ظلت غزل ترتجف وحيدة في الشقة حتى شعرت أن الوقت يمُر هباء. قامت من الأريكة وهي تصفع الهواء حولها خوفاً من أن تصطدم بشيء لا تراه. المشكلة أنها لا تعلم أين باب الشقة. حتى فُزعت عندما استمعت لجرس الشقة يرن بعنف. ظلت ترتجف وهي تُحاول الاختباء ولكنها لا ترى شيئاً. أحدهم يصفع الباب بيده من الخارج مما سبب ذعراً مبالغاً فيه لغزل التي بدأت تذكر الله وتحتمي به وتقول: "يارب احميني وابعد شرهم عني، ساعدني استخبى أنا مش شايفة." ***
داخل فيلا قاسم الكاشف. كان يجلس عمر على أجهزته بعد ما قام بتهكير حسابها الشخصي على فيسبوك. المحادثة الأخيرة بالفيسبوك كانت مريبة وجعلت عمر يقلق كثيراً على غزل. حساب وهمي قد أرسل لها رسالة محتواها: "لو فضلتِ ورا الموضوع ده كتير جسمك هيبقى مكان العروسة دي." وصورة لعبة فتاة معلقة من عنقها.
توقف عقل عمر قليلاً وهو ينظر للمحادثة بتعجب. إجابة واحدة فقط من الاثنتين اللتين تدوران بعقله. إما أن ذلك المترصد لا يعلم أن غزل كفيفة، أو أنه يعلم كل خطواتها جيداً ويعلم بأن صديقتها منار هي عينها التي تقرأ لها المحادثات. ولكن السؤال الأهم يبقى مطروحاً. ما سر تلك التهديدات وسر هالة الغموض التي تحيط بتلك الفتاة التي ألقاها القدر في طريقه؟
ظهر أمامه أن منار لم تجب على تلك الرسالة وقد حذرت ذلك الحساب المزيف. وبقية الرسائل عادية. رفع هاتفه وهو يتصل برقم غزل للمرة الأخيرة متمنياً من كل قلبه أن تجيب ليطمئن عليها. الرنة قبل الأخيرة توقفت وجاء صوت لأذنه لاهثاً يقول: "أيوة مين معايا؟ ليك علاقة بصاحبة الرقم؟ عمر بقلق مبالغ فيه: "أيوة!! هي فين؟ وانت مين! الرجل على الجهة الأخرى:
"أنا واحد من الجيران، في ناس حاولوا يتهجموا عليها بس إحنا كسكان العمارة حاولنا نمسكهم ولحقناها، والتليفون عليه كلمة سر مش عارفين نفتحه فـ ما صدقنا حد يتصل. هي فاقدة الوعي دلوقتي لوحدها في الشقة." عمر بغضب: "اديني العنوان يا باشا أنا جايلك في السكة." *** داخل المشفى.
كانت بيان ممدة على فراش المشفى وهي ترتجف. ميعاد الزيارة المخصص لأقارب المرضى انتهى وبقت وحدها. صديقتها ومرافقتها لتلك الليلة ذهبت لتحضر أغراض هامة من المنزل وقد تتأخر. حاولت بيان النوم وأغلقت عينيها لكن نور الغرفة انطفأ. فتحت عينيها بوسعهما وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة وتُحاول مد يدها لرن جرس الممرضة. صوت أزيز الباب يُفتح ببطء جعلها تضرب الجرس بقوة وهي تنادي بصوت عال: "حد يرد علياا ويلحقني!
انفتح الباب أخيراً لتدلف صديقة بيان إلى الغرفة سريعاً وهي تقول بقلق: "بيان!! مالك بتصوتي كدا ليه متخافيش." بكت بيان بتوتر أعصاب وهي تقول: "وانتِ بتفتحي الباب بالطريقة دي ليه وقعتيلي قلبي." جلست صديقتها وهي تقول بقلق عليها: "خوفت تكوني نايمة يا بنتي وأزعجك، أنا معاكي قوليلي إيه مخوفك.. كتابك اياه؟ تنهدت بيان بتعب وهي تقول: "مش ندمانة إني فضحتهم، كفاية قرف وأذية غيرهم.. لازم يتفضحوا." صديقتها بقلق:
"أنا خايفة عليكي، الناس دول كبار ومش سهلين وإنتي كدا بتلعبي بالنار، ياريتك ركزتي في موهبتك وحب الناس ليكي ومتطرقتيش في كتاباتك للقضايا اللي زي دي." بيان بصوت ضمير حي: "مقدرش، اللي اتأذى بسببهم صديق ليا، كاتب شاب نهى حياته بسببهم.. دي حاجة لازم كل الناس اللي بيطمحوا لمستقبل باهر يخلوا بالهم منها.. مينفعش نخاف من ناس واسطتهم في الدنيا.. أنا بس طبيعتي كإنسانة بتخليني أخاف لو أجلي قرب." صديقتها بأعين دامعة:
"بعد الشر عليكي إن شاء الله هما وأهليهم يارب." بيان بنظر أمامها: "متخافيش وثقي فيا، أنا طول عمري قوية وهفضل قوية حتى لو مت فـ كتابي اتنشر خلاص.. ومفيش في إيديهم حاجة يعملوها." صديقتها بخوف: "ما يمكن يكلموا دار النشر يهددوها ويسحبوا النسخ! ابتسمت بيان وهي تقول: "نص الطبعة الأولى اتباعت، وواحدة من القراء بتوعي أنا سبتلها رسالة لو حصلي حاجة تنشر هي النسخة اللي معاها:))" *** داخل شقة غزل.
صف عمر سيارته ونزل منها ركضاً إلى داخل البناية. وجد أحد الشقق في أحد الطوابق بابها مفتوح على مصراعيه فـ علم أنها شقة غزل. دلف لها دون إذن وهو ينظر للسيدات البسيطات الذين يجلسون حولها وهي تمسك بيدها كوب من العصير ويدها ترتجف بقوة وتنظُر أمامها بلا هدف. عمر بصدمة: "إيه اللي حصلك يا غزل!! ما إن وصل صوته لأذنيها بكت وهي ترتجف وتقول: "عمر، منار مرجعتش وفي ناس حاولوا يتهجموا عليا و.. إهيء." ربتت إحدى السيدات
على ظهرها بحنو وهي تقول: "اسم الله عليكي يا بنتي، معندكيش حد يما هقعدك مع بناتي متخافيش." غزل ببكاء: "لا عشان متتأذوش بسببي." عمر بحزم: "قومي معايا يا غزل، ومتخافيش هنلاقي منار كويسة." غزل بصوت مرتعش: "مش عاوزة أورطك معايا.." عمر بمقاطعة حازمة: "غزل! من فضلك يلا مش هسيبك هنا." قامت معه وهي تستند على السيدة حتى التقطها عمر وهو يتوجه بالشكر لسكان البناية الذين دافعوا عنها.
نزلت برفقته بعد ما أعطاه أحد الرجال حقيبتها التي لم تفتحها بعد. وصلوا للسيارة ووضع الحقيبة وجعل غزل تجلس بجانبه. استدار عمر حول السيارة حتى وصل لمقعد السائق وأدار السيارة. غزل وهي تتشبث بالمقعد تقول: "أنا مش شايفة متسرعش خايفة." عمر بحنان: "متخافيش، هوديكي مكان مفيش حد هيقدر يلمس شعرة منك فيه." غزل ببكاء: "مش عاوزة أورطك معايا ممكن يأذوك." عمر وهو يقود السيارة بغضب: "أيوة، هما مين بقى؟ غزل بإرهاق:
"هحكيلك، بس خدني في مكان بعيد، اخفيني عن عيون الناس وعيون أي حد." جملتها كانت تبحث بها عن الحنان وطلبته منه هو فقط. شعر برجفة قلبه للمرة الأولى ثم عقد حاجبيه وكأنه غير منتبه لما قالت. وصل أمام الفيلا الخاصة بقاسم الكاشف ثم نزل وهو يفتح باب السيارة لغزل ويُسندها. غزل بتساؤل: "وصلنا؟ عمر بهدوء: "أه وصلنا، ثقي فيا وتعالي." كان يمسك بذراعها حتى يساعدها على السير. لكنها توقفت وهي تلمس ذراعه حتى وصلت لكف
يده وأمسكته برجاء لتقول: "منار يا عمر، خايفة يكونوا قتلوها! امسك عمر بجسدها بين يديه وهو يحركها ويقول: "مين دول اللي ممكن توصل معاهم للقتل! وهل أنتي مولودة كفيفة ولا حصلك حاجة خلتك كدا؟ فهميني عشان أعرف أتصرف." غزل بخوف: "هحكيلك، بس إحنا في الشارع صح؟ نظر عمر لحديقة الفيلا من حوله وهو يقول بتنهيدة باردة: "لا إحنا في الحديقة، هندخل دلوقتي."
اصطحبها لداخل الفيلا ثم أغلق الباب. نظر حوله ليجد الفيلا هادئة ولا يوجد بها صوت فـ تنهد براحة وهو يصطحبها خلفه حتى صعد بها لغرفته وأغلق الباب للمرة الأولى وهو بالداخل بالمفتاح. جعل غزل تجلس على فراشه ثم جلس على ركبتيه على الأرض أمامها وهو يقول بهمس: "وطي صوتك وإحنا بنتكلم عشان إخواتي، فهميني بالضبط مين بيهددك." كانت غزل ترتجف وهي تسمع أسئلته فـ أضاف قائلاً:
"أنا فتحت فيسبوك بتاعك وشوفت رسالة التهديد اللي منار قرأتها ليكي عشان كدا سألتك إنتي كفيفة بسبب حادثة ولا اتولدتي كدا أصله باعتلك صورة." غزل بصدمة: "انت هكر!! عمر من بين أسنانه محاولاً الهدوء: "أيوة بس مش وقته، جاوبيني عشان أفهم.. صدقيني محدش هيقدر يساعدك غيري." تذكرت غزل صديقتها فـ بكت وقالت: "منار زمانهم قتلوها بسببي إهيء." عمر بتكرار السؤال: "هما مين!! إرتجفت شفتيها وهي تقول:
"دول ناس كبار في البلد يا عمر، ولا أنا متولدتِش كفيفة.. أنا حصلي كدا بسبب حادثة مدبرة، دا بسبب زيارة زبونة غريبة ليا وقت ما كنت شغالة في محل هدايا.. بعدها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!