الفصل 5 | من 32 فصل

رواية ثري العشق و القسوة الفصل الخامس 5 - بقلم اية العربي

المشاهدات
37
كلمة
7,790
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

أنا أثقُ أن لا قلب لدي ولا مشاعر، أثقُ أنني وصلت للقاع ولن أنهض. أثقُ أن عالمي مستنقعٌ للوحوش، وأثقُ أن روحي شبحٌ قاسٍ يهاجم بشراسة. ولكني نسيتُ أني قد حذفتُ الثقةَ من قاموسي. *** المرحلة الزمنية السادسة قبل عامٍ واحد من الوقت الحالي. وفي مداهمة فريدة من نوعها، ليست بين الشرطة واللصوص كالعادة. لا، فهي أشرس من ذلك، هي بين اللصوص والقتلة. هي المداهمة التي يخشاها الجميع، التي ما إن تبدأ لن تنتهي على خير أبداً.

وعن أي خير نتحدث والجميع هنا أشرار، الذنب وقع عليهم جميعاً والبقاء للأشد قسوة وقوة. في إحدى الملاهي الليلية التابعة لإحدى رجال المافيا المعروفين في ميلانو الإيطالية، والذي له عداوة مع ميشيل. وحتى أنه بعث أحدهم لقتله، ولكنه كالعادة نجا لظنه أنه محتمي برجاله الأقوياء وصقر الذي لا يقهر. ولا يعلم أنه ملعونٌ ضل سعيه وسبيله.

والآن حان دور ميشيل ليرد على هذا العدو بطريقته المعروفة والتي باتت ترعب الجميع، خصوصاً بعد تضخم قوته والتي لم تكن متمثلة سوى في صقر وماركو. وهذا تحديداً ما يسعى له ليذيع صيته في عالم المافيا. يدلف صقر وماركو ومعهما عدداً لا يستهان به من الرجال، وليسوا أي رجال بل رجال لا يصل شعاع الرحمة إلى قلوبهم. أتوا إلى هذا الملهى ولكن ملامحهم بعيدة تماماً عن اللهوِ.

المكان يعج بالزبائن وطاولات القمار تنتشر في كل مكان وحولها الكثير مِن مَن سولت لهم أنفسهم حب الشهوات. النساء تقفن وكأنهن يوم الحشر، لا يسترهن شيء إلا بعض القطع المقطعة على ما يبدو وكأنهن فقيرات لا يستطعن شراء المزيد من الأقمشة لستر أجسادهن، لتظهرن في حالة من النفور. فقط هنا في هذا المكان ارتدى الكذب والنفاق وسوء الأخلاق ثوب الفضيلة والرقي والثراء.

نخبة من أبرز شخصيات المجتمع وأرقاهم نهاراً، وليلاً ها هم هنا يجلسون ويتمتعون بكل ما حُرمَ عليهم. كان صقر يخطو بينهم وكأن الطريق خالياً، كأنهم أشباحٌ لا تُرى. بكل احترافية ومهارة يمر وخلفه ماركو ورجاله دون النظر حوله، ولكن أنظارهن مسلطة عليه. ينظرن له ولماركو بعيون يملؤها الشهوة المقززة وهو يحمل قلباً من فولاذ لا يراهن حتى. أما ماركو فبرغم وجوده لسببٍ حاد إلا أن الابتسامة ارتسمت على فمه بغرور وتباهي من تلك النظرات.

وصلوا إلى ذلك الرواق الذي يسوده اللون الأحمر، وكأنه يعلم أن الدماء ستملأه ليتحداها وليُريها أيهما أشد حُمرة. وهنا تبدلت الملامح تماماً، وساد الجمود معالم الجميع. واختفت الابتسامة من وجه ماركو ليسكن محلها الغضب والملامح المخيفة. وشُدت أجزاء الأسحلة الكاتمة للصوت وبدأ تبادل إطلاق الطلقات مع صدح الأغانى الصاخبة في الخارج. قتلى يسقطون أرضاً كقطع شطرنج، رجال كلما حاولوا إطلاق رصاصة أطلق صقر ورجاله عليهم عشرة.

كان يتحرك بينهم ولا يبالي بحياته، شفافٌ يخطو غير عابئ بالرصاصات التي تتناثر من حوله كحبات المطر وهو يسير حولها كأنه محاطٌ ببرجٍ فولاذي. بمهارة واحترافية تدرب عليها لسنوات وسنوات. بملامح قاسية أصبحت جزء لا يتجزأ منه. بعيون حادة تشبه اسمه في نظرتها. إلى أن وصل لتلك الغرفة بعد أن قتل هو ورجاله جميع الحرس وقُتل قلةً من رجاله فقط، ربما اثنان فقط مقابل العشرات.

ضرب الباب بقدمه بقوة فانفتح على مصرعه ودلف فوجد هذا الذي يجلس خلف مكتبه يتنظره بابتسامة صفراء حاقدة. توقف أمامه وماركو يجاوره. كانت النظرات كفيلة لتنقل العداوة التي بينهما، عداوة تغذت داخله لسنوات دون معرفة هويته. تحدث الرجل له قائلاً بحقد وبرود: –أهلاً بك أيها الصقر، أنت تخطئ دوماً، تجلس في أحضان عدوك الحقيقي. ليتك تعلم من هو ميشيل، ولكنك كالدمية تنفذ بصمت. والآن لن أدع حقيراً مثلك يقتلني.

قالها واتبع كلمته بتصويب سلاحه إلى رأسه ليطلق على نفسه في الحال. فقد أدرك نهاية طريقه ولكن لن تكون على يد ميشيل أو أتباعه، لينهيها هو أمام أعين صقر الحاقدة. تمنى منذ سنوات لو قتله هو، ولكن يكفي خوفه الذي رآه في عينه قبل موته. وقف صقر يطالعه بملامح ثابتة لا تتأثر وكأن ما حدث لم يكن. وكأن أحدهم لم ينتحر أمامه الآن.

يبدو أن تلك الأعين اعتادت على هذه المشاهد، ومن ذا الذي يستطيع أن ينزع تلك الذاكرة ليضع محلها صوراً أكثر براءة ونقاء. ولكن يبدو أن الدماء أصبحت كالمياه أمام عينه. لم تتغير نظرته، ولا أي شيء ظاهرياً. ربما هناك نغزة تهاجمه في الأعماق، ولكن هل يشعر المحيط بدغدغة الأسماك في باطنه؟ هل تتأثر النيران بصرخات من تحرقه؟ لذا فها هو يدعس صوت ضميره ويسحق بقاياه. فهذا الحقير الذي قتل نفسه للتو ينتظره مصيراً أسود.

لقد كان يتاجر بالرقيق والمخدرات والأسلحة والأعضاء على نطاقٍ واسع. وانتحاره يعد مكسباً للبشرية بعد أن فشلت الحكومة الإيطالية في معاقبته حيث لا يترك خلفه أي دليل. هؤلاء هم فسدة الأرض. هم حلفاء الشيطان. هم من سعوا في خرابها. هم المرتدون عن الديانات، دينهم الوحيد هو الفساد. وأشد الأديان إليهم كرهاً هو الإسلام. لم يشعر بالندم، بل كان يريد قتله بيده.

فقد أخبره ميشيل لتوهِ أن هذا هو قاتل والده الحقيقي وصدق ذلك فوراً نظراً لبحثه عنه طوال سنوات. بعد عدة ساعات حيث عادوا لبولونيا وفي قصر عائلة موراكو. يقف صقر في حمامه وتحديداً في كابينة الاستحمام الزجاجية التي تمتاز بزجاج مشوش لا يظهر من داخله بوضوح. يقف أسفل المياه التي تتناثر على جسده محدثة رذاذاً حوله. منحني الرأس يستند بكفيه على الحائط الأمامي. تداهمه ذكريات الماضي، التي كلما انفرد بنفسه تأتيه راكضة وتعاقبه.

جزءٌ ما بداخله يستنكر تلك الحياة ولكن كلما حاول هذا الجزء الوقوف أخمده بأفعاله. داهمته صور والدته مجدداً. لن ينسى هذا اليوم أبداً، لن يُمحى من ذاكرته. فهذا اليوم لم يفقد والدته فقط بل فقد نفسه وأدميته. فقدَ هويته الحقيقة. أصبح تائهاً في جسد شخصٍ لا يعرفه، وأصبحت خيوط عقله جميعها في يد ميشيل. ماتت من كانت الجسر الوحيد له بين الصواب والخطأ. وإلى الآن موتها يشكل تأثيراً على عقله.

ماتت وتركته بين يدِ من لا يرحم، حتى أصبح مثله. كانت تسعى للعيش أطول فترة ممكنة حتى تزرع به كل ما هو قيم ونبيل بعد أن درست وأيقنت أن حياة أهلها ما هي إلا الفساد بعينه. بعد أن تجردت من أفكارهم وبحثت بنفسها عن الأديان، خصوصاً تلك الفترة التي عاشتها في مصر. سنوات قليلة ولكنها كانت كافية لتبدل نظرتها للأمور تماماً. ندمت على ماضيها وسعت لمستقبلها ومستقبل صغيرها.

كانت تخطط لحياةٍ أفضل قبل أن يهدم حصون أمانيها هذا الأخ الملعون. جاء وإقتلع جذوعٍ غرستها في طفلها من جذورها، وزرع بذوره السامة داخله. والآن وقت الحصاد. ترى هل هناك بذور في مكانٍ ما لم يصل إليه ميشيل تحتاج لعناية وري كي تكبر أم أن الآوان قد فات وانتهى. فبرغم اعتياده على القتل إلا أنه لم يقتل بريئاً قط. يتحرى جيداً عن من يقتنصهم.

إلى الآن عقله وبرغم ظلامه فيه نقطة تضيء حتى لو كانت إضاءة خافتة لا يراها أصحاب العيون الخبيثة. مد يده يغلق مفتاح المياه بعد أن أسقط تعبه وأفكاره وعتابه الداخلي. ليخرج من كابينة الاستحمام يتناول المنشفة من علاقتها ويلفها حول خصره بجمودٍ حاد. خرج لغرفته ثم اتجه لغرفة الملابس يحضر إحدى حلله القاتمة.

ألقاها على الفراش وأتجه يلتقط المتبقي من ملابسه ليرتديها وليلحق بالعشاء العائلي المجهز بأمر من ميشيل للاحتفال بهذا النصر الساحق الذي سيترك صدى صاخب ليتلألأ اسم عائلة موراكو في سماء الإجرام والقتل وبين قبائل المافيا الإيطالية. بعد دقائق انتهى ووضع عطره المميز (Floris) ثم خطى للخارج حيث تجتمع العائلة الكريمة. دلف عليهم بملامح باردة ودون التفوه ببنت شفة. فوقف ميشيل يستقبله بحفاوة وترحاب ويردد مبتسماً ابتسامة فخر

بإنجازه وهو يشرع ذراعيه: –هذا هو أسدي، هذا هو المفضل لدي. اتجه صقر إليه يعانقه بفتور ثم ابتعد يجلس مجاوراً له بينما ماركو يطالعه بملل. رفع ميشيل كأسه يردد بين أفراد العائلة الحاقدين: –فلنشرب كأساً على شرف صقر الجارحي الذي حقق ما لم يستطع أحداً تحقيقه منذ سنوات. نعم كنت أريد أن يقتله بنفسه ولكن كفى أنه انتحر خوفاً من مواجهته. في صحتكم جميعاً. رفع أفراد العائلة كؤوسهم إليه ثم ارتشفوها مرة واحدة.

وعاد ميشيل يجلس متحدثاً بانتشاء وهو يربت على ظهر صقر المتجمد الملامح: –لكَ عندي أمنية، سأحققها لك مهما كانت، فقط أخبرني ماذا تريد وبشرفي سأفعلها لك. لف صقر نظره إليه يطالعه قليلاً ثم تحدث بثبات: –حسناً إذاً دعها في وقتها، ليس الآن. أومأ ميشيل يردف بقبول: –حسناً، وقتما تشاء سأنفذ. بدأوا في تناول الطعام ثم وقف صقر ليغادر هذا الجمع. ليبتعد بنفسه عن جو العائلة ككل فترة. وبالطبع سيصطحب معه ماركو الذي لم يعتد تركه أبداً.

أتجها على الفور إلى الخارج واستقلا السيارة وانطلق صقر إلى وجهته. بعد فترة وصل إلى مكانه المعتاد. المكان الذي اشتراه لنفسه من أمواله الخاصة كباقي مشترياته الفريدة. كطائرته وقاربه الفاخر وفيّـلته وغيرها من الأملاك الفريدة التابعة له دون عائلته بعد أن أنشأ شركةً خاصة به تعمل في تصنيع قطع غيار السيارات كواجهة تغطي تلك الأعمال. ملهى ليلي يعد الأشهر في مدينة بولونيا دون معرفة هوية صاحبه الحقيقية بناءً على رغبته.

دلف هو وماركو. رحب به كل من يعمل هناك بينما هو لا يبالي بأيٍ منهم. اتجه على الفور إلى مكانه الذي يستطيع من خلاله رؤية الجميع ومراقبة المكان والأشخاص. جلس وجاوره ماركو وبدأ النادل يعد له مشروبه الخاص. كانت على بعد مناسب منه تقف فتاة مشاغبة في حلبة الرقص تتمايل مع صديقتها وأصدقائها. فتاة في السابعة عشر من عمرها. خصلاتها يغلبها اللون الأحمر وملامحها تضخ بالشغب والتمرد.

جميلة كقطعة مارشميلو حلوة وضحكتها عفوية لا تفارق ثغرها لتصبح صيداً محبباً لمن حولها. تتمايل مع الموسيقى وتغني بصخب. ومع ذلك فهي لا تتناول أي كحول. لذلك حينما اهتز هاتفها في جيب تنورتها انتبهت له. تناولته تنظر للشاشة فوجدتها شقيقتها. زفرت بتهكم ثم أشارت لأصدقائها على الهاتف أنّ يجب عليها الرد. ابتعدت قليلاً عن الضوضاء وفتحت الخط تضع الهاتف على أذنها وتغلق الأخرى بأصبعها حتى يتسنى لها السمع جيداً

مردفة بترقب بالإيطالية: –ماذا هناك ناردين؟ تحدثت ناردين متسائلة بنبرة متهكمة من أفعال تلك المشاغبة: –أين أنتِ مايا؟ والداي مستاءان جداً، لقد هاتفاكِ أكثر من مرة ولم تجيبي، وإنتِ ما زلتِ مع هؤلاء الحمقى؟ هيا أخبريني أين أنتِ. زفرت مايا بضيق ثم أردفت بعلو: –أنا في ملهى il labirinto (المتاهة) زفرت ناردين بيأس وغضب. لما دوماً تخالف تلك الصغيرة الأوامر وتذهب إلى تلك الأماكن؟ لما لا تلتزم بما تقوله لها دوماً.

هما لا تنتميان لتلك الحياة المقززة. هما مسلمتان من أسرة مسلمة مصرية حتى وإن كانتا تسكنان القمر. عليهما أن تتحليا بالتميز والرقي والأخلاق التي ما إن يراها من حولهم حتى يحبها. هما تعدان دعاية لدينهما ومجتمعهما لذا فما تظهره مايا ليس بشيءٍ جيدٍ على الإطلاق. لما تفعل تلك الفتاة هذه الأمور؟ تحدثت ناردين بصرامة وبلهجة مصرية تتقنها جيداً عندما تغضب ومع ذلك تحاول جاهدة أن تكون أكثر حكمة:

–حالاً يا مايا، حالاً تخرجي من عندك وتيجي على البيت، وإلا هاجي بنفسي أجيبك من وسطهم، إنتِ عارفة إن كلها أيام ونرجع مصر ولازم نخلص كل اللي ورانا هنا. عاد الغضب يتفاقم في صدر مايا كلما تذكرت عودتهم إلى مصر. لما لا يتركوها هنا؟ ولما بالأساس يعودوا؟ هي أحبت تلك الحياة ولا تريد العودة لتلك البلد القاحلة المليئة بأناس منغلقين على عادات وتقاليد هاوية لا تعني لها أي شيء. لما يصرون ويجبرونها على حياة هي لا تريدها؟

تحدثت بضيق وإصرار وهي تتبرم وتدب قدميها أرضاً بغضب: –لا، مش جاية دلوقتي، ومش عايزة أروح مصر دي. أغلقت الخط وعادت أدراجها بعد أن تعكر صفوها. ولكن من حولها حاولوا انتشالها من تلك الحالة بمد كأسٍ من المشروب إليها. رفضته في بادئ الأمر ولكن مع إصرارهم وإقناعهم لها بأن هذا سينسيها أي حزن وتوتر تناولته وارتشفته دفعةً واحدةً مما جعلها تشعر بلسعة حادة في حلقها. وقد انكمشت ملامحها لثوانٍ جعلت هؤلاء يضحكون عليها.

لذلك نظرت لهم بغيظ ونزعت كأساً كان في يد صديقتها وقامت بإرتشافه ايضاً لتثبت لهم أنها قادرة على فعلها مما جعلهم يصفقون لها بتشجيع لشرب المزيد. أما عند صقر الذي يجلس يتابع بتركيز كل ما يحدث حوله حتى تلك الفتيات اللاتي تتمايلن مع أنغام الموسيقى الصاخبة الغربية. جاءت إحداهن والتي بالطبع مستجدة هنا. فجميعهن يعلمن أن صقر لا تروق له أيٍ منهن ولا ينظر لإحداهن مهما فعلت من مغريات.

يقف عند هذه النقطة فيمكن أن يلين الصخر وهو لا يلين. أما تلك فيبدو أنها ودت إغراءه وخاطرت لتأتي إلى وكرهُ لتحاول نيل رضاه الذي يعد مستحيلاً. تنحني وتتمايل عليه متلاعبة بربطة عنقه ومتجاهلة نظرة عينيه الحادة لها. والتي عبارة عن تحذير صارم. تدعي الثبات والجرأة برغم الرعشة التي راودتها من نظراته. بعد أن علمت عنه الكثير والمسموح من الأمور وتساءلت، أرادت أن تجرب حظها ليته يبادلها الحب.

فهو بالنسبة لهن كنزٌ ثمين ورجلُ الأحلام صعب المنال لشبيهاتها. كان ماركو يتابع بذهول وترقب. يتمنى أن يمر هذا الحدث مرور الكرام دون حدوث أي مشكلة. يعلم طباع صقر جيداً، ويخشى غضبه وفورانه واندلاع بركانه. في قرارة نفسه يشرد متمنياً بخبث لما لا تأتي إلي أيتها الحسناء وتتركي هذا الصقر الجارح داعس النعم والحسناوات. حسناً، أنتِ الخاسرة لتحظي بما تستحقيه جزاء اختياركِ الخاطئ.

وبالفعل ما إن امتدت يد الفتاة لتتلمس صدره حتى قبض على معصمها بقبضة فولاذية ورمقها باشمئزاز قبل أن يلقيها بقوة تجاه ماركو الذي حاول تفاديها ولكنها سقطت على قدميه مما جعله يبتسم بحماس ويستعد لف ذراعه حولها قبل أن تقف مسرعة وتجر ما تبقى من قيمتها التي لم تكن لها وجود من الأساس لتغادر بعدها المكان بأكمله. زفر ماركو بإحباط واقترب من صقر يدنو من أذنه ويتحدث بعلو حتى يسمعه وسط تلك الضوضاء قائلاً باستفهام:

–أتأتيك النعمة وترفضها يا رجل؟ لو لم تكن مسلماً لظننت أنك تنوي الترهبن. ماذا دهاك يا رجل لقد أصبحت في عمر الرابعة والثلاثون ولم تواعد معشر النساء وعليك أن تختبر إمكانياتك مع إحداهن، يراودني القلق تجاهك. باغته بنظرة شك ليتابع بتساؤل وخبث واستفزاز: –أم أنه ليس لديك إمكانيات؟! باغته الآخر بنظرة كفيلة لتثبت ما هو قادرٌ عليه دون نطق كلمة أو إصدار حركة واحدة.

فقط نظرة لطالما عُرف بها جعلت هذا الذي تفوه بتلك التراهات يتراجع متحمحماً ويردف قائلاً لينجو بنفسه: –إهدأ يا رجل، إنها مجرد مزحة، مزحة سيئة للغاية. نعم هو خلال سنواته تلك لم يقترب من معشر النساء على عكس ماركو المتعدد العلاقات. ولكن ليس لأنه سيترهبن كما يقول هذا. كل ما في الأمر أن هناك وصية ينتظر تنفيذها. وللحق فهو إلى الآن لم تستهويه أنثى رآها.

لذلك فإن الوشم المطبوع على يسار صدره والذي لم يكن سوى جملة كتبت بالإيطالية (هنا لا يوجد قلب) لم يكن من فراغ. لأنه وبرغم قسوته مع ضحاياه إلا أن المقصود من جملته هو تحذير لأي أنثى بالاقتراب منه. *** بعد ساعة أو يزيد. كانت ناردين تترجل من سيارة أجرة نقلتها إلى هذا العنوان وأمام ذلك الملهى فهي لا تفضل استعمال سيارتها ليلاً.

حاولت مهاتفة مايا عدة مرات أخرى ولكن الثانية لا تجيب مما جعلها تأتي إلى مكان لم تطأه قدماها منذ أن أتت إلى تلك المدينة لتدُرس وبعد أن تركتها وانتقلت مع والديها للعيش في ميلانو خصوصاً بعد تلك الحادثة الخاصة بـ ليردو التي ظلت في حالة صدمة على آثارها دامت لأشهر. لذا قرر والداها ترك المدينة والانتقال لغيرها وذلك بعد أن علم شفيق حقيقة مديره وهذا الليردو الملعون.

ولكن نظراً لحب نارة في دراسة الأدب التاريخي فقط استطاعت اقناع والديها لتعود لبولونيا. نعم فقد أتت منذ خمسة أعوام لتلتحق بجامعة بولونيا الإيطالية قسم الأدب التاريخي وقد أنهت دراستها الجامعية كما انتهت لتوها من رسالة الماجستير في الأدب التاريخي. لذلك فإن مايا أتت لتقضي معها العطلة ككل سنة ثم تعودان لميلانو سوياً حيث والداهما.

خطت باتجاه المكان الذي يتوافد عليه أشكال كانت دائماً تتجنبها ولكن بسبب تهور شقيقتها أصبحت مضطرة للتعامل معها. توقفت عند الباب وقد بدأ التوتر يتوغلها لذلك وجدت فكها يرتعش فهذا يحدث معها كلما توترت. نظرت للمكان باشمئزاز وخصوصاً تلك الحوائط البشرية الذين يقفون على الباب ليمنعوا أي اشتباك يحدث مع الزبائن التي تخرج شبه غائبة عن الوعي من أثر الكحول. تقدمت منهم مجبرة وهي تلعن سراً مايا على وضعها في هذا الموقف.

تحمحمت وحاولت تهدئة نفسها ثم رفعت نظرها تطالع أحدهم قائلة: –إذا سمحت هل يمكن أن تنادي شقيقتي من الداخل؟ أنزل نظره إليها، يطالعها من رأسها حتى أخمص قدميها. صغيرة جداً بالنسبة له ولكنها صهباءٌ كفرسة بذلك الذيل من الخصلات النارية الذي وصل لآخر ظهرها. لوّنه كأنه خرج من الجحيم لتوه. عيونها تتلون مع الأضواء الصادرة من المكان. ملابسها محتشمة زيادةً عن اللزوم جعلته يبتسم ساخراً ويردف بوقاحة:

–لولا ملابسكِ تلك لكنت ظننتكِ بالغة، هيا من هنا أيتها الطفلة، اذهبي للنوم. نظرت له بشراسة، وتوقف فكها عن الارتعاش وتحدثت محذرة بثبات ظاهري وثقة: –إن لم تنادي شقيقتي الآن سأريك إن كنت طفلة أم بالغة أيها الأحمق. حسناً، هي لا تعلم كيف تفوهت واستطاعت تهديد ذلك الجدار البشري. فهذا لم يكن من الذكاء أبداً، ماذا إن رفض طلبها؟ كيف ستواجهُ حينها؟ ولكنها درست في علم النفس الذي تقدره أن لا تظهر خوفها لمن تخافه.

أن تبدو أكثر ثقة أمامه حتى يخشاها. ولكن مع هذا الوحش مؤكد أخطأت في نظريتها. فلتكفِ ناردين عن معلوماتك الآن فأنتِ تستخدمينها في المكان الخطأ. أحب هذا الوحش شراستها وبالرغم من قدرته على ردعها وجد نفسه يبتعد ويشير بيده قائلاً بتسلية ساخراً: –حسناً أدخلي وابحثي عنها بنفسكِ أيتها الصغيرة. ها هو يعود إليها التوتر ويرتعش فكها مجدداً. الآن رمى الكرة في ملعبها، كيف ستدخل إلى هذا المكان الكريه؟

رائع هيا استعملي نظريات علم النفس خاصتك أيتها الجدباء. حسناً ناردين أهدأي فقط ستجلبي تلك الغبية من الداخل وتخرجي على الفور. حفزت نفسها بتلك الكلمات وسحبت شهيقاً قوياً ثم خطت تدلف بتوتر وبطء مميت. وكلما اتخذت خطوة للداخل شعرت بالاختناق والضيق كأن روحها تصعد للسماء. وصلت للساحة المغلقة التي تعج بالبشر. توسعت عينيها مما تراه.

كانت ترى تلك المناظر على شاشة التلفاز وتبدلها بغيرها ولكن هذا يحدث أمام عينيها ما جعلها تتقزز وتشعر كما لو كانت ستتقيأ. رائحة المشروب تفوح المكان والضوضاء الصاخبة والحركات البذيئة. أغمضت عينيها لتتجاهل ما يحدث. حاولت تصفية ذهنها. محاولة إقناع العقل الباطن بأن يهيأ لها إن هذه إحدى الميادين العامة وليس ملهى ليلي. فهذه الطريقة دائماً ما كانت فعالة معها، وتعلمتها من علم النفس ايضاً.

أن تحاول إقناع العقل الباطن بفكرة معينة تريدها فقط عليك التركيز جيداً. ولكن كيف سيحدث مع تأثير الثلاث حواس ناهيك عن عينيها المغمضة. فهناك أنفها الذي يشم رائحة الكحول وأذنها التي تستمع لكلمات تجعلها تحبس أنفاسها وجسدها الذي بدأ يشعر بلمسات مقززة جعلتها تنتفض وتفتح عينيها لتبتعد كمن لدغتها حشرة سامة وهي تنظر لمصدر تلك اللمسات.

وحينما وجدتها فتاة تتمايل غير منتبهة يبدو عليها اللا وعي زفرت بارتياح وعادت عينيها تبحث عن شقيقتها. بدأت تتقدم وتبحث حتى وقعت عينيها عليها تقف في الطرف الآخر وتتمايل كغيرها. وكم آلمها هذا المنظر، كم حزنت لأجل شقيقتها وما وصلت إليه. أولم نتعلم سوياً تعاليم إسلامنا؟ أولم نتعلم سوياً الخطأ من الصواب؟ لما يا مايا، لما انحرفتي عن ذاك الطريق لتنعطفي إلى هذا المسار المتعرج؟ وما تلك الحياة التي تريدينها؟

كانت هذه أسئلة عقلها الحزين عن ما تراه. تقدمت منها مندفعة حتى توقفت أمامها ثم مدت يدها تلفها إليها فقابلت وجهها الناعس وأدركت للتو أنها تناولت المشروب فهذا ما يتضح من معالم وجهها. حسناً غضبت وبشدة ولكن ليس هذا المكان المناسب للعقاب والغضب. فقط لتخرج بها من هذا الجحيم وليكن لكل مقامٍ مقال. تحدثت ناردين ببرود ظاهري ولغة مصرية: –امشي معايا. ضحكت مايا وبدأت تتلوى غير واعية ثم سحبت ناردين إلى أصدقائها لتعرفها

عليهم قائلة بتخبط وتيه: –ها هي شقيقتي التي كنت أحدثكم عنها، انظروا إليها كم هي جميلة. عادت ناردين تسحبها وتتحدث ضاغطة على أسنانها بغضب: –قلت يالا نمشي من هنا حالاً. هزت مايا رأسها وهي تشير بسبابتها قائلة: –تؤ تؤ تؤ، لسة شوية صغيرين أااااد كدة، تعالي جربي المشروب ده هتتبسطي أوي. قالتها وهي تقرب من فم شقيقتها الكأس الذي بيدها لترغمها على تناوله. فرفعت ناردين يدها تنفضه بقوة مسقطة إياه أرضاً ليتهشم وسط من يقفون.

كان قد لاحظ ذلك الذي يجلس من بعيد برغم الضوضاء والصخب إلا أن عيونه الحادة تبحث عن كل ما هو شاذ ومخالف لهذا المكان. ولكنه لم يقم بأي رد فعل، فقط يتابع بصمت وترقب وهو يتناول مشروبه بهدوء مميت. فمن يراه لا يصدق أنه يجلس في ملهى ليلي صاخب بل يبدو كمن يجلس على الشاطئ منفرداً. تقدم صديق مايا الذي يتابع ما يحدث وأردف بغضب من تلك الشقيقة المتسلطة: –هل أنتِ غبية؟ لقد أخبرتكِ أنها لا تود الذهاب معكِ، اتركيه وارحلي.

لم تعيره ناردين أي اهتمام كأنه شفافٌ لا يرى. فقط حاولت سحب يد شقيقتها عنوةً عنها لتخرج بها. فاقترب هذا الشاب منها ومد يده ليتمسك بيدها يمنعها. ولكن ما إن شعرت بلمسته عليها حتى التفتت فجأة وصفعته بيدها الحرة على وجنته صفعة قوية مفاجأة جعلته يتوقف لثوانٍ يستوعب ما حدث. حتى هي صدمت من فعلتها الجريئة تلك. انصدم ذلك الشاب لثوانٍ، فلم يتجرأ أحدهم طوال سنوات حياته على فعلتها. وقبل أن يمد يده ينوي صفعها بمثل.

حتى أن العقل أرسل إشارة للجسد أن يقوم بفرد درع حمايته والذي لم يكن سوى أهدابها التي انكمشت وملامح وجهها التي احتضنت بعضها استعداداً لما هو قادم. كان هذا البارد الحاد قد أشار بإصبعه لإحدى رجاله القريب من موقعها أن يمنعه. وبالفعل بدلاً من أن تنزل يد هذا الشاب على وجنتها نزلت في قبضة هذا الرجل الذي أحكم على يده وتحدث لها بجمود وبنبرة ضخمة: –هيا خذيها وارحلي الآن. فتحت عينيها تطالعه بذهول.

تود لو تشكره فقد كانت تتوقع صفعة. وحقاً فعلتها وهي تسحب شقيقتها التي بدأت تفقد وعيها وتترنح منها لتردف قبل أن تندفع بها للخارج: –شكراً لك. نجحت أخيراً في الخروج وأوقفت سيارة أجرة وغادرت من هذا المكان الرديء هي وتلك التي بدأت تسترخي وتنام على كتفيها بتعب. نظرت لها بغضب. ودت لو صفعتها هي بدلاً عن ذلك الشاب ولكنها تعلم أن الأمر معها لن يجدي نفعاً وعليها التأني قليلاً والتصرف معها بحكمة.

تنهدت بقوة وهي تحمد ربها أن الأمر مر مرور الكرام وخرجتا من هذا المكان دون حدوث أي أمرٍ مزعج. وهي لا تعلم أنها أحيت مشاعر ميتة وجديدة داخل هذا الجسد الذي لا يوجد به قلب كما يدعي. عاد الرجل بعد أن عاقب الشاب الذي ود صفعها عقاباً يناسب ما فعله. توقف أمام صقر الذي أشار له بيده فانحنى بالقرب منه ليسمع ماذا يريد. اقترب صقر من أذنه وتحدث بنبرة باردة تشبه صقيع القطب الشمالي قائلاً:

–قبل أن تشرق شمس الصباح يكن في يدي ملف يذكر أصغر تفاصيلها. بالطبع يقصد ناردين وهذا ما فهمه رجله ذو الملامح الإفريقية والبشرة السمراء. أومأ له إيماءة واحدة ثابتة وتحرك ليبدأ بالبحث عن تلك الحورية ويجلب ما جاء به لسيده قبل الموعد المحدد. *** في مصرفي هذا المنزل الذي يبدو أنه حديث البناء. والذي شيده سامح ناصر الجارحي والذي أصبح يبلغ من العمر ثماني وثلاثون عاماً.

فقد تزوج منذ ست سنوات من فتاةٍ طيبةٍ تدعى زينب وأصبح لديه طفلة تدعى ريما تبلغ 4 سنوات فقط. بنى سامح هذا المنزل الذي يحتوي على 3 طوابق. الأول قام بفتحه محلاً تجارياً لبيع قطع غيار السيارات. والثاني لوالدته عفاف. والثالث له. صعد سامح منزله بعدما أغلق محله وغادر العمال المساعدين له. وكالعادة طرق باب والدته ليطمئن عليها أولاً قبل صعوده لمنزله. فتح بالمفتاح ودلف ينادي: –يا حاجة عفاف؟ تحدثت من الداخل بحنو:

–تعالى يا حبيبي أنا هنا أهو. تتبع الصوت حتى وصل إلى غرفتها. كانت تصلي فريضة العشاء وانتهت لتوها. حاولت الاستناد لتقف فساعدها ووقفت ثم اتجهت تجلس على المقعد الجانبي مردفة بحنو: –خلصت شغلك يا حبيبي؟ اتأخرت النهاردة يعني؟ جلس مقابلاً لها وتحدث بملامح مجهدة: –ولا اتأخرت ولا حاجة، أنا بس قعدت مع نفسي تحت شوية. مدت يدها تضعها على يده متسائلة بقلق: –مالك يا حبيبي؟ فيه حاجة مزعلاك؟

زفر بقوة لتبدل نظره من الإرهاق إلى السخرية ليتحدث قائلاً: –محطيش في دماغك يا أم سامح، ده العادي بتاع كل يوم، يمكن من تعب الشغل بس. ربتت عدة مرات فوق يده قائلة بنبرة متأملة: –بكرة ربنا يكرمك آخر كرم ويبقى عندك بدل المحل اتنين وتلاتة. إنت طيب وعندك ضمير يا حبيبي وشوفت كتير أوي وربنا هيجازيك خير. رفع كفه من بين يدها ليزفر بقوة حتى يهدئ من غضبه. دائماً حديثها لا يطمئنه بل يزيده عليه ليقول تلك المرة بنبرة تحمل

القليل من الحدة والهجوم: –مالوش لزوم كلامك ده يا حاجة، أنا نصيبي كده خلاص، نصيبي وراضي بيه. مع إني عارف إن ربنا ميرضاش بالظلم، بس أنا اتظلمت أوى أوى، أنا أكتر واحد اتظلمت يا ام سامح. لما يبقى واحد عايش برا من أغنى أغنياء إيطاليا وعنده شركة ومصانع وأملاك ملهاش أول من آخر وأنا هنا عايش بوضعي ده وحالي ده؟ يبقى ميزان الدنيا مش مضبوط ياحاجة، يبقى العدل في السما.

وأنا هقف بين إيدين ربنا وهقول ياااارب مش مسامحه لا هو ولا ابنه، وهفضل أدعي عليهم طول ما أنا عايش. شعرت بوغزة تثقب قلبها لتقول بلوم وحزن: –يابني حرام يابني، ده مهما كان أبوك ومتجوزش عليه غير الرحمة. وبعدين كل اللي التاني فيه ده مش من أبوك، ده من عيلة أمه، ما انت عارف أنهم عيلة غنية أووي في إيطاليا. كل واحد بياخد نصيبه يا بني، والحمد لله إحنا ربنا نعم علينا بالستر والصحة وهو بقى ربنا يبعده عننا.

ولو عايز تلوم حد يبقى مش أبوك يا سامح، اللوم على اللي لفت عليه زي الحية وخلفت منه علشان تبعده عننا. أبوك ميجوزش عليه غير الرحمة والدعاء. نظر لها بغضب. كل ما يقيده عن البوح بما في داخله أنها والدته. إلى الآن تدافع عنه وتخلق له الأعذار؟ إلى الآن تبعد عنه أي تهمة أو ظن حتى بعد كل ما تعرضوا له بسببه؟ ألهذه الدرجة هي مغيبة. وقف على قدميه فهو لم يتحمل المزيد من هذا الحديث المنهك لروحه ليردف وهو يتجه صوب الباب:

–تصبحى على خير. ولج يغلق الباب خلفه بحدة انتفضت على أثرها، لتزفر بقلة حيلة مقتنعة أنها على حق. توجه للأعلى حيث شقته، فتح ودلف ليجد صغيرته تركض عليه، الوحيدة القادرة على انتشاله من حزنه. لتردف وهو يحملها: –بابااااا، جبت لي إيه؟ حملها يقبلها مبتسماً ثم مد يده في جيبه ليخرج منها قطعتين من الشوكولاتا المغلفة قائلاً وهو يمدها لها: –واحدة ليكي وواحدة لماما.

قبلته على وجنته لتتململ بين يديه حتى يتركها وبالفعل انزلها لتركض للداخل تنادي والدتها. جاءت زينب تنظر لزوجها بحب قائلة: –حمدالله ع السلامة يا حبيبي، يلا ادخل خد شاور لحد ما أجهز العشا. نظر لها بعمق فهي من تربت على حراجه كل ليلة، يخبرها بما في داخله فتمتص أحزانه وتبدلها بالقليل من الجبر. أردف بحنو متسائلاً: –جبتلك الشوكولاتا؟ أومأت تلوح له بها فأخرج واحدة أخرى من جيبه ليناولها لها قائلاً:

–دي كنت جايبها لأمي ونسيت أديها لها، أبقى أديها لها الصبح وإنتِ نازلة بقى. علمت أن هناك ما يزعجه لتتساءل بترقب: –هو أنت وماما عفاف زعلتوا ولا إيه؟ هز رأسه وهو يداري عينه ليتحدث وهو يخلع ملابس عمله: –لا يا زينب مافيش حاجة، يلا ادخلي انت اعملي العشا ولما ريما تنام نبقى نتكلم. أومأت له وتحركت لمطبخها وتوجه هو لحمامه كي يغتسل. *** وصلت ناردين إلى مسكنها.

ترجلت وحاولت سحب شقيقتها المرتخية تماماً ونجحت بصعوبة تلف ذراعها حول خصرها وتدلف بها المبنى. كانت شقتها صغيرة كاستديو تقطن فيه. صعدت الطابق الثاني وفتحت الباب بصعوبة ثم دلفت هي وشقيقتها وأغلقت خلفها. ألقاها على الأريكة تلتقط أنفاسها بقوة بعد عناء وتطالعها بضيق وغضب. لتقرر بعد ذلك تحضير كوب من القهوة لها علها تعود لوعيها.

خلعت معطفها وبالفعل اتجهت إلى المكان المخصص لصنع الطعام وبدأت تحضر قهوة سريعة التحضير ثم عادت إليها بعد دقائق تجلس مجاورة وهي تحاول إفاقتها وتنكزها قائلة بالقليل من الحدة: –مايا، مايا اشربي دي هتفوقي، مايا ردي عليا. كانت شبه واعية تهتز كلما نكزتها وهي تمتم بالإيطالية: –هيا لنرقص صلصاااا.

زفرت ناردين بحنق ثم أنار مصباح عقلها بفكرةٍ ما فوقفت تخطو إلى الثلاجة وفتحتها تلتقط منها زجاجة مياه باردة ثم عادت إلى شقيقتها ووضعت حفنة من المياه في كف يدها الصغير لتقوم بنثرها في وجه مايا التي انتفضت من برودة الماء قائلة بضيق وتهكم بعدما أفزعها وفاجأها الماء البارد: –بس بقى يا ناردين، بطلي رخامة، عايزة مني إيه. وضعت ناردين المياه جانباً وتناولت القهوة تمدها لها وتضعها بين راحتيها مردفة بحدة ولغة آمرة:

–اشربي القهوة دي حالاً، وفوقي علشان نتكلم. تمسكت مايا بالقهوة بعدما أفاقتها المياه قليلاً وبدأت ترتشف بعيون مغلقة إلى أن استعادت جزء أكبر من وعيها ثم نظرت لناردين التي تطالعها بضيق لتعود وتلف وجهها عنها وتكمل قهوتها بصمت. ولكنها على يقين أن الآتي ليس بهين، يبدو أن ناردين تتوعّد لها. *** في إحدى شوارع القاهرة. يخطو هذا الشاب البالغ من العمر تسع وعشرون عاماً في تلك اللحظة.

بعد أن عاد من عمله في الصالة الرياضية التابعة لإحدى الشخصيات الذين كان لهم مساهمة خيرية في دار الأيتام الذي كبر بها. نعم إنه عمر ذلك الشاب الذي ربته أمه لبنى وكم نما وشب على تربيتها الحميدة والتي نشأ بها دون حقد أو تمرد على القدر. وبالفعل عمل بها واستطاع أن يصرف على جامعته بنفسه وأثبت كفاءته سواء في الدراسة أو العمل، وكان دوماً عند حسن ظن من يتعامل معه.

حتى أنه منذ عامٍ واحد اشترى شقةً في إحدى الوحدات السكنية الجديدة في القاهرة بنظام التقسيط وبالطبع لم يغفل ثانية عن زيارة والدته الروحية لبنى بل يتردد عليها يومياً ويظل معها مدة طويلة ثم يعود أدراجه فهي حقاً أمه دون شك. تقدم بعد جامعته لخطبة زميلته التي أُعجب بها ولكن كُسر خاطره بعد رفضه بسبب نشأته الغير معلومة. لم يكن منه إلا الانسحاب على الفور حافظاً ماء وجهه.

ومنذ ذلك اليوم إلى هذا الوقت لم يتقدم لخطبة إحداهن أبداً. فقط كرس حياته للعمل والعبادة والتبرع بما يستطيعه شهرياً للدار. دلف منزله وأغلق الباب ثم أضاء المصباح الجانبي فأسرعت إليه كيتي تحك فراؤها في قدمه بسعادة. دنى يحملها ويمسد بيده على فروتها الناعمة ثم خطى للمطبخ ليضع لها الحليب والطعام في وعائيها وأنزلها لتأكل ثم تركها وأتجه لغرفته ليبدل ثيابه ويغتسل ليتوضأ ويؤدي فرضه.

بعد دقائق انتهى وجلس ليتابع مسلسله التركي المفضل (ابنة السفير) نظراً لاسم البطلة الذي يذكره بتلك الصغيرة (نارة) ابتسم وهو شارد في مسلسله يفكر كيف أصبح شكلها الآن وكيف هي وهل ستعود أم ستظل في الخارج وهل سيراها مجدداً أم لا. إلى الآن يشعر تجاهها بمشاعر حماية وأخوة تنمو يوماً عن يوم. هل يمكن أن هذه المشاعر تنسب لتعلقه بها منذ أن كانت تبلغ فقط بضعة أشهر. عندها أحس كما لو أنها شقيقته الصغرى وهو المسؤول عنها.

وزاد هذا الشعور بعد تعلق نارة الشديد به وباتت تقضي معه معظم الوقت إلا النوم بالطبع. زفر وعاد يتابع مسلسله حتى إلا أن كيتي أتت إليه بعد أن انتهت من تناول وجبتها والتصقت به تتابع معه المسلسل المفضل لديها أيضاً فهي تحب كل ما يحبه عمر. *** فجراً في إيطاليا. وصل صقر أمام القصر وترجل من سيارته يحمل في يده ملفاً أتى به رجله منذ قليل.

صعد الدرجات المؤدية للبناء بثبات وفتح الباب ودلف يخطو خطوات ثابتة وواثقة ثم صعد الدرج ومنه إلى جناحه الملكي الذي يعتبر قلعته الخاصة بعيداً عن غرف الجميع. وكان هذا مكافأة ميشيل له بعد إثبات قدراته في كل ما أراده منه أن يفعله. دلف الجناح ومنه إلى السرير الكبير الذي وبرغم مساحته يعد لا شيء بالنسبة للغرفة. ألقى الملف عليه وأتجه على الفور لحمامه ينزع ثيابه دون عناء ويلقي بها في سلة الغسيل كأنه يلعب كرة سلة.

ثم اتجه ليأخذ حماماً بارداً يزيل به أثر المشروب وملامحه تخبئ في أعماقها الكثير. خرج بعد دقائق يجفف جسده بالمنشفة ثم ارتدى سروالاً فقط وتحرك لسريره يجلس عليه منفرجاً ومستنداً على إحدى الوسائد. مد يده يتناول الملف وبدأ يحركه بين يده بشرود. يفكر في تفسير ما أصابه حينما رآها، وتلك الحالة الفضولية الغريبة عليه في استكشافها. وجرأتها وثيابها وملامحها، كل تلك الأمور شاذة بالنسبة لحياته لذا شغلته.

ثبّت نفسه ليبدأ بفتح الملف حتى ظهرت صورتها واسمها ناردين شفيق الدقاق. مصرية. مسلمة. تلك الكلمات البسيطة جعلته يبتسم، وهذا نادراً ما يحدث. وفي لمح البصر حل الجمود ملامحه مرةً أخرى كأنه يلوم فمه الذي ابتسم. ثم أكمل قراءة ما دوّن حتى توقف عند تلك الجملة. (تعشق الورود الحمراء والقراءة والقهوة والشتاء والثلج وعلم النفس) حسناً، بدا هذا الأمر مشتركاً بينهما. ناهيك عن الورود بالطبع التي سيحل محلها الأسلحة.

ولكنه هو أيضاً يحب القراءة والقهوة. كما أنه عاشقٌ لعلم النفس الأسود الذي سيستعمله للإيقاع بها. علم عنها الكثير وعما تحب وعما تكره. عن دراستها وأهلها وعنوانها. ولكن شيئاً واحدًا لم يكن مدوناً في هذا الملف. ألا وهو طفولتها وحقيقة أصولها. فبحثه كله داخل حدود إيطاليا فقط. لذلك زفر وأغلق الملف بعد قراءته بتركيز تام لساعات ثم نظر للأمام بعيون الصقر يردف بالإيطالية بنبرة واثقة متعالية: –إذاً حان وقت تنفيذ الوصية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...