يا بني، مَن حَمَلَ ما لا يُطيق عَجَز، ومَن أُعجِبَ بِنَفْسِهِ هَلَكَ، ومَن تَكَبَّرَ على الناسِ ذُلّ. ومَن لم يُشاوِر نَدِم، ومَن جالَسَ العلماءَ عَلِم، ومَن قَلَّ كلامُهُ دامَت عافِيَتُهُ. *** **المرحلة العمرية الثانية** قبل أربع وعشرون عاماً من الوقت الحالي. في نفس دار الأيتام. تقف السيدة لبنى تستقبل هذا الزائر، والذي لم يكن سوى ضابط شرطة على معرفة مسبقة بزوجها المتوفي.
ترجل من سيارته يحمل تلك الصغيرة التي لم تتجاوز التسعة أشهر. طفلة خصلاتها عبارة عن سلاسل نارية متوهجة، سبحان خالقها الذي أنسق لون عينيها مع خصلاتها تلك، وبياض بشرتها المتوردة جعل منها ملاكاً على هيئة بشر. ولكنها تبكي؟ يا إلهي، ما سبب بكاء تلك الحورية وأين أهلها يا تُرى؟ سؤال سألته لبنى داخل نفسها، بالرغم من معرفتها الإجابة.
كان يقف بجانب لبنى عمر، الذي أصبح يبلغ من العمر ستة أعوام. يقف مع عدد من الأطفال ينظرون لتلك الصغيرة بإعجاب وسعادة، بعدما تأكدوا أنها ستصبح معهم وبينهم. وصل الضابط إلى لبنى التي رحبت به، ووقف ينظر للصغيرة التي يحملها، ثم نظر للبنى وتحدث بحزن وتروٍّ:
–البنوتة القمر دي كانت مع باباها ومامتها في العربية ومسافرين، وللأسف حصل معاهم حادثة والاتنين اتوفوا، وهي بس اللي ربنا نجاها. ورحنا علشان نوصلها لأهل أبوها، بس رفضوا ياخدوها تماماً وقالوا إنهم مش عايزينها، وإنها بنت الكافرة اللي أخدت ابنهم منهم. تقريباً لأن والدتها مش مصرية ولا مسلمة. فهم قرروا يرموا بنتهم ولحمهم بسبب كده. وأنا مش هلاقي أأمن من هنا مكان أسيبها فيه. وعارف إنها معاكي هتبقى أحسن من أهل أبوها دول.
مدت يدها لتحمل منه الصغيرة، التي برغم عمرها الذي لم يتعد العام بعد، إلا أن هناك حزناً يخيم على ملامحها وكأنها عاشت في تلك الدنيا دهرًا كاملًا. حاولت لبنى بعاطفتها وحنانها أن تهددها، ولكن الصغيرة كانت تبكي بصمت، تشكي داخلها وكأنها تعلمت الكتمان منذ اللحظة التي فقدت فيها والديها. كان عمر يقف يتابعها بترقب، لديه رغبة ملحة في حملها وكأنه قادر على إضحاكها. ثم وجد نفسه يردف بترجٍّ قائلاً: –ماما لبنى، ممكن أشيلها لو سمحتِ؟
نظرت له لبنى بترقب، ثم ابتسمت وناولتها له. فحملها يطالعها بسعادة وابتعد قليلًا بها يهددها، وليكن منذ هذه اللحظة أخًا لها وحاميًا متعهدًا، ربما احتاجته يومًا. وبالفعل نجح في جذب انتباهها وأعطت رد فعل غير الحزن الصامت، بعدما أراها ألوان الورود. نظرت لبنى مجددًا للضابط الذي يتابع عمر والصغيرة بحنو، ثم تساءلت: –هي اسمها إيه يا محمد بيه؟ مد محمد يده في جيب بنطاله وأخرج ورقة يناولها لها مردفًا بهدوء:
–هي اسمها نارة، ده اللي مكتوب هنا. ولو حابة تغيريه مافيش مشكلة. هزت رأسها بلا، فهذا الاسم يليق بها خصوصًا مع تلك الخصلات المتوهجة وكأنها صُنعت من نار. بينما كان عمر وحوله الأطفال يسعون لإضحاك تلك الجميلة، التي على ما يبدو ستحصل على الدلال المفرط منهم. *** على الجهة الأخرى. وفي شركة safety العملاقة لاستيراد السيارات، والتي يديرها ناصر الجارحي وتمتلكها زوجته مارلين. يجلس خلف مكتبه يتحدث الإيطالية عبر هاتف دولي مردفًا
بترقب: –حسنًا، لقد أخبرتكم بالوضع الراهن الآن. لننتظر قليلًا إلى أن تهدأ الأجواء. تحدث على الجهة الأخرى ميشيل بغضب موبخًا: –ماذا تظن نفسك فاعلًا أيها الأحمق؟ وما تلك الحماقات التي تتفوه بها؟ في كل مرة تردد نفس هذا الحديث؟ هل أنت متعطش للموت؟ زفر ناصر بضيق. مؤخرًا وبعد أن ذاع صيت شركته، بات يرفض صفقاتهم المشبوهة. كان يريد أن يبتعد عن تلك الأعمال، خصوصًا بعدما علمت مارلين وترجته أن يبتعد.
ترجته لأجل طفلها الوحيد صقر، لا تريد أن تدخله في تلك الصراعات وهذه الأمور. بل تسعى ليكون ذا مكانة مرموقة في المجتمع. ولذلك فهو أيضًا يسعى للابتعاد عن تحكم أهلها به. وساعدته في ذلك إصابة ديلير والد زوجته بشلل دماغي أفقد الحركة كليًا. وبرغم كره ميشيل له، إلا أنه يستطيع التحكم في الأمور قليلًا بعد أن أصبح على ما هو عليه. فهو يؤمن نفسه جيدًا من غدر ميشيل المتوقع، خصوصًا بعد رفض عدة صفقات لهم. تحدث ناصر بثبات وبرود:
–كفاك تهديد يا هذا واسمع جيدًا. إن أردت أن ترسل بضاعتك أرسلها، ولكن أنا لست مسؤولًا إذا تم الإمساك بها. حينها سأعمل على عدم ذكر اسمي في هذا الأمر وسأنجح في ذلك. ولكن أنت ستكون قد خسرت بضاعتك. فاحذر جيدًا. أغلق الخط ووضع سماعة الهاتف، وشرد يفكر وهو يدخن سيجارته وينفث دخانه، فيتناثر جوًا كغيوم تحجب عنه الرؤية قليلًا. ظل يعاود فعلها ويفكر إلى أن اهتدى لأمرٍ، ولكن عليه التحدث أولًا مع مارلين. *** في منزل عفاف.
تقف في المطبخ تعد الأطعمة. دخلت عليها نهى التي أصبحت في الثالثة عشر من عمرها. رأتها تطهو قطع اللحم والسبانخ، فتساءلت الصغيرة بترقب: –مين جاب الأكل ده يا ماما؟ هو إنتِ نزلتي؟ هزت عفاف رأسها تردف بعفوية وهي تخفض مستوى اللهب على الأرز: –لا يا نهى، ده سامح هو اللي جابه. جابهولي يا حبيبي ورجع تاني على شغله. زفرت الصغيرة ثم تساءلت بتعجب: –هو ليه رافض ياخد أي فلوس من ناصر الجارحي؟ مش ده أبسط حقوقنا عليه؟
يعني هو يبقى عنده شركة وفيلا وكل الأملاك دي وإحنا مش من حقنا حاجة؟ مش المفروض إنه أبونا بردو؟ تنهدت عفاف بقوة ثم نظرت لصغيرتها تردف بتروي وكالعادة بضعف:
–أخوكي مش راضي يا بنتي. حاولت أكلمه يقبل الشهرية اللي أبوه قال عليها، بس مجرد ما بفتح السيرة بيركبه ميت عفريت. هو عايز يشتغل ويصرف هو علينا ومنحتاجش من ناصر مليم واحد. وأنا نفسي أريحه. ده لسه صغير وشايل الهم والمسؤولية بدري. حتى بقى يضايق لو حد من إخواتي ساعدني، عايز هو بس اللي يصرف على البيت. شردت الصغيرة التي لم تعد صغيرة، ثم عادت تتساءل حول شيءٍ ما في خاطرها: –ياترى يا ماما صقر شبهنا ولا شكله زي مامته؟
مش إنتِ دايماً تقولي إننا شبه بابا؟ نظرت لها عفاف بحزن. لما هذه السيرة الآن، إنها تحاول نسيانها. لما تذكرها بمن خطفت سعادتها هي وطفلها؟ ولكن هل حقًا كانت سعيدة؟ هل تخدعين نفسكِ يا عفاف؟ أنتِ عانيتِ سنين في غربته وبعده. هو لم يكن أبدًا العون لكِ، هو فقط كان يعزز نفسه دومًا. كان يبحث عن سعادته هو فقط. ولكن هل وجدها؟ هل سيفلت من العقاب الآن؟ أولم يعاقبه القدر على ما فعله بها ثم يأتي إليها معتذرًا؟
ستسامحه. نعم ستسامحه إن عاد واعتذر. ولكن ليعلم أنه ظلمها. حقًا تتمنى رؤية هذا اليوم قبل أن تموت. نظرت لابنتها زاجرة إياها وتحدثت بحدة: –معرفش يا نهى، معرفش هو شبه مين. بس متفرحيش أوي كده. ده أمه إيطالية يعني أكيد مش شبهكم أبدًا. ربتت نهى على ظهر والدتها تردف معتذرة بعد أن شعرت بحزنها وأدركت تبدل ملامحها: –خلاص يا ماما متزعليش، حقك عليا. تنهدت بقوة تومئ ثم تحدثت وهي تلتفت للموقد لتراه:
–طيب يا نهى، روحي شوفي مذاكرتك على أما أخلص أكل وأخوكِ يرجع. أومأت نهى والتفتت لتعود لعملها. ووقفت عفاف تفكر في هذا الذي أحبته مجددًا وتتأمل رجوعه معتذرًا يومًا. *** ليلاً في فيلا ناصر، التي أيضًا تمتلكها مارلين، فقط كل ما يملكه ناصر هو نسبة قليلة جدًا من أسهم الشركة.
تجلس مع صقر الذي أصبح عمره 11 عامًا. تحدثه عن الدين الإسلامي. فبرغم ديانتها التي هي عليها، إلا أنها أرادت أن تعلمه ديانته الصحيحة وعقيدة الإسلام كما يجب أن يكون بكل شفافية. فبعد مكثها في مصر كل تلك السنوات وعشرتها لأهل هذه البلد الأخيار، أدركت أن ما سمعته عن هذا الدين ما هي إلا حربًا شرسة ضده لتشويه ماهيته الحقيقية. لذلك بحثت وقرأت في عدة كتب حتى تستطيع تعليم ابنها كما يجب أن يكون.
وها هو يجلس يستمع إليها بتركيز وإنصات. دلف فجأة ناصر عليهما يلقي التحية. اتجه يجلس مجاورًا لها ثم تساءل بالإيطالية وهو يحاول معرفة عنوان الكتاب الذي تحمله: –عن ماذا تتحدثان؟ وما هذا الكتاب؟ تحدث صقر بلغة إيطالية، بالرغم من تعلمه للغة العربية واللهجة المصرية خاصة، ولكن نظرًا لحديث والديه دومًا بالإيطالية، فبات يتحدث مثلهما: –هذا كتاب (الإسلام كما يجب أن يكون) . تعرفني أمي عليه حتى أتعلم تعاليم ديني.
نظر لها ناصر بتتمعن. إلى الآن ما زالت تبهره. فهي تهتم لتعليم صغيرها للدين الذي هو بعيد كل البعد عنه، تريد أن تزرع بداخل صقر أشياءً لن يجدها فيه. ترى هل تنجح في ذلك أم يجد عليه أن يكون قدوة فعلية له؟ هل يمكن أن تبنى أعمدة متينة على أرض ملتوية؟ هل يمكن أن تزرع وتترعرع الورود في صحراء قاحلة؟
شعر بقبضة تلتف حول عنقه تخنقه. تاريخه بالكامل غير مشرف، وحتى الآن وهو يحاول العدول ما زال يخطئ. أخطاؤه كثيرة ولا تغتفر، وأول أخطائه هو خطأه الأعظم في حق تلك السيدة وطفليه، الذي يحاول أن يعوضهما عن ما عاناه، خصوصًا بعد حديث مارلين المستمر له وتوصيته عليهما.
ولكن ابنه الأكبر سامح لم يقبل منه أي عوض، بل يكره، وهذا ما يراه بوضوح في عينه. ولنقل أنه في تلك المرات التي يحاول بها إسكات ضميره كانت محاولاته من أجل راحته فقط، وليس من أجلهم. ويبدو أن ابنه الأكبر استشف ذلك، ولهذا رفض. رفض أن يريح ضمير والده. فوقت الحساب لم يأت بعد وهو لم ولن يسامح أبدًا. لن يكن مثله اسمه أبدًا. تنهد ووقف يتحدث بالمصرية قبل أن يلج للداخل: –أنا داخل أغير هدومي.
غادر وتركهما يكملان ما بدآه سوياً. تدرك مارلين ما يفكر به، تدرك ذلك جيدًا. ولكن قناعتها كانت تتخلص في حتى وإن كانا هما مخطئان، عليها أن تجعل من ولدها أقل أخطاءً منهما. عليها أن توصله لبر الأمان. *** بعد عدة أيام. في منزل عفاف. طرقات على باب شقتها أنبهتها وجعلتها تترك ما في يدها وتتقدم لتفتح. ولكن ما لم تتوقع رؤيته هو، نعم هو هذا الذي طالما انتظرته أن يأتي، إلا تلك اللحظة لم تكن تنتظره، ربما لذلك أتى.
وقفت متصنمة. منذ تلك اللحظة التي طلقها بها ولم تره إلا في الصور التي تحتفظ بها، أو إما يكون ضيف أحلامها دائمًا. لا تصدق أنها تراه الآن أمامها. لقد ازداد وسامة ورتابة وظهر عليه الثراء ببذخ. يرتدي بالطو طويل ويضع يديه في جيبيه يطالعها بترقب وصفحة وجهه خالية من أي تعبير يذكر. جاءت نهى من الداخل تخطو متحدثة بتساؤل بعدما سمعت طرقات الباب: –مين يا ماما اللي جه؟
وعت عفاف على حالها ولفت تنظر لابنتها التي تجمدت مكانها تطالع هذا الرجل. أما هو فابتسم لابنته وتحدث أخيرًا يردف بحنو ظاهري لم يصل إلى قلبه: –نهى؟ تعالي سلمي عليا؟ تقدمت نهى بخطى مترددة حتى وصلت إليه وعيناها منكبة على والدتها الصامتة فقط تتابع ما يحدث بتعجب. وصلت إليه ومدت يدها بتوتر فالتقطها يبادلها السلام ثم انحنى يقبل وجنتها وعاد يقف ويتحدث بثبات: –كبرتي يا نهى. عاملة إيه؟
تنظر له بتعجب. ولزيادة التعجب فهي تبحث داخلها عن مشاعر كره له ولم تجد. فدائمًا كلما حاولت لوم عليه تجد والدتها تبرر ما فعله بل وتلقي باللوم عليها إن ربما أخطأت في حقه مثلما قال. توترت ولفت نظرها لوالدتها التي تتابع بصمت بينما قلبها يعصف بقوة. ليكن هذا الجزء هو المتسبب في حطامنا أحيانًا. هذا الأيسر يبدو مفتاح الوصول لنهايتنا في عدة أمور. أحيانًا ما يلقينا بقوة بعدما حلق بنا عاليًا، وليته يتوقف بعدها بل ويظل ينبض لمن آذاه.
تحدثت نهى بخجل وتعجب وهي تجاور عفاف: –كويسة الحمدلله. وأخيرًا تحدثت عفاف بجمود زائف لم يصل إلى عينيها اللامعة وهي تشبك ذراعيها أمام صدرها وكأنها تحتمي بهما أو تخفي مشاعرها خلفهما: –خير يا ناصر بيه؟ إيه سبب الزيارة العظيمة دي؟
نظر لها بترقب. إلى الآن عيناها تظهر ما تخفيه. يعلم أنها ما زالت تحبه، بل وعلى يقين أنها تنتظر منه كلمة اعتذار. ولكنه لم يأتِ إلى هنا لذلك. هو يراها مذنبًة مثله. هو لم يظلمها بل هي من سعت خلفه دومًا.
فالحقيقة هو لا يعلم لماذا أتى. شيء ما بداخله جعله يأتي ليفعل ما نواه. يمكن أن يكون ضميره الليلي، أو كلمات زوجته مارلين التي تعد صوت ضميره، أو الخوف من العقاب المستقبلي لتقلبات الزمن. لا يعلم لماذا أتى اليوم تحديدًا، ولكن هذا ما ساقته قدماه إليه. أخرج يده من جيبه وكانت محملة بورقة مطوية. تنهد بقوة ثم مدها يناولها إياها وتحدث بثبات وخلو مشاعر:
–ده شيك بمبلغ كويس، كتبته باسمك لإني متأكد إن سامح هيرفضه. تقدري تسحبيه في أي وقت. حتى لو هتبلغيه إن الفلوس دي من أخواتك. حاولي تقنعيه يفتح مشروع خاص بيه. ده غير إن فيه وديعة باسم نهى. تناولته منه بذهول وحالة من التيه سيطرت عليها. زفر وأخفض نظره لابنته التي تقف تستمع، فعاد يبتسم لها ويردف قبل أن يلتفت: –خدي بالك من نفسك يا نهى، وأهتمي بدروسك.
التفت بعدها قاصدًا المغادرة، ولكن نادته عفاف بصوت مهزوز وعيون لامعة. لم تحتمل. نعم تلعن ضعفها وليتها كانت شامخة قوية ذات كبرياء، ولكن الأمر خارج عن إرادتها. شعرت وكأن أحدهم ينتزع قلبها، وكأنه يودعهم؟ هل سيعود إيطاليا أم ماذا؟ التفت يطالعها. ابتلع ريقه عندما لمح دموعها. بدا مهزوزًا لثوانٍ قبل أن يستعيد ثباته ويميل برأسه متسائلًا دون حديث، فقالت وهي على وشك البكاء: –إنت هتسافر تاني؟
لا لا، هو لن يغادر. ولكن لماذا يشعر وكأنه يترك هذا البيت للمرة الأولى؟ وكأن هناك طاقة جذب قوية ترغمه على العودة وتصليح الأخطاء؟ وكأن أحدهم يريد سحبه بقوة ليعود للوراء لسنوات ويتخذ مسارًا آخر. زفر بقوة وتحدث بنبرة لينة وكأنه أراد أن يطمئنها، أرادها أن لا تضعف أو لا تبكي. لذلك قال: –لا مش هسافر لأي مكان، أنا هنا موجود. لو احتاجتوا حاجة بلغوني.
قالها واندفع يغادر فورًا، يخالف كل الأصوات التي تأتي من داخله ترغمه على التوقف، تناديه من أعماقه أن هذا ليس ندم وأن عليه أن يندم. أما هي فلم يريحها جوابه. دب القلق داخلها وحدث ما حدث. هناك قبضة تعتصر قلبها مجددًا كحالها بعد الطلاق. ولكن كان هناك أمل. أما الآن فهي تشعر أن لا أمل في العودة، ولا ذرة أمل. *** في اليوم التالي. تجلس مارلين في القصر تحتسي القهوة قبل أن يرن الهاتف لتقف وتتجه لموضعه وترفع سماعته متحدثة بترقب:
–الو؟ جاءها صوت شقيقها يتحدث بجمود وكأن الأمر لا يعنيه قائلًا: –والدك على مشارف الموت. أخبرنا أنه يريد رؤيتك للمرة الأخيرة. توقفت الدماء في عروقها، بل شل عقلها لثوانٍ. تريد استنكار هذا الخبر ورفضه. نعم، والدها مصاب بالشلل ولم تره منذ سنوات، ولكن يبقى حيًا يرزق. يبقى موجودًا وإن كان بينهما أمد. أطلقت العنان لدموعها التي تساقطت منذ اللحظة الذي نطق فيها جملته وتحدثت بحسرة: –حسنًا أخي، سآتي على الفور.
أغلق ميشيل وترك تلك التي تقف في حالة صدمة. والدها يحتضر ويطلب رؤيتها. هكذا هي الحياة. نركض كالوحوش وندخر كل ما يأتي أمامنا وننسى أن نترك أثرًا طيبًا. سيرحل والدها من هذه الحياة ولن تراه مجددًا إلا بعد الموت. شعور من الضعف استحوذ عليها. ولكن كل ما نوته هو السفر في الحال. رفعت سماعة الهاتف بيدٍ مرتعشة وهي تطلب رقم زوجها. أجاب ناصر يتحدث بترقب حيث كان يجلس خلف مكتبه: –مين معايا؟ تحدثت بصوت باكي وبلغتها:
–ناصر، والدي يحتضر وعلي أن أذهب إلى إيطاليا في الحال. صُدم ناصر وتنهد ثم أردف وهو يقف ويستعد للمغادرة: –أنا جاي حالًا يا مارلين. أغلق وأسرع على الفور ليراها. يعلم حالتها الآن وما يمكن أن تعانيه. حدثها بلغته لأنها تفهم عليه جيدًا. حتى أنها تعلمت معاني معظم الكلمات وكيفية نطقها، ولكنها تتمسك بلغتها الإيطالية. *** عودة للدار.
تجلس السيدة لبنى كالعادة وحولها الصغار وتحمل تلك الحورية بين يديها ويلتف حولها الأطفال يتوددون إليها. فجمالها وخصلاتها النارية تلك كأنها مغناطيس ذو قوة جذب شديدة يجذب كل من يراه. ولكن المقرب منها والذي أصبحت هي لا تفارقه وتعلقت به هو عمر. هذا الذي ما إن أتت من بضعة أيام وقد تولى مسئولياتها. ولم تمنع لبنى برغم صغر سنه، إلا أنها دائمًا تزرع فيهم أنهم هنا إخوة. جميعهم إخوة وعلى الأولاد حماية الفتيات مهما حدث. ومع ذلك كان نظام البيت منقسمًا كشقتين، جزء خاص بالبنات وجزء خاص بالأولاد فقط تجمعهما حديقة واحدة يوميًا.
لذلك كان عمر، الذي أصبح في الصف الأول الدراسي، يهتم بها كثيرًا ولم يقتصر الأمر عليه فقط، بل على تلك الصغيرة. باتت تلقي بنفسها عليه وتُقهقه عاليًا من أقل حركة يفعلها أمامها، مما أشعره بالسعادة والفخر. *** في فيلا ناصر. تقف مارلين في غرفتها تحضر حقيبتها لتستعد للمغادرة، بينما ناصر يتحدث بثبات: –لا لا مارلين، لن أترككِ تذهبين إلى هناك بمفردك. سوف نذهب ونعود سويًا.
نفضت قطعة الملابس من يدها داخل الحقيبة ثم التفتت إليه تطالعه بترجٍّ ودموع: –أرجوك ناصر، لا تعارضني. سوف أذهب بمفردي لأراه وأعود. ولكن لن تأتي معي. ستظل هنا مع صقر. هز رأسه رافضًا. كيف يتركها تذهب هناك بمفردها وهو يعلم جيدًا كره ميشيل لها. يعلم جيدًا دناءته. يعلم غدره. لذلك أردف بتأكيد وإصرار: –لا لن يحدث. سنذهب سويًا ونعود وصقر سيأتي معنا. فمؤكد والدتك اشتاقت له.
قال هذا ليقنعها. ولكن هي في حالة تشتت قصوى. كيف ستجازف بذهاب طفلها إلى هناك بعدما فعلت المستحيل لتبعده؟ كيف سيمر هذا اللقاء؟ اتجه يقف أمامها ويحاوط كتفيها بيديه وتحدث مطمئنًا: –لا داعي للقلق. سنؤمن أنفسنا. ولن يحدث شيء. اطمئني. ارتمت بين ذراعيه تبكي. تبكي خوفًا وحزنًا. هناك شعور سيئ ينتابها. تشعر أن هذه الرحلة لن تثمر خيرًا أبدًا. ولكنها مجبرة على التحرك. مجبرة على وداع والدها ورؤيته لآخر مرة. *** بعد يومين.
وصل ناصر ومارلين وصقر إلى مطار مدينة بولونيا، ومعهم اثنان من الحراس الذي استأجرهم ناصر لحمايتهم أثناء رحلته، وليته لم يفعل. استقلوا سيارة أرسلها لهم ميشيل وغادروا إلى قصر العائلة. وصلوا وترجلوا يدلفون القصر. كان في استقبالهم ميشيل يقف أعلى الدرج ويدخن سيجارته الغليظة مبتسمًا يتحدث بترحاب زائف: –مرحبًا بأختي الغالية وطفلها. كيف الحال؟
تمسكت مارلين بيد صغيرها بقوة ثم اتجهت ترحب بشقيقها ترحابًا باردًا أشبه بالصقيع. بينما ميشيل عينه ثابتة على هذا الصغير ولاحظه ناصر فتحدث كي يلهيه عنه: –أين السيد ديلير؟ نريد أن نراه ونرحل سريعًا. طالعه ميشيل بكره لم يستطع تخبئته ثم تحدث من بين أسنانه: –إن أبي يحتضر أيها الغبي، وهو من طلب رؤية شقيقتي وطفلها. إذا أردت فلترحل أنت. زفر ناصر ونظر لمارلين التي بدا التوتر يظهر على ملامحها، ثم تحدث بهدوء
ليهدئ من توتر الأجواء: –حسنًا، فقط دعنا نراه. أدخلهما هذا القاسي إلى جناح والده وركضت مارلين إليه تدنو منه وتعانقه بقوة وهو شبه واعٍ، ولكن اشتم رائحتها فعلمها جيدًا وقال بنبرة هامسة ومتقطعة من وسط آلامه المبرحة وسكرات الموت تحوم حوله: –مارلي ن. ارتفعت مارلين تنظر لوجهه بدموع ومدت يدها تمسح على ملامحه قائلة بنبرة منكسرة: –أنا هنا أبي، استرح الآن وسنتحدث. فقط لا تجهد نفسك. انظر من جاء معي.
قالتها وهي تمد يدها لصقر ليتقدم وبالفعل ناولها يده وتقدم منها فحاوطت كتفه وقربته من والدها تردف بحنو من وسط دموعها: –هذا صغيري أبي، انظر كيف أصبح رجلاً يافعًا. بت أعتمد عليه في كل حياتي، ولكني أحتاجك أبي. قالتها واجهشت في بكاء مرير، وكأنها تعمدت إيصال رسالة لمن يقفون يتابعون. أشقاءها وزوجاتهم وأولادهم. العائلة تبدو في حالة سكون. لا أحد يبكي سواها. لا أحد يظهر على ملامحه حزن، فقط صامتون ينتظرون موته. تحدث ديلير بهمـ.س
وأنفاس متفرقة وتلعثم: –اهتمي به صغيرتي، اهتمي به جيدًا، فطفلك سيصبح ذا شأنٍ عظيم. مالت تقبله، تقبل وجنته وتمسح على جبينه. فجأة نظر للأعلى وتحولت أنظاره إلى نظرة مرعبة وكأنه يرى ما أفزعه. ولكن لسانه عُقد فلا يستطيع الحديث أبدًا. وما هي إلا دقائق معدودة وكانت الروح تغادر الجسد أمام الجميع.
صرخت صرخة قوية قطعت أحبالها الصوتية فأسرع إليها ناصر يعانقها ويحاول إبعادها عن جسد والدها الذي التصقت به ولكن دون جدوى. ووقف صقر يستوعب ما يحدث حوله. *** في اليوم التالي صباحًا بدأت مراسم الجنازة والكل يستعد للذهاب للمقابر. ارتدت مارلين الأسود وكذلك الجميع. تحركت السيارات بينما تركت مارلين صغيرها في أمانة السيدة التي كانت ترعاها منذ الصغر إلى أن تعود من الجنازة.
بعد ساعة أو يزيد تقف تذرف الدموع وتتابع جسد والدها وهم يضعوه داخل المقبرة. وقفت لا تستوعب موته. وقفت تستند على زوجها لا تقدر على الوقوف. انتهى الدفن وبدأ الجميع يغادر. ولكن الغريب في الأمر أنهم يغادرون بشكل سريع ومريب. تعجبت ونظرت لزوجها ناصر الذي تعجب هو الآخر. حاول الوصول إلى السيارة ولكنه لم يجدها. نظر حوله فوجد رجلانه متسطحين أرضًا غارقين في دمائهم.
ذهل ووقفت مارلين جاحظة العينين بصدمة مما تراه. كان الجميع قد غادر. ظهر من العدم شقيقها ميشيل ورجاله يضحكون بشر. التفتت برعب وصدمة وأسرعت تحتمي في جسد زوجها الذي أدرك أن ميشيل لعب لعبة قذرة عليه. وقف ميشيل أمامه وتحدث بجمود ولا مبالاة: –تقول الأسطورة القديمة لعائلتها (لا يجب أن تأتي إلى مقابر الملوك وتعود) . هل ظننت أنني تركتك؟ هزت مارلين رأسها بهستيرية تتحدث برجاء ودموع حسرة وصدمة:
–لا لا أخي أرجوك، أرجوك لا تفعلها. دعنا نرحل في سلام. أقسم لن نعود إلى هنا مجددًا، لن ترانا مرة أخرى. سأعطيك كل ما تريد فقد دعنا نرحل. ابتسم ابتسامة صفراء لم تصل لعينيه وتحدث بجمود: –لا مارلين، أنا لا أريد رحيلكِ. أنا فقط أريد رحيله هو. وللأبد. نظر في عين ناصر الذي يطالعها بكره وغضب وتحدث قائلًا: –اطمئن عزيزي، سأعمل جاهدًا على أن يصبح طفلك مثلي. والآن ودع زوجتك.
لف نظره يطالع مارلين التي تصرخ في شقيقها بأن لا يفعل وتحمي جسد زوجها معانقة له بقوة فأشار ميشيل لرجلين أن يحضراها. وبالفعل أسرعا ينتزعانها من بين ذراعي زوجها بينما صوب ميشيل سلاحه على ناصر يطالعه بعيون جليدية ليطلق عليه ويقتله بدم بارد. بطلقة نارية غادرة استهدفت منتصف صدره فسقط مرتداً على الفور غارقًا في دمائه. حجظت عينيها وهي ترى الدماء تندفع من جسد زوجها. منذ قليل دفنت والدها والآن خسرت زوجها؟
صرخت صرخة قضت على أحبالها الصوتية حقًا تلك المرة ووقفت من بعدها كأنها في حالة من اللاوعي. وهذا ما يلجأ له العقل البشري عند تلقي صدمة قوية فيختبئ خلف قناع مستنكرًا المكان والزمان والأشخاص وكأنه في كابوس وليس واقع. فقط يعتقد أنه سيستيقظ. وهذا ما حدث معها.
أشار ميشيل لرجاله أن يقوموا بدفنه في الحال في الحفرة التي أعدها له مسبقًا. بينما اتجه لشقيقته التي سكنت تمامًا ألا عينيها المنكبة على جسد زوجها تطالعه فقط دون أي رد فعل. مد يده يرفع وجهها إليه وتحدث بقسوة: –من الآن وصاعدًا أنت وطفلك تحت رحمتي. من الآن سأربي طفلك أنا وسأعمل على أن يكون كما لم تريديه يومًا. سيكون شيطانًا مثلي. أولم يكن هذا لقلبك لي؟ حسنًا، لنرى.
نزع يده فتدلى وجهها. بل وخر جسدها من بين الرجلين وفقدت وعيها في الحال. فتلك الأحداث كثيرة جدًا على عقلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!