قبل ثلاثون عاماً . في هذا البناء ذو الإرتفاع المتوسط وتحديداً في الطابق الثالث له، في شقة رتيبة تمتاز بالبساطة والأناقة في آنٍ واحد. تقف تلك السيدة بأنفاس مثقلة ومعبئة بالآلام والقهر، تترجاه باكية وتتحدث بنبرة يشوبها التوسل:
–بلاش طلاق، علشان خاطر عيالك يا ناصر بلاش نطلق، خلينى على ذمتك وان شالله تجيلي يوم واحد بس وهى باقي الأسبوع أنا موافقة، بس بلاش طلاق، أنا اتحملت غيابك سنين على أمل ترجع، هتطلقني وترمي عيالك علشان خاطرها؟ قالت الأخيرة بصراخ، لا تستوعب أن هذا الذي يقف قبالتها هو نفسه الشخص الذي أحبته وأحبها وتزوجته حتى مع اعتراض أهلها، هو نفسه الذي ضحت بكل شيءٍ لأجله وتحملت الكثير وسوء الأحوال لخاطره، ولكن ماذا فعل هو؟
بحث عن عملٍ له في إحدى الدول الأجنبية، وتحديداً إيطاليا ليغادر إليها عله يجد فرصة مناسبة لحياة أفضل. وبرغم توسلاتها المستميتة بأن لا يتركها هي وصغارها ويغادر، إلا أنه في نهاية الأمر أقنعها بسحره الملعون وتأثيره المرضي عليها. وسافر وابتعد لسنوات، وانقطعت أخباره عنها. وحاولت عفاف أن تجد ما يطمئنها حتى ظنت أن مكروهاً قد أصابه، لذلك لم تحتمل تلك الفكرة ومرضت بظنها، وبات طفليها لا حول لهما ولا قوة.
وقد علمت والدتها بمرضها، فهي كانت دوماً على تواصل معها وأقنعت والدها وأشقائها بالصفح عنها بعدما كانوا قد تبرأوا منها بسبب تلك الزيجة، وهذا إحد الأسباب التي أضعفتها وجعلتها مشتتة بينه وبين إرضاء أهلها. وهذا ما كان واضحاً له، كما يتضح كره أشقائها له. وعادت إليهم وراعوها هي وطفليها وفتحوا لها أذرعهم لتعود مجدداً للحياة، ولكن يبقى حبها له ضعف كدخول مرضٍ خبيثٍ إلى الجسد.
لذلك تحسنت حالتها قليلاً، خصوصاً بعدما علمت من صديق زوجها أنه بخير. وبرغم محاولات أشقائها في انفصالها عنه، إلا أنها رفضت تماماً ذلك، واضعة له عدداً لا بأس به من الأعذار أمامهم، وأنه حتماً سيعود لها ولأطفاله ويبرر ما سبب هذا الغياب.
ولكن أتتها الطعنة الأقوى والتي استهدفت قلبها تلك المرة، بعد أن علمت بزواجه من أخرى، فتاة إيطالية الجنسية، ويعيش معها في حياة الترف والبذخ التي كان يتمناها، وهي التي كانت تبكي دماً قلقاً عليه. هكذا يكافئها ويكافئ حبها له؟ دوماً كانت مشاعرها تجاهه مشاعر احتياج، دائماً كانت تسامحه على أخطاء لا تغتفر، دوماً عملت على أن تكون الطرف المعطي لتلك العلاقة. فهل تلك هي مكافأتها؟ يتزوج عليها؟ يقهر قلبها الذي أحبه ووثق به؟
ومع ذلك عادت تخلق له عذراً جديداً وحاولت انتظاره إلى أن يأتي ويشرح لها. للآن تحبه حب مرضي أنهكها واقتضم من صحتها ونفسيتها. للآن تخلق له مليون عذر بائس فقط لتحيا. للآن ما زالت تتأمل عودته إليها، حتى بعد أن علمت بأن أصبح لديه طفلاً من زوجته الثانية. ولهذا فهي بالطبع مخطأة، وليس أي خطأ بل الخطأ الأكبر في قائمة الأخطاء، خطؤها في حق نفسها.
وها هو يأتي ليقف أمامها بكل تعالى وفخر بما أنجزه، ويطالعها بجبروت وقسوة تدرب عليهما لسنوات، قائلاً: –مينفعش يا عفاف، هي مستحيل تكمل معايا وأنا متزوجك. هي خيرتني بينها وبينك، وأنا مش هقدر أسيبها. دي إدتني كل حاجة، فلوس وجنسية وحب واهتمام. إنتِ عملتي علشانى إيه؟ دائماً أهلك في المقام الأول حتى وهما معديينك علشاني، دايما أهلك نمرة واحد عندك. ماذا يقول هذا الأبله؟
لقد عصت أهلها من أجله. تركته يعانوا ألم فقدانها حية واختارته هو. ويأتي بكل تبجح ويلقي عليها هذه التراهات؟ تحدثت صارخة بقهر: _إمتى؟ إمتى فضلت أهلى عليك؟ مع إنهم هما اللى في كل مرة يشيلونى ويشيلوا عيالي؟ سافرت إيطاليا سنين وسبتنا وهما اللى بقوا يصرفوا علينا. إختارتك إنت وبعدت عنهم بس إنت بعدت واتجوزت وهما اللى سندونى.
تنهدت بتعب نفسي وجسماني، قواها باتت خائرة تكاد تشعر أنها ستسقط. ومع ذلك خانتها تلك المشاعر اللعينة تجاهه. ربما حقاً أن تكون هي المخطأة عندما سعت بعد زواجها لعودة رضا أهلها وأهملته. ربما حقاً أهملت حقوقه في ليالي بكاؤها على حزنهم منها. لذلك اقتربت منه تهدئ من حدتها وتحاول استعطافه مجدداً قائلة بترجى لعين:
–على العموم خلينا ننسى كل ده، نفتح صفحة جديدة. بلاش تظلمني وتظلم ولادك. سامح ونهى بيحبوك وكانوا بيستنوك ترجع لهم، بلاش تكسرهم وتطلقني يا ناصر، أنا كنت بستنى اللحظة اللي هترجع فيها.
كان أناني ونرجسي لدرجة أنه لم يتأثر بمثقال ذرة من حديثها. كل ما يشغل باله تلك القابعة في سيارتها تنتظره في الأسفل هي وصغيره. يريد أن ينهي تلك العلاقة ويعود إليها بعدما خيرته بينها وبين زوجته الأولى. أو بمعنى أدق بعدما علمت بزواجه حديثاً وطلبت منه الانفصال.
فهو قد خدعها أيضاً وأوهمها أنه أعزب وأخفى عنها حقيقة زواجه. لذلك لم يكن منه إلا أن يحاول بشتى الطرق إقناعها. ولأنها أحبته هي الأخرى قبلت. قبلت بأنه سينفصل عن زوجته الأولى، لأن حياتهما بالأساس شبه مستحيلة كما أخبرها بروايته الكاذبة. كما أخبرها بأنه لم يجد معها راحته، وبأنه أجبر عليها. وكم أخبرها بمعاناته الوهمية مع زوجته فقط لترأف بحاله. كم كان ثعلب ماكر وصدقته. وها هي تنتظره ليعود إليها. وها هو يقف بكل جبروت أمام تلك الضعيفة متجاهلاً تلك العيون التي تطالعه بكره وغضب.
زوجان من العيون يقفان على حافة الحائط يتابعان ظلمه وقسوته على والدتهما. يحتضن شقيقته بحماية ويقف يتابع بقيدٍ من حديد. يتمنى لو كانت لديه القوة والمهارة لتهشيم هذا الفك الذي يتفوه بكلمات قادرة على جعله يحقد عليه مدى الحياة. ولكنه وللأسف صغير. عمره لا يتعدى التسع سنوات وشقيقته التي تبلغ من العمر السبع سنوات. تقف تحتمي بجسد أخيها وتزرف الدموع تزامناً مع دموع والدتها الغالية وكأن بينهما اتصال جسدي.
يهز رأسه وأردف وهو يبتعد عنها بجمود ونفاذ صبر: –أخواتك هيعوضوهم، هما مبقوش محتاجين لي دلوقتى. إبني هو اللي محتاجني، إنما أنتوا أتعودتوا على العيشة من غيري. أولادك بقى ليهم أب غيري. أخوكى مصطفى الغالي، اللي بيكرهني واللي إنتِ بقتيه عليا. وعلى فكرة هو اللي طلب مني أطلقك. علشان كده إنتِ طالق. وورقتك هتوصلك في أقرب وقت.
قالها غادر وتركها تسقط أرضاً باكية بقهر وحسرة. تشعر أن عالمها انهار فوق رأسها. تقف وسط مدينة مدمرة، لا تعلم أنها دلفت مدينة خاطئة من الأساس. لا تعلم أن تلك المدينة أساسها كانت خاوية. أخطأت حينما لم تستمع إلى من قالوا لها ابتعدي حتى لا يسقط الحطام عليكي. ولكنها جازفت وتقدمت وها هي تنهار فوقها كل آمالها في عودته.
أسرعت إليها صغيرتها تحتضنها وتبكي معها متألمة لحال والدتها. تكره هذا الرجل الذي لا تعرفه. فقط يقولون أنه والدها، ولكنها تبغضه. فهو أحزن والدتها، وأبكاها، وآلمها. أما سامح فيقف متجمداً كما هو، لا يتحرك به شيء. إلا عينيه التي لم تكن حينها عين طفلٍ في التاسعة بل كانت عين رجلٍ حاقد وغاضب ليس فقط من هذا الرجل المدعو والده، ولكن أيضاً من هذا الطفل الذي قال أنه ابنه الحقيقي والذي سيستحوذ على كل ما كان من حقه هو.
أما في الأسفل أمام تلك العمارة تجلس مارلين في سيارتها تطالع صغيرها الذي يبلغ من العمر خمس سنوات، ينام في الخلف بطمأنينة لا يعي ما يدور حوله.
تتأمله بحب وشرود. على عكس هذا الذي ترك أطفاله الآن هي لن تترك هذا الصغير. ستظل تحميه لآخر أنفاسها. ولذلك تركت بلدها وأهلها وكل شيءٍ وجاءت إلى هنا علها تجد السلام برفقة هذا الزوج. تعلم أن عائلتها لن تتركها تهنأ أبداً خصوصاً شقيقها الأكبر ميشيل. ولكن تأمل أيضاً أن يقنعه والدها. لن تسمح بأن يكبر صغيرها في وسط تلك الحياة السوداء. حيث كل شيءٍ مباح. القتل والإجرام والعنف يجري في عروقهم بدلاً عن الدماء. والدماء تسفك بكل
راحة وانتشاء. وكأنهم جعلوا لهم عالماً خاص، عالم يخشاه الجميع. حياة مظلمة لا تعرف شفقة ولا رحمة. دائماً كانت تستنكرها. دائماً أرادت أن تحيا بسلام. لم تكن يوماً من المفسدين في الأرض. بل على العكس كانت دراستها في إنقاذ حياة الآخرين. فحب والدها لها يفوق حبه لأعماله السوداء. ولذلك وافق على هذا المصري المسلم والذي تعرفت عليه في إحدى المطاعم الايطالية، الذي ما إن رآها حتى أحبها. وليته يعرف طريق الحب. ربما انجذب لها
ومميزاتها. فأوقعها في شباكه، مخبأً أمر زواجه وأطفاله. خصوصاً بعدما علم أنها ابنة إحدى أغنى عائلات إيطاليا. وصدقته وتواعدت معه. وباتت تقابله خفية عن عائلتها.
إلى أن تم كشفها عن طريق شقيقها. وجاءوا بهذا المخنث كما أطلق عليه إلى مملكتهم. مضروباً وملقياً تحت الأقدام. الدماء تتجمع على ملامحه وتسيل من سائر جسده. رأته حينها وركضت عليه. ركضت تحتويه وتعانقه غير عابئة بأيٍ من أهلها. فقط لتحميه من بطشهم الذي تعلمه جيداً. تتذكر حينما تحدث شقيقها بغضب عاصف أمام أفراد عائلته وهو يشير عليه:
–لقد أخبرت هذا الحثالة عننا. أخبرته من نكون. وهذا الغبي توهم أنه قادراً على خداعنا. توهم أنه يستطيع أن يرفع عينه ويطالعنا. لذلك فالموت جزاؤه. هزت رأسها تصرخ بهستيرية رافضة تماماً ما يقوله. ثم تركت هذا الملقي أرضاً ووقفت تركض في اتجاه والدها وتدنو راكعة له قائلة بتوسل ودموع: –أرجوك أبي دعه يرحل وسأنساه ولكن لا تقتلوه. أرجوك أبي افعل هذا من أجلي وسأفعل ما تريده دائماً وأبداً ولن أعارضك في شيء. فقط دعه يرحل بسلام.
نظر لها والدها بترقب ثم نظر لشقيقها الذي يقف مشدوداً بغضب يستعد لقتل هذا الجبان. تابعت بعدها شعرت بأن والدها سيأمر بقتله: –أرجوك أبي أنا لا أستطيع الحياة بدون وجوده. هو يحبني وأنا بحبه وليذهب العالم للحجيم. لما لا تفهموه. لما دائماً تجبروني على ما لا أريده فقط لأنكم تريدونه. فقط المرة أبي. أولم تحب أن تراني سعيدة؟ دعه يرحل. وهو لن يتحدث عنكم. أنا أتعهد لكم بذلك.
طال الصمت والانتظار. الجميع يتأهب. وهذا الملقى أرضاً قلبه ينبض بعنف رعباً من أي قرار يحدد مصيره. لقد عمى عينه الطمع وواصل الطريق إلى قلبها فقط ليحصل على فرصة بعد علمه بثراء عائلتها الفاحش. ولكن يبدو أنه لن يجني من فعلته هذه إلا هلاكه.
أما والدها فكان يفكر بدهاء رجل أعمال وعصابات من الطراز الأول. هذا الذي أمامه مصري ومسلم وإبنته تحبه وتريده. وبعد البحث عنه تأكد أنه ليس له علاقة بالمخابرات المصرية وعلم بأمر زواجه. ولكن ليتغاضى عن تلك النقطة وليخفيها إلى أجلٍ غير معلوم. كل ما يهمه الآن ابنته وأعماله ومصلحته وسط أعوانه وشركاؤه. لذلك تحدث بجمود يخفي في طياته الكثير: –حسناً ميشيل، دعه يعيش. تصنم جسد ميشيل يطالع والده بصدمة. ثم تحدث من بين أسنانه بغضب:
–كيف أبي؟ كيف ستدعه يعيش؟ أتصدق أنه حقاً لن يفشي بنا سراً؟ إنه مصري ومسلم، هو عدواً لنا يا أبي. تحدث ديلير بجمود ونبرة لا تحمل نقاشاً ناهياً أي حديث: –ليس بعد اليوم. من الآن وصاعداً سيصبح منا. سيتزوج ابنتي الغالية. وسيثبت لنا ولاءه. وسيظل بحوزتنا هنا وأنت ستدربه على أعمالنا. إما أن نعفو وإما أن نخفيه من الوجود.
نظرت لوالدها بعدم تصديق. كانت تبكي والآن شقت الابتسامة ثغرها فباتت تبكي وتبتسم. ثم ما لبثت أن قهقهت عالياً وهي تسرع بضم جسد والدها تشكره وتغرقه بوابلٍ من القبلات المتفرقة. تشكره على هذا القرار. ولكن لحظة؟ هل سيعمل معهم؟ سيدخل هذا العالم الذي تبغضه؟ ابتعدت تزفر بإحباط. لتتغاضى عن تلك النقطة الآن. عليها أن تضمن حياته وستحاول مستقبلاً إقناع والدها بالبعد عنهم.
تركته وأسرعت لذلك القابع لا يصدق ما سمعه. هل أصبح فرداً منهم؟ هل سيتزوج بها؟ حسناً كان بالنسبة له يعد حلماً دوماً يسعى لتحقيقه. لم يفكر مرتين. ولا حتى في تلك الزوجة التي تنتظر عودته متلهفة. ولا في صغاره. فقط تحدث بسعادة ظهرت على ملامحه المدماة وبلغة يحاول أن يتقنها: –حسناً أنا موافق سيدي. شكراً لك. وسأعمل دائماً على أن أكون عند حسن ظنك بي. وتأكد من أنني لن أحزن مارلين أبداً طوال حياتي.
أفاقت من شرودها على فتح باب السيارة ودلوفه يبتسم لها. ثم تناول كفها وقبله بحب وسعادة قائلاً: –انتهينا مارلين. الآن أصبحت ملكاً لكي اسماً وقلباً. لم يعد أمامنا أي عائق. زفرت بإرتياح تبتسم له. انخدعت في وسامته كغيرها. انخدعت في عينه الذهبية، ملامحه الحنطية، وكلامه المعسول. تحدثت براحة واطمئنان:
–الآن فقط أستطيع الاطمئنان. فأنا وأنت وطفلنا الغالي سنحيا سوياً بعيداً عن أي عبث. لم أحتمل أن أظل بينهم حبيبي. خصوصاً وأنا أرى صغيري يكبر يوماً بعد يوم في تلك الحياة. أخي خرج عن السيطرة. وكان علينا أن نبتعد. وأشكر الرب أن أبي أخيراً رضخ لقرار مجيئنا إلي هنا. زفر بضيق. هي لا تعلم عن الاتفاق الذي تم بينه وبين والدها شيئاً. هي تعتقد أن والدها تقبل فكرة ابتعادها عن أعمال عائلته السوداء.
ليعود بذاكرته إلى قبل شهر يتذكر اتفاقه مع والدها. عندما جلس مع والدها وشقيقيها جلسة سرية. تحدث ديلير بجمود معهود: –والآن اسمعني جيداً. سأعمل على أن أصطاد عصفورين بحجر واحد. سأحقق رغبة ابنتي وسأستفيد كذلك من عودتك لمصر. تنبهت حواس ناصر جيداً يستمع له. يعلمه جيداً ويعلم أنه يمتاز بتلك الصفة. فهو يعلم كيف يجعل من كل قدر مصلحة تصب في قبعته هو وعائلته. عاد ديلير يطالعه وهو ينفث سيجاره الغليظ المثبت بين اصبعيه ويزفر الدخان
على شكل دفعات ثم قال: –ستعود إلى بلدك. وأول شيء تفعله تنفصل عن زوجتك الأولى. ومؤكد بعد سنين عملك هنا ستكون قد ادخرت مبلغاً لا بأس به من المال. وسيكون هذا مقنعاً كي تفتح شركتك الخاصة. شركة استيراد وتصدير وهذا سيكون عملها الرسمي. ولكن احذر ما هي الحقيقة؟ ابتسم ميشيل ابتسامة صفراء وهو يلاحظ تنبه ناصر للقادم حيث قال: –ستعمل لحسابنا. توتر ناصر قليلاً. فهنا يستطيع مساعدتهم كيفما يريد. ولكن كيف سيخون وطنه؟
مهما بلغت المسميات هذه تعد خيانة عظمى. هل هو قادراً على فعلها؟ وهل بالأساس لديه خيار الرفض؟ بالطبع لا. هنا كان إما الرفض أو القتل. لذلك وبعد يومين أبلغ ديلير بموافقته على قراره. مقنعاً حاله أن تلك ليست خيانة. به أو بدونه يستطيعون إدخال ما يريدون لبلده. أفاق من شرده على يدها التي تهزه بترقب قائلة: –ناصر هل أنت معي؟ بماذا شردت؟ رفرف بأهدابه عدة مرات وطالعها يتحدث بتنهيدة قوية:
–نعم مارلين معكِ. فقط كنت أفكر ماذا علينا أن نفعل الآن. لا يجب أن نظل في هذا الفندق. أومأت مؤيدة وتحدثت بتساؤل: –نعم معك حق. إذاً بمن نستعين؟ أليس لديك أقارب هنا ناصر؟
شعر بقبضة قوية تلتف حول عنقه. لا يريد أن يتذكر أي أقارب. فجميعهم تخلوا عنه بعد تلك الحادثة التي قلبت حياته رأساً على عقب بعدما اتهم باغتصاب إحدى الفتيات وهرب بالرغم من عدم فعله. فقد كان تدبير من شخص يكرهه. جميعهم اتفقوا عليه لولا رحيله من تلك المحافظة المصرية ومجيئه إلى القاهرة لما كان حيٌ الآن. ليتعرف بعدها على فتاة رقيقة تدعى عفاف ساعدته ومدت له يد العون وأحبته بصدق. ولكن ماذا فعل هو بها؟
طلقها ظلماً وغدراً. يا له من رجل نبيل جداً. زفر ينفض الماضي من أفكاره فلم يعد لديه أهل أو أقارب. ثم طالعها يبتسم بغموض ويردف قائلاً: –أخبرتكِ من قبل مارلين، والداي توفيا منذ زمن. والآن سنذهب إلى شخص سيساعدنا. صديق لي أعرفه جيداً. سيعرفنا على أشخاص وأماكن تفيدنا في خطتنا الاستثمارية. والآن هيا بنا. ابتسمت له بينما لينطلق بالسيارة متجهاً إلى وجهته. صباحاً في إحدى دور الأيتام.
التي تملكها تلك السيدة الحنونة الذي توفى زوجها الغالي ولم تنجب منه. لذا قررت تخليد ذكراه بالخير وقامت بتحويل منزلها الكبير ذو الحديقة الرائعة إلى دار أيتام. أصبحت تابعة لعدة جمعيات خيرية تمولها وكذلك بعض رجال الأعمال الأخيار. وأصبحت هي مديرتها.
تجلس ومعها العاملات وحولهن من الأطفال الكثير يلعبون ويمرحون بسعادة في تلك الحديقة المصممة لتدخل البهجة والسعادة على قلوبهم وتنسيهم الحياة الظالمة التي يعيشوها دون احتواء من أم وأب كغيرهم من الأطفال. دائماً تميزت تلك الملاك بطيبة قلبها وحنوها على هؤلاء الأطفال. لم يذكر يوماً أن عنفت أحدهم. لذلك فهي الأفضل من بينها وأصبحت دارها الأشهر والاختيار المناسب لمن أراد التخلي عن جزء يتجزء منه.
فبرغم قساوة القلوب وتحجرها يتبقى القليل من التأني في اختيار مكان مناسب لمن يلقون بهم أمامه. وكأن هذا هو أقصى معاني الرحمة لديهم. نعم، فهي اعتادت على احتمالية وجود أطفال أمام الدار ملقون دون رحمة. في بادئ الأمر كانت تصاب بالاكتئاب والقهر. كيف لأب وأم أن ينجبان ويرزقان بطفلٍ يحتمل أن يكون طريقهما إلى الجنة ويلقيان به هنا؟
لم تستوعب تلك الفكرة إلا حينما أدركت أننا بشر ولسنا ملائكة. وكلٍ منا يمتلك جزء غير سوي بداخله. كلٍ منا لديه أخطاء. هناك من يستأصلها ليصبح أنقى وهناك من يغذيها لتتضاعف وتتضخم وتتمكن منه وتلتهمه في دائرة مظلمة يظنها النجاة.
ومع تكرار المشهد أمامها أصبحت تعتاد على الفكرة. هم يلقون بأطفالهم أمام الدار، وهي تلتقطهم وترعاهم إلى أن يشتد عودهم. لعل هذا العمل يكن حجتها عند الله عز وجل. فبعد وفاة زوجها لم تعد تسعى لشيء سوى رضاه علها تلقى الغالي في جنات النعيم. فقد كان يمتاز بلين القلب وجبر الخواطر والرحمة. كان ملاكاً يمشي على الأرض. لذا رحل سريعاً وتركها تعاني فقدانه إلى أن تلقاه. كانت تتمنى أن يكن لها جزءاً منه ودوماً سألت ربها لماذا برغم حبها له. ولكن جاءت فكرة الملجأ لتبرهن لها الحكمة في ذلك. فإن لم يكن لها طفل منه بات لها أطفال كثر يحبونها كحب الأم أو أشد حباً. ليكن هذا صدقة جارية له مدى الحياة.
أفاقت من شرودها على نداء العاملة تأتي راكضة وتحمل بين ذراعيها طفل صغير يبكي ويتدهور جوعاً يبدو أنه ألقي في الخارج منذ ساعات. وصلت العاملة إليها ووقفت تلهث ثم نظرت لهذا الصغير بحنو قائلة بحزن يغلفه الشفقة والفرحة معاً خليط غريب من رؤية صغير جميل يأسر القلوب ومن حقيقة تخلي والداه عنه: –لقيت العيل ده قدام الدار يا ست لبنى. ويا حبيب قلبي باينه جعان أوي.
التقطته منها على الفور تهدهده بحنو وتطالعه بشفقة. من خبرتها يبدو مولود حديثاً ربما أمس فقط. مالت تقبل جبينه بينما تلألأت عينيها بالدموع وهي تقول بصوت متحشرج وما زالت مشاعرها تسبقها: –أجري يا نادية جهزيله رضعة بسرعة، وكلمي دكتور على ييجي يشوفه وكمان بلغي نجيب ييجي علشان يعمله أوراقه.
أسرعت نادية تلبي طلبها بينما هي ظلت تخطو هنا وهناك وتهدهد الصغير الذي توقف عن البكاء وأصبح تلقائياً بفطرة خلق عليها يضع إحدى أصابعه في فمه ليسكت جوعه قليلاً. تطلعت على حركته وملامحه البريئة وتساءلت بحزن. تُرى من أتى بك إلى هنا يا صغيري؟ وما حال تلك التي أنجبتك الآن؟ وكيف سيكون حالك بعد عدة أعوام؟ هل ستغفر لهما خطيئتهما أم ستسعى لتعرف هويتهما؟
نفضت أفكارها عندما عادت نادية مهرولة تحمل الببرون الممتلئة بالحليب الدافئ وتناولها للسيدة لبنى التي قبضت عليها واتجهت تجلس على المقعد الخشبي في الحديقة ثم بدأت تطعمه. وكم آلمها جوعه وهو يلتهم مقدمة الببرون بين شفتيه ويرتشف بنهم طعامه الأول. ليأسر عينيها وحواسها وتطالعه بحب أنبته الله في قلبها له. لتبتسم أيضاً نادية التي تجاورها وتردف بترقب: –حسبي الله ونعم الوكيل في كل ظالم. حد يسيب طفل جميل زي ده. أومأت تردف بحزن:
–هما الخسرانين يا نادية. ومن رحمة ربنا أنه مش هيبقى وسطهم. بشر زي دول لا يصلحوا أصلاً يربوا ملاك زي ده. أومأت مؤكدة على حديثها لتتساءل بحماس: –هتسميه إيه يا ست لبنى؟ تنهدت لبنى بقوة تطالعه بشرود. تفكر وتفكر في اسم دقيق لدوماً تؤمن بأن لكل إنسان نصيباً من اسمه. لذلك قالت بعد أن انحنت تقبله مجدداً على جبينه: –عمر يا نادية. هسميه عمر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!