شيء ما في أعماقه أرادها، شيء بداخله تمسك بها ككف جنين خرج للتو من رحم أمه وتمسك بإصبعها، وكم كانت يده ضعيفة وقبضته هاوية، ولكن تأثيرها على كليهما عظيم. *** ما زلنا في نفس المرحلة الزمنية، وهي قبل عام من الوقت الحالي.
استيقظت مايا تشعر بقوى تطرق عقلها دون هوادة، طنين في أذنيها وألم حاد في رأسها. تأوهت وهي تمسك رأسها بكفيها واعتدلت لتجلس على تلك الأريكة التي غفت عليها ليلة أمس بعد أن ارتشفَت القهوة، مما جعل ناردين تؤجل الحديث إلى أن تستيقظ، لذلك دثرتها بالغطاء واتجهت تتمدد على السرير الخاص بها.
استيقظت ناردين على صوت آهاتها، فترجلت وفتحت الكومود الجانبي وهي تعلم جيدًا أن هذا ما سيحدث مع شقيقتها التي تناولت كمية ليست قليلة من المشروب لأول مرة وهي بالكاد أكملت عامها الـ 17. فهي دائمًا ما كانت تقرأ عن أضرار الكحول على الجسم والعقل، فالإفراط فيه يعمل على نقص مستوى الزنك في الجسم، وهذا ليس مناسبًا تمامًا لها، فهي دائمًا تعشق التباهي بملامحها وجسدها وخصلاتها.
كل هذا وأكثر تعلمه ناردين جيدًا، وهذا ما أحزنها على شقيقتها الصغيرة. تحركت مسرعة إليها، تناولت القرص المسكن وكوب ماء، قائلة بحنو مغلف بالقسوة: –خدي اشربي دي، الصداع هيخف. تناولت منها مايا الحبة والماء وارتشفته على عجالة دون النظر إليها، ثم عادت تضغط على عقلها بكفيها وتغلق عينيها متألمة، علّ هذه الحركة تخفف من حدة الألم.
زفرت ناردين مستغفرة، ثم وقفت واتجهت تحضر فطورًا لهما إلى أن تبدأ الحبة مفعولها لتستطيع التحدث إلى شقيقتها. *** في قصر عائلة مراكو. العائلة التي تجردت من ديانتها واتبعت سبيل المصالح والأعمال ودنيا الشهوات والمال والمؤامرات. يجلس ميشيل خلف مكتبه يتحدث عبر الهاتف يتلقى أوامر مهمته الجديدة من حلفائه ورؤساء تلك المؤسسة المظلمة. تحدث بجمود وملامح قاسية يتميز بها الفاسقون فقط: –وما هو الموعد المحدد لتنفيذ تلك المهمة؟
قال زعيمه والممول لكبار رجال المافيا الإيطالية: –بعد أسبوعين من الآن، والأهم أن يكون قائدها هو صقر وليس شخصًا غيره.
زفر ميشيل وشرد، هو يعلم سبب هذا الأمر، فكفاءة صقر تؤهله للمهام الصعبة دائمًا، ويرجع الفضل في تلك الكفاءة له، حيث أراد أن ينتزع منه هويته ونبتته الصالحة التي حاولت شقيقته زرعها به كما نزعت من والده قبله، أراد أن يترعرع على الفساد والقتل ليصبح كتلة شر متحركة تنفذ أوامرهم بمنتهى الدقة والاحتراف. انتزع حقه في الطفولة الهادئة وفي التعليم الصحيح وفي اللهو والمرح والتعاليم الدينية لينشئه على هواه ويصبح نسخة مصغرة منه.
تحدث ميشيل أخيرًا ناهيًا النقاش: –حسنًا، سيتم الأمر بسلام ولن يحدث أي خلل. أغلق الخط ورفع هاتفه يطلب رقم صقر الذي استيقظ لتوه، وها هو يدخن سيجارته ويستند على مقعده يفكر في عدة أمور، من ضمنها تلك النارية التي كانت ضيفة أحلامه. يضع خطة ملتوية في عقله الخبيث ليأسرها بها ويوقعها في شباكه دون أن يصرح عن هويته الحقيقية، فقط هو رجل الأعمال المعروف بنزاهته كباقي عائلته.
قاطع أفكاره رنين هاتفه. تناوله وفتح الخط يجيب بجمود وثبات يمتاز به في أشد لحظات القلق: –هل رأيتني في أحلامك أم ماذا؟ تحدث ميشيل بنبرة مسمومة مغلفة برحيقٍ كاذب: –صباح الخير يا أسدي، هل نمت جيدًا أيها الصقر! هيا استعد للجديد، انتظرك في مكتبي.
أغلق صقر وسحب دخان سيجارته إلى رئتيه ثم نفثه بقوة حوله فأصبح دخانًا مبعثرًا كضباب يخفي معالم الحقيقة، وهذا ما يحدث بداخله. كلما حاولت شمسه أن تسطع ويعود لقديمه قبل وفاة والدته، منعه ميشيل بالمهام المعقدة والأحاديث الكاذبة والفتن، فعاد ينهش الضباب رأسه ليخفي معالمه ويخمدها ليعود صقر الذي لا يقهر أبدًا.
أطفأ سيجارته في مطفأتها ووقف بثبات يتحرك بخطى باردة إلى أن وصل لخزانته، فتحها ودس فيها ملف ناردين ثم أغلقها والتفت ليفتح باب غرفته ويخطو بخطى واثقة ليرى ميشيل ويسمع مهمته الجديدة. وصل إليه وطرق الباب طرقة واحدة فقط، ثم لف مقبضه ودلف يطالعه بثبات، بينما ميشيل يتلاعب بحاسوبه كتلاعبه بعقول من حوله، حتى هذا الصقر. جلس صقر أمامه ووضع ساقًا فوق أخرى وتساءل بتأهب: –أسمعُكَ؟ شبح ابتسامة على هذا الوجه البغيض، ثم تحدث وهو
ينظر داخل عين صقر بترقب: –كنيسة (Enlightened Minds) ، الموعد بعد أسبوعين من الآن. ضيق صقر عينيه مستنكرًا ما سمعه. علميًا تتحكم بعض الجينات الوراثية بشخصياتنا، بالإضافة إلى التجذيرات التربوية في الصغر، مع قليل من بقايا الضمير الأبكم لتكون إنسانًا صحيحًا مسجونًا داخل قوى عظمى تابعة لإنسان فاسد. تحدث متسائلاً: –كنيسة؟ وما شأننا نحن بدور العبادة؟ ضحك ميشيل ساخرًا ورد بتهكم: –وهل لنا شأن أو اختيارات يا فتى؟
كلها مهام نُكلف بها، ولا يسعنا سوى التنفيذ، فهم دائمًا على حق. زفر بقوة ثم تحدث بهدوء يخفي تساؤلاته وغضبه من حديث خاله وكأنهم دمى: –أخبرني فائدة واحدة من استهداف تلك الكنيسة؟ لماذا؟ مؤكد سيكون هناك أبرياء. نظرة كره وغضب مرت سريعًا في عين ميشيل له، ها هو يعود لمكان لا يريد أن يصل إليه أبدًا، يتحدث بطريقة يخشاها ويخشى حتى التلميح لها، لذلك تحدث بنبرة سوداء قاسية: –عن أي أبرياء تتحدث؟
بعد أسبوعين من الآن سيقام هناك حفل زفاف عضو البرلمان (جيستن راي) الذي يهاجمنا عبر مواقع التواصل ويشن علينا حربًا شرسة، بل ويطالب بالتصدي لنا والتخلص منا، وكأننا مذنبون. نحن لا نقتل أبرياءً أبدًا، جميعهم يستحقون هذا المصير، جميعهم قتلة. أنسيت والدك الذي تم قتله على يد أمثال هؤلاء؟ هل تعتقد أن مورس فقط هو قاتل والدك؟
كلهم اشتركوا في ذلك، وهذا النائب يفعل مثلهم، يظهر عبر الشاشة كالملاك المنقذ ويظهرنا نحن الفاسدون، يريد قتلك وقتلي وقتل المجموعة بأكملها، وذلك الحفل ما هو إلا غطاء لإدارة أعمالهم في الداخل والتخطيط لعمليات ضدنا. لذلك علينا حماية أنفسنا، لابد أن نتناولهم على وجبة الغداء قبل أن يلتهمونا هم عشاءً. هل فهمت؟
الأديان كلها خطر على البشر، إن أردت أن تعيش ملكًا يهابك الجميع عليك فقط التجرد من أي دين تتبعه، كن عابدًا فقط للقوة وإلا اصطادك الذئاب، عليك أن تكون أنت الذئب. وقف صقر، ألغى عقله المظلم تمامًا، يخشى التدبر أو التفكير، بل هو أصبح بعيدًا تمامًا عن هذا الطريق، أصبح يرى الباطل حقًا والحق باطلًا كما أوهمه ميشيل عبر سنوات عدة، استطاع أن يبدله لآلة يتحرك بها على هواه، ولا منقذ له منه إلا بأمر الله. لذلك مد يده وأردف:
–أعطني ملف تلك العملية وسأدرسه ثم سأخبرك بقراري. ناوله ميشيل الملف سريعًا، فالتفت ليغادر بعد أن أخذه، ولكن قبل أن يخرج ناداه ميشيل قائلاً: –صقر. التفت له يطالعه بصمت وثبات ينتظر، فأكمل ليقطع الشكوك والتساؤلات داخله: –فكر جيدًا وتعلم من الماضي، كف عن استعمال عقلك هذا في الأماكن الخاطئة، تلك حياتنا، فهدفنا أعمق من هدف رجال الشرطة، نحن نريد السلام والقوة والمال معًا.
باغته بنظرته الحادة ثم التفت ليغادر دون إضافة حرف، تاركًا ميشيل في حالة من القلق والترقب تراوده دوماً بخصوصه، يخشى هدم ما بناه لسنوات، لقد بنى معمارًا عظيمًا بداخله من القسوة والجمود واستعان بأمهر الأدوات كي يقاوم هذا البناء كل المبادئ والتساؤلات، لن يسمح بسقوطه، لن يسمح أبدًا، فسقوط صقر وحطام شخصيته الحالية يعد مقبرةً له ولعائلته. *** تجلس ناردين مع مايا تمرر يدها على خصلاتها بحنو مردفة بصدق وهي تنظر داخل عينيها:
–قوليلي بقى عملتي كدة ليه يا مايا؟ تأففت مايا بضيق ثم أبعدت يد شقيقتها وتحدثت بتهكم: –يو بقى يا ناردين، هتبدأي مواعظ ونصايح أنا زهقت منها، أنا مش لسة صغيرة أنا كبيرة وواعية وأعرف مصلحتي كويس. نظرت لها ناردين بعمق لثوانٍ ثم أومأت عدة مرات وتحدثت بهدوء يخفي حزنًا داخليًا وقلقًا:
–تمام، تمام يا مايا، إنتِ كبيرة وواعية وعارفة مصلحتك وبتخرجي مع شباب وبتسهري في أماكن مش كويسة وبتشربي كحوليات، تمام، لو هي دي الحياة اللي إنتِ حابة تعيشيها أوكي، كملي، لو شايفة في ده متعة ليكي استمري، بس يا ترى آخر ده إيه؟ هتفضلي كده لامتى؟ سنين عمرك وحياتك فايدتهم إيه؟ أفدتي الناس بإيه؟ مدت يدها تلقن موضع عقل شقيقتها بأصابعها عدة مرات مرددة بقليل من الحدة:
–عقلك ده لازم يشتغل، عقلك اللي ربنا ميزنا بيه عن كل المخلوقات لازم يفكر وإلا هتبقى زي أي جماد. ابتعدت مايا عن موضع أصابعها تطالعها بحدة وصمت، تحاول استيعاب حديثها، ولكن لا تظهر ذلك. التقطتها ناردين فهي تعلم شقيقتها، لذلك أكملت بنبرة لينة وحنو لتنجح في التأثير عليها:
–مايا إنتِ قيمتك أغلى من كده، أغلى من البنات اللي أنا شفتها في المكان ده، إنتِ مكانتك عالية عنهم كلهم، مافيش بنت من البنات دي تصلح تبقى قدوة لنفسها أو حتى للمجتمع، مافيش بنت زيهم كده ذكرها التاريخ بإنها كانت عظيمة أو مؤثرة أو شاعرة أو أي شخصية ناجحة، كلهم للأسف بيعيشوا لمتعتهم وبيـموتوا وهم بيدوروا على متعة جديدة لإنهم مشبعوش، كلهم بيخسروا. زفرت بقوة وهي ترى ملامح شقيقتها تلين ثم عادت تكمل:
–أنا مش بقولك متستمتعيش، بلعكس، اخرجي وانبسطي وسافري واتعرفي على ناس بس اتعلمي حاجات تفيدك مش تضرك، خدي من كل حاجة مش كويسة عبرة ومن كل حاجة كويسة علم وفايدة، إنتِ تستاهلي الأفضل يا مايا. قضمت شفتيها بتفكير في كلمات شقيقتها، لم تتحدث بل صامتة، عقلها لم يصل لمرحلة اكتمال النمو بعد، مثلها كحال بنات عهدها يردن التمتع والتلذذ بالملذات فقط، ولكن هناك جزء تأثر بهذا الحديث الذي يبدو منطقيًا، لذلك نظرت لها بعد مدة وقالت:
–أنا ممكن أبطل أروح الأماكن دي يا ناردين بس أصحابي مش هبعد عنهم، هما بيحبوني وأنا كمان بحبهم. زفرت ناردين بقوة، بالطبع هم أصدقاء السوء، ولكن مبدئيًا فابتعادها عن تلك الأماكن خطوة جيدة وستتدرج رويدًا رويدًا في سحبها من يد هؤلاء. أومأت ناردين مدعية الابتسامة وقالت برتابة: –ماشي يا مايا، بس افتكري إن هنرجع مصر في وقت قريب، ولازم تبدأي تودعيهم. تفاقم الغضب داخلها من تلك السيرة وانتفضت تتحدث بتهكم لتعود لتمردها:
–يووو بقى بتفكريني ليه؟ أنا مش موافقة أروح البلد دي، ارجعوا إنتوا وسيبوني، أنا مولودة هنا واتربيت هنا وعايزة أعيش هنا، والكلام ده هقوله لبابي أول ما نرجع. تركتها واتجهت للحمام وجلست ناردين تتنفس لتهدئ من حالتها وتحاول إيجاد حلٍ، يبدو أن عليها إخبار والديها بالأمر. *** لنحلق للقاهرة ولنهبط على هذا المنزل، حيث شقة سامح. استيقظ لتوه على نداء زوجته زينب الحنون، فتح عينيه فالتقت بعينيها تقول بحب:
–صباح الخير، يالا يا حبيبي اصحى الوقت اتأخر. تنهد بهدوء ثم تحدث بخمول وملل: –خليني نايم يا زينب، مليش مزاج أنزل الشغل النهاردة. جلست جواره على الفراش تملس بيدها على رأسه متسائلة بقلق، فهي تلاحظ حالته منذ أمس ولم يخبرها كعادته، لذا قالت: –مالك بس يا سامح، من وقت ما طلعت بالليل وانت زعلان كده، حصل حاجة عند ماما تحت؟ تنهد مطولًا ينظف حنجرته ليبدأ في إخبارها بما يحمله قائلًا:
–مبحبش ضعف أمي يا زينب، كرهت استسلامها اللي وصلنا لكده، والمصيبة إنها مفكرة إن كده صح وإنها مظلمتش نفسها، دي كمان بتلوم نفسها إن يمكن كانت هي اللي ظالمة ناصر وإن كان معاه حق لما سافر وسابنا واتجوز عليها، ولما بتيجي سيرة حقوقي بلاقيها واحدة تانية، شايفة إن الملاليم اللي ناصر سابها لنا قبل موته هي دي كل حقوقنا، لأ وكمان لازم نترحم عليه وندعيله على الفضل الكبير اللي عمله معانا، طب وابنه اللي عايش في إيطاليا بيتمتع بفلوس ملهاش أول من آخر، عايش عيشة مش من حقه هناك وكل ده كان من حقي أنا وأختي، هو ده عدل؟
قوليلي يا زينب اللي بيحصل ده عدل؟ تنهدت بقوة تنظر له بهدوء، حزينة على ما وصل إليه من أفكار وصراعات نتيجة حياة بائسة عاشها، تعلم أنه يمتلك قلبًا دافئًا وروحًا لينة ولكن يتحول تمامًا عند ذكر والده وشقيقه ليصبح كما لو كان أكثر الناس حقدًا. حررت لسانها لتردف بهدوء وتروي علها تستطيع انتشاله من المستنقع الذي أسقطاه فيه والداه قائلة:
–كل إنسان له نصيب يا سامح، كل واحد له 24 قيراط، بياخدهم بشكل مختلف عن الثاني حتى لو كانوا إخوات، إنت هنا شايف إن أخوك عايش ملك في إيطاليا وبيلعب بالفلوس بس إنت متعرفش تفاصيل حياته فيها إيه، متعرفش صحته عاملة إزاي، مش باصص غير على الجزء اللي ناقص عندك بس، مع إن لو جيت تبص لحياتنا هتلاقي إننا كويسين وحياتنا هادية وربنا رزقنا الصحة والذرية الصالحة، حاول تشوف النص المليان من الكوباية يا سامح، صدقني هترتاح جدًا.
تنهد بقوة ليزفر مطولًا ويفكر، هناك جزء خفي مقتنع بحديث زوجته وجزء متمرد يتغلب عليه ليقول باندفاع: –أنا مش بتكلم عن نصيبي يا زينب، أنا بتكلم عن حقي، حقي اللي ربنا أمرني مأسيبهوش، حقوقي وورثي الشرعي أنا وأختي اللي متمتعناش بيها وهو عايش يبقى على الأقل كنا نتمتع بيها وهو ميت. شردت قليلًا، كيف تقنعه أن تفكيره للأمور سطحي وغير منصف، لتقول بترقب: –طيب ليه متحاولش تتواصل معاه يا سامح؟ احتدمت ملامحه وتبدلت نظرته من الحنو
إلى القسوة ليقول بحدة: –لو قولتي الكلام ده تاني يا زينب أنا مش هتكلم معاكي تاني في أي حاجة، البني آدم ده بيني وبينه حاجز لآخر العمر، هو المفروض لو كان كويس وعنده ضمير كان جه ورد الحقوق لأصحابها، بس أنا عمري ما هسامح في حقي، وهحاول أوصل لحقوقي بالقانون بس ينزل هو مصر مرة واحدة بس. يبدو أن لا داعي لحديثها الآن، يبدو في حالة قناعة تامة بأفكاره، لذا فلتغير الدفة وتبدل الحديث قائلة بابتسامة هادئة:
–طيب سيبك من الكلام في الموضوع ده وقوم يالا نفطر عشان ريما صاحية من بدري مستنياك. زفر يومئ بشرود ثم ترجل من جوارها يخطو للخارج بصمت وتركها تفكر في طريقة جديدة لتنتشل منه تلك النقطة السوداء التي يمكن أن تلوث حياتهما. *** بعد عدة أيام. في شقة ناردين تجلس تتناول فطورها مع مايا التي تحدثت قائلة بحماس: –ناردين النهاردة فيه عرض مسرحي في الـ Roman Hall وأنا وأصحابي رايحين، تحبي تيجي معانا؟
رحبت نارة بالفكرة، وحتى أنها لم ترد، فهذه دعوة مجانية لها لمرافقة شقيقتها، عليها أن تظهر حماسها وتسعد بالذهاب. تحدثت بحماس زائف: –آه طبعًا يا ريت، إنتِ عارفة إني بحب العروض المسرحية دي جدًا، بس هنروح إمتى؟ تحدثت مايا وهي تنظر في ساعة هاتفها: –يعني يا دوب تجهزي، هننزل كمان ساعة، أنا هقوم أجهز أنا كمان. وقفت مايا تتحرك لتستعد بينما شردت ناردين قليلًا في الأمر، هي لا تحب تلك العروض ولكنها مجبرة حتى تتابع شقيقتها.
رن هاتفها فالتقطته لترى اسم المتصل والتي لم تكن سوى أولجا صديقتها في الجامعة. فتحت تجيب بحب ورتابة: –أهلًا أولجا كيف حالكِ؟ تحدثت أولجا بترقب: –مرحبًا ناردين، أنا بخير، ولكني كنت قريبة من موقعكِ فهل لي أن آتي إليكِ؟ تحمحمت ناردين ونظرت لمايا التي تستعد وشردت لثوانٍ تحسم أمرها، يمكنها الاعتذار بسهولة ولكن لأولجا معزة خاصة لديها، فهي فتاة جيدة وصديقة مقربة كما أنها خلوقة، لذلك لا تستطيع ردها، زفرت وأجابت بترحاب:
–حسنًا بالطبع عزيزتي تأتي وقتما تشائين، سأكون في انتظارك. أغلقت معها ونظرت لمايا التي أومأت تردف بضيق: –متقوليش حاجة عرفت إنك مش جاية، بس ليه معتذرتيش؟ –صوتها كأنها محتاجة تتكلم، محبتش أحبطها، خلاص يا مايا روحي إنتِ ولما أولجا تمشي هحصلك. زفرت مايا وأومأت ثم عادت تكمل لباسها، بينما وقفت ناردين تجمع الأغراض المبعثرة وتهندم حال المكان حتى تستقبل رفيقتها. وقفت بعد وقتٍ تودع مايا مردفة بثقة وهي تنظر داخل عينيها:
–مايا أنا واثقة فيكي. يمكن أن تكون ليست كذلك، ولكنها أرادت أن تلزمها بالاعتدال، أرادت أن تضع على عاتقها مسؤولية الثقة والالتزام، ربما حقًا التزمت. ابتسمت مايا فباتت جميلة وبريئة ثم تقدمت تقبل وجنة شقيقتها ولوحت بيدها لها وغادرت على الفور. زفرت ناردين بقوة ودلفت تغلق خلفها لتحضر كعكة تستقبل بها صديقتها. أتت أولجا بعد دقائق ورحبت بها نارة وجلستا تتحدثان، ثم تحمحمت أولجا قائلة بقلق:
–هل يمكن أن أخبركِ سرًا وتحتفظي به لأجلي؟ تنبهت نارة جيدًا وأومأت تحسها قائلة: –بالطبع أولجا أنتِ تعلمينني جيدًا. تمسكت أولجا بيديها وابتسمت تردف بنبرة يشوبها القلق وأتت لتسمع من نارة ما يطمئنها:
–لهذا السبب أتيت أليكِ، حسنًا سأخبركِ، تعلمين أن جيستن عضو في البرلمان، ولديه مواقف سياسية ولديه أعداء عدة، ومؤخرًا بدأت أخشى عليه وعلى حياتنا المستقبلية، فقط أيام وسنصبح كيانًا واحدًا وعليّ أن أسعى لاستقرار حياتي معه، هو يجاهد لتتحقق العدالة ولكن هناك من يتربص له، هو بنفسه أخبرني بذلك، وحتى أنه لا يعلم هويتهم، هؤلاء يخفون أعمالهم القذرة خلف شركات قانونية وأنا خائفة جدًا ناردين، رجوته أن يبتعد عن مسارهم ولكنه رفض، أخبريني ماذا أفعل؟
أنا حقًا خائفة. زفرت نارة بقوة وانتابها القلق أيضًا، جيستن راي شخصية شبابية معروفة، يحب أولجا وقريبًا سيتم زفافهما سويًا، ولكنها محقة في خوفها وقلقها، محقة في بحثها عن حياة آمنة. طال الصمت قليلًا ثم قطعته ناردين قائلة بنبرة حكيمة:
–الجميع يعلم أن جيستن يفعل الصواب، هو يحارب الفساد، يسعى لنشر السلام، ومؤكد هذا يجعله مستهدفًا، ولكن لكِ كل الحق في القلق والخوف، ولكننا لا نختار الحياة يا أولجا بل هي من تختارنا، أقدارنا ستنفذ لا محالة، جيستن شخصية رائعة وأنتِ كذلك وكلاكما محظوظٌ بالآخر. ثم بما أن زفافكِ قد اقترب لما تشغلين عقلك بتلك الأفكار؟
دعي الأمر لله وابدأي في التحضيرات وثقي أن الله يدبر الأمور لصالحنا دوماً، لا تقلقي عزيزتي، هيا أخبريني متى موعد الزفاف؟ تطيب قلب أولجا قليلًا ثم ابتسمت وأردفت بهدوء: –بعد أسبوعٍ من الآن، وبالطبع أنتِ أول الحضور. أومأت نارة تبتسم ثم وقفت تقول بحماس لتخفف من على عاتقها: –حسنًا أيتها العروس الرائعة، الآن لنحتسي كوبين قهوة مع قطع الكيك ثم نتحدث أكثر عن تحضيرات الزفاف، لتخبريني علّني أستفيد منكِ للمستقبل.
التفتت تحضر الضيافة ولكن قد انشغل عقلها أيضًا بحديث أولجا، الأمر مؤكد صعب، الأمر يتعلق بشريك حياتك، نعم جيستن حياته مهددة وهو يعلم ذلك جيدًا ولكنه لا يبالي، حسنًا من الجيد أنها بعيدة عن الأمور السياسية برمتها وإلا كانت حالتها أسوأ من حال أولجا التي تحاول التخفيف عنها، فهي لا تتمنى أبدًا حياة مليئة بالصراعات، بل تتمنى فارس أحلام تعيش معه حياة رومانسية هادئة، لذا فهي حقًا تلتمس كل الأعذار لأولجا. ***
في القاعة الرومانية تجلس مايا مع أصدقائها وصديقاتها تتابع العرض المسرحي باندهاش وتركيز تام. كان عبارة عن عرض مسرحي لقصة روميو وجولييت الرومانسية، كان الجميع في حالة هدوء تام يشاهدون الحركات التي يقوم بها الممثلان بإتقان. لتشعر بيدٍ تتسلل إلى ملابسها تفقدها التركيز في هذا العرض، انتفضت تنظر لتلك اليد لتتفاجأ بالشاب الذي كان يريد صفع نارة في الملهى، هو نفسه يريد أن يتحرش بها في وسط الجمع غير المنتبه أو لا يعينه الأمر.
نظرت له بحدة قائلة بهمـس متوحش: –أبعد يدك عني. لم يطيعها بل اقترب أكثر يردف بهمـس مقزز: –هيا مايا دعينا نستمتع، أنا أحبك. نزعت يده من حولها لتنفضها بعيدًا قائلة بحدة ونبرة صوت أعلى قليلًا: –إن لم تتوقف عن تلك الحركات لا تلم إلا نفسك. ضحك عليها ليردف بعدها بخبث وسخرية:
–أوه أعشق هذا التمرد، يبدو أنكِ تعلمتيه من شقيقتكِ تلك، دعيني أخبركِ أمرًا، برغم أنها صفعتني وكم كنت غاضبًا حينها إلا أنني أعجبتُ بها حقًا، ما رأيكِ أن تدعيني أقابلها وأعتذر منها؟ نظرت له بغيظ ثم تحدثت وقد أصبح عقلها يعطي لجسدها إشارات دفاعية لأي لمسة منه: –لا شأن لك بها، دعني أخبرك أنا أمرًا، أقسم إن رأتك شقيقتي مجددًا لصفعتك مجددًا خصوصًا إذا أخبرتها بما كنت تنوي فعله أيها الغبي.
جمعت حقيبتها ومعطفها بعد ذلك ووقفت تغادر وسط تساؤلات باقي الأصدقاء وتلمزات الآخرين الذين لاحظوا ما حدث. أما هذا الشاب كان ينظر له بخبث وأخذ يفكر في خطة أخرى للإيقاع بها أو بشقيقتها، فكلتاهما تمردتا عليه وهذا يروق له كثيرًا. *** طوال هذا الأسبوع وقد التزم صقر بموعد دائم يوميًا يذهب إليه، بعد أن علم بمصادره الملتوية أنها تجلس عند نافذتها يوميًا من الساعة السابعة إلى التاسعة مساءً تقرأ كتابًا ثم تخلد بعدها للنوم.
مر الأسبوع وهي تجلس كعادتها على مقعدها الهزاز أمام نافذتها الزجاجية المغلقة في هذه الأجواء الشتوية التي تعشقها، تتعمق في القراءة جاهلة تمامًا عن هذا الذي يقف يتأملها يتخفى ويتقنع بجاكيته ذو القبعة التي تنسدل على رأسه فتخفي ملامحه. أصبح هذا وقت رفاهيته الوحيد، الوقت الذي خطط له جيدًا لكي لا يعلم أحد أين يذهب فيه، فقط يقف مستندًا على حائط المقهى المقابل يتابع ملامحها المندمجة في تلك الكلمات.
شيء ما في أعماقه أرادها، شيء بداخله تمسك بها ككف جنين خرج للتو من رحم أمه وتمسك بإصبعها، وكم كانت يده ضعيفة وقبضته هاوية، ولكن تأثيرها على كليهما عظيم. ربما يشعر في قرارة نفسه أنها الوحيدة القادرة على انتشاله من بحر الظلمات الذي غرق فيه. ربما يتمنى أن يبتعد عن كل تلك الحياة ويهاجر معها وليسكن ورقة في أحدى كتبها لا يمانع ولن يمانع.
كل ما يريده رؤيتها، تصرفها في تلك الليلة مع شقيقتها وملامح وجهها المشمئزة من ما حولها جعلته ينشغل بها، فهي بمثابة حالة شاذة عن محيطه كله. يشعر أنها قادرة على تحمل مسؤوليته وهذا ما تريده روحه الخفية وتخالفه نفسه السيئة، يريد من أعماقه المجهولة أن يشاركه أحد ما بداخله دون أن يحكي، يشاركه ويعالج أحدهم آلامه دون أن تنزف.
ربما هي بيضاء نظيفة غير ملوثة وهو امتلأ بالاتساخات، ربما حياتها تعني لها الكثير وحياته لا تعنيه شيئًا، ربما هي نقية شفافة وهو مظلم وغامض، هما قطبان متنافران تمامًا ولكن برغم كل تلك التناقضات وجد شيئًا ما يجبره على الاقتراب ليخطط وينفذ منتظرًا فقط أن تلمحه ليبدأ في السعي ويحقق هدفه الذي سيقوده إليها.
خصوصًا بعد أن علم أنها مصرية، وهذه كانت وصية والدته قبل وفاتها، كانت تحلم بأن تعود معه إلى مصر وتختار له زوجة مناسبة وتعرفه على شقيقيه الذي يعلم عنهما ولم يراهما أبدًا، وقبل وفاتها وبعد أن أدركت عدم قدرتها على تحقيق أمنيتها طلبت منه أن ينفذ وصيتها تلك، ربما استطاعت تلك المصرية المجهولة بالنسبة لها أن تنجح فيما فشلت هي فيه.
لذلك رفض التعرف على إحداهن أو إقامة أي علاقة بينه وبين جنس حواء مقتنعًا أنه لن ينفذ الوصية ولن يخالفها ولم يتوقع أبدًا أن يحالفه الحظ وتأتيه مصرية بنفسها إلى وكره. ها هو يقف مجددًا مختبئًا خلف جاكيته وقبعته على الطرف المقابل لها، أمامه سيارته السوداء وخلفه المقهى المنشود. أما هي فجالسة متكورة على نفسها في إضاءة خافتة تحتسي رشفة من كوب القهوة ثم تضعه على المنضدة وعينيها منكبة على الكتاب لا تفارقه، تقرأه بإنتباه شديد.
ويبدو أن قدرهما يُكتب وها هي حبات المطر تتساقط، ولوصف أدق هي رقاقات ثلج ناعمة بدأت تسقط ببطء متراقصة في الهواء إلى أن ترتكز على الشوارع. وكأن رائحة المطر تسللت إلى أنفها نبهتها لتقوم بتحريك ساقيها بصعوبة بعد أن تيبسا بفعل جلستها لمدة طويلة. تألمت منهما ولكن تناست أي ألم بعد رؤية الثلج مرتكزًا على ورودها التي تتمايل بخفة أمام نافذتها.
وضعت كتابها بجانب كوب القهوة ثم وقفت لتقابل النافذة، مدت يديها ترفعها للأعلى لتقابل مثيلتها. أخرجت رأسها وابتسمت كأن بينها وبين الثلوج حكاوي ضاحكة، أو ربما سعدت بزيارتهم لها، وها هي تستقبلهم بترحاب شديد على كفها الرقيق، هذا مناخها المفضل من كل عام، ولو كان الأمر بيدها لخرجت ووقفت في منتصف الشارع ودارت بين حبات المطر أو رقاقات الثلج هذه ولكن يمنعها خجلها.
كل هذا يحدث أمام عين صقر الثاقبة التي تنكب عليها وتحفظ كل تفاصيلها وأصغر حركاتها وتسجلها جميعها في ذاكرة لا تقهر أبدًا. فجأةً التفتت عينيها لا إراديًا لموقعه فلمحت عينه التي أبعدها خلال لحظات ثم بين ثانية وأخرى كان يستقل سيارته ويغادر، وبرغم أن هذا تحديدًا مبتغاه إلا أن نظرتها تلك كانت لها أثر على يساره الذي يظنه لا يعمل.
أما هي فوقفت متعجبة من أمر هذا الذي لم تنتبه لملامحه جيدًا ولكنه يمتلك نظرة سلطت عليها فأرجفتها كليًا، من هذا ولما كان يتمعنها هكذا؟ هزت رأسها لتنفض أفكارها ثم زفرت وقررت الدخول، دلفت وأغلقت النافذة مجددًا، ربما هي مخطئة، ربما كان يقف ينتظر أحدهم أو خرج لتوهِ من المقهى، مؤكد كذلك وهي من ترجمت وقفته ونظرته بطريقة خاطئة نظرًا للقصة الرومانسية الخيالية التي كانت تقرأها للتو. تذكرت شقيقتها لذلك أسرعت تلتقط هاتفها ثم قامت
بالاتصال بها مردفة بقلق: –مايا اتأخرتي ليه؟ الجو برد جدًا يالا تعالي. أردفت مايا عبر الهاتف وهي تستقل سيارة أجرة بنبرة حزينة نظرًا لما حدث: –أنا في التاكسي يا ناردين دقايق وهكون عندك. أغلقت معها بعد أن اطمأنت ثم نظرت لقهوتها التي بردت وقررت صنع أخرى لتستمع ببقية تلك القصة. *** عودة للقاهرة حيث الصالة الرياضية التي يعمل بها عمر. يقف يضع الأوزان المناسبة لأحد الشباب المبتدئ، تحدث الشاب برتابة:
–كابتن عمر هو إنتَ بقالك قد إيه بتلعب رياضة، يعني جسمك مش ضخم زي اللي بشوفهم يلعبوا. تحدث عمر وهو يدربه على استعمال الآلات:
–أنا بلعب من تسع سنين تقريبًا، يعني من فترة طويلة جدًا، ومش لازم يبقى جسمي ضخم وعضلاتي هتنفجر، معظم الأشكال دي بتكون عن طريق إبر مضرة بالجسم أصلًا، الرياضة الحقيقية بتبدأ من العقل لإن هو اللي بيدي إشارة لكل العضلات تشتغل، يعني غذي عقلك وفكرك واعرف خطواتك كويس وبعدين غذي جسمك بالرياضة والأكل الصحي وابعد عن الشكل الضخم تمامًا، أغلب الناس الضخمة بيغلبهم ناس جسمها عادي جدًا بس عارفة بالضبط الضربة القاضية فين.
أومأ الشاب معجبًا بحديثه ليردف: –معاك حق يا كابتن عمر. أكمل تدريبه ليأتي أحدهم ويردف بترقب: –كابتن عمر فيه آنسة واقفة برا طالبة تقابلك. تعجب عمر وتساءل بترقب: –مقالتش اسمها يا أحمد؟ هز أحمد رأسه بلا ليترك عمر الشاب ويتحرك للخارج بترقب، وصل وتفاجأ بتلك الفتاة التي أحبها، زميلته التي أراد أن يكمل حياته معها ويتزوجها ولكن جاء رفض أهلها له كالصفعة القوية التي أنبهته لماضيه مهما حاول المضي قدمًا.
زفر يقف أمامها بثبات فلم تعد المشاعر كالسابق، ليتحدث متسائلاً: –أهلًا يا آنسة نور، خير؟ اقتربت منه قليلًا تنظر له بهيام لتقول بنبرة حب ما زال قائمًا داخلها نبرة يشوبها الأسف لما حدث: –وحشتني يا عمر، كان نفسي أشوفك، أنا من وقت اللي حصل وأنا مش باكل ولا بشرب لحد ما أقنعت بابا بيك، هو دلوقتي موافق تقابله تاني يا عمر وتتكلم معاه.
وقف يطالعها بشرود، وافق والدها بعد أن أهانه وعايره بذنبٍ لم يقترفه أبدًا، وافق بسبب تمرد ابنته وامتناعها عن الطعام بعدما ألقى عليه ذنب أبوين تخليا عنه وامتنعا عن رعايته وإطعامه بنفسهما وتركاه ليد القدر الرحيمة التي جاءت على هيئة سيدة حنونة أنشأته على حالٍ أفضل من حالٍ كاد أن يصل له معهما. ليتنهد بقوة ثم ينظر لها ويردف معتذرًا بشموخ قائلًا:
–مبقاش ينفع يا نور، حكايتنا انتهت من قبل ما تبدأ، مينفعش نكمل مع بعض ونتزوج ونكون أسرة ووالدك شايف أني مصلحش أكون زوج ولا أب، هو يمكن وافق عشان خاطرك إنتِ، لكن أنا بالنسباله هفضل نفس الشخص، وأنا مش هقبل أكون في المكانة دي أبدًا، عشان كده أنا بتمنالك حد أحسن مني يقدرك ويصلح يكون زوج ليكي وأب لأولاده.
نظرت له بحزن، تعلم أنه لا يتهاون أبدًا إن مست الأمر كرامته وأدركت عدم تحقيق ما جاءت لأجله، لن يتهاون مثلما كانت تعتقد، عليها أن ترسل والدها بنفسه إليه، هي تحبه وستحاول إقناع والدها بالاعتذار منه، لذلك التفتت تغادر من حيث أتت بعد أن فهمت حديثه جيدًا. *** في اليوم التالي صباحًا استيقظت ناردين مبكرًا ولكن ما زال الجو غائم والشمس غائبة، يبدو أن الأجواء القادمة تحمل مفاجآت.
بعد دقائق تحركت للنافذة لترى أزهارها التي تبدو في حالة جيدة، جالت عينيها ذلك المكان مرة أخرى مع أمنية داخلية أن تراه ولكن هذا لن يحدث، فلم ترى سوى المقهى والمارة ذهابًا وإيابًا. زفرت مستسلمة وقررت الدخول لتبدأ روتينها اليومي ولتوقظ تلك النائمة نومة أهل الكهف. بعد ساعة وبعد أن استيقظت مايا ساكنة وشاردة على غير عادتها وباءت محاولات نارة في معرفة ما بها بالفشل.
عادت نارة لترى أزهارها وترويهم ولكنها تفاجأت بشيء غير مألوف، وردة حمراء لا تنتمي لورودها ومعلقًا في عودها ورقة بيضاء. التقطتها ببطء وترقب لتفتح بأصابعها تلك الورقة فتتفاجأ وتقرأ ما كتب عليها بلغة عربية مقصودة: (كنت أظن دومًا أن الشمس تختبئ عند سقوط الأمطار… إلى أن رأيتُكِ)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!