما حقيبته بعد ارتدائهم لمعاطفهم الثقيلة.
خرجا من باب الكوخ بتسلل وهدوء شديد لتسحب "كاتينا" الباب من خلفها بدقة متناهية حتى لا تشعر بها "عهد".
فها هي الآية تنقلب ويصبح المعتدي هو من يخشاه صاحب البيت، فقد أصبحت "عهد" هي المسيطرة على الكوخ بمن فيه وليس العكس.
صباح جديد يهل على من يقترن اسمه بالبدايات، لكنه لا يمت للإشراقة بصلة.
"صباح" اسم للبداية والتفاؤل، لكنه يتنافى مع صاحبته ذات القلب الصلب والنهايات التعيسة.
لم يمر خروج بنات "زكية" مرور الكرام اليوم أيضًا، فلم تلحق "صباح" بهم كالأمس تمامًا، قصة محفوظة وردود أفعال تكاد توثق من تكرارها، فخروجهن متسللات وتصيد "صباح" لهن أصبح من الروتين اليومي لحياتهن.
لكن اليوم يقع تربصها سدى، لتهيج وتجور على منفستها الوحيدة ابنتها "راوية"، تارة تؤنب بها ومرة توبخها ومرة تزيد من حنقها على بنات عمها.
وكعادة كل يوم تلاقيها "راوية" بعدم اكتراث مستكملة نومها.
زكية...
بعد أن اطمأن قلبها المتوجس على خروج ابنتيها لعملهما كالعادة، خرجت "زكية" بآخر ما تملكه لشراء بعض المستلزمات من البقالة.
تسللت كما يتسلل اللصوص كما فعلت ابنتيها من قبلها، تسلل بمهارة فقد اعتادت على ذلك لسنوات طويلة كما لو أنها ليست من أصحاب هذا البيت.
قلق يثقل قلبها وحيرة تتخبط برأسها، فمن أين ستأتي بالمال لبقية أيام الشهر الباقية، فما تملكه لن يكفي ليوم آخر.
وقفت مثقلة بالهموم تطلب من هذا الشاب الذي وقف بمحل البقالة ليحضر لها طلباتها القليلة بهدوء شديد وبشاشة وجه رغم همومها.
- صباح الخير يا "علي"... هات لي جبنة وملح وصلصة.
قابلها الشاب بحفاوة يسرها بالتعامل معه على الدوام، فهي مختلفة عن بقية عائلة النجار.
- صباح الخير يا ست "أم شجن"... من عنيا حاضر.
وقفت تنتظر حين باغتتها إحداهن من خلفها قائلة:
- "أم شجن"... والله كنت عاوزة أجي لك النهاردة.
انتبهت "زكية" لمحدثتها لتلتفت نحوها مرحبة بها بمجاملة:
- "أم يوسف"... أهلًا يا حبيبتي... وحشاني والله.
زمت المرأة فمها ببعض الملامة قائلة:
- لو كنت وحشاكِ بجد كنتِ جيتي طليتي عليا.
أجابتها "زكية" بضيق، فهي تخشى الخروج من البيت حتى لا تلاقي "صباح" لتتهرب معللة:
- الدنيا مشاغل والله... ده حتى البنات بتشتغل دلوقتي ومفيش غيري بيساعدني في شغل البيت.
استكملت "أم يوسف" كما لو أنها لم تنصت لحديث "زكية" وقد لمعت بعينيها بريق حماس لإخبارها بشيء ما لا يمكنها كتمانه لتستطرد بابتسامة:
- على سيرة البنات... فيه واحد قاصدني أكلمك ضروري... عايز يخطب اسم الله عليها بنتك "شجن"... ربنا يجعله من حظها ونصيبها. (اتسعت حدقتاها بفخر وهي تلفظ بها قائلة) ده دكتور.
كلمات مبهمجة وحديث يبث بها الروح ليدق قلب "زكية" فرحًا، فقد أصبح زواج ابنتيها أملًا تتمنى الوصول إليه بعدما أنهوا دراستهن لتردف بسعادة ظهرت بنبرة صوتها الذي عاد له الحياة:
- بجد... دكتور.
أجابتها "أم يوسف" بزهو لما تخبرها به وتوسطها لتلك الزيجة لتؤكد لها:
- أيوه... الدكتور "سليم" ابن "السيد سليمان"... ما انتِ عارفاه.
قالتها "أم يوسف" وهي تتباهى بعرضها المبهر لهذا الطبيب ميسور الحال لطلبه الزواج من ابنتها وتوسطها لمعرفة قبولها به، لتلتهم "زكية" سعادتها المفرطة بمعرفتها بهوية العريس لتظهر ثقلها ولا تقلل من قيمة بناتها لتردف ببعض الاتزان رغم موافقتها الشديدة لإتمام الأمر:
- عمومًا برضه يا "أم يوسف"، مهما كان لازم نشور البنت ونشوف رأيها واللي فيه الخير يقدمه ربنا... دول ونعم الناس يعني.
بإيماءة خفيفة عقبت رفيقتها:
- على خيرة الله... شوفي رأيها إيه وبلغيني... عشان أقول للدكتور يروح يتقدم لعمها "فخري".
- بإذن الله.
انتظر الشاب انتهاء حديثهم ليتدخل بهدوء:
- اتفضلي يا ست "أم شجن"... أي طلبات تانية...؟
أخرجت "زكية" بضع ورقات من محفظتها لتمد بها إليه وما زالت إشراقة وجهها تعبر عما تشعر به قائلة:
- تشكر يا "علي"... خد حسابك.
حملت أغراضها عائدة إلى البيت بمقابل البقالة وهي تلملم ابتسامتها السعيدة، فأخيرًا ستسعد بزواج إحدى ابنتيها، حملها الثمين لسنوات قاسية.
لم تكن تدري وهي تتعلق بسعادتها التي زارتها بعد عقود مرهقة مرت بها بأن هناك أعين تتقد حقدًا وكراهية تتابعها سيرها وابتسامتها دون أن تدري.
غمغمت "صباح" وهي تحدق بـ"زكية" التي رأتها من شرفتها تقف بمحل البقالة بالمقابل:
- مالها فرحانة كده ليه دي...؟؟
رفعت رأسها تجاه محل البقالة لتلتقط أول الخيط محدثة نفسها:
- هي أكيد الولية دي قالت لها حاجة، ولازم أعرفها.
دلت "صباح" نحو الداخل تلف حول نفسها كفرخ دجاج متحير، لا تدري كيف تكتشف سر سعادة "زكية".
وقت طويل لم تجد به فكرة سوى هذا الشاب الذي يعمل بمحل البقالة ليخبرها بما يعرفه، سحبت هاتفها لتتصل به لتطلب طلبات عديدة كالمعتاد قبل أن تجلس بتلهف بانتظار مجيئه بعد قليل.
عبأ الشاب طلبات السيدة "صباح" فهي تنهره بقوة عندما يتأخر عنها، بدقائق قليلة كان "علي" يدق باب "فخري النجار" لتقابله "صباح" التي أكل الفضول والتلهف صبره لمعرفة الأمر.
أسرعت "صباح" تقابل الشاب لتحمل الطلبات من يديه وهي تمد يدها بنقود تفوق ثمن مشترياتها بكثير.
- خد يا "علي".
- خلي علينا يا ست "أم فريد".
نظر الشاب لهذا المبلغ المالي الكبير ليتهف بتوضيح:
- ده كده كتير يا ست "أم فريد"... انتِ كده ليكِ باقي كتير.
رفعت كفها السميك ليهوي مصدرًا ضجيجًا لتخبط أساورها الذهبية بعضها ببعض تمنعه من إعادة النقود وهي تهمس كالأفعى بأعين لامعة:
- لأ... خليهم عشانك... بس قولي... الولية اللي اسمها "أم يوسف" دي كانت بتقول لـ"زكية" إيه...؟
لم يكن الأمر يحتاج لذكاء فائق لإدراكه، لم أعطته المال ليجيبها على الفور بما سمعه، فالأمر لا يعد سرًا ولا به شيء مخجل وإلا كانوا أخفوه عنه، فقد كانت أصواتهن واضحة للغاية.
- أبدًا يا ست "أم فريد"... دي كانت جايبة لبنتها عريس.
شهقت "صباح" بقوة ليعلو صوتها الغليظ الذي انتبهت له "راوية" التي خرجت من غرفتها للتو. ضربت "صباح" صدرها بكفها لتزيد الأمر اندهاشًا تخوف له الشاب.
- عريس...!!!
نكست "راوية" عيناها بتحسر، بينما أكمل الشاب بالمزيد من المعلومات ليكسب رضاها:
- أيوة يا ست "أم فريد" عريس... دي حتى بتقول إنه دكتور.
ظن أنه بهذا الأمر سيخبرها بأمر مفرح يستحق عليه المكافأة، لكن "صباح" مدت كفها لتقبض مرفقه بينه بقوة تحدثه بنبرة حادة اهتز لها الشاب للغاية:
- دكتور... دكتور مين ده... انطق... قول أوام مين هو...؟
إحساس بالارتباك جعل نبرته تهتز تخوفًا من "صباح" حين اتسعت عيناها المخططتان بالكحل الأسود ببريق مخيف زاد من وهج بشرتها السمراء لتزداد قتامة، أجابها بنبرة متلعثمة محاولًا التحرر من قبضتها المتمسكة بمرفقه فيبدو أنه أخطأ بإخبارها بالأمر.
- الدكتور ااا... "سليم سليمان"... ابن الحاج "سيد سليمان".
بمجرد نطقه بالاسم وانتهاء حاجتها له حررت "صباح" ذراعه من بين كفها ليسرع بخطوات متعثرة مبتعدًا حتى لا تسأله عن أي شيء آخر فيما أردف باضطراب:
- لا مؤاخذة يا ست "أم فريد"... أصل ااا... سايب المحل لوحده.
اختفى طيفه بلحظات، فيما استدارت "صباح" نحو الداخل لتبدأ تنفيس غضبها بأول وجه تقابله، "راوية" بالطبع.
- بقى بت "زكية" يجي لها عريس دكتور... وإنتِ زي الكُبة خيبة قاعدة لي كده..!!!!
تهدج صدر "راوية" بحنق، فما ذنبها هي بزواج بنت عمها من طبيب، وما ذنبها أن الخطاب لا يخطون بابهم كبنات عمها.
- وأنا مالي..!!!!!!!
بدأت "صباح" سلسلة من التوبيخ المعتاد والسباب بدون داعي، أمر يجعلها تزداد حنقًا وكرهًا لبنات عمها.
- مالك...!!! مالك يا بايرة يا *****... يا ******... شوفي بيعملوا إيه عشان يجيبوا رِجلين الرجالة دول... لكن انتِ حتفضلي قاعدة لي كده... ولا حتتجوزي ولا حتغوري من وشي... بس على مين... مبقاش "صباح" لو خليت الجوازة دي تتم... طول ما انتِ قاعدة لي كده... هم كمان لازم يفضلوا قاعدين لأمهم... ولا واحدة فيهم حتخطي عتبة جديدة.
توعد وترصد، تقدر عليه بالفعل كان رد فعلها عن هذا الأمر الذي لن تتركه يمر مرور الكرام، فلن تتزوج إحداهن قبل أن تتزوج "راوية"، والتي لا يُقدم أحدهم على طلبها مطلقًا، ليكتب عليهن نفس مصيرها بالإكراه.
شقة فريد النجار...
التذمر الدائم هو ما يوصف به تلك المرأة النحيلة التي تعد نفسها أذكى وأرقى من تلك العائلة حتى مع امتلاكهم المال الذي لا تمتلكه عائلتها.
نفخت "حنين" بتذمر وضيق من زوجها محدود الذكاء والذي لا يساعدها مطلقًا للوصول لمبتغاها وما تحلم به، ثم رمقته بسوداويتها بتقزز.
- يعني وأخرتها معاك... لحد إمتى هفضل أفهم فيك وانت البعيد مبتفهمش...!!!
طأطأ "فريد" رأسه بخنوع وقلة حيلة:
- ما هو يا "نونه" أبويا كل ما آجي أقرب منه يصدني ومعرفش آخد معاه لا حق ولا باطل زي ما يكون مش طايقني، خصوصًا ومأمون موجود معاه.
لوت فمها الممتعض طيلة الوقت وهي تقضم شفتها السفلية بحركة عصبية قائلة ساخرة من "فريد":
- إذا كنت أنا مراتك أهو ومش طايقاك... المهم... المشكلة في أخوك اللي اسمه "مأمون" ده... بني آدم مش سهل.
بقلق بالغ أوضح "فريد" تخوفه من معرفة "مأمون" بما يقوم به في الخفاء:
- ده أنا قلبي وقع في رجليا لما كان بيتكلم معايا امبارح... كنت فاكر إنه عارف بعمل إيه.
ضربت "حنين" كفيها بعضهما ببعض، أهو ساذج أم غبي؟ لأنه لا يمكن أن يكون صادق صافي القلب لتردف بانفعال من غبائه الذي لا تتحمله لأكثر من ذلك:
- فاكر...!! إنت متخيل إن "مأمون" ميعرفش إنت بتعمل إيه... إنت غبي أوي كده...؟؟
ثم اعتدلت لتتوهج عيناها الماكرة وهي تبث به سمومها:
- ده أخوك ده مصيبة من مصايب الزمن... ده مفيش حاجة ميعرفهاش... ومش بعيد يكون وقعك في الكلام بجد عشان يثبتها عليك وتفضل مرمي في مكانك في المخازن.
لم يبالي بطريقتها التي تدني منه وتقلل من شأنه ولا من تطاولها عليه، بل كان اهتمامه منصب فقط على كيفية التصرف بهذا الأمر.
- طب والعمل يا "حنين"...؟
طرفَت بعينيها لوهلة بغرور وهي تجيبه بدهاء:
- مش عارفه من غيري كنت حتعمل إيه... اللي المفروض تعمله دلوقتي هو إنك تخلي أبوك يشك في "مأمون" عشان يبعده عن الوكالة ويخاف يملكه على الفلوس.
اتسعت عينا "فريد" بانبهار قائلًا بترقب:
- إزاي...؟
ضحكت "حنين" بتهكم، ضحكتها القصيرة قبل أن تستكمل حديثها:
- المفروض تعرف "مأمون" مسافر إمتى يستلم بضاعة، ووقتها تفهم أبوك إنك الكميات اللي وصلت أقل من الحقيقة... ساعتها أبوك حيشك إن "مأمون" بيلعب في الكميات وبياخد فلوس لحسابه... ووقتها بقى واحدة واحدة تدخل لأبوك وتاخد مكانه.
- فهمت.
قالها "فريد" بحماس وعليه التنفيذ في الحال لمعرفة متى سيسافر "مأمون" لبدء خطته.
غمغمت "حنين" بنبرة خفيضة للغاية بسخط:
- يا ريت تكون فهمت... هو إنت بتفهم أصلا... ده ناقص آجي أتكلم بدالك... مش كفاية عليا أمك وأختك... عيلة ما يعلم بها إلا ربنا.
سويسرا...
لم يعد شعور الاستغراب يهيم بالنفوس، فقد أصبح كل شيء متوقع، لمحة عين اختلفت بها الأوضاع، فصاحب البيت أصبح هاربًا والمعتدي أصبح مالكًا.
وسط تلك الأجواء التي تبعت هذا الطقس العاصف برودة قارسة وسحب كثيفة تغطي السماء، أمطار ما زالت تتفاوت شدتها، رياح تتنقل بين الأشجار التي ابتلت من الأمطار.
أجواء تبعث بالضيق والكآبة، خاصة وهما وسطها دون ملجأ أو حامي منها.
كانت "كاتينا" هي المرشدة الآن بعد خروجهم المتسلل من الكوخ للهروب من تلك المتوحشة المجنونة، سارت "كاتينا" متقدمة "معتصم" لإرشاده نحو بيت قديم يملكه والديها لا يبعد كثيرًا عن طريق الكوخ.
وسط طريق يخترق الغابة والأشجار الكثيفة التي تحجب الرؤية بشكل واضح، اتخذا طريقهما للشمال، بعد سير لوقت لا بأس به بهذه الطرقات غير الممهدة بفعل العاصفة، وقفت "كاتينا" تشير إلى أحد الاتجاهات لتخبر "معتصم" بإرهاق:
- ها هو "ماوصي"... إنه الكوخ خاصتنا.
وقف "معتصم" يستقيم بهامته حاملًا حقيبته فوق ظهره ليضغط جبهته متطلعًا بتمعن بذات الاتجاه الذي تشير إليه "كاتينا".
من بين فروع الأشجار الكثيفة ترائى له كوخ قديم لا يمكن رؤيته بشكل واضح لتنبسط ملامح وجهه المتجهمة ببسمة ضعيفة للغاية ليردف معقبًا:
- إنه كوخ بالفعل.
تطلعت "كاتينا" بوجهه المستريح حينما استطرد قائلًا:
- أظن أنه من المستحيل أن تصل "عهد" إلينا هنا... لقد وصلنا نحن بأعجوبة.
اتسعت بسمتها التي تدل على انتصارها على تلك المتطفلة:
- بالطبع "ماوصي"... لن تستطيع الوصول إلينا مهما حاولت... مكان الكوخ هنا مختبئ لدرجة كبيرة لا يمكن أن يأتي إليه أحد إلا من يعرف مكانه بالتحديد مسبقًا.
أومأ "معتصم" بخفة وهو يتقدم بخطواته تجاه الكوخ لتتبعه "كاتينا".
كان كوخًا عاديًا للغاية لا يشبه الكوخ الذي كانا يقيمان به، فيبدو أنه قديم للغاية. مدت "كاتينا" ذراعها القصير لتصل بصعوبة لأحد المصابيح تسحب المفتاح من فوقه لتشعر بالزهو لتحصلها عليه.
اتجهت نحو الباب الموصد لتفتحه بالمفتاح قبل أن يدلفا نحو الداخل.
إجتاح جسديهما شعور بالبرودة فالكوخ صامت، هادئ بشكل كبير بعكس كوخهما الدافئ، حتى المدفأة المطفأة هي من النوع القديم الذي يحتاج للأخشاب لإشعالها للشعور بالدفء.
لم تكن الأجواء بالخارج أقل برودة، لكن يأمل المرء عندما يخطو داخل البيت بالشعور بالدفء والأمان، فهو مفهوم يغرس بالنفس قبل الشعور به.
وضع "معتصم" حقيبته أرضًا ليتحرك بأرجاء الكوخ بحثًا عن الأخشاب لإشعالها بالمدفأة التقليدية ليشعرا بالدفء.
وجد المدفأة بأقصى اليسار وإلى جوارها بعض الأخشاب ليسحب بعضها ويلقي بهم بداخل المدفأة مشعلًا النيران ليستمتعا ببعض الراحة وربما الخلود للنوم بعد قضائهم لليلة طويلة لم ينالا بها راحة ونوم هادئ.
وسط الملامح الهادئة أشياء محطمة، تلك مقولة لا يدركها الكثيرون، كم من طائر يملك جناحين دون أن يعطى لهم قيمتهما، تلك الأجنحة خلقت لتطير، فربما كان بالاستغناء إذن بالحرية لتحلق الأجنحة من جديد.
بيت عائلة الأسمر...
ضغطت "وعد" بكفها فوق شفتيها لبعض الوقت تمنع قلبها المتهدج من الصراخ لما يتصارع بداخلها، رفعت أصابعها الطويلة لتسحب هاتفها تدق برقم خالتها "زكية" باشتياق لسماع كلمة حانية لينة ولم ولن تلقاها إلا منها فقط.
- صباح الخير يا خالتي.
قالتها "وعد" بصوتها الناعم ونبرتها الهادئة لتجيبها "زكية" بلهفة أم حنون على ابنتها التي لم ترها منذ فترة طويلة:
- صباح الخير يا حبيبتي... وحشتيني أوي.
- وانتِ كمان يا خالتي... وحشاني أوي.
أنهت عبارتها لتتنهد بضيق شعرت به "زكية" لتتسائل بقلق:
- مالك يا "وعد"... فيكِ إيه...؟
لملمت شفتيها بتأثر وقد تقوست شفتيها اللامعتان للأسفل بضيق وانقباض بقلبها ثم اجابتها بنبرة مستسلمة:
- متلخبطة ومش عارفه أعمل إيه يا خالتي... حتى "عهد" زعلانة مني ودايمًا تليفونها مقفول... وانتِ بعيدة عني ومشغولة طول الوقت... أنا حاسة إني لوحدي.. مش عارفه إللي بعمله ده صح ولا غلط...!!!!!
كانت إجابة "زكية" مختلفة عما يظنونه من يحيطون بها بمفهومهم عن الصواب والخطأ، بل كان بكلمات تريح قلب تلك المسكينة المتعبة:
- كفاية يا "وعد" تأنبي نفسك... شوفي بيتك وحياتك وابنك... و "عهد" مسيرها تقتنع في يوم من الأيام بأن اللي عملتيه ده كان لمصلحتك ومصلحة ابنك... كفاية تلومي نفسك وتتعبي أعصابك أكتر من كده... ده انتِ ممكن يجرى لك حاجة.
صمت "وعد" المنصتة لحديث "زكية" الذي يهدئ من ضغط قلبها المتعب كان ردًا بليغًا على حديثها العقلاني الذي يحثها على تقبل حياتها.
استطردت "زكية" مستكملة:
- والله يا بنتي أمك "عايدة" لو كانت عايشة مكنتش حترضى أبدًا تشوفك تعبانه كده.
أغمضت "وعد" عيناها للحظات، فربما تلك الكلمات هي ما تحتاجها لتعطيها الروح والقوة لإكمال حياتها التي أصبحت كالماء لا لون ولا طعم، لكنها على قيد الحياة.
عبارات حانية من خالتها ذات القلب الطيب، لكنها كانت بالفعل تحتاج النصيحة من قلب قوي كقلب "عهد"، تتمنى أن تستمع إليها وتبثها بعضًا من قوتها، لكن الأمر الآن غاية بالصعوبة، فـ"عهد" لا تلين بسهولة ولن ترضى بأنصاف الحلول، قراراتها تتخذها بما يقنع عقلها فقط وتقصي حسابات القلوب جانبًا تلقيها ببئر لا نهاية له.
بعد فترة من الإنصات أردفت "وعد":
- ماشي يا خالتي... معلش شغلتك معايا.. بس انتِ عارفه إني لوحدي ومش بعرف أتصرف.
- عيب يا "وعد" تقولي كده وإنك إنتِ و"عهد" تعتبروني غريبة كده... هو انتوا مش زي "شجن" و"نغم" ولا إيه..؟
ببور شديد عقبت "وعد":
- غريبة إيه بس يا خالتي هو إحنا لينا غيرك في الدنيا.
- طب ابقي هاتي "زين" وتعالي... وحشتوني أوي.
رغم أنها تخشى الوعود خاصة تلك الوعود التي لا تستطيع الوفاء بها، إلا أنها وعدتها بذلك:
- إن شاء الله يا خالتي... حاجيلك قريب.
انتهت تلك المكالمة بخيال "وعد" الذي قفز لذكرى جديدة، ذكرى قاسية من "عاطف" مرة أخرى.
***
﴿اعتد "عاطف" حياة القسوة واللا مبالاة معها، إنصاته لأخته "عتاب" وأمه بأنه لابد أن يُظهر القوة وسيطرته على زوجته ليكون رجلًا كما يظنون، لكن هؤلاء هم أشباه الرجال، لا يملكون من الوصف سوى كلمة ذكر ببطاقة هويتهم.
أيام تمر لا تجد بها "وعد" سوى الضيق واقتضاب الوجه، حديث مقتصر واستهزاء وتحقير منه لها.
نفسها الحساسة كانت هشة للغاية، لم يمر ذلك عليها بروية بل كان إحساس عاصف جعلها فريسة لحياة حزينة وانزواء واضح.
بالبداية كانت "وعد" تحاول التماس بعض الأعذار حتى لو لم تكن مقنعة بذلك، لكنها كانت تجد بها سببًا يدفعها للتحمل والاستمرار، أخذت تمني نفسها أن كل ما يمر بعلاقتهم يمكن تداركه، فهو من داخله يحبها، ولأجل ذلك ستتحمل أملًا بأن يتغير ذات يوم.
حتى جاء هذا اليوم، اليوم الذي أعلن به نهاية اختلاقها لأعذار له لمعاملته السيئة معها، اليوم الذي توقفت به نفسها عن البحث عن سبب لما يفعله معها، لتقف بنقطة الصفر حين تجبرها تصرفاته قتل شعور المحبة بداخلها لتصبح كإناء أجوف فقد انعدم رصيده من التماس الأعذار وأصبح ببداية إحساس آخر هو من أجبرها عليه.
عاد "عاطف" من متجره ليلًا بنفس ضائقة، لم تدر "وعد" سبب ذلك، أهو العمل بحد ذاته أم لخلاف ما بين أبيه أو أخيه "محب" كالعادة.
كان كالثور الهائج يبحث عن متنفس لإسقاط غضبه عليه لتتجلى أمامه تلك الضعيفة اللينة كمثال مناسب لهذا، بدأ حديثه الصارخ بالسباب المهين لها والغير معتاد بينهم.
- قومي يا *** ***** إعمليلي شاي.
اتسعت خضراويتها بصدمة من إلقائه عليها بتلك الألفاظ النابية لتفغر فاها بقوة لكن ملامتها له كانت بمثل نعومتها تمامًا.
- "عاطف"!!! ليه كده...؟
عقد حاجبيه بقوة وهو يرفع أنفه باشمئزاز منها قائلًا بتجبر:
- كيفي كده... حد شريكي... ومن هنا ورايح مش هتكلم غير كده يا *** *****.
تعالى تنفسها بقوة فقد شعرت بأن الهواء انعدم تمامًا بداخل رئتيها لتحرك رأسها برفض لهذا الأسلوب الجديد المهين بالتعامل معها، خاصة وأن غضبه وسبابه بدون سبب من الأساس.
- لأ يا "عاطف"... متكلمنيش كده... عيب كمان الولد ممكن يسمع ويقلد الكلام ده.
وقف بقامته الطويلة ليضرب بكفه جانب رأسه بقوة بصورة أخافتها للغاية مع انفعاله وصراخه المتكرر حتى أنها تراجعت لبضع خطوات للخلف بارتجاف.
- هو كده... بمزاااااجي... أقول اللي عايز أقوله... وإنتِ تتكتمي خالص... فاهمه ولا مش فاهمه يا روح ***.
تهدج صدرها بقوة لتهتز شفتيها بقوة تبعها تساقط لدموعها صعبة التحكم مردفة بنبرة محتقنة خرجت بقوة لإهانته المتوالية:
- لو.. سمحت يا "عاطف"... بلاش الطريقة دي.
باغتها بقبضة لمرفقها بقوة يسحبها تجاهه وهو يصرخ بها بغضب جعل عيناه تشع بريق مفزع بأعين "وعد" التي بهتت تمامًا من شدة الارتعاب.
- إنتِ هتعلميني أقول إيه وما أقولش إيه... اعرفي حجمك كويس... ده أنا "عاطف الأسمر"... أقول زي ما أقول... ولا حد يحاسبني.
رغم رجفتها وبرودة أطرافها حاولت بقوة واهية الدفاع عن نفسها، فعليها أن تكون قوية كـ "عهد".
- لأ... طبعًا... فيه حد هيحاسبك... ولا نسيت ربنا ومبقتش عامل له حساب.... بلاش كده يا "عاطف"... أنا مش قليلة... عشان تعاملني بالشكل ده... طريقتك وأسلوبك ده ربنا هيحاسبك عليه.
لم يتقبل ردها وانتقادها له، بل عليها الرضوخ والسماع والطاعة، عليه أن يظهر كالرجل القوي الذي لا تجرؤ زوجته على معارضته، ترضخ له بإشارة من إصبعه الصغير.
عليه استخدام القوة، تلك الطريقة الهمجية الذكورية التي يظنها البعض سيطرة وقوة وهي أبعد عن الرجولة الحقيقية بالنقيض.
رفع كفه بقوة ليهوي فوق وجنتها الممتلئة بصفعة شعرت بصداها بداخل قلبها أولًا، فعليه إخراسها وإجبارها على قوته الجديدة بالسيطرة عليها.
صفعة أطلقت سيل من الدموع الموجعة المتلاحقة، ربما ما شعرت به من ألم لم يوازِ تهشم ما حدث بداخلها، جدار صلب استطاع هدمه بصفعة واحدة، ذلك الخيط الرفيع الذي حال بين نقيضين من قلب عطوف محب لقلب جامد صلب.
كيف استطاع نزع محبتها له برد فعل عنيف منه؟
كيف استطاع خلق إحساس مغاير بداخلها بهذه الصورة؟
بل كيف توقف قلبها عن الشعور؟
أصبحت تقف على حافة جسر بين أحاسيس مختلفة لتبقى لا تنتمي لأي منهما، لقد أعادها للحياد ونقطة الانطلاق، لقد أوصلها لدرجة الغرباء الذين لا يعرفون بعضهم البعض.
رفعت وجهها المحتقن بنظرة عميقة كمن تبصر ما كُشف منه للمرة الأولى وقد أزيلت غشاوة عينيها لترى سوء خلقه وأنانيه، شخص بغيض غريب.
أزاحت خصلات شعرها الأسود التي التصقت بوجنتها إثر دموعها التي غطتها ليظهر أثر كف "عاطف" تاركًا رسم لأصابعه فوقها، رفعت أصابعها تملس فوق وجنتها المتوهجة متسائلة بأعين مستنكرة فعلته.
- إنت بتضربني يا "عاطف"...؟
كبرت نفسه متجاهلًا عتاب قلبه عما فعله بها ليظهر وجه لا يبالي رافعًا من هامته بثبات مغلفًا صوته بقسوة أنهت هدم جدار المحبة بينهما.
- وأكسر رقبتك كمان... ومن هنا ورايح ده ردي عليكِ يا "وعد" لو في يوم وقفتي قصادي كلمة بكلمة معايا زي النهارده.
هزت رأسها برفض لهذا الوضع المهين وهي تقلب شفتها السفلى بحزن رجف له قلبه المتعالي الذي وضعه تحت قدميه كما لو أنه لا يكترث لها ولا لآلامها لتردف بغصة.
- ليه يا "عاطف".... ليه....!!!!!
ثم أردفت بآخر أمل لها تعاتبه وتترجى أن يفيق من غفلته قبل خسارتها بشكل نهائي.
- إنت كنت بتحبني... ليه تقسى عليا... أنا عملت لك إيه...؟؟
تنهدت بأنفاس متقطعة لتستكمل ببعض الاستجداء.
- بلاش تسمع كلام "عتاب"... بلاش تقسيك وتقويك عليا... بلاش.
رغم وجودهم بشقتهم إلا أن خيال "عتاب" ترائى لناظري "عاطف" يراها تسخر من ضعفه وانقياده خلف لين "وعد" وطيبة قلبها ليتجلى شيطان نفسه رافضًا حديث "وعد" ضاربًا بحديثها عرض الحائط ليهتف بنبرته الغاضبة.
- اخرسي....!!! (زادها بإتمام شهادة رجولته حين هوى بكفه بصفعة ثانية كانت هي من ألقت كلمة النهاية على حطام قلبها ومحبتها له).
إوعى تجيبي سيرة أختي على لسانك بالصورة دي... دي ستك وتاج راسك... دي بنت "محفوظ الأسمر"... إنتِ تطلعي إيه عشان تتكلمي عنها بالصورة دي.
ألم يكتف بصفعاته القاسية ليكمل قبحه بإهانة وتجريح ودونية أيضًا، لِمَ يحطم كل ما كان جميل بينهم؟
لِمَ يحطم قلبها الذي ظن أنه يومًا يحبه؟
كانت تود بعتابها أن يعيد بناء ما اهتز بينهم لكنه أصر على تحطيمه حتى لم يعد للعتاب سبيل فقد قطع الوصل.
حتى العتاب فقدت الرغبة به، حينها فقط تأكدت بأنها شيعت محبته لمثواها الأخير، لم يقدر قيمة الأحجار النفيسة التي يمتلكها فغدًا سيجد أنه لا يملك سوى الحصى.
إن العتاب هو الوصل بين الأحبة، لكنها الآن لم تعد تقوى على عتابه، لم تعد تريد هذا الوصل فقد كسر ما لا يمكن إصلاحه.
﴾
عادت "وعد" لواقعها لتحمل ابنها لداخل غرفته تبدل ثيابه بصمت تحاول الاعتياد على حياة لا حياة فيها.
بذات المكان والتوقيت بشقة محفوظ الأسمر، انتهت "عتاب" فرصة غياب والدتها "قسمت" عن البيت ووجودها بمفردها لتدلف لغرفة نوم والديها.
تركت بناتها لتتسلل نحو غرفة والديها مستغلة هذا الوقت بالخصوص، فلن يزعجها أحد، حتى "وعد" التي أصبحت لا تختلط بهم متيقنة بأنها لن تأتي وتكتشف الأمر.
فتحت "عتاب" الخزانة الخاصة بوالديها لتخرج حقيبة الأوراق الكبيرة الخاصة بهم، تلك الحقيبة التي تمتلئ بكل ما يخص العائلة بأكملها من أوراق ومستندات تخص والدها "محفوظ" الذي لا يجرؤ أحدهم على امتلاك ورقة واحدة منهم بل كان له كل السيطرة للاستحواذ حتى على الأوراق.
طلت بوجهها الطويل وشفتيها المضمومتان تنظر نحو باب الغرفة بتشدق الاطمئنان بأن الوضع هادئ تمامًا لتضع الحقيبة فوق الفراش لتفتحها وهي تعبث بمحتوياتها بتركيز شديد.
لم تنتبه لهذا الذي وقف بباب الغرفة يحدق بها وهي منشغلة بالتقليب بين الأوراق لتنتفض بفزع حين نطق مفاجئًا إياها:
- بتعملي إيه يا "عتاب"...؟
اضطربت للغاية حتى كادت تشق الورقة التي تحملها بين يديها لنصفين من مفاجأتها لتبتلع ريقها الذي تحجر بحنجرتها وهي تطالعه ببعض الاضطراب قبل أن تهدأ نفسها قليلًا مجيبة إياه:
- محب...!!! خضتني.
عقد ذراعيه أمام صدره وما زالت نظراته مثبتة عليها ليعيد سؤاله مرة أخرى:
- أيوه مقولتيش برضه... بتعملي إيه عندك؟
وضعت الأوراق عن يدها وهي تزم شفتيها بقوة ثم نهضت من جلستها لتدنو منه قائلة:
- تعالى هقولك... عشان إنت لازم تفهم بدل ما يتأكل حقنا... أنا وانت أكتر اتنين مهمشين في البيت ده... وجه الوقت عشان ناخد حقنا بإيدينا.
عقد حاجباه بدون فهم محاولًا استنباط عما تتحدث:
- قصدك إيه...؟
لمعت عيناها بخبث وهي تستكمل بث سمومها بأفكار "محب" أيضًا، فعليه التعاون معها لاسترداد حقهم الذي على وشك الضياع.
- قصدي إن الفرصة جت لنا نرجع حقنا يا "محب"... ولازم تحط إيدك في إيدي عشان نرجع اللي راح.
رغم عدم إدراكه لما تنوي فعله إلا أنها أثارت فضوله ليسألها بتعمق في حديثها المبهم:
- إنتِ عايزة تعملي إيه بالضبط..؟
- عايزة... ااا....
قطعت حديثها حينما سمعت صوت والدتها تتحدث مع بناتها بالخارج لتسرع نحو الحقيبة تلملم ما بعثرته بعجالة:
- مش وقته مش وقته... هبقى آجي لك أوضتك أفهمك إيه الحكاية وحنعمل إيه... روح دلوقتي عطل ماما لحد ما أشيل الأوراق دي مكانها.
رفع كتفيه وأهدلهما بدون فهم ليخرج لوالدته التي عادت للتو من الخارج، بينما أعادت "عتاب" كل شيء كما كان كما لو أنها لم تفعل شيئًا.
بيت النجار...
نيران حامية تصارعت بنفس "صباح" منذ علمت بأمر خطبة هذا الطبيب لابنة "زكية"، نيران التهمت أعصابها وقلبها المفعم بالسواد.
ارتدت عبائتها السوداء المزينة بالنقوش الذهبية والتي أظهرت جسدها الممتلئ، تلك العباءة التي طغت بسوادها على قلبها، زينت ذراعيها السميكان بالمزيد من الحلي الذهبي، فهي لابد وأن تكون بكامل بهائها وتأنقها.
تعجبت "راوية" من رؤية والدتها تستعد للخروج لتتسائل باندهاش:
- رايحة فين يامه...؟ ده إحنا لسه بدري.
مصمصت "صباح" شفتيها بازدراء وهي تطالعها بجانب عينيها قائلة باستهزاء:
- يا برودك يا بنت "فخري"... يعني مش عارفه أنا رايحة فين...!!!! طبعًا وانتِ بيهمك إيه... قاعدة زي البقرة تاكلي وتنامي ولا حاطه في دماغك حاجة وسايباني أنا أولع في نفسي... قال على رأي المثل (إيش على بال القرد من سواد وشه).
زفرت "راوية" بضيق من استهزاء والدتها بها ثم أردفت:
- ما كفاية بقى تحرقي في دمي ليل ونهار... أنا ذنبي إيه...!!!!
- ذنبك...!!! ذنبك إنك بايرة... مش عارفة تجيبي لك عريس زي بنات الخدامة.
أزاحت "راوية" وجهها بامتعاض عن والدتها فقد اعتادت طريقتها القاسية معها، لم تعد تهتم أو تتأثر بما تقوله لها، متبلدة المشاعر حتى الحزن ودموعه فارقا حياتها لتفضل اللامبالاة عن التأثر بحديثها المتهكم منها طوال الوقت.
استدارت عائدة نحو الشرفة عوضًا عن بقائها مع والدتها التي تضغط عليها طوال الوقت.
رفعت "صباح" طرف عباءتها بغيظ لتخرج مغمغمة:
- عَيلة باردة... أبرد من ماية طوبة.
خرجت من شقتها عاقدة العزم لإفساد أمر خطبة "شجن" مهما كلفها الأمر لتتخذ طريقها لتنفيذ ذلك.
ويبقى للأحداث بقية.
رواية ظننتك قلبي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم قوت القلوب
مر وقت لا بأس به وقد حاول "معتصم" إشعال المدفأة لتنكسر برودة الطقس قليلًا كما ساعدته "كاتينا" بصنع أحد المشروبات الدافئة لشعورهم بالبرد الشديد.
حاول "معتصم" النوم لكنه لم يستطع لشعوره بارتجاف أطرافه لينتظر أن تدفئ نيران المدفأة الأجواء من حولهم حتى يستطع النوم.
هذا الشعور بالراحة والدفء الذى ينتظره ليغط بنوم هادئ كذلك "كاتينا" التى انتظرت بالغرفة المجاورة لتلتمس بعض الراحة بعد ليلتهم المقلقة بسبب "عهد" لكنها ظلت تنتظر أن تدفئ المدفأة المحيط من حولهم.
***
صباح الجزار.
خرجت من بيتها تحت أنظار إبنتها "راوية" وهي تتابع تحركها نحو مقدمة الحي بخطواتها الثقيلة تتهادى بتحفز تجاه بيت عائلة "سليمان".
عائلة ميسورة الحال هادئة الطباع بخلاف عائلة النجار التى تتناثر مشاكلها داخل الحي. تلك العائلة ليست معتادة على الصراخ والسباب الذى تقوم به "صباح" ليتجنبوا تلك السيدة المثيرة للمتاعب منذ زمن طويل.
لكن رؤيتها ببابهم بهذا الصباح دب التوجس بقلوبهم لقدومها المقلق.
فتحت والدة "سليم" الباب لمقابلة "صباح" بقلق خشية سبب وجودها ببيتهم بدون سابق دعوة فهي سيدة سليطة اللسان. لكنها على الرغم من ذلك حاولت رسم وجه بشوش مرحب بها فهي ضيفة بنهاية الأمر.
- يا أهلًا وسهلًا يا ست "أم فريد" اتفضلي.
ابتسمت "صباح" على غير العادة لتندهش المرأة لما تعرفه عنها من غطرسة ولسان سليط لتتحدث "صباح" بلطافة شديدة تثير الريبة.
- يزيد من فضلك يا حبيبتي.
دلفت نحو الداخل تناظر أرجاء البيت من حولها بمقلتيها السوداوين تطالع كل تفاصيله بأعين كاشفة لعورات البيت دون الغض من بصرها. نظرات متبجحة لإنسانة بعيدة عن الأخلاق والقيم ومراعاة حسن الأدب وغض البصر.
امتعض فمها بدونية من معيشتهم وأثاثهم الذى تراه لا يمت للثراء والذوق بلمحة حتى. فهو لا يحتوي على ما هو ذهبي براق وألوان زاهية بل اعتمد على الألوان الباهتة الهادئة. شئ مقزز لنفسها المشبعة بالهرج والذوق المفجع للأعين.
جلست "صباح" تبدأ حديثها مباشرة لتنتهي مما جائت لأجله ثم تعود لبيتها الرائع كما تظن.
- شوفي يا حبيبتي. أنا جاية لك في خير. جاية أفطمك على إللي بيحصل بدل ما تتورطوا. أنا جاية أنصحك وإنتوا أحرار بقى.
- خير يا ست "أم فريد".
لفلفت "صباح" عيناها أولًا ثم أجابت والدة "سليم" بنبرة ودودة.
- أنا سمعت كلام كدة مش عارفه هو صح ولا غلط. ويا ريت يكون غلط. أصل إنتوا ناس طيبين ومالكمش في السكك البطالة.
حركت السيدة رأسها بدون فهم لمقصد "صباح" لكنها شعرت بأن هناك أمر هام للغاية بحديثها.
- قصدك إيه. أنا مش فاهمة حاجة.
مصمصت "صباح" شفتيها بتأزم وهي توضح لها.
- أنا سمعت إن ابنك الداكتور. عاوز يتجوز بنت أخو جوزي. صح الكلام.
قضبت السيدة جبهتها بتعجب فمن أين لها معرفة ذلك فلم يتقدم لها بعد بشكل رسمي لتجيبها بترقب.
- مظبوط. بس مين قالك.
بعنجهية شديدة أعادت جذعها للخلف مستكملة بثقة كما لو أن لا شئ يخفى عليها.
- مش مهم مين قالي. المهم أنا جايه أقولك إيه. أنصتت والدة "سليم" لها لتستطرد "صباح".
- البت دي وأختها وأمهم كمان. أستغفر الله العظيم مشيهم بطال. وكل يوم والتاني عامله معاهم مشكلة. من كتر عمايلهم السودا. إحنا ناس محترمين منقبلش كدة. وأكيد يا أختي إنتِ سمعتي اللي بيحصل.
فاهت السيدة بإيمائة كادت أن تصدق بها حديث "صباح" فربما هي محقة.
- أيوة فعلًا إنتوا بينكم مشاكل على طول. بس إزاي يا ست "أم فريد". دول أدب وأخلاق وجمال ما شاء الله.
تسائلت بعدم إقناع بعد من حجة "صباح" لتجيبها رفيقتها على الفور مؤكدة حديثها.
- ما هو جمالهم ده إللي مخليهم يعملوا كدة. ده جوزي وولادي كل يوم والتاني ظابطين البنات مع رجاله وحاجة أستغفر الله العظيم مقولكيش خليني ساكته. ربنا يستر علي ولايانا. دول يا حبيبتي مش بتوع نسب وفتح بيت. ده إنتِ تبقى غلطانه. وعمومًا براحتكم أنا جيت أخلص ذمتي من ربنا وأنصحكم لوجه الله. وإنتوا أحرار.
فكرت السيدة لبعض الوقت فلابد أن زوجة عمهم تعلم ما لا يعلمه الأغراب عنهم لتردف برفض حتي لو أن الأمر بنفسها مازال به بعض الشك.
- لا وعلى إيه. هي البنات اتعدمت يعنى ما أهم في كل حته. خلينا نبعد عن الشر ونغني له. كتر خيرك يا ست "أم فريد".
ها قد حققت مبتغاها لتنهض ببطء لحركتها الثقيلة قائلة.
- طيب. أقوم أنا بقى. أنا قلت ثواب كدة لله أعرفكم أحسن رجلكم تيجي في الخية وتحاسبوا على مشاريب إنتوا مشربتوهاش. بالإذن.
قالتها وهى تتجه صوب باب الشقة فكما دخلت خرجت وقد رُسم فوق ثغرها بسمة خبيثة تعني انتهاء الأمر فلن يجرؤ أحد على طلب مثل هذا مرة أخرى فبالتأكيد سيتداول الجميع الأمر وتصبح بنات "زكية" غير صالحة للزواج لسمعتهم السيئة.
***
عطارة النجار.
اقتربت الظهيرة ليتوجه "فخري" كعادته للصلاة بالمسجد كما هو معتاد بكل صلاة. رجل تقي لكنه مازال يدفع ثمن غلطة ارتكبها لطمعه. توبة متأخرة أفضل من العيش بذنوب بقية العمر.
فعل كل ما يمكنه للتقرب إلى الله والتصدق لكنه مازال لا يشعر بالسعادة. هل كانت خطيئته جسيمة إلى هذا الحد. لكنه تقبل ورضخ لحياته واعتاد السلبية والانزواء ومتابعة أعماله في صمت.
جلس "مأمون" بمكتب والده لحين عودته من أداء الصلاة بالمسجد وهو يتابع بعيناه السوداوين حركة العمال بداخل المتجر. بينما كانت عيناه تخترق وتتفحص سير العمل كان يتحدث أيضًا بذات التركيز بمكالمته الهاتفية فهو ذكي للغاية يستطيع أداء أكثر من مهمة بوقت واحد.
لكنه حين لاحظ أخيه "فريد" قد حضر للتو حاول إنهاء المكالمة ليتفرغ لهذا المتجه صوبه بشكل تام.
- أيوه. تمام. خلاص اتفقتنا. حكلمك تاني أكيد. النهارده حكلمك. مع السلامة.
بآخر كلماته كان "فريد" قد دنا من مكتب والده والذي يتخذه "مأمون" مجلسًا له بغياب والده.
- صباح الخير يا "مأمون".
- صباح الخير يا "فريد".
بحجة مكشوفة لـ"مأمون" الذي استطاع فهم ما يرمي إليه "فريد" من الوهلة الأولى.
- هو مش إنت كنت مسافر النهارده. ده أنا قلت آجي أشوف الحاج محتاج حاجة لواحدة في الوكالة.
مال "مأمون" برأسه يعبث بإصبعه السبابة بمقدمة لحيته الخفيفة النابتة وقد اخترقت عيناه نفس "فريد" الضعيفة وهو يجيبه بغموض.
- السفر اتأجل. متقلقش. لو عايز ترجع المخزن ارجع براحتك.
ابتسم "فريد" بسخافة وهو يحاول تقليد ثقة "مأمون" برفعه لإحدى ساقيه واضعًا إياها فوق الأخرى.
- لما ييجي الحاج وأصبح عليه الأول. أنا مرتب كل حاجة هناك. ما إنت عارفني.
حرك "مأمون" رأسه بإيمائة ضعيفة وصمت مربك جعل "فريد" يتلعثم بحروفه لاستكمال حديثهم.
- هو... اا... إنت مسافر فين بالضبط يا "مأمون".
بعد نظرة مطولة مال "مأمون" للأمام واضعًا مرفقيه فوق سطح المكتب لتتشابك أصابعه بعضها ببعض قبل أن يجيبه ببعض الاستهزاء فقد غرس به والده قلقه وعدم محبته لـ"فريد" أيضًا.
- وهي البلد حتفرق معاك يا "فريد" في حاجة.
أجابه ببعض التوتر.
- لا يا أخويا. عادي. بنتكلم بس.
نهض "مأمون" بوجه مقتضب يغلق عليه طرقه الملتوية جميعها.
- اااه. أنا مش فاضي للكلام. عندي شغل. بعد إذنك.
حاول "فريد" التمسك بـ"مأمون" قليلا بعد فربما يستشف منه بعض المعلومات.
- ما تقعد يا أخي. هو إنت على طول مشغول كده. أدينا بنتسلى مع بعض.
مال "مأمون" بجذعه كاملًا أمام "فريد" مباشرة ليضع وجهه مقابلًا لوجهه ليهتز داخل "فريد" بشدة من قوة "مأمون" ونظراته المخيفة حين أردف.
- مش إنت جاي تصبح على الحاج. أهو الحاج جه أهو.
دار "فريد" بعيناه بنفس مضطربة وهو يبتلع ريقه المتحجر تجاه اليسار ليجد والده قد عاد من المسجد. حاول رسم بسمة خرجت من بين اضطرابه بشكل مشوه متخوف للغاية. بينما استقام "مأمون" مبتعدًا عن "فريد" الذي يعلم مكره جيدًا وأن هناك سبب خفي لوجوده وأسئلته اليوم.
بعد مكثه مع والده لوقت قليل عاد "فريد" مرة أخرى للمخازن متمللا يجر أذيال الخيبة للمرة الثانية دون التوصل إلى معلومة تفيده بما يخطط له لـ"مأمون".
ليت الضربات تأتي من الغرباء لكن الصدمة هي الضربة التي تأتي من القريب. يا للزمان الذي يحفر فيه الأخ لأخيه بئر ليسقط به.
نفوس ليست صريحة تحمل بقلوبها البغض والنفور لكن الوجوه تظهر الود والمحبة. نفاق عجيب فمتصنع الود أقبح من صريح العداء.
***
عيادة الدكتورة منار الهواري.
تلفتت "منار" وهي تلقي نظرة أخيرة بباب عيادتها المفتوح قبل أن تستطرد مرحبة بهذا الواقف أمامها.
- أهلًا بيك يا دكتور. اتفضل شوف العيادة براحتك.
جال الطبيب بعيناه بأرجائها بعجالة وهو يجيبها.
- واضح جدًا يا دكتورة إن حضرتك مهتميه بيها. وإن شاء الله نتفق.
خطى بضعة خطوات تجاه الغرف يتفحص حجراتها المجهزة بعناية قبل أن يعود مرة أخرى تجاه "منار" التي بدا عليها القلق لتأخر "خالد" عن موعده فكان من المفترض أن يقابل معها هذا الطبيب المستأجر لعيادتها. لقد اعتادت وجوده بكل الأحداث الهامة بحياتها ولم يخيب ظنها يومًا بغيابه عن أحدهم.
لم يخيب ظنها اليوم أيضًا حين دلف "خالد" بهيبته المعتادة لداخل العيادة بخطواته الرصينة لتدل على شموخ وقوة هذا الرجل.
- السلام عليكم.
وقف على الفور يتوسط "منار" والطبيب معرفًا بنفسه بذات القوة رغم كبر سنه.
- "خالد دويدار". زوج الدكتورة "منار".
رحب به الطبيب بحفاوة وهو يصافحه.
- أه طبعًا أهلًا وسهلًا يا سيادة المستشار. "أمين عبد الناصر".
أومأ "خالد" بخفة لتحية هذا الرجل ليبدأ بأسألته مستكملا حديثه معه ليزداد اطمئنانا لهذا الرجل الذي سوف يستأجر عيادة زوجته.
- وحضرتك تخصص إيه يا دكتور "أمين".
- أنا دكتور أمراض نسا وحقن مجهري وعقم.
بتفهم لعرضه لتخصصه أراد "خالد" أن يوضح سبب عرض العيادة للإيجار.
- بالنسبة للماديات مش حنختلف عليها. لأن الدكتورة "منار" مش محتاجة الإيجار طبعًا لكنها دلوقتي مش متفرغة لها زي الأول. وبالنسبة للي حيستأجر العيادة هو طبعًا الكسبان لأن الدكتورة "منار" لها اسمها وسمعتها فكان أهم حاجة هو إنسان يكون محل ثقة.
- طبعًا يا سيادة المستشار. ده أكيد. ده كفاية سمعة الدكتورة.
لم يكتف "خالد" ببعض الأسئلة السطحية بل حاول الإلمام بكل المعلومات عن هذا الطبيب بالعديد والعديد من الأسئلة. وبعد أن اطمئن تماما تم الاتفاق بينهم وتحرير عقد إيجار يحفظ حق الطرفين قبل مغادرة "أمين" للعيادة.
بنظرة معاتبة توجهت "منار" بالحديث لزوجها بعد مغادرة الطبيب.
- كده برضه يا "خالد" تتأخر عليا. ده أنا افتكرت إنك مش جاي.
مال بوجهه قليلا وقد توسط ثغره بسمة تدركها "منار" جيدا فبها محبة واهتمام يعاتبها به بأن تطلق الظنون برأسها تجاهه.
- وده معقول برضه. وأنا من امتى بسيبك يا "منار". دي عمرها ما حصلت.
ثم استطرد موضحا.
- كنت في اجتماع مع صاحب الشركة وهو اللي أخرني شوية. ما إنتِ عارفه أول يوم شغل. لكن إنتِ من جواكِ متأكدة إني عمري ما أتأخر عنك أبدا.
مواقف متكررة ومساندة لعمر طويل كانت هي طريقه المختلفة بالمغازلة. فمغازلته وحبه ينبع من مواقفه ومساندته ووجوده وليس بمجرد كلمات وحديث معسول.
عشقت طريقته العملية بإظهار مشاعره ليكونا على هذا التفاهم والوفاق لعمر طويل جمعهما معًا.
بدلالها الرقيق أردفت "منار".
- ماشي يا "خالد".
أنهى "خالد" حالتهم المعاتبة اللطيفة قائلا.
- طب إيه رأيك بمناسبة الشغل الجديد وإيجار العيادة نروح نتغدا بره.
رغم عدم تقبلها لطعام المطاعم إلا أنها لن ترفض دعوة رقيقة كتلك للتغيير بدلا من حياتهم الروتينية.
- وأنا موافقه.
ترافق الزوجان السعيدان لأحد المطاعم لتناول الطعام بهدوء ومحبة قبل عودتهم للبيت مرة أخرى.
***
حي النعماني (المكتبة).
رفعت جسدها لتقف بأطراف أصابعها تحاول الوصول لرف الكتب العلوي لتضع آخر كتاب بالتسلسل الذي أوضحه لها "بحر".
بالكاد وضعت "نغم" الكتاب لتهبط تريح قدميها أرضا تشعر بمدى إنجازها لإتمام عملها الذي كلفت به.
برغم انشغال "بحر" بترتيب الكتب العلمية إلا أن مشاهدتها وهي تحاول التشدق للأعلى للوصول لمكان الكتب كان مثيرا وممتعا للغاية. حتى أنه قد رسمت بسمة فوق ثغره بخفة لو استدارت "نغم" بتلك اللحظة للاحظت هيام هذا الشاب بها والذي فاه بنعومتها وحسنها كلؤلؤة نادرة.
سرقت قلبه بيومان حتى أصبحت رؤيتها ووجودها أمر لا يمكن تخيل يومه بدونهما. كما لو أن الدنيا من قبلها كانت مظلمة للغاية لتقتحم حياته ببريقها وتوهجها لتتبدل تماما كحياة أخرى وليست ما اعتاد عليها.
حتى عمله بالمكتبة أصبح ممتعا للغاية. سعادة متأخرة دقت بابه تراقص لها قلبه الصغير.
هبطت "نغم" أرضا تستقر بوقفتها وقد لاحت ابتسامة عذبة فوق شفتيها المضمومتان لإنجازها الذي قامت به. استدارت نحو "بحر" لتخبره بأنها انتهت مما طلبه منها ليسرع بإسقاط عيناه بعيدا عنها باضطراب شديد.
- أنا خلصت يا أستاذ "بحر".
ابتلع ريقه بصدر متهدج وهو يصطنع أنه يرفع رأسه نحوها للتو كما لو لم يكن يسترق للنظر إليها منذ قليل. حاول إخفاء اضطرابه و دقات قلبه المتسارعة وهو يثني على عملها الذي لا يهتم كيف يكون.
- برافو عليكِ. مكنتش أعرف إنك بتتعلمي بسرعة كده.
إثناؤه عليها جعلها فخورة بعملها وبنفسها ليشرق وجهها بابتسامة سعيدة صافية للغاية لتظهر براءتها وزهوها بنفسها قائلة.
- شكرًا على المجاملة. حنعمل إيه بعد كده.
- إحنا نقعد نرتاح بقى. من الصبح شغل شغل.
ثم دعاها بتمني أن تقبل دعوته ولا ترفضها.
- أنا عازمك على الغدا. يعني حاجة بسيطة نطلبها سوا. إيه رأيك.
فقيرة محتاجة لم تعتاد الدلال أو الرفاهية لتناول الطعام من الخارج والذي لا يمكنها دفع تكاليفه الباهظة. هكذا اعتادت وتربت. وبرغم ذلك تملك ما هو أغلى من المال. تمتلك عزة نفس وشموخ لا يتحلى به الكثيرون.
- أسفة يا أستاذ "بحر". أنا مش متعودة على الأكل بره. ولا أعزم حد. ولا أقبل عزومة من حد.
تلاشت بسمته ليتجهم وجهه قليلا لرفضها لكنه تفهم أسبابها لتسمو بعيناه لاعتزازها بنفسها وقيمتها. لكنه بذات الوقت كان يود لو يقترب بخطوة نحوها فهي تضع حدودا بينهم كحاجز لا يمكنه تخطيه بسهولة.
- ليه بس. عادي جدًا. حاجة بسيطة وأهو يبقى عيش وملح بينا.
برفض تام وجدية شديدة أعادت "نغم" رفضها لدعوته فهي لن تسمح لأي شاب بالتودد والتقرب إليها أو السماح له بشراء أي شئ لها حتى لو كان الأمر برمته بسلامة نية.
- معلش ده طبعي. وأنا مبقبلش حاجة من حد أو أقبل حاجة مقدرش أردها. ده غير إن معايا غدايا اللي ماما مجهزاه ليا. وعمومًا شكرًا على ذوقك.
أومأ ببعض الضيق لكنه لم يشاء الضغط عليها متفهمًا رفضها ليدعوها بلطافة مرة أخرى.
- طب ممكن نقعد وكل واحد فينا ياكل أكله. أهو نتونس سوا.
أومأت "نغم" بخفة ودبلوماسية شديدة ليتحرك كلاهما نحو طاولة خشبية مستطيلة ليجلس كل منهما بمقعد مقابل للآخر ليتناول كل منهما طعامه دون مشاركة بعضهما البعض سوى بالحديث.
- اشتغلتي قبل كده يا "نغم".
تفكرت "نغم" لبعض الوقت لتجيبه بصراحة.
- اشتغلت شوية في المدرسة الإبتدائي بس مكملتش. ظروف كدة خلتني أسيب الشغل.
تعمقت عسليتاه بها بشرود فلها طريقة عذبة للغاية بالحديث ومخارج الكلمات فلكل حرف تنطقه إيمائة لطيفة تخطف قلبه معها. حتى بابتسامتها ووصفها. حركات حاجبيها المنحنية. حالة لا يمكن وصفها سوى بالسحر. كأنغام تسحر عيناه وأذناه لتشعره بالتلذذ والانسجام ببحورها. كلمات ليست بإيضاح واستفاضة إلا أنه كان يود ألا تنتهي من حديثها وتظل تتحدث وتتحدث لا تكف عنه مطلقًا.
أراد أن يظل محلقا بسماء كلماتها كالأنشودة التي تسرق القلوب والآذان حتى سألته بدورها تنتظر إجابته.
- وإنت يا أستاذ "بحر". فاتح المكتبة دي هنا من زمان. أصل أنا أول مرة آخد بالي من المكتبة مع إني ساكنة قريب.
فاه للحظات فقد بعثرت تلك الصغيرة كيانه ليلملمها بتشتت وهو يستجمع كلماته للرد عليها.
- المكتبة دي كانت قهوة. بتاعة والدي زمان الله يرحمه. فكرت إني أعملها مكتبة لأني بحب الكتب جدا. وبدأت أشتري الكتب وأرتبها. عشان كده تقدري تقولي إنها لسه مشروع جديد.
- اه فهمت. ربنا يوفقك. شكلك إنسان طيب.
رغم تلقائيتها كانت تتحدث بتحفظ شديد حتى هام مرة أخرى بشفتيها حين تحركتا ليجيبها بهيام غير متداركا نفسه.
- وإنتِ أوي. (انتبه لنفسه بارتباك ليصحح كلماته ببعض الاتزان). شكلك طيبة وبنت ناس طيبين.
- شكرًا. مش يلا بينا نكمل الشغل.
حرك رأسه بالإيجاب مردفا.
- اه. يلا ندخل على قسم الأطفال. لأنه حياخد منا شغل كتير قوي النهاردة.
ليعودا لاستئناف عملهم بعد وقت الراحة المستقطع وحديثهم الشيق.
***
بيت المستشار خالد دويدار.
عادا الزوجان إلى شقتهما بروح نشطة بعد قضائهما هذا الوقت المميز بتناول طعام الغذاء وتجاذب أطراف الحديث. تلك الحياة التي لا يصابا بها بالصمت الزوجي ورتابة أيامها. بتقدمهما في العمر معا يتعاملا كصديقان يستمع كل منهما للآخر ويساعد كل منهما الآخر. ليسا مجرد زوجين صدع الملل حياتهما وكره كل منهما وجود الآخر.
دقات مرحة دقت بابهم لدى عودتهم. تلك الدقات التي دبت بقلوبهم أولا لتضع "منار" حقيبة يدها جانبًا قائلة بنبرة سعيدة.
- دي أكيد "غدير". دي خبطتها.
ترقب "خالد" بسعادة أيضا لقدومها ليتطلع نحو الباب الذي تقدمت "منار" لفتحه لمقابلة زوجة ابنهم.
فقزت "غدير" بشقاوتها المحببة تدير عيناها الواسعتان بأرجاء الشقة من حولهم لتردف بمرح.
- قفشتكوا. اتأخرتوا ليه. (ثم اعتدلت تشير بسبابتها وقد اتسعت بسمتها المميزة لتظهر أسنانها العريضة مردفة بمزاح). شكلكوا عملتوها واتغديتوا بره. صح.
تعمقت "منار" بمرفقها وهي تسحبها نحو الداخل.
- أيوه. تعالي. تعالي.
قوست "غدير" حاجبيها بغرابة لتصطنع التأثر وهي تقلب شفتيها مدعية البكاء بتمثيل لطيف للغاية.
- ااااه يا قلبي. اتغديتوا وسبتوني في أحزاني. مكانش العشم تطنشوني كده. إيه. رايحين تعملوا شهر عسل من ورايا ولا إيه.
نكست رأسها وهي تحركه يمينا ويسارا باستكانة تدعي التسول لشفقتهم ثم استكملت.
- براحتكم. كلوا إنتوا. إنما الغلبانة اللي قاعدة هنا. مش مهم. اعملي سندوتش وخلاص.
اتسعت بسمة "خالد" وتعالت ضحكات "منار" لتجاريها بمزاحها.
- وإحنا نقدر. حالا ناكل تاني مع بعض. يا "أم حمدي" حضري الغدا.
أكملت "غدير" باستكانة مطأطأة الرأس.
- كتر خيرك يا حماتي. أنا مبشحتش. لينا رب اسمه الكريم.
مسحت دمعة غير موجودة من وجنتها لتعقب "منار" التي لا تستطيع سوى الضحك فقط وهي تضربها بخفة.
- ماشي يا "دورا". (ثم أعلت من صوتها). كنسلي الغدا يا "أم مجدي".
رفعت "غدير" هامتها باندهاش وقد اتسعت عيناها الواسعتان بقوة ليعلو صوتها بصدمة.
- جرى إيه يا "منوره". مش تمسكي فيا وتعزمي عليا بقلب جامد كده. على طول (كنسلي يا أم مجدي). ده كلام برضه.
رغم متابعة "خالد" حضور "غدير" المميز بابتسامته الواسعة إلا أنه أردف برزانة.
- خليكوا إنتوا في مشكلتكم دي بقى. أنا داخل أغير هدومي.
فاهت "غدير" بإصطناعها تأثر مرة أخرى وهي تشير تجاه "خالد".
- شايفه. شايفه سعادة المستشار بيطنشني إزاي. هو أنا نجفة.
لم تتمالك "منار" ضحكاتها المتواصلة فتلك الفتاة الحيوية المقبلة على الحياة تستطيع إخراج ضحكاتهم من داخل قلوبهم بسلاسة ومحبة لتردف بعد محاولات منها للسيطرة على ضحكاتها.
- بس يا لمضة. تعالي معايا.
رفعت "غدير" كفيها بالهواء تشترط أولا.
- على شرط. تحكيلي عملتوا إيه بالتفصيل الممل. أنا زهقت طول النهار قاعدة لوحدي.
- موافقة. تعالي جوه نرغي سوا. عقبال ما "أم مجدي" تخلص الأكل.
ضحكت "غدير" وهي تهمس بأذن "منار".
- نسيت أقولك. "أم مجدي" عندي فوق بتنضف الشقة. ومعملتش الغدا أصلا.
رمقتها "منار" بنظرة غيظ مازحة ثم أردفت.
- بقى كده. طيب يا "دورا". وسايباني أنادي عليها.
- قلبك أبيض يا "منوره". هي خلاص قربت تخلص.
بتفهم لوضع "غدير" الصحي ومساعدتها بأن تجعل "أم مجدي" تنظف شقتها حتى لا تصاب بتلك الأزمة مرة أخرى عقبت "منار" بمحبة.
- براحتها يا "دورا" المهم متتعبيش إنتِ نفسك في التنضيف عشان متتعبيش تاني. ولما تبقى تخلص فوق تنزل تعمل لنا العشا وناكل سوا.
بعيون عاشقة وهيام باسمه فقط أجابتها "غدير".
- لأ. أنا حستنى "عيسى". أنا بس بغلس عليكوا.
لها بالقلب محبة تفوق المحبين حبًا لكنها تزداد محبة لها عندما ترى كم هي تعشق ولدها ولا تهتم إلا به فهي لن تجد له زوجة محبة كما تحبه "غدير" التي تتنفس هواء يسمى "عيسى".
قضيتا وقتًا ممتعًا معًا ليشاركهم "خالد" جلستهم الودودة حتى يحل المساء ويحين موعد عودة "عيسى".
***
سويسرا (الكوخ).
سكون مميت يحيط بالكوخ لا يخلو إلا من صوت الرياح القوية التي أخذت تهب من حين لآخر. صوت صمت غريب وغير معتاد لم يقطعه سوى صمت سحاب سترة يرتفع بقوة.
رفعت "عهد" من هامتها بشموخ وهي تنفض يديها بعضهم ببعض حين انتهت من ارتداء ملابسها السوداء وسترتها الثقيلة.
ظهر الغموض والقوة الممزوجة بالشراسة على مقلتيها العسليتان تناظر هيئتها القاتمة التي عادت إليها من جديد بالمرآة كما لو كانت تنظر بتحدي لمجهول أمامها. نظرات تبدو مخيفة للوهلة الأولى.
استدارت تحمل هاتفها للمرة الأخيرة حين لاح فوق ثغرها شبح ابتسامة ساخرة تتطلع لتلك البقعة الزرقاء الثابتة بهذه الخريطة بشكل واضح على شاشة هاتفها لتهمس ببعض التهكم.
- فاكرين إني مش حلاقيكم.
تذكرت "عهد" حين انشغل "معتصم" و"كاتينا" بهمسهما ليلة الأمس بغرفة المكتب لتنتهز هي الفرصة بوضع قرص صلب بالحاسوب المحمول الخاص بـ"معتصم" ليعمل كجهاز تتبع زرعته به ليمكنها من تحديد مكانهم بسهولة إن غادروا بدون علمها.
وقد استطاعت بسهولة شديدة معرفة مخبأهم الجديد لتتجهز لملاحقتهم إلى هناك في الحال.
وضعت هاتفها بجيب سترتها ثم رفعت شعرها الأسود بقوة للأعلى استعدادا لبدء رحلتها. رفعت غطاء سترتها تغطي به رأسها ليظهر استدارة وجهها فقط كما جاءت تماما.
مظهر مثير للتخوف لنظرتها الحادة التي تعلو عيناها وملامحها الجامدة تبث قوة غير معتادة بفتاة. لكنها قوية وستظل قوية.
خرجت "عهد" من الكوخ لبدء تلك المغامرة التي ستربح بها بالتأكيد. حين خطت أول خطوة خارج الكوخ سمعت الصوت الوحيد المربك لنفسها. صوت الرعد لحقه صاعقة جديدة ضربت برج الاتصالات لينقطع إشارات التواصل والإنترنت لتغمغم "عهد" بسخط تحدث هاتفها.
- وده وقته. عمومًا أنا حفظت المكان. حعرف أوصل له بنفسي من غير (Gps).
بدأت "عهد" طريقها الذي عليها خوضه دون تراجع.
***
مكتب طه قدري.
عاد "طه" للتو من مكتب رئيسه السيد "نظمي" ليسارع بخطواته تجاه الهاتف الذي أخذ يدق برنين متواصل منذ أن دلف إليه. جلس أولا بمقعده ثم رفع الهاتف إلى أذنه مجيبا ببعض الهدوء.
- ألو. أيوه يا "ممدوح".
أنصت لرفيقه قليلا قبل أن ينهض منفعلًا وقد تحولت ملامحه الهادئة لأخرى متجهمة بقوة ثم أجاب بحنق.
- الكلام ده مينفعش معايا. يعني إيه بعد ما وصلتوا لها الشبكة تفصل. أنا لازم أعرف هي فين بالضبط وبتعمل إيه دلوقتي. لازم يا "ممدوح".
لكن يبدو أن محدثه لم يبث الطمأنينة بقلبه ليجيب بحدة آمرة.
- اتصرف. إن شاء الله تبعت لي حد من السويسريين اللي بنشتغل معاهم هناك يجيب لي أخبارها بالتفصيل. أنا مينفعش أفضل نايم كده على وداني.
أغلق الهاتف ومازال الانفعال يتوسم محياه ليشرد باقتضاب لما عليه فعله لحل تلك المسألة فلابد من وسيلة أخرى لتتبع "عهد" التي يترصد بها منذ سفرها.
***
متجر مستحضرات التجميل (بيوتي إستور).
وضعت "نيرة" زجاجة عطر من بين يديها محدثة صديقتها التي تقف إلى جوارها بصوت منخفض.
- ده بس اللي حصل يا "إسراء". ولما خلصنا اللف على معارض الموبيليا اتعشينا وروحنا.
مدت تلك الفتاة العشرينية شفتيها بتملل ليظهر وجهها النحيل مثلث الشكل وعيناها الجاحظتان قليلا وأنفها المدبب ثم أزاحت خصلة من شعرها الأصفر الفاقع المصبوغ حديثا خلف أذنها قبل أن تردف معقبة على حديث صديقتها.
- كويس إنه رضي ياكل المرة دي. عارفة يا "نيرو". إنتِ لازم تعوديه على إللي إنتِ عايزاه. طالما إنتِ قادرة تسيطري عليه بالشكل ده.
أغمضت "نيرة" عيناها لوهلة ثم أجابت "إسراء" التي كانت تنصت بشغف واهتمام.
- مع كل اللف ده من مكان لمكان معرفتش أجيب حاجة برضه.
تفكرت "إسراء" للحظات ثم أردفت بتوهج.
- لقيتها. فيه معرض كبير قوي كان منزل إعلان عن موبيليات تحفة. فرش قصور. هو ده. روحي له واطلبي منه يصمم لك اللي إنتِ بتقولي عليه.
لفلفت "نيرة" بعيناها استحسانًا لتلك الفكرة ثم أردفت بإعجاب.
- والله فكرة حلوة. إديني العنوان بتاعه.
أخرجت "إسراء" هاتفها من حقيبة يدها الموضوعة بأحد الجوانب لتبحث عن عنوان هذا المتجر باهظ الثمن لتدونه لـ "نيرة".
مدت يدها بالورقة تجاه "نيرة" قائلة.
- خدي أهو يا "نيرو".
ثم رفعت حاجبيها بتذكر لشيء هام لتستطرد.
- بصي. أدي كمان ورقة فيها دواء. زي المرة اللي فاتت. خليه يجيبهولي. حتى عشان تتأكدي إنه مش بخيل وإنه بينفذ كل طلباتك.
أومأت "نيرة" بإيجاب وقد اتسعت ابتسامتها فهي بالتأكيد تسير على المسار الصحيح بوضع "رؤوف" بتلك الزاوية الخانقة لينفذ لها جميع طلباتها دون نقاش.
أخرجت "إسراء" علبة مخصصة للطعام من حقيبة جانبية أيضا.
- يلا يا "نيرو" الأكل اللي جبناه حيبرد. يلا ناكل.
تطلعت "نيرة" حولها أولا ثم أجابتها.
- أيوه الإستور (المحل) فاضي. يلا قبل ما حد ييجي.
أزاحت "إسراء" رأسها بعدم اكتراث قائلة.
- ولا ييجوا. أصلا الوقت ده محدش بييجي فيه كتير.
جلسا بالمقعدين تجاه الزاوية يتناولان الطعام لاستكمال يومهما بهذا المتجر المخصص لبيع مستحضرات التجميل والإكسسوارات باهظة الثمن تناسب تلك الطبقة المخملية الثرية فقط.
***
سويسرا.
الحياة قرار فإن اتخذته يوما فكن قويا. فعقد العزم يتطلب قوة تفوق صلابة الكلمات. فالحديث شيء والحقيقة شيء آخر.
اتخذت "عهد" طريقها بين الأشجار والطرق المغلقة وسط برك من مياه الأمطار اللزجة تخشى انزلاق أقدامها تبحث بواسطة الخريطة فقط عن مكان تواجدهم لكن يبدو أن الأمر سيأخذ وقتا أكثر مما كان بمخيلتها. لكنها عليها إكمال ما بدأته فهي ليست من تترك الأمور معلقة دون ختام. وهي تعلم بقرارة نفسها أنها تستطع.
***
بعد ليلة طويلة مرهقة للغاية جفا بها النوم عيناه وسلوكهم طريق مرهق للغاية حتى وصولهم لهذا الكوخ القديم وانتظار أن يعم الدفء المكان من حوله. غفى "معتصم" أخيرًا بسكينة وراحة.
اتخذ الغرفة بالاتجاه الشرقي لأنها أكثر هدوءا وبعدا عن مصدر الإزعاج من أصوات المطر المتساقط على جانب الكوخ. بينما استقرت "كاتينا" بالغرفة الثانية والأخيرة بهذا الكوخ الصغير فهو لا يتعدى هاتان الغرفتان وصالة استقبال فقط بطابق واحد أرضي.
سرعان ما تبدلت تلك الغفوة لنوم عميق للغاية فإحساسه بالإنهاك جعله يسقط ببحور النوم والأحلام بصورة مستغرقة للغاية.
انفصل "معتصم" عن واقعه بعد شعوره بالدفء الذي بدأ يتسلل لجسده بقوة مستمتعا بحلم ممتع وهو يرى الشمس الساطعة بالقرب من شاطئ البحر الصافي تتحرك أمواجه بصفاء آخاذ.
التف ببهجة يطالع هذا المنظر البديع ظنا منه أنه واقع حقيقي وليس بسرداب من الأحلام التي لا تنفصل عن الواقع.
تحرك بقدميه العاريتين فوق الرمال الناعمة يستمع بلمسها الدافئ أسفلهما.
قضب جبهته بقوة حين شعر بأن الشمس أخذ توهجها يشتد من حوله بلونها الذهبي الناري حتى كاد يشعر بلسعات أشعتها تضرب جسده ليرفع كفه يحجب تلك الأشعة القاسية وحرارتها التي أخذت تزداد بحدتها.
لكن الأمر لم يفلح مطلقا فقد زادت الشمس من توهجها وعلت الحرارة من حوله ليندى جبينه بتعرق خفيف ازداد تدريجيا كلما توهجت الشمس.
شعر بسخونة شديدة أسفل قدميه العاريتين لم يستطع تحملها فأخذ يقفز بحثا عن بقعة باردة تحميه من تلك الحرارة التي أخذت تحيط به حتى كادت أن تبتلعه من شدتها.
حلم جميل تحول لمزعج للغاية وهو يحاول الهرب من شدة الحرارة التي كادت أن تحرق قدميه. إحساس كما لو أنه يحرق حقيقة وليس حلما بخياله.
انتفض جسده بقوة وهو يراوغ الحرارة الشديدة لتفتح عيناه لينهي هذا الإحساس المزعج. بصدر متهدج أدرك أن هذا الأمر ما كان إلا حلما مزعجا. أعاد رأسه لوسادته مغمضا عيناه الناعستان لكنه شعر بغرابة فمازال يشعر بالحرارة واللهيب يحيطان به. فهل مازال يحلم بعد.
رفع رأسه لتنقلب نظرته الناعسة لأخرى فزعة للغاية حين أوسع عيناه عن آخرهما. فما كان الحلم سوى إنذار له ليستفيق من أحلامه.
انتفض جالسا وهو يرى ألهبة النيران تحيط بفراشه من كل الاتجاهات تكاد أن تصل إليه. اتسعت عيناه بقوة حتى كادت تؤلمانه من شدة اتساعها.
ألسنة حارقة جعلته يتصبب عرقا من حرارتها العالية لتتوهج بشرته القمحية للون البرونزي على الفور.
خلع كنزته الصوفية محاولا البقاء على انتظام تنفسه الذي بدأ يضيق صدره به لامتلاء الغرفة بالدخان الكثيف إثر هذا الحريق الذي اندلع بالكوخ.
بدأت النيران تزداد كثافة ملتهمة الأثاث من حوله ليتوجب عليه النجاة بنفسه وإلا سقط قتيلا بفعلها.
نظر نحو النافذة الصغيرة على يساره فربما يجد بها مهربا من النيران لكنه وجد ألسنة النيران تشتعل بالخارج. بخلاف تلك القضبان الحديدية التي ستحول دون خروجه من النافذة أيضا. إذن عليه الخروج من باب الغرفة التي تلتهمه النار كقطعة السكر.
مد ذراعه لأسفل الفراش ليلتقط حذائه لتلسعه حرارة الأرضية تماما كما كان بالحلم. ارتدى حذائه بعجالة وهو مازال جالسا فوق الفراش ثم تدثر ببطانية ثقيلة لتحميه من النيران التي أصبحت تحيط بفراشه كاملا فقد بدأ التخت بالاشتعال بالفعل.
بجسارة ومرونة شديدة قفز "معتصم" من وسط اللهيب تجاه غرفة المعيشة ليعبر بين النيران دون تخوف.
لم تكن غرفة المعيشة أسوأ حالا من غرفته فقد تمسكت النيران بالأثاث والستائر لتحيط بالغرفة كاملة لتبدأ بعض القطع المشتعلة بالتساقط من حوله.
لكن ما أثار صدمته هو رؤيته لـ"كاتينا" تتشاجر بكل قوتها بثورة عارمة مع "عهد" تتضارب كل منهما بالأخرى بشراسة وغضب كما لو أن حياة كل منهما متعلقة بالقضاء على الأخرى.
بأعين مقتضبة ونفس مشحونة ظهرت تلك النظرة الصارمة والبريق النافذ بعيني "معتصم" وهو يرى هلاك ثلاثتهم داخل الكوخ الذي لا يدري بعد سبب اندلاع تلك النيران به وعلى ما يبدو أن أحدهم قد تعمد فعل ذلك. صرخ بصوته القوي لتنتبها له.
- هذا يكفي!
تطلعتا نحوه بأعين متفاجئة بوجوده لتحاول "كاتينا" بالركض نحوه لكن "عهد" لم تمكنها من ذلك لتسحبها من مؤخرة شعرها الأشقر نحوها بقوة لتظهر كم تتمتع بالقوة والمهابة.
- تعالي هنا.
صرخت "كاتينا" تستنجد بـ"معتصم" ليلحق بها وينقذها من أيدي تلك المتوحشة قبل أن تلتهمهم النار جميعًا.
- النجدة يا "ماوصي". سأموت. ستقتلنا. أسرع.
تحفز "معتصم" بقوة ليرفع بذراعيه القويتان البطانية للأعلى وهو يركض بسرعة تجاههما ليسحب إحداهما بكفه نحو البطانية عابرًا بها من داخل النيران التي تحيط بباب الكوخ لينقذ روحه وروحها معه قبل أن يشتعل الكوخ بالكامل والأخرى بداخله فكان عليه اتخاذ القرار وإنقاذ حياته وحياتها.
رواية ظننتك قلبي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب
الحيرة اختيار، فأنا من أضع نفسي على الحافة، أنتظر لأقع بين حيرتي، فإما أن أختار ما "يجب"، وإما أن أختار "ما أريد". أنا من شتت نفسي بتلك الحيرة والوقوف بمفترق الطرق، لكن مازالت أمامي الفرصة لأصلح ما بدأت، وإن توجبت عليّ الحيرة، فالإختيار قرار.
***
بيت عائلة الأسمر.
تغيرت. نعم، رغم صمتي وانعزالي، رغم أني فضلت السكون، إلا أنني قد تغيرت. لم يعد قلبي هو قلبي، فقد تبدل لعضو ينبض ليعيش، فرغ إحساسه وصمتت لهفته. وإن سألوني يومًا لما تغيرت، سأجيبهم لأنني تأذيت أكثر مما أستحق.
منذ ذلك اليوم الذي تعمد به "عاطف" إهانة "وعد" وكسر أنفها بما يدعيه من قوة ورجولة، و"وعد" تعيش بسكون وانهزام بهذا البيت فقط لأجل ابنها "زين". ربما فقدت أي مشاعر تجاه هذا الكائن متبلد المشاعر، بذئ اللسان، إلا أنها أضعف من تحمل مسؤولية طفلها وحدها، ففضلت البقاء لأجله.
تجنبت بكل الأشكال أي صدام أو حتى حديث مع "عاطف". وكيف لها بالحديث وقد ماتت بحلقها الكلمات؟ لم يعد هناك بقلبها شغف لأي قرب منه، لقد وضعته كما كان، "غريبًا".
أخرجت بعض الصور التي تضمها مع أختها "عهد"، تتطلع لبساطتهم وتلقائيتهم بها. كم كانتا طفلتان بريئتان لم تدنس الحياة قلوبهما النقية بعد. حتى "عهد" لم تكن بتلك القسوة والخشونة، بل كانت مثلها تمامًا، تتمتع بذات الرقة والعذوبة والإحساس المرهف. اتسعت ابتسامتهما لتملأ الكون بأكمله، خاصة إلى جوار والدتهم "عايدة".
ابتسامة تحسر علت ثغرها، فيا ليت تلك الأيام قد بقيت. رجفة انتابت قلبها المرهف حين تذكرت والدتها الحنونة، فقد اشتاقت لها كثيرًا. كم هو موجع الاشتياق لمن غاب ولن يعود.
"الله يرحمك يا ماما... كان نفسي تبقي معايا وتقوليلى أعمل إيه؟ تعبت لوحدي وتهت في طريقي... حتى "عهد" هي كمان تاهت في طريقها... يا ريتك كنتِ معانا وأخدتينا تحت جناحك."
ضمت الصورة لصدرها بقوة، تسمح لدموعها التي غامت بخضراويتها بالانهمار. عيبها الذي يغلبها، كانت تظن أن إحساسها المرهف ولين قلبها هو ميزة كبرى، لكنه يبدو أنه عيب يؤذيها ويحطم قلبها.
رفعت وجهها نحو الفراغ، تتذكر يومًا آخر له بصمة بحياتها مع "عاطف".
***
كان "عاطف" بهذا اليوم متجمعًا مع والده "محفوظ" وأخيه الأصغر "محب" بالمعرض الخاص بهم. تمسك "عاطف" بأحد الأوراق بإنفعال، لينهض من جلسته قابضًا حاجبيه بقتامة، ليردف بحدة:
"إيه ده؟ إزاي يعملوا كده؟ ده كده يبقى خراب بيوت يا بابا. التقرير ده مش مظبوط!"
استدار "عاطف" نحو "محب" الهادئ تمامًا بأعصاب باردة، كما لو أن الأمر لا يشغله إطلاقًا، لينبه بقوة:
"جرى إيه يا "محب"؟ ما بلاش البرود اللي إنت فيه ده. فكر معانا في حل. إحنا كده حنروح في داهية إحنا الثلاثة."
رغم قلقه، إلا أن "محفوظ" كان دومًا يسيطر على نفسه، فهو من يملك القرارات، ليردف ببعض العقلانية:
"إحنا لازم نشوف محامي. التقرير الضريبي ده لو أقروه ونفذوه بالشكل ده وتقديرهم الجزافي بالمبلغ ده كله، مش بعيد يحجزوا على أملاكنا كلها."
انتبه "محب" لتلك الكارثة التي ستحل بهم إن وصل الأمر لهذا الحد. فهو لم يشأ التدخل حينما ظن أن الأمر لا يتعدى إحدى الإقرارات الضريبية المعتادة، ليتطلع باهتمام، فالضرر سيصيبه معهم. فحينما تتضرر مصالحه يبدأ بالاهتمام، ليسأل بتحفز:
"قصدك إيه يا بابا؟ إن مصلحة الضرايب ممكن تحجز علينا؟"
زفر "محفوظ" بقوة، ليردف بوجه مقتضب:
"آه. تقدير زي ده يخسرنا الجلد والسقط زي ما بيقولوا. والسيولة اللي معانا متكفيش ندفع. ساعتها حيحجزوا على كل حاجة. وممكن يعلنوا إفلاسنا كمان. متنسوش إن البضاعة اللي استوردناها من فرنسا لسه واقفة في الميناء مش عارفين نخرجها."
ألقى "عاطف" بجسده فوق المقعد مكفهر الوجه، ليزداد سمرة، عابثًا بشعره الأشعث بحيرة:
"مينفعش نخسر. إحنا طول عمرنا كبار في السوق. إحنا لازم نتصرف. إن شاء الله ندفع لأي موظف في الضرايب يظبط لنا التقارير دي."
هب "محب" ثائرًا باعتراض على اقتراح "عاطف" الأهوج، رافضًا إياه بصورة قاطعة:
"ندفع إيه وهباب إيه! انت عاوز تزود البلاوي علينا؟ وييجي موظف ميسواش حاجة يلبسنا قضية رشوة."
(ثم استدار محب نحو والده الذي كان منصتًا لحديثهم بترقب يحثه على الرد)
"ما تقول حاجة يا بابا؟!"
فكر "محفوظ" لبعض الوقت بحديث "محب"، فربما يكون محقًا، فلا داعي للمجازفة بالأمر، ليوجه حديثه بضيق من تفكير "عاطف" المتسرع باستهجان:
"بس يا "عاطف"، اللي بتقوله ده مش حل. إحنا كده بدل ما ندفع للضرايب، حندفع رشوة للموظف. يعني مكسبناش حاجة."
إظهار "محب" لـ"عاطف" بأن فكرته قد تسبب تورطهم، وأنه بالتأكيد مخطئ بأفكاره، جعل "عاطف" يثور غاضبًا من إظهاره بتلك الصورة. فمدلل والدته لا يقبل أن ترفض أفكاره أو أن يظهر أحدهم خطأه، حتى وإن كان والده.
ضرب "عاطف" كفه بالطاولة بقوة، وهو ينهض بإنفعال من تقليلهم من رأيه لحل تلك المعضلة:
"هو كل فكرة أقولها مش عجباكم؟ خلاص. بقيت أنا اللي مبفهمش!"
(ثم حدق أخيه بنظرات ساخطة حادة للغاية، فهو السبب الذي جعل والده يلومه على فكرته، ثم عاد محدثًا والده بغضب)
"ابقى خلي النحنوح ينفعك. أنا ماشي."
وكما ينتهي كل حوار بينهم، بإظهار "محب" له بأنه مخطئ سطحي الفكر، وأنه هو من يفكر بعقلانية وهدوء، مقارنة بينهم يقوم بها والده بكل عمل يقومان به، ليضع "عاطف" بصورة المتهور سطحي التفكير. تلك الصورة التي رفض "عاطف" تمامًا الظهور بها، ليسقط أسبابها على شخص واحد هو المتسبب بذلك، حقد دفين توغل بنفسه تجاه أخيه الذي دومًا يظهر نفسه ببراعة أفكاره وذكائه المتقد.
خرج "عاطف" من المعرض ثائرًا وسط نداء والده الذي حاول اللحاق به:
"استنى بس يا "عاطف"... خد هنا... ده مش أسلوب كلام ده!"
استدار "عاطف" والغضب يلفح ملامحه السمراء، مستكملًا بإنفعال: تلك الطريقة التي يخفي بها ضآلة فكره وسوء توليه للأمور، كان لابد عليه استكمال صورة الغاضب المقتضب، حتى لا يظهر انتصار "محب" عليه برجاحة عقله.
"أنا مروح البيت، مش قاعد لكم فيها. خلي "محب" ينفعك. مش هو ده أبو دماغ جامدة وأفكار معتبرة وحيجيب لك التايهة! اشرب بقى. وإبقى ادفع يا بابا. أنا الحق عليا إني بدور على المصلحة."
(ثم أكمل مستهزئًا)
"لكن إزاي... "عاطف" لازم يطلع وحش. وحيودينا كلنا في داهية."
أنهى جملته ساقطًا بنظرة متأففة، وهو يشيح بوجهه بعيدًا عن والده ليغادر المعرض بعجالة، حتى لا يضطر للعودة برفقة والده والإقرار بأن "محب" أفضل منه.
(من هذا الذي يظن نفسه أفضل من "عاطف الأسمر"؟) هكذا حدث نفسه، بينما شعر ببعض النشوة من داخله وهو يسمع صوت والده المترجي من خلفه:
"ارجع يا "عاطف"... بلاش العصبية دي."
لم يكترث بندائه، بل شعر بالزهو لترجي والده العودة، وهو يرفض ذلك، ليتخذ سيارته عائدًا للبيت، ليتراجع "محفوظ" لمقعده يبحث الأمر مع "محب" لحل تلك الأزمة قبل أن يخسروا أموالهم.
بنفس ضائقة وغضب تجلى بملامح هذا الثائر الذي عاد بغير موعده، تطلعت "قسمت" بوجه ولدها المكفهر، الذي تبحث عيناه عما يسقط عليه غضبه، مشبعًا غاية بنفسه بأنه لابد وأن يكون محط الاهتمام والإرضاء، وأن الكون كله لابد أن يدور في فلكه، وهو نجمها الساطع.
انتفضت "قسمت" نحو ولدها الأكبر، الذي لا تضاهي محبته بقلبها أي من إخوته:
"مالك يا حبيبي؟ إيه اللي مضايقك كده؟"
بمزيد من الاستمتاع وهو يرى والدته تحدثه بنبرتها القلقة، ليرضي غروره بمحايلتها لمعرفة سبب ضيقه، أجابها "عاطف" باقتضاب:
"مفيش حاجة."
تفحصت بعينيها الصغيرتين وجه ولدها المتجهم وملامحه المقتضبة، لتردف بتأكيد:
"لأ فيه. وحاجة كبيرة كمان."
ألقى "عاطف" بجسده فوق الأريكة، مخرجًا سبب ضيقه تحت أعين "وعد" و"عتاب" بآخر الصالة، اللاتي ينصتن باهتمام:
"يعني أنا غلطان؟ جالنا تقرير ضريبي زي الزفت حيأخذ اللي ورانا واللي قدامنا، ولما ألاقى حل يطلع لي الأستاذ "محب" يطلعني أنا اللي غلطان؟!"
أنهى عبارته مستهزئًا بأخيه، لتتساءل "قسمت" عن ماهية هذا الحل:
"حل إيه؟ وكام يعني جه في البتاع اللي إنت بتقول عليه ده؟"
استدار بأعين محتدة تضيء ببريق كاذب، يود به إظهار نفسه بسديد الرأي الذي لا يخطئ، وأنه ضحية لأنانية أخيه الذي يود إظهاره بصورة سيئة قبيحة بأعينهم.
"كنت حشوف حد يظبط لنا التقارير دي ويقلل المبلغ. لكن إزاي..." (قالها بإنفعال ساخط) "... "محب" لازم يطلع صح، وإني أنا اللي غلطان، ومينفعش أتدخل في الحكاية دي." (حاول إلقاء الشك بقلوبهم تجاه أخيه ليستطرد قائلًا)
"شوفوا بقى هو في نيته إيه؟"
ولأنها تعلم طبيعة أولادها، وأن "محب" ما هو إلا أناني، لا يحب سوى نفسه ومصلحته، زمّت فمها باستياء، وهي تحاول استرضاء "عاطف":
"ولا يهمك يا حبيبي. هو أخوك كده. ميهموش إلا مصلحته. لكن الباقي لأ."
"آه. "عاطف" هو اللي لازم يطلع وحش."
رغم تجنب "وعد" لـ"عاطف" بالآونة الأخيرة خشية أي صدام بينهم، إلا أنها تدرك تمامًا طريقته بإظهار نفسه المعصوم من الخطأ، وأنه لابد كان سيحل الأمر بأساليبه الملتوية، لتردف بدفاع عن "محب":
"هو أكيد مش قصده كده يا "عاطف". يمكن الحل بتاعك ممكن يعمل مثلًا مشكلة تانية ولا حاجة."
هكذا دق ناقوس الخطر حينما توهجت عيناه الغاضبتان، التي حاولت بكل قوتها أن تتلاشى الصدام بهما لأيام عدة. غضب تدرك نهايته التي أصبحت تتكرر كثيرًا. بقفزة واحدة، كان "عاطف" يمسك بخصلات شعرها بين كفه القوي، ليجذبها نحو الخلف معنفًا إياها، وازداد قسوة بمشاهدة "قسمت" و"عتاب" له.
تراجع رأس "وعد" المتألمة للخلف، تتأوه بصوتها الناعم:
"آه... شعري يا "عاطف"!"
لم يبالي بها وبألمها، ليردف مستنكرًا تدخلها وهو يحقر منها أمامهم:
"إنتِ مين طلب منك تتحشري بينا؟ إنتِ فاكرة نفسك إيه؟ إوعي تكوني نسيتي نفسك. محدش طلب منك تفتحي بوقك!"
"إوعى طيب... رأسي... إوعى إيدك."
زاد من جذبه لشعرها الذي قبض عليه بقوة، يجرجرها نحو الصالة الكبيرة، مرضيًا نفسه وشعوره بالسطوة والقوة.
"حد طلب منك تتدخلي؟ وإلا إنتِ فاكرة نفسك بتفهمي اللي محدش بيفهمه؟"
كان يقصد أن يقلل من شأنها ومن إكمال تعليمها الجامعي بخلافهم جميعًا، فلم ينهِ أحدهم تعليمه سوى "محب"، الذي يحمل له "عاطف" ضغينة أخرى.
وبرغم استمتاع كلا من "قسمت" و"عتاب" لفرض "عاطف" سيطرته على "وعد"، إلا أن "قسمت" حاولت التدخل لتخليصها من غضبه.
"خلاص يا "عاطف"... سيبها مش كده."
نظر بحدة نحو والدته قائلًا:
"بتتحشر في الكلام ليه؟"
مدت "قسمت" يدها بهدوء نحو يد "عاطف" التي اشتبكت بشعر "وعد" كالوطواط دون ملاذ.
"خلاص سيبها وهي مش حتتكلم تاني."
حاولت "وعد" تبرير ما قالته، فربما يحررها من بين غلظة كفه القاسية.
"والله ما أقصد حاجة. أنا بس بقولك يمكن "محب" يقصد إن الحل ده مش مناسب... بس كده."
زاغت عينا "عاطف" لوهلة، وهو يتابع عينا والدته وأخته بأنهم ربما يرون ما تراه "وعد"، ووقتها سيكون "محب" مصيبًا برأيه، وسوف يعلق الخطأ برقبته هو، ويظهر مرة أخرى بمظهر السطحي المتهور، ووقتها سيلومونه على اندفاعه وغضبه غير المبرر.
بلحظة عبث بها شيطان أفكاره ليحول اتجاه الخطأ نحو "وعد"، ليشوش عن الحقيقة، ليظهر دائمًا بأنه على الصواب ولا يخطئ مطلقًا.
لاحت تلك الفكرة الشيطانية لإقحام "وعد" بالأمر والتملص من اللوم الذي سيلحق به، ليحاول بث الشك والظن السوء بزوجته.
"وإنتِ بتدافعي عنه ليه؟ ها؟ بينك وبينه إيه؟ انطقي؟"
لو كانت للعيون حديث، لنطقت عيناها المصدومتان بصاعقة كلماته واتهاماته المجحفة. نظرت إليه بخضراويتها المتشدقتان كمن تصرخ بكلمة: (لقد اكتفيت). لحظات مشدوهة من الصمت، فلم يعد للحديث حاجة لرد هذا الظلم. لقد خاب ظنها به، فقد ظنته رجلًا، سندًا حاميًا لها من قسوة الأيام، لكنه لا يرتقي لذلك على الإطلاق.
أيقنت بتلك اللحظة بأنها لم تساوي شيئًا من الأساس. إنه لم يحبها قط، فأفعاله الآن تؤكد ذلك. إنه لم يحب سوى نفسه، التي لأجلها يدوس رقاب الآخرين.
عليها طلب السماح الآن، لكن السماح من نفسها التي أذلتها لأجله. لقد تحملته وتحملت أنانيته وعشرته المهلكة لأجل ظن بعقلها بأنه أحبها يومًا. لطالما انتظرت تلك العودة والإفاقة من غفلته ليردها لقلبه، لكنه لا يستحق، فهو لم يحبها يومًا. لا، لم يحدث، وإلا لما أساء إليها كل تلك الإساءة.
تهدج صدرها المنفعل، لتتغاضى عن الألم الذي تشعر به إثر قبضته القوية، فاتهامها البشع لها أنساها الإحساس بما حولها. اجتاح جسدها برودة قوية كادت تفقد الوعي إثرها، لكنها بصعوبة بالغة تحشرجت كلماتها لتردف بغصة:
"إنت اتجننت؟ إنت بتقول إيه؟"
كلماتها أطلقت هذا الوحش بداخلها، ظنًا منه أنها لن تتغير وستتحمل مثل كل مرة، فعليه الضغط ولا يبالي. لكنه لم يدرك أن لظنه حدًا، وقد أتى يومًا يخلف به الظن وتتغير به القلوب.
"بقى أنا اتجننت؟ طيب... أنا حوريك الجنان اللي على أصوله يا ******"
ربما رفع كفيه لينال بالضرب عليها بالتبادل بينهما، لتتكور هي على نفسها، لكنه لم يدرك أنها فقدت الإحساس منذ كلمته الأولى. فقد خطت خطوة جديدة، لكنها بالاتجاه المعاكس. لقد خطت خطوة نحو كراهيتها له. لم تعد تطيق صوته ولا رؤيته، لم تعد تتقبل اسمه أو صورته. لقد أصبح بغيضًا مكروهًا. تعالت شهقاتها ليس لضربات كفوفه، لكن لتوديعها لحياة ظنت أنها ضحت لأجل بقائها. ياليت الظن يبني جدار الود، لكنها لم تدرك أن بعض الظن إثم.
لم تتدخل "قسمت" أو "عتاب" لإنقاذ "وعد" من بين يديه، رغم تيقنهما بأنه يتهمها باطلًا، وأن "وعد" بعيدة كل البعد عن شكه المزيف بها وبـ"محب" أيضًا. لم تدري "وعد" كم مر عليها بين ضرباته المتتالية لتسقط مغشيًا عليها، فلم تتحمل بقلبها المرهف هذا الظلم، فقد توقف كل شيء، حتى الزمن والإحساس.
عادت لواقعها متذكرة هذا اليوم القاسي الذي كان بداية النهاية. نعم، بقيت، لكن لأجل ولدها فقط. فهي تدرك تمامًا أنهم لن يتركوها ترحل بولدها، لتبتلع ما حدث ولم تخبر به أحدًا، حتى لا تجبرها "عهد" على الرحيل. فقلبها متعلق بولدها، ولن تتحمل فراقه ولو ليوم واحد، وعليها البقاء لأجله، حتى لو أصبح ما يربطها بوالده مجرد كراهية.
***
التردد هو مقبرة الفرص، فمن الغباء حين تتاح لك الفرصة ألا تغتنمها، فما كان نيل المطالب بالتمني، لكن تأخذ الدنيا غلابًا. وقد تجلت الفرصة أمام مرأى، فإن سُأل من لها؟ فأنا لها.
بقلب جسور دون مخافة أو رهبة، كمن اعتاد على اجتياز تلك المخاطر والمعارك الخفية، كان "معتصم" يقتحم النيران ليجتازها ببراعة، لكن ليس وحده. فقد كان كالصقر القابض على فريسته دون تردد، وبلحظات كان خارج دوائر النيران وهي معه.
لم يمهلها حتى فرصة للتفكر، فكان واجبًا عليه إنقاذ نفسه وهي أيضًا. أبى أن يتركها خلفه، وكان متوجبًا عليه حمايتها.
خرجا من الكوخ المشتعل، برغم تساقط الأمطار الخفيفة، وقد ابتعَدا لبعض الخطوات عن ألسنة اللهب ورائحة الدخان.
وقفا لالتقاط الأنفاس، ليسقط "معتصم" تلك البطانية عن كتفيهما، ليكشف عمن اختارها لإنقاذها.
وقفت "عهد" للحظات تحاول استيعاب الأمر. فبرغم قوتها وقدرتها على مواجهة المخاطر، إلا أن شعورها بحمايته لها ووجودها بقربه لأمر مختلف. كان غريبًا، لكنه محببًا لنفسها، حتى أنها تركت العنان لنفسها بمرافقته للنجاة بها.
لحظات من الخوف والقلق مزجت بنشوة فرحة. تحركت معه دون تفكير، لكن قلبها تراقص بسعادة بالغة، لم يجتاحها هذا الشعور الرائع من قبل.
وقفت "عهد" تلتقط أنفاسها المتقطعة وتسكن قلبها المضطرب لقربه، لترفع هامتها بنهج تملس على خصلات شعرها المتأرجحة في الهواء، وهى تطالعه بعسليتيها بإنجذاب وامتنان بذات الوقت. سرعان ما انتبهت لنفسها قبل أن يلاحظ تلك النظرات الموجهة إليه.
لكنها انتبهت لأمر آخر جعلها تندهش، ولأول مرة بصدق حقيقي، لتتيبس بموضعها، لتحدثه متسائلة بعدم فهم:
"إنت واخد بالك إنك أنقذتني أنا، مش هي؟"
التف "معتصم" تجاهها، يطالع وجهها بتفرس أولًا، وقد اضطرب تنفسه الناهج، لا يدري هل هذا الاضطراب سببه ركضه بين النيران، أم أنه بفعل قلبه المضطرب لقربه منها. فقد أعلن قلبه تمرده، وقد تعالت دقاته وعصيانه لفرض تحكمه به.
أرغم نفسه على التنفس ببطء، لكن عيناه لم تنحِ عن خاصتيها، ليتعمق بقاتمتيه بهاتين الناعمتين اللتين أسقطتا حصون قلبه، وهو يجيبها:
"طبعًا واخد بالي. وعارف جدًا إني اخترتك إنت مش هي."
ذهول مبهج لنفس "عهد"، فبرغم كل ما حدث، اختارها هي وترك "كاتينا". ابتلعت ريقها المضطرب، هاربة من نظراته المباشرة نحوها، وهي تلتف حول نفسها ببعض التشتت.
بالفعل تراجعت عن كل ما قامت به بالآونة الأخيرة، لتظهر "عهد" التي تعرفها، لا ليست "عهد" التي تعهدها فحسب، بل "عهد" جديدة عرفتها بقربه فقط. "عهد" لها قلب ينبض ويدق، لكنه أيضًا متمرد. تمرد على أفكارها وخشونتها، تمرد على إجبارها له بألا ينساق خلف أوهام العشق.
لم هي سعيدة الآن باختياره لها وليست "كاتينا"؟ إنه لم يخترها بالخطأ، بل بإرادته ودون تردد.
مشاعر تختبرها لأول مرة، لكن عقلها مشتت للغاية، كطفلة تتحمس للمرة الأولى. عادت بعينيها الزائغتين لتجده مازال متفرسًا بها، كحلم جميل يسحبها فوق السحاب، تحلق بجناحين لم تدرك أنها تمتلكهما من الأساس.
كم لوجودها معه يجعلها تترك الواقع وتحلق ببحور الخيال، لولا قدرتها على امتلاك نفسها القوية، لكانت صرخت بكلمة (أحبك) دون الاكتراث لشيء آخر، لكنها تمالكت نفسها قبل أن تنساق لتلك اللحظات ونظرات التحديق التي لا يكف عنها.
اجتاحها إحساسها بالرهبة والخوف. تذكرت أن لا أمان لهاوية المشاعر، لا يمكنها الانزلاق بهذا المنحدر، فهي القوية وعليها أن تظل قوية. تصنعت الجمود وعدم التأثر، لتهتف به ببعض السخرية:
"ستة في تسعة يا أخويا؟!"
ضيق عيناه وهو يضم شفتيه الممتلئتين، يمطهما بعدم فهم، ليردف بامتعاض:
"هاه... يعني إيه؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها، لتجيبه بتهكم، رافعة حاجبها الأيسر باستهزاء:
"الصورة يا خفة. مش إنت بتصورني برضه؟"
رفع رأسه بتعالٍ لفهمه لمقصدها، والأدهى أنه قد فهم طريقتها الجافة التي تخفي خلفها مشاعرها بسردابها العميق، لتتحول لتلك الخشنة الجافة حينما تميل لإظهار نقطة ضعفها، حتى تظهر على الدوام بمظهر القوية التي لا تقهر.
"ده بدل ما تقولي لي متشكرين. كتر خيرك إنك أنقذتني."
قلبت شفتيها ببعض السخرية، فهي ليست من تعترف بإنقاذه لحياتها. رغم سعادتها بإنقاذه لها، إلا أن أمر اختياره لها محير للغاية، تود لو تسأله لم قام بهذا الاختيار، لكن عزة نفسها منعتها من هذا السؤال، لتردف باستهزاء:
"لأ يا شيخ! طب ما كنت تاخد القطة بتاعتك، ولا إنت مبسوط إنك سايبها تتشوي؟ طب حتى كنت طلعتها نص سوا."
مال برأسه متعجبًا من استمرار لسانها السليط:
"ده إنتِ كلامك دبش. هو ده برضه رد الجميل؟"
تتوق نفسها لمناوشتهم تلك مرة أخرى، فقد اشتاقت إليها، لتجيبه دون إظهار سعادتها:
"لأاااا... لو لك جميل خذه. أنا محبش يبقى ليا عند أي كلب حاجة."
ضرب كفيه بعضهما ببعض، متعجبًا من تلك الشخصية الغريبة التي تتمتع بها، لكن بداخله شعور بالنشوة لمجرى الحديث بينهم، فكم قربها مختلف يجذب روحه رغمًا عنه لها.
"نفسي أقطع لك لسانك ده."
زمّت فمها جانبيًا لتردف بسخط:
"قطعوا حسك من الدنيا يا بعيد."
قالتها بتلقائية، لتصمت بعدم ارتياح، لتنهر نفسها بقوة، فهي لا تريد أن تدعو عليه ولو بمزاح، فربما تستجاب دعوتها. شعور بالتخوف حين تراءت لها تلك الأفكار، وأن دعوة مازحة أو غاضبة لا تعنيها، يمكن أن تقبل بساعة استجابة، ووقتها لن ينفع الندم.
نعم، تلك طريقة حديثها دون وعي منها، فهي تطلق لسانها السليط دون تفكير فعلي، فعليها أن تراعي ما تتفوه به، وتبتلع لسانها والتفكير أولًا قبل أن تطلق لسانها السام.
بسمة اعتلت عيناه، وليس شفتيه هذه المرة، فكم يراها أنثى مختلفة كليًا، مختلفة بشكل لا يصدق. لا تنفعل ولا تهتم له، لكنها استطاعت جذبه نحوها.
منذ ساعات كان يهرب منها، والآن هو معها، آثر بقاءه معها عن الجميع. سألها بما يشغل فكره مباشرة:
"إنتِ فيكِ حاجة غريبة؟"
رمقته بطرف عينيها الناعستين، وهي تشرأب بشموخ، ولا مبالاتها التي هي جزء لا يتجزأ من شخصيتها.
"بقولك إيه... مش وقت حواديت. ده لا وقته ولا مكانه يا خفة."
أخرجت هاتفها، تحاول الوصول لشبكة الإنترنت الذي قطع بفعل الصاعقة، لكن يبدو أن الأمر سيتأخر لبعض الوقت. زفرت بضيق، وهي تعيد هاتفها لجيب سترتها مرة أخرى، وسط متابعة "معتصم" لها، ليتطلع حوله متغاضيًا عن تهربها من حديثها معه، قائلًا:
"إحنا مش حينفع نفضل في وسط الغابة كده. لازم نحاول نرجع للكوخ على الأقل. الجو برد ومش مضمون خالص."
أومأت "عهد" بتفهم، لتردف موضحة:
"آه. كمان الإنترنت لسه مقطوع، ومضطرين ندور على طريق الكوخ بنفسنا."
كان عليهما البحث عن طريق العودة وسط تلك الطرق وبقايا الأمطار والأشجار الكثيفة. فوجودهم بهذا الطقس دون حماية لأمر شاق. اتخذا أحد الطرق بهدوء وحذر، لكن يبقى تساؤل يشغل فكر "عهد" بقوة. لم اختارها دون "كاتينا"، وهو الذي كان يخشى البقاء معها بنفس المكان، واضطر للهرب منها.
***
مكتب عيسى للمحاماة.
أعاد "عيسى" رأسه للخلف، يريح زخم أفكاره التي تضاربت برأسه، فتلك القضية محيرة وغامضة بشكل كبير. استغرق وقتًا طويلاً للغاية، حتى شعر بأنه فقد إحساسه الزمني لما يحيط به.
دقات متتالية بهاتفه هي التي أيقظته من شروده، لترسم تلك الابتسامة التي تخص صاحبة الرنين وحدها.
"دورا... وحشتيني."
قلبت شفتيها كطفلة مستاءة، حتى كاد "عيسى" يتخيل ملامحها بهذا الشكل دون رؤيتها.
"لو كنت وحشتك، كنت جيت. اتأخرت أوي يا "إيسووو"."
نظر لتلك الأوراق التي تملأ سطح مكتبه بتملل، فكم اشتاق لرؤيتها.
"غصب عني. الوقت سرقني في الشغل، ولسه مخلصتش."
هبت بانفعال، متفاجئة بطريقتها العفوية:
"يا خبر يا خبر... شغل وتأخير وحاجات جديدة ووجع دماغ. وسايب "دورا" وحدها في البيت؟ لأ... أنا زعلانة."
حتى بعتابها تدفع بالروح بداخله، يعشق حديثها وكلماتها، حتى عتابها اللذيذ، ليردف ببسمة خفيفة:
"حقك عليا. أوعدك أول ما أرجع حعوضك عن التأخير ده."
ضحكت "غدير" بشقاوة، وهي تحاول استغلال الأمر.
"أكيد أكيد؟ يعني أطلب وأتدلع؟"
"عيوني يا شيكولاتة."
دقات قلبها المرتفعة بسماعها كلمته، جعلتها تردف بنبرتها العاشقة، مبتعدة عن طفولتها وشقاوتها، بكلمات لمست قلب "عيسى" المشتاق.
"حبيب عيون الشيكولاتة. حستناك. متتأخرش عليا. إن شاء الله تجيب المكتب كله في البيت، بس متبعدش عني كل ده."
لم يكن منه سوى نفس الشعور، ليجيبها بمحبة:
"جايلك حبيبتي. حخلص أوام وأجيلك."
"مستنياك."
أنهى "عيسى" مكالمته مع "غدير"، والتي أعطته الطاقة لاستكمال يومه، كما لو أن له بطارية أوشكت على نفاذ طاقتها، وبكلمات محبة من شريان قلبه أعادت له ملء طاقتها.
تنفس بهدوء، ليخرج أحد البطاقات من محفظته، ليقوم بإجراء مكالمة أخرى بحماس جديد.
"ألو... أستاذ "عطية"؟ معاك الأستاذ "عيسى دويدار" المحامي."
"أهلًا يا متر."
"كنت عايزك في المكتب بكرة إن شاء الله نتناقش شوية في القضية، قبل ما أشوف حأقبلها ولا لأ."
"تحت أمرك يا أستاذ. بكرة بأمر الله حأكون عندك في المكتب."
بنهاية تلك المكالمة، كان على "عيسى" الانتهاء من آخر أعماله بالمكتب، قبل عودته للبيت الذي اشتاق لصاحبته منذ خروجه منه.
مطت "سندس" شفتيها بغيظ، وهي تسترق السمع لمكالمة "عيسى" مع "غدير" أولًا، لتتمتم باستياء:
"هو أنا مليش مرة شوية حنية من دول؟ مش حيحن عليا أبدًا؟!"
لتتابع مكالمته الثانية، والتي انتهت بندائه لها:
"لو سمحتِ يا أستاذة "سندس"."
وقفت بحماس، تعدل من ملابسها بعجالة، لتتحرك بدلال نحو مكتبه، لتردف ببسمتها العريضة:
"أفندم يا أستاذ "عيسى"؟"
كمن تبدل تمامًا، ليعود لشخصيته الجدية التي تثير جنونها، أردف بعملية:
"المفروض بكرة فيه جلسة في المحكمة لقضية التبديد، وإحنا حنطالب بالتأجيل. اتفضلي المذكرة دي عشان تقدميها بكرة في المحكمة."
مدت "سندس" يدها تلتقط الورقة التي يشير بها "عيسى" إليها، قبل أن تجيبه:
"تمام يا أستاذ "عيسى". متقلقش خالص."
كانت ستستطرد حديثها، حينما قابلها "عيسى" بإنهاء الحديث:
"تقدري تتفضلي إنتِ تروحي. أنا لسه قاعد شوية. وإنتِ خارجة خلي عم "شاكر" يعمل لي كوباية شاي تقيلة."
"أنا ممكن أقعد... أنا..."
قاطعها "عيسى" بصرامة:
"مفيش داعي. اتفضلي إنتِ."
زمّت فمها الممتعض، وهو تقضم شفتها السفلية بحركة لا إرادية باضطراب، لتضطر لمغادرة المكتب، رغم أن مازال الوقت مبكرًا، إلا أنه حازم تمامًا بطلباته، وهي لن تخالفه مهما تطلب الأمر، فهي لا تريد سوى إرضاءه فقط.
***
حي النعماني.
كيوم روتيني أنهت "شجن" يوم عملها كالمعتاد بهدوء تام، وبعض الحالات السطحية التي تعد على أصابع اليد الواحدة بهذا المستوصف قليل الإمكانيات.
خلعت معطفها الأبيض رديء الخامة، وهي تلوح لرفيقتها "رؤى" مودعة:
"سلام بقى يا "رؤى". أشوفك بكرة."
"سلام. سلمي لي على أختك اللي بتحكي عليها طول النهار دي."
ابتسمت "شجن" بالإيجاب، لتنتبه أنها تتحدث عن "نغم" طيلة اليوم، فهي تشعر بأنها مسؤولة منها، رغم الفارق البسيط بين عمريهما، إلا أن بساطة "نغم" وبراءتها يجعلانها تشعر بالقلق والمسؤولية تجاهها.
خرجت من المستوصف، متجهة مباشرة نحو المكتبة لإصطحاب "نغم" للعودة إلى البيت.
ولقرب المسافة بين عمل كلاهما، كانت "شجن" بدقائق قليلة تقف بمقدمة المكتبة، لتدق رقم أختها، تحثها على الخروج كما اتفقتا من قبل.
كيمامة وديعة خرجت "نغم" من المكتبة لمقابلة "شجن"، وهي تلملم شفتيها الرقيقتان عن ابتسامتها المتحمسة للقاء أختها.
"جيتي بدري يا "شجن"؟"
سحبت "شجن" ذراع أختها، متعلقة بذراعها، وهي تسألها كأم حنون وليست أخت كبرى:
"ها... عملتي إيه النهاردة؟"
ما كانت إلا بعفوية تلقائية، وهي تجيبها بحماس هادئ:
"الشغل هنا حلو قوي. أنا حبيته."
بنظرة شقية، انقلبت بها "شجن" من اهتمام أم لأخت وصديقة:
"هو مين اللي حبيته بالظبط؟"
قوست "نغم" حاجبيها بعدم فهم لمقصدها، لتتساءل عن ذلك:
"مش فاهمة؟"
ضحكت "شجن" بابتسامتها المتسعة، وهي تعيد خصلة شعرها القصير الذي تناثر بفعل الرياح لتلك الليلة الشتوية:
"لأ ولا حاجة. خليكِ كده زي ما إنتِ، حتبقى الدنيا تمام. طالما مش فاهمة، يبقى هو ده المطلوب."
ليست غبية أو محدودة الذكاء، لكن بالفعل لم تدرك مقصد أختها، فهي تحب الوضوح، ولا يجذبها الغموض بالمرة. فمن أراد قربه منها، عليه التحرك مباشرة تجاهها، فهي لا تحبذ أي من تلك التلميحات التي تجهد عقلها.
وبرغم بساطتها ووضوحها التلقائي، إلا أن "شجن" على النقيض منها تمامًا، تفهم الغموض وتعشق الفضول والأفكار الضمنية. هي فتاة ليست معتادة ولا سهلة التوقع كأختها البريئة، وذلك ما يجعلها تخشى أن تنصدم "نغم" بواقع ليست معتادة عليه، لكن حتى الآن، فالأمور تسير بشكل طبيعي في نصابها.
***
سويسرا (الغابة).
"الغريب أعمى ولو كان بصيرا". جملة لا خلاف عليها، فمن يدرك مكانًا لا يعرفه وسط جبال وطرق متداخلة وأشجار كثيفة؟ ومن يستطيع أن يعلم وجهته وسط تلك الأجواء والطقس السيء بدون توجيه؟
زاد الأمر سوءًا انقطاع خدمة الإنترنت، ليبقى "معتصم" و"عهد" يتخبطان بطريقهما بحثًا عن طريق العودة للكوخ الذي ضلا وجهته له.
فبعد بحث لوقت لا بأس به وتداخل الطرق بعضهم ببعض بمخيلاتهم، اضطرا للوقوف محلهم، فقد سقط غشاء الليل فوق رؤوسهم، ولم يعد بإستطاعتهم إكمال بحثهم، فهم لا يحملون أي حقائب بها وسائل مساعدة.
اتجه نحو مجموعة من الأشجار الضخمة بجانب الطريق، ليلجأ إليها تحميهم، ولو بصورة قليلة، من البرد الذي يحيط بهم.
جلس "معتصم" مستندًا بجذع أحد الأشجار، لتنزوي "عهد" بعيدًا عنه، لتتخذ جذعًا آخر، ليقضيا تلك الليلة في العراء دون الوصول للكوخ.
أغلقت سحاب سترتها السميكة، ثم رفعت غطاء رأسها تحكمة بقوة، لتغمض عينيها المنهكة بصمت، محاولة التماس غفوة قليلة. سرعان ما استغرقت بالنوم، فهذا موعد نومها المعتاد.
لكن تلك الياقوتتان البراقتان بلونهما الأسود، كانا يطالعانها من بعيد، لم يسقطهما عنها وهي تستكين بوداعة، تمحو شراستها التي تغلف حياتها.
دنا منها ببطء شديد، يطالع ملامحها الناعمة وسط ضوء القمر المتسلل من بين فروع الأشجار، ليترك العنان لقلبه الذي سرقته. لقد دق. نعم، دق قلبه لتلك المتوحشة، فكيف له باستعادة قلبه الذي استولت عليه؟
بعد وقت طويل من استراقه النظر لنعومتها غير المعتادة، داعب النعاس جفنيه، ليعود لجذع الشجرة خاصته، مستغرقًا بالنوم وسط الطبيعة والأجواء الباردة.
***
بيت النجار.
تتوق "زكية" لعودة بناتها بحماس شديد، لتنتظرهم بالشرفة كعادتها، خشية وقوعهم بلقاء غير محسوب من "صباح" أو ابنتها.
ردت روحها برؤيتهما تتقدمان بأول الحي، كنجمتين تشعان بريقًا وتوهجًا. كم هي محظوظة بهما، لتتمتم بقراءة المعوذات بصوت خفيض لحمايتهن من شرور نفوس من تقع عيناه عليهما.
دَلفت بعد صعودهما بسلام، لتقابلهما بوجهها البشوش وضحكتها الطيبة تستقبلهما بباب الشقة.
"حمد الله على سلامتكم. ربنا يحرسكم من العين."
ألقت "نغم" بنفسها أولًا بأحضان والدتها، فقد اشتاقت لها.
"وحشتيني يا ماما."
تلتها "شجن" بدورها باختلاف طبع كل منهما، لتقبلها باشتياق.
"أخبارك يا "زوزو". وحشتيني."
أغلقت "زكية" الباب من خلفهما، وقد أشرقت ملامحها بحماس وسعادة ممزوجتان ببعضهما البعض، وهي تخبر ابنتيها بهذا الخبر السعيد.
"مبروك يا "شجن". أخيرًا حنفرح يا بنات."
تهلل وجه "شجن" بسعادة، واتسعت ابتسامة "نغم"، فرؤية والدتهن سعيدة إلى هذا الحد، أطلق بمخيلة كل منهما ما تتمناه، لتهتف "شجن" على الفور:
"حنسيب البيت؟"
بينما هتفت "نغم" بحالمية:
"لقيتي العقد؟"
تطلعت "زكية" بوجه كلاهما، فما دار بمخيلتهما بعيد تمامًا عما كانت ستخبرهم به، لتقل حدة حماسها بعض الشيء، ثم أجابتهم:
"لأ... ولا حنسيب البيت... ولا لقيت العقد... دي "شجن" جالها عريس."
لم تكن أحلامهم متعلقة بزواج وهروب من مجهول لمجهول آخر، فـ"شجن" تتلخص أحلامها بأمل وحيد: الخروج من هذا البيت وترك كل مشاكلهم مع عمهم وزوجته وأبنائه خلف ظهورهم، لتردف بإحباط:
"جواز إيه وعريس إيه يا ماما. كان نفسي تقوليلنا خلاص نسيب البيت ده ونمشي."
بينما عقبت "نغم" بهدوء مستكين:
"أو نلاقي العقد ونبيع الشقة ونخلص ونبعد عن مرات عمي وقرفها."
زاغت عينا "زكية" بين بناتها اليائسات، لتجيبهم باستسلام:
"كان على عيني يا بنات. بس من ناحية دي وصية أبوكم إني أحافظ على حقه. ومن ناحية تانية معندناش القدرة إننا نسيب البيت ونسكن بره. مسيرها حتتعدل."
نظرت الفتاتان لبعضهما البعض بتحسر وتملل من البقاء على نفس الوضع، لتدفع "زكية" بحماسها المفتور بسبب إحباطهن، لتغيير مجرى حديثهم والبحث عن أي مصدر للسعادة.
"بقولكم "شجن" جالها عريس... دكتور."
حركت الفتيات رأسهن بهدوء، لتستطرد "زكية" قصها لما حدث اليوم بالتفصيل، وكيف علمت بهذا العريس المنتظر، وسط إنصات الفتيات لها دون حماس يذكر، لتظل تعيد بكلماتها وترسم خطوطًا بالخيال عما سيحدث وزواج ابنتها القريب الذي سيهل بالسعادة أخيرًا ببيتهم.
***
مستبدة أنا والأمر يروقني، عنيدة لا أخضع لأسياد، أشبه غزال لكني في الأصل أسد.
لاح الصباح ليزعج ضوؤه أعين "عهد" المغمضتان بسكون، لتضغط عيناها بقوة، وهي تحاول فتحهما، لتستيقظ من تلك النومة المتعبة.
لحظات لم تدرك بها أين هي وماذا تفعل وسط الغابة، لتتذكر ليلة الأمس ولجوئهم لتلك البقعة ليناما بها.
جلست بنشاط مجبرة عليه، لتمد جذعها للأمام، تحاول التطلع تجاه "معتصم" المستغرق بالنوم.
مستكين هادئ يصل لحد الوداعة، مختلف تمامًا عن صحوته، فهو مثلها شرس، مهاجم، خصم عنيد بالفعل، لا يستسلم بسهولة.
وقفت بهدوء حتى لا تصدر صوتًا يوقظه، لتقترب منه بخطوات رشيقة متسللة، لتنظر نحوه بتمعن، فتحديقه بها على الدوام لم يعطها الفرصة للتحقق من ملامحه كتلك اللحظة.
وسيم بالطبع، لكن به جاذبية نزعت قلبها من بين ضلوعها، ليستقر بين راحتيه بإستسلام، فلم هو من استطاع امتلاك قلبها دون حتى جهد منه.
وجدت نفسها بدون شعور تبتسم بخفة، إنها سعيدة بدقات قلبها المتصارعة تجاه هذا الرجل. حركة فجائية منه جعلتها تنتفض بقوة، إزداد لها دقات قلبها المرتجف، لتقفز مبتعدة عنه حتى لا يلاحظ استراقها للنظر له.
استيقظ "معتصم" بوجه ممتعض من إثر نومته فوق تلك البقعة القاسية، وشعوره بالبرد الذي لا يطيقه على الإطلاق.
اعتدل باحثًا على الفور عن تلك الشرسة خاصته، ليجدها جالسة بعيدًا عنه، غير منتبهة له بالمرة.
استقام متقدمًا نحوها، ليرى فيما انشغلت متوحشته، قائلًا بصوته الشجي الذي يغلبه النعاس بعد:
"صباح الخير."
اصطنعت عدم الاهتمام، لتجيبه بثبات غير ما تشعر به من اضطراب:
"صباح الخير. ناموسيتك كحلي. إيه مكنتش ناوي تصحى؟"
قالتها مستنكرة، لتحفز رده المماثل:
"مستعجلة على إيه يعني؟ وراكِ الديوان!"
زمّت فمها بامتعاض، وهي تنهض واقفة، لتتقدم الطريق دون دعوته، وهي تتمتم بصوت مسموع:
"صحيح هو أنا بكلم مين... ما إنت لا تعرف ليل من نهار. الصبح عندك بعد العصر. يلا نشوف الكوخ المنيل ده راح فين."
كلماتها اللاذعة وتقدمها الواثق، جعلاه يتبعها بابتسامة، فقد أحب طريقتها المتصادمة معه، ليهتف بها بحدة رغم استمتاعه بذلك:
"طالما حنكمل مع بعض، يا ريت الأسلوب يكون أحسن من كده. بلاش تستفزي لساني، لإنك مش قده."
تشدقت برقبتها، رغم موافقتها لطلبه، إلا أنها لم تظهر ذلك، ولن تنطق بالموافقة بتلك السهولة.
"والله اللي تقدر عليه... اعمله."
نطقتها بتحدي، لكن بقرارة نفسها ستحافظ على لباقة حديثها معه، فلا داعي لهذا السخط والحدة طوال الوقت. أكمل "معتصم" سيره إلى جوارها، وأوقات عدة يتخطاها، فهو لم يعتاد أن تعطيه فتاة أمرًا، أو يتبع أحدهم أيًا كان.
بعد سير لفترة من الوقت، توقفا بمكان متسع بين الأشجار التي تحيط ببئر. جال "معتصم" بعينيه خلال هذا المتسع الدائري، يحاول الوصول لوجهة هذا الكوخ الذي لا يستطيعان الوصول إليه.
"الظاهر إننا بنلف في نفس المكان. أنا رأيي نستريح هنا شوية، ونحاول نشوف الاتجاه اللي حنمشي فيه."
إيماءة خفيفة بعينيها كانت إجابتها، فهي تود البحث بالفعل عبر شبكة الإنترنت، ربما تستطيع تحديد مكان الكوخ عوضًا عن تخبطهم بطرق مسدودة.
جلس "معتصم" فوق إحدى الصخور، مستندًا بظهره إلى حافة البئر، بينما أخذت "عهد" تبحث عن صخرة مماثلة لتجلس عليها.
توقفت لبرهة، تنظر عبر كثافة فروع الأشجار، لتحدق بينها بقوة، فقد خُيل لها أنها ترى أحدهم يتحرك من خلف الأشجار.
حركة لم تدرك ماهيتها، لكن على ما يبدو أن هناك شخصًا ما، أو شيئًا ما، يتبعهم.
***
مكتب عيسى للمحاماة.
أعاد "عيسى" رأسه للخلف، يريح زخم أفكاره التي تضاربت برأسه، فتلك القضية محيرة وغامضة بشكل كبير. استغرق وقتًا طويلاً للغاية، حتى شعر بأنه فقد إحساسه الزمني لما يحيط به.
دقات متتالية بهاتفه هي التي أيقظته من شروده، لترسم تلك الابتسامة التي تخص صاحبة الرنين وحدها.
"دورا... وحشتيني."
قلبت شفتيها كطفلة مستاءة، حتى كاد "عيسى" يتخيل ملامحها بهذا الشكل دون رؤيتها.
"لو كنت وحشتك، كنت جيت. اتأخرت أوي يا "إيسووو"."
نظر لتلك الأوراق التي تملأ سطح مكتبه بتملل، فكم اشتاق لرؤيتها.
"غصب عني. الوقت سرقني في الشغل، ولسه مخلصتش."
هبت بانفعال، متفاجئة بطريقتها العفوية:
"يا خبر يا خبر... شغل وتأخير وحاجات جديدة ووجع دماغ. وسايب "دورا" وحدها في البيت؟ لأ... أنا زعلانة."
حتى بعتابها تدفع بالروح بداخله، يعشق حديثها وكلماتها، حتى عتابها اللذيذ، ليردف ببسمة خفيفة:
"حقك عليا. أوعدك أول ما أرجع حعوضك عن التأخير ده."
ضحكت "غدير" بشقاوة، وهي تحاول استغلال الأمر.
"أكيد أكيد؟ يعني أطلب وأتدلع؟"
"عيوني يا شيكولاتة."
دقات قلبها المرتفعة بسماعها كلمته، جعلتها تردف بنبرتها العاشقة، مبتعدة عن طفولتها وشقاوتها، بكلمات لمست قلب "عيسى" المشتاق.
"حبيب عيون الشيكولاتة. حستناك. متتأخرش عليا. إن شاء الله تجيب المكتب كله في البيت، بس متبعدش عني كل ده."
لم يكن منه سوى نفس الشعور، ليجيبها بمحبة:
"جايلك حبيبتي. حخلص أوام وأجيلك."
"مستنياك."
أنهى "عيسى" مكالمته مع "غدير"، والتي أعطته الطاقة لاستكمال يومه، كما لو أن له بطارية أوشكت على نفاذ طاقتها، وبكلمات محبة من شريان قلبه أعادت له ملء طاقتها.
تنفس بهدوء، ليخرج أحد البطاقات من محفظته، ليقوم بإجراء مكالمة أخرى بحماس جديد.
"ألو... أستاذ "عطية"؟ معاك الأستاذ "عيسى دويدار" المحامي."
"أهلًا يا متر."
"كنت عايزك في المكتب بكرة إن شاء الله نتناقش شوية في القضية، قبل ما أشوف حأقبلها ولا لأ."
"تحت أمرك يا أستاذ. بكرة بأمر الله حأكون عندك في المكتب."
بنهاية تلك المكالمة، كان على "عيسى" الانتهاء من آخر أعماله بالمكتب، قبل عودته للبيت الذي اشتاق لصاحبته منذ خروجه منه.
مطت "سندس" شفتيها بغيظ، وهي تسترق السمع لمكالمة "عيسى" مع "غدير" أولًا، لتتمتم باستياء:
"هو أنا مليش مرة شوية حنية من دول؟ مش حيحن عليا أبدًا؟!"
لتتابع مكالمته الثانية، والتي انتهت بندائه لها:
"لو سمحتِ يا أستاذة "سندس"."
وقفت بحماس، تعدل من ملابسها بعجالة، لتتحرك بدلال نحو مكتبه، لتردف ببسمتها العريضة:
"أفندم يا أستاذ "عيسى"؟"
كمن تبدل تمامًا، ليعود لشخصيته الجدية التي تثير جنونها، أردف بعملية:
"المفروض بكرة فيه جلسة في المحكمة لقضية التبديد، وإحنا حنطالب بالتأجيل. اتفضلي المذكرة دي عشان تقدميها بكرة في المحكمة."
مدت "سندس" يدها تلتقط الورقة التي يشير بها "عيسى" إليها، قبل أن تجيبه:
"تمام يا أستاذ "عيسى". متقلقش خالص."
كانت ستستطرد حديثها، حينما قابلها "عيسى" بإنهاء الحديث:
"تقدري تتفضلي إنتِ تروحي. أنا لسه قاعد شوية. وإنتِ خارجة خلي عم "شاكر" يعمل لي كوباية شاي تقيلة."
"أنا ممكن أقعد... أنا..."
قاطعها "عيسى" بصرامة:
"مفيش داعي. اتفضلي إنتِ."
زمّت فمها الممتعض، وهو تقضم شفتها السفلية بحركة لا إرادية باضطراب، لتضطر لمغادرة المكتب، رغم أن مازال الوقت مبكرًا، إلا أنه حازم تمامًا بطلباته، وهي لن تخالفه مهما تطلب الأمر، فهي لا تريد سوى إرضاءه فقط.
***
حي النعماني.
كيوم روتيني أنهت "شجن" يوم عملها كالمعتاد بهدوء تام، وبعض الحالات السطحية التي تعد على أصابع اليد الواحدة بهذا المستوصف قليل الإمكانيات.
خلعت معطفها الأبيض رديء الخامة، وهي تلوح لرفيقتها "رؤى" مودعة:
"سلام بقى يا "رؤى". أشوفك بكرة."
"سلام. سلمي لي على أختك اللي بتحكي عليها طول النهار دي."
ابتسمت "شجن" بالإيجاب، لتنتبه أنها تتحدث عن "نغم" طيلة اليوم، فهي تشعر بأنها مسؤولة منها، رغم الفارق البسيط بين عمريهما، إلا أن بساطة "نغم" وبراءتها يجعلانها تشعر بالقلق والمسؤولية تجاهها.
خرجت من المستوصف، متجهة مباشرة نحو المكتبة لإصطحاب "نغم" للعودة إلى البيت.
ولقرب المسافة بين عمل كلاهما، كانت "شجن" بدقائق قليلة تقف بمقدمة المكتبة، لتدق رقم أختها، تحثها على الخروج كما اتفقتا من قبل.
كيمامة وديعة خرجت "نغم" من المكتبة لمقابلة "شجن"، وهي تلملم شفتيها الرقيقتان عن ابتسامتها المتحمسة للقاء أختها.
"جيتي بدري يا "شجن"؟"
سحبت "شجن" ذراع أختها، متعلقة بذراعها، وهي تسألها كأم حنون وليست أخت كبرى:
"ها... عملتي إيه النهاردة؟"
ما كانت إلا بعفوية تلقائية، وهي تجيبها بحماس هادئ:
"الشغل هنا حلو قوي. أنا حبيته."
بنظرة شقية، انقلبت بها "شجن" من اهتمام أم لأخت وصديقة:
"هو مين اللي حبيته بالظبط؟"
قوست "نغم" حاجبيها بعدم فهم لمقصدها، لتتساءل عن ذلك:
"مش فاهمة؟"
ضحكت "شجن" بابتسامتها المتسعة، وهي تعيد خصلة شعرها القصير الذي تناثر بفعل الرياح لتلك الليلة الشتوية:
"لأ ولا حاجة. خليكِ كده زي ما إنتِ، حتبقى الدنيا تمام. طالما مش فاهمة، يبقى هو ده المطلوب."
ليست غبية أو محدودة الذكاء، لكن بالفعل لم تدرك مقصد أختها، فهي تحب الوضوح، ولا يجذبها الغموض بالمرة. فمن أراد قربه منها، عليه التحرك مباشرة تجاهها، فهي لا تحبذ أي من تلك التلميحات التي تجهد عقلها.
وبرغم بساطتها ووضوحها التلقائي، إلا أن "شجن" على النقيض منها تمامًا، تفهم الغموض وتعشق الفضول والأفكار الضمنية. هي فتاة ليست معتادة ولا سهلة التوقع كأختها البريئة، وذلك ما يجعلها تخشى أن تنصدم "نغم" بواقع ليست معتادة عليه، لكن حتى الآن، فالأمور تسير بشكل طبيعي في نصابها.
***
سويسرا (الغابة).
"الغريب أعمى ولو كان بصيرا". جملة لا خلاف عليها، فمن يدرك مكانًا لا يعرفه وسط جبال وطرق متداخلة وأشجار كثيفة؟ ومن يستطيع أن يعلم وجهته وسط تلك الأجواء والطقس السيء بدون توجيه؟
زاد الأمر سوءًا انقطاع خدمة الإنترنت، ليبقى "معتصم" و"عهد" يتخبطان بطريقهما بحثًا عن طريق العودة للكوخ الذي ضلا وجهته له.
فبعد بحث لوقت لا بأس به وتداخل الطرق بعضهم ببعض بمخيلاتهم، اضطرا للوقوف محلهم، فقد سقط غشاء الليل فوق رؤوسهم، ولم يعد بإستطاعتهم إكمال بحثهم، فهم لا يحملون أي حقائب بها وسائل مساعدة.
اتجه نحو مجموعة من الأشجار الضخمة بجانب الطريق، ليلجأ إليها تحميهم، ولو بصورة قليلة، من البرد الذي يحيط بهم.
جلس "معتصم" مستندًا بجذع أحد الأشجار، لتنزوي "عهد" بعيدًا عنه، لتتخذ جذعًا آخر، ليقضيا تلك الليلة في العراء دون الوصول للكوخ.
أغلقت سحاب سترتها السميكة، ثم رفعت غطاء رأسها تحكمة بقوة، لتغمض عينيها المنهكة بصمت، محاولة التماس غفوة قليلة. سرعان ما استغرقت بالنوم، فهذا موعد نومها المعتاد.
لكن تلك الياقوتتان البراقتان بلونهما الأسود، كانا يطالعانها من بعيد، لم يسقطهما عنها وهي تستكين بوداعة، تمحو شراستها التي تغلف حياتها.
دنا منها ببطء شديد، يطالع ملامحها الناعمة وسط ضوء القمر المتسلل من بين فروع الأشجار، ليترك العنان لقلبه الذي سرقته. لقد دق. نعم، دق قلبه لتلك المتوحشة، فكيف له باستعادة قلبه الذي استولت عليه؟
بعد وقت طويل من استراقه النظر لنعومتها غير المعتادة، داعب النعاس جفنيه، ليعود لجذع الشجرة خاصته، مستغرقًا بالنوم وسط الطبيعة والأجواء الباردة.
***
بيت النجار.
تتوق "زكية" لعودة بناتها بحماس شديد، لتنتظرهم بالشرفة كعادتها، خشية وقوعهم بلقاء غير محسوب من "صباح" أو ابنتها.
ردت روحها برؤيتهما تتقدمان بأول الحي، كنجمتين تشعان بريقًا وتوهجًا. كم هي محظوظة بهما، لتتمتم بقراءة المعوذات بصوت خفيض لحمايتهن من شرور نفوس من تقع عيناه عليهما.
دَلفت بعد صعودهما بسلام، لتقابلهما بوجهها البشوش وضحكتها الطيبة تستقبلهما بباب الشقة.
"حمد الله على سلامتكم. ربنا يحرسكم من العين."
ألقت "نغم" بنفسها أولًا بأحضان والدتها، فقد اشتاقت لها.
"وحشتيني يا ماما."
تلتها "شجن" بدورها باختلاف طبع كل منهما، لتقبلها باشتياق.
"أخبارك يا "زوزو". وحشتيني."
أغلقت "زكية" الباب من خلفهما، وقد أشرقت ملامحها بحماس وسعادة ممزوجتان ببعضهما البعض، وهي تخبر ابنتيها بهذا الخبر السعيد.
"مبروك يا "شجن". أخيرًا حنفرح يا بنات."
تهلل وجه "شجن" بسعادة، واتسعت ابتسامة "نغم"، فرؤية والدتهن سعيدة إلى هذا الحد، أطلق بمخيلة كل منهما ما تتمناه، لتهتف "شجن" على الفور:
"حنسيب البيت؟"
بينما هتفت "نغم" بحالمية:
"لقيتي العقد؟"
تطلعت "زكية" بوجه كلاهما، فما دار بمخيلتهما بعيد تمامًا عما كانت ستخبرهم به، لتقل حدة حماسها بعض الشيء، ثم أجابتهم:
"لأ... ولا حنسيب البيت... ولا لقيت العقد... دي "شجن" جالها عريس."
لم تكن أحلامهم متعلقة بزواج وهروب من مجهول لمجهول آخر، فـ"شجن" تتلخص أحلامها بأمل وحيد: الخروج من هذا البيت وترك كل مشاكلهم مع عمهم وزوجته وأبنائه خلف ظهورهم، لتردف بإحباط:
"جواز إيه وعريس إيه يا ماما. كان نفسي تقوليلنا خلاص نسيب البيت ده ونمشي."
بينما عقبت "نغم" بهدوء مستكين:
"أو نلاقي العقد ونبيع الشقة ونخلص ونبعد عن مرات عمي وقرفها."
زاغت عينا "زكية" بين بناتها اليائسات، لتجيبهم باستسلام:
"كان على عيني يا بنات. بس من ناحية دي وصية أبوكم إني أحافظ على حقه. ومن ناحية تانية معندناش القدرة إننا نسيب البيت ونسكن بره. مسيرها حتتعدل."
نظرت الفتاتان لبعضهما البعض بتحسر وتملل من البقاء على نفس الوضع، لتدفع "زكية" بحماسها المفتور بسبب إحباطهن، لتغيير مجرى حديثهم والبحث عن أي مصدر للسعادة.
"بقولكم "شجن" جالها عريس... دكتور."
حركت الفتيات رأسهن بهدوء، لتستطرد "زكية" قصها لما حدث اليوم بالتفصيل، وكيف علمت بهذا العريس المنتظر، وسط إنصات الفتيات لها دون حماس يذكر، لتظل تعيد بكلماتها وترسم خطوطًا بالخيال عما سيحدث وزواج ابنتها القريب الذي سيهل بالسعادة أخيرًا ببيتهم.
***
مستبدة أنا والأمر يروقني، عنيدة لا أخضع لأسياد، أشبه غزال لكني في الأصل أسد.
لاح الصباح ليزعج ضوؤه أعين "عهد" المغمضتان بسكون، لتضغط عيناها بقوة، وهي تحاول فتحهما، لتستيقظ من تلك النومة المتعبة.
لحظات لم تدرك بها أين هي وماذا تفعل وسط الغابة، لتتذكر ليلة الأمس ولجوئهم لتلك البقعة ليناما بها.
جلست بنشاط مجبرة عليه، لتمد جذعها للأمام، تحاول التطلع تجاه "معتصم" المستغرق بالنوم.
مستكين هادئ يصل لحد الوداعة، مختلف تمامًا عن صحوته، فهو مثلها شرس، مهاجم، خصم عنيد بالفعل، لا يستسلم بسهولة.
وقفت بهدوء حتى لا تصدر صوتًا يوقظه، لتقترب منه بخطوات رشيقة متسللة، لتنظر نحوه بتمعن، فتحديقه بها على الدوام لم يعطها الفرصة للتحقق من ملامحه كتلك اللحظة.
وسيم بالطبع، لكن به جاذبية نزعت قلبها من بين ضلوعها، ليستقر بين راحتيه بإستسلام، فلم هو من استطاع امتلاك قلبها دون حتى جهد منه.
وجدت نفسها بدون شعور تبتسم بخفة، إنها سعيدة بدقات قلبها المتصارعة تجاه هذا الرجل. حركة فجائية منه جعلتها تنتفض بقوة، إزداد لها دقات قلبها المرتجف، لتقفز مبتعدة عنه حتى لا يلاحظ استراقها للنظر له.
استيقظ "معتصم" بوجه ممتعض من إثر نومته فوق تلك البقعة القاسية، وشعوره بالبرد الذي لا يطيقه على الإطلاق.
اعتدل باحثًا على الفور عن تلك الشرسة خاصته، ليجدها جالسة بعيدًا عنه، غير منتبهة له بالمرة.
استقام متقدمًا نحوها، ليرى فيما انشغلت متوحشته، قائلًا بصوته الشجي الذي يغلبه النعاس بعد:
"صباح الخير."
اصطنعت عدم الاهتمام، لتجيبه بثبات غير ما تشعر به من اضطراب:
"صباح الخير. ناموسيتك كحلي. إيه مكنتش ناوي تصحى؟"
قالتها مستنكرة، لتحفز رده المماثل:
"مستعجلة على إيه يعني؟ وراكِ الديوان!"
زمّت فمها بامتعاض، وهي تنهض واقفة، لتتقدم الطريق دون دعوته، وهي تتمتم بصوت مسموع:
"صحيح هو أنا بكلم مين... ما إنت لا تعرف ليل من نهار. الصبح عندك بعد العصر. يلا نشوف الكوخ المنيل ده راح فين."
كلماتها اللاذعة وتقدمها الواثق، جعلاه يتبعها بابتسامة، فقد أحب طريقتها المتصادمة معه، ليهتف بها بحدة رغم استمتاعه بذلك:
"طالما حنكمل مع بعض، يا ريت الأسلوب يكون أحسن من كده. بلاش تستفزي لساني، لإنك مش قده."
تشدقت برقبتها، رغم موافقتها لطلبه، إلا أنها لم تظهر ذلك، ولن تنطق بالموافقة بتلك السهولة.
"والله اللي تقدر عليه... اعمله."
نطقتها بتحدي، لكن بقرارة نفسها ستحافظ على لباقة حديثها معه، فلا داعي لهذا السخط والحدة طوال الوقت. أكمل "معتصم" سيره إلى جوارها، وأوقات عدة يتخطاها، فهو لم يعتاد أن تعطيه فتاة أمرًا، أو يتبع أحدهم أيًا كان.
بعد سير لفترة من الوقت، توقفا بمكان متسع بين الأشجار التي تحيط ببئر. جال "معتصم" بعينيه خلال هذا المتسع الدائري، يحاول الوصول لوجهة هذا الكوخ الذي لا يستطيعان الوصول إليه.
"الظاهر إننا بنلف في نفس المكان. أنا رأيي نستريح هنا شوية، ونحاول نشوف الاتجاه اللي حنمشي فيه."
إيماءة خفيفة بعينيها كانت إجابتها، فهي تود البحث بالفعل عبر شبكة الإنترنت، ربما تستطيع تحديد مكان الكوخ عوضًا عن تخبطهم بطرق مسدودة.
جلس "معتصم" فوق إحدى الصخور، مستندًا بظهره إلى حافة البئر، بينما أخذت "عهد" تبحث عن صخرة مماثلة لتجلس عليها.
توقفت لبرهة، تنظر عبر كثافة فروع الأشجار، لتحدق بينها بقوة، فقد خُيل لها أنها ترى أحدهم يتحرك من خلف الأشجار.
حركة لم تدرك ماهيتها، لكن على ما يبدو أن هناك شخصًا ما، أو شيئًا ما، يتبعهم.
***
بيت عائلة الأسمر.
تغيرت. نعم، رغم صمتي وانعزالي، رغم أني فضلت السكون، إلا أنني قد تغيرت. لم يعد قلبي هو قلبي، فقد تبدل لعضو ينبض ليعيش، فرغ إحساسه وصمتت لهفته. وإن سألوني يومًا لما تغيرت، سأجيبهم لأنني تأذيت أكثر مما أستحق.
منذ ذلك اليوم الذي تعمد به "ع
رواية ظننتك قلبي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم قوت القلوب
حينما يرفع الستار وتسرق أبصارنا بعذوبة المشهد لكننا لا ندرك بعد ما يدبر خلف الكواليس ، تلك قصة لا يدركها إلا من يُسدِل الستار نفسه ...
خداع يجذبنا بلطفه وإدعاء المحبة يخفى خلفها شروره الخبيثة ، حتى الأذى نظن أنه صدفةً لكن عن تعمد يظهر للعلن ...
أقوى الصراعات تلك التي تتصارع داخل نفس واحدة ، تخبط بين جانبين متناقضين تمامًا ، فها هي "عهد" تعود لطبيعتها الشرسة الغير مكترثة بما يدور حولها ، تجبر نفسها ألا تبالي ، جانب طالما إعتادت عليه وأتقنته ببراعة حتى ظهر هذا الجانب الدخيل عليها ، جانب مضئ بدأ يتسلل لداخل قلبها الذى تناست وجودة حتى أعلن أنه مازال حي بداخلها يتضارب بدقات مسموعة لا تستطيع السيطرة عليه لكنها إستطاعت وببراعة عدم إظهار الأمر ...
فرض قوتها على إظهار مشاعرها كان له الغلبة لكن هذا الصغير الذى ينبض بداخلها مازال يصارع ويراوغ عقلها للوصول وإثبات أحقيته بالحياة ...
جلس "معتصم" يعبث بهاتفه باحثًا عن إشارة جيدة للوصول لشبكة الإنترنت فيما أخذت "عهد" تبحث عن صخرة مناسبة للجلوس عليها حين لاحظت حركة غريبة خلف أغصان الأشجار الكثيفة ، أخذت تتمعن بعسليتيها الحادتين لإكتشاف من هو بالقرب لكنها لم تجد شيئًا فيبدو أنها لم تنتبه جيدًا وتوجست بلا سبب لذلك ..
وجدت جذع شجرة مقطوع تستطيع الجلوس عليه لتحمله تجاه البئر لتجلس بروية فوقه ممسكة بهاتفها للبحث عن طريق شبكة القمر الصناعي عن الكوخ ..
إستطاعت بمهارة شديدة التوصل إليها وتحديد موقع الكوخ بشكل متقن عن طريق الولوج إلى الخرائط المحفوظة به ...
كان "معتصم" منهمك أيضًا بالبحث عبر هاتفه بتركيز شديد حتى أنه لم ينتبه لـ"عهد" التى رفعت رأسها تطالعه منذ بعض الوقت ..
وللمرة الثانية شعرت بأن هناك من يحوم حولهم من خلف الأشجار ، تمعنت مرة أخرى حتى تتأكد من ذلك وأن الأمر ليس من وحي خيالها تلك المرة أيضًا لتدقق نظرها بصوب معين لتلاحظ حركة غريبة ...
فاجئتها رؤيتها لـ"كاتينا" ، تلك الشقراء التى يبدو أنها لن تتخلص منها ، ثبتت مقلتيها بتلك الباهتة التى بالتأكيد عادت لتسترد ما تظنه حقها بـ"معتصم" ...
مكان ساحر وسط الطبيعة يبعث على الرومانسية وتلك العاطفة التى لابد وتتجلى بأعين الشقراء فهي بالتأكيد على وشك رؤية مشهد عاطفي جياش الآن ...
ضغطت بأسنانها بقوة فوق شفتها السفلى وهى تزداد حنقًا لتلك المشاعر التى عصفت بها ، إنها مشاعر الغيرة التى دبت بقلبها ، لكن عقلها أخذ يحفزها بالثبات وأن تتعامل مع الأمر بقوة وعقلانية فما عليها سوى الصمت والترقب ..
تقدمت "كاتينا" بخطوات خفيفة متعجلة صوبهم لكن "عهد" لاحظت نظرة مغايرة بأعينها الزرقاء ، لم تكن نظرات تلهف وعاطفة كما كانت تظن ، بل هي نظرات يملؤها الكراهية والشر ..
من خِفة خطواتها ظنت أنها تحلق فوق الأرض دون لمسها لتتسع عينا "عهد" بفزع حين أشهرت "كاتينا" سلاحها الناري تجاه "معتصم" الغافل عما يحدث ...
بيت النجار (شقة فريد النجار ) ...
دَلفت "حنين" على عجالة تاركة باب شقتها مفتوحًا من خلفها فهي لا تغلقه في العادة لتراقب القادم والمغادر من البيت تحت أبصارها حتى لا يغيب عنها أمرًا تجهله من خلف ظهرها ، حين سألها "فريد" متثائبًا بنعاس وهو يقف بمقدمة الصالة بشعر أشعث ومنامة غير مهندمة ...
- إيه ده ...؟؟! إنتِ كنتِ بره يا "نونه" ...؟؟
زَمَت فمها بإستياء من مظهره المنفر لتزفر بقوة قبل أن تجيبه ...
- أه ... كنت عند أمك ...
- ليه على الصبح ...؟؟؟
سألها بنوع من التقليدية لا أكثر وهو يجلس غير عابئ بمظهره المغثى للنفس ، لتحرك "حنين" رأسها بنفور قائلة ...
- يا أخي قوم غير هدومك دى وروح الوكالة زى الناس ... قاعد تسأل رايحة فين وبتعملي إيه ... يا ستااار ... أنا طهقت ... شوف حتى منظرك فى المراية ... أعوذ بالله ...
إعتدل بجلسته وهو يفتح عيناه الناعستان بذهول قائلًا بنبرة مهتزة ..
- حاضر يا "نونه" ... أنا كنت قايم أهو ... متزعليش إنتِ بس ...
دَلفت "فريد" للداخل لتتشدق "حنين" برأسها تتطلع بذات الإتجاه الذى دلف إليه وهي تخرج حقيبة بلاستيكية من حقيبة السوق خاصتها قائلة بإستمتاع ...
- وأدى كمان شوية هدوم ومكياج من بتاع حماتي ... حاجة كدة أتروق بيهم ...
(مصمصت شفاهها وهي تحلل لنفسها سرقة أغراض والدة زوجها دون علمها كما تفعل بالعادة من وقت لآخر) ..
- هي يعني حتعمل إيه بده كله ... دى عندها هم ما يتلم ... دى عمرها حتى ما أخدت بالها إن فيه حاجة ضاعت منها ... من كتر إللي عندها ...
( نظرت لإنعكاس صورتها بالمرآة بتحسر وغرور بذات الوقت ) ..
- حسرة عليا ... بقى قمر زيي تندفن كدة مع واحد زي "فريد" ... أه يا ميلة بختي ...
تنهدت بتحسر وهى تخبئ الحقيبة البلاستيكية بأحد الأدراج قبل أن تدلف للداخل لتعطي أوامرها لـ"فريد" قبل توجهه للوكالة ...
خرجت "زكيه" لشراء بعض من مستلزمات البيت التى تحتاجها اليوم خاصة بغياب إبنتيها للعمل ..
تتوقت عيناها بسعادة وهي تلتقي بمحض الصدفة بجارتها "أم يوسف" لتتجه صوبها بوجه بشوش ..
- صباح الخير يا "أم يوسف" ..
زاغت عينا السيدة وهي تجيب ببعض الحرج ...
- صباح الخير يا "أم شجن" ...
- دايما كدة نتقابل صدفة ...
قالتها "زكيه" تبدأ به حديثها لتدفع رفيقتها بمجاراتها للحديث عن موضوع الطبيب المتقدم لزواج إبنتها دون أن تظهر أنها تود التحدث عنه حتى لا تقلل من قيمة إبنتها ..
لكن خاب ظنها حينما وجدت "أم يوسف" تتحدث بأحاديث مشتتة دون التطرق للأمر لهذا إضطرت "زكيه" بأن تلجأ لسبيل واحد ، سؤالها مباشرة ...
- صحيح ... بقولك يا "أم يوسف" ... كنت حنسى ... إبقي قولي للدكتور يروح يكلم عم شجن بقى ...
بَهَتَت السيدة وهى توارى عيناها عن "زكيه" بحرج شديد لكنها بالنهاية وبعد تلعثم وتردد أجابتها بما تستطيعه من لباقة لإخبارها برفضه الزوج من إبنتها ...
- والله ما عارفه أقولك إيه والله ... ده أنا وشي منك فى الأرض ... بس أقول إيه ... هو الخسران ... أكيد هو الخسران ...
دقات قلبها المتوجسة و غصة علقت بحلقها وهى تردف متسائلة بشك ..
- خير يا حبيبتي ؟!! ... قولي على طول ...
بَللت "أم يوسف" شفاها بإضطراب لتصمت لوهلة تستجمع كلماتها المتحشرجة قبل أن تبتلع ريقها قائله ...
- أصل اااا ... متزعليش مني إنتِ عارفة غلاوتك وغلاوة بناتك عندي ... بس ... الأمر لله بقى .... حقولك وخلاص ... أهل الدكتور صرفوا نظر عن جواز إبنهم من "شجن" ...
بَرودة إجتاحت جسد "زكيه" لتعلو الدماء الثائرة برأسها لتشعر ببعض الدوار وألم برأسها من أثر إرتفاع ضغط الدم به ، بهت وجهها بصدمة لتجاهد بسؤالها المنكسر ...
- ليه يا أختي ... إيه السبب ... ده هو اللي كان مستعجل ...؟؟!!!!
ضغط ينافي حدود اللياقة بأن تجيبها بما سمعته منهم لتحاول التملص من إجابتها رغم إصرار "زكيه" ...
- خلاص بقى يا "أم شجن" ... مفيش نصيب ... هو يلاقى زى إسم النبي حارسها ...
- قولي بس ... عايزة أعرف إيه إللي حصل بين يوم وليلة ...
إكفهرت ملامح "أم يوسف" بإمتعاض لتجيبها مضطرة ...
- أستغفر الله العظيم ... والله ما أنا إللي بقول ... ده كلامهم هم ... لكن أنا عارفه إنتوا أحسن ناس يا أختى وأنا قلت لهم الكلام ده ... بيقولوا ... يعنى ..أااا ... من غير ما تزعلي مني ... بيقولوا إن "شجن" ماشيه أستغفر الله العظيم فى البطال ...
شهقت "زكيه" بقوة وهى تضرب صدرها من هول ما تسمع ...
- إخص عليهم ... بنتي أنا ....!!!!!!! ده أنا بناتي الشرف كله ... هو فيه زيهم فى الحته ...!!!
مصمصت "أم يوسف" شفاهها وهى تربت بكتف "زكيه" المنفعلة لتكشف عن الأمر كافة لتهون عليها مصابها بسمعة سيئة تنال بناتها ...
- والله وما ليكِ عليا حلفان قولت لهم كدة ... هو فيه فى كمالهم ولا أخلاق بناتك ... بس تقولي إيه ... هي مرات عمهم العقربة .. هي إللي راحت للست أم الدكتور وفهمتهم كدة ...
( ثم إستكملت بتصحيح وإخلاء ضميرها من شهادة حق ) .. لكن أنا والله مسكتش وقلت لهم اللي يخلص ضميري من ربنا ... بس هم قالوا وعلى إيه ... نبعد عن الشر ونغنى له ...
نَكَسَت "زكيه" عيناها بإنهزام فهي كانت متيقنة أن ذلك سيحدث فتلك ليست أول مرة يطالهم إفتراء "صباح" عنهم ونشر أكاذيب عنها وعن بناتها ..
حاولت "أم يوسف" ترميم خاطرها المنكسر قائله ..
- والله بكره يجيلهم عدلهم ويجازيكم على صبركم ده كله ... إنتوا طيبين وتستاهلوا كل الخير ... سامحيني يا أختي أنا مكنتش عاوزة أقولك ...
مَنَعَت دمعة إنهزام من السقوط من عيناها وهى تردف قبل مغادرتها على الفور ...
- وإنتِ ذنبك إيه ... كتر خيرك يا "أم يوسف" ... بعد إذنك يا أختى ...
تركتها "زكيه" عائدة للبيت بحيرة وغصة فهل تنجو ببناتها وتترك بيتها وصية زوجها أم تبقى وتتحمل ما فاض الكيل به ، لترضخ بإستسلام لما حدث فليس لها القدرة على مجابهة "صباح" وجبروتها وظلمها لتتؤثر البقاء وإخفاء الأمر عن بناتها فلا داعي لتزيد همومهم وكرههم لهذا البيت بمن فيه ...
سويسرا ..
هل ترى أعيننا ما نراه حقيقة أم أننا نرى ما نود رؤيته ، بأى عين كنا نراهم فالآن فقط رد إلينا بصرنا ...
ركضت "كاتينا" صوب "عهد" و"معتصم" المنشغل بتركيز تام بمحاولة الوصول بهاتفه لشبكة الإنترنت ليغفل عمن تتقدم صوبه بسرعة جنونية كما لو كانت الأرض بساطًا ينطوي تحت أقدامها الخفيفة المتسارعة ..
رفعت سلاحها الناري بوجه "معتصم" توجهه نحوه بأعين يملؤها الشر والدقة بذات الوقت ، لم تكن تلك الفتاة الناعمة البريئة الآن بل كانت تتحرك بخطوات مدروسة تعلم تمامًا ما هي مُقدمة عليه كما لو كانت تدربت على ذلك من قبل فثقتها بحمل السلاح واضحة بدون شك ...
حينما وقعت عينا "عهد" على "كاتينا" أدركت بفراستها أنها ستغدر بـ"معتصم" لتسرع بدون تهاون تطلق ساقيها الطويلتان بركضها السريع وجسارة لا حدود لها ، كانت قوية مهيبة لم تخشى هذا السلاح المصوب تجاههم وربما كانت لتتلقى الرصاصة دون خوف أو خشية من الإصابة أو الموت ...
أطلقت صيحة صارخة وهي تركض لتعود لتلك الشخصية الشرسة المتوحشة التى كادت تضمحل منذ مجيئها لتلك البلدة ، صيحة أفزعت "معتصم" المنهمك بجهازه دون الإنتباه لما يجري حوله ..
رفع "معتصم" رأسه بإندهاش تجاه "عهد" المندفعة ليظن أنها تندفع تجاهه لكنه سرعان ما أدرك أنها لا تقصده حينما عبرت من جواره ليتبع الإتجاه الذى ركضت نحوه ليحاول إدراك ما يحدث دون أن ينتبه ..
كانت "كاتينا" تركض بإتجاههم بينما قابلتها "عهد" بالإتجاه المضاد ، كلًا منهما تركض بقوة وشراسة نحو الأخرى حتى أصبحت المسافة الفاصلة بينهم أمتار قليلة ، أثنت "عهد" جذعها بقوة مستكملة إندفاعها نحو "كاتينا" لتزيد من سرعتها بقوة كفهد أسود وجد ضاريته ، إقتحمت حيز "كاتينا" بكتفها لتدفعها من بطنها تجاه الأرض وهي تتشبث بكلتا زراعيها حول خصرها بأعصاب قاسية من فولاذ ..
تلك الصدمة أسقطت السلاح من كف "كاتينا" قبل أن ترتطم أرضًا بالأرض الموحلة و "عهد" معها حيث طبقت بجسدها الطويل فوقها وبالطبع كانت لها الغَلبة في الجسم والقوة ..
حاولت "كاتينا" الدفع بجسد "عهد" المستقر فوقها تحاول التخلص من ثقل جسدها القوى فهي لم تكن تظن أنها تتحلى بهذه القوة مطلقًا ..
إحتدت زرقاوتيها بلؤم وحقد تجاه "عهد" وهى تنهرها بقوة ظهر بها عدوانية وغضب كما لو أنها تبدلت بإنسانة أخرى تمامًا ..
صرخت بها "كاتينا" بحدة ...
- إبتعدي عني أيتها البلهاء ...!!
كيلت لها "عهد" لكمة قوية وقد عقصت بوجهها بملامحها الغاضبة مستنكرة من أين تأتي بهذه القوة وهي ملقاة أسفلها بهذا الشكل ، من أين لها تلك الجرأة والمناكفة ، ألكمتها "عهد" بكامل قوتها قائله ..
- إخرسي يا متخلفة ... بقى أنا هبله ...!!!!
لكن يبدو أن الطبيعة هذه المرة ساعدت "كاتينا" وتحالفت ضد "عهد" لتنزلق ركبتها التي كانت تستند عليها فوق الوحل لتهبط أرضًا لتسنح الفرصة لـ"كاتينا" بالتملص من أسفلها و الإعتدال وقد إعتلت عيناها نظراتها الشرسة تتطلع نحو "عهد" و قد تهدجت أنفاسها بقوة فـ"عهد" بالفعل خصم قوي أقوى منها وأكثر حدة وشراسة .
نهضت "كاتينا" بسرعة وقد تلاحقت أنفاسها لمصارعتها مع "عهد" التي تفوقها قوة وجسمًا لم تكن تظن أن تلك البلهاء ستتصدى لها مطلقًا فقد أساءت بتقدير قوتها ولم تتوقع أن تواجهها خاصة وهي من تحمل السلاح .
دفعت "كاتينا" بـ"عهد" وهي تحاول نهرها بقوه لتبعدها عنها مردفة بغيظ ...
- إنك لمجنونة بالفعل ...!!!
- أنا مجنونة ... طب أنا حوريكِ الجنان على أصوله ...
لم تعطي "كاتينا" نفسها فرصة لإلتقاط أنفاسها حتى ، فسارعت تستدير نحو "معتصم" الذي يبدو أنه هو هدفها الذي تسعى إليه ، وقبل أن تتوجه نحوه جذبتها "عهد" بقوة من ساقيها نحو الخلف لتقع على وجهها مرة أخرى لتزجر "كاتينا" بنفور ...
- يا إلهي ... ألن أتخلص منكِ أبدًا ...!!!
عقصت "عهد" ملامحها بضراوة و هي تجيبها بإستهزاء ...
- تتخلصي من مين يا روح ماما ... ده أنا "عهد مسعود"....!!!
رفعت "كاتينا" وجهها تبعده عن الوحل وهي تلتفت جانبًا لتتفاجئ بلكمة أخرى من قبضة "عهد" أفقدتها توازنها وتشوشت رؤيتها في الحال لتسقط غائبة عن الوعي .
إستقامت "عهد" تنفض يديها وهي تتأكد من تلك الساكنة بأنها قد غابت تمامًا عن وعيها ولا تدري بما يحيط حولها ...
- مش ناقصة غير الصُفر كمان ...
قالتها "عهد" ساخرة من "كاتينا" وهي تحاول الإتزان حتى لا تنزلق بالأرض الموحلة بفعل بقايا مياه الأمطار ..
إشرأبت بعنقها وهي ترفع رأسها بشموخ لإنتصارها عليها ، لكن لكنه إنتصار ملطخ بالوحل ...
هذا الصراع ما كان إلا بضع دقائق أمام أعين "معتصم" وهو يتابع إنقاذ "عهد" له من بين أيدي "كاتينا" وشجاعة ساحقة لم يرها مثلها بأي فتاة على الإطلاق ، لكن ذلك لم يمنعه من التهكم على رؤيتها ملطخة بالوحل ..
رغم إثارتها له بشكل ملفت فحتى تلطيخها بالوحي كانت جذابة فريدة من نوعها كفرسة برية لا يملك حجام لجامها أحد ، إنها إستثناء عن العالم بأسره ..
هتف متهكمًا وقد إرتسمت فوق ثغره بسمة ساخرة ...
- ده بقى إللي بيقولوا عليه نهارك طين ... صح ..؟!!
توسطت خصرها بكفيها وهي ترفع حاجبها الأيمن ناظرة نحو بتهكم وهي تميل برأسها للأمام قليلًا ، هل هذه هي طريقته لشكرها على إنقاذها لحياته لتردف مستهزئة ...
- وحياة .. اااا ....
توقفت عن التوبيخ وهي تراجع نفسها ولسانها السليط ، فعليها ألا تترك العنان للسانها مره أخرى ...
تملكت غيظها بصعوبة حين علت ضحكته الجذابة والتى أظهرت بياض أسنانه مشرقة عن إبتسامة مريحة سلبت به قلبها المختلج فيكفيها أنه بخير ..
لكنه إستطرد يثير مشاكستها ...
- عارفة لسانك ده لو يتلم شوية ...!!
منعت إبتسامتها من الظهور لتجيبه بجمود مصطنع ...
- يعني إنت إللي بتنقط عسل .... ما هو الحال من بعضه ...
إبتسم إبتسامة جانبية فبهذه اللحظة أدرك تمامًا أنهما وجهان لعملة واحدة ، فكلاهما يشبه الآخر و لا يختلف عنه مطلقًا ...
- تصدقي صح ...
وبتلك اللحظة الغريبة على نفسها وجدت ملامحها ترتخي دون تفكير لتنفرج عن شفتيها إبتسامة ساحرة ، إبتسامة حقيقية سعيدة من قلبها لتشق طريقها دون أن تمنعها من الظهور ، بل تركت العنان لنفسها لتبتسم نحوه تلك الإبتسامة التي أشعرتهُ بأنه قد أنجز عملًا بمهمة شاقة لم يشعر مثلها من قبل ، كما لو أن إبتسامة "عهد" هي غايته التي يسعى إليها ...
ما أجمل أن يصبح الحلم واقعًا فربما حان وقت تحقيق الأحلام ، تبادلهم تلك الإبتسامات التى دق لها قلبيهما تناسا بها ما يحيط بهما بهمزة وصال عجيبة بين نظرات عيونهم ، لكن دوي إطلاق نار صدح بالأفق كان له رأي آخر ...
للصمت شفاه وكلمات فحتى الصمت له من الكلمات حكايات تنسج دون النطق بها ، لكن لا شيء أجمل من الصمت عندما تخيب الظنون ، الصمت هو نوعًا آخر من الهروب حتى لو كان وسط الضجيج ...
إتسم هذا المطعم الشعبي بجودة مأكولاته وأصنافه المميزة ليعج بالزحام طيلة الوقت ، لكن هذا الزحام لم يلفت إنتباه هذا الشاب الحنطي الوسيم ذو الوجه المدبب والأعين الغائره المميزة بلونها الأزرق المتوهج يكسو رأسه شعر أسود كثيف بخصلات متهدله بعشوائية فوق جبهته تكسبة وسامة وحُسن ، إنه "رشيد درويش" ...
وقفت إحدى الفتيات الملفتات للنظر داخل المطعم لتسترق نظر جميع متواجدين به إلا "رشيد" الذي لم يلتفت ولم يكترث بوجودها على الإطلاق ، حتى أثار عدم إنتباهه تعجب صديقه "محمد حميده" ليردف بتعجب ...
- غريبة أوي ...!!! إيه يا عم إللي واخد عقلك ... مش عوايدك يعني تسيب الصاروخ من غير كلام ...!!!!
رفع "رشيد" رأسه تجاه "محمد" الذي يميل بوقفته نحوه وهو يجلس خلف الطاولة الخاصة بتلقي الطلبات ليتساءل بعدم فهم ...
- صاروخ إيه ...؟!!
أجابه "محمد" وهو يأشر إليه برأسه ...
- إيه يا عم مش واخد بالك ... مش شايف إللي قدامك دي ...؟؟؟
زَم "رشيد" فمه جانبيًا مجيبًا بملامح حزينة للغاية ...
- خلاص يا "محمد".... إللي في القلب في القلب ...
عقد "محمد" جبهته مستنكرًا رد فعل صديقه الغير معتاد ...
- جرى إيه يا "رشيد"...؟!؟ من إمتى يعني ...؟!! إيه إللي غيرك كده ...؟؟؟
تنهد "رشيد" بقوة ثم زفر ببطء لما يحمله قلبه من ثقل ..
- مش عارف حاسس إن الدنيا كلها قفلت في وشي ...
دفعه "محمد" بأصابعه ليفيقه من حالته العجيبة التى تملكته ...
- يا عم فكك بقى ... عيش حياتك إنت هتفضل واقف زي ما إنت ... ؟؟! خلاص إللي باعك بيعه ...
تطلع إليه "رشيد" بزرقاوتيه يلومه بإستنكار ...
- حاسس بندم .... حاسس إن أنا إتسرعت ...
قلب الشاب شفته السفليه بتهكم وهو يحدث نفسهم مبتعدًا عنه ..
- ده حيعمل لنا فيها مستقيم ... !!!!
تابع "رشيد" عمله دون الإلتفات لتمتمة صديقه أثناء مغادرته ، فهو بالفعل لم يكن بهذه الإستقامة وبهذا الشعور بالندم من قبل ، لكنه لم يدرك خسارته إلا الآن فقط ، فلم يكن يظن أنه سيندم إلى هذا الحد ...
حي النعماني (المستوصف) ..
كما جرت العادة جلست "شجن" تتجاذب أطراف الحديث مع صديقتها "رؤى" فالعمل غالبًا اليوم كبقية الأيام الماضية لا يوجد بها ما يذكر مما يسمى بضغط العمل فأغلب سكان المنطقة يلجأون للمستوصف في بعض الحالات الخفيفة بينما يتجهون لأقرب مستشفى لأي أسباب أخرى ..
تفاجأت الفتيات بصوت هتاف عالٍ جذب إنتباههم لوجود بعض الضجيج الآتى من خارج المستوصف ، تقدم نحوهم المسعف الخاص بالوحدة الصحية وقد إمتلأت نبرته بالإضطراب والقلق حين قال ...
- بسرعة ... قوموا بسرعة ... في حادثة عربية والناس متبهدله بره ...
أسرعتا تجاه المصابين لمساعدتهم ليقع عين شجن على رجل و إثنين من الشباب قد أصيبوا بحادث تصادم خارج المستوصف وتم نقلهم إلى الداخل ..
حاول المسعف مساعدة أحد الشباب المصابين بينما إتجهت رؤى لمساعدة الشاب الآخر ، لم تجد "شجن" سوى إضطرارها للإتجاه فورًا نحو الرجل المسن ، رجل تخطى الستون عامًا ذو وجه مستطيل وشعر خفيف باللون الأبيض الناصع أصيب إصابة بالغة بساقيه وزاده النزيف المنهمر من جرحه الغائر ..
حاولت "شجن" وقف النزيف قدر الإمكان وهي تطمئنه بهدوءها الذي يطفي على شخصيتها القوية ...
- ما تخافش حضرتك .. إن شاء الله حتكون كويس ... ما تقلقش خالص ..
نظر إليها الرجل ثم تطلع نحو ساقيه الممددتان الملطختان بالدماء ثم أجابها بنبرة مهتزة ..
- رجلي ... رجلي يا بنتي ...
ضغطت بقوة على الجرح وهي تبتسم نحوه بذات الهدوء ..
- ما تخافش خالص اهدى بس ..
نظرت "شجن" لرفيقتها والمسعف بنظرة قليلة الحيلة فليس لديهم الأدوات المناسبة ولا المواد الطبية التي تساعدهم لمساعدة المصابين تود النطق (ماذا سنفعل ...؟!!) أعادت بصرها نحو الرجل المسن لتتسع إبتسامتها المطمئنة تجاه الرجل ..
- متقلقش حضرتك أنا معاك ...
هذا أقصى ما تستطيع فعله بهذا المكان فقير الإمكانيات (المساندة) ...
- الموضوع بسيط خالص ... ما تقلقش ..
تشبس بها الرجل بقوة وهو يسحبها من معصمها بترجي ...
- أنا تعبان يا بنتي ... أنا عندي السكر والضغط ... أنا ما ليش حد خليكِ معايا ..
إحساس مختلف و هي تطالع وجه هذا الرجل المسن الذي يشبه إلى حد بعيد والدها الذي فارقهم منذ سنوات بعيده لتشعر بالحنين لفقيدها الغالي ، سندها الذي كانت تعتمد عليه والذي من يوم رحيله أصبحت كورقة هشة بمهب الرياح ، تتلقى العواصف التى تتخبط بها من كل الجهات ..
نظراته المترجيه وصوته الحنون أرجفا قلبها المشتاق لوالدها وسندها لتردف بتأثر نابع من قلبها حقيقة ...
- ما تخافش خالص ... أنا مع حضرتك مش حسيبك خالص ..
إزداد تشبثًا بذراعها وهو يعيد توصيته إليها كمن يؤكد عليها ، ليظهر طبعه المتخوف ...
- بالله عليك يا بنتي ما تسيبيني ...
إبتسمت "شجن" برفق وهي تربت فوق كتفه ...
- حاضر ..
لم يكن بيدها حيلة سوى إنتظار سيارة الإسعاف لنقل المصابين لأقرب مستشفى مجهزة للتعامل معهم ، إلتفتت "شجن" نحو هؤلاء المتطفلين الذين إلتفوا حولهم ينهرونهم لتراخيهم بإسعافهم ...
- ما تشوفوا الناس دى ... إنتوا إيه مفيش فى قلوبكم رحمة ...!!!!
أخذت تدافع عن نفسها وعن زملائها فليس لهم حيلة بهذا المكان محدود الإمكانيات ، و لن تقبل أي ضغط آخر فيكفيها الضغوطات التي تمر بها ...
- لو سمحت بلاش تتكلم في الحته دي ... إحنا هنا مستوصف صغير مش مجهز لحادثة كبيرة زي دي ... وبعدين إحنا عملنا إللي نقدر عليه لحد ما تيجي عربية الإسعاف ....
وبرغم ضآله إمكانياتهم ومساعدتهم للمصابين قدر المستطاع إلا أنهم تلقوا توبيخًا شديدًا من قبل هؤلاء المتطفلين ...
ومع الشد والجذب بينهم كان الرجل مازال متشبثًا بـ"شجن" بصورة غريبة للغاية حين أردف وسط تألمه الشديد ...
- إنتِ وعدتيني مش هتسيبيني ..؟!
أجابته بوعد ...
- ما تخافش حضرتك أنا معاك .. ولو عاوزني أروح معاك المستشفى كمان أنا ممكن آجي معاك كمان بجد والله ...
تهللت أسارير هذا الرجل وهو يطالعها ببعض الشك ...
- إوعي تسيبيني يا بنتي .. ده أنا ما ليش حد ... خليكِ معايا ...
بشعورها المتعاظم للمسؤولية شعرت بأن هذا الرجل يحتاج إلى أحد يطمئنه ويقف إلى جواره فيبدو أنه وحيد للغاية ، يتمنى أن يرافقه أحدهم ويهتم به ، لتجيبه بصدق ...
- أنا معاك ما تقلقش ..
رد بإمتنان شديد ...
- يا ريت يا بنتي يا ريت ...
وعدها له لم يكن وعد عابر تنهي بها تعلقه بها إلى هذا الحد بل كانت على إستعداد تام لمرافقته حتى يأتي بقية أهله أو يطمئن على حاله ...
بعد مرور بعض الوقت حضرت سيارات الإسعاف للنقل الثلاث مصابين إلى المستشفى لتصر "شجن" على مرافقتها هذا الرجل إلى المستشفى كما وعدته بعدما أرسلت رسالة إلى أختها "نغم" أن عليها العوده اليوم للبيت بمفردها وأن تطمئن والدتها عليها ...
شركة بيكو للأدوية ...
يتشابه "رؤوف" مع إخوانه بأنه محب أيضًا للعمل ومجتهد به بالفعل ، خاصةً بهذا المجال الذي يُظهر تفوقه وتميزه ، وحينما يبدأ بالعمل يتناسى كل ما حوله مثله مثل والده وأخويه ...
بيوم عمل جديد تناسى "رؤوف" نفسه أثناء إستلام إحدى الطلبيات الخاصة بالأدوية لينهمك للغاية بكل تفاصيلها ، دنا بقُربه صديقه "حمدي" يسأله ....
- ما قلتش يا "رؤوف".... إنتوا خلصتوا موضوع العفش ...؟!!
إتسعت عينا "رؤوف" بتفاجئ كما لو أن الأمر مُحي تمامًا من رأسه ، ليضرب جبهته بكفه قائلًا ....
- يا خبر !!!! ... ده أنا نسيت موضوع العفش ده خالص ... من آخر مرة نزلت أنا و"نيره" ما إتفقناش حتى إن إحنا نكمل لف على المعارض إمتى ....
ضحك"حمدي" ساخرًا منه ليردف بإستهجان للامبالاة "رؤوف" ....
- دي زمان "نيره" هتولع منك هي هتعديها لك بالساهل ..
بَهَتَت ملامح "رؤوف" حينما إنتبه للأمر ليقوس شفتيه للأسفل قائلًا ...
- طب كمل إنت بقى ... ورايا مكالمة تليفون من الآخر ... ألحق أشتري نفسي ...
ضحك "حمدي" لتخوف "رؤوف" من غضب "نيره" الذى لا ينتهي ...
- ماشي يا حَبُوب ...
أسرع "رؤوف" لخارج مقر الشركة لمهاتفة "نيره" التي لابد وأنها غاضبة للغاية لتناسيه الأمر إلى الآن ، بدأ حديثه معها بمزاح ليتخطى طبعها القاسي وغضبها الغير محدود حينما يخطئ ...
- "نيرو" حبيبة قلبي ... إنتِ فين يا عمري ..؟!! وحشتيني ...
حتى وإن كان يصطنع التودد واللطافة إلا أنها قابلته بإشمئزازها المستمر وتهكمها اللاذع ...
- إنت لسه فاكر ...!!! ده أنا قلت إنك خلاص ... صرفت نظر عن الجوازة أصلًا .. !!!!!
قالتها بسخرية من تأخره حتى الآن ، لكنه أجابها بلطافة و حديثه المعسول ...
- وهو أنا أقدر أعيش من غير "نيرو" ... أنا بس كنت بشوف أنا غالي عندك قد إيه يا روح قلبي ...
- لا والله ...!!!!!!!
خرجت منها بتعجب ساخر ثم أردفت مستكملة ...
- بقول لك إيه يا "رؤوف" ... إتعدل معايا بدل ما أعدلك ... علشان طريقتك دي ما بقتش تجيب معايا ...
- تجيب إيه بس حبيبتي .... ده أنا بتصل أطمن عليكِ ... وأقول لك يلا بينا ننزل و نكملوا مشوارنا علشان نختار العفش بتاعنا ....
تنهدت "نيره" بتملل ثم نطقت ببطء شديد ...
- ماشي يا "رؤوف" ...
شعر "رؤوف" بأنه في معضلة كبرى لتناسيه الأمر ليحاول تداركه باسلوبه اللطيف ....
- خلاص بقى يا "نيرو" أشوفك بالليل تمام ...؟!!
- مستنياك ...
قالتها بعجالة لتنهي المكالمة سريعًا ، بينما وضع "رؤوف" هاتفه بجيب سترته وهو يتساءل بغرابة ، لما قد تناسى هذا الامر الذي لابد وأنه هام بحياة أي شاب ؟!! لم ليس مهتمًا من داخله بهذا الأمر ...؟!! لم يصطنع الإهتمام بخلاف ما يشعر به من داخله ...؟!! فكل ما يتعلق بحياته مع "نيره" يتسم بالفتور ، لا يشعر بالحماس بالمرة للبحث عن أثاث مناسب لبيتهم السعيد ... لماذا ليس متشوقًا .. سعيدًا لوجوده مع "نيره" بذاتها .. ؟!!! ، لم يشعر بأنه متخوف من رد فعلها عن كونه يحبها ويسعى لإرضائها ...؟!!
هكذا تساءل بداخل نفسه ليطلق زفيرًا قويًا قبل أن يعاود عمله لكن من دون إجابة مقنعة بداخله ....
بيت محفوظ الأسمر ....
تنهدت "وعد" بتملل فقد إختارت تلك الحياه بإرادتها ، ربما هي فقط من أجبرت نفسها على هذا الإختيار وليس سواها لكنها بالفعل تشعر بالإنهزام ورفض لتلك الحياة من داخلها ..
يتعاظم هذا الشعور عندما تذكرت تلك الواقعة التي تبدل معها كل شئ ببيت عائلة زوجها ..
فمنذ هذا اليوم مكثت بشقتها ولم تتعامل بشكل مباشر مره أخرى مع "قسمت" و"عتاب" بشكل خاص ..
فلاش باك ...
﴿بتلك الليلة وبعد أن إنتهوا جميعًا من إعداد الطعام جلست تطعم "زين" بنفسها قبل موعد تناول العشاء مع بقية العائلة كما هم معتادون بإطعام الأطفال أولًا ، ربما تناسوا جميعًا ما حدث من "عاطف" من قبل و إتهامها بعلاقة خَفية مع "محب" لكنها لم تنسى ذلك ، لكنها أظهرت تناسيه كالجميع تمامًا ، فجميعهم لم يصدقوا هذا الأمر ولم يعطوا لإتهام "عاطف" بالًا لمعرفتهم بـ "محب" و "وعد" ، وإدراكهم بأن هذا هو أسلوب "عاطف" بالتهرب ...
بتلك الشقة الكبيرة الخاصة بوالدى زوجها جلست "وعد" تطعم إبنها ، بينما جلست "قسمت" تطعم بنات "عتاب" الصغار ...
إنزوى "محفوظ" بولده "عاطف" يستكملان حديثهما بغرفة الصالون المغلقة بعد عودتهم من المعرض مع حرص "محفوظ" بألا يقتحم أحدهم حديثهم الهام ، لكن عندما طال الوقت إتجهت "عتاب" نحو الغرفة تطلب منهم الحضور لتناول الطعام ...
كانت أذناها تعمل أولًا قبل يديها التى رفعتها لتطرق الباب لتتحجر حركتها وهي تسترق السمع عما يتحدثون ، هكذا إعتادت فهي تسترق السمع بجميع الأحوال وكان حظها السعيد أن غرفة الصالون بمنأى عن هؤلاء الأطفال كثيري الضجة بالجانب الآخر من الشقة ...
كلمات قليلة سمعتها قبل أن تقطع خلوتهم السرية دون إستئذان مقتحمة الغرفة وقد فتحت عيناها السوداوتين بإندهاش وربما بصدمة وهي تشير بإبهامها تجاههم كمن تلقي بالإتهام عليهم وقد بدا على ملامحها المنزعجة الغضب ...
- إيه إللي إنتوا بتقولوه ده ....؟؟!!
تفاجئ "عاطف" و"محفوظ" بإقتحام "عتاب" حديثهم بتلك الصورة الفظة جعلتهم بحالة ذهول لوجودها بينهم ، إلتفت "عاطف" أولًا تجاه أخته يرمقها بنظراته الحادة ...
- في إيه يا "عتاب" مالك على المسا داخله علينا بزعابيبك ليه ....؟!!
أخذت ملامح "عتاب" تتجهم بقوة نحو أخيها لتتقد عيناها بوهج منفعل قبل أن تشيح بوجهها عنه دون الإكتراث لحديثه ...
إتجهت نحو والدها وهي تدفع بـ"عاطف" بكفيها تبعده عن طريقها ...
- ملكش دعوة إنت ... أنا بسأل أبويا ... إيه إللي سمعته ده يا بابا .....؟!!!
قالتها بنبرة حادة عنيفة موجهة حديثها الغاضب لوالدها ، تلك الطريقة التي لا يقبلها "محفوظ" كرب هذه العائلة ، لا يتقبل هذا الهجوم الغير مبرر ليصدمه طريقتها المحتدة ...
حتى وإن كان قد تصرف بشكل غير مقبول لدى أحدهم فهو لا يتقبل ذلك مطلقًا ، تطلع "محفوظ" أولًا بـ"عاطف" الذي إستشاط غضبا من طريقة "عتاب" المستفزة والمتجاهلة له فهو لا يعتاد هذا التهميش ليصرخ بها "عاطف" ...
- مش بكلمك يا "عتاب" يبقى تردي عليا ...؟؟!؟
إكفهرت ملامح "محفوظ" وهو ينظر نحو إبنته التي تهاجمه بغضب فليس لها الحق بأن تُعدّل على قرار إتخذه ، تحفزت "عتاب" للرد على "عاطف" لكن تلك المرة زادت بإنفعالها وإحتد صوتها تشاجر أخيها دون مراعاة لوجود والدها بينهم ....
- لا يا شيخ ....!!!!! إعملهم عليا وخدني بالصوت .... فاكرني حخاف ... لا يا أخويا مش أنا إللي أتاكل ....!!!
توسطت خصرها بكفيها وهي تميل برقبتها للأمام بنوع من الإستهزاء تحرك رأسها مستنكرة أفعالهم قبل أن تطلق صوتها الغاضب كصافرة الإنذار متهمة "عاطف" بالطمع ....
- عملتها يا "عاطف" ...!!!! ضحكت على أبوك وعايز تاكل حقنا وتضيع فلوسنا ....
صك "عاطف" أسنانه بغضب ليتعالى صراخه الهادر بها لإتهامها المغلوط له ...
- بس يا غبية .... إنتِ ولا فاهمه حاجه ... فوقي يا "عتاب" و إعرفي بتقولي إيه ... مش أي هري في الكلام وخلاص .... إستنى إفهمي الأول ...
عقدت ذراعيها أمام صدرها مستكملة صراخها بعدوانية وإنفعال شديد ...
- تفهمني إيه ... ؟؟! ما تفهمني يا أخويا ... ولا إنت ماعندكش حاجه تقولها ....
كانت عيناها تتحدث أكثر من فمها فنظراتها المسلطة نحوه تتهمه بالجشع و الطمع بمال والدهم وحقهم به ، زفر "عاطف" بإنفعال وهو يردف بحدة ...
- ما ترد يا بابا .... ما تقول لها إيه إللي حصل ...!!!
لسنوات عدة كان "محفوظ" هو القوي المهيمن على تلك العائله وكبيرها الذي يدير كل كبيرة وصغيرة بها ، شعوره بوضعه بخانة الإتهام وعليه الدفاع عن نفسه ومن قبل من ..؟؟! إبنته التى تربت فى كنفه وفوق ذراعه ، كان ذلك صدمة بداخل نفسه وهو يطالع "عتاب" المنفعلة الغاضبة ، لكنه ظن أن مهما حدث من خلاف فهي إبنته بالنهاية وسوف تهدأ وتنصاع له كالسابق ، ظن أنه حينما يبدأ بالحديث وإيضاح ما حدث سوف تنصت له "عتاب" وتتفهم الأمر تمامًا عندما يطالبها بالهدوء ..
- إسكتي ... أنا حفهمك ... بلاش زعيق على الفاضي وأنا موجود ....
قالها "محفوظ" ببعض الحدة لتصمت "عتاب" مرغمة لكن مازالت عيناها الغاضبتان تطالعانه بنظراتها المتقده ، توقفت عن الحديث مستمعة بإنصات لما سيقوله ...
بدأ "محفوظ" بإستيضاح الأمر لها رغم هذا الثقل الذى جثى فوق قلبه ...
- كان جاي لنا تقرير ضريبي ممكن يحجز على أملاكنا كلها ... خصوصًا وإن شحنة الكاوتش بتاعة فرنسا وقفت في المينا ... ودي كنت حاطط فيها مبلغ كبير جدًا ... وما لقيناش حل غير كده .... المحامي هو إللي قال .... مش أخوكِ ...!!
شهقت "عتاب" بقوة لعدم تصديق ما تفوه به والدها ، مُكذبة كل ما قاله ، متيقنة أن ما فعله هو عن عمد وليس مضطرًا لذلك ...
تطلعت نحوه لوهله بنظرات مخيفة يغلبها البغض والتحدي ، تجلى بعينيها نظرات الغضب تجاه والدها ....
صرخت به "عتاب" بقوة بصورة أفجعته للغاية ، فلم يتوقع أن أحد أبنائه يهاجمونه بهذه الطريقة الفظة ...
- عبيطة أنا .... !!! مختومة على قفايا .... ولاااا ... إنت ظبطتها معاه ؟!! ... أه ما هو إبنك الكبير ... حبيبك ... إللي مفيش على الحِجر غيره ... أنا عارفه إن إنت وأمي بتحبوا "عاطف" أكتر مننا كلنا .... بس إزاي "محب" وافق على التهريج ده ...؟؟!!!
ضم "عاطف" حاجبيه بقوة مستنكرًا ما تتفوه به ليحاول إيقاف سير هجومها الشرس على والدهم ...
- إتلمي يا "عتاب" .... إنتِ إزاي تكلمي بابا بالأسلوب ده ...؟!!
أشارت نحوهم "عتاب" بإبهامها يتأرجح بين كلاهما ....
- أكيد طبختوها سوا ... وعملتوها من ورايا .... بس لأ ... مش أنا إللي يتاكل حقي وأفضل ساكته ....
ثم وقفت بمجابهة والدها تضع عيناها بعينيه ثم دفعته بقبضتها بقوة شعر من صدمته أنها إخترقت قفصه الصدري لتنغرس بقلبه ، هتفت بتهديد وقح بما ستقوم به لأجل إسترجاع حقها ...
- أنا حرفع عليك قضية حَجر وأقول لهم إنك خلاص كبرت وخرفت ... إنت الظاهر إتجننت مش واعي للي إنت عملته ... إللي إنت عملته ده ما يعملوش حد عاقل أبدًا...
تهدج صدر "محفوظ" بإنفعال لما تتفوه به تلك المسماة بإبنته ليهتف بها منفعلًا وهو يشعر بألم يطبق على قلبه من هول صدمته بها ...
- إنتِ إتجننتي يا "عتاب" ... !!!! أنا مهما كنت أبوكِ برضه ...!!!!!!!!
شهقت بحدة وهي تتراجع لخطوة نحو الخلف مستكملة بنبرتها المحتدة وصراخها العالِ بوجهه بصورة لم يستوعبها "محفوظ" بروية لتهتف بإستهجان لأفعاله وخلل عقله ...
- أبويا ...!!!!! أبويا ياكل حقي عشان إبنه .... لااااااااا ... أبويا دي في البطاقة بس ... لكن إللي عملته ده لا فيه لا أب ولا أخ ... فلوسي حاخدها يعني حاخدها ...
إستدارت نحو "عاطف" الذي كاد إشتعال وجهه بحمرة الغضب أن يتوهج بلونه البرونزي المحتقن من تصرف أخته الغير مسؤول لتلقى "عتاب" كلماتها اللاذعة بوجهه ...
- ده إنت طلعت مش ساهل .... !!! يا داهية ..... بقت خليت أبوك يكتب كل حاجة بإسم إبنك المفعوص ... ليه إتعدمنا عن الدنيا ....!!!!!
تناست "عتاب" تماما ان هذا والدها وله قيمته وإحترامه لتصرخ به بإنفعال كما تصرخ بطفل صغير ، لم تكترث لأنه أبيها وأن هذا ماله في الأساس حتى لو أراد ذلك بإرادته ، لتوجه حديثها الحاد الغاضب نحوه ....
- أنا حوريك ... حقي ده حرجعه ... و إنت لا أبويا ولا عايزة أعرفك ... يا ظالم .... يا جاحد ... فلوسي حاخدها ... وحدخلك المصحة ... ده إنت أكيد مخك ضرب ... إنت أكيد مجنون ... هو في حد عاقل يعمل كده .. إنت مش طبيعي ... إنت لازم تخش المصحة تتعالج .. وأنا بقى إللي حدخلك ... وحعرف آخد حقي منكم كلكم ....
قالتها بصراخ بوجهيهما ، لم تُظهر للحظة إمتنانها لما فعله معها وبقائها ببيته بعد إنفصالها وتحمله إنفاقها على بناتها الثلاث ، فهي إبنته ولها الحق ، صدمة هدمت كل ما قام به لسنوات و سنوات ، ظن أنه ينشئ أسرة قوية و إمبراطورية يستطيع قيادتها ، هو الأمر الناهي بها ، ظن أنه لن يخالف أحد أمره ، وأن الجميع تحت طوعه ...
لكنها تمردت وهاجمت بضراوه لم يهمها والدها بل كل ما إهتمت له هو المال وكيف سيضيع من بين أيديها ، إهتمامها بالمال أظهر طمعها وجشعها ، حتى أنها لم تهتم لوالدها الذي إمتقع وجهه باللون الأزرق بعد إنفعال إبنته الصادم الذي جعله يشعر بأنه فشل بتربيتها و فشل بسيطرته عليها ، شعر بألم عظيم يجتاح جانبه الأيسر حتى أن ذراعه تشنجت بألم لم يستطيع تحمله ، حاول "محفوظ" التغاضي عن هذا الألم وسط صراخ إبنته عليه و إتهامها له بالجنون وتوعدها لها بأن تدخله مصحة الأمراض العقلية ...
وبلحظة سقط "محفوظ" أرضًا وهو يمد يده نحوهم دون الإستطاعه بالتفوه بكلمة يطلب منهم اللحاق به رافعًا ذراعه الأيمن مستنجدًا بأبنائه فقد تحجرت الكلمات بحلقه ولم يستطيع طلبها ...
لكن حتى بلحظ سقوطه لم تكترث "عتاب" ظنًا منها أنها مجرد تمثيلية يدعي بها الإعياء والمرض حتى تغفل عما فعله وتتراجع عن عما ستفعله ، وربما فعل ذلك لتسامحه على تسجيل كل أملاكهم بإسم "زين" إبن "عاطف" تهربًا من الضرائب ... أسرع "عاطف" بإسناد والده بقلق حين جثى فوق إحدى ركبتيه يسند رأس والده "محفوظ" فقد زاغت عيناه بقلق ...
- مالك يا حاج حاسس بإيه ...؟؟؟
رغم تحشرج الكلمات بحلقة إلا أنه أخرج كلماته المتقطعة بنبرة متألمة للغاية ....
- بموت .... بموت .... إلحقني يا "عاطف".... إلحقني ....
لوحت "عتاب" بكفها في الهواء بسخط وعدم إكتراث من تصرف والدها الصبياني لتترك الغرفة وهي تغمغم بصوت عالٍ ...
- بلاش بقى تعمل الحبتين دول عليا ... أنا فاهمه كويس إنت وهو ... بلاش التمثيل ده .. قوم قوم و بطل تمثيل ... أنا فهماك ... ما تفكرش إني ممكن أتنازل عن حقي أبدًا .. أنا حوديكوا في داهيه إنتوا الإتنين ...
خرجت من الغرفة وهي ما زالت تغمغم بصوتها العالِ بسخط شديد تريد أن تسقط إنتقامها من "عاطف" ووالدها لتجد "وعد" أمامها مازالت جالسه تطعم صغيرها ، حدجتها "عتاب" بنظرات لم تفهمها ثم أردفت بتقزز ...
- كله بسببك ... كله بسببك إنتِ يا بنت "مسعود" ... كله منك ... بس أنا وإنتِ والزمن طويل ...
قضبت "وعد" ملامحها بدون فهم وهي تحرك رأسها بإستفسار ...
- قصدك إيه ... بتقولي إيه ....؟!؟؟
مالت "عتاب" بجزعها تجاه "وعد" متوعدة إياها بأعين قاسيه ونبرة مخيفه أثارت الفزع بنفس "وعد" المرهفة ...
- عارفه لو طلعتي إنتِ السبب هعمل فيكِ إيه ....؟!! أنا حاكلك بإسناني .... إنتوا الظاهر ما تعرفوش مين هي "عتاب" ....
رفعت "وعد" كتفيها وأهدلتهما بدون فهم قائله ...
- أنا مش فاهمة حاجة ...!!!!
رفعت "عتاب" جذعها للأعلى متشدقة برأسها متجهه نحو غرفة "محب" تخبره بما فعله والدهما ، فلابد أن ما حدث لن يرضيه بالمرة ، وبالتأكيد ليس لديه علم به فهو لا يهمه إلاً مصلحته فقط وعليه مساعدتها في إرجاع حقهم الضائع ...
أسرع "عاطف" نحو الخارج يطلب من والدته اللحاق بوالده الذي سقط أرضًا ...
- إلحقي يا ماما أبويا واقع في الأرض ومش عارف يتنفس ...
تركت "قسمت" إبنة "عتاب" التي كانت تطعمها لتلحق بـ"عاطف" الذي ركض عائدًا بإتجاه غرفة الصالون للاطمئنان على زوجها فهي لم تنتبه لما يحدث ...
إستوقف "عاطف" "وعد" التى لحقتهم بدورها قائلًا ...
- رايحة فين ...؟!!
أشارت "وعد" نحو غرفة الصالون بتعجب ...
- رايحة أطمن على عمى ...!!!
أشر "عاطف" برأسه بإتجاه إبنه "زين" الذى شعر بالقلق عليه مما حدث ليتخذ الأسلوب الأمثل الذي لابد وأن "وعد" ستنصاع إليه لتنفيذ أوامره دون إيضاح ما حدث من "عتاب" ليصرخ بوجهها بإقتضاب وغضب شديد ...
- حتاخدي إبنك وتطلعي على شقتك فوق ... ولا تنزلي هنا ولا تتحركي من مكانك ... حتى الأكل والشرب حيبقى عندك فوق ... لو سمعت حتى إنك عملتي غير كدة حتبقي طالق مني بالتلاته ...
رغم غضبه و سخطه وإهانته وضربه لها إلا انه لم يلقي عليها ولو لمرة بيمين الطلاق ...
خشيت من أن يقع هذا الفعل الشنيع عليها وتحمل اللقب الذي طالما تخوفت منه أومأت "وعد" رأسها عدة مرات بتخوف تخوفًا من أن ينفذ تهديده لها بالطلاق ، لتحمل ولدها و قد إرتجفت من داخلها لتسرع نحو شقتها دون فهم ما يحدث ، بينما عاد "عاطف" لوالده الذي إحتقن وجهه بشده لتخبره والدتها والدته بأن عليه الإتصال بالإسعاف فوالده ليس بخير إطلاقًا ...
وكانت تلك المرة الأخيرة التي خطت بها "وعد" شقة والدى زوجها لتبقى منذ ذلك الحين منفصلة تماما بشقتها لا تتعامل مباشرة مع "قسمت" أو "عتاب" ....
رجفة وإهتزاز قوي تلاه سكون تام ، ترى من المصاب ؟؟! ومن مازال على قيد الحياة ؟؟ هل كان ذلك دوي إطلاق نار ؟!
لحظه صمت لم تدم طويلًا حين إستدارت "عهد" للخلف تجاه "كاتينا" بأعين مندهشة متسعة عن آخرها ، بينما حدق "معتصم" بقوة تجاه تلك الشقراء التي إستعادت وعيها لتحمل سلاحها الناري تضربه بالهواء لينتبها لها بعدما تناسيا وجودها تمامًا ..
تلك الطلقة النارية هي التي جعلتهم ينتبهون لتلك الضئيلة ، وما الذي ستخسره فهي الوحيدة التي تملك القوة الآن بحملها للسلاح ، فلما لا تستعرض قوتها به وتحكمها بالأمر و سيطرتها عليهم ، فلهذا شعور رائع بالنشوة يعتريها ، فهي لم تكن تدرك أن شعور السيطره مبهج للنفس بتلك الدرجة ..
استمتاعها وهي ترى وميض أعينهم المضيئة كقطع الألماس أثناء تطلعهم نحوها بنظراتهم الغامضة العجيبة ، لكنها بالنهاية المسيطرة على الوضع فهي التي تحمل القوة بيدها ...
نظرت نحو "معتصم" ساخرة منه ...
- لا أصدق أنك أبله لهذه الدرجة ...!!!
قالتها وهي تطالع "معتصم" الذي لم يتأثر بالمرة من حديثها ، لم يتفاجئ اوغ يعطي رد فعل ، فقط يطالعها بنفس نظرته الجامدة الغامضة التي كانت تراها بعيناه بالكوخ ، تلك النظرة والثبات الذي يتحلى به ...
لتستكمل تستطرد بتفاخر ...
- أعرفك بنفسي أنا "جيسيكا تشواريسكوف" ... عميلة إستخباراتية روسيه أيها الأبله المغفل ... لقد علمنا بتصميمك الفريد لهذا البرنامج الذي يمكنه تشغيل المفاعلات النووية الموقوفة .... وبسهولة للغاية ... وبسذاجة غير معقولة منك ... فأنت من يظهر كشخص غامض صعب المراس ... إستطعت أنا .. ها .. وبسهولة أيضًا الحصول عليه ... وأيضًا حصلت على مبلغ مالي باهظ للغاية من الطرف الذي رفضت أنت الإتفاق معه ... أي أنا رابحة بكلا الإتجاهات يا عزيزي ...
قالتها بغرور وقد علت ضحكتها التي محت تمامًا وجهها البريء ، ذلك القناع الذي كانت تستند خلفه ، أكملت برغم صمتهم التام تظهر تباهيها بما فعلته أيضًا ....
- و الأكثر من ذلك هي تلك المغفلة التي شاركتنا الكوخ لأيام ... لتسمح لي التحرك والتخطيط دون أن تشك بأي تصرف من تصرفاتي نحوك .... حتى حين حاولت قتلك تلك الليلة حين فصلت الأضواء جميعها ... تصدت لي "أهد" حين دفعت السكين من يدي ليسقط أرضًا قبل أن تضيئ المصابيح ... لهذا وجب علي إلصاق التهمة بها ... وأنها هي من كانت تحاول قتلك حتى تغفل عني و أُبعد الشك عني ...
نظر "معتصم" بإتجاه "عهد" بجانب عيناه فقط ليدرك الآن أنها كانت تحميه من غدر "كاتينا" وليس العكس ، فمنذ مجيئها وقد قامت بدور الحامية له دون أن يدري ...
لم يظهر تأثره بل عاد يقاتمتيه تجاه "كاتينا" ومازال متحليًا بالصمت دون حياد عنها ليتركها تستكمل حديثها حين إستطردت قائله ...
- كان لدي أمر بالتخلص منك بعد حصولنا على البرنامج ... فوضعت لك الحبوب المنومة بالقهوة ... لكن سكبتها تلك السخيفة بتصرفتها الهوجاء ... حينها أنت أخبرتني بقلقك منها ... وتخوفت من أن تقوم بقتلنا ... لهذا كان علي أن أصطحبك لأكثر الأماكن أمانًا ... إنه البيت الأمن للإستخبارات الروسية ... والذي لا يعلم أحد موقعه مطلقًا .... أنا من أشعلت النيران به ... و كدت أن أفوز ... لكن كالعادة كُتب لها عمر جديد ... وإستطعت الهرب من بين النيران المشتعلة .... حتى أنه لم يصبك خدش واحد ... إنني بالفعل متعجبة من ذلك ...
تطلعت "كاتينا" بسخرية تجاه "عهد" ثم عقدت وجهها بإشمئزاز ...
- يا لك من متطفلة .... !!! أفسدتي عملي .... لكن هذه المرة لن أخطئ أبدًا ... والآن ستنتهي حياتكما على يدي أنا ....
وجهت "كاتينا" المسدس تجاه "معتصم" أولًا لتتخلص منه ، و بثبات شديد رفعت إصبعها السبابة لتضغط على الزناد ...
لحظه دوي بها صوت مهول لإطلاق الرصاص مرة أخرى ، لكن المفاجئ لم يكن سقوط "معتصم" ، بل كانت "كاتينا" التي تلقت رصاصة بين حاجبيها بدقه تصويب قناص بارع ...
بعينين متفاجئتين وإنبهار لدقة هذا التصويب تطلعت "عهد" بإتجاه "معتصم" الذي كان يقف شامخًا تعلو عيناه نظرات حادة للغاية وهو يبسط ذراعه الأيمن بثبات منتهيًا بقبضة على مسدس بمهارة شديدة ...
ملامحة الجامدة الجادة ودقته بالتصويب البارع كان باهرًا لأعين "عهد" بصورة لم ترى مثلها من قبل ، حتى هي القوية التى لا تتأثر أعجبت لبراعته وثباته أيضًا ...
تنفست بقوة لعدة مرات قبل أن تدنو بخطواتها بإتجاه "معتصم" ، لكن لاح تساؤل أهم برأسها فقد تفاجئت بحيازته لهذا السلاح الناري ، وظنها أيضًا أن "كاتينا" كانت متفاجئة بالفعل قبل مقتلها من وجود مسدس معه ...
لتنطق "عهد" أخيرًا بتساؤلها الأهم من معرفة حقيقة "كاتينا" وسعيها لقتلهما والذى يزخم رأسها ...
- إنت إزاي ضربتها بالدقة دي ...؟!!! إنت أصلًا جبت المسدس ده منين و إزاااااى ....؟!!!!!
رواية ظننتك قلبي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم قوت القلوب
لا شيء أوضح مما يحاول الإنسان إخفائه ، هناك صورة تخدع الأعين أحيانًا لكن الحقيقة تغلب بظهورها ، فحتى وإن حاولت الظهور بمظهر عادي فلا تنسى أنك ياقوت أسود ، حجر مميز لا يمكنه أن يتواري بسهولة ....فالذهب يظل ذهب والياقوت يظل ياقوت ، والتراب يظل تراب ..فمهما حاولت إخفاء حقيقتك إلا أن الأصل غالب ...
ثبات قوي ، حدة وبراعة وقوة ، ذلك الشموخ الذي لابد أنه متأصلًا به ، لا يدعيه بالمرة ، وقف "معتصم" بوجهٍ صارم يتطلع نحو "كاتينا" التي أُرديت قتيلة بلمح البصر ، كما لو كان قناص بارع ، لم يهتز ذِراعه ولم يُخطئ هدفه ، زاغت عين "عهد" نحو "كاتينا" أولًا حينما سقطت بدون حراك ثم عادت بعينين مدهوشتين تجاه "معتصم" وقد إتسعت مقلتيها بإندهاش ...
تفاجئ وصدمة غير متوقعة سببت لها حالة من التشويش لكنها عادت لتركيزها لتسأله بشك ...
- إنت إزاي ضربتها بالدقة دي ...؟!! و إنت أصلًا جبت المسدس ده منين ... ؟!!
هي تدرك جيدًا أنه لم يكن يحمل أي سلاح فمن أين أتى به ...؟!
تحركت مقلتيه أخيرًا لينظر تجاهها بنظراته العميقة ، تلك النظرات التي أثارت تساؤلها منذ رؤيتها له ، ليزداد غموضه كلغز صعب الحل أجهد عقلها المتقد ...
أردف "معتصم" براحة وهو يزفر بهدوء كما لو أنه لم يسمع تساؤلها المندهش ...
- شكرًا على إنقاذِك ليا منها ..
بجمود حاولت "عهد" إظهار ثباتها رغم تشتتها بمشاعر مضطربة تجاه هذا الغامض ، أجابته بعملية ...
- لا ما تشكرنيش ... ده واجبي ...
إجابة غامضة للغاية لكن ملامحها كانت هادئة بشكل يسير القلق وهو يجيبها بهدوء أعصاب وبرود تام ليس كمن قَتل منذ لحظات ...
- لا مش واجب ... تعرفي إنك عامله زي البحر بعيدة أوي ... وعميقة قوي ... ممكن لو حد على الشط ما يعرفش أبدًا إيه إللي جواه ...
هزت "عهد" رأسها بعدم إدراك لمقصده لتجيبه متسائله ...
- قصدك إيه ...؟!!
إستدار بكامل جسده نحوها مجيبًا إياها بوضوح ...
- قصدي إن ورا قناع الدبش ده ... والسواد إللي إنتِ معيشة نفسِك فيه مخبيه حد ثاني جواكِ ... حد ضعيف أوي ... حد مش عايز تظهريه ... إنتِ مختلفة بشكل عجيب ..
رغم إصابته للحقيقة وهشاشتها التي تخفيها بداخلها إلا أنها تعاملت مع الأمر كمجاملة لا أكثر ...
- شكرًا برضه ... عارفة إنك بتجامل ... أنا عارفه نفسي كويس .. بس ده مش حيشتتني ولا أنسى اللي عايزاه ... وهو إني أعرف إنت ده جبت المسدس ده منين ...؟؟! وإزاي إنت بتضرب بالدقة دي ... زي ما تكون واخد على التعامل مع السلاح ...؟؟!
بطريقته الغير واضحة ، لم يحبذ إيضاح الأمر لها ليجيبها مشتتًا إياها ...
- سيبك من المسدس ... أنا عاوز أقول لِك أن أنا فعلًا منبهر بيكِ ... أنا طول عمري مفيش بنت لفتت إنتباهي بالشكل ده ... على فكرة إنتِ جميلة .. و بشكل يخوف كمان ...
إستطاع بسهولة تشتيتها وزلزلة كيانها لتقف كالطفله التي وقعت بحيرة ، خاصة وهو ينتظر منها إجابة ، كيف ؟؟ وهي لا تستطيع أن تجيبه ، إنها تختبر هذا الشعور لأول مرة ، لا تدرك بما عليها التفوه به الآن ...
ذلك الإضطراب الذي جعلها تتشتت بسهوله وتنكس عينها نحو "كاتينا" متهربة من عيناه المحدقتين بها تتمنى لو أن تنشق الأرض وتبتلعها من هذا اللقاء الذي لم تَحسبُ له حساب ...
لم تجد بُدا من إظهار روحها المشاكسة متهربة من كلماته المتغزلة ونظرات عيناه المسلطة نحوها لتشير نحو "كاتينا" ساخرة ...
- ولا بنت لفتت إنتباهك ....!!!! أمال دي إيه ... هدية ماما في عيد الأم ....؟!!
بتهكم إضطر "معتصم" إجابة مشاكستها له ....
- لا دي حكاية تانية خالص ...
تطلع بهيام بعينيها الناعستين حين عادت بهما نحو خاصيته ، ليجد "معتصم" أن الطريق أصبح سهلًا ممهدًا ولن يتراجع عنه الآن ...
لن يترك فتاة مثلها بعد أن ظن أنه لن يجد من تَغلُب قلبه وعقله معًا ....
- أنا واحد شغلي أهم حاجة في حياتي ... إنت لخبطتيني أوي من ساعة ما جيتي ... شغلتي تفكيري بإني إزاي أشاكس فيكِ ... إزاي خليتي طول الوقت إهتمامي الأول يكون بيكِ إنتِ ... مش بالشغل إللي واخد حياتي كلها طول وعرض ..
زاغت عيناه نحوها وهو يخرجها صريحة ...
- فيكِ حاجة خدت قلبي ...
تنفسها المضطرب وعيناها المتشدقتان نحوه بغير إدراك هل ما تفوه به حقيقة بعالمها الواقعي وأنه ليس محض خيال عابر برأسها ...
نعم بالتأكيد هو كذلك هي لا تعيش لحظات كتلك بالحقيقة حياتها المليئة بالقسوة والعراقيل لا يمكن أن تحظى بهذه اللحظة مطلقًا وبتلك السهولة ...
إحساس جديد ومشاعر مضطربة تتطلب اسلوب رقيق حالمي لا تعتاد عليه ، لا تستطيع أن تكون تلك المرهفة اللينة ....لكنها تفكرت .. ألا يمكنها أن تُحب وأن تعبر عن حبها ؟!! ولم لا يطاوعها لسانها و شفتيها بالتفوه بما تستطيع به إجابة تصريحه ...
إنه لأمر قاس للغاية ، ليس بتلك السهولة تصبح "عهد" أخرى حالمة رومانسية ...إنها خشنة الطباع متحجرة القلب كيف تقول أحبك بهذه السلاسة !!! خاصة وهي التي ترفض تمامًا الإنسياق خلف المشاعر والقلوب ، فمن ينساق خلف قلبه هو الضعيف فقط وهي ليست بهذا الضعف لتنساق خلف قلبها وتخسر نفسها ...
لحظات من الصمت بينهم تصارعت بداخلها تلك الأفكار ، لكن إستطاع "معتصم" بفطنته وذكائه المتقد فهمها فهي ليست كبقية الفتيات يمكنها أن تجيبه بيسر عن مشاعرها نحوه بل بالتأكيد لها طرق أخرى للتعبير ...
لكنه كان سعيد بما صرحه لها ، ووجد أن تلك فرصة لن تعوض ، لكن عليه أن يخبرها عن نفسه التي لا تعرفها أولًا ...
- الكوخ من هنا يا "عهد" يلا بينا ... أنا كمان كنت عايز أقولك حاجه مهمة أوي بس لما نوصل ....
أومأت عده مرات دون رد لترافقه "عهد" بطريق قريب للغاية حتى وصلا للكوخ ...
جلس "معتصم" بالسلم الخشبي خارجه لترافقه "عهد" كذلك ، حتى أن السماء أخذت تصفو بشكل رائع فيبدو أنها أيضًا تتحضر كنفوسهم لحديثهم القادم ...
❈-❈-❈
المستشفى ...
(الخير للخير) ... هكذا قالت "شجن" لنفسها وهي تنتظر الإطمئنان على حال هذا الرجل الذى علمت بإسمه أخيرًا "أيوب"، هذا الوحيد الخائف بعدما تم نقله للمستشفى ...هي تدرك كم أن الوحدة صعبة للغاية خاصة للمرضى ، فالمرء يحتاج للشعور بالإطمئنان لمن حوله بوقت ضعفه وحاجته ، لهذا بقيت فقط لتُشعره ببعض الإهتمام ، إنتظرت كثيرًا فربما يظهر أحد أبنائه أو أقاربه ...لكن ذلك لم يحدث ولم يحضر أحد لتتيقن أنه لهذا السبب تمسك رجل بوجودها ومرافقتها له ..
في وقت لاحق ...
دلفات "شجن" لغرفة "أيوب" بعدما خرج من غرفة العمليات وتجبير ساقيه المكسورتان لم يهمه سوى أن هناك من يسانده لكن ما أصابه فلا إعتراض عليه فهذا قدره وهو مؤمن بالقضاء والقدر ...
تقدمت "شجن" بوجهها البشوش تزيح إحدى خصلات شعرها القصير خلف أذنيها تسأله عن حاله بود حقيقي ...
- حضرتك عامل إيه دلوقتِ ....؟؟!.
رفع "أيوب" عيناه تجاه تلك التي دلفت من الباب للتو لتعلوها بسمة سعيدة فهو لم يتوقع أن تفي بوعدها ، فهو لم يعتاد الوفاء بالوعود ...
وها هي بقيت لتطمئن عليه ، هتف بسعادة ممزوجة بحزن لوحدته التي أجبرته على تسول العطف والمساندة من الغرباء ...
- إنتِ لسه هنا ...؟؟!!! أنا كنت فاكر إنك مشيتي ...!!!
جلست "شجن" بالقرب منه بمودة إبنة بارة ...
- إزاي بس ....؟!! هو مش أنا وعدت حضرتك إني حبقى هنا ....
أردف "أيوب" بإمتنان ...
- كتر خيرك يا بنتي ... والله ما عارف أقولك إيه ... أنا لو بنتي مش حتعمل معايا زي ما إنتِ عملتي معايا ...
هزت شجن رأسها بتساؤل ...
- صحيح ليه ما فيش حد جه لحضرتك ...؟؟!
إبتسم الرجل ببساطة حتى حلت ملامح الطيبة والإستكانة على عيناه ثم أردف بهدوء رخيم ...
- ما بلاش كلمه حضرتك دي أنا عمك "أيوب" ...
إبتسمت "شجن" بصفاء وهي تعيد سؤالها بعد وضع إسمه ليشعر بالقرب والمحبة أكثر بحديثها ...
- هو ليه ما حدش جالك لحد دلوقتِ يا عم "أيوب"...؟!!
- تنهد "أيوب" بحنق ثم أردف بتحسر على حاله ووحدته ...
- أنا وحداني يا بنتي ما ليش حد .... عايش لوحدي .... يلا قسمتي بقى ...
أعادت "شجن" رأسها للخلف وزادت إبتسامتها إتساعًا لتظهر وجنتيها الممتلئتان مضفية على ملامحها عذوبة ولين قلب تخصها بالفعل ...
- لأ خلاص بقى .... عايش لوحدك إيه ... من النهاردة إنت مش وحيد خالص ... بنتك "شجن" حتسأل عليك وتاخد بالها منك ....
لاحت بسمة إمتنان على وجه هذا الرجل الهزيل فكم مازال خير الدنيا يطفو فوق بحور الشر الذي يموج بها ليجيبها بتقبل سعيد رغم ألم ساقه التى إشتدت عليه ...
- ااه ... ده أنا يشرفني أن يبقى لي بنت زيك ... كفايه قلبك الأبيض ده ...
ثم إبتهل بالدعاء لها بمحبة غُرست بقلبه تجاه تلك الفتاة ...
- ربنا يراضيكِ ويسعد قلبك الأبيض ده ... ويفرحك زي ما فرحتيني بوجودك يا بنتي ...
- أمين ... إنت حاسس بإيه دلوقتِ يا عم "أيوب"...؟!!
أجابها الرجل ببعض التوعك متحملًا إحساسه بالألم ...
- والله تعبان يا بنتي بس التعب كله بيروح لو بصيت في وشك الحلو ده ...
كم كان مشتاق لمشاعر الأبوه كما كانت هي أيضًا بحاجة لتلك المشاعر التي حُرمت منها منذ سنوات قاسية ...
تلك المشاعر الحانية التي تُربت على قلبها المفعم بأثقال ضيقه ...
- شكرًا يا عم "أيوب" ...
رغم إعيائه إلا أنها أجابها بتساؤل هي تدرك إجابته ....
- مين فينا إللي يشكر التاني يا بنتي ...؟؟!
أردفت بشقاوة تلوح بعينيها البنيتان بقوة ...
- خد بالك بقى يا عم "أيوب" ... أنا إتأخرت أوي ... أنا حروح دلوقتِ وحاجي لك بكره ... إستناني إوعى تمشي ....
أومأ "أيوب" برأسه بصورة مستسلمة للغاية بينما حلت فوق ثغره بسمة راضية قائلًا ...
- حستناكِ ...
أرادت أن تبث له الطمأنينة والثقة بعودتها ، وأنها حينما تَعِد تفي بوعودها ، أخرجت ورقة من حقيبتها القماشية الرخيصة وقلم لتدون رقم هاتفها قائله ....
خد رقمي أهو يا عم "أيوب" لو إحتجت أي حاجة كلمني على طول ... ماشي ...
أغمض عيناه لوهله ممتنًا لصنيعها معه ثم تناول الورقة من يدها مطبقًا عليها بقوة كغريق تعلق بقشة لتنقذه من الغرق وتعيد لها الحياة ...
غادرت "شجن" بعد ذلك على الفور فلقد تأخرت كثيرًا عن موعد عودتها حتى لا تثير قلق والدتها وأختها عليها فهم لا يعرفون بعد سبب بقائها بالمستشفى مع هذا الغريب ...
❈-❈-❈
بيت محفوظ الأسمر ...
نعم يغريك الشيطان فهذا مقصده ، لكنه لا يقوى أن يجبرك على التصرف ...فما من سوء نفعله إلا بأنفسنا الضعيفة لم نجبر على القيام بها فما للشيطان علينا بسلطان إنما نميل مع الهوى ...
عادت "وعد" بذكراها لتلك الليلة حينما أقلت سيارة الإسعاف "محفوظ" والد زوجها إلى المستشفى ، وأصر "عاطف" ألا تغادر شقتها بينما رافقت أمه "قسمت" وأخته "عتاب" وأخيه "محب" ...
فور أن دلف الجميع إلى داخل المستشفى أخذ "عاطف" يهتف بإضطراب ...
- بسرعة ... بسرعة بالله عليكم ... أبويا حيروح مني ...
لحقه "محب" بأعين قلقة على غير العادة مرافقًا لوالدته التي إنهالت الدموع من عينيها تأثرًا بما أصاب زوجها لتبقى "عتاب" الوحيدة ذات الجمود وقلة التأثر ...
أخذ "محب" يهدئ من روع والدته قائلًا بنبرته الهادئة ...
- إهدي يا ماما ... بإذن الله حيقوم بالسلامة ويبقى كويس أوي ... بابا قوي مش حيقع بسهولة ...
رفعت "قسمت" وجهها تجاه ولدها تتمنى لو أن ما ينطق به حقيقة لتردف بنشيج وسط دموعها الغزيرة ...
- يا رب يا "محب" .... أنا عمري ما شفت أبوك تعبان كده ...!!!!
كما لو أنها مجرد مسرحية هزلية ، وقفت "عتاب" كمتفرجة لها من بعيد وقد تملك الغيظ منها ، حتى أنها لم تشفق للحظة على والدها الذي يرقد بين الحياة والموت ...
تم نقل محفوظ لغرفة العناية المركزة على الفور بعد أن قام الطبيب المناوب بالفحص المبدئي ...
خارج غرفة العناية كان الإنتظار مقلق للغاية خاصة عندما خرج الطبيب ليوضح لهم تشخيص حالة "محفوظ" ....
- إنتم أهل المريض ...؟!!
أجابه "عاطف" بتلهف على الفور ...
- أيوه يا دكتور ... أنا إبنه ....
ذم الطبيب بشفتيه ببعض التأثر ولو أن تلك حالة معتادة يراها بصورة متكررة قبل أن ينطق متحدثًا ووجب عليه إيضاح حالته بصورة عملية للغاية ...
- والدكم للأسف إتعرض لذبحة صدرية شديدة ولازم يقعد في العناية لأن حالته خطيرة جدًا .... مش أقل من 48 ساعة لحد ما تستقر الحالة ...
لحظات من الذهول إعترت وجوههم جميعًا فلم يتوقعوا أن تصل حالته لهذا السوء ، رفع "عاطف" عينيه بنظرات إتهام نحو "عتاب" يلومها بشده على ما أصابه فهي بالتأكيد السبب بما حل به ....
لكن مع نظراته الملُومة إستطرد متسائلًا بتخوف ...
- يعني في أمل إنه يتحسن يا دكتور ...؟!!
أجابه الطبيب بعملية للغاية ...
- كل شيء بإيد ربنا ... إدعوا له وباذن الله ربنا يشفيه على خير .... لكن دلوقتِ الحالة حرجة جدًا ولازم يقعد في العناية بدون أي زعل أو إنفعال ...
تركهم الطبيب ليدنو "عاطف" من "عتاب" التي تعاملت مع الأمر أنه لا يتعدى كونه القضاء والقدر وأن هذا قدره وليس لها دخل بالأمر ....
كز "عاطف" أسنانه بسخط وهو يهمس معنفًا "عتاب" دون أن ينتبه لهما والدته أو أخيه "محب" ....
- شايفه عمايلك عملت إيه في بابا ... إنتِ السبب ...
رفعت "عتاب" حاجبيها بإستنكار وهي تردف بلا إكتراث أو إهتمام "عاطف" لها ...
- ده عمره وده نصيبه ... أنا ما ليش دخل ... وبعدين ما تلبسنيش مصيبة إنت السبب فيها ... وبطل طريقتك دي عشان أنا فاهماك كويس ... أول ما بتتزنق ترمي بأي تهمة على أي حد ... أنا مش "وعد" علشان تعمل فيا إللي بتعمله فيها ... أنا ما بسكتش زيها ...!!
حدجها "عاطف" بنظرات متقده تكاد أن تشتعل توهجًا من شدة غضبه ...
- إنتِ إيه ...!!!! ما عندكيش إحساس .... مش ندمانه حتى على إللي عملتيه مع أبوكِ .. عمومًا مش وقته بس يقوم بالسلامة ولينا حساب مع بعض يا "عتاب" ...
بالزاوية المقابلة وقفت "قسمت" مع "محب" تشعر بالقلق لحالة زوجها الغير مستقرة ، بينما أخذ "محب" يطمئنها قدر الإمكان رغم عدم إلمامه بتلك الحالة الصحية الطارئة التي يمر بها والده ....
- ما تقلقيش يا ماما أكيد أزمه وحتعدي ... بابا عُمره ولا إشتكى من قلب ... ولا إشتكى من أي تعب ... أكيد حاجة بسيطة يعني ...
- أمال بس مقعدينه في العناية ليه ...؟!! ما هو لو كويس كانوا حتى قعدوه في أوضه عادية ... لكن قلبي بيقول لي إن هو مش كويس أبدًا يا "محب" ...
راقب "محب" بعيناه حالة الجدال بين "عتاب" و"عاطف" يود لو يستشف بما يتحدثون فأصواتهم كانت هامسة للغاية لا يستطيع تمييزها بسهولة ، إنتبهت "قسمت" لوجوه كلا من "عاطف" و"عتاب" المتجهمه لتردف متسائله ...
- أخوك و أختك مالهم يا "محب" ....؟!!!
تصنع "محب" عدم معرفته بالأمر ليجيبها محاولًا تشتيتها ...
- ولا حاجة يا ماما ... شكلهم متضايقين بس عشان بابا ...
إنتهاء اليوم بعودتهم جميعًا إلى بيت العائلة بينما ظل "محفوظ" نزيل المستشفى لا يعي بما حوله محاط بالأجهزة التي تساعده على تخطي تلك الأزمة ...
لا شئ أسوء من الفُجر في الخصومة ، فهناك تصرفات تزيدك قناعة بأن البُعد أجمل ، فالنزاهة بالخصومة شرف ...
لم تنتهى الليلة لتلك العائلة بعد فما تتذكره وعد جيدًا هو تلك المشادة بين "عاطف" و"عتاب" بتلك الليلة بعد عودتهم من المستشفى ، هي لم تستطع سماع تفاصيل مهاوشتهم وصراخهم من شقتها بالأعلى لكن الوضع كان محتدًا للغاية ...
حينها إتهم "عاطف" "عتاب" بأنها السبب بما حدث لأبيه ....
- إنتِ السبب إللي عمل فيه كده ... إنتِ إللي عايزه تموتيه ....!!!
شهقت "عتاب" بتهكم لتعيد الإتهام له فهو المستفيد الوحيد من موت أبيهم ...
- لا والله وليه ما تكونش إنت إللي عايزه يموت ... إنت إللي أخدت كل حاجة ... يا طماع يا خبيث ... أنا سبتكم ومشيت ... مش يمكن إنت سممته ... ولا إديتله حاجة راح واقع فيها ....؟!!!!!
إتسعت عينا "عاطف" بذهول من حديث أخته التي لا تلقي عليه التهم فحسب بل تدينه بجريمة بشعة بسعيه لقتل والده ليهتف بها بلا تصديق ....
- إنتِ بتقولي إيه ....؟!!! إنتِ مجنونة .... إنتِ واعية للكلام ... أنا ... أنا أقتل أبويا ..... أنا مش جاحد للدرجة دي .... !!!!!!!!
ضحكت "عتاب" بسخرية لتبث الشك بقلب "محب" ووالدتها تجاه "عاطف" .....
- لا إنت جاحد وتعمل أكتر من كده ... إنت إللي ضحكت على أبوك وخليته يكتب كل حاجة بإسم إبنك المفعوص .... يا خبيث يا طماع ....
صدمت "قسمت" بما سمعته للتو لتهتف بتساؤل وحيرة ...
- إيه .....!!!!!! مين إللي كتب إيه ....؟؟! إزاي ده حصل ...؟!! يعني إيه يكتب كل حاجه بإسم "زين" ...!!! الكلام ده حصل يا "عاطف" ...؟!!!
قالتها "قسمت" بنبرة تحمل الإتهام لولدها ، تلك الطريقة التي جعلت "عاطف" يشعر بمزيد من الإنفعال والغضب ، فهو المتفرد المدلل والذي لا يُتهم مطلقًا ، لكن "عتاب" جعلته بموضع يجب عليه الدفاع عن نفسه ليصيبه ذلك بهياج شديد وهو يشير نحو "عتاب" بإنتفاضه كما لو أنه يقف على جمر ملتهب ....
- إنتِ هتصدقيها ....؟!!! دي كذابه ... دي هي إللي قالت له أنا ححجر عليك ... طب وقع فيها ....
رفعت "عتاب" كتفيها بخبث وهي تنكر ذلك تمامًا لتردف بدهاء كاد "عاطف" نفسه أن يصدقها لإصطناعها البراءة والصدق ....
- أنا عمري ما أعمل كده .... مش أنا إللي بلعب من تحت لتحت .... أنا طول عمري واضحه حتى لما بتعصب بتعصب وبقول إللي في قلبي و إللي جوايا على طول .... عشان أنا قلبي أبيض .... عمري ما شلت من حد وده إللي مخلي بختي وحش في الدنيا .... مش ناقص كمان غير أهلي وأخواتي يجوا عليا ويلبسوني تهمه ....!!!!!
أنهت حديثها بشهقات ودموع ذُهل لها "عاطف" فكم أدرك أنها ماكرة كاذبة خبيثة ، حرك رأسه بعدم تصديق وهو يرفع كفيه بصدمة قائلًا ....
- يا نهار أسود ... ده أنا صدقتِك ... !!! إنتِ إيه يا شيخه ... صحيح يقتل القتيل ويمشي في جنازته ...!!!
ألقت "عتاب" نفسها بأحضان والدتها تشتكي من أخيها قاس القلب حتى تُبعد الشك عنها و لا احد يصدق "عاطف" ....
- سامعه يا ماما .... سامعه إبنك بيقول إيه ...؟!!!
ربتت "قسمت" فوق كتف "عتاب" بحيرة فأيهما تصدق ....!! هي تعلم أن "عتاب" ليست بالسوء الذي يخبرها به "عاطف" ، فلن تؤذي والدها مهما حدث لتنهي هذا الجدال والشجار بنبرة منفعلة مهتزة ....
- إسكتوا بقى مش وقته ... أبوكم في المستشفى ... ما ينفعش كده ... إطلع شقتك يا "عاطف" .... إطلع دلوقتِ ....
قلبت "عتاب" شفتيها لتزيد من الطين بِلة قائله ...
- أيوه ... إطلع للهانم إللي ورا كل المصايب دي ... إطلع للي كانت السبب في تعب أبوك ... أكيد ... أكيد هي إللي ميلت دماغك عشان تاكل حقنا ... ما إنت عمرك ما تعمل كده من دماغك ... ده يمكن هي اللغي إدتك السم عشان تموت أبويا ... أنتوا عايزين تخلصوا منه ....
زادت "قسمت" انفعالًا بعد حديث "عتاب" لتهتف بحدة ...
-روح يا "عاطف" .... ويكون في علمك مراتك دي ولا عايزة أشوف وشها .... ولا عايزة أسمع حسها خالص .... فاهم ... لحد ما أبوك يرجع بالسلامة ....
رغم أن كل تلك الأحداث والأقاويل كانت أمام مرآى "محب" إلا أنه تعامل مع الأمر كمشاهد فقط لم يتدخل ولم ينفعل بل ظل متابع للأمر دون إبداء أي تعليق بالسلب أو بالإيجاب ....
ليتراجع نحو غرفته ببرود تام فهذا ليس وقت العتاب والشجار ولكل مقام مقال ....
❈-❈-❈
شركه عسرانكو للإستيراد والتصدير ...
بمكتب فخم يليق بمكانة المستشار "خالد دويدار" جلس يدون بعض النقاط بأحد الملزمات الخاصة بالملاحظات فقد بدأ عمله الجديد كمستشار قانوني لتلك الشركة للتو وعليه متابعة العقود المبرمة بين الشركة ومثيلاتها للتأكد من صحة البنود من الناحية الفنية والقانونية ...
عملًا جديدًا دخل حيز إهتمامه ليخرجه من حالة الملل التي كان يشعر بها بعد تقاعده ، لكن يومه لم يكن بالحافل ليتغاضى عن تلك المكالمة الهامة والإطمئنان على أحوال رفيقة عمره "منار" ....
- إيه زهقانه لوحدك ...؟؟!!
أجابته "منار" بتقبل تام لقرارها الذي إتخذته ...
- لا أبدًا .... ده أنا حتى من بعد ما جيت من المستشفى قعدت مع "غدير" شوية قبل ما تنزل ... ما تقلقش يا "خالد" أصلًا الراحة مطلوبة ...
بتفهم لهذا القرار الذي لم يكن ديكتاتوريًا بالمرة ، بل كان بالتفاهم والتواصل بينهم ليجيبها بنفس هادئة ...
- أنا كنت قلقان أحسن تزعلي إننا أجرنا العيادة ...
- لا خالص ... (أجابته "منار" بدون أدنى تردد لتستكمل موضحة )...
- أنا كده مرتاحة جدًا .... كفاية عليا شغل المستشفى ... وهو برضه الدكتور "أمين" مشغل العيادة بشكل كويس ....
أومأ "خالد" بتفهم كما لو كانت تراه بأعينها مؤكدًا حديثها ...
- فعلًا ... أنا شايف إن كده كان أحسن حل ليكي وللعيادة ...
- عندك حق ...
تساءل "خالد" بفضوله المعتاد للإلمام بأحوال عائلته ومعرفة ظروفهم المحيطة ...
- مشغولة في إيه دلوقتِ ...؟!!
جلست "منار" وهي تتابع "أم مجدي" التي تساعدها بالمطبخ مستكملة حديثها معه ...
- أبدًا بنجهز العشا لحد ما ترجعوا .... تعرف يا "خالد" البيت كئيب أوي من غير "غدير" ....
تساءل "خالد" عن غياب "غدير" اليوم على غير العادة ...
-هي فين أمال مش عوايدها تسيبنا كده ....؟؟!؟
بمزيج من الإشفاق والمحبه أجابته "منار" ...
- تقريبا راحت عند "موده" .... بقى لها كم يوم ما راحتش هناك علشان كانت تعبانه .. البنت دي بتصعب عليا أوي يا "خالد" ...
ضم "خالد" شفتيه وهو يحرك رأسه بخفة إيجابًا ...
- فعلًا يا "منار" البنت دي دايمًا وحيدة ... بس مش بإيدينا نعمل حاجة ...
نظر "خالد" لساعة يده متابع عقاربها حين أردف بإنهاء المكالمة ....
- عمومًا أنا حتصل بـ"عيسى" أشوف أخباره إيه علشان نرجع سوا ....
- كويس خالص حتى نكون أنا و"أم مجدي" خلصنا العشا ونتجمع كلنا زي كل يوم ...
أنهى "خالد" مكالمته مع "منار" ليدون بعض النقاط بملزمته قبل أن يتصل بـ"عيسى" للا؟تفاق معهم على المرور به و إصطحابه بطريق عودته ...
❈-❈-❈
مكتب عيسى للمحاماة ....
إنشغال شديد مع أحد الموكلين الجدد الذي حضر لمكتبه للتو كان "عيسى" بمنتهى الجدية والمهنية يطرح أسئلته لفهم محتوى القضيه التي بصدد أن يوكلونه بها ....
- الأستاذ "رمزي" كانت متورط معاهم فعلًا .. ؟!!
سألهم "عيسى" وهو يحاول أن يستشف مدى صدقهم بالأمر ليجيبه العميل بنفي قاطع ...
- لا يا متر ..... أخويا ولا ليه في الطور ولا في الطحين .... أخويا غلبان و إتاخد في الرجلين والله ... ده كان كبش فداء ....
لم يكن "عيسى" من الشخصيات سريعي تكوين رأي عن الشخص الذى يقابله من مجرد كلمات ، فهو بطبعه متوجس يرتاب بالأمور قبل أن يتيقن منها تمام اليقين فهو لا يأمن بسهولة ...
- عمومًا حنشوف يا أستاذ "عطيه" لأن أنا مش بترافع عن حد إلا لو واقع عليه ظلم وبس ... أنا مش بدافع عن الخارجين القانون ... ولا عن المجرمين ... أنا راجل صاحب مبدأ ...
أجابه "عطيه" بما يطمئن قلبه مؤكدًا صدق حديثه عن أخيه ...
- والله يا متر أخويا مظلوم وما تقلقش إحنا ناس نضاف ما لناش في السكك دي ... وحتتأكد بنفسك ...
بعد عدة أسئله متتالية أخذ "عيسى" يحاور "عطيه" عن هذا الإتهام الذي وقع على أخيه "رمزي" وملابسات القضيه لتكوين رأي قاطع بها ...
أخذ "عيسى" يتطلع إلى ملف القضية متفحصًا جميع بنودها حتى يمتلئ قلبه باليقين أولًا ثم أردف ببعض الراحة ...
- عمومًا يا أستاذ "عطيه" أنا مبدئيًا قبلت القضيه دي .. لكن لو ظهر أي دليل على عكس كده .... أنا آسف جدًا مش حقدر أكمل .. وبرده أنا لسه حدرسها أكثر من كده عشان أشوف نقط القوة والضعف فيها ...
ردد الرجل بيقين تام ...
-احنا واثقين فيك يا متر ... وباذن الله حتكون براءة أخويا على إيديك ...
نهض "عيسى" مودعًا إياهم معلنه نهاية جلسة المناقشه بينهم ...
- بإذن الله خير ... مع السلامة يا أستاذ "عطيه" ...
غادر "عطيه" المكتب بعد أن إنتهى من مناقشة قضية أخيه مع هذا المحامي ذائع الصيط متأملًا أن يكون وتدًا قويًا بترسيخ حُجتهم ببراءة أخيه من تلك التهمة ...
بطبعها الماكر جلست "سندس" تستمع للحوار القائم بين "عيسى" وهذا الموكل الجديد بكل إهتمام والتي إنتظرت حتى مغادرة "عطيه" المكتب ثم دلفت مباشرة لمكتب "عيسى" قائله بحماس ...
- برافو عليك يا أستاذ "عيسى" ... القضية دي لو إنت كسبتها ممكن ترفع من المكتب بصورة فظيعة ... إنت عارف كمان دي ممكن تكون قضيه رأي عام ...
رمقها "عيسى" بنظرات غاضبة ، فرغم مهارتها وذكائها الحاد إلا أن عيوبها أصبحت تضيق الخناق حول رقبته بوجودها لينهرها بصرامة ...
- أنا مش مِنبه عليكِ ... آخر مرة تتصنتي عليا وأنا في المكتب ...!!! أنا لو كنت عاوز أبلغك بتفاصيل القضية دي ... كنت جبتك عندي هنا ... وخليتك تحضري النقاش ... لكن أظن أنا ما طلبتكيش ...!!!!!
بهتت "سندس" وهي توبخ من "عيسى" على إستراقها السمع بتلجلج قائله بحرج شديد ...
- أسفه يا أستاذ "عيسى" بس أصل صوتكم كان عالي جدًا ... مش أنا اللي سمعته ... هو صوتكم كان واصل لبره ...
إستطرد "عيسى" بإشمئزاز ....
- إتفضلي إطلعي بره ... وبعد كده صوتي مش هيبقى عالي عشان يطلع لك .... أظن الفكرة واضحة ... خليكِ في شغلك بس لو سمحتي ما تدخليش في اللي ما لكيش فيه ...
خرجت "سندس" وهي تقضم شفتيها بقوة فهي تتمنى ولو لمرة أن تُظهر وجودها ومساندتها له فربما يشعر بعشقها المتيم الذي فاض به الكيل بداخل قلبها ...
صدح رنين هاتف "عيسى" برقم والده لينهض من خلف مكتبه أولًا مغلقًا الباب بقوة حتى يمنع "سندس" تمامًا من إستراق السمع إليه ....
- سيادة المستشار ... ده إيه النور ده كله ...
بإمتنان لتوقير ولده له إبتسم "خالد" بخفة بينما أردف ...
- إيه يا متر مطول لسه في المكتب ولا إيه...؟!!!
نظر "عيسى" إلى ساعته ثم أجاب والده ...
- لا مش كتير نص ساعة وأكون خلصت إللي ورايا ...
- طيب كويس ... خلاص خلص مكتبك وعدي عليا في الشركه نروح سوا ...
هام "عيسى" بأفكاره بشرود فقد تغيبت عن يومه تلك مسببة الحياة والتي تمده بطاقتها وأنفاسها التي تعطيه القوة على الإستكمال ، فمنذ متى وهي تغيب عن فكره فهي أمام عيناه سواء بوجودها أو بغيابها ليقحم سيرتها على الفور بحديثهم مع والده ...
- طيب يا بابا أنا حكلم "غدير" علشان ممكن أخدها من عند "موده" هي كمان ونروح كلنا سوا ...
بإيمائة خفيفة أجابه "خالد" بترحاب شديد ...
- أكيد طبعًا ... ده هي إللي بتدي الروح للبيت ... ما ينفعش نروح البيت وما نلاقيهاش ...
إبتسم "عيسى" بخفة فقد أصاب والده عين الحقيقة ...
- فعلًا يا بابا ... إنت بتقول فيها ... عمومًا أنا حكلم "غدير" على طول علشان نروح سوا ونقضي السهره كلنا عندكم ...
- تمام خلص شغلك وكلمني أنا مستنيك ...
رؤيتها هي الحافز الذي ينهي به يوم يتلقى مكافأته بوجودها بحياته أسرع منهيًا تلك النقاط التي يريد تحضيرها قبل الإستعداد لمغادرة المكتب لكن عليه الإتصال بـ"غدير" أولًا ...
❈-❈-❈
شقه موده ...
جلست "غدير" على غير عادتها تمط شفتيها بإستياء وهي تطالع أختها الصامته التي ضاقت ملامحها اللطيفة بإقتضاب وضيق بصورة مبالغ فيها حتى هي لم تكن بعادتها كأختها تمامًا ...
بعد فترة من التحديق هتفت "غدير" بأختها بإستياء ...
- بس لو تقولي لي من ساعة ما جيت وإنتِ ضاربه لي البوز كده ليه ... ؟؟! مش إنتِ إللي أصريتي تسيبي الشغل ...؟؟!!
مطت "موده" شفتيها الرقيقتان بضيق لتتنهد قليلًا قبل أن تجيبها إجابه غير مقنعة لكي تخفي الحقيقه خلفها ..
- عندي إمتحانات ومش عارفه أوفق بين الشغل والإمتحانات والمذاكرة ...
مالت "غدير" برأسها للأمام محدقة بعينيها الواسعتين وهي لا تصدقها بالمرة ...
- كداااااابه .... قري وإعترفي أحسن أدعي عليكِ في ليلة القدر ...
رغم أنها تهددها إلا أن "موده" تبسمت بخفة لطرافة أختها خفيفة الظل ، لكن الأمر مازال ثقيلًا على قلبها الضعيف فماذا ستخبرها ، أتخبرها بأنها تركت العمل حتى لا ينظر لها "رؤوف" نظرة دونية كما قالت "نيره" التي قللت من شأنها أمامه ؟؟ ، أتخبرها أنها تعشق أخو زوجها المرتبط ..؟؟!
كيف ستجرؤ على قول ذلك لتكتفي بسببها الواهي بالوقت الحالي ...
- لا عشان الإمتحانات ... وكمان الشغل ما بقاش مساعدني وفلوسه قليلة ...
ما يظهر من "غدير" انها غير عابئة ، غير مسؤولة ،كما أن ظروف حياتها قبل زواجها من "عيسى" لم تهيئ لها سوى تعليم بسيط ، لكنها مع ذلك كانت تتمتع بسرعة بديهة وذكاء فطري ، و بذكائها تفهمت "غدير" أن هذا الأمر لم يخرج عن تقليل "نيره" من عملها يوم العزيمة ، لتمط شفتيها وهي تومئ برأسها إعجابًا بذكائها لربط الأمرين بعضهما ببعض ...
- ااااه ... فهمت ... ماشي يا "دوده" هعديها بمزاجي قومي بقى شوفي الكيك إللي في الفرن عشان أخذ حته قبل ما أروح أنا مش ماشيه إلا لما أكل حته ...
نهضت "موده" من جلستها لتتجه نحو المطبخ بينما دق هاتف "غدير" برقم مدون بتوأم روحي ، إن السعادة هي صوتك ثم حديثك ثم أنت ، يا ليتني نجم وفي فلكك أدور ، إتسعت بسمة "غدير" المميزة وهي تجيبه بشوق ...
- هلا وغلا بالحبايب ... كنت متأكده إنك حتكلمني ...
- يا سلام و إتاكدتي منين بقى ...؟؟!!
تلاعبت عيناها بشقاوة وهي تهز رأسها حتى تحرك خصلات شعرها العشوائي بإبتهاج أضفى بريق على ملامحها اللطيفة ...
- هم مش بيقولوا قلب المؤمن دليله ... وأنا مؤمنة ... مش محتاجة فصاحة يعني يا حلو الحلوين كلهم ...
ضحك "عيسى" فهو لا يدري هل هذا مدح أم ذم ...
- والله ما فاهملك ... ده غزل ولا شتيمه ولا إيه .. ؟!!
شهقت بشقاوة وهي تجيبه ببلاهه ...
- كده برده يا روح الروح ..
زادت ضحكاته التي أطلقت الغيرة بنفس "سندس" التي ما زالت تسترق السمع خارج باب المكتب لتطقطق أصابعها وهي تكظم غيظها من ضحكاته التي لا تستمع إليها إلا حين يأتي طيف "غدير" فقط ...
- يا ست (زينات صدقي) أنا قدامي نص ساعة حعدي عليكِ بالمرة نروّح سوا ...
تعلقت عين "غدير" بـ"موده" التي دلفت للتو إلى داخل المطبخ وما زالت رائحة كعك البرتقال الشهية تدغدغ أنفها فهي لا تحسن صُنعه ، بينما تعلمت أختها طريقته من زوجة خالها مؤخرًا ...
هتفت "غدير" برفض قاطع وهي تلوح بكفيها بالرفض تام ...
- لا لا ... أنا عندي حاجة كده حخلصها واحصلك ... روّح إنتَ وأنا حاجي وراك ...
تعجب "عيسى" من إنشغالها لهذا الحد ثم أردف بإمتعاض وتحولت نبرته للجديه والضيق ...
- حاجة إيه إللي مهمة أوي دي إللي عشانها مش حتيجي تروحي معايا ... ؟!!
لم تشأ "غدير" أن تخبره بإنتظارها لنضج الكعك ، لتزيغ عينيها بإضطراب ثم تجيبه بدون توضيح ...
-لما آجي حقولك عشان ما تضحكش عليا يا روح الروح ...
رغم ضيقه إلا أنه ظن أن هناك أمر ما متعلق بـ"موده" ليزفر ببطء ثم يجيبها بتقبل للأمر رغم رفضه ...
-طيب يا "دورا" أشوفك في البيت ما تتأخريش ...
- عيوني يا عيوني ...
أنهى مكالمته مع "غدير" ليستكمل تدوين بعض الملاحظات السريعة قبل مغادرته المكتب مع محاولة "سندس" كظم غيظها من ضحكاته التي لا تظهر إلا مع "غدير" فقط ، تتمنى لو ينالها بعض من رضاه ولو بمجرد بإبتسامه فهذا يكفيها ...
إنتظرت "غدير" إنتهاء "موده" من صنع الكعكة لتناولها بشهية قبل مغادرتها وعودتها لبيتها ومملكتها الخاصه بها وبحبيبها "عيسى" ...
❈-❈-❈
دفعت "نيره" شعرها للخلف ووقفت تنتظر مرور "رؤوف" بتذمر كما إتفق معها بالصباح لإستكمال جولتهم للبحث عن أثاث مناسب لبيتهم بعد زواجهم ، توقف رؤوف بسيارته الرياضية الصغيرة أمام متجر "نيره" لتقابله بنفس الوجه الممتعض الذي تقابله به كالعادة ...
تطلع نحوها ومازالت الاسئله تدور برأسه لا يدري عن إجابتها بداخله لكنه عليه الآن إنهاء أمر ضيقتها منه بأي شكل ، فهو لا يفضل هذا الجو المشحون بينهم فكل ما يريده هو حياة هادئة ...
تمتم "رؤوف" بصوت هامس أثناء توقفه بالسيارة ...
- أستر يا رب ... أنا عارف الوش ده كويس ربنا يستر ...
فتحت "نيره" باب السيارة قبل أن تجلس دون النطق بحرف واحد لما يبدو على ملامحها من ضيق فقط تجاهلت "رؤوف" تمامًا كما لو كان غير متواجد بالسيارة ، أجابها "رؤوف" بروحه المرحة ممازحًا ...
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ...
لم تعط له بالًا ليبدأ هو بمراضاتها عن أمر يجهله فقد أنهى أمر غضبها منه حين هاتفها بمكالمته لها و لم يظن أن للأمر بقية ...
- نور عيني إللي مبوز .. بس برضه قمر في كل حالاته مش خلاص بقى ولا إيه ...؟!!
مالت "نيره" فمها جانبيًا ثم أجابته بنفس ضائقة...
- خلاص يا "رؤوف" يلا إطلع على البيت عشان مش عايزه أتأخر النهاردة ...
- تمام يا حبيبة "رؤوف" ... زي ما تحبي ... يلا نروح ...
إستدارت "نيره" نحوه بحده كما لو كانت تنتظر إجابته لتبدأ بها مهاوشتها معه من جديد ...
-ده إنت ما صدقت بقى ...!!!!
إتسعت عين "رؤوف" بذهول من تصيدها لإجابته لبدء شجار جديد ليردف مدافعًا عن نفسه ...
-والله ما أقصد مش إنتِ إللي قلتِ يا "نيرو" ... أنا ما أعرفش إن إنتِ هتضايقي أوي كده ... عادي يعني عايزانا نكمل نكمل ... عايزانا نروح نروح ...
إعتدلت وهي تنظر للأمام بتجاهل تام لـ"رؤوف" ثم عقدت ذراعيها بتذمر شديد
- خلاص يا "رؤوف" روحني البيت أنا ماليش مزاج النهاردة إن أنا أعمل حاجة ... إنت عصبتني ... وأنا مش حعرف أدور على حاجة بالشكل ده ...
تنهد "رؤوف" بقلة حيلة فلم يعد يدري كيف يرضيها ، هذا ما يتوجب عليه طيلة الوقت فقد أصبح إرضائها هو كل ما يجمعهما سويًا ...
- ماشي يا حبيبتي زي ما تحبي خلاص ... نروّح دلوقتِ وبكره نكمل ... ونشوف إللي إنتِ حباه ...
- أه ... يلا ...
خيم الصمت عليهما طوال الطريق حتى قام "رؤوف" بإيصال "نيره" لبيتها ليعود بعد ذلك إلى البيت مباشرة ...
❈-❈-❈
ليس إنتهاء العمل هو نهاية اليوم بل هناك حياة أخرى تبدأ بعد الدوام ، حياة يملؤها الصخب والمتعة وحياة رتيبة تمر ساعاتها كقرون لا تنتهي ...
لم يحبذ "رشيد" بقائه بمنزله ليقضي سهرته اليوم برفقة أقرانه بالمقهى يقضون الوقت ويتسامرون كعادة كل يوم ...
ضرب أحدهم بقطعة أحجية الدومينو بسعادة بلهاء مصدرة صوت إرتطامها المحبب المطعم بإنتصار مبهج ...
- قفلت يا حلو ... كدة أنا كسبت ... عد ورقك ...
غمغم رفيقه بذات المناوشة رافضًا خسارته ...
- على فكرة إنت بتخم ...
ضحك "محمد" وهو يتراجع بجذعه نحو الخلف بغرور ...
- أهو حيعملها زى كل مرة ...
ضحك البقية على صديقهم المعتاد الخسارة وعدم قبولها أيضًا ، لكن "رشيد" لم يكن متجاوبًا معهم بل شرد بذهنه بعيدًا لينتبه له "محمد" ...
- مالك يا "رشيد" ... إنت بجد غريب جدًا النهارده ...؟؟؟
سحب "رشيد" نفسًا مطولًا قبل أن يجيبه ...
- عارف ... بقالي فترة بقاوح إحساس جوايا ... كنت فاكر إن الحكاية دى حتعدى زى غيرها ... بس باين إني غلطان ...
إعتدل "محمد" بمواجهة "رشيد" وقد إحتدت ملامحه بإنفعال لكن نبرته تحلت بشك وعدم تصديق لحديث "رشيد" ..
- "رشيد" إنت حتجنني ...!!! مش انت اللي قلت كل البنات واحد ... ورحت ورا البت "رانيا" ... وقعدت تقول فيها أشعار ... إنت ناسي ولا بتضحك على نفسك وعليا ... ؟!!
مال "رشيد" برقبته للأمام بحركة إنفعالية من ضيقه الشديد خاصة و"محمد" أخذ يكشف له كل الأمور غير مصدق لما ينهش بقلبه المفطور ..
- أيوة ... أيوة ... بس وقتها بس عرفت إن كان فى إيدي جوهرة وسبتها ... من بعدها حسيت إني كنت بحبها بجد ... أنا فعلًا يا "محمد" مش شايف غيرها قدامي ...
هدأ "محمد" قليلًا وهو يستشعر الصدق بحديث "رشيد" ليردف بتفهم ...
- طب خلاص خلاص ... متزعلش مني ...ما هو التغيير المفاجئ اللي حصلك ده وفجأه كدة "رشيد" اللي كل يومين مع بنت شكل بقى يحب ... ونسي كل البنات ... عقلي مش مستوعب كدة ...
تنهد "رشيد" بضيق ظهر بطول زفيره القوى ليجيبه موضحًا ...
- أنا مش بضحك عليك ... أنا فعلًا إتغيرت ... كأن حالي كله إتقلب ومبقتش أفكر غير فيها وبس ... الدنيا كلها وقفت عندها ومش راضيه تمشي ...
أومأ "محمد" بتفهم ليحاول إخراج "رشيد" من تلك الحالة التى أصابته ببعده عمن يميل إليها قلبه ، ليساعده "رشيد" على ذلك بمحاولة الإندماج بلعبتهم لتشتيت تركيزه وتفكيره بها ...
❈-❈-❈
سويسرا ...
رغم برودة الأجواء إلا أن الجو أصبح صحوا وتلاشت الغيوم أخيرًا ، وصل "معتصم" و"عهد" للكوخ بعد وقت قليل من تركهم "كاتينا" التي كادت أن توقع بهما ...
جمود غريب ساد بعد هذه الواقعة لكن ملابستها لم تنجلي عن تفكير "عهد" خاصة وهي تلحقه متفكره بغموض هذا الرجل الذي أربك عقلها وشتت أفكارها ...
تساؤلات عدة أخذت تجتاح رأسها بصمت تام أثناء عودتهم ، كان أولهم سؤال هام للغاية ... لم إختارها لإنقاذها من الحريق ، هل كان يعلم أن "كاتينا" ستغدر به وتحاول قتله .؟؟!
والسؤال الأهم .. من أين أتى بالسلاح وكيف صوبه نحوها بهذه الدقة والمهارة دون أن يرمش له جفن ..؟!!!
وفي النهاية .. سؤال عن ماهية هذا الرجل فكيف بعد قُربه من "كاتينا" إلا أنه لم يبالي بها وهي صريعة أرضًا بعدما أطلق عليه الرصاص ..؟!!!
أخذت تلك الأفكار تتخبط برأسها دون النطق بها حتى وصلا بالنهاية إلى الكوخ ، كان "معتصم" بدوره صامتًا للغاية ...
كم كانت تود تفسيرًا منطقيًا لما يحدث حولها تريد معرفة هذا الرجل الذي يخفي أكثر مما يظهر ، لتنتظر فرصة مواتيه لتبدأ سلسلة أسئلتها لتهدئة فِكرها المُجهَد ....
فور وصولهم إلى الكوخ جلس "معتصم" بمقدمته فوق الدرجات الخشبية بينما وقفت "عهد" بمواجهته لتبدأ سؤالها بنبرتها الحادة ، فلن تترك الأمر إلا بتفسير منطقي لما يحدث فهي لم تعتاد على هذا الغموض الذي لا يشعرها بالراحة ...
- إنت إزاي قلبك جامد كده ... ؟!! هي مش كانت صاحبتك ... إزاي ضربتها بالنار وسبتها ومشيت ... حتى لو كانت خاينة ... بس إنت ما كنتش تعرف ... ثانيًا بقى وده المهم إنت جبت المسدس منين ....؟!!!
نظر "معتصم" نحوها نظرة طويلة متعمقة قبل أن تميل شفتيه ببسمة خفيفة ، لقد شعر بالنشوة لما سببه لعقلها من إجهاد ، أجابها ببرود أعصاب أثار ريبتها ...
- حقول لك يا "عهد" ... ولا أحسن أقولك يا .... حضره الظابط "عهد" ...!!!
إتسعت عسليتاها بصدمة ، وشعرت برودة إجتاحت جسدها ، فمن أين عَلِم بحقيقة شخصيتها التي لم تظهرها بالمرة ، ولا يعلم أحد عن حقيقتها تلك مطلقًا لتنفي الأمر بشكل قاطع ...
- ظابط ... !!! ظابط إيه ...؟!! إنت بتقول إيه ...؟! شكل دماغك تعباك شوية ...
وضع "معتصم" ساقه فوق الأخرى بثقة وبعض الغرور وهو يطالع توترها بعد كشف حقيقتها التي ظنت أنها تخفيها عنه ليجيبها بيقين تام من معرفته بهويتها ...
- أنا عارف كل حاجة عنك .... وعارف إنك ظابط مخابرات من يوم ما جيتي ودخلت الكوخ هنا ...
فغرت فاها بصدمة وهي تستفهم منه كيف علم بذلك ....
- إزاي ده ... إزاي أصلًا أنا محدش يعرف عني حاجة ... وهويتي كانت سرية جدًا ...!!!! إنت عرفت منين ...؟!!!
لم يتخلى "معتصم" عن ثقته الزائدة التي وصلت لحد الغرور ليستطرد قائلًا يزيد من دهشتها الحديثة ...
- لأن أنا زميلك يا "عهد" ... أنا كمان ظابط مخابرات ... وكنت في مهمة قبلك هنا ...
كانت عيناها كجهاز كمبيوتر يعيد على ذاكرتها بعض المشاهد الهامة لتلك المهمة التي قامت بها ...
كان بدايتهم بمشهد لقائها مع السيد "نظمي" بمكتبه حين أوكل إليها تلك المهمة قائلا .. (أنا عارف إنك قدها يا "عهد" ... المهمة دي ما أقدرش أبعت غيرك فيها ...)
تذكرت لحظة إطلاعها على الملف ومعرفة أبعاد تلك المهمة الغامضة .. وهي الحفاظ على حياه المهندس تقنيي الكمبيوتر المقيم بالكوخ أعلى جبال الجنوب السويسري والذي تُهدد حياته بالخطر ممن تدعي صداقته ، فهي تهدد حياته بشكل لا يدركه وعليها حمايته مهما تطلب الأمر ..
تذكرت بالبداية حين أقامت بالكوخ وبدأت تجمع معلوماتها عن طبيعة علاقة "معتصم" و "كاتينا" وبدأت سلسلة حمايتها له بأن وصلتها رسالة من مُتابعها بالقيادة بالقاهره بأن عليها التدخل وكسب إنتباه "معتصم" ودب الغيرة بقلب "كاتينا" ....
تذكرت كيف تصنعت الإعجاب به لتثير غيرة تلك الشقراء والتي نجحت ببراعه بذلك وكان عليها إفساد توافقها مع "معتصم" لتفسد خطتها بصنع الكعك له ...
وميض آخر لاح بذاكرتها حين علمت بأن "كاتينا" تسعى للتخلص من "معتصم" وعليها حمايته بكل السبل ، أخذت تراقبها جيدًا حين فصلت "كاتينا" أضواء الكوخ وتربصت بـ"معتصم" لتقتله حين عودته في الظلام ، لتنقذه "عهد" من بين أيدي تلك الخبيثه ، لكن كان عليها ألا تُظهر هويتها له تنفيذًا لتلك التعليمات التي وصلت إليها ...
لم تكن ذكرياتها تتوقف عند هذا الحد لتتذكر حاولة "كاتينا" الثانية لقتل "معتصم" والتي كادت أن تنجح بها عن طريق الحبوب المنومة التي رأتها تضعها له بالقهوة أثناء تصنعها للنوم على الأريكة ، وعندما تأكدت أن العبوة هي لتلك المادة التي سترديه قتيلًا اذا تناول تلك القهوة فإضطرت لسكبها لإنقاذ حياته مره أخرى دون الإفصاح عن هويتها ...
تذكرت وضعها لتلك الأسطوانة لتحديد الموقع بجهاز الحاسوب الخاص بـ"معتصم" قبل رحيله مع "كاتينا" للوصول إليه قبل أن تحاول "كاتينا" التخلص منه مره أخرى ، وأن بحفاظها على حياة "معتصم" قد أدت مهمتها على أكمل وجه ...
لكن المحير الآن انها لم تكن تعلم إنه ضابط مثلها بالمخابرات ، بل كل ما تعرفه عنه إنه تقني للكمبيوتر و عليها حمايته حتى لو فقدت هي حياتها ...!!!
وقفت بالذهول وهي تنظر بأعين مصدومة للغاية ، فلماذا لم يخبرها السيد "نظمي" أنها هنا لحماية زميل لها ..؟؟! لماذا كانت تلك المهمة غامضة إلى هذا الحد ...؟؟؟ ولم يتعامل "معتصم" معها كما لو لم يكن يعلم بالأمر ..!!!! فما يخبرها به الآن أنه يعلم هويتها منذ أن دلفت لداخل الكوخ وعلى دراية مسبقة بكل شئ ...
هل تخوض معركة تحارب بها بمفردها أم أنها جزء من تلك المجموعة ، فحتى وإن كانت ستخوض تلك المعركة فعليها توفير بريق سيفها لمعركة تستحق ، صراع من نوع آخر بداخلها جعلها تنتظر إيضاح يريح نفسها المشحونة ...
أسئلة محيرة مُجهدة لعقلها ، زادها توضيح "معتصم" الذي لم يريحها بالمرة بل زاد من شحن نفسها وضيقتها ، خاصة حين علمت بأنها لم تحظى بكل المعلومات عن هذه المهمة ، فقد تغاضى فريق عملها عن توضيح الأمر لها وإبقائها على جهالة بالأمر ...
بعد دقائق من الإندهاش والصمت أثناء تذكرها لتلك الأحداث الماضيه ، نظرت تجاه "معتصم" نظرة مقتضبة يشوبها المزيد من الغضب قائله بحدة ...
- لا معلش فهمني بقى واحدة واحدة ... إيه الحكايه ... ظابط إيه ... وعارف إيه ...؟!!!
لم يتحرك "معتصم" عن موضعه الواثق مطلقًا بل إستكمل بخيلاء عن إدراكه لكل الأمور دون أن يظهر ذلك لها ...
- أنا الرائد "معتصم دويدار" شغال معاكِ في جهاز المخابرات ... كانت مهمتي هنا إني أوصل لمقر البيت الآمن للإستخبارات الروسية ... لأن في جهاز مزروع في البيت ده وكان لازم أوصل له ... ومكنتش عارف اوصل للمكان لأنه في مكان صعب الوصول إليه ... فكانت مهمتي إني أكون بشخصية تقني كمبيوتر إخترع برنامج يقدر يشغل المفاعلات النووية ... وكنت متوقع انهم حيبعتوا لي حد علشان ياخذوه مني ... وكانت "كاتينا" هي الشخص ده .... طبعًا أنا أسأت تقدير مهارة "كاتينا" .... وظنيت إنها مجرد فتاة عادية ... يعني حتسرق مني البرنامج وبس ... عشان كده كان لازم إنى أقنعها إننا نيجي نقضى أجازة هنا في الكوخ ... وده طبعًا لأن مكانه قريب من مكان المقر الآمن ... لكن برضه معرفتش اوصل للمكان بدقة ... والظروف سمحت لنا تقدير وقت العاصفة وإنها حتسهل لنا إننا نقعد وقت أطول ... ونقدر ساعتها نوصل للمقر الآمن ...
أجابته "عهد" بتشتت ودون فهم لطبيعة مهمتها إذا كانت مهمته بتلك السهولة ...
- طب معلش ... أنا كان لازمتي إيه ...؟!! إنت تمام إتقابلت مع "كاتينا" .... وطلعتوا رحلتكم وقعدتوا في الكوخ ... وبقى سهل جدًا إنك توصل للمقر الآمن ... كل ده تمام ... أنا إيه طبيعة مهمتي ...؟!! عشان أنا مش فاهمه ليه طلبتوا مني إن أنا آجي وأحميك وإنت قادر وفاهم وعارف كل حاجة ...؟!!!
زاد "معتصم" من بسمته الجانبية وغلبه غروره الزائد ليوضح بإستفاضة ...
- كان في شك عند السيد "نظمي" إن الإستخبارات الروسية بدأت تشك في موضوع البرنامج .... وكان لازم نعمل لهم إلهاء أو تشتت بحد معين يهتموا بيه أكثر ويغفلوا عني ... انا كمان ما كنتش قادر أوصل للمقر الآمن وكان لازم أحسس "كاتينا" إن أنا وهي في خطر ... وده أنا إللي طلبته من السيد "نظمي" ... إنه يبعت لي حد يكون تشتت ... عشان كده أول ما جيتي ولقيتك بتتكلمي مصري فهمت على طول إن إنتِ المرسال إللي حيشتت "كاتينا" .....
تبقى بذهنها سؤالاً وحيدًا لتنخفض نبرتها قليلًا وهي تسأله بدون إظهار أي رد فعل على ما يخبرها به ...
- موضوع الإلهاء او التشتت ده ... كان ممكن يكون فيه أي خطورة ...؟!!
ضمه "معتصم" شفتيه الممتلئتان قبل أن يقوسهما للأسفل موضحًا بإسهاب مرة أخرى ...
- طبعًا ... طبعًا ... الروس دول ما بيهزروش ... لو كانوا حسوا بأي خطر من ناحيتك حيهدد وصولهم للبرنامج ... أكيد كان حيتصرفوا بأي صورة ... المهم يوصلوا له مفهومة يعني ...
كان وقع الكلمة قاسي للغاية لكنه كان مصيب تمامًا ، فلو كان كُشف غطائها أو إعترضت وصول "كاتينا" للبرنامج لكانت في عداد الموتى ، تهدج صدرها للحظات لتثبت عيناها جانبًا فقد أدركت الأمر جيدًا ، لتعيد بصرها نحوه قائله بأنفاس طويلة ونفس محطمة ، فكم كانت قليلة الشأن يمكنهم التضحية بها من أجل تنفيذ تلك المهمة وإنقاذ "معتصم" وإتمام مهمته ، حتى انهم بخلوا بإعطائها تلك المعلومة ، و أوكلوا إليها مهمة مزيفة لمجرد تثبيت مكانته وأمانِه لإتمام ما جاء إليه ، لتردف بقوة برغم نفسها المهتزة ...
- يعني أنا كنت مصدر إلهاء وبس ..... مهمتي أشتت الإنتباه عنك ... حتى لو إتكشفت مش مهم .... !!! حتى لو إتقتلت مش مهم ....!!! المهم إن مهمتك إنت تكمل ... يعني أنا مكنتش .... غير كبش فداء ..!!!!!!!!!!!!
رواية ظننتك قلبي الفصل السادس عشر 16 - بقلم قوت القلوب
لم نعيشُ بمنتصف الأحداث ، يُكتَب علينا العيش معلقين دون راحة ، لا نحب ما يحدث ولا يحدث ما نحب ...!!!
حياة مفروضة على الجميع وعلينا تقبلها أو إظهار ذلك كذبًا ، لكن متى ينقشع الضباب وتظهر حقيقة النفوس وتقبل الأمر الواقع ..
بتلك الأمسية إلتف الجميع حول منضدة الطعام ببيت "فخري النجار" لتناول طعام العشاء المميز والذى تحضره "صباح" على الدوام...
موعد تقليدي لتناول الطعام لكن زائرين متطفلين أصبح وجودهم أمرًا واقعً ، قلوب مزيفة متصنعي المودة التي ليس لها وجود بقلوبهم ...
بصخب شديد تناول "فريد" و"حنين" وأبنائهم بالطبع طعام العشاء برفقة "فخري" و"صباح" و"راويه" دون سابق دعوة لوجودهم ..
إمتعاض وإستنكار لوجودهم وتطفلهم ، لكن ذلك لم يكن ليثينيهم عن فرض تواجدهم المتكرر لما يرونهم حق مكتسب لا يمكنهم التنازل عنه ..
بعد إنتهاء تلك الوجبة الشهية بأصنافها الدسمة عاد "فريد" و"حنين" لشقتهم بالدور الأرضي ...
دلت "حنين" للداخل وهي تدب الأرض بقدميها بإنفعال و سخط شديد لتلقي بعبائتها وطرحتها فوق أحد المقاعد بإهمال ثم هتفت بحدة فجأة فور أن أصبحا بمفرديهما ، كما لو أن وجودهم بشقتهم هي إشارة لإخراج حقيقة ما بقلبها ، لم يكن "فريد" كذلك سوى الجانب المهترئ الذى تسقط عليه غضبها والسبب بالطبع أخته "راويه" ...
- أختك دي بلوه ، محسساني إننا بنشحت منهم ، فيها ايه لما بنطلع نتعشى مع أبوك وأمك ، ما فيش مرة إلا لما تقول كلام زي السم ، ما تتلم بقى وتحط لسانها في بوقها ... !!!
ضعف وإستكانه وتردد ذلك رد فعل "فريد" الدائم والمتوقع منه أمام غضب "حنين" العاصف كرياح أعاصير الشتاء ، غضب متكرر إعتاده "فريد" ليردف محاولًا تهدئتها قليلًا ...
- بالراحة يا "نونه" ، هي أكيد ما تقصدش ، إنتِ عارفه ظروفها وحكاية إنها بقت عانس دي مخلياها مش طايقة نفسها ...
حديثه المستفز كان إشارة لها لهياج وغضب أكبر زاده شعورها بالتقزز والنفور من "فريد" ، فلم تعد تطيق حديثه الخانع لترمقه شذرًا بنظراتها الحادة كمن وضع الحطب ليزداد لهيب النيران التى تسعر بداخل عيناها السوداء الساخطة عليه وعلى كل ما يخصه ، شهقت بقوه لتحتد نبرتها المستهزئة ...
- ظروفها ، قال ظروفها قال ، ظروفها دي على نفسها مش عليا ، ده أنا "حنين السيد خلف" إللي وقفت الحارة دي كلها على رجل ، عايزاني أنا أشتغل بلقمتي ..!!!! طب إيه رأيك أنا حطلع كل يوم على العَشا ومش حاحط إيدي في أي حاجة وأقعد هانم ، وهي تيجي تِخَدم عليا كمان ، فااااااهم ...
بمحاولة إسترضاء فاشلة أخرى أجابها "فريد" ...
- طبعًا يا حبيبتي ، ولا تزعلي نفسك ، أنا بكره حكلملك ماما تظبُطها لك وتمشيها على العجين ما تلخبطوش ...
عقصت انفها بقوة وهي ترج جسدها بإهتزاز غاضب مستهزئة بحديثه ، طالعته بدونية قبل أن تشيح وجهها عنه قائله ...
- لا يا أخويا ، سيب الحكاية دي عليا أنا ، هو إنت بتعمل حاجة !!!
لها القدرة بثوانٍ قليلة بأن تقلب الدفة عليه ويظهر هو المخطئ من جديد ، فها هى سحابة من التأنيب والتوبيخ تخصه تبوح بأفق "حنين" يستطيع إدراكها جيدًا ، إمتعض وجهه بإستياء لكنه كان أجبن من إظهار ذلك ليردف بخنوع ...
- وهو أنا عملت إيه بس ..؟!! ما أنا بعمل إللي إنتِ بتقوليلي عليه بالحرف الواحد ..
مالت "حنين" برأسها للأمام وهي تجحظ بعينيها بصورة مفزعة لنفس "فريد" الضعيفة ، رجفة من داخله دفعته للرضوخ منصاعًا لما تطلبه على الفور حين قالت ...
- عشان كده عايزاك تسمعني كويس ، الظاهر الناعم مش نافع مع أبوك ، إنت لازم تاخد حقك غصب عن الكل ...
أعجبته تلك النبرة فليس عليه البحث عن رضا والده و آن الأوان للتحرك بمفرده وما عليه إلا الإنصياع لأفكار "حنين" اللامعة ...
- إزاي .... أعمل إيه ...؟!!
جلست "حنين" وهي ترفع أنفها بغرور تظن أن أفكارها لا مثيل لها مطلقًا لتبدأ بالإيضاح لـ"فريد" لما يتوجب عليه فعله ...
- طالما العِدل مش نافع ... خلينا في الملفوف ...
رفع "فريد" طرف شَفته العُليا وأنفه ببلاهة ليحرك رأسه بدون فهم متسائلًا ...
- يعني أعمل إيه يعني ... مش فاهم ...؟؟؟
عبارة كانت كفيلة بإثارة حنقها لتضطر للشرح التفصيلي بما يتوجب عليه فعله من الآن فصاعدًا ...
- شوف يا "فريد" طالما مش عارف تمسك تجاره أبوك يبقى لازم تعمل شغل من وراه ... وإنت عارف السكك والتجار ... ساعتها يبقى لك إسمك في السوق وتشتغل لحسابك وتعمل بيزنس يطلعنا من القمقم إللي ساكنين فيه ده ...
لاحت بعيناه بريق متوهج فقد أثار الأمر إعجابه بقوة ...
- لأ .. فهميني أكتر ... يعني أعمل إيه بالضبط ...؟؟!
مالت بفمها بغرور لتبدأ بالشرح المفصل فربما يفهم هذه المرة ..
- تعمل شغل من ورا أبوك بس بإسمه ... يا إما يِنالك الهنا كله ... يا إما يناله هو الأذى ... وإنت تبقى بعيد عن كل ده ...
إتسعت ابتسامة "فريد" إعجابًا بذكاء "حنين" ليشيد بها ، مما جعلها تزداد غرورًا وخيلاء ...
- ده إنتِ ما فيش في دماغك اتنين .. تعالي بقى نفكر تيجي إزاي و أشتغل من ورا إزاى ...؟!!
رفعت "حنين" كتفيها وأهدلتهما وقد زادت ثقتها بنفسها بعد تملق "فريد" لها ...
- بسيطة خالص "مأمون" أخوك كلها أسبوع ويسافر ... إنت بقى تبدأ تعمل شغل بين التجار بحاجات صغيرة ... لما تسلك نكبرها ولا من شاف ولا من دري ... أنا كمان في دماغي فكرة حبقى أقولك عليها ... دي لو نفعت حتودينا في حته تانيه وإبقى قول "حنين" قالت ...
- وأنا من إيدك دي لإيدك دي يا "نونه" ...
❈-❈-❈
شقة فخري النجار ...
إنسحب "فخري" تجاه غرفته للنوم بعد تناول العشاء كالعادة لتبقى "صباح" و"راويه" بمفردهما فهو لم يعد يطيق بقائه لأكثر من ذلك معهما ...
شحن للنفس مُعتاد عليه بهذا المكان لكن تلك المرة لم تكن "صباح" صاحبة إثارة الحنق ، بتذمر شديد وقفت "راويه" تحث والدتها على التصدي لـ"حنين" التي تستغل كل الفرص لتسيطر على تلك العائلة ...
- يعني يا ماما ما شفتيش طريقتها ... لازمن تقف عند حدها ... خدامين أهلها إحنا ...!!!
لم تكترث "صباح" بكل تلك المناوشات التي لن تفيدها بشيء رفعت ذراعها الثقيل لتمسح جبهتها مُصدرة صوت ضجيج أساورها المحبب المبهج لنفسها ثم أجابت "راويه" بإمتعاض لتفكيرها المحدود ..
- بقول لك إيه ....!!! بطلي خيابه يا بنت "فخري" شيلي "حنين" من دماغك دلوقتِ ... أنا مش عارفه إنتِ حاطاها في دماغك ليه ...!! خلينا في إللي أهم من "حنين" ....
مالت "راويه" برقبتها للأمام قليلًا وهي تعقد أنفها بضجر من تعليق أمها على غضبها من فرض سيطرة "حنين" ...
- أهم من "حنين" ...!!!! هو في حاجة أهم من "حنين" ...؟!!!
تجلت بعينيها السوداوتين نظرات ماكرة ليزداد وجهها إقتضابًا و سواد ، ليزيد قبحها النابع من داخلها وليس من سوء ملامحها ...
مالت "صباح" بجذعها للأمام وهي ترفع عينيها تجاه السقف كما لو كانت تشير إليه مردفة بصوتٍ خفيض للغاية حتى لا ينتبه لها "فخري" ...
- بنات الخدامة ...
مطت "راويه" شفتيها من ذِكر سيرتهم التي تُعكر صفوها قائله بحنق ...
- مالهم تاني ...؟!!!!!!!
نظرت "صباح" بداية نحو الممر المؤدي إلى الغرف لتتيقن بأن "فخري" ليس بالجوار لتعيد وجهها تجاه "راويه" قائله بهمس خبيث للغاية كالأفعى التي تسعى للإنقضاض على فريستها ....
- ما هو مش كل يوم والتاني يجي لهم عرسان ... وبالعافيه أطفشهم مرة تصيب ومرة تخيب ... أنا لازم أشوف حل نهائي للموضوع ده ...
- أيوه إنتِ عايزة تعملي إيه يعني ...؟
- هو أنا جايباكِ عشان تسأليني أعمل إيه ... ؟؟! هو إنتِ مُخك ده ما بيشتغلش خالص ...!!!!!! قال على رأى المثل (دقت الطبلة وبانت الهبلة ) ...
ضغطت "راويه" بعينيها تذمرًا من توبيخها المستمر ...
- وبعدين معاكِ بقى ... متقولي إنتِ عايزة إيه وخلاص .... أنا إيش عرفني ...؟!!!
لم تشعر "رواية" بيوم من الأيام أن "صباح" تحبها وتسعى لمصلحتها بل كانت دائمًا تسبب لها الحيرة ، فهل ما تفعله نابع من محبة لها ؟؟ ، أم أنها لا تبالي بها ؟؟؟ ، هل تفعل ذلك مساعدة لها ؟!! أم أنها تنفذ رغبة داخلية إنتقامية تجاه "زكيه" وبناتها ..!!! ، سحبت "راويه" نفسًا عميقًا ثم زفرته ببطء قبل أن تردف بتملل ...
- إنتِ في دماغك إيه بالظبط ..؟!!!
دارت "صباح" بعينيها السوداوتين دون الوصول لحل جذري يريح قلبها تجاه "زكيه" وبناتها ...
- وهو أنا لو أعرف كنت سألتك يا آخر بختي ...!!!
نهضت "راويه" من جلستها تشيح بكفها وهي تاركة أمها بمفردها مردفه بلا مبالاة ...
- خلاص لما تعرفي إبقي قولي ... أنا طالعه أقف فى البلكونه ...
أخذت "صباح" تتذمر من إبنتها بليدة الإحساس فهي لن تنفعها بشيء الآن ، وأن عليها التفكير بمفردها بحل يريحها من شغل تفكيرها ببنات "زكيه" اللاتي يسببن لها هما ثقيلًا طيلة الوقت ...
- أهو ده إللي فالحه فيه ..!!!!!!
❈-❈-❈
شقة زكيه ...
أمسية شاقة على النفوس بعد يوم قاسٍ طويل ، وضعت "زكيه" الطعام بصمت لم تعتاده "نغم" و"شجن" فملامحها المقتضبة توحي بأن هناك أمر حل الضيق بقلبها
ربما لم تتفوه به "زكيه" لكن قلوبهن تشعر بأوجاع بعضهن البعض ...
قلبتا نظراتهما نحو أمهم لتبدأ "نغم" بحسها المرهف تحاول حث "زكيه" على إخراج ما بقلبها ..
- مالك يا ماما مين مزعلك ...؟!!
لحقها سؤال "شجن" بينما تجلت بعينيها وميض فراستها لتسألها بشك ..
- مين زعلك يا زوزو ..؟!!
تبسمت "زكيه" ببسمة حزينة رسمت فوق شفتيها ثم تنهدت ببطء ..
- ولا حاجة يا حبايبي ... ولا حاجة ...
مالت "شجن" برأسها قليلًا وهي تطالع والدتها بسوداوتيها المتوهجتان متسائله ...
- وهو إحنا تايهين عنك يا زوزو ... إيه إللي حصل ..؟!!
حيرة طلت من بين عينيها اللطيفتان وهي تطالع بناتها أتخبرهم بما فعلته "صباح" التي أصبحت أفعالها تطالهم بالأذى أم تكتفي بالصمت لتومئ رأسها بخفه قائله ...
- طالما إنتوا بخير .. أنا بخير ..
هنا تأكد شك "شجن" بيقين تام أن الأمر له علاقه بهذا الطبيب الذي تقدم لخطبتها فلابد أن شيئا ما حدث وتراجع عن الأمر مثل كل مرة فيبدو أن "صباح" لن تكف عن أذيتهم ...
أسرعت "نغم" ببراءتها المعهودة تظن أن الأمر لا يخرج عن ضيقة مالية أخرى تمر بها والدتها ...
- لو على الفلوس يا ماما إحنا الإتنين بنشتغل دلوقتِ ... بس نصبر لأول الشهر حنقبض ويبقى معانا فلوس كويسة أوي ...
رغم إدراك "شجن" الأمر إلا أنها إبتسمت بسمة متضايقة تخفي بداخلها حنقها على "صباح" وأفعالها لكنها نظرت نحو والدتها بإشفاق فيكفيها ما يملأ قلبها من حزن الآن لتلتزم الصمت دون تعقيب أو عتاب لتشبث والدتها بالبقاء بهذا البيت ...
رفعت "زكيه" بصرها تجاه "شجن" التي أخبرتها عيناها دون حديث بفهمها لما حدث لتزوغ بعينيها عنها تهربًا من ملامتها ، أجابت تساؤلهم بحديثها الكاذب مختلقة سبب واهي لحزنها الظاهر على ملامح الطيبة ...
- أه يا حبايبي هي الفلوس .. ربنا حيفرجها إن شاء الله ...
عقبت "نغم" ببساطة لتخرج والدتها من همومها ...
- و إيه يعني يا ماما .. واحنا من إمتى بيهمنا الفلوس ... إحنا طول عمرنا أغنياء ولا بيفرق معانا ولا ذهب ولا فلوس ...
إبتسمت "زكيه" وهي تنظر إلى وجهيهما مردفه بفخر ...
- إنتوا جواهر وأغلى من الذهب وأغلى من فلوس الدنيا كلها ...
سحبتها "شجن" من ذراعيها قائله ...
- يعني مش ناوية تعشينا النهاردة ولا إيه ... أنا موت من الجوع ... طول النهار ما بين المستوصف والمستشفى ...
إلتفتت "زكيه" نحوها بتساؤل وفضول ...
- صحيح إيه حكاية المستشفى دي ...؟!! إيه إللي حصل ...؟!!
جلس ثلاثتهم حول المنضدة لتناول الطعام وسرد أحداث يومهم ببساطة وحميمية ككل يوم لتخبرها "شجن" عن "أيوب" والحادث وتشبثه بها وبقائها معه لطمأنة قلبه الوحيد ...
عقبت "زكيه" بتفاخر لمساندة شجن لهذا الرجل ...
- طول عمرك طيبة وبتدوري على الخير وتعمليه ... ربنا يوقف لك ولاد الحلال دايمًا في طريقك ...
طالت "شجن" بنظراتها تجاه والدتها بنظرة قوية متمردة لتردف قائله بذكاء تخفي خلف كلماتها عتاب لوالدتها ...
- الخير والطيبة مش في السكون والإستسلام بس يا ماما ... ساعات الخير لما بيكون معاه القوة بيكون أكبر وأعظم ...
بتهرب سألت "زكيه" إبنتها "نغم" حتى تتهرب من حديث "شجن" الذي تدري نهايته جيدًا ...
- وإنتِ يا "نغم" مبسوطة في المكتبة ...
ملأت "نغم" فمها بالطعام دون الإنتباه أنها ستشارك بهذا الحوار بينهم لترفع وجهها الممتلئ ببراءة مجيبة والدتها أثناء إبتلاعها للطعام ...
- حلو جدًا ... وأستاذ "بحر" متفهم أوى ... والشغل هناك سهل ولذيذ ..
ضحكت "شجن" على طريقة "نغم" و وجنتيها الممتلئتان بالطعام ..
- هو إيه إللي لذيذ ...!!! إرحمي بطنك شويه ... الشغل إللي لذيذ ولا الأكل ...
- فيه إيه يا "شجن" ... جعانه .. الله ...
إبتسمت "شجن" لتنظر تجاه والدتها قائله ...
- إعملي حسابك يا ماما بكره هاخد معايا أكل لعم "أيوب" في المستشفى لما أروح أزوره ...
بكرمها الزائد أجابتها "زكيه" ...
- أكيد يا بنتي ... واجب برده ححضر لك علبة أكل كويسه تاخديها معاكِ وإنتِ رايحه له .. أهو كله بثوابه ...
❈-❈-❈
سويسرا ...
منذ متى تصبح الحقيقة موجعة إلى هذا الحد ، أليست تلك التى تسعى إليها منذ تفتق ذهنها وعقلها على الحياة ، أليست هي من كانت تضرب بالأكاذيب عرض الحائط ولا تهتم سوى للحقيقة ، والحقيقة فقط ...
لِمَ تتمنى الآن أن تكون مغفلة ، تغفل عن واقع يقسو فوق قلبها الوليد ، هل كان يجب عليها ألا تكون بهذا الذكاء ، هل الغباء الآن أصبح هو الميزة والمكافأة ...
لو كان للمرء نقطة ضعف فهي تكمن بالأشياء التى يحبها ، ربما بوقت آخر وزمن آخر .. وشخص آخر ، لكان تقبلها لما حدث أهون بكثير ، لكنه موجع منه ، هو الذى ظنت أنه له بقلبها مكان لم يتمكن غيره من إقتحام حصونه أو حتى أن يدنو قربه ...
لم تشعر بوخز موجع كما شعرت به الآن وهو يخبرها أن الأمر برمته ما كان إلا مهمة ، وقد أدى مهمته على أكمل وجه ، إنها لم تكن سوى (كبش فداء) لإنجاحها ، إن الأمر لم يتعدى مجرد تمثيلية متقنة للوصول لغايته ...
لوهلة شعرت بضعفها كما لو أنها تقف بالعراء دون حامى أو سند ، شعرت بالدونية وقلة الشأن ، لو كان يدرى ماذا فعلت كلماته بها لصمت دهرًا دون حديث ...
إرتجفت بنفس مهتزة تشعر بغصة شديدة بقلبها وجفاف بحلقها و ... حرقة بمقلتيها ...
(لا ... لا يا عيناي أبدًا لن تضعفى ... لن تنهزمي ... وليس هنا ... وليس أمامه ..)
هكذا أخذت "عهد" تزجر نفسها التى ضعفت و أوشكت على السقوط ، قبضت كفيها بقوة تبث بهما غضبها وضيقها ، أخفت إرتجافها وإهتزازها خلف هذا القناع الذى إعتادت إرتداؤه فلن تسقط ولن تنحنى ولن تقبل الهزيمة ...
حركت رأسها تزيح أفكارها وهى تتشدق بعنقها بشموخ محاولة السيطرة على صدرها الناهج وعيناها المتأرجحتان ...
- تمام يا حضرة الضابط ...
قالتها بحدة ليشعر "معتصم" بهذا التغير بنبرتها ليميل وجهه متفرسًا ملامحها الثابتة بشكل يثير القلق ...
- مالك يا "عهد" ...؟!!
ضغطت بقوة على أسنانها المصكوكة قبل أن تردف بإقتضاب وجدية جديدة للغاية على مسامعه ...
- المهم إن مهمتك كملت يا فندم ... أنا مش مهم ...
رفع حاجباه قليلًا لتشع عيناه بريق لماح حين فهم بفراسته فهمها الخاطئ ليتحفز بالرد عليها موضحًا الأمر ...
- بلاش تاخدي الأمور بالحساسية دي ... أنا برضه كنت معاكِ لحظة بلحظة ولا يمكن كنت حسيب أى خطر أو حاجة تصيبك ...
أردفت بسخرية وهي مازالت ترفع من رأسها بتعالى ..
- لا والله كتر خيرك ...!!!
نهض "معتصم" يقف قبالتها قائلًا بصرامة حتى لا يدع الشك يتوغل بقلبها ...
- "عهد" ... إنتِ أكبر من إن حد يقل منك ... أنا ...
لم تستطع "عهد" كبح غضبها وثورتها خاصة منه ومن اللعب بها وبمشاعرها حتى بعد إنتهاء المهمة لتضع وجهها بمجابهته وقد إتقدت عيناها بذات الشرر الذى طالما كانت تتحلى به ، هذا الإنفعال الذى لم يراه منها من قبل ، لتردف مقاطعة إياه عن إستطراده بحديثه الكاذب الخالي من الصحة ...
- يقل مني ...؟!! إنت شايف كدة ...؟!! عندك حق ... ما أنا الغبية إللي مليش قيمة ... ترموها فى مهمة من غير ما تعرف عنها حاجة كأني مساويش أى حاجة ..!!! يولعوا فيها ... يضربوها بالنار ... يقتلوها ... فى داهية ... المهم الباشا يبقى بخير ...!!!!!!
هتف "معتصم" بإنفعال لفكرها المحدود وإنفعالها المبالغ فيه ليحاول تبرئة نفسه وتهدئتها بذات الوقت ...
- إنتِ إزاى فاهماها كدة ...؟!!! "عهد" ... فوقي .. ده شغل ... ومتنسيش أنا كنت بحميكي كويس ... أنا عرفت إن إنتِ إللي حتقومي بالمهمة .. بس معرفكيش شخصيًا ... ومكنتش أقدر أوضح لك تفاصيل أنا معنديش أمر بإيضاحها ... المهمة كانت عايزة كدة ...
أغمضت عيناها لوهلة ربما هو محق بهذا الأمر وهي تسقط غضبها من "نظمي" ومجموعة عملها اللذين أخفوا هذه المعلومات الهامة عنها ، لكنه يظل من تصنع الإهتمام والإعجاب بها ما هو إلا إدعاء ، ما ظنته نهاية لليلها الطويل هو مجرد مهمة برع بتأديتها على أكمل وجه ، مهمة ليس للمشاعر دخل بها ...
تمالكت إنفعالها الغير مبرر لكنها لم تسامح ، تلك كلمة لاغية تمامًا من قاموس حياتها ، فالمسامحة وطيبة القلب لا تخصها ، حاولت الرد بمهنية شديدة حتى لا تنساق بدرب خاطئ وتظهر ما لا تريد فضحه وعليها قتل هذا الشعور كما ولد بداخل أسوار قلبها ...
- عندك حق ... المهمة كانت عايزة كدة ... كله عشان خاطر المهمة والشغل ...
زادت طريقتها من حيرته فهل تقبلت الأمر أم مازالت نفسها حنقة على جهلها بالمعلومات ، لكن بكلا الأمرين ليس هذا ذنبه بالمرة فهو مثله مثلها تمامًا ينصاع وفقًا للتعليمات والخطوات تجنبًا للخطأ ، ليردف بعدم فهم ...
- كل إيه ...؟؟؟ قصدك إيه يا "عهد" ...؟؟!!
رفعت عيناها تخصه بنظرة طويلة للغاية ، نظرة غير واضحة لكن بداخلها بعض الألم والمرارة أدركها على الفور لتنتهى نظرتها بعبارتها بنبرة جامدة ...
- ولا حاجة ... المهم إن المهمة كملت .. وكله تمام ... أظن خلاص كدة ... بما إننا رجعنا الكوخ وإنت جبت الجهاز ... يبقى لازم نرجع مصر ... أو بمعنى أدق ... المهمة إنتهت ...
تهدج صدر "معتصم" بتخبط فهل تقصد مهمتهم إنتهت أم ما ولد بينهم من مشاعر إقتحمت المخاطر لتدق قلوبهم ليردف بعبارة تحمل بعض الإستفهام ...
- المهمة إنتهت ... بس إحنا سوا ...
إستقامت "عهد" للغاية تزيح عيناها عن عينيه المدقتتان بتعابير وجهها ثم أردفت بجمود تدعى به البرود التام ...
- مفيش حاجة إسمها إحنا ... دى كانت مهمة وخلصت يا حضرة الضابط ... متضحكش على نفسك ...
أسرع ينهر تفكيرها وعنادها الواضح ...
- لا يا "عهد" .. مش مهمة وخلصت .. إسمعيني كويس .. اااا ...
قاطعته بحدة ونبرة عدوانية للغاية فهى لن تسمح لقلبها بالإنزلاق بهذا المنحدر خلف مشاعر مزيفة ...
- إنتهى يا فندم ... وكل واحد فينا له طريق غير التانى ... ومفيش أى حاجة حتجمعنا تانى سوا ... كانت فرصة عظيمة إني قابلت ضابط مخضرم زيك ... حقيقي أنا إتعلمت منك كتير ...
إلتفتت بقوة تاركة إياه لتدلف بسرعة لداخل الكوخ حتى أنه لم يلحق بها من سرعتها ليتنهد بضيق فعليه ترك الأمور تهدأ قليلًا فيبدو أن تفاجئها بالأمر لم تتقبله بصدر رحب ...
لكنه ظن أنه عليه أن يترك الأمر للوقت لتهدئة نفسها ، ليصدم حين وجدها تخرج مسرعة من باب الكوخ تحمل حقيبتها فوق ظهرها بسرعة فائقة كسحابة سوداء مرت من أمامه ...
حاول ندائها لكنها لم تلتفت نحوه بالمرة ، ليقف بذهول متطلعًا نحو الفراغ الذى خلفته فيبدو أنه يتعامل مع إمرأة شرسة من نوع آخر ، إمرأة لا يمكن ترويضها بسهولة ...
❈-❈-❈
بيت المستشار خالد دويدار ...
أعمال تبدأ لتنتهي ويبقى السكن هو المنتظر والملتقى ، البيت هو الحضن الدافئ الذي يلجأ إليه المشتاق ، فهو ليس بجدران وحوائط فقط بل هو طمأنينة الروح والقلب ...
بعودة "خالد" و"عيسى" إطمأنت "منار" بوجودهم فقد إنتظرت عودتهم بعد يوم عمل حافل لكل منهما ...
- اليوم كده طويل أوي عليكم ... لازم تاخدوا راحه ...
أجابها "عيسى" بهدوء رغم إنهاكه طوال اليوم ...
- فعلًا يا ماما الواحد نفسه يرتاح ...
تطلعت "منار" من خلف كتفي "عيسى" متسائله بإهتمام ....
- أمال فين "غدير" ما جتش معاكم ليه ..؟!!
جلس "خالد" يلتمس بعض الهدوء بطبعه الرزين متابعًا حوار "عيسى" مع والدته حينما أجابها "عيسى" ...
- الظاهر في حاجه عند "موده" .. حتلاقيها دلوقتِ تيجي ... مش حتتأخر أنا متأكد ...
بيقين داخلي لعشقها له وما يملأ قلبه عشقًا لها كانت إجابته ، فحتى إن لم تُخبره بذلك فهي لن تستغرق وقت طويل بعيدة عنه ، خاصة و هي تدرك أنه عاد لعشهم الهادئ ، لم يخب ظنه حين دق جرس الباب بالعديد والعديد من دقاته معلنًا مجيء الصاخبة صاحبة الحياة المفعمة إلى حياتهم الهادئة لتعيد تهيئتها من جديد ...
هذا الحماس الذي أطلق إبتسامة "منار" التي أسرعت نحو الباب لتفتحه بينما تراقص قلب "عيسى" بإدراكه أن يقينه صائب بمحله وأنها لم تتأخر عنه ...
دلفت "غدير" بضحكتها الرنانة وإتساع إبتسامتها المميزة قائله بمرح ...
- سالخير عليكو يا قطاقيط ...
كانت "منار" أول من تجيبها ...
- الحمد لله على السلامة يا غلباوية ... إتأخرتِ ليه ...؟؟؟
كان التساؤل من "منار" بينما تشدق "عيسى" بإهتمام لمعرفة سبب تأخرها ورفضها المجيء بمصاحبته هو ووالده ... طقطقت "غدير" بأسنانها ببعض الحرج وهي تنظر تجاه "عيسى" المنصت لتردف بطريقة طفلة صغيرة ...
- كنت مستنيه الكيكة تطلع من الفرن ..
أطلقت "منار" ضحكتها من عفوية "غدير" بينما أطبق "عيسى" شفتيه يتمالك ضحكته الساخرة منها غير مصدقًا لبراءة زوجته وحبها لهذا الكعك قائلًا ...
- يعني إنتِ ما رضيتيش تيجي معايا وركبتي تاكسي لوحدك بالليل علشان كيكة يا "غدير" ...!!!!
فغرت فاها وإتسعت عيناها بقوة وهي تبرر ذلك بجدية تامة ...
- دي كيكه بالبرتقااااااال .... إنت بتتكلم إزاااي ...!!!
- أنا برضه إللي بتكلم إزاي .. !!! قالها "عيسى" بذهول رغم محاولته لإخفاء ضحكاته ...
لم يكن ينقصهم سوى حضور "رؤوف" الذي دلف بالتو بعدما قام بإيصال "نيره" لبيتها لتكتمل جمعتهم السعيدة ، هنا دعتهم "منار" جميعًا ...
- سيبكوا بقى من الكلام ده كله ... أهو "رؤوف" جه هو كمان يلا بينا نتعشى قبل ما الأكل يبرد ..
قفزت "غدير" مسرعة نحو المقعد الخاص بطاولة الطعام تشتم أصناف الأكل الشهية قائله ...
- ريحه الأكل تجنن ... أنا جعانه مووووت تسلم إيدك يا "أم مجددددي" ...
ضحكة عيونهم كانت إجابة على رد فعلها الطريف لكن ظل سؤالًا بداخل نفس "رؤوف" وهو يرى هذا التجمع العائلي الرائع ، شيء ما يحاول إيصاله لـ"نيره" ، أمر لم تستطع هي فهمه قط فلا شيء يعادل لمة العائلة ...
دعاه "خالد" ولده الغير منتبه لهم لمشاركتهم الطعام ...
- إيه يا دكتور .. مش حتيجي نتعشى ولا إيه ...؟!!
إنتبه "رؤوف" لحديث والده لتزداد إبتسامته وهو يتخذ مقعده ناظرًا نحو الطعام أولًا قبل أن يثني على والدته بحديثه اللطيف ...
- جاى أهو ... تسلم إيدك يا ست الكل هو فيه زي أكلك في الدنيا ... والله ده أنا لو أكلت أكل الدنيا كله ميجيش زي طبق من إللي بتعمليه بإيديكِ ...
رفع "خالد" حاجبه بإستنكار قائلا ...
- ما كفاية عسل بقى .. دي أمك مش خطيبتك ..!!!
رفع "رؤوف" كتفيه ممازحًا لتعليق والده الذي يكرره دومًا لشعوره بأن طريقته اللينة هي ضعف شخصية يحل به ..
- هو في زي ماما .. وبعدين الإتنين حبايبي ما أقولهمش يعني كلمة حلوة ...؟!!!!
ضحكت "غدير" بقهقهه حتى إهتز جسدها لتستطرد ممازحة "رؤوف" فهي تعتبره كأخيها الأصغر كـ"موده" تمامًا ...
- لا وإنت الصادق كل البنات حبايبك يا أبو قلب كبير ...
ضحكوا جميعًا يشاركون "غدير" مزاحها حتى عقب "رؤوف" ...
- حتى إنتِ يا "دورا" ... ماشي حعديها لك عشان دمك إللي زي الشربات ده ..
ضربه "عيسى" بخفة بمؤخرة رأسه فقد إنتابته بعد الغيرة على حبيبته التي تخصه وحده حتى لو بمزاح أخيه الأصغر ...
- بس يا أخويا ... إنت فاكرها واحده من إللي بتعاكسهم ... ما لكش دعوة بـ"غدير" خالص .. ثم مال "عيسى" بأذنها هامسًا بنبرة عاشقة ...
- على فكرة إنتِ بتاعتي أنا لوحدي ...
كما لو كان توقف الزمان وخلى المكان ولم ترى سواه فقط أمام أعينها التي أشرقت بسعادة ونشوة ملأت قلبها ، فهمساته تكفي لتُغنيها عن العالم بأسره ...
طأطات رأسها بصمت فقد نالت ما تستحقه اليوم بكلمة عشق من قلب "عيسى" ...
إستكملوا تناول طعامهم فيما بدأت سهرتهم بغرفة المعيشة بتناول أكواب الشاي لتجدها "غدير" فرصة لحديث جاد لما تود طلبه من "رؤوف" ...
- "رؤوف" ... بقول لك إيه ... هو ما ينفعش تشوف شغل عندكم في الشركة لـ"موده" ... أحسن تِعبت من شغلها وسابته ... وطبعًا الشركة عندكم أحسن ... هي كمان كلها كم شهر وتتخرج وإنت عارف الشغل بالنسبة لها مهم إزاي ... وهي دلوقتِ من غير شغل ...
بمروءة شديدة أجابها "عيسى" أولًا قبل أن يتفوه "رؤوف" ...
- و ليه تشتغل يا "دورا" ...؟؟!! خليها تركز في مذاكرتها وما تشيلش هم أي مصاريف ... إنتِ عارفة أنا ياما قلت لك بلاش أختك تشتغل وتتبهدل كده ...
لحقه "خالد" مؤيد حديثه فيما يكنه بمحبة لتلك الصغيرة أيضًا ...
- خلاص يا "غدير" قفلي على موضوع الشغل ده ... خلي أختك في البيت وكل إللي تحتاجه يوصل لها .. دي بنتنا برضه ...
حتى قبل إجابتها على كلا منهم لحقتهم "منار" التي تحدثت بقلب أم حنون تقصد كل كلمة تنطقها فهي ليست مجاملة بالمرة ...
- خليها تيجي تقعد معانا يا "دورا" ... ما ينفعش تقعد لوحدها هناك ... أنا مش عارفه هي ليه مصممة تقعد في شقتكم لوحدها ...؟!!
دارت "غدير" بعينيها الممتنتان بوجوههم جميعًا فهي لم تحظى بزوج محب فقط بل حظيت بأسرة مُحبة كاملة ، لمعت عيناها ببعض التأثر لإهتمامهم ورعايتهم لها ولأختها منذ خطت هذا البيت فهي لم تشعر بأنها زوجة أحد أبنائهم ، بل كانت دومًا تشعر أنها إبنة لهم ، عائلة كاملة عوضتها حرمانها من والديها ...
تهدج صدرها وترقرقت دمعة خفية بمقلتيها وهي تردف بإمتنان بالغ لإهتمامهم وحنانهم ...
- والله أنا لو ليا عيله ... ما حتكون أحن عليا منكم ... ربنا ما يحرمنيش منكم أبدًا ... (ثم إستطردت ترفض طلبهم بلباقة) ... بس "موده" دماغها ناشفة شوية ومش حترضى خالص بكده .. هي عايزة تشتغل وتعتمد على نفسها في مصاريفها وخالي "منير" جنبها برضه ...
بتفهم ممتعض لإصرار "غدير" فهي عزيزة النفس كأختها تمامًا ، دائمًا ما كانت ترفض شعور أن يتصدقوا عليهم لكنها ممتنة بإهتمامهم ...
حان وقت إجابه "رؤوف" الذي إنتظر أن ينتهوا جميعًا من عرضهم على "غدير" ، أجابها بثقة لمكانته بالشركة وقدرته على إقناع صاحبة الشركة بهذا الأمر البسيط ...
- ولا تشغلي بالك يا "دورا" ... أنا حكلم المديرة بتاعتنا وهي ممكن تشتغل كمتدربة في الأول لحد ما تخلص كليتها .. وبعدها ممكن تتثبت معايا ... الموضوع ده سهل جدًا ما تشيلي هم فيه خالص ...
تهلل وجه "غدير" بسعادة فبالتأكيد هذا عمل تتمناه "موده" ويعفيها من الحرج والدونية التي شعرت بهما بعد لقائها الأخير بـ"نيره" ...
- يا ريت يا "رؤوف" ... ده يبقى ليك جميل في رقبتي والله ...
أغمض "رؤوف" جفناه بغرور وهو يهز رأسه بخيلاء ثم هتف بروحه المرحة ...
- ما تقوليش كده يا "دورا" ... أهو كله بثوابه ...
إلى هنا إنتهى حد الجدية لدى "غدير" للتراجع عن دور التأثر الذي كانت تمر به لتعود إلى شخصيتها الصاخبة مرة أخرى ، لتطلع نحوه بإحتقار ممازحة إياه ...
- إنت صدقت نفسك ولا إيه ... !!! لاااا ما تاخدش على كده ...
بعيون مرهقة وبسمة لم تفارق شفتيه سحبها "عيسى" من ذراعيها وهو ينهض من جلسته ...
- مش يلا بينا نطلع شقتنا بقى ولا إيه ...؟؟! أنا حموت و أنام ... شطبت ...
بدون أن تراجعه أو تثني كلمته وقفت "غدير" على الفور وهي تلوح لهم بشقاوتها المحببة ...
- تصبحوا على خير يا كتاكيت ...
تقدمت لخطوتين قبل أن تستدير مرة أخرى تجاههم قائله بنبرة خفيضة تعلم جيدًا أن "عيسى" يستطيع سماعها أيضًا ...
- حبقى آجي لكم الصبح نفطر سوا لما عيسى يخلع ...
ضحك "عيسى" من دهشته بمزاحها ...
- سمعتك على فكرة ... قالها بمشاكسة لزوجته التي تعلم أنه إستطاع سماعها ، إلتفتت نحوه بفاه متسع وإشراقة قائله بصوتها العالي ...
- حبيب قلبي ...
كلماتها المازحة وضحكاتها بقلب هانئ كانت نهاية ليلتهم ببيت "خالد" ليصعدا إلى شقتهما وعشهما الهادئ لقضاء ليلتهما معًا ...
❈-❈-❈
لم تكن ليلة هادئة على الجميع بل هناك صخب آخر بقلوب حائرة ، رغم شعوره بأنه لم يخطئ وأن الأمر لا يتعدى كونهُ مهمة تمت على أكمل وجه دون أخطاء ودون خسائر ...
لكن شعوره الذي تعاظم بالخطأ لتسرعه بإخبارها بالأمر بهذه الطريقة ...
أخذ "معتصم" ينظر لخيال "عهد" التي لم يكاد يلحقها عندما خرجت بإنفعال من الكوخ ، أسرع بخطواته يلحقها مناديًا إياها ...
- "عهد" ... يا "عهد"... إسمعي بس ...!!
لم تقف ولم تلتفت بل أكملت طريقها ، بالطبع كان يقدر على اللحاق بها لكن رنين هاتفه معلنًا وصول رسالة نصية جعله يثبت بموضعه ليقرأها ...
كانت فحواها بأن عليه البقاء بالكوخ لتسليم الجهاز الذي تَحَصل عليه من المقر الآمن لأحد مسؤولي الأمن لضمان سلامته وأمنه ...
إقتضب وجهه بتجهم فلن يستطيع اللحاق بها وعليه تنفيذ الأمر والبقاء بالكوخ لحين حضور هذا المسؤول الأمنى ...
زفر بقوة ليعود أدراجه لداخل الكوخ وقد تملكه شعور واحد فقط ، أنه مخطئ متسرع ، يا ليته صمت تمامًا وإنتظر عودتهم وترك الأمر يتضح لها بصورة أفضل مما حدث ...
فبالتأكيد ظنت أنه إستغلها لسلامته فقط ، وأن ما أظهره لها من مشاعر لا تتعدى إدعاء لإقناع "كاتينا" لإيصاله للمقر الآمن ..
ليتها تدرك أنها زلزلت كيانه بوجودها وقدرت على ما لم يقدر عليه سواها ، نعم أتمت المهمة وسرقت قلبه معها ...
❈-❈-❈
شقة عيسى دويدار ...
تَصنعهُ الإرهاق و غلبة النوم كانت حُجة لا أكثر لينفرد بمغردتهِ وقطعة الشوكولاتة خاصته ، كم إشتاق لها تلك صاحبة الحياة ، أراد لو يستمد منها بعض الترياق ليكمل حياته الرتيبة لتجدد طاقته المقبلة على الحياة ...
دلف "عيسى" و"غدير" لداخل الشقة يحاوطها بذراعه بحنان يستمد بقربها روحه لتسكن هي بدورها بإشتياق لقربه ليهمس "عيسى" أولًا ...
- وحشتيني يا شوكولاته ...
إستدارت "غدير" بمقابلته تتطلع نحو ملامحه المحفورة بقلبها قبل عينيها بنظراته الهائمة لكنها كعادتها أردفت ممازحة بإبتسامتها العريضة التي أظهرت أسنانها المميزة ...
- تصدق أنا نفسي أعرف إيه حكاية الشيكولاتة دي ...؟!!
ضم بسمته وهو يضغط بإصبعيه أسفل ذقنها قائلًا ...
- عشان أنا أكتر حاجة في الدنيا بحبها هي الشيكولاتة ... عشان كده بحاول أدور على كلمه أوصفك بيها عندي مش بلاقي غيرها ... عشان هي أكتر حاجة بحبها ... فأنا عايز أقولك إن إنتِ أكتر حاجة بحبها ...
رغم كلماته المتغزلة إلا أنها أوسعت عيناها عن آخرهما معقبة بمزاحها اللطيف وسط ضحكتها المقهقة التي تهتز لها جسدها كاملًا ...
- طب ده أنا أحمد ربنا بقى إن إنت مش بتحب المكرونة ولا المحشى ... ده أنا كان حيبقى إسمى حاجة مسخرة خالص ...
ضحكة أخرى أخرجتها تلك المجنونة من قلبه قبل أن يضرب رأسها بخفة فقد أضاعت لحظته الرومانسية بمزاحها المتواصل ...
- أه يا شعنونه ...
مطت شفتيها بدلال ...
- أنا برضه شعنونه ...!!!
إبتسامه عريضة رسمت أخيرًا على محياه ، هو الذي تتوه منه ضحكاته لا تعرف لوجهه طريق إلا بحضورها فقط ، كما لو كانت لديها سحر خاص تجذبه به كالمسحور ، سحر يتمنى أن يظل منساق خلف عمره بأكمله ، نظر لعينيها بإشتياق قبل أن يردف ...
- إنتِ مش بس شعنونه ... إنتِ مجنونة ... مجنونة جنان ما أقدرش أستغنى عنه ... أنا نفسي قربت أتجنن ...
إلتفتت "غدير" تجاهه بدهشة ...
- تتجنن ليه كده ما إنت عاقل قدامي أهو ...
ضحكة متهكمة أطلقها "عيسى"على حاله الذي أصبح لا يسيطر على نفسه مطلقًا فقد أوشك على الجنون بالفعل ، جنون بمعشوقته التي سرقت فؤاده بلا رحمة ...
- تعرفي إني ببقى ماشي بدور على وشك في وشوش الناس ... بدور على ملامحك فيهم ... لو سمعت كلمة بتقوليها على لسان حد ببقى عامل زي الطفل الصغير إللي لقى أمه وأحس بالروح دبت فيا من تاني ... أنا بضحك على كلامك لما بقعد لوحدي إنتِ في خيالي مش بتسيبيني يا "غدير" ...
لم تقوى على تحمل عباراته المتغزلة وتظل بشقاوتها وخفة ظلها لتلتبسها روح الأنثى التى تسبح ببحور العشق والهيام تاركة العنان لتلك اللحظة التى لا تعوض برفقة حبيبها وزوجها ...
هدأت ضحكاتها الصاخبة لتعلو ضربات قلبها وتصاعد أنفاسها بتلك السعادة التى تملكتها بقربه وكلماته التى تشدو بأذنيها كالألحان تعزف على أوتار قلبها الضعيف ...
هامت بعيناه المثيرتان فهل يدرك أن ما يخبرها به لا يقرب من قطرة واحدة ببحور عشقها له ، تنهدت ببطء وهي تلملم شتات نفسها التى تبعثرت أمامه لتنفرج شفتيها عن كلماتها التى تأسر قلبه المتلهف لها ...
- لو إنت بتدور عليا فى وشوش الناس ... أنا أصلًا مش شايفه غيرك قدامي ، أنا بحب كل حاجة إنت فيها ، بحب أهلك عشانك ، بحب شكلك وملامحك ، بحب ريحتك ، هدومك ، كتبك ، أنا حتى بقيت بحب الأفلام إللي إنت بتحبها عشان إنت بتحبها ، بقيت بشوف الدنيا بعنيك إنت ، أنا يا "عيسى" بقيت إنت من غير ما أحس ، "غدير" خلاص بتروح منى ، وأنا راضية ومبسوطة ومش زعلانة ، متتصورش أنا مبسوطة قد إيه وأنا بتحول وأبقى نسخة منك إنت ...
نفذت كلماتها العاشقة بقلبه المتيم ، فكم هو سعيد محظوظ بعشقها له ، فهي خير متاع الدنيا ...
لكن على الرغم من لحظتهما الرومانسية تلك والتى من المفترض أن تكون سعيدة حالمة إلا أنه لاحظ بنهاية حديثها نظرة حزينة منكسرة حتى نبرة صوتها المرتجفة جعلته يقابل تهدل ملامحها ببعض الإقتضاب ليردف متسائلًا بنبرته الحنونة ...
- مالك يا حبيبتي ، زعلانه ليه كدة ... ؟؟؟
لم تكن تنتظر أكثر من سؤاله لتترك العنان لإحساسها الحقيقي الذى لا يُخفَى على قلب "عيسى" مطلقًا ، تلك "غدير" التى لا يعرفها سواه ، ضمت بأسنانها فوق شفتها السفلية تمنع نفسها من الإنسياق لداخل دوامتها الحزينة تمسك عيونها الواسعة عن الإنفلات بالبكاء ...
سحبت نفسًا قويًا متهدجًا لداخل رئتيها المتعبتان لتحاول إخراج الكلمات بهدوء لأنها حزينة بالفعل ، أجابته ومازالت عيناها متشدقتان بوجهه الوسيم ...
- نفسي يا "عيسى" أجيب بيبي ، نفسي يبقى ليا طفل منك ، بقالنا أكتر من عشر شهور متجوزين ومفيش حتى بوادر أى حمل ، أنا قلبي حاسس إن أنا فيا حاجة غلط ، حاسة إني مش حبقى أم ...!!!
سحبت نفسًا متهدج آخر لتستكمل بنبرتها التى تذوب به عشقًا لكنها منكسرة للغاية ...
- أنا مش عايزة غير إن أنا وإنت يبقى عندنا بيبي صغير ، مش عايزة أكون أم إلا لو منك إنت ، أنا بحبك أوى يا "عيسى" ...
ضمها "عيسى" لصدره بحنو يملس فوق رأسها الصغير الذى إستكان فوق كتفه يتلقى به نفسها المهتزة ، إجابة أوقع و أحن من مجرد كلمات ، لكنه لم يكتفى بذلك ليجيبها بنبرته الهادئة ...
- لسه بدرى أوى يا "دورا" ، لسه العمر جاى ، متزعليش كدة ، بكرة نجيب بيبي وإتنين وعشرة كمان لو حبيتي ، إحنا لسه فى أول حياتنا سوا ...
إستطرد بصدق يهدئ به نفسها المضطربة بلا داعى ...
- وحتى يا حبيبتي لو ربنا مرزقناش بأطفال ، إنتِ أصلًا كفاية عليا ، إنتِ حبيبتي ومراتي وبنتي ، أنا حاسس إني أخدت رزقي من الدنيا كلها فيكِ إنتِ ، ولو خيروني بين الدنيا بحالها وإنتِ ، حختارك إنتِ وبس ..
ضغطت بقوة تحيط خصره بذراعيها تتشبث بأحضانه بقوة فهو محق ، هو فقط يكفيها ولا تريد من الدنيا سواه ..
- حبيبى يا "إيسوووو" ... أنا بحبك أوى ...
أغمض عيناه ليحاوطها بذراعيه دون حديث فحقًا يكفيه قربها ووجودها بحياته ، دغدغت أنفاسه رائحة اللافندر خاصتها ، تلك الرائحة الدافئة التى يشعر أنها لا تخص غيرها ، تنهد برفق وراحة لتلك السكينة التى تخصه وحده مع مالكة قلبه وحياته صاحبة أجمل قلب وأعذب إبتسامة ...
❈-❈-❈
سويسرا (عهد) ..
كيف أرسم صورة بالألوان ولا أملك سوى قلم أسود ، كيف أصدق أنني للحظة كنت أستطيع ..
توقفت عجلات الزمان وهي تنظر لـ"معتصم" مدركة ما فعله ، مدركة لكونها لا شيء ، لم يتوجب عليها سوى أمر واحد فقط ، أن تنأى بكرامتها وعِزتها ..
حملت حقيبتها دون أدنى تفكير مُغادرة الكوخ بكل سرعة أوتيت لها ، لم تشعر بساقيها المتبادلتان وهما تقطعان الطريق دون تفكير ، لم تسمح لقلبها المرتجف من أن تقف أو تستدير ملبية ندائه إليها بصوته الشجى الذى خطف دقات قلبها ...
إستكملت ركضها وإنزلاقها فوق الطريق الوحل بعتمة ليل قاس كقلبها تمامًا ..
هناك شئ محبوس داخل أضلاعها تمنعه من التحرر وعليها فقط الركض ...
لا تدرى كم من الوقت ركضت لكنها شعرت بالإنهاك والتعب بعد أن وصلت أخيرًا للفندق الذى نزلت به فور وصولها ...
صعدت مباشرة لغرفتها بحالتها الرثة غير عابئة بنظرات النزلاء لها حين أتت ...
دلفت لخطوة واحدة إلى داخل الغرفة وأوصدت الباب ، بذات اللحظة والتى كانت تنتظرها منذ ساعات تحاملت بها على نفسها ، إنتظرت لحظة خلائها بنفسها والتى أعلنها صوت إغلاق الباب لتتهاوى قوى تحملها و تسقط فوق ركبتيها قاذفة حقيبتها عن كتفها لتنحنى تسمح لنفسها الأذن بالإنهيار ...
تهدلت ملامحها القاتمة المتجهمة تاركة العنان لحزنها ليطفو فوق وجهها الناعم ، تحررت دموعها الحبيسة وصرخ قلبها المكتوم معلنه بإستسلام أنها حزينة ...
إحساس قاهر لنفسها غير معتادة عليه ...
دموع وشهقات وألم ، مزيج لم يمر عابرًا بها بسلام ، شعرت بالخيانة والحزن ، لماذا ... لماذا فعل ذلك بها ..؟؟
ليت قلبها لم ينبض من جديد ، لم تكن تدرى أن الآلام الروح مؤلمة لهذا الحد ...
بعد مرور بعض الوقت لم تدرى "عهد" كم مر على ذلك لكنها إنتهت ...
دفعت جسدها الطويل لتقف بإستقامة فقد أفرغت شحنة حزنها التى إجتاحتها وعليها العودة ..
إنه مجرد عمل ، وعلى الأمر ألا يتخطى كونه كذلك ، وإن كانت بموضعه لفعلت مثل ما فعل تمامًا ... هكذا قالت "عهد" لنفسها ...
إبتلعت غصتها وإشرأبت بعنقها لتنمحى تلك النظرة المنكسرة وتعود لنفسها ونظراتها القديمة ، قوية شامخة لا تهتز ، صارمة لا تتأثر ، بل ... ومتوحشة إذا لزم الأمر ...
عليها من الآن فصاعدًا ترتيب أولوياتها وألا تكترث سوى لنفسها والعمل فقط ...
عليها أن تعود لرتابة حياتها القاتمة السوداء مرة أخرى ...
لكن كيف ..؟؟ كيف وقد شعرت بأن للحياة متعة أخرى ، كيف ستعود للموت الحي بعدما تيقنت أن لقلبها نبضات ودقات ...
حركت رأسها بقوة تنفض عنها تلك الأفكار حتى لو أجبرت نفسها على ذلك ، فلن تُشعِر أحد بضعفها فهى القوية وستظل كذلك ...
رفعت هاتفها ترسل رسالة نصية للقيادة ...
[ تمت المهمة ... سأعود ] ..
دقائق قليلة ودق هاتفها برسالة نصية ...
[ في إنتظار عودتك ... تم حجز موعد الطيران الخاص بكِ .. تلك صورة مرفقة لتذكرة العودة ... ] ..
ألقت بهاتفها فوق الفراش بعدما إتطلعت على موعد إقلاع طيارتها بصباح الغد لتتجه نحو المرحاض لتغتسل من أثر إنهاكها وإسقاط كل ما حل بها من الخارج والداخل أيضًا ...
❈-❈-❈
خطوات رزينة للغاية تتخذ مسارها بذلك الممر الطويل ، تصدر أصوات مقتربة رنانة فوق الأرضية الملساء بهذا الليل الساكن ...
إقترب صوب الباب ليقبض بكفه السميك مقبضه ليفتحه مباشرة دون الإستئذان أولًا ..
ظهر بجسده الطويل الممتلئ أمام أعين "طه" الذى إنتفض فور رؤيته له لينهض واقفًا على الفور ...
- سيادة اللواء ... !!!
دلف "نظمى" لداخل المكتب قائلًا بصوته الخشن ...
- سهران يعنى النهاردة يا "طه" ..؟؟؟
إبتلع "طه" ريقه بتوتر من مهابة هذا الرجل و تفاجئه بحضوره ..
- يعنى .. بتابع شوية شغل كدة ...
مال ثغر "نظمى" بإبتسامة جانبية يشوبها بعض الخيلاء ....
- أحب أبشرك ... المهمة إنتهت و"عهد" راجعه بكرة ...
إتسعت عينا "طه" بقوة وهو يوارى إحساسه من الظهور جليًا على محياه ...
- حضرتك بتتكلم جد ...؟!!
إقتضب "نظمى" بقوة ليردف ناهرًا إياه ...
- وهو أنا حهزر ولا إيه ... ؟؟! أيوة طبعًا راجعه بكره ...
طأطأ "طه" رأسه للأمام قليلًا قبل أن يستوضح بتوجس ...
- والمهمة ...؟؟؟ وهي ... ؟؟! كله تمام ...؟؟!
دفع "نظمى" بكتفيه للخلف بحركة يشوبها الثقة والغرور من إختياره الموفق لـ"عهد" للقيام بتلك المهمة ...
- كله تمام ... أنا مبعتش أى حد ... أنا عارف كنت بعمل إيه ...؟؟؟
رغم إمتعاضه لإختياره لـ"عهد" لتلك المهمة الإنتحارية دون حتى توضيح لها بطبيعة تلك المهمة إلا أن "طه" أظهر سعادته بعودتها قائلًا ...
- الحمد لله ... يا ريت تكون مقدر ضيقتي يا ريس ... أنا كنت قلقان عليها تسافر فى الخطر ده .. خصوصًا وهي كمان متعرفش حاجة عن طبيعة المهمة أو الخطر اللي حتكون فيه ...
نظرة غليظة حلت ملامح "نظمى" بلا شفقة ..
- وأهى خلصت ... ومجرلهاش حاجة ... أظن نقفل بقى على الحكاية دى ... وبعدين إحنا مش فى روضة أطفال ... إحنا أخطر جهاز فى الدولة ... ولو هي عايزة شغل حنين .. تسيب شغلنا للناس إللي قدها ...
كتم "طه" غيظه من هذا المتعجرف فهو بالنهاية رئيسه بالعمل كما أنه لا يود أن يطالها أذى بسببه ولن يتنازل عن لحظة سعادته بعودتها ...
- طبعًا يا ريس .. هو فيه زى أفكارك .. وأكيد زمايلنا كانوا مأمنينها تمام ...
- المفروض تكون واثق من كدة ... ثم أزاح "نظمي" رأسه قليلًا بلا إكتراث مستأنفًا ...
- وحتى لو مش مأمنينها ... مين يعنى إللي حيهتم بـ"عهد" ... هي لها حد ... ولا حتى بتخاف من حاجة ...!!!
إلتزم "طه" الصمت يود لو يصرخ بوجهه القاسي يخبره بما يكنه لها من مشاعر وعشق يخفيه بقلبه ...
- تمام يا ريس ...
خرج "نظمى" من مكتب "طه" الذى كاد يقفز فرحًا من فرط سعادته بمعرفته بموعد عودتها وسلامتها محدثًا نفسه ...
- المرة دى مش حسيبك إلا ودبلتك فى إيدى ... ده أنا كان قلبي حيقف يا شيخه من قلقى عليكِ ...
أسرع "طه" يرفع سماعة الهاتف قائلًا ...
- أيوة يا إبنى ... أمن لى المطار لحد ما "عهد" توصل البيت بالسلامة ...
خفايا القلوب تدفعنا للظن بما لا نعلمه لتموج بنا الظنون بغير محلها ، لكن بعض الظن إثم ...
❈-❈-❈
بنهاية ليل طويل نظن أنه لن ينتهى ، لكن لكل ليل نهاية ولكل ظلام نهار يقشعه ليبدأ نهار جديد وطريق جديد ..
سويسرا ( الكوخ) ...
بأعصاب تالفة إضطر "معتصم" البقاء حتى الصباح لتسليم الجهاز لمسؤول الأمن الذى تلقى أمرًا بتسليمه إياه ، أمر إستغرق عدة ساعات لم تكن بظاهرها بالفترة الطويلة ، لكنها بنفسه دهور عديدة ...
تسلم المسؤول الجهاز لينطلق "معتصم" بطريقة نحو البلدة فعليه لقائها والتحدث إليها ...
ركض مسرعًا بإتجاه الفندق آملًا أن تسمح له بفرصة لإيضاح الأمر لها خاصة عندما علم بموعد طائرتها صباح اليوم ...
ويبقى للأحداث بقية ...
رواية ظننتك قلبي الفصل السابع عشر 17 - بقلم قوت القلوب
يتنفس الصباح أنفاسه المبهجة للروح ، بداية جديدة لكل طريق ، فعلى كل منا إتخاذ طريق الصواب ، لكن أولًا علينا إدراك ما هو الصواب وما الخطأ ، علينا تحديد طريق المصير ، علينا تعلم الإتجاهات فالبوصلة أخترعت قبل الساعة لمعرفة الطريق أولًا .
لم تستيقظ "عهد" فالإستيقاظ لمن غفى ونال من الراحة نصيب ، فلا عيناها غفت ولا عقلها سكن ولا قلبها إرتاح .
وقفت بصمت تستكمل إرتداء ملابسها السوداء وقد حلت تلك النظرة الخاوية مرة أخرى على عيونها الناعسة ، لملمت شعرها الأسود بغلظة لتعقصه بقوة للخلف ، زاد من مظهرها المتجهم وصرامة ملامحها وتعبيراتها .
ألقت نظرة على إنعكاس صورتها بالمرآة لكن تلك المرة لم تكن خاطفة كما إعتادت بل طالت النظر كمن تؤنس نفسها بوجود نفسها ، تتحقق من عودتها لما كانت عليه ، لكنها الوحيدة التى تدرك أنها بها شئ تحطم .
إبتلعت ريقها لتشيح بعينيها مبتعدة عن التطلع بصورتها فهي لا تود رؤية هذا الإنكسار ، عليها بالظهور بصورة أقوى مما كانت عليه ، عليها أن تزيد غلافها صلابة لتحمى داخلها الهش .
تمامًا كحبة الجوز ذات قشرة صلبة قاسية لا يمكن تحطيمها بسهولة لتحمي ما بداخل قلبها من التفتت ، وإذا توجب عليها التحطم فيجب أن تُضلع قُوىٰ من يحاول كسرها أولًا .
سحبت نفسًا قويًا قبل أن تزفره ببطء ثم حملت حقيبتها فالآن عليها مغادرة الفندق للتوجه للمطار للحاق بموعد طائرتها المحدد ، فها قد حانت العودة .
❈-❈-❈
نمر إستوائي شرس قوى ، يركض بين جنبات الأشجار والطرق الزلقة وسط الوحل والعثرات من جانبه ، هكذا كان "معتصم" بعدما سَلَمَ الجهاز لرفيقه وإتجه للحاق بـ"عهد" قبل أن تستقل طائرتها فلم تحدد لهم سفرة واحدة ، بل تم حجز لكل منهما بموعد مختلف منعًا لإثارة أى إنتباه لو كانا مازلا تحت المراقبة .
بالكاد وصل للمدينة بعد حلول الصباح لكنه لم يكن لديه دراية كافية عن موضع الفندق الذى كانت تقيم به قبل مجيئها للكوخ .
وقف "معتصم" يلتقط أنفاسه وقد أثنى جذعه تمامًا مستندًا بكفيه فوق ركبتيه يلتمس هدوء أنفاسه المتلاحقة ، رفع جسده بإستقامة مُخرجًا هاتفه ليضغط بعض اللمسات باعثًا برسالة لأحد زملائه بالجهاز .
- عاوز عنوان الفندق إللي "عهد" نازله فيه .
- مينفعش تتقابلوا دلوقت .. لأمانك وأمانها .
- متقلقش ... أنا مركز كويس ... إبعتلي بس العنوان ضروري .
- تمام .. حبعتلك رسالة باللوكيشن .
أرفقت الرسالة الأخيرة بموضع الفندق وإسمه ليتحرك "معتصم" مسرعًا تجاهه متأهبًا للقائها قبل تحركها من الفندق .
❈-❈-❈
مكتبة بحر ...
للصمت حكايات وللعين سراديب تخفى عاصفة القلوب ، سعادة تكمن فقط من نظرة ، فقط حين أُطيل النظر إليكِ أُدرك أن النعيم والحياة يكمنان فقط بنظرة ، شمس تتجلي لتشرق بسماء حياته القاحلة لتبقى كيقين بأن هناك بعض البشر كصفو السماء خلقوا للتأمل .
أضواء ملأت أرجاء المكتبة لحظة حضور "نغم" ، هكذا رآها "بحر" ، لؤلؤة تتألق لتنير حياته ببريقها حين تظهر ، مجرد متابعتها بعيناه أمل بحد ذاته ، لكن ياليتها تشعر بهذا العاصف الذى تزلزل من موضعه بداخل صدره ، ياليته يستطيع النطق بها .
ألقت "نغم" تحيتها بهدوء لتبدأ عملها بترتيب بعض الكتب قبل أن تجلس تقرأ إحداهم لحين ظهور عمل آخر لتقوم به .
مجرد مشاهدته لها هى حلم حقيقي بالنسبة لـ"بحر" ، لكنه أخيرًا لم يكتفي بالمشاهدة ليقتحم جلستها متحدثًا إليها .
- على فكرة ... الكتاب ده من الكتب المفضلة ليا .
- بجد ... أنا أول مرة أقراه .
سحب "بحر" مقعدًا ليجلس عليه متابعًا حديثه معها ، يود رؤية ملامحها العفوية وهي تتحدث ، يثير حديث يستمع به لصوتها الرقيق بأى حديث كان ، يريد فقط قُربها الذى ينعش الهواء برئتيه وحياة بداخل قلبه .
- بس عارفه لو كنتِ بدأتي بكتاب أدبي أو رواية كنتِ حتتسلي أكتر .
- الصراحة أنا مش بقرا غير روايات بس .. عشان كدة قلت لنفسي طالما بشتغل فى مكتبة لازم أكون عميقة شوية وأقرأ كتاب .. بس بصراحة .. أنا مش فاهمة حاجة أبدًا .
ضحك "بحر" لتلقائيتها لتظهر وسامته الهادئة فكم هي عفوية ولطيفة .
- طب بتعملي فى نفسك ليه كدة ... !!! واحدة واحدة حتحبي كل الكتب دي وتفهميها كويس ... كمان فيه كتب أبسط من كدة ممكن تبدأي بيها وحتعجبك جدًا ... أنا بعمل كدة .
- زي إيه يعني ... ؟!
وقف "بحر" بزهو ليختار لها أحد الكتب قائلًا .
- لو عايزة رأيي ... إبدأي بالكتاب ده .
- (لأنك الله) .. الدكتور مصطفى محمود .. شكله حلو .
- الكتاب ده حقيقي حياخدِك فى حته تانيه .
أومأت "نغم" بوداعة وهى تتطلع نحو غلاف الكتاب البسيط للغاية فيما شرد "بحر" بعذوبتها وبساطتها التى سلبت قلبه ، عاد لمقعده ليسترسل بحديث وراء آخر متطرقًا لعدة موضوعات يود لو أن حديثهم لا ينتهى .
حاول معرفة المزيد عنها والتحدث عن نفسه أيضًا ليمر الوقت دون الشعور به لكلاهما .
❈-❈-❈
سويسرا ...
رسائل وكلمات مؤجلة ، بإرادتنا أو بدونها لكن النتيجة واحدة ، فقد تأجلت الكلمات وعز علينا الإيضاح لكننا لم ندرك أنه ربما تتغير العناوين ولا يمكننا إرسال الرسائل .
بالكاد وصل "معتصم" للفندق يشعر بالإجهاد والتعرق رغم برودة الأجواء من حوله ، وقف يتطلع بالمحيط من حوله باحثًا بعينيه الكاشفتين كرادار قوى عن وجهته ، دارت مقلتيه السوداء بالوجوه والأشخاص من حوله باحثًا عن هدف واحد فقط .
هدف كاد يُفقدهُ صَوابه منذ رؤيته ، وقف يلتقط أنفاسه المتصاعدة إثر ركضه السريع لوقت طويل ليصل لنتيجة واحدة بالأخير .
إنها ليست هنا .
تقدم بهدوء خطواته الواثقة نحو مكتب الإستقبال متسائلًا .
- من فضلك .. أريد الآنسة "عهد مسعود" .
أجابة عامل الإستقبال بعملية .
- لحظة واحدة .
طرق العامل بأصابعه فوق لوحة المفاتيح الخاصة بجهاز الحاسوب ليردف ببسمة لزجة للغاية .
- عذرًا يا سيدي ... لقد تركت الفندق منذ قليل .
توقف الزمن لتتجمد ملامحه للحظات ، لقد تأخر ولم يلحق بها ، وجد نفسه يشعر بشعور غريب للغاية ، إنه الإحباط .
ذلك الشعور الذى لم يحل به من قبل ، لكنه مُزج بشعور آخر مغاير تمامًا ، إنه متضايق منزعج بشكل قبض روحه ليبتلع ريقه ثم أردف متسائلًا ببعض الثبات .
- منذ متى رحلت من فضلك ... ؟!
أعاد العامل إجابته بذات الإبتسامة الدبلوماسية اللزجة .
- منذ ما يقرب من النصف ساعة .
تهدلت ملامح "معتصم" لوهلة بذهول فهو لم يتوقع أن ترحل بمثل تلك السرعة حتى أنه لم يتسنى له شرح موقفه لها .
أومأ بخفة قبل أن يبتعد بخطواته لخارج الفندق متجهًا نحو المطار فربما يستطيع اللحاق بها هذه المرة رغم صعوبة ذلك لكنه لن ييأس من محاولة أخيرة قبل رحيلها فليس من طبعه الإستسلام بسهولة .
❈-❈-❈
مطار لوغانو "سويسرا" ...
حُلة رسمية سوداء ، شعر معقود ملامح متجهمة وصمت تام ، وقفت "عهد" أمام أحد موظفي التأشيرات بالمطار تنهي إجراءات سفرها بوضع أحد الأختام بجواز سفرها إستعدادًا للمغادرة .
سحبت نفسًا طويلًا باردًا للغاية ، ترى هل تلك البرودة من برد الشتاء العاصف بهذه المدينة أم هو حياتها التى لا تقترن بالدفء والراحة .
ختم وضع بصفحة جواز سفرها أعلن نهاية مهمتها وبقائها هنا ، البلدة التى شهدت على ميلاد قلبها ونهايته بذات الوقت .
رفعت رأسها بشموخ كما إعتادت وإتخذت خطواتها الجادة تجاه قاعة الإنتظار فلم يعد يتبقى على موعد إقلاع الطائرة سوى النصف ساعة .
جلست بمقعد الإنتظار تسترجع ومضات من زيارتها ومهمتها ، تسترجع مشاكسته لها وإبتسامته التى سرقت دقات قلبها الخائنة ، عيناه القاتمتان التى تتحدث بغموض ، ضمت شفاهها بتأثر لتنظر نحو الفراغ فعليها أن تنسى كل هذا ، يجب أن تُجبر قلبها وعقلها على النسيان وإعتبار تلك الأيام مجرد مُهمة وإنتهت منذ هذه اللحظة ولن يجمعهما أى زمان ومكان بعد الآن كما كانت من قبل .
دقائق ودقائق مرت متلاحقة ليعلن النداء عن التوجه إلى الطائرة فحان موعد الرحيل ، وقفت تستقيم بطولها المميز حاملة حقيبة يدها الخفيفة متجهة نحو البوابة لصعود الطائرة ليسدل الستار عن كل شئ خلف ظهرها .
وقفت إحدى سيارات الأجرة أمام المطار قبل أن يترجل منها "معتصم" بخطواته المتعجلة الأقرب للركض ليدلف إلى داخل المطار باحثًا بعيناه الكاشفتان عنها ، دار حول نفسه بإستدارة متعجلة يبحث عن طيفها الأسود لكنه فشل بإيجادها .
أسرع نحو أحد المكاتب يسأل عن موعد الطائرة المتجهة للقاهرة .
- معذرة ... متى ستقلع الطائرة المتجهة للقاهرة من فضلك ... ؟!
بدون حتى أن يتحقق الموظف أشار بكفه نحو السماء بيقين مجيبًا إياه .
- لقد حلقت بالفعل يا سيدى .
تعلقت عينا "معتصم" المدهوشتان بالسماء الواضحة من النافذة الزجاجية حيث أشار الموظف بإحباط شديد وهو يملس جبهته بعنف لفشله مرة أخرى باللحاق بها .
أغمض عيناه لوهلة بضيق بالغ تَفَهمَهُ الموظف بأنه لم يلحق بالتأكيد بأحد الركاب بها ليلتف "معتصم" مغادرًا المطار ليعاود لمسكنه لتلقى آخر التعليمات وموعد عودته القريبة قائلًا لنفسه ببعض التحدى .
- ولو ... حتى لو فلتى منى النهاردة ... مسيري حرجع مصر ... وأكيد الوشوش حتتقابل .. ويا أنا يا إنتِ يا "عهد مسعود" ...
❈-❈-❈
بيت فخري النجار ...
ماكر .. خائن كائن العنكبوت فهو يسقط فريسته ويصطادها داخل بيته اللزج لكنه هو فقط من يدرك أين يضع خطواته حتى لا يقع بالشرك الذى ينصبه ، كذلك كانت "حنين" فهي لا تختلف عن كونها أنثى للعنكبوت تنصب الشراك ببيتها تنتظر وقوع فريستها بالشباك بمكر ودهاء .
إنتظرت بداخل شقتها ذات الباب المفتوح منذ ساعات الصباح الباكر لخروج والد زوجها متجهًا لمحل العطارة خاصته لتنتهز فرصة بقاء "صباح" و "راويه" بمفردهن بالأعلى .
أعدلت من وضع عبائتها الحمراء المزركشة بخيلاء أمام المرآة قبل أن تصعد الدرج نحو شقة والدا زوجها لإتمام أمر تفكرت به جيدًا للتخلص من "راويه" التى تفسد عليها كل خططها للسيطرة على عقل "صباح" والاستفادة منها قدر الإمكان .
دقت جرس الباب بوجهها المقتضب وشفتيها المزمومتان لكنها فور أن فُتح الباب وإرتخت ملامح وجهها بإبتسامة مزيفة حين تلاقت عيناها مع بغيضتها "راويه" .
- صباح الخير يا عروسة .
إطلاق هذا اللقب عليها لم يكن سعيدًا بالمرة بل هو مفاجئ مقلق خاصة من تلك الحرباء المتلونة .
ظنت لوهلة أن "حنين" تسخر منها وتقلل من شأنها كالعادة لتردف "راويه" بعدائية مهاجمة .
- ما تلمى نفسك يا "حنين" ... ناقصة مسخرتك على الصبح ... !!!
دفعت "حنين" بكفها كتف "راويه" تزيحها عن طريقها وهي تخطو نحو الداخل بتغنج وغرور وهى تُعلى من صوتها حتى تسمعها "صباح" .
- يا أختي بقى أنا الحق عليا إني جايه أبشرك بالعريس .
إخترقت كلمة (عريس) أُذن "صباح" التى خرجت للتو لتشهق بسعادة وعدم تصديق لما سمعته أذناها للتو .
- عريس ... !!! إنتِ بتقولي عريس يا "حنين" ... ؟!
ها قد نالت مرادها لتقف "حنين" بمواجهة والدة زوجها بغرور ممتعض من عدائية "راويه" معها قائله .
- أيوة يا ماما "صباح" ... بس الظاهر "راويه" عمرها ما حتعدل لسانها معايا ... ؟؟
قالتها لتثير حنق "صباح" على "راويه" وتوبخها لطريقتها الجافة معها ، هتفت "صباح" تعنف "راويه" بشراسة .
- إخرسي يا بت ... ولمى لسانك مع مرات أخوكِ .
إتسعت عينا "راويه" بغيظ فتلك القميئة لا تنفك بأفعالها وكلماتها التى تبث السموم أينما وجدت لتهتف بغضب تجلى بملامحها وصوتها .
- مش تشوفي هي بتقول إيه الأول ... ولا على طول تطلعي فيا كدة ... ما هي إللي بتتمسخر عليا .. !!!!
إستكانت "حنين" بوداعة لا تليق بها لتردف مرققة من صوتها .
- بقى كده ... كتر خيرك ... ده أنا مستنيه من صباحية ربنا عمي "فخري" يروح الوكالة وآجي أبشركم .
سحبتها "صباح" خلفها بحماس متجهة نحو غرفة الصالون الأحمر خاصتها وهى تدب الأرض بقدميها الممتلئتان قائله .
- سيبك منها ... تعالي قوليلى إيه حكاية العريس ده .. !!
جلست "حنين" غير عابئة بنظرات "راويه" المتقدة بغضب من خلفها لتزداد غرورًا وتفاخرًا بخبر الساعة " عريس لـ راويه" .
- عريس إنما إيه ... ما إنتِ عارفاه يا ماما "صباح" .
إرتعشت عينا "صباح" بسعادة و حماس متسائلة بفضول كاد يحطم أعصابها بينما أنصتت "راويه" لما ستقوله "حنين" فيبدو أن الأمر جديًا .
- ما تقولي على طول يا "نونه" ... مين ده اللي أعرفه ... ؟!
زمت "حنين" شفتيها المبتسمتان قبل أن تلقى بقنبلتها بوجهيهما .
- "حمو" إبن عمتي "عديلة" .
شهقت "راويه" بصدمة وهي تضرب صدرها بكفها بعدم تصديق ليتوهج وجهها الأسمر إنفعالًا من عرض "حنين" المُخزي ليتصرخ بها بغضب .
- إنتِ إتجننتي ولا إيه ... ؟! مش ناقص إلا "حمو" ده كمان ... ؟! إنتِ الظاهر إتهلبتي فى دماغك ... !!!!!
تلجمت "صباح" عن الحديث فبم ستجيبها ، هل بالنهاية يكون عرض الزواج الوحيد لأبنتها من هذا المعاق ذهنيًا إبن عمة "حنين" والذى يعيش بكنف والديه لا يفقه أى مسؤولية لذاته على الأقل .
أترضى به زوج لإبنتها وتتخلص من همها أم ترفض تلك الحياة المُهينة مع زوج لا يصلح لكونه زوجًا من الأساس .
طرفت "حنين" بعيناها لتبرر طلبها دون الإهتمام بصراخ "راويه" .
- عمتي "عديلة" ست قادرة ومعاها قرشين ونفسها تجوز إبنها ومش حتخلي "راويه" محتاجة حاجة ... تؤمر بس ... وأهي يبقى ليها عيشتها وبيتها وتطلع من بيت أبوها بدل ما هي عنست كدة يا ماما "صباح" ... وأنا قلت "راويه" أولى بالعيشة الحلوة دي ... كل حاجة حتبقى تحت رجليها من كافة شئ .. أبقى غلطانة عشان بدور على مصلحتها .
ضاقت نفس "صباح" لكنها لم ترفض الأمر نهائيًا لتردف بحيرة .
- بس متأخذنيش يعني ... مفيش غير "حمو" ... ده دماغه على قده ... !!!
شعرت "حنين" بأن "صباح" قد تميل للموافقة إذا ضغطت عليها للتخلص من حمل "راويه" الذى أثقل قلبها لتردف بتزيين الأمر بعينيها .
- وهو ماله "حمو" ... ده طيب وغلبان ... ومعاهم فلوس زي الرز ... يعيشوها ملكة ... هي حتعوز إيه أكتر من كدة ... ؟؟
دارت عينا "راويه" بحيرة بين كلاهما فهي لا تصدق أن هناك حوار يقام من الأساس لتهتف بغضب .
- إنتوا بتفكروا إزاى ... وربنا ما يحصل ... ده أنا أمُوت أرحم من الجوازه الهباب دي ... ( ثم نظرت تجاه "حنين" بأعين ساخطة فهي سبب كل المشاكل ) ... إنتِ المصيبة اللي بتحدف بلاويها علينا ... إنتِ مالك ومالي ... قاعدة فى مال أبوكِ ... !!! مالكيش دعوة بيا ... أنا حرة ... أعنس معنسش أنا حرة ... إطلعي إنتِ منها يا سوسة ... !!!
وقفت "حنين" تتصنع الإنفعال .
- شايفة يا حماتي ... شايفة بنتك بتقول إيه ... ؟؟ !!! بقى أنا سوسة ... ؟؟ !! يعنى الغلط بقى عندى أنا دلوقتِ ... أنا إللي غلطانة إني بدور على مصلحتها ...
قضمت صباح شفتيها بإمتعاض لا تدري أتوافق أم ترفض ، لكنها ترى إنفعال "راويه" بشكل مبالغ فيه لتهتف بها لتهدأ قليلًا .
- أصبري يا بت أما نشوف .
رفعت "راويه" كفيها تنهر والدتها لمجرد التفكير بالأمر .
- إنتِ بتفكري ... !!!! الموضوع ده ما ينفعش أصلًا ... يعني على آخرة صبري أخد العبيط إبن عمتها .. ؟؟ !!
لم تطيق "حنين" أسلوب "راويه" المنفعل لتجدها فرصة لتصطنع الضيق قائله .
- لا ده مش إسلوب كلام أنا غلطانه من الأول إن أنا أجيب المصلحه دي ليكِ أنا نازله شقتي يا ماما "صباح" .
لم تلبث القليل إلا وخرجت من شقة والدى زوجها تاركة الأمر لتفكير "صباح" التى ربما توافق على زواج "راويه" والتخلص من مسؤوليتها وتكون هي الرابحة بغيابها عن البيت حتى تستطيع الوصول لمبتغاها من "صباح" و"فخري" .
شعرت "صباح" بالتخبط بين الموافقة والرفض لكن وجه "راويه" الغاضب جعلها تبتلع كلماتها تنتظر التفكر بالأمر جيدًا ، بينما أخذت "راويه" تدور بهياج لا تصدق أن "حنين" تجرأت بعرض مثل هذا الأمر عليها ، فكيف تُدني من نفسها لمجرد التفكير به .
❈-❈-❈
(نيره ستور) لمستحضرات التجميل ..
بجلسة ثنائية بين "نيره" وصديقتها "إسراء" بأحد أركان المتجر ، مطت "نيره" شفتيها وهي تستطرد حديثها قائله .
- وبعدين أصريت إن إحنا نرجع البيت وما نشوفش الموبيليا .
- برافو عليكِ ... صح كده عشان ما يفتكرش إن زعلك يعدي بالساهل ... لازم يحس بقيمتك ويعمل لك ألف حساب .. إنتِ كمان لازم تكون عينك عليه أكتر من كده .
أوسعت "نيره" من عينيها متسائله .
- يعني أعمل إيه ... ؟!
- إنتِ دلوقتِ في مرحلة كويسغ جدًا .. أي طلب حتطلبيه لازم يتنفذ فورًا .. إنتِ كده بقيتي الأقوى .. بس لازم تكون سيطرتك عليه في الشغل كمان .
- في الشغل طب أعملها إزاي ... ؟!
حركت "إسراء" رأسها وهي تقلب شفتيها بتفكر بالأمر ثم أردفت .
- لازم من وقت للتاني تطبي عليه في الشغل .. عشان يعرف إن إنتِ عينك عليه على طول .. ما ينفعش تسيبيه لنفسه .. خطيبك ده بالذات ما لهوش أمان .. كل شويه يحب يقعد مع البنات ويتكلم معاهم .. إنتِ لازم تبقى عينك عليه في الشغل وفي البيت .
أومأت "نيره" رأسها منصاعة لأفكار "إسراء" التي تنير بصيرتها .
- صح معاكِ حق .. أنا لازم أطب عليه كل شويه في الشغل علشان أشوفه بيعمل إيه من ورايا .
- إنتِ كده صح .
دارت عينا "نيره" بتفكر كيف تمر بـ"رؤوف" من دون إخباره بذلك لترى ماذا يفعل من خلف ظهرها .
❈-❈-❈
بيت محفوظ الأسمر ( وعد) ...
لم يكن الأمر عاديًا ، فما تظنه يسيرًا قد حل بي بعد ألف معركة برأسي وألف ألف كسر بقلبي ، وإكتفيت بقول كلمة لا بأس .
حَملت بقلبي كل البأس لأجل صغيري فقط ، هو ما أتحمل لأجله فلا تظن أنه لسبب آخر .
تطلعت "وعد" بالجدران الكئيبة من حولها تدور بأفكارها الأحداث والذكريات بعد إصابة والد زوجها بالذبحة الصدرية ونقله إلى المستشفى .
فبعد تلك الليلة التى إنتهت بالمشادة القاسية بين "عاطف" و"عتاب" أمام أعين الجميع و إنسحاب "عاطف" منفعلًا بسبب إتهام "عتاب" له بأنه السبب بما حدث لوالدهم وأنها لا دخل لها بما حل به .
تلقوا باليوم التالي خبر مفزع بوفاة "محفوظ" فلم يتحمل قلبه كل هذا العناء .
كانت وفاة مرتقبة فحالته كانت سيئة للغاية إثر تلك الأزمة التى من الصعب تجاوزها .
تذكرت "وعد" تلك الأيام الكئيبة التى عمت البيت بأكمله حزنًا على فقدانهم لأبيهم ، لكن سرعان ما تحول هذا الحزن لصدام من نوع آخر .
تبدلت أحوال "عاطف" ليصبح أكثر عدوانية وتملكًا فقد إتخذ محل والده بكل شئ وأصبح هو فقط الآمر الناهي بالبيت والعمل .
ذلك الأمر الذى لم تتقبله "عتاب" بسهولة لتكثر مصادماتهم وشجارهم المتوالي فـ"عتاب" لم تكن بالراضخة لتملُك "عاطف" وسيطرته على كل شئ .
وما أثار حفيظتها هو تجنب "محب" لكل تلك الصدامات والوقوف كمتفرج لما سينتهي الأمر بين أخته وأخيه .
إستطاعت "عتاب" شحن نفس والدتها على أخيها لتشترك دومًا معها بالصدام مع "عاطف" الذى لم يكترث لهم بالمرة ، بل تمادى بكونه صاحب السلطة والتحكم فى المال .
كل ذلك أثار تساؤل "وعد" بقوة ، فلماذا يتحكم "عاطف" فقط بالمال والتجارة ؟!
لماذا يصرُ على بقائها بالشقة ولا تختلط بوالدته وأخته كما كانت بالسابق ؟؟
لماذا يهددها دومًا بأنه سيلحق بها الأذى أو يطلقها إذا لم تنتبه بشدة لولدهم الوحيد "زين" كما لو أن خطرًا ما سيحل به .
يومًا بعد يوم شعر "عاطف" بكونه الوسيم صاحب الثروة لتتفاجئ "وعد" بمعرفتها بأنه على علاقة بسيدات سيئات الخُلق يقضى معهن ليالٍ مشبوهة كروحه القميئة ، لم تكترث "وعد" بتلك الرسائل الوقحة التى تصلها منهن بوصف منحل لخيانته لها معهن فقد فقدت كل أحاسيسها تجاه هذا الرجل ، بل أوصلها بنفسه لحافة الكراهية والبغض .
ما كانت تنظر إلا لولدها فقط ، فهي لن تستطيع الخروج به من هذا البيت لهذا عليها التقبل والبقاء معه فهو يستحق تلك التضحية .
أيام تتوالي وما عاد يربطها بهذا الخائن سوى طفلهما حتى الحديث بينهم قد إنقطع فبعد إغلاق المعرض يتجه لإحدى هؤلاء المنحلات لقضاء ليلته معهن ويأتى مع بزوغ الفجر سكيرًا مترنحًا بحالة يرثى لها كمن يتفاخر بكونه مرتكب تلك الكبائر دون أن تتفوه هي بكلمة معاتبة ، ربما يفعل ذلك بها كنوع من العقاب لها لتجنبها له ونفورها منه بالآونة الأخيرة .
❈-❈-❈
الطائرة ...
كما لو كانت حلقت فوق السحاب تاركة قلبها يسير بالأرض ، كمن إنتزع قلبها تاركًا خلفه فراغ أجوف ، لكن العجيب أنه مازال يتألم .
إتخذت "عهد" مقعدها بالطائرة تتذكر رحلة قدومها كيف كانت ، قويه غير مبالية ، شرسة .. حادة بعكس جلستها اليوم هادئة مستكينة ، كمن تبدلت نظراتها للعالم من جديد وأصبحت ترى الدنيا من منظور مختلف .
هل بتلك الأيام الماضية فقط أزيلت الغشاوة عن أعينها ، أم أنها كانت تبصر واليوم غُم عليها .
بهدوء عكس طبعها جلست تنتظر نهاية رحلتها وعودتها إلى أرض الوطن .
❈-❈-❈
سويسرا ( الفندق) ...
عاد "معتصم" إلى الفندق لينهي ما تبقى من مهمته إستعدادًا لإستقلال الطائرة مساء اليوم كما حُدد له .
جلس بطرف الفراش وهو يستند بمرفقيه فوق ركبتيه منكسًا رأسه بضيق بالغ متعجبًا من حاله ، فقد ظن أنه بمجرد الإنتهاء من المهمة سيكون سعيدًا بقدرته على الإنتهاء منها ، لكنه الآن يشعر بأن هناك شيء عظيم ينقصه ، لماذا ليس سعيدًا بنجاحه هذه المرة ؟!
هل يمكن أن تكون قد إستطاعت "عهد" أن تترك هذا الفراغ المهول بداخل نفسه حتى انه لا يستمتع بنجاحه ككل مهمة يقوم بها ، لقد أصبح نجاحه أمرًا عاديًا وسعادته منقوصة .
رفع وجهه قليلًا محدثا نفسه .
- لو فاكره إنك كده أنهيتي المهمة ... تبقي لسه ما عرفتيش أنا مين ... راجع لِك ... وساعتها نشوف مين فينا حيغلب التاني يا "عهد" ....
❈-❈-❈
المستشفى ...
كما وعدت يجب أن توفي بوعدها ، هكذا هي "شجن" ، إتجهت نحو المستشفى للمرور بـ"أيوب" للإطمئنان عليه فقد شعرت بالمسؤولية تجاه هذا الرجل الوحيد .
مرت أولًا بالطبيب المتابع لحالة "أيوب" لسؤاله عن حالته اليوم .
- صباح الخير يا دكتور أنا "شجن" قريبة عم "أيوب" بتاع حادثة العربية .
- أه أهلًا وسهلًا ... كويس إن حد من أهله جه علشان كنت عاوز أوضح حالة عم "أيوب" لحد من قرايبه .
ضيقت "شجن" حاجيبها بتوجس لتردف متسائلة .
- ماله عم "أيوب" ... ؟! هو في مشكله ولا إيه ... ؟!
أشار إليها الطبيب بالجلوس أولًا ليشرح لها حالته الصحية .
- شوفي يا آنسه عم "أيوب" بسبب الحادثة حصل له كسر مضاعف في عظم الحوض وده أثر على بعض الفقرات في العمود الفقري .. للأسف حيبقى صعب جدًا إنه يقف ويمشي على رجليه من تاني ... مش عاوز اقولك إن الأمل إنه يرجع لحالته الطبيعية يكاد يكون معدوم ... وحاليًا هو محتاج رعاية وإهتمام كبير جدًا .
صدمة غير متوقعة لتتهدل ملامحها بذهول وتتشدق عيناها لتتسعا عن آخرهما ، فهل بهذه السهولة يتحول الإنسان من قادر إلى عاجز عن الحركة ، سبحان من يغير ولا يتغير ، أشفقت بتأثر لحال هذا الرجل الطيب فكيف ستخبره بالأمر ... وكيف سيتقبله ، بل وكيف سيتعامل معه بوحدته التي يعيش بها .
هزت "شجن" رأسها بتفهم قبل أن تغادر مكتب الطبيب متجهة لغرفه "أيوب" وقد شعرت بثقلًا يجثم فوق قلبها .
طرقت الباب بخفة تستأذن للدخول حين طلت برأسها المستدير وإبتسامتها العذبة ليتفاجأ "أيوب" بزيارة "شجن" ، لقد أتت من أجله مره أخرى .
تهللت أساريره بسعادة وهو يتابع دخولها غرفته بوجهها البشوش وملامحها الرقيقة قائله بإبتسامة .
- صباح الخير يا عم "أيوب" .
حاولت "شجن" ألا تُظهر ما أخبرها به الطبيب ، فبالتأكيد نفس هذا الرجل المهترئة لا تتحمل خبر مثل هذا .
قابلها "أيوب" بإبتسامة ونظرة ممتنة لعودتها .
- صباح الخير يا "شجن" يا بنتي .
جلست "شجن" على المقعد المجاور لفراشه لتضع عُلبة الطعام الكبيرة التى حضرتها والدتها بالصباح .
- جايبه لك بقى فطار إنما إيه ... ملوكي ... كُل بقى و إدعي لي .
تطلع "أيوب" بالعُلبة البلاستيكية الكبيرة التي من الواضح أنها صنعت بالمنزل ليتفاجئ برائحة الطعام الشهية تدغدغ أنفه ، فيبدو أن تلك البسيطة تكلفت الكثير لإعداد هذا الطعام .
- إيه ده كله يا بنتي ... مكلفه نفسك أوي كده ليه ... ؟؟
- لقمة بسيطة يا عم "أيوب" ... يلا كُل إنت بالهنا والشفا الأكل ده كله علشان تقوم لنا بالسلامة .
إبتسم "أيوب" بوهن وحلت نظراته الحزينة بملامح وجهه المجعد حين أدرك بفراسة أكسبها له الزمن قائلًا .
- شكلك طيبه و إللي في قلبك بيبان على وشك على طول ... شكلك عرفتِ يا بنتي الدكتور قال إيه ... ؟!
إبتلعت "شجن" ريقها الذي جف بحلقها لتجيبه بأمل ويقين .
- بس إحنا لسه قدامنا علاج وإن شاء الله حتبقى أحسن من الأول .. مش عايزاك تفكر خالص في الحكاية دي .
بتقبل تام ورضا بما قسمه الله له أجابها "أيوب" .
- إنتِ فاكره إني زعلان يا بنتي ... ؟؟ لا والله ده نصيب وقدر وأنا راضي بقسمتي إللي ربنا كتبها لي .
شعرت بقلة الحيلة ، فماذا ستفعل لهذا الرجل الذي لابد من وجود رعاية كافية له .
- طب وإنت حتعمل إيه يا عم "أيوب" و إنت لوحدك كده .... ؟!
- ربنا هو المستعان ... أكيد ليها حل بإذن الله .
هزت "شجن" رأسها بعدم إدراك .
- طب إنت ليه لوحدك ... ؟! فين أهلك فين ولادك .. فين الناس إللي بتحبهم ... ؟!
- أنا مش من هنا يا بنتي ... أنا كنت جاي القاهره أخلص شوية ورق ... لكن أنا مش من هنا ... أنا ما ليش حد في الدنيا يقعد معايا بس أكيد حرجع بلدنا ... مش هينفع أقعد هنا على طول .
حاولت إظهار تفهمها لكنها كانت مشفقة جدًا على حاله ووحدته ، إنتبهت لتأخرها عن العمل لتنظر لساعة يدها الصغيرة لتردف بتعجل .
- إحنا لسه حنتكلم كتير ... المهم دلوقتِ تخلص أكلك ده كله و أنا لازم أروح المستوصف أحسن أنا إتأخرت أوي ... أنا حعدي عليك تاني عشان أعرف إيه حكايتك بقى بالتفصيل .. وتقول لي فين قرايبك دول عشان نتصل بيهم وترجع بلدك .
أومأ "أيوب" برفق فيكفيه وجودها إلى جواره .
- ما تشغليش نفسك بحكايتي ... كفاية إنك هنا و بتسألي عني .
ضحكت "شجن" بخفه قائله بشقاوة .
- لا أنا فضولية وعايزة أعرف إيه حكايتك بالتفصيل الممل .
- وأنا حقول لك كل حاجة لما تبقي تيجي تاني .
- ماشي يا عم "أيوب" أنا حروح الشغل وآجي لك بكره ... إستناني .
- حاضر يا بنتي حستناكِ .
أسرعت "شجن" بطريقها إلى المستوصف حتى لا تتأخر عن عملها الذى إستأذنت منه قليلًا للذهاب للمستشفى والعودة لإستئناف عملها مرة أخرى .
❈-❈-❈
بيت النجار (زكيه) ...
تحضرت "زكيه" وهي تنظر لآخر مرة بمحفظتها الخاوية ، لتتنهد بضيق فمتى ستنتهي الهموم التي تلازمها ولا تتركها للحظة ، ماذا فعلت لتنال كل هذا الحظ العسر ...!!! لكنها تُدرك أن المؤمن مصاب ليتقرب إلى الله ويثقل ميزانه بالحسنات عوضًا عن حزنه وكربه بالدنيا .
جرجرت ساقيها لهذا الطريق فليس لديها حل آخر فما زال الشهر بمنتصفه والنقود بنهايته .
تحركت صوب إحدى جارتهم بالحي التي إعتادت على الإقتراض منها لحين قدرتها على السداد ، وعليها إنتظار أن تحصل إبنتيها على راتبهم ببداية الشهر الجديد لسداد الدين .
مُجبرة وليست مُخيرة ، فمن أين تأتي بالمال لتعيش هي وبناتها ، تقدمت نحو بيت السيدة "خيريه" وهي كما تسمى تمامًا لا تتقاعس عن المساعدة ، لكنها تحب الإلتزام .
لطالما وقفت إلى جوار "زكيه" بأوقاتها الصعبة ، دقت "زكيه" باب "خيريه" لتستقبلها الأخيرة بترحاب وحفاوة .
- يا أهلًا يا أهلًا بالست "أم شجن" .
- صباح الخير يا "خيريه" ... معلش أعذريني مقصرة معاكِ .
قالتها "زكيه" وهي تدلف نحو الداخل وتقصد ما قالته حقيقة فـ"خيريه" سيدة وحيدة ليس لها زوج ولا أولاد تنتظر مرور أحبائها بها لقضاء وقتها معهم فوحدتها قاسية على من هم بعمرها فقد فاتت كل القطارات لتتركها وحيدو بمحطة الكِبَر .
- أنا عتبانه عليكِ ... كده برضه تغيبي ولا تسألي عليا ... ؟!
- حقك عليا يا "خيريه"... ما إنتِ عارفه دوخة البنات وعمايل "صباح" الله يسامحها .
ذمت "خيريه" فمها بإستياء من سلبية "زكيه" حتى بدعائها .
- هو إيه إللي ربنا يسامحها ... يا أختي الله لا يسامحها على عمايلها فيكِ وفي عيالك ... أنا عارفه بس إنتِ ساكته ومستحمله كده ليه ... ؟! تغور السُكنه إللي مبهدلاكِ إنتِ وبناتك دي ... !!!!
تنهدت "زكيه" بقلة حيلة تجيبها بنفسها المتحشرج .
- يعني نترمي في الشارع وبيت أبوهم موجود ... !!! أسيب لهم كل إللي حيلتي ... !!! ما إنتِ عارفه إنهم نفسهم يطفشونا من البيت عشان ياخدوا الشقة ...
- لاااا ... خليكِ في البهدله وقلة قيمتك وقيمة بناتك .. !!!! هو ده ينفع يا "زكيه" . دول عرايس بقوا واعين وفاهمين كل حاجة ... بقى علشان ورثكم تتبهدلوا كده مع الوليه أم لسان طويل دي ... !!!!
تنهدت "زكيه" بقلة حيلة تجيبها بنفسها المتحشرج .
- يعني نترمي في الشارع وبيت أبوهم موجود ... !!! أسيب لهم كل إللي حيلتي ... !!! ما إنتِ عارفه إنهم نفسهم يطفشونا من البيت عشان ياخدوا الشقة ...
- لاااا ... خليكِ في البهدله وقلة قيمتك وقيمة بناتك .. !!!! هو ده ينفع يا "زكيه" . دول عرايس بقوا واعين وفاهمين كل حاجة ... بقى علشان ورثكم تتبهدلوا كده مع الوليه أم لسان طويل دي ... !!!!
وكعادة الإستسلام لدى "زكيه" طأطأت رأسها بيأس وهي تجيبها مبررة إستسلامها الشديد .
- الأمر لله حعمل إيه ... !! ده حتى فلوس العِيشة مش مكفيه ... ده أنا جايه لك و وشي منك في الأرض تسلفيني لحد أول الشهر ... قوليلي طيب لو سكنت في شقة إيجار أقل إيجار بكام !!! ... أهو في الأول وفي الآخر إسمه بيتنا ... وحقهم وحق أبوهم ووصيته إننا ما نسيبش الشقة ...
زفرت "خيريه" بغيظ من إستسلام "زكيه" المعهود .
- طب حتى دوروا على عقد الشقة عشان تبيعوها ... !!
- يا أختي كله إلا موضوع العقد ده ... ده فص ملح وداب دورت في كل حته في البيت مش لاقياه أبدًا ... البنات كل يوم والتاني عايزيني أبيع الشقة ... طب إزاي ... ؟! هو أنا معايا عقدها ... !!
بإندهاش هزت "خيريه" رأسها متسائله .
- يكون راح فين يا أختي .. ؟! ما يكونش "فخري" ولا مراته سرقوه ... ؟!
- دول ولا بيخطوا عتبة شقتي ... عمرهم ما دخلوا عندي أبدًا ... حيكونوا أخدوه إزاي بس .. ده أنا من بعد جوزي الله يرحمه ما مات دورت عليه لما دُوخت ما لقيتلهوش أثر ..
- مع انه موصيني ما أفرطش في حق البنات .
- عجيبة والله .. !!! ربنا يعترك فيه .
مطت "خيريه" فمها بإمتعاض ثم أردفت مشفقة على حال جارتها .
- خلاص يا أختي يبقى تكلمي "فخري" يلم مراته وعياله عنكم شويه ... ولا هو خلاص حط إيده في المياه الباردة وسايبهم عليكم .. !!!
رفضت "زكيه" بشكل قاطع أي تعامل بينها وبين "فخري" .
- وعلى إيه يا أختي ... أنا ناقصة مشاكل مع "صباح" ... دي لو عرفت إني كلمته حتبقى ولا على حامي ولا على بارد ... دي ما بتستحملش أقول له كلمة .
نهضت "خيريه" بضيق من حال "زكيه" الخانع .
- والله غلبتيني يا "زكيه".... المهم يا أختي تشربي إيه ... ؟!
- لا والله ما إنتِ عامله حاجة ... أنا أصلي مستعجلة وجايه لك في قرشين أكمل بيهم الشهر ... قلت أشوف ظروفك تسمح ولا إيه ... لحد بس أول الشهر لما البنات تقبض ... وإنتِ عارفاني ما بتأخرش عشان أسدهم .
بعتاب المحب نظرت "خيريه" لصديقتها ببعض الملامة .
- ولو يا "زكيه" ... ده كلام ... !!! براحتك يا أختي ... حالًا أجيب لك الفلوس .
بكرمها الطائي دلفت "خيريه" لغرفتها لتأتي لها بالمال الذي تحتاجه فهي ميسورة الحال وتساعد الجميع بكرمها وجودها ، عادت "خيريه" لتمد يدها ببضعة أوراق نقدية اتجاه "زكيه" .
- خدي يا حبيبتي ... وعلى راحتك خالص ما تشيليش همهم .
- كثر خيرك يا حبيبتي ... إن شاء الله ما أتأخرش عليكِ ... هو بس لحد أول الشهر .
إستقامت "زكيه" تستأذن من "خيريه" بالمغادرة حين تمسكت بها "خيريه" تلتمس بعد الوناسة بوجودها .
- خليكي معايا شويه ... أديكِ شايفه لوحدي ليل ونهار .
إبتسمت "زكيه" بطيبه قلب لتعاود جلستها ومرافقتها لـ"خيريه" لبعض الوقت فهذا أقل ما يمكنها تقديمه لتلك السيدة الخيرة المُحبة .
❈-❈-❈
مكتبة بحر ...
طريق السعادة يكمن في صوتك ثم حديثك ثم أنتِ ، هكذا رآها "بحر" لساعات حديثهم المختلف ، تلك الساعات التي لم يشعر بمرورها فقط بصحبتها ، تمنى لو أن حديثهم لم ينتهي .
لكن وقع خطوات دبت بأرضية المكتبة معلنة قدوم زائر إنتبه إليه كلاهما ، حين تقدمت إحدى الفتيات نحوهم .
إتخذت الطريق صوبهم كما لو كانت قد حددت من قبل ما تريد ، فهي لم تتطلع بأي إتجاه نحو الكتب المصفوفة أمامها بأعينها الناعسة النصف مفتوحة ليظهر وجهها الصغير وشفتيها اللاتي تمطتهما إلى الأمام بتغنج غريب وهي تعبث بشعيراتها الثائرة ، كما لو كانت بإحدى جلسات التصوير وليست لشراء كتاب بالمكتبة .
- مساء الخير .
بلحظة لاحظت نغم تغير ملامح "بحر" المبتسمة لأخرى جادة تمامًا بعكس ما كان عليه منذ قليل معها ، وقف من مقعده ملبيًا طلب الفتاة ليظهر طوله وقوته لكنه كان مقتضب تمامًا بحديثه .
- مساء الخير يا فندم ... أي خدمة ... ؟!
بللت الفتاة شفتيها بدلال قبل أن تستطرد متسائله .
- لو سمحت كنت عايزة كتاب عن تعليم الرسم .
أشار "بحر" بذات الجدية التي أثارت تساؤل "نغم" لتبدُل أسلوبه المرح لهذا الجاد المقتضب الغريب تمامًا عن تعامله معها .
- في الركن ده مجموعة كتب ممكن تختاري منها إللي تحبيه .
زادت الفتاة من تمطط شفتيها بإمتعاض مستكملة بدلال مغثي للنفس .
- ممكن تختار لي إنت واحد ... أنا أصلي مش عارفه إيه يكون كويس .
رمقها "بحر" بضيق وهو يخبرها بنبرة حادة نوعًا .
- ما أعرفش ذوق سعادتك ... الرفوف إللي هناك دي عليها الكُتب .. شوفي إللي يناسبك... أنا مش برشح كتب لحد .. !!!
إتسعت عينا "نغم" بتعجب فهو منذ قليل رشح لها كتاب لقراءته فلما يتعامل بخشونة مع تلك الفتاة ، لكنها تابعت حديثهم حين إستطردت الفتاة قائله .
- طب حضرتك زعلان ليه ... !!! هو إنت إسمك إيه ... ؟!
- أفندم ... !!! هو حضرتك عايزة إيه بالظبط ... ؟!
نظرت الفتاة نحو "نغم" قبل أن تردف بحنق من طريقة "بحر" الجافة معها .
- مفيش ... عادي يعني ... إحنا جيران هنا قلت أسألك عن إسمك ... !!
زفر "بحر" ببطء ويحاول التحدث بهدوء فلا داعي للإنفعال .
- لا طبعًا ... عادي ... بس مش متعود أنا الأستاذ "بحر" .
تعمد نطقها بهذه الطريقة لفرض التعامل معه برسمية ، لكنها أجابته بهيام مثيرًا للتقزز .
- إسمك حلو أوي ... أنا "صِبا" .
رفع "بحر" حاجبيه و أهدلهما بتملل حين إستكملت "صبا" ناعسة العينين بدلالها الذي لا يتماشى مع إختيارها للكتب مطلقًا .
- ممكن تساعدني يا أستاذ "بحر" عشان أختار كتاب مناسب ..؟ !
- بس كده تعالي يا آنسه "صبا" ... أنا حجيب لك كتاب إنما إيه .. حيعجبك جدًا .
تطلعت "صبا" نحو "نغم" بإندهاش فلم تتوقع أن تطوع هي لمساعدتها لتردف برفض .
- لا لا يا حبيبتي ... خلاص ما تتعبيش نفسك .
فاهت "نغم" فيها بتعجب فهي كانت تلح بصورة غريبة طلبًا للمساعدة ، والتي تلاشت فور عرضها لتتيقن أن هذه الفتاة لم تأتي سوى للتقرب من "بحر" فقط ، لتجيبها بتهكم .
- على راحتك ... !!!
هزت "صبا" رأسها بحركة سريعة بنفور منها ثم إتجهت نحو الأرفف وهي تزفر بقوة ، تدب خطواتها بإنفعال تكاد تترك أثرها بالأرضية ، إبتسم "بحر" من هيئة "نغم" المتعجبة وهي تتوسع بعينها السوداء ، تقلب شفتها السفلية بشكل طفولي لذيذ ، حين تحدث بنبرة منخفضة حتى لا تستطيع "صبا" سماعه .
- شكرًا إنك أنقذتيني .
- ما تقلقش هطفشها لك .
إتسعت ابتسامته الجذابه لخفة ظلها ، حين عادت "صبا" ترمقهم بنظرات يتطاير منها الشرر لضيقها الشديد ، خاصة وهي ترى إبتسامة "بحر" الواسعة تجاه تلك القصيرة ، وضعت الكتاب بقوة فوق الفاصل الخشبي بينها وبينهم .
- بكام الكتاب ده ... ؟!
- سلامة نظرك ... ما هو مكتوب عليها أهو ... !!!
ضمت "صبا" شفتيها بغيظ لما تفسده تلك الفتاة ، لتخرج بعض العملات النقدية واضعة إياهم فوق الكتاب لتتلقاهم "نغم" مستكملة بيع الكتاب لها دون تدخل "بحر" .
إلتفتت مغادرة بتأفف شديد ضحكت له "نغم" قائله ببراءة .
- هو في كده ... ؟!
- البنات بقت غريبة أوي يا "نغم" .
- إنت بتقول فيها ... ده لولا إن أنا هنا مش عارفه كانت عملت إيه ... شكلك غلبان أوي في حتة البنات دي .
لاحت بعيناه نظرات هائمه لم تفهمها "نغم" وهو يجيبها بوله عاشق لم تنتبه له هي بالمرة .
- بنات إيه بس ... هي واحدة بس ... لكن هي ولا هي هنا ... !!!!
- إيه ده إنت بتحب بقى ... !!! طب مين سعيدة الحظ دي .... حد أنا أعرفه ... ؟!
صدمته كانت قوية للغاية ، كمن يقف بطريق وهي تبعده بطريق مختلف ، كما لو أن بينهم مفترق طرق ، فقد قدرته على إيصال مشاعره لها لتتسع شفتيه بإستياء رغم صمته ليردف بإحباط .
- بس هي ما تعرفش ...
- إيه ده حب من طرف واحد كمان ... !!! الله يكون في عونك ... على فكرة أنا ممكن أساعدك لو أنا كنت أعرفها .
تهدلت ملامحه بتألم فيبدو أنها لا تشعر به مطلقًا .
- أكيد حطلب مساعدتك ... بس لما هي تحس بيا الأول .
- وأنا معاك في أي وقت ... إحنا أخوات .
أومأ لها بضيق فوقع الكلمة على قلبه كان مرهق للغاية ، فهو لا يتعدى مجرد أخ بحياتها ، إنسحب بهدوء و لاذ بالصمت بقية اليوم ليبقى داخل المكتبة مُلملمًا قلبه المبعثر دون أن تشعر هي بما حطمته للتو .
❈-❈-❈
مؤلم الفراق حتى لو كان بإختيارك ، فهو مفترق الطرق الذي يجب عليك أن تسلكه بالبقاء أو الرحيل .
نداء أخير أعلن وصول الطائرة لمطار القاهرة معلنًا عودتها لحياتها القديمة .
بآلية تامة خرجت "عهد" من المطار متجهة صوب شقتها .
هل عادت تلك السحابة السوداء القاتمة مرة أخرى لحياتها .
دلفت إلى داخل البناية التي تقطن بها لتمر بخطوتها السريعة من أمام حارس العقار الجديد الذي فور أن رآها توارى عن مقابلتها حتى لا تعنفه بشراسة كما فعلت بالمرة السابقة .
لم يهمها هذا الرجل بل كانت تتمنى أن تخلو كل الطرق من جميع البشر ، لتبقى بمفردها فقط كما إعتادت وكما عليها أن تتعود ، هي وحيدة فريدة ليست مِثل الجميع بل هي مَثَل للجميع .
تنفست براحة فور أن دلفت إلى شقتها القاتمة وأغلقت بابها من خلفها ، الآن فقط عادت إلى وطنها ، ألقت حقيبتها و مفاتيحها جانبًا للتهوى بجسدها المنهك فوق أحد المقاعد ، دارت بحدقتيها بالسكون المحيط حولها ، ها هي قد عادت من جديد .
بذات وقت العودة هو وقت الرحيل ، كلاهما يسلك إحساس مختلف ، إتجه "معتصم" لمطار (لوغانو) لإستقلال طائرته لكن بنفس مختلفة تمامًا عن الساعات الماضية .
فهو سعيد لتلك العودة ، فالآن لن تستطيع الهروب منه ، بل هو من سيذهب إليها ، إنه لا يخسر معركة قد بدأها مطلقًا ، واليوم تبدأ معركته مع المتوحشة .
❈-❈-❈
شركة بيكو للأدوية .
بنبرة صوته السارقة للقلوب ، إنه الحنون لطيف المعشر معسول الحديث .
تقابل "رؤوف" مع مديرته بمكتبها ، والتي تكن له بعض الإعجاب بشخصيته المرحة الطيفه لا أكثر ، خاصة وهى تقرب من عمر والدته .
بدأ حديثه معها بلطافته المعتادة ، ذلك الأسلوب الذى لو إستمع إليه شخصًا غريب لا يعرف طبع "رؤوف" لظن أنه يتملقها أو يغازلها .
- ما شاء الله عليكِ النهاردة ... واضح إن مزاجك رايق .
- ما تدخل في الموضوع على طول .
أشار نحوها بسبابته بطريقته المرحة لتظهر إبتسامته المميزة بفمه الصغير .
- أه يا فهماني إنتِ .
جلس "رؤوف" بأريحية وهو يضع ساقيه فوق بعضهم بعض بغرور مازح كما لو كان هو صاحب الأمر والنهي .
- فيه موظفة جديدة عايزين نجيبوها معانا ... هي بنوته شاطرة .. حتشتغل أثناء الدراسة .. وإن شاء الله تثبت جداره وتتثبت معانا بعد ما تتخرج بإذن الله .
بنظرة مندهشة أجابته "هناء" .
- لاااا ... ده إنت أخدت القرار بقى ... !!! والمطلوب مني إيه ... ؟!
- لا ... ولا أي حاجة ... هي حاجة شكلية كده وخلاص ... تمضي على ورق التعيين بتاعها .
لم ينتظر حتى سماع القبول أو الرفض منها فوجه "هناء" كان إجابه لذلك دون التصريح به .
طريقته العفوية واللطيفة جعلتها تضحك بصوت مسموع ، لكن فجأة وبدون إستئذان فُتح باب المكتب ليتفاجئ كلاهما بإقتحام "نيره" ثائرة الأعصاب .
- الله .. الله ... ده إيه بقى إللي بيحصل هنا ده ... ؟!
نظر إليها "رؤوف" بصدمة متفاجئًا من حضورها وإقتحامها مكتب المديرة ، حتى أن "هناء" تجهم وجهها بقوة لتطاول تلك الفتاة وإقتحامها مكتبها بدون إذن لتهتف بها بحدة .
- إنتِ مين ... ؟!! وعايزة إيه ... ؟!
- دي "نيره" خطيبتي ... (ثم إستدار نحو نيره متسائلًا ) ...في إيه يا "نيره" ... ؟!!!!؟
توسطت "نيره" خصرها بكفيها وهي تضرب الأرض بقدمها بتوتر و إنفعال .
- إيه الضحك والمسخرة دي ... !!! هو إنت مش حتبطل أبدًا يا "رؤوف" ... أنا زهقت منك يا أخي ... !!!
فهمت "هناء" مقصد تلك الفتاة التي يبدو عليها الغباء فكيف تظن ذلك وهي تقرب من سن والدته لتنظر هناء نحو "رؤوف" بصرامة ثم طلبت منه المغادرة وإنهاء هذا الوضع الغير مقبول .
- روح شوف الدنيا دي إيه ... ويا ريت الموضوع ده ما يتكررش تاني يا "رؤوف" ... !!!!
شعر "رؤوف" بالغضب من تصرف "نيره" المتهور ليشير نحو الخارج بحدة قائلًا .
- إتفضلي قدامي وأنا حفهمك .. (إستدار نحو "هناء" مؤكدًا على عمل "مودة" ) ... أنا حكلم الناس .. خلاص إتفقنا .
هزت "هناء" رأسها بخفه لكن ظهر على ملامحها الضيق لتصرف خطيبته الغير مسؤول .
خرج "رؤوف" من المكتب لكنه قابل "نيره" بوجه مقتضب على غير العادة .
- لو سمحتِ يا "نيره" إنت كده حتبوظي لي شغلي ... إيه إللي إنتِ عملتيه ده .. !!! حد يدخل مكتب المديرة كده ... ؟!
- لا والله ... خايف على إحساساتها أوي ... !!!!
حاول "رؤوف" كبح غضبه قدر المستطاع حتى لا يثور على تصرفها الأهوج ، لكنه ولأول مرة أجابها بإقتضاب بنبرة حادة للغاية .
- لو سمحتِ يا "نيره" ... إللي إنتِ بتعمليه ده أنا مسمحش بيه ... أنا ما بعملش حاجه غلط ... يا ريت تمسكي نفسك شويه وتعرفي إنتِ بتكلمي مين وإزاي ... مش كل حاجه حعديها وخلاص ... أنا يمكن بتكلم كويس مع الناس ... لكن أنا عمري ما عملت حاجة غلط ... وبعدين إنتِ جايه هنا ليه ... وكمان من غير ما تقوليلي إنك جايه الشركة ... إيه ... بتراقبيني هنا كمان ... ؟!
شعرت "نيره" ببعض الإرتباك من حدة "رؤوف" التى يظهرها لأول مرة ، خاصة وهو محق بهذا الأمر فهي لم ترى منه أي خيانه قط أو تصرف أرعن ، لكنه فقط مع معسول الحديث .
هدأت نبرة صوتها لتردف بإضطراب لشعورها بخطأها وتهورها .
- خلاص تمام .. أنا ... أنا كنت جايه علشان نكمل مشوارنا وندور على العفش .
وجدها "رؤوف" فرصة مناسبة لتناسي خلافهما السابق ، ليجيبها ومازال الضيق يسيطر عليه حتى وجهه اللطيف إقتضب بشدة بصورة غير مسبوقة بينهما .
- خلاص تمام ... إستنيني حعمل مكالمة ونتحرك سوا .
- تمام حستناك بره .
فور أن خرجت "نيره" من الشركة لتلملم بقايا إضطراب نفسها لشعورها بخطئها الجسيم هذه المرة ، أخرجت هاتفها تتصل بـ"إسراء" تخبرها بما حدث وماذا عليها فعله لإصلاح الأمر ، لكن "إسراء" كان لها رأي آخر بأن على "نيره" إيقاعه بأي خطأ حتى تخرج من لومه لها لتهورها حتى لا تكون هي المخطئة .
أخرج "رؤوف" هاتفه ليتصل برقم "غدير" ليخبرها بموافقة رئيسته بالعمل على تعيين "موده" وأن عليها الحضور للشركة غدًا لترتيب بدأ العمل معهم .
❈-❈-❈
شقة موده ...
تهللت "غدير" بفرحة حين أنهت مكالمتها مع "رؤوف" قبل أن تعود لأختها التي إنشغلت بترتيب جلستهما معًا لمشاهدة أحد الأفلام .
قفزت "غدير" أمام "موده" وقد إتسعت إبتسامتها المميزة بإبتهاج قائله .
- إنتِ بتعملي إيه ... يلا يلا قومي معايا ... أنا مش عارفه إيه البيت إللي ما فيهوش حاجة حلوة ده .. !!!!
- "دورا" انتِ اللي لسه قايله تعالي نقعد نتفرج على فيلم .. !!!
حركت حاجبيها بشقاوة وهي تجيبها مطلقة ضحكتها قائله .
- أيوه من شويه مكناش حنحتفل ... دلوقتي لازم نحتفل .
- نحتفل بأيه ... ؟!
قالتها "موده" ببعض التحفظ حينما سحبتها "غدير" من ذراعها قائله .
- نحتفل بشغلك الجديد يا بطوطه .
عقدت "موده" أنفها بإستهجان دون فهم ما تقصده "غدير" .
- شغل إيه .. ؟!
- أنا كلمت لك "رؤوف" ... ومن بكره حتشتغلي معاه في شركة الأدوية ... يلا بينا ... تعالي إعزميني على حاجة حلوة ... عايزة أكل حجازية .
تيبست "موده" بمكانها هل يمكن أن تلعب الصدفة دورًا ليسعد قلبها ؟؟ هل يمكن أن تصدق ما تسمعه بأن هناك طريق يقدم لها مقابلة معه بشكل رسمي دون جهد منها ؟؟؟ هل يمكنها أن تراه دون عناء أو تفكير .. هل يمكن أن يكون لحظها موجة سعيدة بعد عواصف حياتها الباهتة ...؟؟!
قطع تشتت أفكارها دفعة أخرى من "غدير" وهي تقهقه بصوتها الرنان .
- يلا يا بخيله مش حسكت إلا لما تجيبي لي حجازية دلوقتي ... دلوقتي .
تهلل وجه "موده" بإبتسامة سعيدة فيكفيها قُربه فقط لتردف بإبتهاج يماثل حماس "غدير" وجنانها .
- حجازية بس ... طب والله لأجيب لك جاتوه .
- قلبي مش قادر يستحمل أخيرًا حناكل جاتوه .
تشبثت "موده" بذراع "غدير" ليغادرا البيت للشراء بعض الحلويات قبل عوده "غدير" لبيتها .
قطع كلاهما الطريق يتضاحكان بخفة إحتفالًا بهذا الخبر السعيد بعمل "موده" بشركة الأدوية مع "رؤوف" .
❈-❈-❈
شجن ونغم ...
يوم جديد ينتهي به عملهما لتمر "شجن" بأختها لمرافقتها إلى البيت ، بتلقائية وحنو تأبطت "نغم" ذراع "شجن" تخبرها بتفاصيل يومها وعملها بالمكتبة وما حدث بينها وبين "صبا" و"بحر" اليوم .
كانت "شجن" أيضًا تفيض بحديثها مع أختها وصديقتها بتفاصيل يومها بالمستشفى والمستوصف .
هكذا إعتادتا ألا تخفي أحدهما عن الأخرى شيئًا ، بل لقربهما صلابة قوية ، كَنَجمتين متلالئتين دلفا لداخل الحي يتوهجان بحُسنهما يخطفان الأبصار من حولهم .
لم يخطفا عيون المارة فقط بل تطلعت عيون "راويه" تجاهما بتحسر فهي لم تحظى يومًا بهذا القرب من أخت أو صديقة .
❈-❈-❈
هل يمكن ان ينقلب الحظ التعيس لضربة حظ وإحساس بالسعادة ، فبعد أن غابت عن عيناه ها هي تتألق أمامه لتسرق قلبه من جديد .
كان يظن أنه لن يراها بعد الآن ، لكن شاءت الصدف أن تقع عيناه عليها اليوم .
جلس "رشيد" بمقعد المقهى برفقة أقرانه ، لكن ذهنه وقلبه حلقا بعيدًا عنهم حينما رأى طيفها أمامه ، فها هو قلبه يدق من جديد .
كم إشتاق لإحساس السعادة برؤيتها فهل ستسمح له الفرصة بتقابل طريقهما بعد أن ظن أنه وصل لمفترق الطرق .
ويبقى للأحداث بقية .
رواية ظننتك قلبي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم قوت القلوب
عندما يثقل القلب والفكر بالخبايا والأسرار يأتي الوقت الذى تنفذ عنده طاقة التحمل ويبقى حل واحد أخير ... الإنفجار ...
لقد خبأت كل أسراري بداخل بئر عميق لم أدرى أنا نفسي نهايته ، لكن هذا البئر قد إمتلأ ولم يعد بالإمكان الكتمان لأكثر من ذلك ..فلابد من الإعتراف ، لكن من يتحمل مشقة هذا الحِمل المُنهك معي ؟!! ، من أستطيع أن أثق به لأسكب إليه كل ما خبأته بداخلي ؟!! ، ليس سوى أشقاء القمر ، من يحمل همي وحزني و ...دمي ...
***
أُهدل ستار الليل لكن مازالت العيون مستيقظة و القلوب حائرة ..
بيت النجار ...
إنتفضت "راويه" من وقفتها بصوت أمها الخشن يناديها من داخل الشقة عندما كانت تقف بالشرفة تتطلع نحو بنات عمها أثناء عودتهم من عملهم ...
لوت فمها بنفور ثم أجابتها بأعين ساخطة ..
- أيوه حاضر ...
دلفت "راويه" نحو الداخل تطالع والدتها بضيق ثم سألتها ...
- خير .... عاوزه إيه ؟!! .. هو إنتِ يعني جايه على الحبة إللي بقف فيهم أخذ شويه نَفَس في البلكونة و لازم تناديلي وتعكنني عليا !!!!!
رفعت "صباح" ساقيها بصعوبة وهي تثنيهما أسفلها قائله ....
- بتهببي إيه يا آخر صبري ...؟؟! ... تعالي أقعدي هنا أهو قدامي عايزه أقولك حاجة ..
جلست "راويه" بتأفف تنتظر أن تَغدق والدتها عليها بالحديث الذي لا تطيقه الآن ...
- أهو .. قعدت ...
لم تعطي "صباح" بالًا بتأفف "راويه" ، فهي تفكر بما هو أبعد من ذلك ، لقد أحضرتها الآن لأمر آخر ....
- مش راضية برضه بالعريس إللي جابته "حنين" ..؟!!!
زمجرت "راويه" بغضب وإتسعت عيناها ببريق مخيف ألجم والدتها بموضعها لتهتف برفض تام ...
- وربنا لو فتحتي السيرة دي تاني ما حيحصل كويس ... آخر مرة تجيبي لي سيرة المخفي ده هو والست "حنين" بتاعته ....
إضطرت "صباح" للرضوخ لرفضها لتردف قائله ...
- طيب ... بس برضة ما ينفعش بنات الخدامة يتجوزوا وإنتِ تفضلي قاعده لي كده !!!
- يعني أنا حعمل إيه .. !!! هو بإيدي ..؟!!
زفرت "صباح" بقوة فلم يعد لديها سوى حلها الأخير والذي سينهي هذا الأمر تمامًا ...
- بصي بقى ... أنا لقيت حل للخدامة وبناتها ...
- حل ... حل إيه ؟!!! حنعمل لهم إيه يعنى !!!
إستكملت "صباح" بزهو لفكرتها التي ستنهي أمر "زكيه" وبناتها تمامًا ولن تفكر بهم مرة أخرى ...
- نعمل لهم إيه ... نعمل لهم عَمَل .... أنا أعرف واحد شيخ حيجيب من الآخر ...
بذهول شديد نظرت "راويه" وقد فغرت فاها بلا تصديق لما تتفوه به والدتها لتشهق بصوت مرتفع ...
- عَمَل !!!!!!!!
زجرتها "صباح" وهي تلكزها بقوة في ساعدها لتخفض من صوتها حتى لا ينتبه إليها زوجها الذى دلف للنوم منذ قليل ....
- اششش وطي صوتك إنتِ عايزة تفضحينا ...!!!
زاغت عينا "راويه" بصدمة وقد إتسعت عن آخرهما لتحاول إجابتها بنبرة خفيضة ...
- إنتِ بتقولي إيه يا ماما ...؟!! على آخر الزمن حنعمل لهم عَمَل ..!!!
بإستهزاء شديد وهي تقلب نظراتها تجاه إبنتها من أعلى لأسفل ....
- أيوه يا أختي عَمَل ... أمال نسيبهم لحد ما الفاس تقع في الراس ... لازم من دلوقتِ نوقف كل حاجة ...
ضمت "راويه" شفتيها بإمتعاض وهي تنصت لما سوف تقوم به والدتها ...
- إنتِ عايزه تعملي إيه بالظبط ...؟؟!
إستطردت "صباح" قائله بذات النبرة الخفيضة .....
- إحنا لازم نشوف حل نهائي في القصة دي ... إنتِ حتطلعي لـ"زكيه" تجيبي قطرهم .. وأنا حوديه "للشيخ كرامه" ...
شهقت "راويه" مرة أخرى بفزع فهي ذات طبيعة متخوفة لا تقوى على تلك الأفعال ...
- أنا ... ؟!!!!!!! وأنا مالي ... !!! إطلعي إنتِ هاتيه ...
لكزتها أمها بقسوة وهي ترمقها بنظرة غاضبة نكست لها "راويه" عيناها بتخوف ....
- بس يا بت ...!! ما هو لو ما جبتيش القطر بتاعهم حسابك عندي أنا ... هو أنا بعمل كده عشان مين .. ؟!! ما عشانك يا بوز الفقر ... يعني عايزاهم يتجوزوا وتعنسي إنتِ ..!!!!
ضمت "راويه" شفتيها المرتجفتان بغضب تكظم غيظها من نهر والدتها القاسي لها لتردف بإنصياع ...
- ماشي ...
عادت تكرر "صباح" الأمر على مسامعها بتأكيد حتى لا تتغاضى عنه بتخوفها ...
- بكرة الصبح أول ما تصحي من النوم تطلعي تجيبيه على طول ...
حركت "راويه" رأسها إيجابًا رغم إستهجانها للأمر ، لكن من هذا الذي يرفض لـ"صباح" أمر ...
***
بيت المستشار خالد دويدار ...
حينما يأتي المساء يكون وقعِه ببيت دويدار لأمر مختلف تمامًا فهذا وقت تجمع العائلة بدفئها وترابطها ، وقت يتمناه الجميع ...
ككل بيت يحمل أوجاعه و مشاكله و أوقاته السارة ، كان كذلك بيت هذه العائلة لكن ما يخفف وطأة العقبات بحياتهم هو ترابطهم ووحدتهم وبالأخص صراحتهم فما يميزهم جميعًا أنهم بغاية الوضوح حتى بمشاعرهم ...
دارت "منار" بعيونها نحو أصناف الطعام التي أعدت لمساء اليوم مع مساعدتها "أم مجدي" ...
تلك السيدة النحيلة الهادئة والتي تشبه طباعهم بشكل كبير ، كم توافد عليها مساعدات كُثر لم تتفق معهم "منار" بمثل ما إتفقت مع تلك السيدة التي إعتادت على طباعهم و إعتادوا على وجودها منذ ما يقرب من العام ...
تسائلت "منار" بنبرة مازحة ...
- إوعي تكوني لسه ما خلصتيش الأكل ... شكلهم حياكلوني بره ...
أٔجابتها "أم مجدي" بإبتسامة لمُزاحها ...
- وده كلام ... كله جاهز وآخر تمام ..
بتقدير لمجهود تلك السيدة معهم ..
- والله أنا مش عارفه من غيرك كنت عملت إيه يا "أم مجدي" .. إنتِ طالعه نازله طول النهار ... شويه عندنا وشويه عند "غدير" كتر خيرك تعبينك معانا ...
بإمتنان شديد أجابتها "أم مجدي" ....
- وده إسمه كلام ... ده الواحد يخدمكم بعنيه والله ...
ربتت "منار" برفق بكتف تلك السيدة ثم انتبهت قائله ...
- إيه ده ... مش ده صوت الباب ..؟! الظاهر "رؤوف" راجع بدري النهارده ... أما أروح أشوفه وأسالهم لو عايزين يتعشوا ...
خرجت "منار" من المطبخ ظنًا منها أن "رؤوف" هو من عاد من الخارج فزوجها و"عيسى" و"غدير" يجلسون بغرفة المعيشة منذ بعض الوقت ...
مفاجأة سارة دبت بقلبها حينما وقعت عيناها على ولدها الغائب "معتصم" لم يكن عليها سوى نطق إسمه فقط بهذا الحماس ليخرج الجميع لمقابلته بعد غياب دام لشهور طويلة ...
- "معتصم" ...!!!
لم يشعر "معتصم" بطول الطريق بقدر إشتياقه لأسرته ووالديه ، تلك العائلة التى كان لها الأولوية القصوى لرؤيتهم عند عودته بعد غياب بمهماته التى أبعدته عن الوطن لعدة شهور ...
رؤيته لوالدته كان كفيلًا بإشعارِه بأنه أخيرًا عاد لأرض الوطن ...
على الفور ترك "معتصم" حقيبته عن يده ليخطو خطوات متعجلة نحو والدته وقد رُسمت بسمة شقت ملامحه بسعادة لإشتياقه لها ...
- وحشتيني يا ماما ..
مهما علا شأنه وقوته إلا أنه يظل ولدها الصغير بعينيها مما كَبُر وزاد طولًا وقوة ، سيظل بقلب أمه لن يتغير أبدًا ، تلقته بين ذراعيها بحنان تلتمس الراحة والسكينة التي غابت عنها لشهور عدة لغيابه ..
- حمد لله على السلامة يا حبيبي ..
إثر ندائها فقط خرج "خالد" و"عيسى" بينما تشدقت "غدير" من خلفهم فهم يفوقونها طولًا ليحجبوا رؤية "معتصم" عنها ...
رغم إشتياق "خالد" لولده إلا أنه وقف برزانة ينتظر قدومه إليه فهو ليس معتادًا بإظهار مشاعره خاصة تلك اللينة التي تُظهر ضعف قلوبهم ...
لم يخب ظنه حينما تقدم "معتصم" بإبتسامته الخفيفة نحو والده ينظر له بترقب فتلك المشاعر الفياضة لا تليق بكلاهما ، فهما أقوى و أَحَد من لين المشاعر والقلوب ، لكن لكل قاعدة إستثناء فبلحظة غلب الحنين القوة ليسمح "خالد" بعناق خفيف بينه وبين "معتصم" الذى سعد به قلبه ...
- حمد الله على السلامة يا حضره الظابط ...
بينما كان تقابل الأخوة كان أقل حِدة وتفكيرًا لم يلبث "عيسى" إلا ورفع ذراعه يصافح أخيه بقوة ليرد "معتصم" بالقوة نفسها قبل أن يسحبه بعناق أخوي تظهر به جسارتهم وعنفوانهم ...
- لك وحشه يا "عيسى" ..
بالكاد ظهرت "غدير" وهي تقفز من خلفهم قفزات مستمرة بمزاحها اللطيف ليُستَمع لصوتها فقط من خلف "عيسى" ...
- إنتوا يا جماعة وسعوا شوية ... إعملوا حساب القصيرين عايزة أتفرج ...
ضحكوا جميعًا لخفة ظلها فحتى بتلك اللحظات المؤثرة إستطاعت وضع بصمتها الطريفة بينهم ليجيبها "معتصم" ...
- والله وحشتني شقاوتك يا "غدير" ...
أعلت من صوتها وهي تضع كفها خلف أذنها كمن صَعِبَ عليها الإستماع لبُعدها عنه ..
- بتقول حاجة يا "معتصم" ... معلش أصل الصوت مش واصل عندي ...
ضحكات أخرى ملأت أرجاء البيت لطرافتها وحيويتها ، وها هم قد إكتمل شملهم أخيرًا لم يبقى سوى حضور "رؤوف" لتغلق دائرة العائلة أخيرًا ..
تلك اللحظات الحميمة لم تُغفِله عما حدث بمهمته الأخيرة ، لكن الإعتراف هنا بأن شيء ما تحرك بداخله هو إعتراف يكمن بداخل نفسه فقط ...
***
رؤوف ونيره ...
الإعتراف بالخطأ ليس خطيئة ، لكن التهرب منه هو جريمة بحد ذاتها ، الصادق هو من يعترف بخطئه دون إلقاء باللوم على الطرف الآخر فسياسة قلب الأمور لا تجدي نفعًا ولا تُقيم حياة ...
لاذت "نيره" بالصمت خلال الطريق بمرافقة "رؤوف" بعد تهجمها مكتب رئيسته بالعمل ..
إدراكها لخطأها الجسيم جعلها تتفكر بصمت بأن عليها أن تتهرب من اللوم الذى بالتأكيد سيلقيه عليها الآن وعليها إستباق ذلك بوضعه هو بخانة المخطئ حتى تتساوى الرؤوس او على الأقل تتهرب من إلقائه اللوم عليها ...
بطبعه الودود بدأ "رؤوف" يكسر الجمود بينه وبين "نيره" قائلًا ...
- حنروح على فين ...؟!!
أدارت "نيره" كتفها معترضه طريقته بالحديث كما لو أن شيئًا لم يكن وفضلت الصمت ...
خطف "رؤوف" نظرة بجانب عيناه تجاه "نيره" التى لم تبالى بحديثه أثناء قيادته للسيارة ليكملها بإلتفاته كاملة وهو يتعجب من ضيقها الواضح والذى من المفترض أن يكون هو صاحب هذا الضيق وليس هى ..
- فيه إيه يا "نيره" ...؟!!
رفعت "نيره" حاجبها بإستنكار وهى تناظره بإستعلاء وتحقير قبل أن تجيبه ...
- إنت بتتكلم بجد ولا بتستعبط .. ؟!!
بعدم فهم لمقصدها قضب "رؤوف" بين حاجبيه بقوة ..
- جد إيه .. وبستعبط إيه ... هو مين إللي المفروض يزعل ... إنتِ بتقلبي الآية ...!!!!!
إستدارت نحوه بجذعها كاملًا وهي تردف بحدة وإنفعال لتأكيد خطأه ...
- أنا ...!! ولا إنت إللي غاوى تحرجني مع أصحابي ... ؟؟؟
- مش فاهم ...!!
سحبت نفسًا طويلًا قبل أن تستكمل تأنيبها له ...
- والله ...!!! إنت غريب جدًا ... !! مش أنا قلت لك على الأدوية إللي "إسراء" عاوزاها ... فين بقى ... مجبتهاش ليه ... إنت كدة عاوز تحرجني مع أصحابي ...!!!
إتسعت عينا "رؤوف" للغاية بإندهاش ليردف موضحًا ...
- أحرجك ...!!! إنتِ بتقولي إيه .. ؟؟! أولًا الأدوية إللي هي عاوزاها مش تبع الشركة عندنا ومش عارف أجيبهالك منين ... ثانيًا بقى .. إحنا ناس مستورين يا "نيره" ... أنا وأهلي نعتبر عايشين بمرتباتنا ...لا إحنا وارثين ولا أغنياء ... وأنا بعمل جُهدي عشان أكوّن نفسي وأتجوز ... أنا بجتهد عشان أجيبلك كل إللي إنتِ بتحلمي بيه ... مقدرش كل وقت والتانى أتكلف هدايا ومجاملات لأصحابك بالشكل المُكلف أوى ده ...
ها قد وصلت لما يوقعه بالخطأ الذى تترقبه لتشهق بقوة قائله بإستنكار شديد ...
- إيه ده ... أنا مكنتش أعرف إنك بخيل أوى كدة ..!!! مش بتحب تاكل فى المطاعم ولا بتحب تجيب هدايا بسيطة زى دى لأصحابي وبتحرجني معاهم ... إنت أكيد مش طبيعي ... أيوة ... البخل ده مرض ... إنت محتاج دكتور نفسي .. مش معقول كدة ...!!!
بذهول تام ردد "رؤوف" مستنكرًا ...
- دكتور نفسي ...!!!! للدرجة دى ... كل ده عشان بقولك كفاية تكلفة وهدايا ... أنا بحاول أرضيكِ بأى شكل ... وبرضه مش بيعجبك ...؟!!
رفعت "نيره" رأسها بخيلاء وهي تطرف بعينيها بإستعلاء فقد وصلت لمبتغاها وها هو سيحاول إرضائها ...
- أنا كدة أخاف يا "رؤوف" من حياتنا مع بعض ... أخاف تكون بخيل وأتعب معاك ...
زفر "رؤوف" بقوة محاولًا إسترجاع هدوئه النفسي ليصلح هذه العقبة أيضًا من طريق حياتهما معًا ..
- خلاص يا قلبي ... أنا محبش زعلك ... حجيب لك الأدوية بتاعة صاحبتك ... وكمان حناكل بره ... مبسوطة ...؟!!
بضحكة جانبية خفيفة لشعورها بالإنتصار أجابته "نيره" ...
- أيوة مبسوطة ...
أكملا جولتهما بالبحث عن الأثاث وهي تشعر بالزهو لسيطرتها ، أما هو فيتكلف السعادة التى تغيب تمامًا عن حياته لكنه يحاول جاهدًا الوصول إليها لكنه يبدو أنه يضل طريقها ولم يصل إليها بعد ...
***
بيت المستشار خالد دويدار ...
يتمتع رجال هذا البيت بقوة ورزانة حتى بحديثهم ومزاحهم ، منبع للجاذبية والغموض بذات الوقت ...
قضى "معتصم" ساعات برفقة أبيه وأخيه دون الإفصاح عن طبيعة مهماته الخطرة كما أن "عيسى" لم يتطرق لقضاياه ودواخلها ، إنصات "غدير" و"منار" لحديثهم الشيق وتجمعهم المسائى كان مبهج للغاية ...
تمت راحتهم بقدوم "رؤوف" بعد تأخر دام لبعض الوقت لإنشغاله مع "نيره" ...
تفاجئ "رؤوف" بعودة أخيه ليتلهف مظهرًا مشاعره صريحة دون إخفاء مهللًا حين وقعت عيناه عليه ...
- مش معقول .... "عصووووم" ... حبيبي ... حمد الله على السلامة ...
أسرع بخطواته يعانق أخيه بمحبة بادلها له "معتصم" على الفور ...
- "رؤوف" ... عامل إيه ..؟!!
إبتعد "رؤوف" قليلًا عن "معتصم" قائلًا بلطافته ...
- من غيرك البيت ولا يسوي يا "عصوووم" ... شايف ... شايف الدنيا نورت إزاى لما جيت ...
إبتسم "معتصم" لليونة أخيه وطريقة حديثه اللطيفة ...
- لسه نحنوح زى ما إنت ... أخبارك إيه ... وخطيبتك عاملة إيه ...؟!!
- حلوين أوى يا "عصوم" ... كلنا حلوين ...
طرف "معتصم" عيناه بثقل تجاه "عيسى" مستنكرًا بمزاح لين "رؤوف" المختلف تمامًا عن طريقتهم الجافة ...
- شايف أخوك ... مش عارف بيتكلم كدة إزاى ده ... !!! الواحد بيضرب طوب فى كلامه ...
ضحك "عيسى" بخفة تعقيبًا على "معتصم" بينما قفزت "غدير" بخطواتها بخفة قائله بحماس وهي توسع من حدقتيها بطرافة ...
- فيه كيك برتقال فى المطبخ ... أجيبلكوا معايا ...؟!!
بقهقة خفيفة أجابوا جميعًا ...
- يا ريت ...
لحقتها "منار" قائله ...
- خديني معاكِ أحضر الشاى ...
مدت "غدير" كفها تتأبط ذراع "منار" مردفة بخفة ومزاح ...
- أحسن برضه ... يلا بينا من القاعدة الناشفة دى ..
إستأذنهم "خالد" فقد حان موعد نومه المعتاد ..
- خليكوا على راحتكم ... أنا داخل أنام ... تصبحوا على خير ...
كانت جملته إعلانًا لحديث أكثر أريحية بين الأخوة ...
- وحضرتك من أهل الخير ...
كان تفكير "معتصم" الشاغل هو كيف يتعامل مع الجنس الآخر ، فعليه مُهمة غاية في الصعوبة بإرضاء متوحشته بالغد ليسأل "عيسى" بغموضه المعتاد ...
- ظريفة "غدير" ... إلا قولي يا "عيسى" ... إنتوا مش بتزعلوا سوا ... يعنى أنا شايف إنكم ما شاء الله متفاهمين أوى ...؟!؟
أجابه "عيسى" بهدوء ...
- هو فيه بيت بيخلى ... بس الحمد لله الأمور بينا بسيطة أوى ... ومسافة ما بزعل أو هي تزعل بيكون التراضى بينا سهل أوى ... هُم كدة ... تبقى حنين معاهم يبقوا لطاف أوى ...
تذكر "رؤوف" خلافه اليوم مع "نيره" والتى قلبت الأمور معه تمامًا ليلتزم الصمت المستنكر فياليت "نيره" بقلب صاف مثل "غدير" لكانت حياته معها أسهل بكثير ...
بينما كان بعقل "معتصم" طيف آخر ظنًا منه أنه بسهولة ترضى النساء وأن خِلافه مع "عهد" سينتهي بسهولة كما ينتهي خِلاف "عيسى" و "غدير" ، لقد لعب بعقله الظن والتفاؤل ، لكنه نسي أن بعض الظن إثم وأن ليس العقول والقلوب مشابهة لبعضها البعض ...
***
عطارة النجار ....
نهاية يوم إعتيادي بتجارتهم ليتم إغلاق المحل بحلول الليل وذهاب كل عامل لمنزله ، كذلك "فخري" وأبنائه كلٍ إتجه صوب منزله لكن "مأمون" كان آخرهم ليتأخر عنهم قليلًا قبل ذهابه ...
لم تكن شقته بالبعيدة عن تجارتهم لهذا يتخذ طريقه سيرًا على الأقدام كل ليلة مارًا من أمام بيت العائلة بطريقه المعتاد ...
صدح هاتفه برنين ليقف بالزاوية مخرجًا إياه من جيب سترته ليجيب المتصل ، إسم تكرر لعدة مرات متخذًا قراره بالنهاية بالإجابة ...
- ألو ... أيوة يا "ريهام" ...
الكثير والكثير من الحديث والإيماءات لم ينتبه "مأمون" لتلك العيون التى تتابعه بشغف أثناء توقفه لتحدثه بالهاتف ، فقد إستغرق للغاية بحديثه مع من كانت زوجته ...
بيت النجار ...
عيون واسعه كدائرة القمر تدور بمحجريها كسواد الليل الصافي ، تطلعت نحو "مأمون" بأعينها التى ملأت بالشوق والعشق الذى أنساها من يكون وأين تكون ...
هامت ببحور قلبها الولِه بهذا الرجل الذي لم ترى بمثل جسارته ومروءته ، إنه إبن عمها الذى نزع قلبها بين يديه دون إرادتها فقد فتحت عيناها على عشق يخلل قلبها تجاهه ...
وقفت "نغم" بشرفة شقتهم تهيم بـ"مأمون" متناسية كل ما يحيط لها فقد رأته أخيرًا لتُملأ عيونها برؤيته فقلبها مشتاق إليه بقوة ...
هو فقط من إستطاع رسم تلك البسمة فوق شفاهها عند رؤيته ، هو من أضاء عَتمة ليلها ، لكن حظها العسر أوقعها بحب إبن عمها المتزوج ...
وليس ذلك فقط بل لا يمكن أن تجمعهما بريق عشق متبادل فلا عمها وزوجته سيرتضوا بها ولا والدتها ستقبل بذلك بخلاف زواجه ، لم هي بالخصوص من تقع بهذا المأزق ، لِمَ كُتب على عشقها بالموت من قبل أن تُكتب له الحياة ، ستكتفي به حلمًا قواقعه ليس لها ...
عيون تراقب عيون ، وعيون تغفل عمن تلاحظ ، إتسعت عينا "شجن" بإندهاش لرؤيتها لتلك الحالة المسيطرة على أختها بالشرفة ، حالة من الهيام والضياع لا تنطبق إلا على حالة واحدة فقط ... العشق ....
فغرت فاها لهذا الإستنتاج الكريه ، نعم تتمنى لأختها السعادة وأن يُحلق قلبها بالغرام ويجمعها رباط المحبة مع من يستحقها لكن ليس بهذا الشخص خاصة ، فكل ما به يحُول دون ذلك ...
همست "شجن" وهي تنظر تجاه الزاوية بصدمة وذهول ...
- "مأمون" ....!!!!!
كيف وقعت "نغم" بشباك الهوى مع إبن عمها ، إبن "فخري" و "صباح" ..!! كيف يعقل أن تندرج لتلك الهاوية مع شخص متزوج وله أطفال ، حتى لو كان زواجه يحتضر على المحك إلا أنه مهما كان لا يستحق قلبها البرئ الطيب ...
وقفت "شجن" خِلسة تحاول السيطرة على رد فعلها الذى كاد يكون عنيفًا مع تلك السطحية التى تتعامل بتلقائية رغم ما يعيشون به من مهانة بسبب عائلة هذا الشخص ...
لم سمحت لمشاعرها بالإنسياق خلف سراب ...؟!!
تداركت "شجن" نفسها قبل أن تنقض كقطة برية على أختها فيجب أن تتعامل مع الأمر بحنكة وذكاء ...
زفرت ببطء لتهدئ من نفسها قبل أن تَرسُم بسمتها العريضة على شفاهها قائله ...
- بتعملي إيه يا "نغم" لوحدك فى البلكونة ...؟!!
تداركت "نغم" وقفتها الهائمة بحبيبها لتعتدل بإرتباك ...
- "شجن" ...!!! إنتِ هنا من إمتى ...؟؟!
نظرت لها "شجن" بعينان كاشفتان لأمرها لكنها أخفت ما فهمته قائله ..
- لسه جايه ... واقفه لوحدك ليه ... مش تناديني أقف معاكِ ...؟؟؟
تطلعت "نغم" سريعًا نحو "مأمون" الذى أنهى مكالمته وإلتف للمغادرة لتهدر فرصتها لرؤيته برحيله ، ثم أجابت أختها ببعض الإرتباك ...
- لا .. ده أنا بشوف "عشري" السمكري قفل ولا لأ ... أصله كان عامل دوشة ...
قلبت "شجن" عيناها الكاشفة بأختها الكاذبة تتمنى لو أن ما فهمته يكون خاطئًا ولا تقع بتلك الهاوية ثم أردفت ببعض الحزم ..
- طيب سيبك لا سمكري ولا غيره ... يلا ننام ... عندنا شغل الصبح ...
أومأت "نغم" عدة مرات كطفلة أمسكت بجرم ما لتلحق بأختها للداخل لينتهى هذا اليوم الطويل ...
عاد "مأمون" لشقته ليأتي بحقيبة سفره الصغيرة فعليه اللحاق بقطار الحادية عشرة للسفر لبورسعيد لإنهاء معاملات وصول شحنة العطارة والبخور بالميناء والتى تأخرت لأيام عن موعدها ...
***
سكون يليه سكون ربما هذا الصمت هو الصديق الوفي الذى يصاحبها طيلة الوقت ، صديق لا يتغير ولا يجرح ولا يخون ...
قضت "عهد" ليلتها بنوم متقطع ونفس ضائقة ، تتمنى لو ترجع "عهد" القديمة التى لا تمتلك قلبًا ينبض ويتألم ، إدراكها لوجوده مؤلمًا للغاية ، لكنها يجب أن تكون غير ذلك ، فحتى إعترافها لنفسها عليها أن تنساه ، عليها إكمال حياتها كما تعرفها وليس كما إكتشفتها مؤخرًا ...
حل الصباح بعد ساعات طويلة ليبدأ يوم غير إعتيادي ، يوم ستتجلى به لقاءات يتجنبها الجميع ...
تجهزت "نغم" و "شجن" للذهاب لعملهم دون تغيير يذكر بإرتدائهم نفس ملابس الأمس فليس لديهم رفاهية التبديل العديدة لخياراتهم المحدودة ...
مرت الفتاتان ببطء من أمام شقة عمهما نزولًا نحو أسفل الدرج ليمرا بـ"حنين" التى مازالت تفتح باب شقتها تتابع المغادر والوارد على البيت بطبيعتها المتلصصة ...
تابعت أيضًا "صباح" خروجهن بهدوء تلك المرة ، فقد كانت تترقب خروجهن فإثارة المشاكل معهما الآن ليس بذات الأهمية لما تُخطط له ...
فور إدراكها برحيل بنات "زكيه" إتجهت على الفور بخطوات متعجلة لم تدنو من كونها سريعة بالمرة بل كانت كـ دُب يتحرك بثنياته الثقيلة بين أرجاء الأثاث الضخم منعدم الذوق والوجاهة ...
أسرعت نحو إبنتها تسحبها من ساعدها قبل أن تهمس بتشدق ...
- يلا يلا ... بنات الخدامة نزلوا ...
قضمت "راويه" شفتيها بإستياء لما هى مجبرة عليه لتردف بتساؤل تدرك جيدًا الإجابة عنه مسبقًا ...
- إنتِ لسه مصممة ...؟!!
توسطت "صباح" خصرها بكفوفها الغليظة لتصدر أساروها صوت ضجيجها المحبب لتتحدث بصوتها الخشن ...
- نعم يا أختى ...؟!!!!! إنتِ لسه بتسألي ... غوري يلا على فوق ... وعلى الله ترجعي من غير القَطر بتاعهم كلهم ... يا ويلك مني يا بت "فخري" لو مجيبتيهوش ...
لوت "راويه" فمها جانبيًا قبل أن تدب الأرض بقدميها الثقيلتان ...
- حاضر حغير هدومي وأطلع لهم ..
تطلعت بها "صباح" بدونية قبل أن تردف بحنق ...
- وحيفرق إيه عن اللي إنتِ متهببه ولابساه ...!!!
قضبت "راويه" وجهها الغاضب ثم ألقت عليها نظرة مختنقة من طريقة والدتها معها ، نعم هي تدرك أنها ليست جميلة بل دميمة قبيحة المظهر والمعشر أيضًا ، لكن لم لا تنفك والدتها بتذكيرها بذلك ، دائمًا ما تشعر منها بالنفور أليست إبنتها والتى يجب أن تُشعرها بأنها أفضل من الجميع ، ألا يقولون هذا بالأمثال الشعبية ( القرد في عين أمه غزال ) ، لم لا تراها غزالًا ولا حتى عنزة !! بل كل ما تفعله هو أن تحقر منها ومن دمامتها وعنوستها طيلة الوقت ، أجابت والدتها بنفس ضائقة ...
- طالعه أهو وأمري لله ... ولو إن أنا مبحبش أروح عندها ...
ألقت "صباح" حديثها السام بوجهها قائله ...
- أهو عشانك من عشاني يا بايرة .. ياللي مش لاقيه حد يعبرك ...
إتخذت "راويه" خطواتها البطيئة وهي تغمغم بحنق ...
- والله لو جالي صرصار لأوافق عليه و أخلص منكوا كلكوا ...
وضعت قدمها بدرجات السلم التى لم تصعد إليه منذ سنوات طويلة للغاية قد مضت ...
وقفت أمام باب شقة "زكيه" لبعض الوقت بعينان متوترتان وقلب خافق فتلك أول مرة تقدم على فعل مثل هذا لكنها بالنهاية إتخذت قرارها الحاسم ودقت الباب ...
زكيه ..
بعد مغادرة بناتها وإنشغالها بأعمال المنزل تفاجئت بطرقات تدق بابها ، إضطرب قلبها الضعيف ونظرت نحو الباب بتخوف فمن هذا الذى يدق بابها فلم يأتها زائر منذ وقت طويل للغاية ، زاد تفاجؤها حينما وجدت "راويه" تقف ببابها لتتسع حدقتيها بذهول قائله ...
- "راويه" ...!!!!
تكلفت "راويه" بإبتسامة مزيفة هزيلة للغاية قبل أن تردف ...
- صباح الخير يا مرات عمي ..
- صباح الخير ...
قالتها "زكيه" بتوجس من حضورها لكنها إنتظرت أن تبرر "روايه" مجيئها لزيارتها الغريبة وبهذا الوقت من الصباح ...
- أنا .. ااا ... كنت جايه أقعد معاكِ شوية ... أنا أصلي عايزة أسألك على حاجة ...
أشارت لها "زكيه" بطيب خاطر رغم توجسها نحو الداخل تدعوها للدخول ...
- إتفضلي يا "راويه" ... إدخلي ...
تقدمت "راويه" بخطواتها وهى تدور بعينيها بأرجاء تلك الشقة القديمة المتهالكة وقد تعجبت من تقبلهم للبقاء بهذا المكان المهترئ الذى يضيق بالنفس ، الجدران القديمة وآثار اللون الإسمنتي الرمادي يرمم تلك التشققات بصورة كئيبة للغاية ، لكن كل شئ مازال بموضعه كما كان عمها على قيد الحياة ...
جلست بهذا المقعد الذى تذكرته على الفور وهي تستدير تجاه تلك البسيطة متحلية بنبرة كاذبة صدقتها "زكيه" بسهولة ...
- شوفي يا مرات عمي ... أنا مش زي أمي ... أنا زهقت من كتر المشاكل بينك وبينها ... عشان كدة إستنيت وهي نايمة وجيت أقولك أنا ماليش دعوة باللي هي بتعمله ... أنا مش زيها ....
ساذجة لينه القلب حتى مع كِبَر عمرها وخبرتها بالحياة إلا أنها تظل سطحية ، لها قلب طيب رقيق يصدق بسهولة ، هتفت "زكيه" بصدق وصفاء قلب ...
- عفا الله عما سلف ... إنتِ برضه زي "شجن" و "نغم" ... ومهما حصل الظفر ميطلعش من اللحم ...
دهشة "روايه" كانت أعظم بكثير من طيبة قلب تلك السيدة ، فغرت فاها ببعض الصدمة فهل بهذه السهولة تسامح وتعفو ..؟؟!! ، إنها لم تعتاد تلك النفوس الصافية ولا الحنو الظاهر بملامح "زكيه" ، نظرت "روايه" ببعض الشك فليس هناك من يسامح بهذا اليسر لتردف بإرتياب ...
- هو إنتِ سامحتيني بجد ...؟؟! بسهولة كدة ...؟؟!
بتأكيد شديد أجابتها "زكيه" ..
- طبعًا يا حبيبتي ... الدنيا مش مستاهلة إن الأهل يخبطوا في بعض ... ربنا يهدى الجميع ...
دارت عينا "راويه" بإندهاش لكن رغم ما تراه بتلك الطيبة إلا أن عليها مهمة يجب إتمامها ، لانت نبرة "راويه" كثيرًا وهي تترجي "زكيه" ...
- طب ممكن تستسمحي بنات عمي على اللي حصل مننا ... كفاية مشاكل بقى ...
- طبعًا يا حبيبتي ... وهم كمان أكيد حيسامحوا ....
ضيقت "راويه" بين حاجبيها بإستغراب من ثقة "زكيه" فهل تتحدث جديًا أم أن هناك خدعة بالأمر ، نعم بالتأكيد هي تخدعها وتسايرها بالحديث لمعرفة غرضها من الزيارة ، لابد أنها إرتابت بها فليس هناك من يتحلى بطيبة لهذه الدرجة ...
دق هاتف "زكيه" لتطالع شاشته بوجه قلق ثم أردفت ..
- معلش حبيبتي إنتِ مش غريبة ... دقيقة واحدة ... حرد على التليفون ده ...
- أه طبعًا ... طبعًا ... إتفضلي ...
قالتها "راويه" لتسنح لها الفرصة للوصول لغايتها لعمل السحر لهن ، بينما دلفت "زكيه" نحو الداخل لإجابة المتصل ....
- السلام عليكم ... إزيك يا "وعد" ...
- وعليكم السلام ... إزيك يا خالتي ...
كعادة نبرتها الحزينة تنهدت لها "زكيه" متسائلة بإشفاق ...
- مالك بس يا حبيبتي ....إنتِ لسه زعلانه ...؟!!
لملمت "وعد" شفاهها المرتجفة تتماسك حتى لا تنجرف بالبكاء لتجيبها بإختناق ...
- أعمل إيه بس ... قلبي مخنوق ... تعبت أوى يا خالتي ...
بيقين بأن فرج الله قريب لتلك المسكينة ...
- فرجه قريب ... بلاش تعملي كدة ...
سحبت "وعد" نفسًا طويلًا مضطربًا ثم عقبت ...
- يا رب يا خالتي ... يا رب ....
بقولك يا خالتي ... هي "عهد" ما إتصلتش بيكِ ... أنا بقالي فترة مش عارفه أكلمها ... تليفونها على طول مقفول ...
- يمكن مشغولة ولا حاجة يا بنتي ...
تقوست شفتي "وعد" وهي تنطق حروفها بحشرجة ...
- أنا عارفة إنها أكيد قافلة التليفون عشان مش عايزة تكلمني ... أنا عارفة إنها زعلانه مني ...
حاولت "زكيه" تلطيف الأمر ...
- لا يا حبيبتي ... هي أكيد مشغولة ولا وراها شغل ... حاولي تاني ... كلميها يا حبيبتي ... إنتوا مالكوش غير بعض ...
أومأت "وعد" عدة مرات بتفهم لذلك ...
- عندك حق ... إحنا مالناش غير بعض ... أنا حكلمها تاني ... أنا كنت بسألك بس هي كلمتك ولا لأ ...
- لا والله حبيبتي .. متكلمناش بقالنا فترة ...
أنهت "وعد" محادثتها لتستعد أولًا للإتصال بـ"عهد" فلن تتواني عن قُربها وسندها لها ، لكن عليها أولًا أن تهدأ قليلًا فلا داعي للبكاء ...
عادت "زكيه" لـ"راويه" التى كانت تلملم ردائها إستعدادًا للمغادرة ...
- إيه ده ... إنتِ نازله ولا إيه ..؟؟!
إصطنعت "راويه" بسمة وسط إرتباكها الشديد ...
- أه ... أنا خايفة أمي تكون صحيت متلاقينيش وتعمل مشكلة ...
ألحت عليها "زكيه" بالبقاء بكرمها الغير محدود الغير متوافق مع إمكانياتها المادية إطلاقًا ...
- من غير حتي ما تشربي حاجة ... لا والله لازم تقعدي ...
- معلش يا مرات عمي ... خليها مرة تانية ...
أنهت "راويه" عبارتها لتتجه مسرعة نحو باب الشقة لتغادر تحت أعين "زكيه" المندهشة ...
دقائق تمر كساعات وسط تخبط وتوتر "صباح" أثناء إنتظارها عودة إبنتها ، وقت تخيلت به بأحلامها القميئة مثلها بما سيحدث بعد أن تتم السحر لـ"زكيه" وبناتها وما سيطالهم من أذى ...
قطع أحلام يقظتها قدوم "راويه" حين فتحت الباب وهي تتلفت خلفها للتأكد بأنه ليس هناك من يتبعها أو يلاحظها ...
أسرعت "صباح" بتلهف ...
- ها ... عملتي إيه .. ؟؟!!
أخرجت "راويه" خبيئتها من ردائها لتمد به يدها تجاه والدتها بحقيبة بلاستيكية سوداء قائله بإمتعاض ...
- دول إللي عرفت أجيبهم ...
لمعت عينا "صباح" بوهج ماكر ثم هتفت بسعادة ...
- بت أمك بصحيح ... هو ده الكلام ... من بكرة أروح للشيخ "كرامه" ... هو إللي حيخلص كل حاجة ...
***
شقة عهد ...
بللت شعرها الأسود بالماء وهي تمسح بكفيها فوق خصلاته الناعمة الملساء فوق رأسها قبل أن تطالع وجهها المستكين بالمرآة ، مظهر طالما خصت به نفسها فقط ...
عادت للجلوس فوق المقعد تدور بعينيها الناعستين باحثة عن سبب يجعلها تتغيب اليوم ولأول مرة عن عملها ...
هى تخشى من مواجهة ربما تحدث ، وربما أيضًا لا تتقابل الوجوه مرة أخرى ، لكنها يجب بكلتا الحالتين أن تكون على أهبة الإستعداد ...
لم يكذب من قال أن الألم ثمن القوة ، وعليها تحمل الألم وحدها كما تحملته طيلة عمرها ...
وكما تمنت تمامًا بإختلاق عذر لنفسها للغياب دق رنين هاتفها الذى لم تسمع دقاته منذ سفرها ..
نظرت بتملل تجاه شاشته حين ظهر إسم أختها "وعد" يتلألأ بالشاشة ، كما لو كانت تعلم أنها بحاجتها لأن تكون إلى جوارها ، أن تستمع فقط لصوتها الرقيق لتشعر بأنها ليست بمفردها ، حتى لو لم تقدر بضعفها وخنوعها أن تكون سندًا لها ، إلا أن شعورها أنها إلى جوارها يكفيها ...
تنهدت بقوة أولًا قبل أن تردف بفظاظة تدعى بها القوة وعدم الإهتمام ...
- ألو ....
تلقت صوت "وعد" الهادئ الناعم بالطرف الآخر كوسادة ناعمة تلقى عليها إنهاكها والآمها ...
- "عهد" حبيبتي .. وحشتيني أوى ... كنتِ فين ...؟!! إتصلت بيكِ كتير أوى تليفونك كان مقفول ...؟!!
عيون حزينة وقلب مفعم بالإنكسار لكن صوتها أعلن خلاف ذلك لتردف بخشونة ...
- كان عندي شغل ...
لم تبالي "وعد" بخشونة "عهد" فقد إعتادتها ولن يمنعها إسلوبها الجاف من محبتها لها لتردف بحنو ...
- ربنا يقويكِ حبيبتي ... وحشتيني يا "عهد" ...
أرادت لو تجيبها بنفس هادئة ونبرة لينه حانية مثلها ، لكنها وجدت نفسها تستكمل بجفاء ...
- أيوه ... وبعدين يعني ...؟!!!
شعرت "وعد" بأن "عهد" مازالت متضايقة منها لتردف بطلبها بنبرة مرتجفة متوجسة ...
- عاوزة أشوفك ... عاوزة أجيلك أقعد معاكِ وأتكلم معاكِ ... ( ثم أنهتها بعبارة مترجية ) ... وحشني الكلام معاكِ نفسي أقولك كل إللي جوه قلبي ..
بعد صمت دام للحظات وجدت "عهد" نفسها تردف بهدوء لم تعتاده ..
- ماشي يا "وعد" ...
تهللت "وعد" بموافقة أختها لتردف بسعادة لما تسمعه بأذنيها ...
- بجد ... بجد يا "عهد" آجيلك ... بجد والله ...؟!!
لم تصدق سماحها لها برؤيتها بعد كل هذا الغياب لتؤكد "عهد" ذلك ..
- أيوة ... تعالي ...
- حالًا ... حالًا ... جيالك يا أختى ... جيالك ...
أنهت مكالمتها لتجد "عهد" سببًا أخيرًا لتغيبها اليوم عن العمل ، فسوف تقضيه مع أختها التى لم ترها منذ شهور مضت ...
***
بيت المستشار خالد دويدار ...
غلبه الحماس اليوم كما لو كان يبدأ مغامرة من بدايتها ، مغامرة تحمل طبع آخر وتحدى بداخل نفسه ...
بحُلة رسمية زادت من وسامته وغموض عيناه القاتمتان تجهز "معتصم" للذهاب نحو مقر المخابرات العامة (الجهاز) بأول يوم عمل بعد عودته من مهمته الطويلة بسويسرا ...
رغم جاهزيته لمقابلة السيد "نظمي" وإطلاعه على تفاصيل المهمة كاملة إلا أن حماسه كان يكمن بإتجاه مغاير ، فاليوم سيلتقى معها كزميل عمل لا يمكنها الهروب من واقع يجمعهما معًا من جديد ...
تأنق للغاية ليغادر منزل والديه متجهًا لمبني المخابرات العامة بحزم وقوة ...
***
مبني المخابرات العامة (الجهاز) ...
دقت خطواته القوية بأرضية الممر معلنة وصول قائدها المغوار الذى لانت له الصعاب وتحدى العراقيل حتى تمام مهمته ، ليست مهمة واحدة بل العديد والعديد من المهمات الخطرة والصعبة التى لا يمكن لسواه إقتناص النجاح من بين أغوار المخاطر ...
دلف "معتصم" بشموخ لداخل مكتب السيد "نظمي" ، شخصيته الفريدة المتمردة جعلته رغم تقديره لرئيسه بالعمل إلا أنه يتعامل بذات القوة التى يتعامل بها مع الآخرون لهذا كان لـ"معتصم" وضع فريد وخاص للغاية ...
بثقة تامة وكلمات قليلة بدأ "معتصم" لقائه مع نظمي" ...
- صباح الخير يا فندم ...
تهلل وجه "نظمي" برؤيته لقناص المهمات وورقته الرابحة ...
- "معتصم" ... حمد الله على السلامه ... تعالي أقعد ...
جلس "معتصم" بالمقعد المقابل لـ"نظمي" وهو يضم شفتيه الممتلئتان بغرور ...
- وصلك الجهاز يا "نظمي" بيه ...؟؟
أعاد "نظمي" جذعه للخلف بأريحية و فخر ليظهر بقية جسده الممتلئ ...
- أكيد ... طبعًا ما أنا عارف أنا بعت مين يخلص المهمة دى ...
إطراء أسعد "معتصم" لكنه معتاد عليه ، رفع "معتصم" عنيناه المتجولتان بزهو مال للغرور بعض الشيء ...
- شكرًا يا "نظمي" بيه ... أظن كدة أنا أتميت المهمة خارج مصر ...
تذكر "نظمي" وعده لـ"معتصم" قبل سفره الأخير والذى طال كثيرًا بأنه سيُكلفه فيما بعد بمهمات بداخل الوطن وليس بخارجه ، إبتسم "نظمي" بخفة قائلًا ...
- وأنا عند وعدي ... من النهارده شغلك كله جوه مصر ... إختار المجموعة إللي تناسبك من الجهاز وإبدأ .. إحنا محتاجين هنا برضه حد زيك يا "معتصم" ...
لاح طيفها أمام أعينه ليميل برأسه قليلًا بخيلاء فهي بالتأكيد العضو الأول الذى سيضمه لمجموعته القادمة ...
- تمام يا "نظمي" بيه ... أنا حجهز قايمه بأفراد المجموعة وأعرضها على سعادتك ... هو ممكن لحد دلوقتِ أضم الضابط "عهد" ... كانت ممتازة جدًا فى المهمة الأخيرة ...
بترحيب شديد فهو لن يرفض لـ"معتصم" طلب ...
- تمام .. تمام ... إعتبرها معاك .. وأى حد تختاره أنا معنديش مشكلة ...
قطع حديثهم طرقات بباب مكتب "نظمي" ليتتوق "معتصم" للدالف فربما تكون هي ، لكن خُيبَ ظنه حين رأى شاب حديث العهد بالجهاز لم يره من قبل ...
- صباح الخير ...
أشار "نظمي" له بالدخول وهو يأشر عليه معرفًا "معتصم" به ...
- إتفضل يا "طه" ... ده بقى يا سيدي واحد من الكوادر الجداد ... أظن ممكن يفيدك جدًا يا "معتصم" ...
أثار إسم "معتصم" إنتباه "طه" ليهتف بحماس و إنبهار بشخصية "معتصم" ...
- "معتصم" ...!!! "معتصم دويدار" ... أنا مش مصدق إني قابلتك أخيرًا يا "معتصم" باشا ... ده إنت أيقونة والله ...
بثقة وغرور فهذا طبعه المعتاد ليجيبه بإيمائه خفيفه وخيلاء ...
- شكرًا يا "طه" ...
تقدم "طه" نحو "معتصم" قائلًا بتعظيم لما سمعه عن قدرات هذا الضابط الهائلة ...
- لا حقيقي ... أنا كان نفسي أقابلك بجد ...
ضحك "معتصم" ضحكته الرزينة ...
- بس كدة ... أدينا إتقابلنا ... ده إحنا ممكن نشتغل مع بعض كمان ...
إتسعت عينا "طه" الضيقتان بتفاجئ ...
- ده يبقى شرف ليا يا فندم ...
عقب "نظمي" برضا ...
- بشاير المجموعة بدأت تبان أهى ...
لاح تساؤل "طه" الذى جاء لأجله ليلقى بسؤاله الذى إسترعى إنتباه "معتصم" الكامل حين نطق "طه" إسم خاطفة قلبه ...
- هي "عهد" مجتش لسه ولا إيه ... ؟؟! أنا قلبت الجهاز كلها عليها ...
ضرب "نظمي" مكتبه بخفة ضاحكًا ...
- يا أخي غلبتنا بالست "عهد" بتاعتك دي ... حتلاقيها زمانها جايه ... هي إللي زى دى بتغيب أبدًا ...
لم يبالي "معتصم" بشئ سوى بكلمة "نظمي" ( بتاعتك) ، كلمة جعلته مرتابًا بالأمر لكنه لم يظهر أى من ظنه إليهم ، وقف "معتصم" يدنو قليلًا من "طه" متسائلًا بهدوء ...
- هو إنت و "عهد" بتشتغلوا مع بعض ...؟!!
أجابه "طه" بحماس وقد لمعت عيناه ببريق أدركه "معتصم" على الفور ...
- لأ ... شغل إيه ... أنا مش بتكلم على الشغل خالص ... إحنا حنتجوز إن شاء الله ...
صاعقة ضربت قلبه بمقتل ، لم يظن أن "عهد" يربطها علاقة من أى نوع بآخر ، لماذا ظن أنها متاحة ولا ينشغل قلبها بغيره ؟؟!!! ، لحظات من الصدمة لم تظهر لمن يتطلعوا به بل إكتفى بحبسها بداخل نفسه ، فغموضه يجعل ملاحظة ما بداخل نفسه لأمر مستحيل للغاية ...
شعور غريب تملكه ، إحساس لم يراوده من قبل ، شعور مؤلم لنفسه وقلبه ... إنها الغيرة ...
صمت "معتصم" قليلًا قبل أن يردف بنبرة جادة إضطرب إثرها "طه" فقد كان مبتسمًا ممازحًا منذ قليل ...
- تمام يا حضرة الضابط ...
قالها "معتصم" وهو يتطلع تجاه "طه" بنظرة غريبة لم يفهمها الأخير ثم إستطرد بجدية تامة ...
- ترتيب أفراد المجموعة حتكون على مكتب سيادتك يا "نظمي" بيه بكرة الصبح ...
إتخذ خطوة تجاه باب المكتب للمغادرة قبل أن يلتفت بجانب وجهه فقط تجاه "طه" المحدق به موجهًا له حديثه المقتضب ...
- إنت حتكون معايا ... و ... أكيد حضرة الضابط "عهد" ....
أنهى عبارته مغادرًا وقد تخبط بمشاعره لأول مرة بحياته ، شعر بالضيق والإنقباض لقد ظن أنه سيستعيدها ويخبرها بما تحرك بداخله تجاهها ، لكنها لم تكن له إنها لسواه ...
ستعطي مشاعرها وحبها لغيره ، لقد ظن أن قلبيهما تلاقا لينتفض الساكن بين ضلوعهما لكن يبدو أن ظنه لم يكن صحيحًا ...
غصة علقت بقلبه حين علم بأمر زواجها من "طه" معلنًا ضياع فرصته بقربه منها وإصلاح ما أفسده بسيويسرا ...
لقد لعبت الظنون برأسه ونسي أن بعض الظن إثم ...
***
شقة عهد ...
وقفت وحدي بأوقات لا يتجاوزها المرء إلا جماعة ، إعتدت وحدتي حتى أصبحت هي رفيقتي وسندي ، لكن اليوم على البوح بما كمن بقلبي ، لم أعد أقوى على الكتمان فسوچف أعترف بكل شيء ...
تلهف قلبها لرؤية أختها التى غابت عنها لشهور طويلة ، لأيام عدة قاست بها حنينها وشوقها إليها متحملة بُعدها عنها فربما تشعر بخطأها وتتراجع عما سوف تُججلقى به نفسها ..
صاحب طرقات باب شقتها دقات قلبها التى هتفت معلنة شوقها لأختها لكنها أظهرت قناع البرود والتجاهل خاصتها لتجيب الطارق بوجه جامد صامت ...
فتحت الباب لتجد "وعد" تقف قبالتها بتلك الإبتسامة العريضة والأعين الدامعة ، كانت تود لو تقابلها بنفس المشاعر المرهفة التى تتجلى بملامحها بسهولة لكن الأمر على "عهد" كان صعبًا للغاية ...
لم تعطها "وعد" فرصة لإتخاذ قرار الخطوة الأولى لتلقى بنفسها بأحضان أختها تطوقانها بذراعيها بشوق وإحتياج لقربها وحنانها ...
لم تقاوم "عهد" عناق أختها فقد كانت تحتاجه أكثر منها حتى ولم تظهر ذلك ...
همست "وعد" بنبرتها الرقيقة ...
- وحشتيني أوى أوى ...
تنهدت "عهد" بصمت كما لو أن تنفسها المنتظم براحة وسكينة هو إجابة عن إشتياقها هي أيضًا لها ...
بعض لحظات من الحنين قضبت "عهد" حاجبيها بإستغراب وهو تنظر للفراغ من خلف "وعد" لتتسائل بتعجب ..
- فين "زين" ...؟؟!
ضغطت "وعد" بأسنانها فوق شفتها السفلية ثم قوست حاجبيها بتأثر قائله ...
- وديته عند خالتي "زكيه" ...
تراجعت "عهد" لخطوة إلي الخلف تطالع وجه أختها بتفحص تود كشف ما تخفيه تلك الضعيفة ..
- ليه ...؟!! مجبتيش إبنك ليه يا "وعد" ...؟!!!
سحبت "وعد" نفسًا متألمًا إنتهى بانتفاضة جسدها كمحاولة فاشلة للتحلى ببعض القوة لهذا اللقاء ...
- عشان عاوزاكِ لوحدنا ... مش عايزة أى حد معانا ...
مدت "عهد" ذراعها لتغلق الباب الذى مازال مفتوحًا قبل أن تردف بجدية وإرتياب بما تخفيه "وعد" ...
- هي إيه الحكاية ...؟! إدخلي ...
تقدمت "وعد" تجاه الداخل فكل شئ حولها مرتب بعناية كما كانت والدتهم تفعل تمامًا ، لم يتغير بالبيت شئ ، وربما ذلك أمر بعث الراحة بداخلها فإحساس الأمان مفقود تمامًا تتمنى أن تتشبث بأى شئ يشعرها به ...
إلتفت "وعد" تجاه "عهد" التى لحقت بها لتبدأ تهاوى قوتها الضعيفة ...
- متزعليش مني يا أختى ... غصب عني ...
يا ليتها لم تنطقها ، فـ"عهد" كانت على وشك الإنفجار وضعف "وعد" حقق لها غايتها ، لتنهال بإنفعالها و حِطدتها على تلك السلبية ...
- غصب عنك ...؟؟!! ليه ... ليه بتعملي فى نفسك وفينا كدة ...؟!! ليه بتعيدي حياة كرهناها ... ليه ضعيفة وخايبة بالشكل ده ... ما إنتِ عارفة كويس الضُعاف بيجري لهم إيه ...؟؟!
أشارت "عهد" بطول ذراعها نحو الفراغ وهي تنتفض بغضب إشتد له حمرة وجهها لإنفعالها الشديد فقد وقعت إحداهما بالهاوية ...
- مش شايفة إللي حصل لأمك ... ولا لخالتك "زكيه" ...؟!! مش شايفة قدام عينك ضعفهم عمل فيهم إيه ... إنتِ ليه غبية كدة ....؟؟! ليييييه ...؟!!؟
تهدج صدر "وعد" بقوة لتنهار بنشيج وبكاء حاولت ألا تنساق خلفه لكنها لم تقدر على الإطلاق ...
- قلبي خاني يا "عهد" ... غصب عني كنت بدأت أحب "عاطف" ... كنت عايزة حياتنا تمشي ... كان نفسي يبقى ليا زوج بيحبني ويخاف عليا ... كان نفسي فى بيت إتحرمت منه .....!!!!!!
صوتها المتهدج وإحساسها بالتحسر والندم جعل "عهد" ولأول مرة تشعر بمعنى ضعفها ، لقد فهمت أخيرًا ما معني أن ينساق قلبك رغمًا عنك ، أن يحب من لا يحبك ، لقد أدركت أن النسيان ليس بتلك السهولة ...
لأول مرة تعاطفت مع أختها فقد مرت بمرارة التجربة ، لكن .... إحساسها بالضعف ليس من شيمها ، فلن تستسلم ولن تترك أختها تتخبط بتلك المتاهة ، بل عليها الأخذ بيدها والعبور بها لبر الأمان ...
رفعت "عهد" عنقها للأعلى بشموخ فلن يكسرهما رجل لتعقب بقوة أرادت بثها بـ"وعد" ...
- كان لازم تختارى نفسك ... فوقى من إللي إنتِ فيه .. و إللي إنتِ ناوية عليه ... لازم تكوني قوية وأنا معاكِ ... متخافيش ... هاتي إبنك وتعالي هنا ... أنا حاحميكِ متخافيش ...
زادت شهقاتها وبكائها وهي تحرك رأسها نفيًا حتى أن "عهد" لم تفهم لم ترفض ذلك ...
- مش حينفع ... مقدرش ... مقدرش ...
إحتدت "عهد" بقسوة لتفيق أختها من خنوعها ...
- هو إيه اللي متقدريش ... سيبي لهم البيت ... تعالي هنا ... وقعتي مرة ... مش لازم تقعي كل مرة ... فوقي يا "وعد" فوقي ...
رفعت "وعد" عيناها المغرغرة بالدموع نحو الأعلى قبل أن تردف بإنفعال ...
- إنتِ مش فاهمة حاجة .... مش فاهمة حاجة خالص ...!!!
أجابتها "عهد" بحدة ..
- فهميني ...!!
إرتجف جسد "وعد" بشدة وهي تصرخ معترفة بما لم تستطع كتمانه لأكثر من ذلك ...
- أنا مينفعش أسيب البيت هناك ... مينفعش ... أنا ... أنا ....
- إنتِ إيه ... ؟؟! ما تنطقي ...!!!
بنبرة قوية مهتزة كنفسها الهشة تمامًا ...
- أنا إللي قتلت "عاطف" يا "عهد" ... أنا قتلته ...!!!!!!
ويبقى للأحداث بقية ،،،
انتهي الفصل الثامن عشر ،،،
رواية ظننتك قلبي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم قوت القلوب
أحيانًا نتمنى ألا نفهم، أن نترك الأمور على سجيتها. يُفهم ما يُفهم ويُترك ما يُترك. أن نتغافل عن الثقوب والأخطاء وأن نبقى على سكوننا بدون أي رد فعل، كما لو أن رد الفعل سيمحو الضرر الذي سيلحق بنا.
إدراكنا للحقيقة مجهد للعقول، مؤلم للقلوب، مؤذٍ للنفس. ففي بعض الأحيان نفضل ألا نصدق.
***
المخابرات العامة...
ليس من السهل أن يمر بهذا التخبط. هو من لا يهزمه شيء يشعر بالألم والانهزام. خرج "معتصم" من مكتب "نظمي" هاربًا من وجوده مع "طه"، هذا الذي أعلن دون إدراك فوزه عليه وحصوله على قلب وفكر "عهد".
(إنها ليست له)
هكذا قالها لنفسه بألم شديد. دلف لداخل مكتبه المغلق منذ فترة طويلة لينعزل عن البقية، مغلقًا بابه تاركًا لتعبيراته المتألمة بالظهور أخيرًا على ملامحه الجامدة.
لحظة من عدم التصديق، مغمضًا عيناه بقوة. فإحساسه بالنجاح والافتخار بما وصل إليه تلاشى تمامًا فور سماعه خبر زواجها. لم يجد سوى نفسه ليتحدث معها.
"يعني إيه؟ مخطوبة؟ حتتجوز؟ طب إمتى؟ وإزاي؟ واللي أنا حسيته منها في الكوخ؟ كان إيه؟ وهم؟ أنا شفت الألم في عنيها، شفت الإهتمام في روحها. معقول كل ده كان عشان المهمة وبس؟"
بصدر منفعل وقلب مفعم بالانكسار وقف "معتصم" بذهول مستكملًا.
"ماشي يا 'عهد'، أنا حشوف أخرتها إيه معاكِ. ومع إللي إسمه 'طه' ده كمان. مش خلاص حتبقوا تحت قيادتي؟ مش حعدي الحكاية دي بالساهل."
توعده لها ولـ"طه" لم يكن سوى رد فعل عنيف لشعوره بالضيق والألم الذي حل بقلبه الذي لم يحصل على فرصته بإحساس العاطفة والحب لأول مرة. خُذل قلبه وانتهت قصته قبل أن تبدأ.
انتبه لطرقات تدق بابه ليتراجع عن تلك اللحظة الانهزامية ويعود للامبالاة وجموده المعتاد.
"ادخل."
دخل شاب متوسط الطول ذو وجه دائري وشعر أسود خشن وشارب عريض غطى على بقية ملامحه اليونانية، متقدمًا بابتسامة.
"سيادة الرائد، حمد الله على السلامة."
انتبه له "معتصم" مرحبًا.
"عمر! إيه اللي جابك عندنا؟"
تقدم "عمر" تجاه الداخل وهو يغلق الباب من خلفه بإحكام.
"وحشتني، قلت أجيلك."
تطلعت به "معتصم" بفراسة وارتياب مازحًا.
"وحشت مين؟ هو أنا مش عارفك؟ إخلص، قول جاي ليه؟"
ضحك "عمر" من طريقته المكشوفة مع "معتصم" ليردف بإيضاح.
"لأ بجد، أنا كنت جاي أرتب شوية شغل هنا. عرفت إنك رجعت، قلت أسلم عليك."
جلس "معتصم" فوق حافة المكتب ليسند يديه مخالفتين فوق ساقه، بحركة مميزة واثقة للغاية.
"قول كدة، ما هو إنت مش بتاع عواطف ووحشتني والكلام ده."
جلس "عمر" فوق الأريكة بجانب المكتب بارتياح قبل أن يستطرد حديثه.
"هو شغلنا ده فيه عواطف؟ بس ميمنعش إنك لك وحشة والله."
أرخى "معتصم" يديه ليلحق بصديقه جالسًا إلى جواره.
"متشكرين يا حضرة الضابط."
اعتدل "عمر" بجدية محت تمامًا هزلته منذ قليل قائلًا.
"لما ترتاح وتبدأ، عاوزك في عملية. الموضوع كبير ومحتاج مننا شغل تعاون بينا وبينكم."
تناسى "معتصم" ما شغل فكره منذ قليل ليتسائل بمهنية واحترافية شديدة.
"من غير راحة، ادخل في الموضوع على طول."
"أقولك يا سيدي."
بدأ "عمر" بإيضاح محتوى ملفه الذي يعرضه عليه وما يتوجب من تعاون مشترك بين جهاز الشرطة والمخابرات العامة لتتضافر جهودهما لمصلحة الوطن بالنهاية.
***
أنت أكبر أخطائي، بل أنت جميعها. إن غاب الصبر فلا يلومنني إن أحرقت الموانئ لا السفن.
سكوني وهدوئي لم يبشرا بالجنون الذي لاح بي، فلم يتوقع أحد ثورة امرأة ناعمة.
انتفضت "عهد" في ذهول مما سمعته أذناها للتو. لحظات صامتة صادمة للغاية كان رد فعلها قبل أن تعيد ما قالته "وعد" منذ قليل بغير تصديق.
"إنتِ إللي قتلتي 'عاطف'؟ إزاي ده؟"
لم تقدر "وعد" على تمالك انهيارها. فعندما تتساقط حصونها، لا تتمالك القوة إلا بعد وقت طويل، فقلبها مرهف للغاية. بدأت "وعد" بإيضاح الأمر بكل تفاصيله لأختها التي لا تعلم عما حدث مطلقًا.
"بعد وفاة حمايا عم 'محفوظ'، 'عاطف' اتغير خالص. بقى يشرب ويسكر ويسهر. بقى يخوني يا 'عهد'. ويا ريته حتى يخوني مع حد عليه القيمة. لأ، دول ستات كلهم شمال. استحملت كلامهم ورسايلهم ليا. عارفة ليه؟"
بأعين مندهشة، حركت "عهد" رأسها بالنفي لتستكمل "وعد" دون انتظار رد "عهد".
"عشان أنا قلبي اتقفل من ناحيته. مبقتش قادرة أحبه. مبقتش شايفاه راجل وسند. مبقاش يهمني. أنا اتقفلت من ناحيته. عارفه، أنا مش بس بقيت مش بحس ناحيته بأي حاجة. لأ، أنا بدأت أكرهه."
أثار إحساسها تساؤل "عهد" متعجبة بشدة.
"ولما إنتِ كرهتيه ومش طايقاه وهو خاين وتعامله معاكِ هو وأهله زي الزفت، قعدتي ليه؟ قبلتي الإهانة وقلة القيمة ليه؟ فهميني ليه الضعف ده؟"
بارتجاف لم يتركها، أكملت "وعد" باستسلام.
"عشان 'زين'. عمرهم ما كانوا حيسيبوني أمشي بيه. 'زين' روحي يا 'عهد'، مقدرش أعيش يوم من غيره."
لم تستطع "عهد" أن تشفق عليها لأكثر من ذلك لتردف بحدة.
"وبعدين طيب، عملك إيه تاني؟"
سحبت "وعد" نفسًا طويلًا ثم أجابتها.
"أنا بقيت عايشة في شقتي مليش دعوة بحد. حتى هو مبقتش طايقة أقرب منه ويقرب مني. منعت نفسي عنه كأني في دنيا غير دنيته. هو كمان بعد. مكانش بيتكلم معايا أو بيتعامل معايا. اتنين أغراب جمعهم مكان واحد."
سحبت نفسًا مطولًا قبل أن تستطرد مستكملة بألم.
"لحد الليلة السودا دي. لقيته داخل عليا يتطوح وريحه نفسه تقرف من الهباب اللي بيشربه ده. وقف قدامي وهو بيبص لي بنظرة غريبة أوي خفت منها. لقيته داخل بيهددني ويقولي: 'أنا خلاص حتجوز'. أنا مهمنيش حاجة، ولا حتى حسيت إني زعلانه. بالعكس. لكن لما قالي إنه حياخد مني 'زين' وإن اللي حتربيه الست اللي عاوز يتجوزها دي وإن أنا ماليش لازمة في حياته، كنت حتجنن. محستش بنفسي. جسمي كله كان بيتنفض من الخوف. كله إلا 'زين' يا 'عهد'. كله إلا ابني."
عقبت "عهد" باستنكار لضعف أختها.
"كان يتجوزها ويغور، طالما إنتِ مش طايقاه."
هنا تذكرت "وعد" ما حدث بعد ذلك وتسبب بوفاته لتنهار ببكاء هستيري.
"أيوة أنا قلت له كدة. قلت له أنا لا طايقاك ولا عايزاك. لما لقاني مش متأثرة بموضوع جوازه ده، قالي إنه كان بيعمل كدة عشان يستفزني ويغيظني. أنا عشان بعدت عنه ومنعت نفسي عنه، بقى مش قادر يستحمل كده. قالي إنه عمل كل ده عشان بس أتحرك وأغير عليه. ساعتها بس قالي إنه بيحبني. لكن أنا كنت خلاص مش عاوزاه."
هدأت أنفاسها بقوة وهي تستعيد استحضارها للمشهد وانفعال "عاطف" عليها وقد أثارت غضبه وثورته، فقد لمعت عيناه بجنون ليدفعها نحو الخلف متمسكًا بمرفقيها ليصرخ بها بانفعال شديد.
"قرب مني ومسكني جامد من دراعي وقعد يقولي إني باردة مش بحس. أنا خوفت منه أوي يا 'عهد'. وبعدين هو يفيد بإيه بعد كل الإهانة دي ييجي يقولي بيحبني؟ كان فين الحب ده لما كنت محتاجاه؟ جه متأخر أوي."
زاغت عيناها لوهلة تتمالك بعض دموعها المنهمرة ثم أكملت.
"قعد يضغط عليا، إننا لازم نرجع زي زمان وننسى كل حاجة. بس أنا حسيت إني خلاص مش قادرة أستحمل أكتر من كده. لقيت نفسي مرة واحدة بطلب منه يطلقني."
لمعت عينا "عهد" بوهج لاستفاقة "وعد" أخيرًا من غفلتها.
"أخيرًا. كويس. وقالك إيه؟"
ارتعشت شفتي "وعد" بتأثر مجيبة إياها.
"اتعصب أكتر وقعد يصرخ فيا ويضرب برجله في أي حاجة يطولها. قعد يزعق ويقولي لأ، لأ يمكن أسيبك. إنتِ بتاعتي أنا. لأ يمكن أطلقك مهما حصل. ومن كتر انفعاله قعد يضرب فيا مبقتش عارفة الضرب جاي منين ولا منين. لا قادرة أحوشه عني ولا قادرة أحمي نفسي منه ولا قادرة أوقفه. خوفت. خوفت أوي أوي يا 'عهد'."
أشارت نحو الفراغ بينما أخذ جسدها ينتفض بقوة كما لو أن الأمر حدث بالأمس.
"زقيت إيده وجريت على باب الشقة وفتحته عاوزة أهرب منه بس لحقني ووقف قدامي عشان مهربش. ملقتش قدامي إلا إني أصرخ يمكن أمه ولا إخواته يلحقوني. رفع إيديه لرقبتي عشان يخنقني. عينيه كانت بتلمع بشر يخوف. حسيت إن اليوم ده آخر يوم في عمري. لكن..."
انتبهت لها "عهد" فيبدو أن تلك هي اللحظة الحاسمة لتستطرد "وعد".
"لكن غصب عني زقيته. مفوقتش من اللي عملته إلا لما وقع من فوق السلم. مقدرتش ألحقه. مقدرتش."
أخفت "وعد" وجهها بين كفيها لتجهش بالبكاء النشيج القوي.
"مات. ماااات يا 'عهد'. أنا قتلت 'عاطف'. أنا اللي قتلته."
صمتت "عهد" تطالع أختها بوجه مقتضب، فما زالت لم تفهم بعد لم اتخذت هذا القرار الغبي.
***
حي النعماني (المكتبة)...
تدب كل الأصوات بسمعي إلا صوتك فقط يدق في قلبي. جميلة أنتِ كلؤلؤة تتلألأ وسط الرمال القاحلة، فريدة مميزة، سارقة للأنظار والقلوب.
أنهى "بحر" تدوين أسماء الكتب بالفهرس الخاص بها ليجلس بهدوء متابعًا "نغم" التي انهمكت بكتابة فهرس آخر كان قد كلفها به.
أراد لو يجد فرصة مناسبة ليوضح لها مشاعره تجاهها، لكنه لم يدري أنه ينثر مشاعره سدى، فمحبوبته قلبها مشغول بآخر.
نظر "بحر" للفهرس خاصتها قائلًا.
"تحبي أساعدك؟"
رفعت وجهها الطفولي الناعم تجاهه مجيبة إياه بامتنان.
"شكرًا يا أستاذ 'بحر'. أنا تقريبًا خلصت."
أثار بها موضوعًا جديدًا ليستمع لصوتها العذب مرة أخرى.
"باقي حوالي أسبوع على بداية الشهر الجديد. حتعملي إيه بقى بأول مرتب؟"
وضعت الورقة عن يدها لتجيبه بتلقائية دون تفكير.
"معروفة يعني. حاخد المرتب أديه لماما. أصلها استلفت فلوس من جارتنا عشان نكمل الشهر. ولازم طبعًا نرد الدين."
أشفق على ضيق حالهم، فهو له قلب رقيق لا يتحمل التأزم والمشاكل.
"لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يجعلكم دائمًا سند لها."
"عارف. ماما دي جدعة أوي. بس برضه خوافة أوي."
تمنى لو يعرفها عن قرب ليردف بفضول.
"نفسي أقابلها جدًا. لو ممكن أبقى آجي أزوركم وأتعرف عليها."
اتسعت عينا "نغم" السوداوتين بتخوف لتردف برفض قاطع.
"لأ لأ. إوعى. إوعى تيجي عندنا، إحنا مش ناقصين مشاكل."
باستغراب شديد عقب "بحر".
"مشاكل عشان أزوركم؟ ليه؟"
زاغت عيناها بتوتر لتجيبه بتهرب.
"هاه. لا يعني. هو كده وخلاص. متجيش عندنا أبدًا. أبدًا."
أراد لو يستكمل حديثه معها، لكن كالعادة هلت "صبا" مرة أخرى إلى داخل المكتبة تتصيد فرصة أخرى للتقرب من "بحر" لتقطع حديثهم بوجودها. قابلها "بحر" بوجه قاسٍ جامد حين هتفت "صبا".
"صباح الخير يا أستاذ 'بحر'."
تطلع نحوها "بحر" للحظات بجمود قبل أن ينهض مستأذنًا للمغادرة.
"صباح الخير. بعد إذنك يا 'نغم'. أنا عندي مشوار مهم وراجع."
أومأت له "نغم" بتفهم لتستكمل هي طلب "صبا" بدلًا منه.
"أفندم يا آنسة 'صبا'. محتاجة حاجة؟"
لوت "صبا" فمها باستياء قائلة بضجر.
"لأ مفيش. شكرًا."
غادرت "صبا" المكتبة، فلم يعد لها حاجة بداخلها بدون "بحر".
لم تهتم "نغم" بها أو به لتستكمل كتابة الفهرس دون الشعور بتلك المشاعر الفياضة التي حاول أن يشعرها بها، لكنها كانت في غياهب غرام آخر.
***
المستشفى...
كوقت راحة اتخذته "شجن" من عملها بالمستوصف ذهبت به لزيارة لـ"أيوب" كمرور اعتادت عليه بالأيام الأخيرة الماضية.
دَلفت لغرفته بعد استئذانها بوجه بشوش وبسمة عريضة قائلة.
"صباح الخير يا عم 'أيوب'."
أشرق وجه هذا الكهل حتى ظنت "شجن" أن تجاعيد وجهه تلاشت بالفعل حين وقعت عيناه عليها.
"صباح الخير يا بنتي."
تقدمت "شجن" لتدنو من فراشه المدد عليه بسكون ثم جلست بخفة متسائلة.
"عامل إيه النهارده؟ شكلك رايق خالص."
أجابها برضا كطبعه المتقبل.
"نحمده. في نعمة يا بنتي."
مالت برأسها المستدير حتى تحركت خصلات شعرها القصيرة المميزة قائلة بفضول.
"برضه مكلمتش حد من أهلك يا عم 'أيوب'؟ لازم تقولهم إنك في المستشفى؟"
سحب "أيوب" نفسًا طويلًا محبطًا للغاية.
"يا بنتي أنا ماليش حد. كل قرايبي بعيد عني. محدش بيحب يجيلي أو يسأل عليا. أنا بقالي سنين طويلة عايش لوحدي."
فهمت "شجن" أن هذا الرجل الوحيد يبدو أنه ليس لديه زوجة ولا أولاد. رق قلبها بشفقة على حاله ووحدته لتردف بتأثر.
"مفيش حتى جار ولا صاحب؟ أي حد ياخد باله منك؟"
كان سؤالها إشارة لما يود أن يخبرها به، ليردف بتوجس.
"مفيش يا بنتي. عشان كده... أنا كان ليا عندك طلب. وفكري فيه كويس قبل ما تردي عليا."
"طلب إيه؟"
ألقى بكلماته دفعة واحدة حتى لا يترك مجالًا للتراجع عما يريده منها.
"الصراحة أنا عاوزك تيجي تشتغلي عندي وتقعدي معايا وتونسيني. مش إنتِ ممرضة برضه؟ وأنا محتاج ممرضة تعيش معايا بعد حالتي دي. ها قولتي إيه؟"
صدمت "شجن" بعرضه للعمل معه وطلبه منها الإقامة معه لتردف برفض تام.
"لأ طبعًا صعب أوي يا عم 'أيوب'. أولًا لأن إنت ساكن بعيد زي ما قولت لي. ثانيًا أنا مقدرش أسيب أمي وأختي لوحدهم."
تأثر "أيوب" بحزن لرفضها ليترك لها فرصة للتفكير ربما تغير رأيها، فهو بالفعل بحاجة لها لتهتم له وترعاه وتؤنس وحدته.
"بلاش ترفضي من دلوقتي، فكري بالراحة ومعاك رقم تليفوني. لو غيرتي رأيك في أي وقت كلميني. أنا محتاجك أوي يا بنتي."
رغم رفضها القاطع إلا أنها أومأت له بالموافقة إرضاء له ولحزنه الذي تجلى على ملامحه.
"ماشي يا عم 'أيوب' حفكر. بس موعدكش إني حوافق."
"يمكن يا بنتي تغيري رأيك. بين يوم ويوم يتأتي عجايب."
بإشفاق على حاله رددت.
"أنا نفسي أساعدك بجد. بس مش حعرف خالص."
"والله يا بنتي أنا ارتحتلك زي ما تكوني بنتي تمام. شوفي ظروفك يمكن تعرفي."
تفكرت قليلًا بصمت قبل أن تجيبه.
"وإنت كمان والله بتفكرني ببابا الله يرحمه. بس مش حقدر أسيب ماما وأختي أبدًا. يا ريت يبقى لها حل."
"يا ريت. عمومًا خدي وقتك ولو عرفتي تيجي في أي وقت كلميني. أنا محتاجلك جدًا يا بنتي."
"حفكر يا عم 'أيوب'."
ضمت "شجن" بسمتها ببعض التوجس، فهي تود بالفعل مساعدته لكن أمر سفرها معه لأمر مستحيل للغاية، فكيف ستترك والدتها وأختها وسط أعاصير "صباح" وأبنائها دون حماية، فهم أبسط وأضعف من مواجهتها.
بينما كان "أيوب" يأمل أن تغير "شجن" رأيها وترافقه لبلدته.
***
بيت النجار...
لا خير في ود متلون يميل حيث تميل الرياح. إدراكنا للخطأ ينبع أولًا من إحساسنا وليس بإدراك الصواب والخطأ.
على عجالة دلفت "حنين" لداخل شقتها تطمئن على أن أولادها لم ينتبهوا لغيابها لتدور بين أرجاء الشقة تتأكد بأن كل شيء على ما يرام.
ألقت بوشاحها فوق المقعد وهي تزفر براحة.
"كويس أوي. كل حاجة تمام."
جلست فوق المقعد لتخرج محفظتها من حقيبة يدها الصغيرة لتتطلع نحو تفاصيلها الخاوية وهي تمصمص شفاهها تحسرًا.
"عيني على بختي. دايمًا كده."
رفعت حاجبها باستعلاء وهي تنظر تجاه السقف كما لو أنها أدركت أمرًا لتهمس بمكر.
"هي الست حماتي. أطلع لها يمكن أعرف أطلع منها قرشين بدل الفلس اللي أنا فيه ده."
على الفور غادرت شقتها متجهة نحو شقة والدا زوجها بالدور العلوي، تاركة باب شقتها مفتوحًا كالمعتاد.
شقة فخري...
انتهت مهمتها بجلب ما تحتاجه والدتها لعمل هذا السحر لتكتفي بذلك وأسرعت "راوية" بالهرب من نفسها أولًا ومكثت بموضعها المحبب بالشرفة تتابع القادم والآتي، فهناك حياة الحرية التي تتمنى يومًا أن تحظى بها، وكأن الحياة تكمن خارج جدران هذا البيت.
أحضرت "صباح" لفافة كبيرة ووضعت بها الحقيبة البلاستيكية التي تحتوي ملابس "زكية" وبناتها حتى لا تثير شك من يقع عيناه عليهم حتى ذهابها للشيخ "كرامة".
طرقات مزعجة دقت بابها لتمتعض بفمها تذمرًا، فعليها التحرك نحو باب الشقة فـ"راوية" انزوت بالشرفة كالعادة.
"طيب طيب. ما بالراحة ياللي تنشك في إيدك. هي الدنيا طارت."
فور أن فُتح الباب وطلت "حنين" بوجهها النحيل أمامها، وقد رمقتها "صباح" بسخط قائلة بإنزعاج.
"حنين! جرى إيه على الصبح؟ إيه الخبط والرزع ده؟"
بابتسامة مزيفة أجابتها "حنين".
"جيت أصبح عليكِ يا غالية يا أم الغالي."
استدارت "صباح" بجسدها الثمين دون الاهتمام لحديث "حنين" وتملقها قائلة أثناء تقدمها نحو الداخل.
"اقفلي الباب وراكِ وإنتِ داخلة. بيتي مش زي الزريبة اللي إنتِ عايشة فيها تحت فاتحاها على البحري ليل ونهار."
عقصت "حنين" ملامحها بنفور وهي تدفع بكفيها في الهواء بسخط من تلك المرأة من خلف ظهرها، ثم أغلقت الباب كما طلبت تمامًا، لكنها تحدثت بود شديد غير ما تشعر به من بغض تمامًا.
"وهو أنا حخاف على إيه تحت؟ لكن إنتِ واعية يا ماما 'صباح'."
لم تصدق "صباح" تملق "حنين" لكنها تتلذذ بسماعها له، جلست فوق مقعد الصالون خاصتها مستطردة.
"أمك جابت الإسورة الدهب اللي خدتها منك في الفرح ولا ضربت عليها؟"
إهانة ضمنية لها فقد تكرر الأمر مع والدتها التي دائمًا ما تقترض منها أغراضها الثمينة ولا تعيدها. غضب داخلي جعلها تزداد بغضًا لتلك الوقحة، لكن عليها التغاضي عن ذلك لأجل مصلحتها الآن.
"طبعًا يا ماما 'صباح'. وهي تقدر تتأخر. ده حتى جابتلك معاها شوية حلويات بالسمنة البلدي إنما إيه. حالاً حنزل أجيبلك أجيلهم لك."
لم تكن "صباح" ذات ذكاء متقد، لكنها تستطيع فهم مكر "حنين" بسهولة، فربما تجد نفسها وشبابها بها. حدجتها من أعلى رأسها لأسفل قدميها ثم عقبت باشمئزاز.
"اقعدي اقعدي. هو أنا من إمتى باكل من إيد أي حد؟ خصوصًا أمك. قال سمنة بلدي قال. دي آخرها زيت العربيات."
ابتلعت "حنين" إهانة والدتها للمرة الثالثة لأجل حاجتها فقط.
عادت للجلوس إلى جوار "صباح" مرتدية قناع الطيبة والتذلل.
"بقولك إيه يا ماما 'صباح'. البت 'شهد' عاوزة تجيب شوية حاجات للمدرسة وإنتِ عارفه يعني الفلوس اللي 'فريد' بياخدها من عم 'فخري' بتكفي بالعافية. والدنيا بقت غالية نار. وأهي برضو حفيدتك حبيبتك. الفلوس مش حتروح لحد غريب."
رفعت "صباح" طرف أنفها باحتقار ثم أجابتها بهجوم شرس، كاد لون بشرتها الأسمر يشتعل توهجًا من شدة انفعالها.
"نعــــــــــــم!!! فلوس؟ أنا مبديش حد فلوس. روحي يا أختي لجوزك إنتحنحي له وإتمرقعي عليه وخدي اللي إنتِ عاوزاه. ماليش فيه. قال فلوس قال. جاية تقلبني بنت 'لواحظ'."
لمعت عين "حنين" بغيظ مكتوم لم تستطع إظهاره، أنقذها من شلال الإهانات التي كانت ستتلقاه طرقات أخرى على باب شقة "صباح".
قفزت "حنين" بخفة مبتعدة عن "صباح" ولسانها السليط لتلبي الطارق ظنًا منها أنها بذلك تهرب من ضيق نفس بوجودها إلى جوارها، لكنها فوجئت بمن يكتم أنفاسها كمن يسحب الهواء من حولها.
رفعت "حنين" حاجبيها واتسعت عيناها بذهول قبل أن تفغر فاها قائلة.
"ريهام!!!!"
***
(نيره إستور) لمستحضرات التجميل...
جمال الشيء يكمن في بقائه سرًا، وليس علينا البوح بكل ما يحدث لنا، ولا يبقى لأنفسنا حلاوة نخفيها عن الأعين والآذان.
فقضاء حوائجنا يجب علينا أن نستعين بالكتمان. حياتنا الخاصة سميت خاصة لأنها تخصنا وحدنا، لا دخل للمحيطين بها.
بجلسة معتادة بين "نيره" و"إسراء" بالمتجر الخاص بـ"نيره"، أخذت "نيره" تقص على مسامع صديقتها كل ما حدث بالأمس بالتفصيل بينها وبين "رؤوف" وكيف غضبت منه ومحاولته لإرضائها.
دفعت "إسراء" خصلة شعرها الصفراء المصبوغة للخلف بتفكير قبل أن تجيب صديقتها.
"حلو جدًا. بس إوعي اللي حصل ده يخليكِ تسمعي الكلام ومتروحيش الشركة عنده تاني. لأن هو ده اللي هو عاوزه. عمل الزعلة دي مخصوص عشان تخافي تروحي له هناك تاني."
كالمغيبة تمامًا أردفت "نيره" باقتناع، فقد أصبحت الآن كالقطة الوديعة التي تنصت لكل ما تقوله "إسراء" بينما تعترض كل ما يقوله "رؤوف" طيلة الوقت.
"معاكِ حق. هو كده هيتطمن. لأ، أنا لازم أروح. عشان يبقى عامل لي حساب في كل مكان."
"برافو عليكِ. خليكِ واعية كده."
دارت "إسراء" بعينيها الجاحظتان قبل أن تتردد في سؤالها.
"بس إنتِ مقولتيليش، أمه وأبوه أخبارهم إيه معاكِ؟ الناس دي لازم تكسبيها."
امتعضت "نيره" قليلًا، فهي ليست ذات شخصية محبة اجتماعيًا لتردف بثقل.
"عمو 'خالد' مشغول في الشركة اللي بيشتغل فيها. وطنت 'منار' ما بين المستشفى والبيت. بصراحة أنا مش ببقى عارفة أقول إيه يخليهم يحبوني." (ثم لوت فمها باستياء مستكملة) "كفاية عليهم حبيبتهم 'غدير'، واكلة عقلهم بصورة غريبة."
أجابتها "إسراء" بتحفيز.
"لأ. لازم تبقي زيها وأكتر. لازم يحبوكِ أكتر منها."
"طيب قوليلي أعمل إيه؟"
تفكيرت "إسراء" قليلًا ثم أجابتها.
"نفكر."
***
شركة بيكو للأدوية...
سيكون الانتظار غايتي إلى أن يقسم الله لنا أن نلتقي، فقربه يعني لي الحياة والحياة هي هو فقط.
بقلب مضطرب وأحاسيس مربكة دلفت "مودة" بخطوات متباطئة لداخل الشركة تبحث عن وجه وحيد تكتفي به من الدنيا كلها.
كقطة وديعة أخذت تطالع الأجواء من حولها ببعض المكاتب وأرفف الأدوية وبعض الشحنات المغلقة لعقاقير أخرى. موظفون هنا وهناك، وجوه عديدة ليس بهم وجه من تأمل رؤيته.
نجمة لامعة وسط ليل طويل وقفت بتشتت لبعض الوقت دون إدراك إلى أين تتجه.
تقدم نحوها شاب متوسط الطول وقد ملأت إحدى ابتساماته المتصيدة لتلك الحسناء قائلًا بلباقة.
"تحت أمرك يا آنسة."
تطلعت "مودة" بوجهه، فليس هو من تقصده، لكن ربما يساعدها للوصول إليه. أجابته بهدوء.
"لو سمحت، كنت عايزة الدكتور 'رؤوف دويدار'."
سنحت له فرصة حديث مع فتاة جميلة ليجيبها الشاب بتساؤل مازح.
"'رؤوف'؟ مكنتش أعرف إن له معارف حلوين كده."
هي ليست ساذجة لتدرك أن هذا الشاب يتغزل بها. نظرت له مطولًا بصمت لتجعله يضطرب من نظرتها التي أشعرته بحقارة تصرفه ليتنحنح مستطردًا.
"إحم... أسف. 'رؤوف' في المكتب بتاعه. اتفضلي من هنا."
أشار نحو أحد الاتجاهات بتعقل لتتخذ "مودة" طريقها نحو المكتب الذي أشار إليه ليتبعها بدافع الفضول لمعرفة هوية تلك الحسناء ذات الشخصية المتفردة.
طرقت "مودة" باب المكتب لتسمع صوته الحماسي من الداخل يرحب بالزائر.
"اتفضل... اتفضل."
دَلفت "مودة" وقد تغيرت نظرتها الجدية لأخرى متشوقة للغاية، فهو دقات القلب وحنينها.
"صباح الخير."
انتفض "رؤوف" بحماس مهللًا فور رؤيتها ليتقدم مرحبًا بقدومها.
"'مودة'! أهلًا أهلًا نورتي. تعالي إدخلي."
تقدمت بهدوء تتأمل تفاصيل ملامحه التي تعشقها وتذوب بعذوبته ولطفه.
"أنا جيت في المعاد زي ما 'غدير' قالت لي."
تمسك "رؤوف" بظهر أحد المقاعد الجلدية يطالبها بالجلوس.
"طب مش نقعد الأول ونرتاح كده وبعدين نتكلم في الشغل؟ هو ينفع الجميل يفضل واقف على الباب؟"
كم تعشق أسلوبه الساحر وضحكته المشرقة. نظرت بتعمق لوجهه المرحب وهي تبتسم بخفة لتجد نفسها لا إراديًا تجلس حيث أشار دون إثناء عيناها عنه.
"شكرًا."
التف "رؤوف" تجاه صديقه الذي مازال واقفًا بالباب يتابع استقبال "رؤوف" لزائرته الحسناء.
"مالك يا 'حمدي'؟ واقف زي العمود كده ليه؟ ما تدخل."
كانت تلك إشارة لمشاركتهم جلستهم ليتجه صوب المقعد المقابل لـ"مودة" متأملًا بصمت وجهها الطفولي الساحر وبراءة عيناها السوداوتين.
"أوي أوي."
بدأ "رؤوف" بتعريف بعضهما البعض.
"ده بقى 'حمدي الكاتب' زميلنا هنا في الشركة. دي بقى 'مودة'. أخت 'غدير' مرات 'عيسى'. حتشتغل معانا من النهاردة."
هلل "حمدي" باستحسان وحماس شديد.
"هو ده الكلام. نورتي الشركة يا آنسة 'مودة'."
لم تستساغ "مودة" طريقة هذا الرجل، لكنها أومأت بخفة مجاملة له.
"شكرًا."
أحضر "رؤوف" إحدى علب العصير ثم مد يده تجاه "مودة" التي ترددت لقبولها، فهي لا تحب أي من المأكولات والمشروبات الغريبة خاصة تلك المعلبة، لكنها أول شيء يقدمه لها، فحتى لو لم تتناوله ستأخذه من يده.
"اتفضلي يا 'مودة'. دي حلاوة أول يوم. تخيلي بقى لو كل يوم معانا."
تمنت أن تهتف بسعادة (يا ليت) لكنها اكتفت بابتسامة خجولة.
خجلها وابتسامتها العذبة سرقا قلب "حمدي" الذي كان يترصد بردود أفعالها الرقيقة، بينما أخذ "رؤوف" بإيضاح عملها وما يتطلب منها. كادت أن تحلق بسعادة لقربها منه واختصاصها بحديث حتى لو عن العمل.
***
شقة عهد...
لم تكن لحظة غضب، بل كان تراكم من الكتمان. اهتزاز وارتجاف وأصوات صاخبة تمامًا كبركان ثائر بداخل نفسها.
لكن آن الأوان لأن تهدأ وتخرج ما أخفته بقلبها، فاليوم يوم الاعتراف.
صمت لاح بين كلاهما بعد انهيار "وعد" وانتظار "عهد" لفهم كل شيء. فرصة للهدوء سمحت بها "عهد" أخيرًا حتى تستطيع فهم ما سبب قرار "وعد" الأعمى.
بعد أن هدأت نفسها قليلًا، نظرت "وعد" تجاه تلك العينين العسليتين اللتين تحدقان بها تتوق لإدراك ما يثور بداخلها.
لأول مرة منذ سنوات طويلة "عهد" تستمع بإنصات دون انفعال ودون غضب.
جلست بهدوء تنتظر صافرة البدء وعيناها معلقتان بأختها المنهارة تمامًا.
ضمت "وعد" شفتيها المرتعشتان قائلة.
"خليكِ جنبي يا 'عهد'. أنا ماليش غيرك."
لم يرهف قلبها لها الآن؟ أليست هي القوية؟ ألهذه الدرجة تغيرت دون أن تدري؟ هي من تتعامل بالصواب والخطأ وإعمال العقل، أصبح قلبها يرهف لبعض المشاعر والشفقة!
هدأ صدرها ببطء وهي تومئ بخفة شديدة، ربما تخشى أن يلاحظ لينها الذي لم تعتاده، لكن أختها تستحق ذلك، تستحق أن تشعر ببعض الأمان. هنا أردفت "عهد" بيقين تام.
"أنا معاكِ في أي حاجة حتعمليها. بس فهميني. لما إنتِ خلصتي من البني آدم ده وربنا فكك منه، بتعملي في نفسك ليه كده؟ إنتِ غاوية عذاب وتعب؟"
استطردت "وعد" توضح الأمر من بقية الجوانب لها حتى تتفهم لم اتخذت هذا القرار.
"ساعة ما 'عاطف' وقع، أنا خوفت أوي. حسيت إن قلبي وقع معاه. أنا فاكرة اليوم ده كأنه إمبارح. مش من خمس شهور."
تذكرت "وعد" المشهد كاملًا أمام مرآها كما لو كانت تعيش تلك المأساة مرة أخرى.
***
بيت النجار (شقة فخري)...
لمعت عين "حنين" بغيظ مكتوم لم تستطع إظهاره، أنقذها من شلال الإهانات التي كانت ستتلقاه طرقات أخرى على باب شقة "صباح".
قفزت "حنين" بخفة مبتعدة عن "صباح" ولسانها السليط لتلبي الطارق ظنًا منها أنها بذلك تهرب من ضيق نفس بوجودها إلى جوارها، لكنها فوجئت بمن يكتم أنفاسها كمن يسحب الهواء من حولها.
رفعت "حنين" حاجبيها واتسعت عيناها بذهول قبل أن تفغر فاها قائلة.
"ريهام!!!!"
منذ بدأ خلافاتها مع "مأمون" لم تخطئ "ريهام" بيت العائلة. بل ظنت "حنين" أنها تخلصت نهائيًا من وجودها ورؤيتها، تلك المتعالية التي كادت تسرق كل الأضواء منها، فما الذي أتى بها إلى هنا اليوم؟
بطرف عينيها الواسعتين رمقتها "ريهام" بتقزز لتعبر من جوارها دون الاكتراث حتى بإلقاء السلام عليها.
خطوات متمايلة متغنجة وهي تدلف نحو الداخل لتميل برأسها في خيلاء لتتحرك خصلات شعرها العسلية المموجة تكيد بجمالها تلك الواقفة إلى جوار الباب من خلفها.
شابة تتمتع بحسن طبيعي، بيضاء البشرة وفم رفيع وأعين صغيرة، لكنها تتمتع بجاذبية شديدة لدلالها وتغنجها الدائم. فهي معجبة بحسنها لدرجة الغرور، تدرك أن الأبصار تتجه صوبها فور تواجدها بأي محل تنزل به.
تقدمت نحو "صباح" الجالسة بالصالون لتلقي تحيتها وهي تجلس دون دعوة صاحبة البيت لها.
"صباح الخير."
اعدلت "صباح" جسدها المائل باهتمام بالغ لم تظهره يومًا لغير تلك المرأة.
"'ريهام'!!! إزيك يا حبيبتي."
ضمت "ريهام" شفتيها الرقيقتين وهي تلقي بنظرة أخيرة على "حنين" كما لو كانت تخبرها أن وجودها ليس مرغوبًا به لتعود ببصرها الكامل تجاه "صباح" لتجيب تحيتها.
"كويسة... أوووى."
قالتها تكيد بـ"حنين" صاحبة المشكلات والاستفزاز لها حينما كانت تقطن هنا بهذا البيت.
لم تتحمل "حنين" وجود "ريهام" فحتى مع غيابها إلا أنها تظل الأجمل وسارقة كل الاهتمام رغم المشاكل والقضايا بينها وبين "مأمون"، هتفت "حنين" بعجالة دون انتظار.
"طب أنا حنزل أشوف العيال تحت. حبقى أجيلك بعدين يا ماما 'صباح'."
خرجت على الفور وهي تسحب الباب من خلفها فقد فشلت مساعيها اليوم وانتهى أيضًا برؤيتها لغريمتها زوجة "مأمون" السابقة.
بحفاوة غير معتادة أخذت "صباح" ترحب بـ"ريهام" بشدة.
"ليكِ وحشة والله يا 'ريهام'. بس مش كنتِ تقولي إنك جايه عشان نحضر لك غدا محترم."
أعادت "ريهام" جذعها للخلف بعنجهية وهي ترفع ساقها فوق الأخرى قبل أن تجيب.
"وهو أنا غريبة؟ أنا صاحبة بيت يا حماتي."
بسمة مهتزة احتلت ملامح "صباح" وهي تردد كما لو كانت مجبرة على الترحيب بها.
"طبعًا يا حبيبتي... طبعًا."
دارت "ريهام" بعينيها بداخل الشقة تكشف ما بها متسائلة.
"أمال فين 'راوية' وعمي 'فخري'؟"
"عمك 'فخري' في الوكالة. و'راوية' في البلكونة. أناديها لك؟"
أنهت عبارتها وهي تدفع بجذعها الثقيل تحاول النهوض من فوق الأريكة، لكن كف "ريهام" أوقفها قائلة بلا اهتمام.
"لالالالأ... خليها خليها. أنا جيالك إنتِ."
توجست "صباح" من زيارتها لتهتف بترقب.
"خير؟"
أجفلت "ريهام" بعينيها الصغيرتين بتعالي ثم أردفت تطلب ما جاءت لأجله بنبرة آمرة.
"عايزة فلوس. 'مأمون' كل ما أكلمه يطنش. فقلت آجى لك. أنا عايزة فلوس. كتير. الولاد عايزين حاجات ضرورية أوي. ومش حستنى لما المحكمة تحكم."
هبت "صباح" تلبي طلبها والذي رفضت مثيله منذ قليل، لكنها لا تقوى على رفض طلب "ريهام".
"بس كدة؟ من عيني. ثواني ورجعالك."
دَلفت لغرفة نومها لتخرج بعد قليل من الوقت تحمل رزمة من الأوراق المالية تأشر بها تجاه "ريهام".
"خدي يا حبيبتي. كله إلا ولاد 'مأمون'. وأمهم حبيبة قلبي."
بسمة متكلفة علت ثغر "ريهام" وهي تضع المال بحقيبتها الحمراء قبل أن تقف استعدادًا للمغادرة فقد تمت مهمتها ولا داعي لبقائها هنا.
"طيب... سلام بقى."
رغم توجهها لباب الشقة إلا أن "صباح" هتفت مجاملة.
"ما تخليكِ نتغدى سوا."
أجابتها "ريهام" بتعجل.
"لأ... بعدين. سلام يا حماتي."
تنفست "صباح" الصعداء بعد مغادرة "ريهام" فهي الوحيدة التي تحسب لوجودها ولطلباتها ألف حساب.
انتبهت لأن الوقت يمر بها وعليها الذهاب للشيخ "كرامة" قبل عودة "فخري" من الوكالة لتدلف لغرفتها لتبدل عباءتها بأخرى لتقضي هذا الأمر بعجالة.
***
(نيره إستور) لمستحضرات التجميل...
جمال الشيء يكمن في بقائه سرًا، وليس علينا البوح بكل ما يحدث لنا، ولا يبقى لأنفسنا حلاوة نخفيها عن الأعين والآذان.
فقضاء حوائجنا يجب علينا أن نستعين بالكتمان. حياتنا الخاصة سميت خاصة لأنها تخصنا وحدنا، لا دخل للمحيطين بها.
بجلسة معتادة بين "نيره" و"إسراء" بالمتجر الخاص بـ"نيره"، أخذت "نيره" تقص على مسامع صديقتها كل ما حدث بالأمس بالتفصيل بينها وبين "رؤوف" وكيف غضبت منه ومحاولته لإرضائها.
دفعت "إسراء" خصلة شعرها الصفراء المصبوغة للخلف بتفكير قبل أن تجيب صديقتها.
"حلو جدًا. بس إوعي اللي حصل ده يخليكِ تسمعي الكلام ومتروحيش الشركة عنده تاني. لأن هو ده اللي هو عاوزه. عمل الزعلة دي مخصوص عشان تخافي تروحي له هناك تاني."
كالمغيبة تمامًا أردفت "نيره" باقتناع، فقد أصبحت الآن كالقطة الوديعة التي تنصت لكل ما تقوله "إسراء" بينما تعترض كل ما يقوله "رؤوف" طيلة الوقت.
"معاكِ حق. هو كده هيتطمن. لأ، أنا لازم أروح. عشان يبقى عامل لي حساب في كل مكان."
"برافو عليكِ. خليكِ واعية كده."
دارت "إسراء" بعينيها الجاحظتان قبل أن تتردد في سؤالها.
"بس إنتِ مقولتيليش، أمه وأبوه أخبارهم إيه معاكِ؟ الناس دي لازم تكسبيها."
امتعضت "نيره" قليلًا، فهي ليست ذات شخصية محبة اجتماعيًا لتردف بثقل.
"عمو 'خالد' مشغول في الشركة اللي بيشتغل فيها. وطنت 'منار' ما بين المستشفى والبيت. بصراحة أنا مش ببقى عارفة أقول إيه يخليهم يحبوني." (ثم لوت فمها باستياء مستكملة) "كفاية عليهم حبيبتهم 'غدير'، واكلة عقلهم بصورة غريبة."
أجابتها "إسراء" بتحفيز.
"لأ. لازم تبقي زيها وأكتر. لازم يحبوكِ أكتر منها."
"طيب قوليلي أعمل إيه؟"
تفكيرت "إسراء" قليلًا ثم أجابتها.
"نفكر."
***
شركة بيكو للأدوية...
سيكون الانتظار غايتي إلى أن يقسم الله لنا أن نلتقي، فقربه يعني لي الحياة والحياة هي هو فقط.
بقلب مضطرب وأحاسيس مربكة دلفت "مودة" بخطوات متباطئة لداخل الشركة تبحث عن وجه وحيد تكتفي به من الدنيا كلها.
كقطة وديعة أخذت تطالع الأجواء من حولها ببعض المكاتب وأرفف الأدوية وبعض الشحنات المغلقة لعقاقير أخرى. موظفون هنا وهناك، وجوه عديدة ليس بهم وجه من تأمل رؤيته.
نجمة لامعة وسط ليل طويل وقفت بتشتت لبعض الوقت دون إدراك إلى أين تتجه.
تقدم نحوها شاب متوسط الطول وقد ملأت إحدى ابتساماته المتصيدة لتلك الحسناء قائلًا بلباقة.
"تحت أمرك يا آنسة."
تطلعت "مودة" بوجهه، فليس هو من تقصده، لكن ربما يساعدها للوصول إليه. أجابته بهدوء.
"لو سمحت، كنت عايزة الدكتور 'رؤوف دويدار'."
سنحت له فرصة حديث مع فتاة جميلة ليجيبها الشاب بتساؤل مازح.
"'رؤوف'؟ مكنتش أعرف إن له معارف حلوين كده."
هي ليست ساذجة لتدرك أن هذا الشاب يتغزل بها. نظرت له مطولًا بصمت لتجعله يضطرب من نظرتها التي أشعرته بحقارة تصرفه ليتنحنح مستطردًا.
"إحم... أسف. 'رؤوف' في المكتب بتاعه. اتفضلي من هنا."
أشار نحو أحد الاتجاهات بتعقل لتتخذ "مودة" طريقها نحو المكتب الذي أشار إليه ليتبعها بدافع الفضول لمعرفة هوية تلك الحسناء ذات الشخصية المتفردة.
طرقت "مودة" باب المكتب لتسمع صوته الحماسي من الداخل يرحب بالزائر.
"اتفضل... اتفضل."
دَلفت "مودة" وقد تغيرت نظرتها الجدية لأخرى متشوقة للغاية، فهو دقات القلب وحنينها.
"صباح الخير."
انتفض "رؤوف" بحماس مهللًا فور رؤيتها ليتقدم مرحبًا بقدومها.
"'مودة'! أهلًا أهلًا نورتي. تعالي إدخلي."
تقدمت بهدوء تتأمل تفاصيل ملامحه التي تعشقها وتذوب بعذوبته ولطفه.
"أنا جيت في المعاد زي ما 'غدير' قالت لي."
تمسك "رؤوف" بظهر أحد المقاعد الجلدية يطالبها بالجلوس.
"طب مش نقعد الأول ونرتاح كده وبعدين نتكلم في الشغل؟ هو ينفع الجميل يفضل واقف على الباب؟"
كم تعشق أسلوبه الساحر وضحكته المشرقة. نظرت بتعمق لوجهه المرحب وهي تبتسم بخفة لتجد نفسها لا إراديًا تجلس حيث أشار دون إثناء عيناها عنه.
"شكرًا."
التف "رؤوف" تجاه صديقه الذي مازال واقفًا بالباب يتابع استقبال "رؤوف" لزائرته الحسناء.
"مالك يا 'حمدي'؟ واقف زي العمود كده ليه؟ ما تدخل."
كانت تلك إشارة لمشاركتهم جلستهم ليتجه صوب المقعد المقابل لـ"مودة" متأملًا بصمت وجهها الطفولي الساحر وبراءة عيناها السوداوتين.
"أوي أوي."
بدأ "رؤوف" بتعريف بعضهما البعض.
"ده بقى 'حمدي الكاتب' زميلنا هنا في الشركة. دي بقى 'مودة'. أخت 'غدير' مرات 'عيسى'. حتشتغل معانا من النهاردة."
هلل "حمدي" باستحسان وحماس شديد.
"هو ده الكلام. نورتي الشركة يا آنسة 'مودة'."
لم تستساغ "مودة" طريقة هذا الرجل، لكنها أومأت بخفة مجاملة له.
"شكرًا."
أحضر "رؤوف" إحدى علب العصير ثم مد يده تجاه "مودة" التي ترددت لقبولها، فهي لا تحب أي من المأكولات والمشروبات الغريبة خاصة تلك المعلبة، لكنها أول شيء يقدمه لها، فحتى لو لم تتناوله ستأخذه من يده.
"اتفضلي يا 'مودة'. دي حلاوة أول يوم. تخيلي بقى لو كل يوم معانا."
تمنت أن تهتف بسعادة (يا ليت) لكنها اكتفت بابتسامة خجولة.
خجلها وابتسامتها العذبة سرقا قلب "حمدي" الذي كان يترصد بردود أفعالها الرقيقة، بينما أخذ "رؤوف" بإيضاح عملها وما يتطلب منها. كادت أن تحلق بسعادة لقربها منه واختصاصها بحديث حتى لو عن العمل.
***
شقة عهد...
لم تكن لحظة غضب، بل كان تراكم من الكتمان. اهتزاز وارتجاف وأصوات صاخبة تمامًا كبركان ثائر بداخل نفسها.
لكن آن الأوان لأن تهدأ وتخرج ما أخفته بقلبها، فاليوم يوم الاعتراف.
صمت لاح بين كلاهما بعد انهيار "وعد" وانتظار "عهد" لفهم كل شيء. فرصة للهدوء سمحت بها "عهد" أخيرًا حتى تستطيع فهم ما سبب قرار "وعد" الأعمى.
بعد أن هدأت نفسها قليلًا، نظرت "وعد" تجاه تلك العينين العسليتين اللتين تحدقان بها تتوق لإدراك ما يثور بداخلها.
لأول مرة منذ سنوات طويلة "عهد" تستمع بإنصات دون انفعال ودون غضب.
جلست بهدوء تنتظر صافرة البدء وعيناها معلقتان بأختها المنهارة تمامًا.
ضمت "وعد" شفتيها المرتعشتان قائلة.
"خليكِ جنبي يا 'عهد'. أنا ماليش غيرك."
لم يرهف قلبها لها الآن؟ أليست هي القوية؟ ألهذه الدرجة تغيرت دون أن تدري؟ هي من تتعامل بالصواب والخطأ وإعمال العقل، أصبح قلبها يرهف لبعض المشاعر والشفقة!
هدأ صدرها ببطء وهي تومئ بخفة شديدة، ربما تخشى أن يلاحظ لينها الذي لم تعتاده، لكن أختها تستحق ذلك، تستحق أن تشعر ببعض الأمان. هنا أردفت "عهد" بيقين تام.
"أنا معاكِ في أي حاجة حتعمليها. بس فهميني. لما إنتِ خلصتي من البني آدم ده وربنا فكك منه، بتعملي في نفسك ليه كده؟ إنتِ غاوية عذاب وتعب؟"
استطردت "وعد" توضح الأمر من بقية الجوانب لها حتى تتفهم لم اتخذت هذا القرار.
"ساعة ما 'عاطف' وقع، أنا خوفت أوي. حسيت إن قلبي وقع معاه. أنا فاكرة اليوم ده كأنه إمبارح. مش من خمس شهور."
تذكرت "وعد" المشهد كاملًا أمام مرآها كما لو كانت تعيش تلك المأساة مرة أخرى.
***
فلاش باك...
﴿ إختل توازن "عاطف" ليسقط من فوق درجات السلم يتخبط هنا وهناك حتى إختفى عن أعينها. وقفت مذهولة متيبسة دون حراك كما لو أنها أصبحت تمثالًا من صخر. إرتعد جسدها فزعًا لكن دون حركة.
لم تفق من شتاتها إلا بسماعها صرخات من "عتاب" بالأسفل لتحرك ساقيها المتيبستين تهبط درجات السلم بتخوف وتشتت.
مالت "عتاب" على أخيها الساكن بلا روح وهي تصارخ ببكاء يهز جوف "وعد" الفزعة.
"آآآه يا أخويا... اااه... يا حبيبي يا 'عاطف'... اااه يا 'عاطف'..."
صرخاتها كانت كفيلة بإيقاظ الغافلين حولهم لتقف "قسمت" أسفل الدرجات تنظر بهلع نحو ولدها الساكن وابنتها الصارخة لتفهم ما حدث على الفور، فقد مات "عاطف" ولدها البكر وأحب أبنائها لقلبها.
لم تقوى على التقدم أو الابتعاد كما لو أن الزمن توقف هنا. ما تراه حقيقة بعينيها يصعب عليها تصديقه، فإن تحملت وفاة زوجها لا تقوى على تحمل فقدان ابنها الغالي.
سقطت "قسمت" أرضًا فقد انهارت حصونها القوية معلنة الاستسلام والهزيمة.
رفعت "عتاب" رأسها نحو "وعد" التي تتطلع نحو "عاطف" بصدمة وقد بهت لونها الأبيض حتى كادت تشبه الأموات. صرخت بها "عتاب" بكلماتها القاسية الجارحة ووجه متعنت متوعد لها.
"قتلتيه!!! قتلتي أخويا."
سُحب الهواء من رئتي "وعد" وارتجف جسدها الضعيف لتتسند بالجدار الذي يجاورها لتتهاوى جالسة وقد اتسعت خضراوتيها بغير تصديق. حركت رأسها بعنف تنفي تصديقها لما حدث لتشاهق بالبكاء وقد ارتعد جسدها بقوة تخفي بكفيها هول ما تراه بعينيها.
قبعت "عتاب" و"وعد" إلى جوار "عاطف" بينما مازالت "قسمت" ملقاة أرضًا لا تدري عن الواقع شيئًا.
خطوات رزينة تقدمت نحوهم ليطل "محب" بوجه مقتضب دون فهم.
"إيه اللي حصل؟ ماله 'عاطف'؟"
بوجه بريء تمامًا رفعت "عتاب" رأسها لتظهر دموعها الغزيرة التي غطت وجنتيها النحيلتان قائلة بحسرة.
"أخوك مات... ماااات يا 'محب'."
لم تكتف بحديثها المشؤوم بل استطرت مستكملة اتهامها لـ"وعد".
"هي اللي موتته. هي اللي زقته من فوق السلم."
قلب "وعد" الضعيف لا يتحمل رؤيته بهذه البشاعة فكيف ستتحمل فكرة أنها السبب بفقدانه حياته. رفعت "وعد" رأسها تجاه "محب" تود لو تنفي ما حدث وأن ليس لها علاقة، لكنها لا تقدر. شهقاتها اليائسة كانت إجابة عما حدث.
أسرع "محب" تجاه "عاطف" محاولًا إسعافه فربما مازال هناك أمل، لكن قدر الله قد نفذ ليشيح بوجهه الحزين المتجهم، فخلال شهور قليلة فقد أبيه وأخيه فما أقسى مصابه وأصعب فراقهم.
حاولت "وعد" أخيرًا النطق فقد تلاشت منها الكلمات وجف حلقها تمامًا.
"والله ما... أقصد... غصب عني... هو... هو... كان بيخنـ... بيخنقني... بعدته عني... وقع... والله ما قصدت... ووو... والله ما قصدت."
تركت "عتاب" رأس "عاطف" لتهب تجاه "وعد" تعنفها بقسوة وهي ترجها من بين يديها كعصفور مرتعد.
"لأ تقصدي. إنتِ لا بقيتي طايقاه ولا عايزاه. هو ياما اشتكى لي منك. إنتِ كنتِ عايزة تخلصي منه. إنتِ زقيتيه بالقصد. إنتِ قتلتيه يا مجرمة. أنا حبلغ الشرطة. لازم تتسجني. لازم تدفعي تمن اللي عملتيه في أخويا."
تشتتها بين "عتاب" و"عاطف" الملقى أرضًا جعلها تنتحب بقوة، فما تقوله "عتاب" سيجعلها تُحاسَب على جريمة لم تقصدها، ستخسر حياتها وابنها.
لاح صوت جهوري غير معتاد أخرس كلتاهما حين صدح صوت "محب" بنبرة مغايرة تمامًا لما اعتادوه منه.
"خلاص... انتهى. اطلعي شقتك يا 'وعد'. وإنتِ خدي أمك اللي واقعة في الأرض دي ودخليها جوه. وعلى الله أسمع الكلام ده تاني. أخويا وقع قضاء وقدر. لا حد زقه. ولا حد وقعه. الكلام منهي. مفيش شرطة ولا بلاغات. أخويا مات قضاء وقدر."
حدجهما بنظرات قوية لازعة تلجمت لها ألسنة كلاهما لتصعد "وعد" راكضة نحو شقتها بينما حاولت "عتاب" حمل والدتها بصعوبة نحو الداخل تاركين الأمر لـ "محب".
ليلة عصيبة انتهت بهدوء لم تتوقعه "وعد" وقضى الأمر بأنه حادث قضاء الله وقدره ولم يوجه لـ"وعد" أي اتهام كما قال "محب".
﴾
عادت "وعد" لواقعها برفقة "عهد" التي كانت تنتظر مرة أخرى إجابة عن تساؤلها الذي لم تجيبه "وعد".
"أيوة... برضه أنا مش فاهمة. 'عاطف' الله يرحمه مات من خمس شهور. والحكاية خلصت قضاء وقدر زي ما قولتي ومحدش اتهمك بحاجة. إنتِ ليه برضه مكملة في بيتهم؟ وليه حتعملي المصيبة اللي عاوزة تعمليها دي؟"
نكست "وعد" عينيها لتجيبها بصوتها الناعم الحزين.
"يمكن وقتها محدش اتهمي بحاجة وده عشان 'زين' طبعًا. عشان ميخسرش أبوه وأمه مرة واحدة. لكن كان دايمًا الاتهام بأني أنا اللي قتلته. والتهديد إنهم حيبلغوا الشرطة عني."
بفراسة استطاعت "عهد" فهم كيف دار الأمر بعد ذلك لتعقب هي متخيلة بقية الأحداث ببراعة اندهشت لها "وعد" على الفور.
"آه... فهمت. يبقى عشان خوفك على 'زين' هم استغلوا النقطة دي وبقوا يهددوكِ يا إما تمشي على مزاجهم وتعملي اللي يقولوا لك عليه. يا إما يبلغوا عنك. صح؟ بس يا ترى مين فيهم اللي أجبرك؟ حماتك؟ لأ... حماتك من يوم ما 'عاطف' مات وهي في دنيا غير الدنيا ومش حاسة باللي حواليها. 'محب'؟ لأ مظنش برضه لأن دي مش دماغه. يبقى مفيش غيرها الحقودة الغلاوية 'عتاب'. هي اللي هددتك صح؟"
أومأت "وعد" بالإيجاب باندهاش من ذكاء وفراسة أختها مجيبة إياها باستكانة.
"أيوة... مظبوط."
وقفت "عهد" ليظهر طولها وهي تشد من تشدقها للأعلى قائلة بجدية.
"بس أنا مش عاوزاكِ تخافي. مهما حصل. سيبي لهم الدنيا كلها وتعالي أقعدي هنا. أنا قادرة أحميكِ."
اضطرب تنفس "وعد" ولاحت علامات التخوف على ملامحها الرقيقة لتردف مجبرة.
"مش حينفع يا 'عهد'. أنا الأسلم لـ'زين' إني أوافق على اللي قالولي عليه."
جذبتها "عهد" من مرفقها لتفيقها من غفلتها.
"متخافيش. مش لازم توافقي. مش حيقدروا يعملوا حاجة."
سكنت "وعد" بعينيها بترجّ.
"اللي أنا عاوزاه إن إنتِ بس متزعليش مني. أنا مش عاوزاهم ياخدوا 'زين' مني. أنا عشان خاطره أعمل أي حاجة."
هتفت بها "عهد" بإشفاق لكن نبرتها كانت جافة للغاية.
"عشان ابنك... ترمي روحك في النار؟ عشان ابنك... تتجوزي 'محب'؟!!!!!!"
رواية ظننتك قلبي الفصل العشرون 20 - بقلم قوت القلوب
بيت محفوظ الأسمر ...
أعدل "محب" من إستقامة قامته بعد أن حاول لمرة أخرى حث والدته على التحدث. فمن يتخيل أن تلك المرأة التى لم تصمت يومًا أو تهدأ نفسها أن تفقد النطق تمامًا وتبقى على هذا الحال منذ خمسة أشهر. لأيام طويلة وليالي قاسية قضتها "قسمت" ممدة بفراشها دون النطق بكلمة، فصدمة فقدانها لـ"عاطف" كانت عظيمة للغاية.
تحير الأطباء بوضعها الصحي، فهي ترفض التحدث لأثر فقدانها العظيم بنفسها وليس لسبب عضوي. حاول "محب" حث والدته مرارًا أن تخرج من قوعتها وتعود لحركتها وأصواتها الصاخبة، وأن عليها تقبل قضاء الله وإكمال الحياة فالرضا بما قسمة الله هو الإيمان الذى يجب أن نتحلى به. لكن نفس "قسمت" الضعيفة لم تتحمل هول الأمر لتبقى على وضعها لتلك الأيام دون محاولة منها لتخطى الأمر.
صدح صوت "عتاب" من خلف "محب" قائله:
- "محب" ... تعالى عاوزاك ...
طلبٌ مُحلى بلهجة آمره جعل "محب" يترك غرفة والدته خارجًا للقاء جديد مع "عتاب" والتى لا تكف عن طلبه لوضع حدود جديدة من أفكارها. همس "محب" بصوت خفيض ببعض الضجر من طلبها المستمر:
- فيه إيه يا "عتاب" ... ؟!! ما تستني شوية ..!!!
لوت فمها بإمتعاض مردفة بإستهزاء:
- يعنى قعدتك معاها هي إللي حتفرق ... ما هي على الحال ده من خمس شهور ...!!!
دفعها "محب" بخفة من مرفقها للإبتعاد عن غرفة والدته قائلًا بإستياء:
- وطى صوتك ... كفاية إللي هي فيه ...
تقدمت "عتاب" وهي تحدث "محب" أثناء إبتعادها عن الغرفة ساخرة من لين طبعه المفاجئ:
- طيب يا حنين ... تعالى ورايا ...
تبعها "محب" حتى إبتعدا تمامًا عن غرفة والدته ليسألها بتملل:
- عايزة إيه تاني ...؟؟!
تطلعت بجانب عينيها تجاه الباب المفتوح لتتأكد أن "وعد" لم تأتي بعد فقد خرجت منذ الصباح، ثم أجابته بتساؤل مرتاب:
- كنت عايزة أعرف إحنا لسه على إتفاقنا ولا إيه ...؟!!
زفر "محب" بقوة فلم يعد يتحمل تكرار "عتاب" للأمر ليجيبها بإنفعال ليس من طبعه:
- وأخرتها معاكِ ... !!! مش خِلصنا من السكة دى ... وخلاص ...!!!
عقدت "عتاب" ذراعيها أمام صدرها وهي تعيد على مسامع "محب" إتفاقهم لتضمن أنه مازال على العهد معها:
- ونقول تاني وتالت ورابع ... إحنا متفقين إن إنت لازم تتجوز "وعد" وتبقى وصي على "زين" ... ده إحنا كل فلوسنا بقت بإسمه حتى الورق مش لاقينه ... يعنى لازم كل حاجة ترجع لينا ... كمان أنا مقدرش على خدمة عيل كمان ... كفاية عليا عيالي وأمك ... إنت لازم تتجوزها عشان ناخد منهم حقنا ... ماشي يا "محب" ...؟!!
بإيمائة خاطفة أجابتها بضيق:
- وأنا قلت لك ماشي ... وإتفقنا .. وإنتِ هددتي "وعد" يا نتجوز يا تبلغي عنها إنها قتلت "عاطف" ... وكل حاجة ماشيه تمام ومستنيين موافقتها ونخلص ... عاوزة إيه تاني ... ؟؟!
مالت برأسها الطويل لتحدق عيناها السوداوتين المخيفتان بأخيها فإتفاقهما هو ما سيرجع مالهم وعليه الإلتزام بذلك وعليها أيضًا التيقن من ذلك كلما سمح الأمر:
- عاوزة أقولك إن الكلام منهى ... أنا مش عايزاها تصعب عليك ... ولا تضحك عليك ... إحنا فى الهوا سوا يا أخويا ...
تمالك "محب" غضبه من تكرار "عتاب" لتذكيره بالأمر:
- تمام ... تمام ... متقلقيش ... هي بس توافق ونخلص ونكتب الكتاب على طول ...
- الله ينور عليك ... نكتب الكتاب ... ونشوف طريقة بقى نرجع حقنا من الهانم وإبنها ...
إكتفى "محب" بهذا الحديث ليخبرها أثناء مغادرته:
- طيب ... أنا نازل المعرض عشان إتأخرت ... سلام ...
لم ينتظر "محب" ردها بل اتجه نحو الخارج فالأجواء ببيت العائلة أصبحت خانقة للغاية.
انتهزت "عتاب" تلك الفرصة للبحث عن أي أوراق تثبت ملكيتهم لأي شيء قد تناسى والدهم بتسجيله بإسم "زين"، فجميع ما يمتلكونه الآن أصبح ملكًا لإبن "عاطف" فقط.
❈-❈-❈
عطارة النجار ...
تنتشر الفئران بعد غياب أصحاب البيت وإنشغالهم عن خيره، وهكذا كان "فريد" الذى وجد ضالته بعد سفر "مأمون" وإنشغال والده بالمرور على بعض التجار أقرانه بالسوق. دار "فريد" بخيلاء متخيلًا ما يمكنه كسبه لو تملّك تجارة والده وأصبح هو المتحكم بها.
ابتسم بخبث ضئيل الذكاء وهو يملس بكفه فوق مقعد والده والذى يجلس عليه "مأمون" في العادة وقد حلق بخياله ببحور الثراء والرخاء. جلس "فريد" مستمتعًا بتلك اللحظة التى لا تتكرر كثيرًا قبل أن تخرجه دقات هاتفه من حلمه الجميل لينتبه له. ابتلع ريقه بإضطراب وهو يبلل شفتيه الجافتين مجيبًا:
- "نونه" حبيبتي ... إيه الأخبار ...؟!!
خشيه من غضبها إذا أخطأ أنساه تخيله منذ قليل ليعود لشخصيته الخانعة بحضورها حتى لو عن طريق الهاتف فقط.
- مش مهم أنا ... إنت عملت إيه عندك ...؟؟؟
قلب نظراته يمينًا ويسارًا ثم همس بتخوف من أن يسمعه أحد:
- كله تمام ... "مأمون" سافر ... وأبويا بيلف لفه على التجار .. وانا قاعد على المكتب ...
انفرجت أساريرها بسعادة ثم أردفت:
- كويس ... لو عندك فلوس ... هات معاك وإنت راجع .. البيت فاضي ...
أومأ "فريد" رأسه يتطلع لأحد الأدراج باحثًا عن بعض المال:
- الدرج فاضي ... الظاهر أبويا أخد الفلوس قبل ما يمشى ...
لوت "حنين" فمها بإستياء فيبدو أن اليوم ليس أسعد أيامها:
- برضه ...!!! طيب ... إسمعني كويس ... "حامد" إبن بنت عم أبويا ... عارفُه ...؟؟؟
قضب "فريد" جبهته بقوة محاولًا تذكر من هذا المدعو "حامد":
- لأ ... مش فاكره أوى ... مين ده ؟؟؟ وعاوز إيه ...؟!!
سأمت "حنين" من ذكائه المحدود لتهتف بتذمر:
- يا أخي ركز معايا بقى ... "حامد" .. "حامد" ... مش عارفه إزاى ... "ميدو" يا أخي ...
انتبه له "فريد" ليرفع رأسه بإدراك:
- ااااه ... عرفته عرفته ... ماله "حامد" ...؟!!
أجابته بلهجة آمرة:
- "حامد" حيجيلك كمان شويه ... أنا كلمته ... عشان حيدخلك معاه فى الشغل ... الواد ده بيعرف يطلع الفلوس من أي حاجه ... وإحنا لازم نشتغل معاه ...
ردد "فريد" حديث "حنين" لإرضائها هاتفًا:
- صح يا "نونه" صح ... لازم نشتغل معاه ... وأنا قاعد مستنيه أهو مش حتحرك من مكاني لحد ما ييجي ...
❈-❈-❈
شقة عهد ...
إلى متى سيظل الخضوع مسيطرًا دون إختيار حياة تستحق أن تعيشها. يُفطر قلبها لأجل نصف قمرها الآخر، لم يكن ذلك هو المستقبل الذى كانت تتمناه لها.
كأخت كبرى تتمنى فقط مصلحة أختها ظلت "عهد" تحث "وعد" عن التخلى عن إلقاء نفسها بجُحر الثعابين، لكن خوفها من إنتزاع حضانة إبنها سيطر عليها بصورة فَزِعة لم تستطع "عهد" إثناء رأيها عن قرارها البغيض.
- يا "وعد" ... أنا مش عاوزاكِ تعملي كدة فى نفسك ... إبنك وإنتِ فى حمايتي ... ميبقاش الكل عامل حسابي وإنتِ خايفة بالشكل ده من أهل جوزك ... إسمعي كلامي ... متخافيش ... إنتِ مش أختي الصغيرة ... إنتِ بنتي ... بلاش تعملي كدة فيا وفي نفسك ...
مسحت "وعد" وجهها مستجمعة شتات نفسها لتلقى بنفسها بأحضان "عهد" التى تفاجأت برد فعلها، ثم قالت بنبرتها الناعمة:
- يا حبيبتي يا "عهد" ... أنا عارفة إني ماليش غيرك ... وإنك إنتِ إللي أخدتي بالك مني وإتحملتي مسؤوليتي لوحدك بعد وفاة ماما ... عارفة إني طول عمري كنت حِمل تقيل على كتافك .. وقفتِ حياتك بدل ما تكمليها وتعيشيها ... فضلتي إنك تعيشي عشاني ونسيتي نفسك ...
لم تظهر "عهد" تأثرها البالغ بل ظلت على جمودها الظاهر برغم إختلاج قلبها من كلمات "وعد" لتردف:
- وإيه إللي حصل بعد كدة ...!!! ما إنتِ عاوزة ترمي نفسك فى النار برضه ... يعنى مش كفاية أول مرة لأ ... عايزة تكرريها تاني وتوقعي نفسك تانى ...
اعتدلت "وعد" لتحاول إقناعها بما ليست مقتنعه به على الإطلاق:
- مش يمكن كدة أحسن لـ"زين" ... مش عايزة أتحرم منه يا "عهد" ... إفهميني ... وبعدين مش يمكن "محب" يكون غير "عاطف" ... أنا عمري ما حوافق إلا لما إنتِ توافقي الأول ...
ضحكت "عهد" بسخرية فكيف ينبت نبات صالح بتربة فاسدة:
- عشم إبليس في الجنة ...
وضعت "وعد" كفها فوق صدرها تترجي "عهد" بقبول الأمر ونيل رضاها:
- بالله عليكِ ... لو خاطري غالي عندك ... وافقي .. ومتزعليش مني ...
كيف ستتقبل إهدار نفسها للمرة الثانية، لمَّ القلب أصبح ضعيف لهذا الحد!!!
زمت شفتيها بإمتعاض لتردف مجبرة رغم عدم تقبلها:
- طيب ... إنتِ مش صغيرة ... أنا كان نفسي تكوني أقوى من نفسك ومن ماما ومن خالتك "زكيه" ...
بأمل جديد بأن حياتها القادمة مع "محب" ربما يمكن أن تكون مختلفة لإختلاف طباعه وشخصيته عن "عاطف"، أو ربما ستتحمل لأجل قرة عينها ولدها الوحيد.
- يمكن يا "عهد" يكون غيرهم ... يمكن ..
تنهدت "عهد" بضيق لتشبث أختها بالضعف كسائر نساء تلك العائلة:
- مش قادرة أصدق ده ... بس لو إنتِ عايزة كدة ... مش حقف في طريقك .. وبرضه البيت هنا مفتوح لك في أى وقت ... ولو حد بس فكر يدوس لك على طرف قوليلي وأنا قادرة أمحيهم كلهم فى لحظة ...
- يا حبيبتي يا أختى ...
بعد عناق طويل إستمدت به "وعد" قوتها لإكمال طريقها، لم تلبث "وعد" الكثير بعد ذلك لتصطحب ولدها الذى تركته لدى خالتها لتعود لبيت العائلة لتلتقى ما هو مقدر لها.
❈-❈-❈
بأجواء خزعبلية بأحد الأحياء الفقيرة للغاية بشقة سفلية تقع بالدور الأرضي، أنوار خافته ومصابيح غريبة الشكل، سقف منخفض العلو يتدلى منه بعض الأقمشة البالية وحبال ملفوفة وعناقيد من حبات معقودة صلبة قاتمة للنفس. زادت الأجواء غرابة تلك السحب من الدخان المنبعث من أرجاء الشقة بفعل مواقد البخور المنتشرة.
دَلفت "صباح" بخطواتها الثقيلة الغير متزنه لذلك المكان الكئيب دون السؤال عنه كمن تدرى كل تفاصيله من قبل. تقابلت مع أحد الأشخاص بالداخل يرتدى جلباب أزرق ذو شعر مشعث لتسأله برجفة:
- مساء الخير يا أخويا ... الشيخ "كرامه" هنا ...؟!!
قلب الرجل نظراته بهيئتها وأساورها الغليظة ذات اللون البراق ليجيبها على الفور فيبدو أنها من هؤلاء السيدات الثريات اللاتى يغدقن بالمال لأجل تحقيق مطالبهم:
- موجود يا ستنا ... بس مشغول حبتين ... ده مش ملاحق على طلبات الأسياد عليه من الصبح ...
أخرجت "صباح" ورقة مالية من حقيبة يدها الجلدية اللامعة هامسة بفطنة للأمر:
- طب ما تشفهولي خلص ولا إيه ... أصل أنا مستعجلة أوى يا أخويا ...
تلهف بوضع الورقة المالية بجيب جلبابه بعد التمعن بقيمته لينتفض ملبيًا طلبها:
- أوامرك يا ست الكل ... حالًا نشوفه ...
دلف نحو أحد الغرف لبعض الوقت ثم خرج نحوها قائلًا بترحيب:
- إتفضلي يا ستنا ... الشيخ مستنيكِ جوه ...
خطت "صباح" نحو الداخل ومازالت الرجفة تجتاحها رغم قلبها القوي الذى لا يهاب شيئًا:
- مساء الخير يا شيخ ...
تطلع بها أحد الرجال الذى إرتدى ملابس تدفع من يراه لمهابته والتخوف منه، فقد إرتدى جلباب قصير ذو نقوش مخططة باللون الرمادي والأخضر معلقًا برقبته العديد من السلاسل والعناقيد الملونة، يلف رأسه بوشاح عتيق من اللون النبيذي القاتم يتدلى منه بعض المعلقات من الجعران الأزرق، خطط عيناه السوداوتين بكحل أسود ليدفع بالخوف بقلوب زائرية.
أجابها بصوت أجش غليظ:
- تعالي ... تعالي .... حاجتك مقضيه ...
جلست "صباح" بمقابل "كرامه" قائله:
- جيالك يا شيخنا تعملي عمل لأجل خطافة الرجالة وبناتها ...
بخبث معتاد لتلك النوعية من السيدات تطلع بها كرامه قائلًا:
- العمل ميتمش إلا بالقطر ... معاكِ قطرهم ...؟!!
أخرجت "صباح" اللفافة التى جلبتها لها "راويه" بالصباح لتدفع بها إليه قائله:
- دول قطرهم هم الثلاثة ... وريني فيهم يا شيخ أذى ومرض .. وقف حالهم وكره الناس فيهم ... مش عايزاهم يتجوزوا ... ولو إتجوزوا يتخرب بيتهم ... وأمهم العقربة ... يبتليها بالمرض والمصايب ... ما تلاحق عليهم أبدًا ...
لحقت حديثها بوضع رزمة من المال أمامه مستكملة:
- وخد دول تحت الحساب ولو حصل المراد حديلك زيهم ...
لمعت عينا هذا الدجال بطمع ليسحب المال وحقيبة الملابس نحوه قائلًا بشر:
- إعتبريه حصل ... ده أنا الشيخ "كرامه" ... حتشوفي فيهم كل البلا ... والناس كلها تحكي على حالهم ...
ابتهجت نفس "صباح" لتردف بسعادة:
- كتر خيرك يا شيخنا ... بس يحصل ... وأنا رقبتي ليك ...
وضع بعض من حبيبات البخور لتزيد الأدخنة لسلب عقل تلك ضعيفة الإيمان لتنزلق لطريق الشيطان بإتباعها لهذا الساحر الدجال.
وبنفس ضعيفة الإيمان سيئة النوايا خرجت "صباح" كما دلفت ظنًا منها أنها ستنتهي من أمر "زكيه" وبناتها بهذا السحر وهذا الدجال.
❈-❈-❈
شركة بيكو للأدوية ...
لكل قلب موضعه إلا قلبي معك أنت، سأكتفى بمراقبته فقط فلا أريده ولا أود البُعد مرة أخرى.
هكذا كانت "مودة" بعد ساعات قضتها بداخل الشركة وهي تتابع سير العمل وتفاصيله مع "رؤوف". لم تنتبه للعمل بقدر حماسها المفرط لوجودها برفقته، فقد فازت اليوم بقُربها منه لساعات متواصله، فلو أنها تحلم لكانت قد إستفاقت وإنتهى الحلم لكنها واعية لحقيقة أجمل من الخيال.
توقف "رؤوف" يطالع أحد القوائم للأدوية المرتجعة قائلًا:
- دي بقى قائمة المرتجع .. يعني الأدوية إللي منتهية أو مرسلة بالغلط ... فهمتي ...
بعينان هائمتان معلقتان بتفاصيله أومأت بتشتت وقد لاحت إبتسامة بشفتيها الرقيقتان:
- فاهمه ...
أشار "رؤوف" بتمرس تجاه أحد المكاتب موضحًا بلطافته التى لم ترى مثلها من قبل:
- و إللي هناك ده بقى حيبقى مكتبك ... شغلتك بقى يا ستى رصد المرتجع وتعمليلي قائمة حلوة زي دى .. بحيث مفيش حاجة تعدي منك ... الأعداد والصنف وكل البيانات زى دى بالضبط ... إيه رأيك يا جميلة ...؟!!!
حاولت "مودة" أن تكون جادة نوعًا وأنها تستطيع التعامل بعملية مع ما يطلبه منها، لتجيبه بحماس:
- أه طبعًا ... فهمت جدًا ... وأنا معاك على طول ... قولي بس وحتلاقيني موجودة زي ما تحب بالضبط ...
انتفض كلاهما على صرخة أتت من خلفهما إسترعت إنتباههم وعيون الآخرين:
- ايييييه ... الله الله ... موجودة فين يا **** يا ***** مفيش لا تربية ولا أخلاق ... عيني عينك كدة ....!!!!
بهتت "مودة" من فهمها الخاطئ لتتحجر كلماتها بحلقها وقد اتسعت عيناها بصدمة من تطاول "نيره" المفاجئ والخارج عن الحد.
التفت "رؤوف" تجاه "نيره" بأعين غاضبة غير معتادة لهذا اللطيف ليزمجر بقوة تناسب عائلة "دويدار" القوية، فهنا ظهرت قوته وشراسته كأخويه تمامًا، حتى أن "نيره" صدمت من رد فعله الهادر:
- إنتِ تاني يا "نيره" ...!!! وبعدين معاكِ بقى ... كل شويه مشاكل وكلام ملهوش ستين لازمة ...!!!!!
سحبت شهقة قوية متهكمة من قوته رغم خطئه الجسيم لتنفعل بقوة قائله:
- لا يا شيخ ...!!!! بقى جايب الست هانم لحد هنا وبقيت أنا الغلطانة .. إنت بتستغفلني يا "رؤوف" ... هي حصلت !!!!
دفعها "رؤوف" من مرفقها بحدة فربما تُصمِت فمها الذى يقطر منه كلماتها الوقحة دون بينة:
- إخرسي خالص ... إفهمي الكلام قبل ما تقوليه ... قلت لك قبل كدة أنا عمري ما بعمل غلط ... ولو عايز أغلط أكيد لا حيبقى قدامك ولا في مكان أكل عيشي يا هانم ...
أوسعت حدقتيها بعدم تصديق لتصرخ مكذبة إياه:
- حلو أوى الكلمتين دول ... تثبتني بيهم كويس ... ما أنا شكلي هبلة وممكن أصدق كلامك ... !!!
ضرب كفيه بعضهما ببعض من تهور "نيره" المتكرر ليهتف بحدة وهو يشير تجاه "مودة" التى اضطربت للغاية لما تسبب وجودها به بين "رؤوف" و"نيره" مما جعلها تشك به وتتهمها بسوء أخلاقها، هتف "رؤوف" بإنفعال:
- إفهمي يا بنى آدمه ... "مودة" حتشتغل معانا هنا .. وأنا كنت بقولها تعمل إيه ... بلاش ظنك إللي ممكن يهدم كل حاجة ده ... متخليش الظنون والشيطان يلعبوا فى دماغك ..
بصدر ناهج أخذت "نيره" تدور بنظراتها بين العاملين وبين "مودة" وبين "رؤوف" المحتد فيبدو أن الأمر كما يقول وأنها تسرعت للمرة الثانية، لكنها لن تعترف بسوء ظنها، فهي لا تخطئ.
استطرد "رؤوف" من بين أسنانه بضيق:
- وهو أنا لو بيني وبينها حاجة ... حخليها تيجي هنا قصاد كل الناس دي ...!!! "مودة" دي أختي ... زى "غدير" بالضبط ... إنتِ الظن إللي في دماغك حيخرب بينا بجد ...
قالها "رؤوف" لتهدأ بها "نيره" قليلًا وتلتزم الصمت بينما علقت غصة بقلب "مودة" فهو لا يراها إلا كأخت كما يرى "غدير"، طأطأت رأسها قليلًا بتحسر دون أن ينتبه أحد لسبب رد فعلها المستكين ظنًا منهم أنها تأثرت باتهام "نيره" الغير صحيح.
همس "رؤوف" بنبرة جافة نحو "نيره":
- أظن كدة كفاية فضايح قدام الناس ... إرجعي على الإستور بتاعك وكفاية إللي عملتيه المرة إللي فاتت والمرة دى ...
لملمت "نيره" شفاهها بأسنانها توارى خطأها المتسرع بكل مرة تقتحم مقر عمله وتسبب له مشكلة وسمعة سيئة فكم كانت متسرعة هذه المرة أيضًا.
اضطرت للتراجع ومغادرة الشركة لكن عليها التفكير بأمر ما يصلح ما أفسدته للتو.
بنبرته اللطيفة حاول "رؤوف" الاعتذار من "مودة" لتسرُّع "نيره" وسوء ظنها بها:
- أنا أسف يا "مودة" ... هي "نيره" كدة متسرعة شويه ... لكن متقصدش أكيد كلمة وحشة عليكِ ...
أهي تهتم لما قالته عنها أم أن كل ما يشغلها هو إحساسه هو بها، رفعت سوداوتيها تجاهه بنظرة حزينة تحمل بعض العتاب ظنه لأجل ما فعلته "نيره" لكن ما قاله كان أعظم بالنسبة لها.
تنفست ببطء ثم أردفت:
- لو وجودى هنا حيعمل لك مشاكل ... يبقى بلاش أحسن ... أنا خلاص مش حكمل فى الشركة ... كفاية مشاكل أنا السبب فيها ...
اتسعت عيناه باندهاش وهو يرفض بشدة:
- أكيد لأ ... ده شغل وإحنا مش بنعمل حاجة غلط ... ده إنتِ لو مشيتي يبقى بتأكدي كلامها ... أنا مش موافق طبعًا ... إنتِ معانا ومكملة غصب عن أي حد ...
بإيمائة خفيفة وافقت "مودة" على رأيه لكنها قررت المغادرة الآن فلن تستطيع أن تكمل اليوم بعد ما حدث:
- تمام ... بعد إذنكم .... لازم أمشي دلوقتِ ...
- مفيش مشكلة ... بس إحنا مستنيينك معانا بكرة الصبح ... تمام ...
- تمام ...
غادرت "مودة" بمشاعر مضطربة بين سعادة بقربه وتعاسة بظنه بها كمجرد أخت.
❈-❈-❈
مكتب عيسى للمحاماة ....
للذكاء قوة تفوق القوة الجسدية بأزمان وعقود، فـ التحلي بالفراسة والذكاء من متطلبات تلك المهنة بالخصوص، فمن يريد التفرد بكونه محامى ذائع الصيط يجب عليه التحلي بمميزات عقلية فائقة غير معتادة بالمرة.
قضية معقدة بصورة بالغة أجهدته بالفعل، أخذ "عيسى" لحظات مسروقة من الراحة فله ساعات طويلة يحدق بتلك الأوراق ليفكر بملابسات تلك القضية المعقدة لمحاولة الوقوف على ثغرة لحلها، فيبدو أن الإدانة هي النهاية المحتملة لهذا الرجل.
إجهاد كبير لتفكيره فيجب عليه التوصل لحل لنجاة هذا الرجل من جريمة لم يقترفها كما أخبره أخاه.
خطوات خفيفة اقتربت منه استطاع "عيسى" سمع وقع صوت دقات كعب حذاء أنثوي يدنو من مكتبه ليردف دون أن يفتح عيناه بثقة وفطنة:
- خير يا "سندس" ...
لم تتعجب "سندس" من معرفته بأنها من دلفت إليه فهي تدرك تمامًا ذكائه وقدراته العالية لكنها أجابته بتمرس:
- إنت غلطان يا أستاذ "عيسى" ...
فتح "عيسى" جفناه ليناظرها بقوة قبل أن يعتدل بجلسته متسائلًا:
- في إيه ...؟؟!
جلست "سندس" بالمقعد المقابل له مستكملة بجدية بعيدًا عن العاطفة التى تتحكم بها أمام هذا الرجل:
- إنك قبلت القضية دي ... القضية دى مفيهاش أي فكرة إنك تثبت براءة صاحبها ... أنا الأول كنت فاكرة إنها قضية كبيرة وممكن تكون قضية رأي عام حترفع من المكتب ومنك ... لكن دلوقتِ ... إسمح لي أقولك إن خسارتها هي المضمونة مش مكسبها ...
تنهد "عيسى" بقوة قبل أن يجيبها دون إيضاح مبالغ فيه:
- وهي لو قضية سهلة وواضحة أنا دوري حيكون إيه ... أنا ميهمنيش القضية المضمونة قد ما يهمني إثبات الحق وبراءة "رمزي" ... أنا شغلتي القضايا الصعبة دي ...
نظرت "سندس" تجاه أحد الأوراق الخاصة بالقضية الموضوعة أمام "عيسى" فوق سطح المكتب:
- إنت عارف إني كمساعدة ليك المفروض أقولك إللي أنا شايفاه ... القضية لابساه لابساه ... ده لو مكانش هو إللي عمل كدة فعلًا ....
ملس فوق وجنته بقوة متفكرًا فهي محقة هذه المرة لكن عليه البحث والمحاولة ليردف بثقة لا يدري من أين يأتي بها:
- بس أنا لسه عندي أمل ألاقي ثغرة تطلعه منها ... أنا متأكد ...
مدت شفتيها العريضتين قائله:
- يبقى مفيش قدامك غير تروح له زيارة تانية تحاول تطلع منه بأي معلومة جديدة .. يمكن تلاقى مفتاح الحل ...
بدون إيضاح لبقية تفاصيل ما يفكر به أجابها بإقتضاب:
- ممكن ... لو سمحتِ تخلي عم "شاكر" يعمل لي فنجان قهوة تقيل ... عشان أنا قاعد لسه أكمل فى القضية دي ...
أشفقت "سندس" على حاله المرهق فهو لم يرتاح منذ الصباح وكاد المساء يغطى أستاره على السماء:
- طيب ريح نفسك شوية ... أطلب لك حاجة تاكلها ...؟؟!
فرك جبهته بإرهاق بينما أجابها بتشتت:
- لالأ ... قهوة كفاية ... إتفضلي إنتِ وإقفلي الباب وراكِ ...
حركت رأسها بخفة وقد أصابها الضيق لضيقه وإنشغال فكره، خرجت من المكتب مغلقة الباب من خلفها ليعود "عيسى" لوضعه الأول مغمضًا جفناه ليجد أن مكالمة لمنبع الصفاء بحياته هي ما يحتاجه الآن.
رفع هاتفه متصلًا بـ"غدير" التى أجابته على الفور:
- "إيسوووو" ... وحشنااي ...
ابتسم لنبرتها المرحة التى يحتاجها بقوة:
- وإنتِ كمان يا "دورا" ... بتعملي إيه حبيبتي ...؟؟!
- بعمل إيه ...!!! عملت الرز وأكلت البلح وغسلت الجاكيت وحطيت كياس الخضار وقفلت التلاجه وفتحت التلاجه وأكلت تفاحة وفتحت البلكونة وسقيت الزرع وقفلت البلكونة ودخلت "أم مجدي" ونظفتلي الشقة و ودعت "أم مجدي" ... اااه .. وبس ...
ضحك "عيسى" بضحكة يبحث عنها منذ بداية يومه الشاق ليردف بسخرية:
- إنتِ بتقولي إيه ... كل ده عشان قولت لك بتعملي إيه ...!!!
- الله ... مش أقولك على الحقيقة ... ولا عاوزني أخبي عليك ...
نهض من مقعده ليتحرك قليلًا بداخل المكتب مستكملًا حديثه معها:
- لا قولي ... دي أحلي حاجة فيكِ إنك مش بتخبي عليا حاجة ...
لفت عيناه بالشقة من حولها ثم أردفت:
- "إيسووو" ... أنا حنزل أطمن على طنط "منار" ... وبعد كدة حروح لـ"مودة" ... وأبقى أرجع لما تخلص المكتب ...
لم يعارض "عيسى" ذلك فهو يدرك قلقها الدائم على أختها الصغري ليجيبها بالإيجاب:
- تمام ... ولو أنا خلصت بدري حكلمك نرجع سوا ...
قفزت "غدير" من موضعها مهللة:
- أوكى ... سلام يا "إيسووو" يا عسل ...
- سلام يا شيكولاته ...
أنهت مكالمتها بضحكتها الصاخبة لسماعها كلمة شيكولاته التى يخصها بها لتستعد للمغادرة بعد قليل.
❈-❈-❈
عطارة النجار ...
بتحفز شديد لهذا الزائر الغامض انتظر "فريد" لبعض الوقت حتى لاح طيف شاب طويل ذو وجه محدب وشعر مموج، شاب يتمتع بعينين بنيتين لامعة يدلان على المكر والدهاء.
تقدم "حامد" تجاه مكتب "فخري" الذى احتله "فريد" اليوم بغياب والده وأخيه.
إنها الفرصة التى لا تأتي إلا مرة واحدة بالعمر، فهذا الشاب قادر على إختلاق المال من العدم، محظوظ كما يقولون ومن جاور السعيد سيسعد.
هلل "فريد" مرحبًا بـ"حامد" قائلًا:
- أهلًا أهلًا ... نورت يا أستاذ "حامد" ...
لم يكن "فريد" بالغريب عن "حامد" بل هو يعرفه حق المعرفة لهذا كان رد فعله مناسبًا لشخص بهذا الغباء والمحدودية ليرد التحية ببعض الإستعلاء لإدراكه لحاجته له:
- أهلًا ...
أشار "فريد" تجاه المقعد بإبتسامة سعيدة:
- إتفضل أقعد ... إتفضل إتفضل ...
جلس "حامد" وهو يضرب بعيناه المتجولتان لداخل الوكالة ليقيس مدى ثراء هذه العائلة ليحدد ما يمكنه كسبه من ورائهم:
- خير يا "فريد" .... "حنين" كلمتني عشان شغل ...؟!! إيه الشغل ده ...؟!!
زاغت عينا "فريد" بإضطراب متخوفًا من أن يلاحظ أحدهم حديثه ليجيبه بنبرة خفيضة قلقة للغاية:
- أي حاجة ... أنا معاك في أي حاجة زي ما "حنين" قالت لك .. إللي تقدر عليه نعمله تبع شغل الوكالة ...
لم يكن بالأمر المجهد أو المعقد عليه ليدرك مقصده بالعمل الغير مشروع سريع الربح، وبتجارة كالعطارة وما شابهها هي وسيلة رائعة لهذا الأمر لكنه كان بالدهاء بألا يظهر رغبته الملحة بالعمل معه ليردف بلا اكتراث:
- مفهوم .. مفهوم ..
بقلة صبر على فهم الأمر وما يتطلب منه أسرع "فريد" مستوضحًا:
- يعني حنعمل إيه ... وإمتى ...؟؟!
- مستعجل ...؟!!
حماسه النابع من كل ملامحه كانت إجابته قبل أن يتفوه بها بالكلمات:
- أوى ...
لن يضيع "حامد" الأمر من بين يديه ليجيبه ببعض التوضيح:
- إحنا حنبدأ نجيب شوية بضاعة داخل شحنات الإستيراد بتاعتكم ... وفيه ناس فى مكتب إستيراد حتساعدنا فى القصة دي متقلقش ... بس تديني معلومات الشحنات وأنا حتصرف .. وعمولتك محفوظة ... وبعد كدة لو معاك راس مال ممكن تدخل فى نسبة من ثمن البضاعة ... بس مش دلوقتِ ... ركز بس تجيب لي مواعيد وتفاصيل الشحنات إللي بتيجي بإسمكم ...
- معاك أنا ... كله حيبقى تمام ...
بتفهم أومأ "حامد" لينهض منهيًا هذا اللقاء قائلًا بتحذير:
- المرة دى بس أنا جيت هنا ... بعد كدة تجيلي مكتبي ... ده العنوان .. عشان منثيرش أي شكوك حوالينا ...
مد "حامد" يده بأحد البطاقات المدونة عليها إسم الشركة وعنوانها وأرقام الهواتف الخاصة به ليقرأه "فريد" بعينيه وقد لمعت ببريق طامع فأخيرًا ستحقق أحلامهم.
❈-❈-❈
شقة مودة ...
طرقات صاخبة صاحبت حضورها المميز الذى يمحو كل ضيق وحزن بقلبها، ابتسمت "مودة" وهي تستمتع بحضور أختها الصاخب فعليها النظر لنصف الكوب الممتلئ فهي الآن بوظيفة رائعة وإلى جوار من تتنفس هواه.
لم تنتظر "غدير" أن تفتح لها "مودة" الباب لتفتحه هي بمفتاحها الخاص فقد تذكرته أخيرًا وأحضرته معها.
لم تكاد تخطو خطوة واحدة داخل الشقة لتنحني بحماس شديد تهنئ "مودة" بعملها الجديد:
- مسا مسا على الأيدى العاملة ... يا كاشاتِك يا فلوسِك يا "دوداااااااااا" ....
تجاوبت معها "مودة" بجنون مماثل لجنون أختها نصف قمرها الغالي:
- ويا فلوسك يا هولنداااااااا ...
احتضنتا بعضهما البعض وتعالت ضحكاتهم الرنانة حتى قبضت "غدير" ذراعيها المحيطتان بأختها لتقفزا سويًا بسعادة شديدة تتمنى كل منهما أن تبقى بحالة الإنتشاء هذه للأبد.
دارتا لبعض الوقت حول بعضهما البعض قبل أن تتوقفا بصدر ناهج وقد وضعت "غدير" يدها فوق صدرها بتألم رغم ضحكتها المتسعة:
- اه ... بس بس ... أحسن الأزمة تيجي ... نهدا بقى شوية ... ماليش مزاج أتعب النهاردة ...
بقلق سحبتها "مودة" نحو الداخل قائله:
- طب تعالي أقعدي إرتاحي ... بلاش تنطيط ...
جلست "غدير" تلتمس بعض الراحة حتى لا تزيد من حالتها سوءًا وتصاب بأزمة تنفسية جديدة.
بأنفاس متقطعة استطردت "غدير":
- إحكي لي ... بقى ... إيه إللي حصل النهاردة ... بالتفصيل الملل ....
أوسعت "مودة" حدقتيها بطرافة قائله:
- الظاهر إني خربتها على الآخر النهاردة ...
- ليه ...؟؟؟
حاولت "مودة" ألا تظهر إحساسها ومشاعرها تجاه "رؤوف" لتقص الأمر بوصف فقير للغاية على أختها:
- شكل وجودي عمل مشكلة بين "رؤوف" و "نيره" ...
برد فعل تهكمي حين رفعت "غدير" عينيها للأعلى محركة رأسها بهزة ساخرة:
- وهم من إمتى مفيش بينهم مشاكل ... دول بتوع المشاكل كلها ... إحكي يا بنتي إحكي ...
لم تطل "مودة" الأمر كثيرًا حتى لا يظهر منها ما تود إخفائه أو شعورها بأنها لا أهمية لها لدى "رؤوف" وتشعر بوخز قلبها مرة أخرى:
- خلاص بقى ... خلينا نتكلم فى حاجة تانية ... ( لتبدل الموضوع تمامًا حين سألتها بشقاوة) .... تاكلي بطاطا ...؟!!
امتعاض شديد حل بوجه "غدير" متسائلة ببعض التفاجئ:
- بطاطا ...؟؟؟ إنتِ من إمتى بتاكلي بطاطا ... ؟؟؟ عمرك ما حبتيها ...!!!
عقصت "مودة" وجهها قليلًا ثم أجابتها:
- طنط "سوسن" مرات خالو "منير" بعتاهالي إمبارح ... تقريبًا صينية البطاطا مظبطتش معاها قامت بعتتهالي ...
ضحكت "غدير" من تصرف زوجة خالها فهي إمراة بخيلة لا تهدي أحد إبرة حياكة فبالطبع لم تكن لتهدي "مودة" طعام إلا لأنها أفسدته لا أكثر:
- لا كتر خيرها ... أنا بقول نطلب بيتزا أحسن بلاش حكاية البطاطا دي ... أنا أصلًا بطني بتوجعني ...
وافقت "مودة" على اقتراح "غدير" فقد قرصها الجوع بالفعل ولم تحضر أي طعام اليوم وبالتأكيد لن تساعدها "غدير" بهذا الأمر فهي طاهية فاشلة مثلها.
❈-❈-❈
حل المساء لينتهي يوم عمل معتاد بحي النعماني، مساء محير لتلك العقول الهادئة بأحوال لم تكن بالحسبان.
خلعت "شجن" معطفها الأبيض لتنهي بهذا عملها البسيط بالمستوصف لكن طلب "أيوب" الغريب مازال له وقع بنفسها فهي بالفعل تود مساعدته بوحدته لكنها لن تقدر على ترك عائلتها الصغيرة والسفر معه، فأمها وأختها لا تُحسنان التصرف بدونها فهما تحملان قلبًا مرهفًا للغاية لا يمكنهما من التصرف بتعقل وهذا ما يجعلها دومًا قلقة عليهن.
تحركت بخطواتها البسيطة تجاه المكتبة للمرور بـ"نغم" لترافقها إلى البيت بطريق عودتهم المعتاد.
في الموعد المحدد خرجت "نغم" تهرول بخطواتها المتعجلة لخارج المكتبة فقد حان موعد مجئ "شجن":
- واقفه بقالك كتير ...؟؟! إتأخرت عليكِ ...؟؟؟
رفعت "شجن" كتفيها بخفة ثم أهدلتهما:
- لا خالص ... لسه بدري أوى ...
زفرت "نغم" براحة فقد ظنت أنها تأخرت عليها لتهتف بها:
- طيب الحمد لله ... يلا بينا ...
تعلقت بذراع أختها كالعادة استعدادًا لاتخاذ طريق العودة، لكن لم يتحركا خطوة واحدة حتى سمعتا صوت هادئ رجولي ينادي باسم "نغم":
- "نغم" ... "نغم" ...
استدارتا نحو مصدر الصوت لتفاجئ "نغم" بـ"بحر" يقف من خلفهما متحدثًا إليها بصدر ناهج وأعين هائمة:
- إستني يا "نغم" ... نسيتي شنطتك ...
انتبهت "نغم" لحقيبتها، ولها فقط دون أن تتفهم تلك النظرات العاشقة التى يتطلع بها إليها لتردف بامتنان:
- إيه ده ...!!! ده أنا الظاهر مش مركزة خالص ... شكرًا بجد ...
كمن وقع بينهم حجاب يحجز مشاعره التى يراها الكفيف عنها بينما كانت هي منشغلة بإحساس آخر بعيدًا عن هذا المتيم، ابتسم "بحر" بجاذبية:
- معلش حصل خير ... أنا قلت ألحقك قبل ما تمشوا ...
علقت "نغم" حقيبتها بكتفها وهي تجيبه بامتنان مرة أخرى:
- كتر خيرك يا أستاذ "بحر" ... أنا كل حاجة ليا بحطها فى الشنطة .. كويس إنك لحقتنا ...
أومأ بخفة حين انتبه أخيرًا لـ"شجن" التى كانت تتفرسه بقوة:
- إزيك يا أستاذه ... مش "شجن" برضه ...؟؟؟
أسرعت "نغم" تجيبه بتلقائية:
- أيوة هي "شجن" أختي إللي جات لك عشان تشغلني فى المكتبة ... إنت نسيتها ولا إيه ...؟؟؟
- لأ طبعًا فاكرها ...
فراستها وذكائها استطاعت به "شجن" إدراك ماهية هذا العاشق المتيم بأختها، نظراته الولهة وحديثه اللطيف لا ينم إلا عن محب يتتوق باحثًا عن لحظة تجمعه بمن يهواه.
لحظات قليلة قبل أن تتخذا طريقهن للعودة إلى البيت ليظل "بحر" متابعًا لهما حتى غابتا عن مرآه، لتسأل "شجن" أختها سؤالًا ذكيًا تحاول به التأكد مما فهمته:
- إلا قوليلي ... هو أستاذ "بحر" ده مرتبط ... ؟؟!!
لتجيبها تلك الغائبة عن الواقع دون إدراك لمشاعره الواضحة:
- تقريبًا لأ ... بس أظن إنه بيحب بنت هي مش حاسه بيه ... شكله حب من طرف واحد ...
عقبت "شجن" باندهاش ساخرة من غباء أختها:
- ومتعرفيش مين بقى سعيدة الحظ دي ...؟؟؟
تلقائية "نغم" وفهمها المحدود للمشاعر وإدراك تصرفات من يحيطون بها كان جليًا على ملامحها البريئة:
- لأ خالص ... بس قلت له لو عاوز مساعدتي إني أقولها أنا معنديش مشكلة ...
فغرت "شجن" فاها بأختها المغيبة التى لم تدرك كم يعشقها هذا الرجل لتردف بتهكم:
- وربنا ...!!! إنتِ عايزة تساعديه ..؟؟! ومش عارفه هي مين ...!!!
- اه والله وأنا يعني حكدب عليكِ ... بس هو مش راضي ... مش عارفه ليه ... ؟؟!!
توجهت "شجن" نحو السماء بضجر من بلادة إحساس أختها:
- الرحمة يا رب ... إمشى من قدامي ... ده أنا مشفتش غباء كدة ...
تطلعت بها "نغم" بإستياء وعدم فهم لم تنعتها بالغبية دون أن تتصرف بذلك:
- فيه إيه يا "شجن" ... الله ...!!!!
لوت "شجن" فمها بإمتعاض قائله:
- مفيش يا أذكى إخواتك ... يلا نروح ...
رفعت "نغم" كتفيها وأهدلتهما بدون فهم مقصد "شجن" من حديثها المبهم ليستكملا طريقهم بينما أخذت "شجن" تخبرها بعرض "أيوب" لمرافقته بالسفر معه لبلدته ورعايتها له هناك لتكون تعقيبها بالرفض تمامًا كما رفضت "شجن" فهي لا تتخيل حياة "شجن" غائبة عنهم بها.
❈-❈-❈
تدلى الليل بسواد أستاره وتبدأ ليلة لم تهنأ بها الجفون براحة وسكينة معتادة، شعور بالغربة يخيم على القلوب، فالغربة هي ضياع قلب كنت تملك مفتاحه.
الإشياق ينبع أولًا من العيون، لهيب الشوق يتناسى الجميع ويرى فقط الحبيب الذى تلهف القلب لرؤياه.
بجلسة معتادة بعد نهاية يوم عمل بالمطعم كان "رشيد" برفقة أصدقائه يبدأ سهرته بالمقهي.
اندَمج اصدقائه بلعب (الدومينو) بينما لاحت عيناه تتابع المارة هنا وهناك مع قلتهم بهذا الوقت فالأغلبية عادوا لمنازلهم يلتمسوا بعض الدفء بهذه الأمسية الباردة.
غطت بعض السحب المتقطعة السماء لتحجب ضوء القمر، أجواء كئيبة بعض الشئ لكن ذلك لم يشعر به "رشيد" مطلقًا فقد ظن أن الطقس رائع وصحو للغاية، بل شعر بأن القمر قد ترك موضعه بالسماء ليهبط أرضًا يحمل قلبه بين يديه.
تشدقت عيناه بتفاجئ حينما تأكد أنه لا يحلم، إنها هي بذاتها، هي من يحلم بها ليل نهار ظهرت أخيرًا أمام عيناه.
فرصة لرؤيتها بعد غياب طويل فكم اشتاقت عيناه لرؤيتها، بتلهف شديد وقف "رشيد" مبتعدًا عن رفاقه ليتجه صوب حبيبته التى تمنى رؤيتها.
تسارعت دقات قلبه بقوة وهو يخطو بخطوات متعجلة فقد فاز بلقاء بعد طول حرمان.
لم تنتبه له حين اقترب منها لكنها التفتت حين سمعت نداء أحدهم باسمها:
- "غدير" ...
نظرت نحو صاحب النداء لوهلة قبل أن تتسع عيناها المشرقتان بنظرات متفاجئة مضطربة لتهمس بوجه متجهم على غير عادتها:
- "رشيد" ...!!!!
وصل للوقوف قبالتها بأنفاس متهدجة وعيون عاشقة ليردد بوله:
- وحشتيني أوى يا "غدير" ...
صمتت لوهلة تتمنى لو أنها تحلم وأن وقوفه أمامها ليس بواقع لكن حديثه الذى اخترق أذنيها لا يؤكد ذلك بل هي فى واقع وليس حلمًا.
انتهى صمتها وقد بهتت تمامًا حتى أن ملامح وجهها المرحة تلاشت بالفعل كما لو أنها تحولت لإنسانة أخرى، بحثت عن كلماتها الضائعة لتردف بالنهاية:
- إنت عاوز مني إيه ...!!!
عيون متلهفة وقلب عاشق وهمس مشتاق هكذا وقف "رشيد" متأملًا بزرقاوتيه من سرقت قلبه دون منازع، كتلة الحياة التى تدب بالأرض وقد أعادت له روحه للتو برؤيته لها، همس "رشيد" قائلًا:
- عاوز إيه ...؟!! بقى بعد كل الغياب ده تقوليلي عاوز إيه ...!! وحشتيني أوى يا "غدير" ...
تسارعت أنفاسها لإنفعالها وتضاربت دقات قلبها ليس عشقًا تلك المرة بل إضطراب وتوتر لتهتف بحدة:
- وحشتيني إيه وهباب إيه ... "رشيد" إبعد عن طريقي الساعة دي ... أنا واحدة متجوزه وبحب جوزي ... إبعد عن طريقي وشوف لك سكة تانية ...
زاغت عينا "رشيد" برفض ليعقب بتألم:
- لأ طبعًا ... أنا ما صدقت شفتك ... أنا كل يوم قاعد هنا قصاد بيتكم .. نفسي أشوفك ولو مرة ... نفسي أقولك سامحيني ... أنا غلطان ... أنا بحبك ... بحبك أوى يا "غدير" ...
مالت "غدير" برأسها للأمام بإستنكار لما يقوله لتردد ضاغطة على كل حروف كلماتها:
- إبعد عني ...
قالتها وحاولت الابتعاد حين اعترض "رشيد" طريقها مترجيًا إياها:
- أرجوكِ يا "غدير" ... سامحيني ... أنا إتسرعت ...
دارت بجسدها بقوة لا تصدق وقاحته لتهتف به ربما يفهم هذه المرة:
- وأنا ... إتجوزت ...( نفضت كفيها بعضهم ببعض مستكملة ) خلاص ... خلصت ... يبقى تبعد عني وتسيبني فى حالي ...
اتخذت خطوتها للمغادرة حين أمسك بمرفقها بقوة يمنعها من الرحيل:
- إستني ...
رمقت كفه القابض بمرفقها بازدراء قبل أن ترفع رأسها بنفس النظرة تجاهه تحدجه بتقزز ثم دفعت يده عن يدها وهي تنهره بحدة:
- إنت إتجننت ... شكل دماغك ضربت ... بقولك إيه ... والله لو اتعرضت لي تاني ولا كلمتني ... حقول لجوزي واخواته يجرجروك على القسم ... إنت تنسى إنك فى يوم من الأيام كنت تعرفني زى ما أنا خلاص نسيتك ...
تهدلت ملامحه بقوة فقد غرست نصلًا حادًا بقلبه ليحاول محاولته الأخيرة:
- "غدير" ... إنتِ بتقولي إيه ؟!! نسيتي "رشيد" !!! نسيتي الحب إللي كان بينا ...؟؟!!!!! أنا فهمت وعرفت ... وعايز نرجع زى زمان ... جوازك ده بعتبره مش موجود ... سيبيه وتعالى نرجع تاني ... إنتِ أكيد زعلانة من إللي حصل بينا ... بس أنا بوعدك .. خلاص ... أنا من دلوقتِ "رشيد" جديد ... وحعوضك كل إللي فات ... بس ارجعلي ...
شهقت "غدير" بتعجب من تماديه بهذا القدر لتستنكر حديثه مردفة بنبرة مستهجنة:
- حيلك .. حيلك ... دي دماغك إتمسحت خالص ... خدها مني بقى و يا ريت تفهم ... أنا مبحبكش ... أنا بحب جوزي وبس ... ولو لفيت الدنيا كلها مش حعوض ظفره ... فإحترم نفسك وخليك بعيد عني ... ودي آخر مرة حقولها لك ...
أنهت حديثها تاركة إياه يصارع رفضها له بينما شعرت بالقلق والاضطراب أن يكون أحدهم لاحظ توقفها معه أو ربما "عيسى" يكون قد مر بها أثناء عودته ويراهما معًا، لتتنفس الصعداء لأن الأمر تم دون انتباه أحد لتسرع عائدة إلى بيتها وزوجها مع اضطراب تنفسها لبدء أزمة تنفسية جديدة كانت تراوغها منذ الصباح.
❈-❈-❈
هل تعود الأيام إلى الوراء أم أنها لم تتغير مطلقًا، بموعد استيقاظها المحدد وروتين حياتها الرتيب بدأت "عهد" يومها.
أنهت صلاتها مرتدية حُلتها السوداء القاتمة استعدادًا للخروج.
سحبت شعرها الأسود الحريري بقوة للخلف لتعقصه بشدة ثم توجهت بخطواتها السريعة نحو الخارج مغادرة البناية متجهه لمبنى المخابرات العامة.
ما أن وصلت (الجهاز) اتجهت نحو مكتبها بوجه مقتضب وعيون خاوية.
لكنها لم يتسنى لها الانتظار حين طلبها السيد "نظمي" بمكتبه على الفور، اتجهت "عهد" التى لم يختلف ثباتها وحدتها السابقة لمقابلة رئيسها.
وقف "نظمي" متفاخرًا بنفسه أولًا قبل أن يثني على دورها بالمهمة:
- "عهد" ... حمد الله على السلامة ... كنت متأكد إن إنتِ المناسبة تمام للمهمة دي ...
تطلعت نحوه بذات النظرة الخاوية لكن بداخلها بركان ثائر مما دفعها به دون إيضاح، ساخطة ناقمة على الزج بها ككبش فداء دون أبسط حق لها بالمعرفة لكنها آثرت بقاء ذلك داخل نفسها ليكون ردها بإقتضاب:
- شكرًا ...
عاد "نظمي" لمقعده بأريحية وغرور:
- وإنتِ بقى من النهاردة انضميتي لأكبر فريق بالجهاز ... عايزك ترفعي رأسي بقى ...
بإيمائة ضعيفة أجابته:
- تمام يا فندم ...
كما ظن تمامًا فهي لا تعترض على أي مهمة تكلف بها ليستكمل بخيلاء:
- دى تفاصيل المجموعة ... إتفضلي روحي للقائد بتاعك عشان تبدأي شغلك معاه ...
سحبت "عهد" نفسًا مطولًا وهي تلتقط من هذا المتعجرف القائمة التى دون بها اسمها كعضو للمجموعة.
حدقت بالورقة بقوة فبالتأكيد ما تراه عيناها ليس حقيقيًا، بصدمة تامة وغير متوقعة رفعت عيناها المتستعتان بذهول وقد لاح بهما إمارات الغضب فكيف ستقبل هذا الأمر، كيف ستكمل هذا العمل الذى كلفت به، كيف ستتحمل قربه مرة أخرى لتستعد لإطلاق لسانها الحاد لتجيب هذا المحدق بها.
❈-❈-❈
بنَشاط معتاد بدأ "معتصم" يومه كضابط قوي ملتزم بشكل غير معتاد لما كان عليه بسويسرا، فالصباح وقت هام وعليه الالتزام بميعاد عمله وربما أبكر من رفاقه.
كان أول من دلف إلى مبني المخابرات (الجهاز) كما يطلقون عليه، مهابة وقوة وحزم يتوهج بهم أثناء عبوره للردهة المتجهة إلى مكتبه.
خلع نظارته الشمسية واضعًا إياها فوق سطح المكتب قبل أن يجلس بزاوية حافته يسحب أحد الأوراق إليه ليقرأ فحواها بهدوء قاتل:
- المجموعة التابعة لقيادة الرائد "معتصم دويدار" ... تمام ...
قرأ بعينيه أسماء الضباط الذين اختارهم للعمل تحت قيادته بالمهمات القادمة حيث وضع اسم "عهد" ببداية القائمة يليها اسم "طه".
تحرك نحو الخارج ومازال حاملًا للورقة بين كفه متجهًا لمكتب رئيسه بالعمل، "السيد نظمي" ليُسلم له القائمة التى طلبها منه.
بوقت قليل للغاية كان "معتصم" يقف قبالة مكتب "نظمي" يطرق بابه ليدلف نحو الداخل مباشرة:
- صباح الخير يا فندم ...
رفع "نظمي" وجهه تجاه "معتصم" يستقبله بحفاوة:
- "معتصم" ... إتفضل طبعًا ...
مد يده بالقائمة بعملية شديدة قائلًا برزانة:
- دى قايمة الضباط إللي حيشتغلوا معايا ... أنا خلصتها إمبارح بعد ما "عمر سالم" قالي إنه مستعجل على الشغل ...
انبهر "نظمي" بجديته ودقته بالعمل ليشيد به:
- حقيقي إحنا محظوظين بوجود ظابط زيك معانا ...
ألقى نظرة سريعة على الأسماء المدونة ودون إبداء أي ملاحظات وقع "نظمي" بقبول هذه المجموعة وإلزامهم بالعمل تحت قيادة "معتصم" من الآن فصاعدا.
توقيعه كان ناقوس لرسم بسمة سعيدة على ثغر "معتصم" فكم يود أن يرى وجه "عهد" عندما تعلم أنها ستعمل تحت إمرته منذ هذه اللحظة.